← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

وَذَهَبَ مَالِكٌ (١) وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢) إِلَى أَنَّهُ لَا يُصَلَّى لَهُ فِي جَمَاعَةٍ). مذهب مالك فيه تفصيل (٣). * قوله: (وَاسْتَحَبُّوا أَنْ يُصَلِّيَ النَّاسُ لَهُ أَفْذَاذًا رَكْعَتَيْنِ). أفذاذًا يعني: أفرادًا، فردًا فردًا (٤) * قوله: (كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ النَّافِلَةِ). يعني: كسائر الصلوات النافلة التي يُصَلِّيها الإنسان وحده، كالسنن الرَّواتب لا السُّنن التي تُؤدى جماعة، كصلاة كسوف الشمس، أو العيدين، والاستسقاء، والتراويح. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ ﵊: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَان مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يُخْسَفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ). والحديث جمع بين مسألتي كسوف الشمس وكسوف القمر، والرسول ﷺ قال: "إنَّ الشَّمْسَ"، و (إن) مِن المُؤكدات، "إنَّ الشمس والقمر آيتان من آيات اللَّه"، فجمع بينهما؛ فهل لهذا الجمع بينهما معنى؟ بحيث يكون حكماهما واحدًا؛ لكون النبي ﵇ قال في آخر الحديث:

стр. 2732

"فَإِذا رأيتم ذلك"، والإشارة تعود إلى الكل، "فَصَلُّوا"، وفي بعضها: "فَصَلُّوا وادْعُوا"، والروايات كثيرة جدًّا. فمِن العلماء مَن قال: إلى الأمر مقصور على صلاة كسوف الشمس، أما القمر فلا؛ قالوا: لأن فِعْل رسول اللَّه ﷺ جاء بيانًا لقوله؛ لأن ما جاء عن قوله إنَّما كان مقصورًا على صلاة كسوف الشمس. وهذا ما نهجه المؤلف وذهب إليه، ولكننا لا نوافقه وسنرد قوله الذي يقول فيه بأنه لم يَرِد في ذلك أحاديث. * قوله: (فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا اللَّهَ، وَصَلُّوا حَتَّى يَكْشِفَ مَا بِكُمْ، وَتَصَدَّقُوا"، خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ) (١). هذا تكلمنا عنه وبينا أنه عندما تنزل بالمسلمين نازلة كما ترون؛ ككسوف الشمس أو القمر، فإن الناس يحمدون اللَّه كثيرًا، ويُكَبِّرون، ويثنون عليه، ويَدعونه ويتضرعون إليه . * قوله: (فَمَنْ فَهِمَ هَاهُنَا مِنَ الأَمْرِ بِالصَّلَاةِ فِيهِمَا مَعْنًى وَاحِدًا، وَهِيَ الصِّفَةُ الَّتِي فَعَلَهَا فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ، رَأَى الصَّلَاةَ فِيهَا فِي جَمَاعَةٍ، وَمَنْ فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ مَعْنًى مُخْتَلِفًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ صَلَّى فِي كُسُوفِ القَمَرِ مَعَ كثْرَةِ دَوَرَانِهِ. . .). هذا الكلام الذي قاله المؤلف بعدم ورود أحاديث في كسوف القمر غير مُسَلَّم له، بل ومردود؛ فقد جاء فيه أربعة أحاديث: حديث أبي بَكْرَة (٢)، وحديث عبد اللَّه بن عباس (٣)، وحديث عائشة (٤)، وحديث

стр. 2733

جابر بن عبد اللَّه (١): "أن الرسول ﷺ صَلَّى في كسوف الشمس والقمر". أمَّا حديث أبي بكرة، فقد أخرجه الحاكم والبيهقيُّ (٢)، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي في تحسينه، وهو بلا شك حُجة. وأما حديث عبد اللَّه بن عباس (٣)، فهو ما رواه الحسن البصري عنه قال: "عندما كسف القمر أو خسف القمر -وابن عباس أميرٌ على البصرة- خرج بالناس؛ فصَلَّى بهم ركعتين، يصلي في كل ركعة ركعتين"، يعني: يأتي بركوعين، "ثم ركب وقال: صَلَّيت لأني رأيتُ رسول اللَّه ﷺ يصلي". وهذا الحديث فيه مقال، ومثله -أيضًا- حديث عائشة، وكذلك -أيضًا- حديث جابر، لكن حديث أبي بكرة هو حُجَّة في هذه المسألة، فيُرد به على مَن يقول بأنه لم يَثبت في ذلك حديث، وحديث أبي بكرة جاء فيه أن رسول اللَّه ﷺ صَلَّى في خسوف أو في كسوف الشمس والقمر، فيَبقى هذا حجة، وليس كما ذكر المؤلف.

стр. 2734

هذا، وقد وردت أحاديث أُخرى في هذا المعنى ومنها: عن ابن عمر أنه كان يُخبر عن رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ الشمسَ والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات اللَّه، فإذا رأيتموهما فَصَلُّوا" (١). ومنها كذلك: سَمِعْتُ المغيرةَ بن شعبة يقول: "انْكسفت الشَّمْس على عهد رسول اللَّه ﷺ يَوْم ماتَ إبراهيم- فقال الناس: إنَّما انكَسفت لموت إبراهيم، فقال النبيُّ ﷺ : "إنَّ الشَّمْسَ والقَمر آيتان مِنْ آياتِ اللَّه لا يَنْكسفان لِمَوْت أحدٍ ولا لحياته، فإذا رَأَيْتموها فادْعُوا وصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِي" (٢). * قوله: (وَمَنْ فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ مَعْنًى مُخْتَلِفًا). ويُؤيد ما ذهبنا إليه هذا الحديث الذي معنا: "إنَّ الشَّمْسَ والقَمَر آيتان"، فرسولُ اللَّه ﷺ جَمَع بينهما، ولكن حصل أن كسفت الشمس، وربما تكررت كما يذكر ذلك بعض العلماء، فاشتهر ذلك. * قوله: (قَالَ: المَفْهُومُ مِنْ ذَلِكَ أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ صَلَاةٍ فِي الشَّرْعِ، وَهِيَ النَّافِلَةُ فَذًّا، وَكَأَنَّ قَائِلَ هَذَا القَوْلِ يَرَى أَنَّ الأَصْلَ هُوَ أَنْ يُحْمَلَ اسْمُ الصَّلَاةِ فِي الشَّرْعِ إِذَا وَرَدَ الأَمْرُ بِهَا عَلَى أَقَلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ فِي الشَّرْعِ). (أَقَلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ): هو ما يتعلَّق بكسوف الشمس؛ لأنَّ الفعل جاء مبينًا له. هذا هو الذي يريد أن يقوله المؤلف. * قوله: (إِلَّا أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَلَمَّا دَلَّ فِعْلُهُ -عَلَيْهِ

стр. 2735

الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، بَقِيَ المَفْهُومُ فِي كُسُوفِ القَمَرِ عَلَى أَصْلِهِ، وَالشَّافِعِيُّ يَحْمِلُ فِعْلَهُ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ بَيَانًا لِمُجْمَلِ مَا أَمَرَ بِهِ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِمَا، فَوَجَبَ الوُقُوفُ عِنْدَ ذَلِكَ. وَزَعَمَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْد البَرِّ: أَنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعُثْمَانَ: "أَنَّهُمَا صَلَّيَا فِي القَمَرِ فِي جَمَاعَةٍ رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ (١) "، مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ). وهذا هو الذي ذكرناه فيما مضى عن الجمهور. * قوله: (وَقَدِ اسْتَحَبَّ قَوْمٌ الصَّلَاةَ لِلزَّلْزَلَةِ وَالرِّيحِ وَالظُّلْمَةِ). ما يتعلَّق بالزَّلزلة والظُّلمة والرَّجفة والريح الشديدة، وكذلك الصَّواعق والأمطار إذا اشتدت، هل يُصلَّى لها أو لا؟ أكثر العلماء أنَّه لا يُصَلَّى لها، وإنما يُقتصر على مورد النص، فالذي وردت الصلاة فيه إنما هو ما يتعلَّق بخسوف الشمس والقمر، ونقل عن الإمام أحمد (٢): "أنه يرى أنه يُصلى للزَّلزلة". وكذلك في المذهب الحنفي أيضًا (٣).

стр. 2736

وحجتهم: أنَّ ذلك نُقل عن عبد اللَّه بن عباس، كما أخرجه عنه البيهقيُّ في "السنن الكبرى" (١)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢). فحجة هؤلاء أو مُستندهم هو النقل عن الصحابي عبد اللَّه بن عباس، وأن العلة الموجودة في الكسوف هي كذلك موجودة في الزَّلزلة، حيث إن القصد التخويف، والتخويف موجود هنا وهناك؛ فقد التقتا في العلة، فيَنبغي أن يَشملهما الحكم. والمالكية (٣) والشافعية ومَن معهم يقولون (٤): "لا يُصَلَّى لغير كسوف الشمس أو القمر؛ لأنَّه لم يَرِد نصّ للصلاة إِلَّا فيهما". * قوله: (وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآيَاتِ، قِيَاسًا عَلَى كُسُوفِ القَمَرِ

стр. 2737

وَالشَّمْسِ، لِنَصِّهِ ﵊ عَلَى العِلَّةِ فِي ذَلِكَ). وحُجَّة القائلين باستحباب الصلاة للزَّلازل والرِّياح والظلمة وما في حكمها، كما ذكر المؤلف هنا هو القياس، لأنَّه إلحاقُ فَرع بأصل؛ لِعِلَّة تَجمع بينهما، والعلة هنا متحدة، فينبغي أن يكون الحكم كذلك، يَدعم ذلك أو يُؤيده ما نُقِل عن عبد اللَّه بن عباس أو ما نُسِبَ إليه. * قوله: (وَهُوَ كَوْنُهَا آيةً، وَهُوَ مِنْ أَقْوَى أَجْنَاسِ القِيَاسِ عِنْدَهُمْ؛ لِأنَّهُ قِيَاسُ العِلَّةِ الَّتِي نُصَّ عَلَيْهَا). وقياس العلة -كما أسلفنا- أَمْرٌ مُسَلَّم، ومخالفة أهل الظاهر لا يُعتد بها (١)؛ لأن الأدلة تَدفع قولهم وتُضعفه، وللجمهور أدلتهم التي استدلوا بها على القياس. والصحابة -رضوان اللَّه عليهم- قد قاسوا فاعتبر القياس مشهورًا، وقد اشتهر عمر ﵁ بالقياس، وهناك مدرسة تُعرف بمدرسة الرأي، وأُخرى بمدرسة أهل الحديث، ومدرسة أهل الرأي تعتمد في كثير من المسائل على المقايسة. والأدلة على جواز القياس كثيرة، ومنها على سبيل المثال: عن ابْن عباسٍ ﵄: أنَّ امْرَأةً مِنْ جُهَيْنة جَاءَتْ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فقالت: إنَّ أمي نَذَرتْ أنْ تَحج فلم تَحُجَّ حتى ماتَتْ، أفأحج عنها؟ قال: "نَعَمْ، حُجِّي عَنْها، أرأيت لو كان على أمك دَيْنٌ؛ أَكُنْتِ قاضيةً؟ اقْضُوا اللَّهَ؛ فاللَّه أحقُّ بالوفاء" (٢).

стр. 2738

ومنها أيضًا: عن جابر بن عبد اللَّه أنَّ عمر بن الخطاب قال: "هَشَشْتُ فَقَبَّلت وأنا صائمٌ، فَجِئْتُ رسول اللَّه ﷺ فقلت: لقد صنعت اليوم أمرًا عظيمًا، قال: "وما هو"؟ قلتُ: قَبَّلْتُ وأنا صائمٌ! فقال ﷺ : "أَرَأَيْتَ لَو مَضْمَضْتَ مِن الماء؟ ". قلْتُ: إذًا لا يَضر؟ قال: "فَفِيمَ" (١). * قوله: (لَكِنْ لَمْ يَرَ هَذَا مَالِكٌ، وَلَا الشَّافِعِيُّ، وَلَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: "إِنْ صَلَّى لِلزَّلْزَلَةِ، فَقَدْ أَحْسَنَ، وَإِلَّا فَلَا حَرَجَ") (٢). وهذا نُقل عن أحمد أيضًا (٣). * قوله: (وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ صَلَّى لَهَا مِثْلَ صَلَاةِ الكُسُوفِ). وهذا موجود في "سنن البيهقي الكبرى"، وفي "مصنف ابن أبي شيبة" (٤). (البَابُ السَّابِعُ: فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ) هذه أيضًا مسألة عظيمة، وحكم من أحكام الصلوات غير الواجبة، ألا وهي: صلاة الاستسقاء. والاستسقاء في اللغة هو: طلب سقي الماء من الغير، يعني: أن

стр. 2739

تَطلب من غيرك أن يسقيك الماء، إما لنفسك، أو لغيرك، هذا هو الأصل في الاستسقاء (١). وأمَّا في الشرع (٢) فهو: طلب ذلك من اللَّه ؛ إذا أجدبت الأرض، فلا، شك أن الأرض إذا أجدبت؛ أي: أصابها قحط، واحتبس المطر وتوقف (٣)، فإن هذه آية من آيات اللَّه، يُحس الخلق فيها بضعفهم وحاجتهم إلى اللَّه . واللَّه إنَّما خلق العباد لغاية، وهذه الغاية قد أشار إليها في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾ [الذاريات: ٥٦، ٥٧]. واللَّه قد رسم طريق الهداية، وبينه غاية البيان؛ فقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وبيَّن طريق الغواية والضلال، وحذر من سلوكه أو

стр. 2740

السير فيه، وبين أن مَن اتَّبع هداية اللَّه فإن مصيره الفوز والفلاح، والمعيشة الدائمة والرغد، وأن من سلك غير ذلك فإن مصيره إلى التضييق عليه في هذه الحياة الدنيا، كما في قوله : ﴿. . . فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦]. ولا شك أن ما يَنزل بالناس من جدب إنما هو بسبب المعاصي، وما ينزل بهم من حْير وبركة، إنما هو بسبب طاعة اللَّه ، وقد أشار اللَّه إلى ذلك بقوله في سورة الأعراف: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦]. نعم، لو أن الناس استقاموا على الطريق السوي، وابتعدوا عن المعاصي وسلكوا طريق الهداية، فاللَّه سيفتح عليهم من السماء بركات، وسيُنزل عليهم الخيرات، لكن المعاصي -كما هو معلوم- سبب في احتباس المطر، والتضييق على الناس، كما أنها سبب في كثير من الأمور التي تحل بالمسلمين (١). إذًا طلب الاستسقاء إنما هو أمر مطلوب من المؤمنين، لأن المطر إذا توقف فترة من الزمن، وانحبس عن الناس، فإنهم يصبحون بأمسِّ الحاجة إلى رحمة اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]. والناس في حاجة دائمة إلى رحمة اللَّه وإلى عفوه ومغفرته، ولذلك عليهم أن يرجعوا إلى اللَّه .

стр. 2741

ومن هنا نرى أن رسول اللَّه ﷺ عندما احتبس المطر -كما جاء في حديث عبد اللَّه بن عباس- خرج متبذلًا (١)، متواضعًا (٢)، متخشعًا (٣)، متضرعًا (٤) إلى اللَّه (٥)؛ إظهارًا لضعف المخلوق أمام اللَّه ؛ إذ إن توقف المطر دليل على وقوع الذنوب والمعاصي، وهذه المعاصي تقتضي أن نعود إلى اللَّه ، وأن نحاسب أنفسنا حسابًا عسيرًا، فنصلح ما قد حصل منا من تفريط في جنب اللَّه، وارتكاب للمعاصي، وما قد وقع من التشاحن (٦) والتطاحن والتكالب (٧) على أمور الدنيا، مما يوقع الخلاف بين المؤمنين، وهذا مما يؤدي إلى الابتعاد عن اللَّه ، والخروج عن الطريق الذي أمرنا بسلوكه.

стр. 2742

فيجب على المؤمنين أن يرجعوا إلى اللَّه ، فإذا ما رجعوا إلى اللَّه بصدق وإخلاص، أرسل اللَّه عليهم السماء مدرارًا (١)، وهذا رجل دخل ورسولُ اللَّه ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة، فوقف بين يدي الرسول، فقال: يا رسول اللَّه، هلك المال، وجاع العيال، فادع اللَّه لنا، فرفع رسول اللَّه ﷺ يديه ودعا ربه (٢)، وقد جاء في بعض الأحاديث أنه لم يكن في السماء سحاب، فجاءت سحابة بمثابة التُّرس (٣)، ثم ظلت تقرب وتنتشر، فنزل المطر (٤). وفي بعض الأحاديث: أن المطر ظل أسبوعًا (٥)، وأن الرجل جاء إلى رسول اللَّه ﷺ في الجمعة الثانية يطلب منه أن يسأل اللَّه أن يوقف المطر.

стр. 2743

واللَّه قد اختاره اللَّه وزكاه، وهو عبد اللَّه ورسوله؛ ولذلك فإنه عندما دعا اللَّه استجاب دعاءه. وهكذا وجدنا أن عمر ﵁ في عام الرمادة، حينما حل القحط بالمؤمنين، ونزل بساحتهم، فأصاب المؤمنين من الفاقة ما لم يصبهم مثله من قبل - لجأ إلى اللَّه ، وطلب منه السقيا، وذكر أن المؤمنين كانوا يستسقون برسول اللَّه ﷺ ، فيدعو اللَّه لهم، فيستجيب اللَّه دعاءه، وقال: إننا نستسقي الآن بعمِّ نبيك العباس، وسألوا اللَّه -تعالى- أن يسقيهم، فسقاهم (١). هذا رجوع إلى اللَّه ، وإظهار للضعف، فإذا كان رسول اللَّه ﷺ خرج متبذلًا بثياب البذلة، غير متزين بثوب، فكيف بمن دونه؟! ومن هنا قال العلماء: يخرج المسلم في ثياب يسيرة، لا يتطيب، ولا يتزين، ويخرج كذلك متواضعًا؛ فإن مَن تواضع للَّه رفعه (٢)، ويجب أن يكون خاشعًا ذليلًا بين يدي اللَّه ، وأن يتضرع إليه، داعيًا إياه بتضرع وإلحاح، فإن اللَّه يحب المُلَحِّين بالدعاء (٣): ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ

стр. 2744

تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، هكذا كان رسول اللَّه ﷺ يفعل، وسنتكلم عن هذا إن شاء اللَّه، ولعلنا نجد فرصة سانحة لذكر حديث أصحاب الغار الثلاثة (١)؛ لنعرف كيف أن اللَّه أنقذ أولئك النفر الثلاثة مما حَلَّ بهم من غم ومن شدة؛ كل ذلك لأنهم اتَّجهوا إلى اللَّه ودعوه بأعمالهم التي صدقوا فيها معه . * قوله: (أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الخُرُوجَ إِلَى الِاسْتِسْقَاءِ، وَالبُرُوزَ عَنِ المِصْرِ، وَالدُّعَاءَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّضَرُّعَ إِلَيْهِ فِي نُزُولِ المَطَرِ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) (٢).

стр. 2745

إذًا هناك خروج إلى الاستسقاء، ولم يقل: إلى صلاة الاستسقاء، والمؤلف له غاية وغرض من ذلك، قال: (الخُرُوجَ إِلَى الِاسْتِسْقَاءِ)؛ لأن الاستسقاء قد يكون بالصَّلاة، وقد يكون بالدعاء بعد الصلاة، وقد يكون بالدعاء مطلقًا (١)، فالمؤلف هنا قال: (الخُرُوجَ إِلَى الِاسْتِسْقَاءِ)، ولم يقل: الخروج إلى صلاة الاستسقاء؛ لأن الصلاة فيها خلاف (٢) سيذكره المؤلف، وهذا الخلاف في صلاة الجماعة، وإلا فإن أبا حنيفة ﵀ يرى صلاة الاستسقاء، لكن لا يراها جماعة (٣)، وليس كما ذكر المؤلف، بل تحقيق

стр. 2746

مذهبه: أنه يرى ذلك، لأن أكبر أصحابه -وهو أبو يوسف (١) - عندما سأله عن ذلك بيَّن أنه لا صلاة، لكن الناس يخرجون ويدعون اللَّه ، ويُصلون فرادى. * قوله: (وَالبُرُوزَ عَنِ المِصْرِ). والبروز بمعنى: الخروج خارج المِصر. * قوله: (وَالدُّعَاءَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّضَرُّعَ إِلَيْهِ فِي نُزُولِ المَطَرِ: سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ). يعني: عندما يدعو الإنسان ربه ، ولطلب منه السقيا، فمن الأشياء التي يذكرها في دعائه: اللهم إنك أمرتنا بدعائك، ووعدتنا بالإجابة، فها نحن ندعوك، فاستجب لنا يا رب؛ لأن اللَّه يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، واللَّه لا يُخلف الميعاد، لكن الاستجابة تحصل عندما يكون العبد المتجه إلى اللَّه صادقًا مخلصًا في دعائه للَّه، لا يريد رياءً ولا سمعةً، ولا يريد غرضًا من أغراض الدنيا،

стр. 2747

وإنما يُقبل على اللَّه ، ويُعرض عما سواه، مخلصًا في دعوته لربه؛ حينئذ يتحقق له ما أشار اللَّه إليه في قوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّلَاةِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، فَالجُمْهُورُ (١) عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَّةِ الخُرُوجِ إِلَى الِاسْتِسْقَاءِ، إِلَّا أَبَا حَنِيفَةَ). هذا قول الجمهور بالنسبة للصلاة؛ لأنهم يخرجون، ويصلون ركعتين، ويُجهر فيها بالقراءة، ويُكثر فيها من الدعاء، كما فعل رسول اللَّه ﷺ ، ويُحَوِّل الإمام والناس أرديتهم، فما هو على اليمين يُوضع على الشمال، وما على الشمال يوضع على اليمين، ثم يتجه الإمام إلى القبلة، فيدعو اللَّه ويتضرع، ويُكثر من الدعاء، وبخاصة ما يتعلَّق بالاستغفار، كقوله : ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]. كما فعل ذلك نوح ﵇. * قوله: (فَإِنَّهُ قَالَ: لَيْسَ مِنْ سُنَنِهِ الصَّلَاةُ) (٢).

стр. 2748

قوله: (لَيْسَ مِنْ سُنَّتِهِ الصَّلَاةُ) جماعةً كما ذكرنا، وإلا فإن أبا حنيفة ﵀ يرى الصلاة فرادى، ويرى الدعاء والإلحاح فيه. * قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ: أَنَّهُ وَرَدَ فِي بَعْضِ الآثَارِ: "أَنَّهُ اسْتَسْقَى وَصَلَّى"). يعني: كما في حديث عبد اللَّه بن عباس: أن رسول اللَّه ﷺ خرج مُتبذلًا، يعني: من غير زينة، متواضعًا، متخشعًا، متضرعًا للَّه ، وأنه ﷺ لم يخطب كخطبتكم هذه، لكنه لم يزل يدعو اللَّه ، ويكبر ويتضرع إلى اللَّه ، ويصلي ركعتين كما يصلي في العيدين (١). ومثل ذلك: حديث أبي هريرة (٢) وأنس (٣) وعائشة (٤)، فالأحاديث في ذلك كثيرة جدًّا، سيسوق المؤلف بعضًا منها. * قوله: (وَفِي بَعْضِهَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا صَلَاةٌ وَمِنْ أَشْهَرِ مَا وَرَدَ فِي أَنَّهُ صَلَّى، وَبِهِ أَخَذَ الجُمْهُورُ: حَدِيثُ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خرَجَ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي، فَصَلَّى يِهِمْ رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهمَا بِالقِرَاءَةِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ (٥)).

стр. 2749

هذا حديث متفق عليه، ولفظ: (جهر في القراءة) إنما ورد في "صحيح البخاري" (١). * قوله: (وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ). مما جاء في الأحاديث أن رسول اللَّه ﷺ رفع يديه في الاستسقاء، حتى كان يُرى بياض إبطه ﵊ (٢). * قوله: (وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وَاسْتَسْقَى"، خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (٣)). يريد المؤلف أن يقول: هذا الحديث نص في الصلاة، فهو حجة للذين يقولون بالصلاة، ومثله حديث ابن عباس الذي سبق ذكره. * قوله: (وَأَمَّا الأَحَادِيثُ الَّتِي ذُكرَ فِيهَا الِاسْتِسْقَاءُ وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ لِلصَّلَاةِ، فَمِنْهَا: حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ أَنَّهُ قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ المَوَاشِي، وَانقطعَتِ السُّبُلُ (٤)، فَادْع اللَّهَ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٥). . .). هذا الحديث ليس كما ذكر المؤلف، بل هو حديث متفق عليه، وقد

стр. 2750

جاء في "الصحيحين" وغيرهما بعدة ألفاظ، منها اللفظ الذي ذكرت آنفًا: "يا رسول اللَّه، هلك المال، وجاع العيال" (١). ومنها هذا اللفظ الذي جاء به المؤلف: "هلكت المواشي، وتقطعت السبل". والقصد من ذلك: أن المواشي قد هلكت بسبب الجدب، لأنها لم تجد شيئًا ترعاه، وتقطعت السبل بالناس، لأنهم تفرقوا يمينًا وشمالًا يبحثون عن مواضع القطر والعشب، لترعى فيه أنعامهم. إذًا هذا هو السبب، ولذلك جاء هذا الأعرابي بكل صراحة، ووقف بين يدي رسول اللَّه ﷺ ، فقال له: "هلكت المواشي، وتقطعت السبل بالناس، وطلب من رسول اللَّه ﷺ أن يدعو لهم، فاستجاب لذلك رسول اللَّه ﷺ ، وهو الذي وصفه اللَّه -تعالى- بالرأفة والرحمة، فاستجاب اللَّه دعاء نبيه، فنزل المطر. وهكذا عندما استسقوا وطلبوا السُّقيا من اللَّه ومعهم العباس (٢)، وقد فعل ذلك معاوية عندما جاء بأحد الصالحين وأجلسه أمامه، وخطب الناس (٣).

стр. 2751

ولذلك يقول العلماء: إنه مما ينبغي العناية به: أن يخرج في ذلك أهل الصلاح والخير، وكبار السن، وكذلك الفقراء والضعفاء؛ لأن ذلك أحرى بالإجابة (١)، وتكلم أهل العلم عن خروج غير المسلمين، كالذِّمِّيين (٢).

стр. 2752

* قوله: (فَمُطِرْنَا مِنَ الجُمُعَةِ إِلَى الجُمُعَةِ"، وَمِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ المَازنِيِّ، وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ: "خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَسْقَى، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ" (١)، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ صَلَاةً).

стр. 2753

هذا قول المؤلف: (وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ صَلَاةً)، هذا لفظه، لكنه لو تتبع ما في "صحيحي البخاري ومسلم" لوجد في بعض الروايات ألفاظًا فيها ذِكر الصلاة، فليس الأمر إذًا كما ذكر المؤلف هنا (١). * قوله: (وَزَعَمَ القَائِلُونَ بِظَاهِرِ هَذَا الأَثَرِ: أَنَّ ذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، أَعْنِي: "أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى المُصَلَّى، فَاسْتَسْقَى وَلَمْ يُصَلِّ" (٢)). خرج رسول اللَّه ﷺ ومعه العباس بن عبد المطلب عمه، وقد أشرنا إليه قبل. * قوله: (وَالحُجَّةُ لِلْجُمْهُورِ: أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا، فَلَيْسَ هُوَ بِحُجَّةٍ عَلَى مَنْ ذَكَرَهُ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ اخْتِلَافُ الآثَارِ فِي ذَلِكَ لَيْسَ عِنْدِي فِيهِ شَيْءٌ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّ الصَّلَاةَ لَيْسَتْ مِنْ شَرْطِ صِحَّة الِاسْتِسْقَاءِ، إِذْ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﵊ قَدِ اسْتَسْقَى عَلَى المِنْبَرِ). كما جاء في حديث عائشة ﵂ أن الرسول ﷺ أمر أن يوضع له المنبر، وحدد للناس يومًا يخرج فيه (٣)؛ ولذلك يقول العلماء: الإمام يُنبه الناس إلى ذلك، ويُحدِّد يومًا يخرج فيه الناس، فيتهيؤون، ومن التهيؤ أن يراجع الإنسان نفسه، فيتوب إلى اللَّه توبة نصوحًا؛ فيقلع عن

стр. 2754

المعاصي وعن الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة (١)، والرسول ﷺ حذر منه، وقال لمعاذ -وقد أرسله إلى اليمن-: "واتَّق دعوة المَظلوم" -مع أنه أرسله إلى أهل كتاب- "فإنَّه ليس بينها وبين اللَّه حجاب" (٢). واللَّه يقول في الحديث القدسي: "يا عبادي، إني حَرَّمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا" (٣). إذًا يجب على العباد أن يجتنبوا المعاصي، ويجتنبوا الظلم، ويجتنبوا التهافت والتكالب (٤) على الدنيا والتنافس والتطاحن عليها، ويتجنبوا قطيعة الرحم التي غالبًا ما يكون سببها مصالح الدنيا، وكذلك -أيضًا- على الإنسان أن يُحسن إلى والديه، وأن يَبرهما، ويُحسن عشرتهما، ويحسن كذلك إلى بقية أقاربه وإلى المؤمنين عمومًا، فإن المسلم يراجع نفسه ويصوم ويكثر من الصدقات ومن جميع أوجه البر، فبذلك يُطهر نفسه، فإذا ما طهر المؤمنون أنفسهم، عادوا إلى اللَّه ، وتابوا إليه، فإذا ما فعلوا ذلك وخرجوا وقد نقوا أنفسهم وطهروها من كل دنس، فهم أحرى بأن يجيب اللَّه دعاءهم، كما أجاب دعاء نبيه ودعاء أصحابه.

стр. 2755

* قوله: (إِذْ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﵊ قَدِ اسْتَسْقَى عَلَى المِنْبَرِ، لَا أَنَّهَا لَيْسَتْ مَنْ سُننهِ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ). من العلماء من يُفَصِّل فيقول: إن للاستسقاء أنواعًا ثلاثة (١):

стр. 2756

١ - استسقاء تؤدى فيه الصلاة، وهي ركعتان. ٢ - استسقاء يكون دُبر الصلاة، أو أثناءها؛ كاستسقاء رسول اللَّه ﷺ يوم الجمعة. ٣ - الدعاء في أيِّ حال من الأحوال، وفي أيِّ وقت من الأوقات. لكن العلماء -كما عرفنا- يمنعون أن تُصلى صلاة الاستسقاء في أوقات النهي (١)،. . . . . .

стр. 2757

وأحرى الأوقات وأفضلها (١) إنما هو -كما جاء في حديث عائشة-: "إذا طلعت الشمس"، يعني إذا بدا قرص الشمس (٢)، أو "حاجب الشمس" (٣)، كما جاء في الحديث (٤). * قوله: (وَأَجْمَعَ القَائِلُونَ بِأَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ سُننهِ، عَلَى أَنَّ الخُطْبَةَ أَيْضًا مِنْ سُننهِ). أيضًا هل يخطب لصلاة الاستسقاء؟ بمعنى: هل هناك خطبة؟ فإن قلنا: نعم، فهل تَسبق الصلاة؟ أو تكون بعدها؟ أقدم لذلك بمقدمة؛ لأن كلام المؤلف في هذه المسألة فيه شيء من الإيجاز والإيهام. أما بالنسبة لكون الخطبة قبل الصلاة، فهذا قد ثبت في "صحيح

стр. 2758

البخاري" (١)، وأما بالنسبة لكونها بعد الصلاة، فهذا هو الذي أخذ به الأئمة، مالك (٢)، والشافعي (٣)، وأحمد (٤)، واشتهر بين العلماء أن الخطبة تكون بعد الصلاة؛ صلاة العيدين، واستدلوا على ذلك بما أخرجه أحمد (٥)، وابن ماجه (٦)،. . . . . .

стр. 2759

والطحاوي (١)، والبيهقي (٢) في كتبهم. إذًا حجة القائلين من أهل العلم بأن الصلاة تقدم وتؤخر الخطبة، ما جاء في "مسند أحمد" (٣)، والطحاوي (٤)، وابن ماجه (٥)، والبيهقي (٦)، وحجة من قالوا بتقديم الخطبة على الصلاة ما جاء في "صحيح البخاري" (٧). ومن هنا قال بعض العلماء: كل ذلك جائز، ومن هنا تعددت الروايات عن الإمام أحمد؛ فنقل عنه أنه قال: "إن الخطبة تكون بعد الصلاة"، ونقل عنه: أنها قبل الصلاة، ونقل عنه: أنهما سِيَّانِ (٨)، ونقل

стр. 2760

عنه: أنه يقتصر على الدعاء (١)، وقد ورد في ذلك عدة أدلة، ولكن الأولى في ذلك أنها تكون بعد الصلاة، وإن كان الحديث الآخر في "صحيح البخاري"، وإن كنا نقول: يجوز هذا، ويجوز هذا. والأصل في صلاة الاستسقاء: أنها سنة (٢)؛ لأن ابن عباس لما ذكر

стр. 2761

ذلك قال: "صلى ركعتين كما يُصلي في العيدين"، فشبه هذه الصلاة بالعيدين. * قوله: (لِوُرُودِ ذَلِكَ فِي الأَثَرِ. قَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: ثَبَتَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ وَخَطَبَ" (١). وَاخْتَلَفُوا: هَلْ هِيَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَهَا؟ لِاخْتِلَافِ الآثَارِ فِي ذَلِكَ، فَرَأَى قَوْمٌ أَنَّهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ قِيَاسًا عَلَى صَلَاةِ العِيدَيْنِ). * قوله: (قِيَاسًا عَلَى العِيدَيْنِ)، وقد ذكرت آنفًا الحديث الذي جاء في "مسند أحمد" (٢)، وفي "سنن ابن ماجه" (٣)، والطحاوي (٤)، وكذلك البيهقي (٥)، وهو حديث صحيح، وهو دليل في المسألة. * قوله: (وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٦) وَمَالِكٌ (٧)). وكذلك أحمد في رواية (٨). * قوله: (وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: "الخُطْبَةُ قَبْلَ الصَّلَاةِ" (٩)).

стр. 2762

الليث بن سعد: إمام من الأئمة، وإن لم يكن أحد الأئمة الأربعة، فهو -كما هو معلوم- إمام مِصر قبل الشافعي، كان بمثابة الإمام مالك، وقد عرفت الرسائل بين الإمامين الجليلين (١)، ومثله الأوزاعي والثوري وإسحاق، وغيرهم كثير، وكون هؤلاء لم يشتهروا كاشتهار الأئمة الأربعة، فهذا لا يدل على أنهم يَقلون باعًا عنهم، ولكن هؤلاء الأربعة ﵏ جميعًا- كان لهم تلاميذ أخلصوا؛ فجمعوا فقههم، ودونوه، واشتغلوا به، وعَلَّقوا، وخَرَّجوا على مسائلهم؛ ولذلك اشتهروا، وأما غير أولئك الأئمة الأربعة فإن فِقههم منتشر في طيات الكتب؛ كتب المذاهب وغيرها. * قوله: (قَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: "رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّهُ اسْتَسْقَى فَخَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ"). وهذا جاء في "صحيح البخاري"، ومعلوم أن الحديث الذي في "صحيح البخاري" لا يحتاج إلى وقفة. * قوله: (وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَبِهِ نَأْخُذُ" (٢)).

стр. 2763

نقل هذا -أيضًا- عن عمر. * قوله: (قَالَ القَاضِي: وَقَدْ خَرَّجَ ذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طُرُقٍ (١)، وَمَنْ ذَكَرَ الخُطْبَةَ فَإِنَّمَا ذَكَرَهَا فِي عِلْمِي قَبْلَ الصَّلَاةِ). لأن هذا في البخاري، لكن المؤلف لم يقف على ما ليس في البخاري، ومن أوجه التقصير في هذا الكتاب عدم الدقة فيما يخص الحديث، لكن أي عمل بشري لا بد أن يلحقه التقصير؛ فعمل البشر لا يخلو من نقص. * قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ القِرَاءَةَ فِيهَا جَهْرًا (٢)، وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يُكَبِّرُ فِيهَا كَمَا يُكَبِّرُ فِي العِيدَيْنِ؟). لا خلاف بين العلماء في أن صلاة الاستسقاء يُجهر فيها؛ لأن هذا

стр. 2764

ثبت في "صحيح البخاري": أن رسول اللَّه ﷺ جهر بالقراءة (١)، ولقول العلماء: يقرأ في الركعة الأولى بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، وفي الثانية: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾، قياسًا على الجمعة (٢). * قوله: (وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُكَبِّرُ فِيهَا). اختلفوا في التكبير أيضًا، والخلاف هنا دليله القياس؛ فمن العلماء من قال: يُكبر سبعًا في الركعة الأولى، وخمسًا في الركعة الثانية، كالحال بالنسبة للعيدين (٣)، ومنهم من قال: لا تكبير، بل يصلي كسائر النوافل (٤).

стр. 2765

* قوله: (فَذَهَبَ مَالِكٌ (١) إِلَى أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِيهَا كَمَا يُكَبِّرُ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ). يعني: التكبير المعروف في الصلوات، لا التكبير الذي يكون سبعًا في الأولى وخمسًا في الثانية. * قوله: (وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِيهَا كَمَا يُكَبِّرُ فِي العِيدَيْنِ) (٢). يكبر سبعًا في الأولى وخمسًا في الثانية، والإمامان الشافعي وأحمد (٣) متفقان في هذه المسألة. * قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ: اخْتِلَافُهُمْ فِي قِيَاسِهَا عَلَى صَلَاةِ العِيدَيْنِ، وَقَدِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ لِمَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى فِيهَا رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي فِي العِيدَيْنِ" (٤)).

стр. 2766

وهذا الحديث ذكرته كاملًا في مطلع حديثي، والمؤلف اقتطع جزءًا منه؛ ليستشهد به. * قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنْ سُنَنِهَا: أَنْ يَسْتَقْبِلَ الإِمَامُ القِبْلَةَ وَاقِفًا وَيَدْعُوَ). إذًا من سنن هذه الصلاة: أن يتجه الإمام إلى القبلة، ونَصَّ بعض العلماء على أنه يَجمع في دعائه بين الإسرار والإعلان، يعني: يُسر أحيانًا بدعائه، وأحيانًا يجهر به، ويقولون: الحكمة من الجهر به أن يسمع الناس ذلك فيؤمنوا، والحكمة من الإسرار في ذلك هو أن الإسرار أقرب إلى الإخلاص. لا شك أن الإنسان إذا أَسَرَّ في أمر من الأمور فذلك بينه وبين اللَّه ، ولذلك يكون عمله أقرب للإخلاص، لكن ليس معنى ذلك أن الإنسان إذا جهر في دعائه أو قراءته انتفى عنه الإخلاص، لا، وإنما نقول: الإسرار أقرب وأبلغ في الإخلاص، وإلا الإخلاص موجود في الحالتين؛ لأن الإخلاص نور يقذفه اللَّه في قلب المؤمن، الإخلاص أمر ينفذ إلى قلبك، فإن وفقك اللَّه ورزقك نية صادقة وقلبًا مخلصًا، فذلك هو التوفيق كل التوفيق، وهذا ما أشار اللَّه إليه في قوله: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢]، ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٤، ١٥] ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]. ولا شك أن من وهبه اللَّه الإخلاص - استنار به قلبه، فسلك به طريقًا سويًّا لا عوج فيه ولا انحراف، يسلك به طريق الهداية، ويبتعد به عن طريق الغواية، وإن السعادة كل السعادة لمن يهبه اللَّه إخلاصًا في أقواله وأعماله؛ فذلك هو غاية التوفيق والتسديد. * قوله: (وَيُحَوِّلَ رِدَاءَهُ رَافِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَا جَاءَ فِي الآثَارِ، وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ، وَمَتَى يَفْعَلُ ذَلِكَ؟). هل معنى تحويل الرداء: أن تنقل اليمين إلى الشمال والعكس؟ أو أن تقلب الأعلى فتجعله أسفل والأسفل أعلى؟

стр. 2767

أكثر العلماء (١) على أن التحويل هو نقل ما في اليمين إلى الشمال والعكس، هذا هو الأكثر، والشافعية (٢) يرون أنه نقل الأعلى إلى الأسفل

стр. 2768

والعكس، وقد جاء في ذلك أحاديث، وأن الرسول أراد أن يقلب خميصته التي كانت عليه كساء، وأنه ترك ذلك لثقلها، لكن الأحاديث الكثيرة فيها أنه حول ما على يمينه فجعله على شماله. * قوله: (فَأَمَّا كَيْفَ يَفْعَلُ ذَلِكَ: فَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَجْعَلُ مَا عَلَى يَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، وَمَا عَلَى شِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١): بَلْ يَجْعَلُ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ، وَمَا عَلَى يَمِينِهِ مِنْهُ عَلَى يَسَارِهِ، وَمَا عَلَى يَسَارِهِ عَلَى يَمِينِهِ. وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ: اخْتِلَافُ الآثَارِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ جَاءَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زيدٍ: "أَنَّهُ ﷺ خَرَجَ إِلَى المُصلَّى يَسْتَسْقِي، فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ" (٢). وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ قُلْتُ: "أَجْعَلُ الشِّمَالَ عَلَى اليَمِينِ، وَاليَمِينَ عَلَى الشِّمَالِ؟ أَمْ أَجْعَلُ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ؟ قَالَ: بَلِ اجْعَلِ الشِّمَالَ عَلَى اليَمِينِ، وَاليَمِينَ عَلَى الشِّمَالِ" (٣). وَجَاءَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا أَنَّهُ قَالَ: "اسْتَسْقَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ خَمِيصَة لَهُ سَوْدَاءُ، فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِأَسْفَلِهَا فَيَجْعَلَهُ أَعْلَاهَا، فَلَمَّا ثَقُلَتْ عَلَيْهِ، قَلَبَهَا عَلَى عَاتِقِهِ" (٤)، وَأَمَّا مَتَى يَفْعَلُ الإِمَامُ ذَلِكَ؟ فَإِنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ قَالَا: يَفْعَلُ ذَلِكَ عِنْدَ الفَرَاغِ مِنَ الخُطْبَةِ).

стр. 2769

* قوله: (فَإِنَّ مَالِكًا (١) وَالشَّافِعِيَّ (٢)) وأحمد (٣)، فهؤلاء الأئمة الثلاثة متفقون في هذه المسألة، ويرون أن الإمام إذا فعل ذلك فعله كذلك المأمومون؛ لأن الرسول ﷺ قال في الحديث المتفق عليه: "إنَّما جُعل الإمام ليؤتم به؛ فلا تَختلفوا عليه" (٤)، وهذا عام. * قوله: (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ (٥): يُحَوِّلُ رِدَاءَهُ إِذَا مَضى صَدْرٌ مِنَ الخُطْبَةِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ (٦)، وَكلُّهُمْ يَقُولُ: إِنَّهُ إِذَا حَوَّلَ الإِمَامُ رِدَاءَهُ قَائِمًا حَوَّلَ النَّاسُ أَرْدِيَتَهُمْ جُلُوسًا؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ

стр. 2770

وَالسَّلَامُ: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ" إِلَّا مُحَمَّدَ بْنَ الحَسَنِ، وَاللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ (١)، وَبَعْضَ أَصْحَابِ مَالِكٍ (٢)؛ فَإِنَّ النَّاسَ عِنْدَهُمْ لَا يُحَوِّلُونَ أَرْدِيَتَهُمْ بِتَحْوِيلِ الإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِهِ ﵊ بِهِمْ. وَجَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الخُرُوجَ لَهَا وَقْتَ الخُرُوجِ إِلَى صَلَاةِ العِيدَيْنِ). المؤلف أجمل الكلام في هذه المسألة ولم يفصل فيها، فاختار أهم وأشهر مسائلها، ومن آخر ما ذكره ما يتعلَّق بوقت الخروج، وأنه يخرَج لها في كل وقت ما عدا أوقات النهي، وسبق الكلام عن مثل ذلك، لكن الوقت بالنسبة لها موسع، فلا يحتاج الأمر إلى أن يخرج في وقت نهي؛ بعدًا عن الخلاف. لكن الوقت المختار ما جاء في حديث عائشة ﵂ أن رسول اللَّه ﷺ صَلَّاها عندما بدا حاجب الشمس (٣)، وهو الوقت الذي صلى فيه صلاة العيدين، وهي كثيرة الشبه بصلاة العيدين، فيحسن أن تصلى في وقتها، فهذا هو الأفضل والأولى. * قوله: (إِلَّا أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: إِنَّ الخُرُوجَ إِلَيْهَا عِنْدَ الزَّوَالِ (٤). وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ
следующие страницы →