← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

وهذا الحديث ذكرته كاملًا في مطلع حديثي، والمؤلف اقتطع جزءًا منه؛ ليستشهد به. * قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنْ سُنَنِهَا: أَنْ يَسْتَقْبِلَ الإِمَامُ القِبْلَةَ وَاقِفًا وَيَدْعُوَ). إذًا من سنن هذه الصلاة: أن يتجه الإمام إلى القبلة، ونَصَّ بعض العلماء على أنه يَجمع في دعائه بين الإسرار والإعلان، يعني: يُسر أحيانًا بدعائه، وأحيانًا يجهر به، ويقولون: الحكمة من الجهر به أن يسمع الناس ذلك فيؤمنوا، والحكمة من الإسرار في ذلك هو أن الإسرار أقرب إلى الإخلاص. لا شك أن الإنسان إذا أَسَرَّ في أمر من الأمور فذلك بينه وبين اللَّه ، ولذلك يكون عمله أقرب للإخلاص، لكن ليس معنى ذلك أن الإنسان إذا جهر في دعائه أو قراءته انتفى عنه الإخلاص، لا، وإنما نقول: الإسرار أقرب وأبلغ في الإخلاص، وإلا الإخلاص موجود في الحالتين؛ لأن الإخلاص نور يقذفه اللَّه في قلب المؤمن، الإخلاص أمر ينفذ إلى قلبك، فإن وفقك اللَّه ورزقك نية صادقة وقلبًا مخلصًا، فذلك هو التوفيق كل التوفيق، وهذا ما أشار اللَّه إليه في قوله: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢]، ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٤، ١٥] ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]. ولا شك أن من وهبه اللَّه الإخلاص - استنار به قلبه، فسلك به طريقًا سويًّا لا عوج فيه ولا انحراف، يسلك به طريق الهداية، ويبتعد به عن طريق الغواية، وإن السعادة كل السعادة لمن يهبه اللَّه إخلاصًا في أقواله وأعماله؛ فذلك هو غاية التوفيق والتسديد. * قوله: (وَيُحَوِّلَ رِدَاءَهُ رَافِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَا جَاءَ فِي الآثَارِ، وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ، وَمَتَى يَفْعَلُ ذَلِكَ؟). هل معنى تحويل الرداء: أن تنقل اليمين إلى الشمال والعكس؟ أو أن تقلب الأعلى فتجعله أسفل والأسفل أعلى؟

стр. 2767

أكثر العلماء (١) على أن التحويل هو نقل ما في اليمين إلى الشمال والعكس، هذا هو الأكثر، والشافعية (٢) يرون أنه نقل الأعلى إلى الأسفل

стр. 2768

والعكس، وقد جاء في ذلك أحاديث، وأن الرسول أراد أن يقلب خميصته التي كانت عليه كساء، وأنه ترك ذلك لثقلها، لكن الأحاديث الكثيرة فيها أنه حول ما على يمينه فجعله على شماله. * قوله: (فَأَمَّا كَيْفَ يَفْعَلُ ذَلِكَ: فَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَجْعَلُ مَا عَلَى يَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، وَمَا عَلَى شِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١): بَلْ يَجْعَلُ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ، وَمَا عَلَى يَمِينِهِ مِنْهُ عَلَى يَسَارِهِ، وَمَا عَلَى يَسَارِهِ عَلَى يَمِينِهِ. وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ: اخْتِلَافُ الآثَارِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ جَاءَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زيدٍ: "أَنَّهُ ﷺ خَرَجَ إِلَى المُصلَّى يَسْتَسْقِي، فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ" (٢). وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ قُلْتُ: "أَجْعَلُ الشِّمَالَ عَلَى اليَمِينِ، وَاليَمِينَ عَلَى الشِّمَالِ؟ أَمْ أَجْعَلُ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ؟ قَالَ: بَلِ اجْعَلِ الشِّمَالَ عَلَى اليَمِينِ، وَاليَمِينَ عَلَى الشِّمَالِ" (٣). وَجَاءَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا أَنَّهُ قَالَ: "اسْتَسْقَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ خَمِيصَة لَهُ سَوْدَاءُ، فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِأَسْفَلِهَا فَيَجْعَلَهُ أَعْلَاهَا، فَلَمَّا ثَقُلَتْ عَلَيْهِ، قَلَبَهَا عَلَى عَاتِقِهِ" (٤)، وَأَمَّا مَتَى يَفْعَلُ الإِمَامُ ذَلِكَ؟ فَإِنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ قَالَا: يَفْعَلُ ذَلِكَ عِنْدَ الفَرَاغِ مِنَ الخُطْبَةِ).

стр. 2769

* قوله: (فَإِنَّ مَالِكًا (١) وَالشَّافِعِيَّ (٢)) وأحمد (٣)، فهؤلاء الأئمة الثلاثة متفقون في هذه المسألة، ويرون أن الإمام إذا فعل ذلك فعله كذلك المأمومون؛ لأن الرسول ﷺ قال في الحديث المتفق عليه: "إنَّما جُعل الإمام ليؤتم به؛ فلا تَختلفوا عليه" (٤)، وهذا عام. * قوله: (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ (٥): يُحَوِّلُ رِدَاءَهُ إِذَا مَضى صَدْرٌ مِنَ الخُطْبَةِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ (٦)، وَكلُّهُمْ يَقُولُ: إِنَّهُ إِذَا حَوَّلَ الإِمَامُ رِدَاءَهُ قَائِمًا حَوَّلَ النَّاسُ أَرْدِيَتَهُمْ جُلُوسًا؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ

стр. 2770

وَالسَّلَامُ: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ" إِلَّا مُحَمَّدَ بْنَ الحَسَنِ، وَاللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ (١)، وَبَعْضَ أَصْحَابِ مَالِكٍ (٢)؛ فَإِنَّ النَّاسَ عِنْدَهُمْ لَا يُحَوِّلُونَ أَرْدِيَتَهُمْ بِتَحْوِيلِ الإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِهِ ﵊ بِهِمْ. وَجَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الخُرُوجَ لَهَا وَقْتَ الخُرُوجِ إِلَى صَلَاةِ العِيدَيْنِ). المؤلف أجمل الكلام في هذه المسألة ولم يفصل فيها، فاختار أهم وأشهر مسائلها، ومن آخر ما ذكره ما يتعلَّق بوقت الخروج، وأنه يخرَج لها في كل وقت ما عدا أوقات النهي، وسبق الكلام عن مثل ذلك، لكن الوقت بالنسبة لها موسع، فلا يحتاج الأمر إلى أن يخرج في وقت نهي؛ بعدًا عن الخلاف. لكن الوقت المختار ما جاء في حديث عائشة ﵂ أن رسول اللَّه ﷺ صَلَّاها عندما بدا حاجب الشمس (٣)، وهو الوقت الذي صلى فيه صلاة العيدين، وهي كثيرة الشبه بصلاة العيدين، فيحسن أن تصلى في وقتها، فهذا هو الأفضل والأولى. * قوله: (إِلَّا أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: إِنَّ الخُرُوجَ إِلَيْهَا عِنْدَ الزَّوَالِ (٤). وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ

стр. 2771

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى الِاسْتِسْقَاءِ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ" (١)). يعني: عندما ظهرت وتبينت الشمس. الآن نعود كما وعدنا، فنحاول أن نعلق على هذه المسألة، وأن نربط بينها وبين مسائل أُخرى. أَذكر أنني مرة من المرات عرضت حديث عبد اللَّه بن عباس، ولكن لم أُفَصِّل فيه القول، وهو المتضمن لوصية رسول اللَّه ﷺ لعبد اللَّه بن عباس، ومعلوم أن رسول اللَّه ﷺ توفي وعبد اللَّه بن عباس لا يزال صبيًّا صغيرًا ما بين الثالثة عشرة إلى الخامسة عشرة، وكان ذات يوم رديفًا لرسول اللَّه ﷺ ؛ فقال له رسول اللَّه ﷺ : "يا غلام" (٢)، وفي رواية: "يا غُلَيْم" تصغيرًا، وليس كل تصغير للتحقير، وإنما يكون أحيانًا للتمليح، وأحيانًا للتعظيم، ولغير ذلك من أوجه، ولما كان عبد اللَّه بن عباس صغير السن جاء في بعض الروايات: "يا غُلَيم، إني أعلمك كلمات: احفظ اللَّه يحفظك، احفظ اللَّه تجده تجاهك، تعرف إلى اللَّه في الرخاء يَعرفك في الشدة" (٣). هذه الكلمة فقط هي التي أردت أن أقف عندها. تكلمنا من قبل عن صلاة الكسوف، وهاهنا ألممنا إلمامة سريعة

стр. 2772

بمسألة أو صلاة الاستسقاء، وهناك شَبه بين المسألتين؛ لأن الناس بحاجة في كل منهما إلى أن يلجأوا إلى اللَّه ، وليس ذلك خاصًّا بهما، بل اللجوء إلى اللَّه مطلوب في كل وقت وفي كل حال، لكن الحاجة تكون أشد وأكثر إلحاحًا في مثل هذا الموقف، فالناس نزلت بهم نازلة، أصابهم جدب، وهذا الجدب الذي أصابهم إنما هو بسبب تقصيرهم في جنب اللَّه ، بسبب ارتكاب المعاصي والذنوب، لا مخرج ولا ملجأ من اللَّه من ذلك إِلَّا إليه، فالإنسان إذا عمل أعمالًا حسنة صالحة في وقت رخائه، في وقت سعته، فإنه عندما تشتد به الأزمات، وعندما تدلهم به الخطوب، ينفعه ذلك عندما يتجه إلى اللَّه بقلب سليم، هذا لا شك فيه، وخير دليل على ذلك ما ضربه لنا رسول اللَّه ﷺ من مِثل، ومعلوم أن اللَّه يُكثر من ضرب الأمثلة في كتابه العزيز، ومن قص القصص أيضًا، كما قال وبيَّن الحكمة: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١]، ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ [العنكبوت: ٤٣]. إذًا، اللَّه -تعالى- لم يذكر شيئًا في كتابه عبثًا، فما يذكره من قصص كقصة أهل الكهف وقصة موسى والخضر وغير ذلك من القصص الكثيرة جدًّا، إنما هي دروس ومواعظ لنعتبر. ونجد أن سنة رسول اللَّه ﷺ أيضًا- مليئة بضرب الأمثال والحكم، ومن فوائد ذلك أن فيها عِبَرًا، وهي -أيضًا- تُقَرِّب كثيرًا من الأمور للأذهان؛ يقول اللَّه بعد أن ذكر قصة يوسف وإخوته: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ [يوسف: ١١١]. إذًا رسول اللَّه ﷺ حكى لنا قصة ثلاثة نفر (١)، ثلاثة رجال، والروايات متعددة والأقوال فيها كثيرة، فنحن نحكيها بالمعنى: ثلاثة نفر

стр. 2773

أدركهم المطر، فأرادوا أن يلجأوا إلى مكان ما، فوجدوا غارًا، فأووا إليه، فلما أووا (١) إلى ذلك الغار إذا بصخرة عظيمة تنزل فتَسد فتحة ذلك الغار، فظلوا في حيرة، يفكرون ماذا يصنعون؟ بدأ يسأل بعضهم بعضًا: ماذا نفعل؟ فأخذ يوصي بعضهم بعضًا: ماذا عملتم من أعمال طيبة؟ أدركوا وأيقنوا غاية الإيقان أنه لا ملجأ من اللَّه إِلَّا إليه ، وأنهم يمْبغي أن يفروا إلى اللَّه ، وأن القادر على تخليصهم من ذلك الكرب ومن تلك المصيبة التي وقعوا فيها - إنما هو رب العالمين، الذي يعلم السِّر وأخفى، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فرأوا أن يتقربوا إلى اللَّه بصالح أعمالهم، بأصدق ما عملوا من أعمال في حياتهم؛ لعل اللَّه يكشف ما أصابهم من غم، ويزيل ما نزل بهم من هم، وما وقع عليهم من شدة وضيق. فبدأ أولهم يتذكر أحسن عمل في نظره، ولذلك قال كل واحد منهم في خطابه وهو يخاطب ربه: "اللهم إن كنت تَعلم"، اللَّه يعلم كل شيء، يعلم ما تخفي الصدور، لكنهم قالوا ذلك لما كانوا غير متيقنين من إخلاصهم في أعمالهم؛ فاتجه أحدهم إلى اللَّه بقلب صادق وعزيمة مخلصة، فتَذَكَّر عملًا من الأعمال التي عملها، فاتجه إلى اللَّه يدعو بذلك العمل، فاتجه إلى اللَّه فقال: "يا رب، اللهم إن كنت تعلم"، وهو بلا شك يعلم كل شيء، لكنه قال ذلك لشك منه في عمله أهو عملٌ حَسَنٌ أو لا؟ فقال: "اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أَبَوَان شَيخان كبيران"، وفي بعض الروايات: "أبوان فقيران ضعيفان لا خادم لهما ولا راعي ولا ولي غيري"، وأنه كان يذهب في غنمه كل يوم، فإذا ما عاد جاء بلبن الغنم فسقى والديه، ثم سقى بعد ذلك أولاده.

стр. 2774

وفي ذات يوم نأى به (١) المرعى، بمعنى: أبعد به، فتأخر في عودته، فلما عاد وجد أبويه قد ناما؛ أي: قد غرقا في النوم، فشق وصعب عليه أن يوقظهما، لأنهما في لذة النوم، وفي إيقاظهما إزعاج لهما وتنغيص لنومهما، وكان أبناؤه يتضاغون من الجوع؛ أي: يصرخون ويبكون من شدة الجوع، ولكنه مع ذلك وقف ولم يُقَدِّم أبناءه الذين يتضاغون جوعًا، شق عليه أن يوقظ والديه، وبقي حاملًا الإناء، وظل يُحيي ليلته حتى طلع الفجر، ما أراد أن يسقي أبناءه الذين هم فلذات كبده، ولا أن يشرب هو، ولا أن يعطي أهله؛ خشية أن يُقَدِّمهما على والديه، فقال: "إن كنت تعلم أني إنَّما فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك فافرج عنا ما نحن فيه؛ ففرج اللَّه شيئًا من ذلك"، يعني: فانفرج شيء من الصخرة، لكن ما انفرج قليل غير كاف لخروجهم. ثم جاء الآخر فذكر أنه كان لديه خدم يعملون عنده بأجور، وأنه قد وفاهم أجورهم إِلَّا رجلًا واحدًا لمِ يأخذ أجره، وغاب عنه فترة طويلة، وقد جاء في روايات أنه ترك له فرقًا من الأرز، وأنه زرعه، وأخذ يتعاهده حتى نما، ثم بعد ذلك اشترى له من البقر والغنم. . . إلى آخره، حتى جمع له قطيعًا من الإبل والغنم، وجاءه بعد فترة طويلة ذلك الأجير يسأله عن أجره، فقال له: هذا هو حقك، فقال: أتهزأ بي؟ فقال: لا، فأسلمه ما عنده مما قدمه لذلك الرجل ونمَّاه له، فأخذه وسار به في طريقه يسوقه أمامه، ثم قال: "اللهم إن كنت تعل أني إنما فعلت ذلك ابتغاء وجهك" أو "ابتغاء مرضاتك" أو "خشيتك"، والروايات كثيرة "فافرج عنا"، ففرج اللَّه عنهم شيئًا من تلك الصخرة، لكن الأمر لا يزال -أيضًا- غير كاف للخروج. ثم يأتي أشدهم، ألا وهو ذلكم الرجل الذي كانت له ابنة عم، وكان قد شغف بحبها، وتعلق قلبه بها، وظل سنين يراودها عن نفسها

стр. 2775

وهي تمتنع وتقول له: اتق اللَّه ، وتمضي السنون، وتأتي عليها سنة من السنين، ويصيبهم الجدب، فتحتاج إلى شيء من المال، فتذهب إلى ابن عمها ليعينها، فيأبى إِلَّا أن تقدم له نفسها في معصية اللَّه، وتمتنع، وفي المرة الثالثة تُوافق له على ذلك، ولما تهيأ له ما أراد، امرأة شغف بحبها وتعلق قلبه بها، ومعلوم أن الإنسان ضعيف أمام هذه الأمور، فالنفس الأمارة بالسوء تدفعه، والشيطان كذلك، فلما مكنته من نفسها، واستطاع أن يصل إليها، خَوَّفته بقولها: "اتَّقِ اللَّه، ولا تَفض هذا الخاتم إِلَّا بحقِّه"، فأخذته خشية اللَّه ؛ فارتعد وقام وابتعد، فقال: "اللهم إن كنت تعلم أني إنما تركت ذلك من خشيتك فافرج عنا"، ففرج اللَّه عنهم ما كانوا فيه من غم. نعود لنعلق على هذه الحادثة، وهو ما يهمنا: الأول -كما نرى- بارٌّ بوالديه، واللَّه يقول: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣]، ولا شك أن ذلك الرجل قد بلغ الغاية في الإحسان إلى والديه، وقد ألزم نفسه بأن يقف ومعه إناء اللبن يُحيي ليله، ويشق عليه أن يسقي أبناءه ولا حرج عليه في ذلك، أو أن يذوق طعمه بفِيه، أو أن يعطي أهله؛ إكرامًا لوالديه، ففي موضع الرخاء تذكر ربَّه، فحفَظه اللَّه فأعانه في موضع الشدة. فأين نحن من هذا العمل؟ هل نؤدي حقوق والدينا؟ هل نبر بهما؟ هل نسمع كلامهما؟ هل نُخاطبهما بلين وبرفق؟ هل نخفض جناح الذل لهما؟ (١). لا نريد أن نعلق كثيرًا على هذه المسألة؛ لأن المقام لا يسمح، لكنني أعود إلى الثاني، وأقول: الرسول ﷺ يقول -كما في حديث أبي هريرة-: قال اللَّه تعالى -يعني في الحديث القدسي-: "ثلاثة أنا خصمهم

стр. 2776

يوم القيامة، رجل أعطى بي، ثُمَّ غَدر" (١)، وما أكثر الذين يحلفون الأيمان الكاذبة اليوم، يعاهدون في اللَّه ، ثم ينقضون الأيمان من بعد توكيدها، ومعلوم أن هذا الحديث في "الصحيحين" (٢)، وجاء في بعض رواياته: "ومَن كنتُ خَصمه خَصمته" (٣)، ولا شك أن من كان خصمه اللَّه فإنه سيضيع؛ لأن اللَّه سيحاسبه ويحاكمه بالعدل، واللَّه لا يظلم أحدًا. "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًّا ثم أكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه حقه ولم يُعطه حَقَّه" (٤)، وهذا محل الشاهد، فانظر إلى ذلك الرجل الثالث الذي نمى مال أجيره، لو أراد أن يأكله لأكله، ولو أراد أن يعطيه ما كان له، لأعطاه وأخفى الباقي، لكنه جادت نفسه بذلك خشية للَّه ، وابتغاء مرضاته؛ ولذلك نجد أن من الثلاثة الذين خصمهم اللَّه : رجل يعمل عنده إنسان عامل ضعيف في حرث، أو في زرع، أو في تجارة، أو في حمل، أو في بناء، أو في غير ذلك، ثم إذا جاء يطلب حقه نجد أن ذلك الرجل يمتنع عن حقه، هذا ممن يكون اللَّه خصمهم يوم القيامة، ومن كان اللَّهُ -تعالى- خَصْمَه خَصَمَه. ثم ثالثهم الرجل الذي ظل سنين يبحث عن أمرٍ تراوده نفسه أن يقع فيه، وهي جريمة من الجرائم، ومحرم من المحرمات، مع امرأة من أقرب الناس إليه، ومع ذلك تركها خوفًا من اللَّه، وأعطاها المالَ الذي احتاجته. قال ابن رشد الحفيد ﵀ في كتابه "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" من الكتاب الثاني: كتاب الصلاة: قال:

стр. 2777

(البَابُ الثَّامِنُ فِي صَلَاةِ العِيدَيْنِ) * قوله: (أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى اسْتِحْسَانِ الغُسْلِ لِصَلَاةِ العِيدَيْنِ) (١). نذكر ما كنا نشير إليه كثيرًا من أن هذا الكتاب لم يكن حاويًا لجميع مسائل الفقه، ولكنه عني بأمهات مسائله وأصوله، حتى أطلق عليه بعض العلماء السابقين واللاحقين أنه كتاب قواعد؛ لأنه -كما قلنا- وقف عند الأحكام التي نطقت بها الآيات أو الأحاديث، أو ما كان قريبًا مما نطق به النص، وقد أشار إلى ذلك بنفسه. والكتاب الذي معنا الآن هو كتاب (صلاة العيدين)، ومعلوم أن اللَّه إنما خلق الخلق لعبادته، فاللَّه -تعالى- يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾ [الذاريات: ٥٦، ٥٧]. ولا شك أن هذه العبادات منها ما يتعلَّق بأمر العقيدة، ومنها ما يتعلَّق -أيضًا- بأحكام الفقه، ونحن شرحنا كله يدور -كما هو معلوم- في فلك أحكام الفقه. ولا شك أن الفقه قد أخذ حيزًا كبيرًا من أحكام هذه الشريعة، لكننا كذلك لا نقتصر على أحكام الفقه عندما نرى أن المقام يقتضي بيان بعض المسائل ذات الصلة بالعقيدة، أو بغيرها -أيضًا- من العلوم التي نحتاج إليها، والتي -أيضًا- تُعين في فهم الموضوع وفي بيانه.

стр. 2778

وهذه الأحكام التي شرعها اللَّه لعباده من العبادات، منها ما هو ركن كما عرفنا ذلك في الصلوات الخمس، وكما سيأتي -إن شاء اللَّه- في الزكاة وفي الصيام وفي الحج. وهذه الأحكام المتعلقة بالصلاة إنما يقسمها العلماء إلى أقسام، فهناك ما هو ركن، الصلوات المفروضة الخمس، وهناك ما هو سنة باتفاق، ومنها ما هو مختلف فيه: هل هو فرض كفاية أو سنة؟ ويفرق العلماء بين الفروض العينية وبين فروض الكفاية (١)؛ لأن الفروض العينية تلزم كل شخص بعينه؛ أي: بنفسه، فالصلوات الخمس لا ينوب فيها أحد عن أحد، لكن بعض الأحكام إذا قام بها بعض المسلمين سقط الحكم عن الباقين، ومما اختلف فيه العلماء هذه الصلاة التي معنا: صلاة العيدين، وسنعرض لذلك إن شاء اللَّه: هل هي فرض كفاية أو هي سُنَّة؛ فقد اختلف العلماء في ذلك، ولكلٍّ أدلة يتمسك بها، أو وجهة نظر يقف عندها. المؤلف -كما نرى- بدأ أول ما بدأ بما يتعلَّق بصلاة العيدين في حكم الغُسل، ولا شك أن الإنسان إذا أراد أن يصلي العيدين فإنه يحتاج إلى أن يتهيأ لذلك، ومِن أول ما ينبغي أن يتهيأ به: التطهر لهذه العبادة، ثم يعقب ذلك ما يتبعه من لبس الملابس الحسنة؛ اقتداء برسول اللَّه ﷺ ، لكننا قبل أن ندخل في خضم مسائل هذا الكتاب، نريد أن نعرض لكلمة (عيد).

стр. 2779

نحن عندما نأخذ كلمة (عيد) ونريد أن نطبقها على القواعد الصرفية، نجد أنها قد دخلتها علة صرفية؛ لأن الأصل في كلمة (عيد) إنما هو عِود، والعيد إنما هو مشتق من العود؛ لأنه يعود ويتكرر بالفرح على المسلمين (١). ومعلوم أن عيد الفطر إنما يعقب شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، والمسلمون عندما يصومون هذا الشهر؛ فقد أنعم اللَّه عليهم بصيام وقيام ذلك الشهر، وبما تجود به نفوسهم من الصدقات، وبما فضل وميز اللَّه به هذا الشهر على سائر الشهور، فإذا ما وفق اللَّه عباده المؤمنين إلى إتمام ذلك الشهر، فإنه يعقب ذلك العيد. وهذا العيد إنما يأتي للفرح والسرور فيه؛ لأن اللَّه قد أنعم عليهم بنعمة إتمام هذا الشهر؛ ولذلك يقول اللَّه بعد الحديث عن الصيام: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وهذا في عيد الفطر. والعيد الآخر إنَّما هو عيد الأضحى، وسُمِّي عيد الأضحى؛ لأنه تذبح فيه الضحايا.

стр. 2780

إذًا كلمة (عيد) أصلها عِود، ومعلوم أن من العلل الصرفية: أنه إذا وقعت الواو ساكنة بعد كسر فإنها تُقلب ياءً، فيقال في كلمة (عِود) واو وقعت ساكنة بعد كسر فقلبت ياء، فصار (عيد). لكن قد يرد سؤال هنا: لماذا تجمع على أعياد، ولا يقال: أعواد؟ العلماء تكلموا عن هذه المسألة، وقالوا: إنها تجمع على أعياد؛ إمَّا مراعاة لمفردها الذي دخلته العلة الصرفية، وإما لئلا يلتبس (أعواد) التي هي جمع عيد بـ (أعواد) التي من الخشب، والعيد -كما قلنا- سمي عيدًا؛ لأنه يعود ويتكرر، فيحصل به الفرح والسرور بما أنعم اللَّه به على المؤمنين بإكمال ذلك الشهر، ومن هنا نجد أنه يكبر في ليلته وفي يومه حتى الذهاب إلى الصلاة، فالمؤمنون يكبرون في ذلك اليوم، والتكبير يكون أوسع وأكثر في عيد الأضحى، وهذه مسائل سيعرض لها المؤلف. وأول ما بدأ المؤلف التحدث عن الغسل للعيدين، وقد سبق الحديث عن الغسل بالنسبة لصلاة الجمعة، والكلام هناك يختلف عن الكلام هنا، فمن العلماء من يرى أن غسل الجمعة واجب على كل محتلم، كما ورد في الأحاديث الصحيحة: "غُسل الجمعة واجبٌ على كل مُحتلم" (١)، لكننا انتهينا في ذاك المقام إلى أن الصحيح هو مذهب جماهير العلماء (٢)، وأن غسل الجمعة ليس واجبًا، وإنما هو سنة ومستحب.

стр. 2781

وهنا بالنسبة لصلاة العيدين أقول -أيضًا- كذلك: يستحب لمن أراد الذهاب إلى العيد أن يغتسل. وهناك خلاف بين العلماء في وقت بدء الغسل، هل يكون قبل صلاة الفجر؛ أي: من ليلة العيد؟ أو أن وقته مُحَدَّد بعد صلاة الفجر؟ (١)

стр. 2782

المسألة فيها خلاف، ولا شك أن الأحوط في ذلك والأولى هو أن يكون الغسل بعد صلاة الفجر، لكن لو أن إنسانًا اغتسل قبل صلاة الفجر من ليلته، فالعهد ليس ببعيد، فإن ذلك يكفيه، ولا شيء في ذلك؛ لأن الغسل في الأصل ليس واجبًا، وإنما هو مستحب في هذا المقام. يرد هنا سؤال: هذا الغسل الذي افتتح به المؤلف هذا الباب قد ورد فيه شيء عن رسول اللَّه ﷺ ، وعن أصحابه ﵃؟ الجواب: نعم، ورد حديثان عن الرسول ﷺ تكلم العلماء عنهما، وبينوا ضعفهما (١)، ومن العلماء مَن صحح حديثًا ثالثًا في هذا المقام (٢)،

стр. 2783

لكن ذلك صح -أيضًا- عن علي بن أبي طالب (١)، وعن عبد اللَّه بن مسعود (٢)، وعن عبد اللَّه بن عباس (٣)، وذلك فيما يتعلَّق بالغسل للعيدين، ونقل ذلك -أيضًا- عن إمام التابعين الحسن البصري (٤). إذًا الغسل مستحب لصلاة العيدين، فينبغي للإنسان ألا يتركه، لكنه لو تركه لا إثم عليه، ولا ينبغي أن يقتصر الإنسان على الغسل، وإنما ينبغي -أيضًا- أن يتنظف ويزيل الرائحة الكريهة من بدنه إن كانت موجودة، فإن كان مثلًا في إبطيه شعر فيحلقه أو يزيله، وكذلك العانة وتقليم الأظافر، وينبغي للمسلم أن يأخذ زينته في هذا المقام، ومعلوم أن أخذ الزينة مطلوب عند كل مسجد، وقد نص اللَّه على ذلك في كتابه العزيز، فقال في سورة الأعراف: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، حتى ولو كانت صلاة العيد تصلى في المصلى، وإن لم تكن في المسجد -وسيأتي الكلام أيضًا على هذه المسألة- فإنه ينبغي للمرء أن يغتسل، وأن يتنظف، وأن يُزيل ما يعلق ببدنه من رائحة كريهة، وأن يلبس أحسن ما عنده من الثياب؛ لأنه قد ثبت أن

стр. 2784

رسول اللَّه ﷺ كانت له حُلَّة، وكان يلبسها في العيدين وفي الجمعة (١). وفي حديث عائشة الذي مَرَّ بنا -ونحن نبين مسائل صلاة الجمعة- أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ما بالُ أحدِكم لو اتَّخذ ثوبًا غير ثوب مهنته لجُمُعته وعِيده" (٢). فالمسلم إذًا مطالب دائمًا بأن يكون نظيفًا، ولا سيما في المقام الذي يناجي فيه ربه ؛ فإن الصلاة -كما هو معلوم- هي أقرب وسيلة يناجي فيها العبد ربَّه، ولا شك أن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. * قوله: (وَأَنَّهُمَا بِلَا أَذَانِ وَلَا إِقَامَةٍ). أما كونهما بلا أذان ولا إقامة، أولًا: هل يُشرع الأذان والإقامة في صلاة العيدين، كما يُشرع ذلك في الصلوات المفروضة؟ الجواب: لا. وإذا قلنا بأنه لا يشرع الأذان ولا الإقامة في صلاة العيدين، فهل تكون صلاة العيدين كصلاة الكسوف ينادى لها: الصلاة جامعة، أو لا؟ من العلماء من قال بذلك، وأذكر منهم الشافعية (٣)، وأكثر

стр. 2785

العلماء (١) يقولون: إن صلاة العيدين تصلى بغير أذان ولا إقامة، ولا ينادى لها: الصلاة جامعة، ومَن قال بأنه ينادى لها: الصلاة جامعة، فإنما قاس ذلك على صلاة الكسوف، أو على صلاتي الكسوف، على أن بعض العلماء يسميهما: صلاة الخسوف وصلاة الكسوف، وقد درسنا هذه المسألة دراسة مستفيضة. بقي الآن سؤال: هل نُقل عن بعض العلماء أو عن بعض السلف أنه قال بالأذان والإقامة لصلاة العيدين؟ نقل ذلك عن عبد اللَّه بن الزبير (٢)، ونقل عن ابن زياد (٣)، لكن

стр. 2786

الإجماع قد تم قبل ذلك (١)؛ ولهذا فالقول الصحيح الذي لا خلاف فيه: أن صلاة العيدين ليس فيها أذان ولا إقامة، وقد صح في ذلك عدة أحاديث؛ منها حديث جابر بن سمرة الذي أخرجه مسلم (٢) وغيره (٣)، أنه قال: "صليت مع رسول اللَّه ﷺ صلاة العيد غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة". وفي حديث عبد اللَّه بن عباس ﵄ المتفق عليه: "أنه صلى مع رسول اللَّه ﷺ العيد بغير أذان ولا إقامة" (٤)، وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة (٥). إذًا الرسول ﷺ صلى صلاة العيدين؛ ولهذا فاتنا الكلام عن

стр. 2787

حكم صلاة العيدين، وسنعرض لها؛ لأن المؤلف أَخَّرها، وإن كانت عادة الفقهاء أن يتكلموا عن ذلك في مطلع الباب. إذًا ننتهي إلى أن صلاة العيدين ليس فيهما أذان ولا إقامة، ولا نرى أنه ينادى لهما: الصلاة جامعة. * قوله: (لِثبوتِ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ). نعم، ثبت ذلك عن رسول اللَّه ﷺ في عدة أحاديث في "الصحيحين" وفي غيرهما، منها حديث ابن عباس (١) الذي أشرنا إليه، وحديث جابر بن سمرة (٢). * قوله: (إِلَّا مَا أَحْدَثَ مِنْ ذَلِكَ مُعَاوِبَةُ فِي أَصَحِّ الأَقَاوِيلِ). لقد عرض الإمام البغوي (٣) في كتابه "شرح السنة" لهذه المسألة بإيجاز -فيما أذكر- وتكلم عمن أشار إلى هذا، ونسب ذلك إلى بني أمية، لكن الذي عرف عن بني أمية إنما هو في تقديم الخطبة، ومعلوم أنه في صلاة الجمعة يبدأ أولًا بالخطبة ثم بالصلاة، لكن صلاة العيدين جاءت على العكس من ذلك: تُصلى الصلاة ثم بعد الصلاة يُخطب، والذي نقل عن بني أمية هو عكس ذلك، يعني قاسوا ذلك وألحقوها بالجمعة. أما بالنسبة للأذان والإقامة فالذي أعرف أن ذلك -كما ذكرت- عن عبد اللَّه بن الزبير (٤)، وعن ابن زياد (٥) أيضًا.

стр. 2788

* قوله: (قَالَهُ أَبُو عُمَرَ) (١). يعني: نقل عن بني أمية، لكن الذي يعرف عن بني أمية وبخاصة عن مروان بن الحكم، إنما هو في تقديم الخطبة على الصلاة. * قوله: (وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ فِيهَا تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ عَلَى الخُطْبَةِ). هذه هي السُّنَّة، وهذا الذي يُعرف عن بني أمية: أن مروان بن الحكم إنما قدَّم الخطبة على الصلاة، كالحال بالنسبة لصلاة الجمعة، فأنكر عليه أحد الحاضرين، فرد عليه مروان، فقام أبو سعيد فأنكر على مروان بن الحكم، ونسب ذلك إلى معاوية، لكن الذي فَعل ذلك في صلاته إنما هو مروان بن الحكم (٢). * قوله: (وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ فِيهَا تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ عَلَى الخُطْبَةِ) (٣). هذا قد ورد فيه أحاديثُ صحيحة متفق عليها، منها: حديث عبد اللَّه بن عباس أنه صلى مع رسول اللَّه ﷺ ومع أبي بكر وعمر، وفي بعض الروايات: وعثمان (٤)، وأنهم كانوا يقدمون الصلاة على الخطبة،

стр. 2789

وقد نقل ذلك -أيضًا- في حديث عبد اللَّه بن عمر: "أنه صلى مع رسول اللَّه ﷺ وأبي بكر وعمر" (١)، وأنهم كانوا يقدمون الصلاة على الخطبة، فرسول اللَّه ﷺ وأصحابه كانوا يصلون أولًا، ثم تكون الخطبة بعد؛ ولذلك جاء في الحديث أن رسول اللَّه ﷺ رَخَّص للناس، بعد أن فرغ من الصلاة رخص لهم بأن مَن أراد أن ينصرف فليفعل، ومن أراد يبقى فليبق (٢)، لكن لا شك أن الأولى هو البقاء؛ لأن الخطبة -كما هو معلوم وكما سننبه على ذلك عند الحديث عنها- إنما تشتمل على حمد اللَّه والثناء عليه والتذكير بأيام اللَّه، وبالنسبة لعيد الفطر -أيضًا- يتحدث الخطيب فيه عما يتعلَّق بصدقة الفطر من حيث الوجوب، وعلى مَن تجب؟ وفيم تجب؟. . . إلى آخره، وبالنسبة لعيد الأضحى يتحدث عن الأضاحي، وما يترتب على ذلك من أحكام. وقد كان الرسول ﷺ في خطبه يذكر الناس بالمبدأ والمعاد، ولو أننا تتبعنا خطب رسول اللَّه ﷺ وخطب خلفائه، لوجدنا أنهم يعنون بعقيدة التوحيد: الإيمان باللَّه وبملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره. كان الرسول ﷺ ينبه الناس إلى المبدأ والمعاد، ويبين لهم ما يحصل في يوم القيامة؛ يوم يحشر الناس في ذلك اليوم العظيم: ﴿يَوْمَ تَجِدُ

стр. 2790

كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]، وكان الرسول ﷺ يُكثر من ذلك. كما أننا نجد أن الرسول ﷺ كان يُكثر من قراءة سورة (ق)، وكذلك سورة ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ في يوم الجمعة (١)، وكذلك يقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ في الأولى وبـ (الغاشية) في الثانية (٢)؛ لما لها من علاقة بمثل هذه الأمور، وبالتذكير بأيام اللَّه ، وبما أعده اللَّه لأوليائه من جنة عرضها السماوات والأرض، وبما أعده للكافرين في نار جهنم. * قوله: (لِثبوتِ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ). ولا شك أنه ثبت عن الرسول ﷺ ، وأن الرسول ﷺ فعل ذلك في كل ما صلى. وبقيت مسألة قد فاتتنا؛ لأن مسائل الفقه متشعبة وكثيرة، فنريد أن نعرف هذه القضية المهمة؛ لأن أسباب مشروعية الأحكام قد يترتب عليها أحيانًا معرفة بعض الأحكام، فالصيام -كما هو معلوم- شُرع في السنة الثانية (٣)، والزكاة كذلك (٤)، وكذلك -أيضًا- صلاة العيدين شرعت في

стр. 2791

السنة الثانية (١). إذًا أول صلاة صلاها رسول اللَّه ﷺ في المصلى خارج المسجد إنما كانت في السنة الثانية (٢)، وكان ذلك في عيد الفطر. إذًا فالرسول ﷺ ما كان يصلي في المسجد، وإنما كان يخرج بالناس إلى الجهة الشرقية في مكان كان معروفًا؛ فيصلي بالناس. واختلف العلماء: هل كان يَخطب على مِنبر أو لا؟ ورد أنه ﵊ كان يتوكأ على بلال مؤذنه (٣)، وورد في بعض الأحاديث أنه خطب على بعيره، أو على ناقته، وهذه مسألة فيها تفصيل، ولعل المؤلف -أيضًا- يَعرض لها إن شاء اللَّه. * قوله: (إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ أَخَّرَ الصَّلَاةَ، وَقَدَّمَ الخُطْبَةَ) (٤).

стр. 2792

قوله: (أَخَّرَ الصَّلَاةَ وَقَدَّمَ الخُطْبَةَ)، هذا لم يَثبت في الحقيقة عن عتمان، ولم يَرد من طريق صحيح، ولكنه -كما ذكرت قبل- ورد عن بني أمية، ونُسب إلى معاوية (١)، لكنه صَحَّ عن مروان بن الحكم كما ذكر ذلك البغوي، وقد أنكر عليه مَن أنكر. ولا شك أن الاعتداد بما قبل ذلك العصر، ففي زمن رسول اللَّه ﷺ وفي زمن الخلفاء الراشدين وفي زمن كبار الصحابة، كان الأمر على العكس مما ذكر المؤلف، كانت الصلاة أولًا ثم بعد ذلك الخطبة. أما الخُطبة -كما هو معلوم- فإن الإنسان يصعد المنبر، ويُسَلِّم على الناس، ثم بعد ذلك يخطب الخطبة المعروفة، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب، كما فعل ذلك رسول اللَّه ﷺ ، فإذا ما فرغ من خطبته صلى بالناس. * قوله: (لِئَلَّا يَفْتَرِقَ النَّاسُ قَبْلَ الخُطْبَةِ). أولًا: هذا ليس تعليلًا، فهذه الصلاة فيها فى دعوة إلى الخير، وهي ليست بواجبة، والخطبة فيها تذكير وحمد للَّه ، والجلوس لها إنما هو جلوس في مواضع الذكر، وكل مؤمن ينبغي أن يحرص على مثل هذه المواقف، فإذا كان يسعى إلى الدنيا ويبذل كل نفيس للحصول عليها، أفلا يبقى دقائق معدودة يستمع إلى ذكر اللَّه لعَلّ اللَّه أن يفتح قلبه، أو يكون قد وقع في معصية اللَّه فيهديه اللَّه، أو يكون قد اقترف ذنبًا فيقلع عن فعله، أو يكون قد وقع في مظلمة فيهديه اللَّه فيرد تلك المظلمة إلى صاحبها إن كانت حقًّا، وإن كانت في قول فيستحله منه. هذه مواضع الذكر، ومجالسها دواء وعلاج للقلوب، فلا ينبغي للإنسان أن يفوتها، ولكن الناس يختلفون؛ فقد يكون منهم مَن هو مِن أصحاب الحاجات، ولذلك نجد أن معاذًا ﵁ عندما صلى بالناس صلاة

стр. 2793

فافتتح بسورة من طوال المفصل، انصرف رجل من الصلاة -صاحب الناضحين المعروف- فأتم صلاته، فنقل عن معاذ ﵁ أنه قال فيه كلمة شكاه فيها إلى رسول اللَّه ﷺ فأنكر رسول اللَّه ﷺ على معاذ فقال له: "يا معاذ، أفتان أنت؟ " (١) فهذه صلاة، وهي مفروضة، ومع ذلك نُهي معاذ أن يطيل فيها؛ لأن في هذه الصلاة -كما أشار الرسول ﷺ مَن هو صاحب حاجة، وقد قال ﷺ : "إذا أَمَّ أحدُكم الناس فليُخفف؛ فإنَّ فيهم الكبير والضعيف وذا الحاجة" (٢). قوله: (الكبير) يحتاج إلى رعاية، و (الضعيف) أيضًا يَحتاج إلى أن تَرفق بحاله، وكذلك (ذو الحاجة) يحتاج إلى أن يقضي حاجته، وقد لا يعوقه الوقت الطويل عن قضاء حاجته؛ لأنها ربما تذهب عنه، أو تضيع عليه. فالرسول ﷺ عندما صلى بالناس نَبَّه إلى هذه الخطبة، وأن من أراد منهم أن يبقى فليبق، ومن أراد أن ينصرف فلينصرف؛ لأن

стр. 2794

رسول اللَّه ﷺ هو المعلم الأول، وهذا الرسول العظيم أرسله اللَّه رحمة للعالمين، وأرسله اللَّه للناس رسولًا؛ أرسله للناس كافة بشيرًا ونذيرًا، هو يعلم أحوال الناس ويدرك حاجاتهم، فمنهم أصحاب المزارع، ومنهم أصحاب الأسواق، ومنهم أصحاب العوائل، ومنهم مَن لديه أطفال، ومن لديه مريض، ومن بيته بعيد عن المصلى، ولذلك نبههم الرسول ﷺ إلى أن هذا موقف خير وموضع عبادة، وأن من أراد أن يبقى فليبق، ومن أراد أن ينصرف فلينصرف. ومعلوم أن صلاة الجمعة فرض عين (١)، وأنها من أَجَلِّ العبادات وأعظمها، ومع ذلك سيمر بنا أن رسول اللَّه ﷺ عندما اجتمع في يوم واحد عيدان: العيد المعروف، والجمعة، فإن الرسول ﷺ رخَّص لمن أدرك العيد فصلاه، ألَّا يصلي الجمعة، لكنه يُصليها ظهرًا (٢)؛ لأنها تسقط عنه (٣). فالرسول ﷺ دائمًا يراعي الناس؛ لأن خلقه القرآن، وهو يسير على هدي كتاب اللَّه ، واللَّه يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]. * قوله: (وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَا تَوْقِيتَ فِي القِرَاءَةِ فِي العِيدَيْنِ).

стр. 2795

نعم، وكما ذكر المؤلف: (لَا تَوْقِيتَ). أولًا: القراءة تكلمنا عنها، وسبق الكلام فيها بالنسبة للصلاة، ورأينا اختلاف العلماء في حكم القراءة، وتفريقهم بين الفاتحة وغيرها، وانتهينا هناك إلى أن الفاتحة واجبة (١)، ومن أصرح الأدلة على ذلك: حديث

стр. 2796

عبادة بن الصامت المتفق عليه، الذي قال فيه رسول اللَّه ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (١)، و"لا" نافية للجنس، و"صلاة" نكرة في سياق النهي. ثم بعد ذلك رأينا اختلاف العلماء -أيضًا- في قراءة السورة، ثم هناك فرق بين الإمام والمنفرد والمأموم، وأن الإمام يقرأ الفاتحة، والمنفرد -أيضًا- يقرأها، وهناك خلاف بين العلماء في المأموم: هل يقرؤها أو لا يقرؤها؟ وإن قلنا: يقرؤها، هل يقرؤها في السرية دون الجهرية أو يتعين عليه قراءتها؟ رأينا مذهب الشافعية في ذلك، وأن قراءة الفاتحة متعينة في كل ركعة، ولا نريد أن نعود إلى التفصيل في هذه المسألة، لكن الذي عرض

стр. 2797

له المؤلف -وهو كما قال- أنه ليست هناك سور محددة يتعين على الإنسان أن يقرأ بها في صلاة العيدين، ولا حتى في صلاة الجمعة، لكنْ هناك سورٌ يستحب للإنسان أن يقرأ بها؛ لأن الرسول ﷺ قرأ بها وكررها ﵊، ومن ذلك أنه ﵊ قرأ في الركعة الأولى في العيدين بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، وبعض العلماء يعللون ذلك بأن فيها إشارة إلى الزكاة، وفي الثانية بـ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾، هذه -أيضًا- فيها حديث عن خلق السماوات والأرض والإبل وغيرها. . . إلى غير ذلك من الأحكام الكثيرة، فمن العلماء من يبحث عن العلل في ذلك. إذًا ثبت أن الرسول ﷺ أكثر من قراءة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ في الركعة الأولى، و (الغاشية) في الثانية. وثبت أيضًا عنه ﵊ أنه قرأ في العيدين في الركعة الأولى بسورة (ق)، وفي الركعة الثانية أيضًا بسورة ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ (١). ومعلوم أن رسول اللَّه ﷺ أكثر من قراءة سورة (ق) في يوم الجمعة على المنبر، ففي حديث أم هشام: "أنها حفظت سورة (ق) من فِي رسول اللَّه ﷺ " (٢). ومعلوم أن سورة (ق) تحدث اللَّه فيها عن بدء الخلق، وعن المعاد، وعن خلق السماوات ورفعها وعن خلق الأرض وما فيهما من جبال وأنهار، وما في ذلك من المواعظ والذكرى، إلى أن قال اللَّه بعد أن ذكر نماذج من ذلك: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى

стр. 2798

السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾ [ق: ٣٧]، وكذلك الحال بالنسبة لسورة ﴿قْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾. ومن هنا اختلف العلماء الذين قالوا بتفضيل قراءة هذه السور، لعل المؤلف يعرض لذلك، وننبه على آرائه فيها. * قوله: (وَأَكْثَرُهُمُ اسْتَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الأُولَى بِـ "سَبِّحْ"، وَفِي الثَّانِيَةِ بِـ "الغَاشِيَةِ"). هذا هو مذهب الإمام أحمد (١)، ومذهب أبي حنيفة (٢) -أيضًا- فيما أذكر، وأما الإمام الشافعي (٣) فيرى أنه يستحب أن يقرأ في الأولى بسورة ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾، وفي الثانية بـ ﴿قْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾، وهذا الذي أخذ به الشافعي ثبت في "صحيح مسلم" (٤) وغيره، والذي أخذ به الإمام أحمد ومن معه -أيضًا- ثبت في كتب السنن (٥)، وفي "مسند أحمد" (٦).

стр. 2799

* قوله: (لِتَوَاتُرِ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ). ومعلوم أن الحديث المتواتر (١): هو الذي يرويه جمع غفير عن جمع غفير تُحيل العادة تواطؤهم واتفاقهم على الكذب، فهو الحديث الذي يُروى من عدة طرو يستحيل -مع كثرة هذه الروايات- أن يحصل فيه تبديل؛ كحديث: "مَن كَذَب عليَّ مُتعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (٢)، لكن هذا الذي معنا إنما هو حديث مشهور، وكان السابقون فيما مضى يتجوزون فيُسمون الحديث المشهور متواترًا، وقراءة الرسول ﷺ في الركعة الأولى بـ ﴿سَبِّحِ﴾ وفي الثانية بـ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾ هذه جاءت في أحاديث خمسة؛ ليست أحاديث متواترة، لكنها أحاديث صحيحة ومشهورة. * قوله: (وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِىُّ القِرَاءَةَ فِيهِمَا بِـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾) (٣). أما الرأي الأول: أنه يقرأ في الأولى بـ (سَبِّح)، وفي الثانية بـ (الغاشية)، فهذا هو مذهب أحمد (٤). * قوله: (و ﴿قْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾؛ لِثُبُوتِ ذَلِكَ عَنْهُ ﵊.

стр. 2800

هذا الحديث أخرجه مسلم (١)، إذًا ثبت عن رسول اللَّه ﷺ أنه كان يكثر من قراءة هذه السور، لكن ذلك ليس متعينًا، ولذلك قال المؤلف ﵀ بأنه ليست هناك سور متعينة، فنحن نرى أن الرسول ﷺ قرأ أيضًا - في فجر يوم الجمعة في الركعة الأولى بسورة السجدة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، وفي الركعة الثانية بـ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ (٢)، وتكلم العلماء -أيضًا- في ذلك، فبعضهم يقول: لأجل السجدة (٣)، وبعضهم قال: لم يكن لأجل السجدة، وإنما لما في هاتين السورتين من اشتمال على أمور لها علاقة بيوم الجمعة (٤)، ومعلوم أن يوم الجمعة قد اختص اللَّه به هذه الأمة، وأن فيه من المزايا الشيء الكثير، وقد عرضنا لبعضها عندما تحدثنا عن يوم الجمعة: "فيه خُلِق آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أُخرج منها، وفيه ساعة عظيمة لا يُدركها مسلم يُصلي يدعو اللَّه إلا أعطاه سؤله" (٥)، كذلك -أيضًا- فيه يُبعث الناس، فالعرض الأكبر إنما هو في يوم الجمعة، فيه يعاد الناس ويبعثون، ففيه مزايا؛ ولذلك نجد أن رسول اللَّه ﷺ كان يركز في خطبه في يوم

стр. 2801

الجمعة على حض الناس على تقوى اللَّه وتذكيرهم بيوم البعث والنشور، وما يحصل في ذلك المقام، فيبين ما أعده اللَّه لأوليائه وأهل طاعته من النعيم المقيم في جنات عرضها السماوات والأرض، وما توعد به، وأعده ، للخارجين على دينه، الذين كفروا به ، وخرجوا عن هذا الدين الحق؛ لأن اللَّه أعدَّ لهم جهنم وبئس المصير. فكان هذا إذًا مناسبًا للمقام، ولذلك نقول: إن الإمام إذا أراد أن يخطب الناس، فإن لكل مقام مقالًا، ينبغي أن تكون الخطب متفقة مع الحال الذي يتكلم فيه، فربما تقع بالمسلمين واقعة، أو تنزل بهم نازلة كما نرى الآن أحوال المسلمين، فالخطيب عليه أن يعالج مشكلات المسلمين، وأن يبين الطريق السوي في ذلك، وأن من أسباب ما حَلَّ بالمسلمين ما يحصل بينهم من اختلاف، وما ينتشر بينهم من تفرق، وأنهم لو عادوا إلى اللَّه وعملوا بكتابه ، وبسنة رسوله ﷺ فحكموا شريعة اللَّه لزال عنهم الخلاف، وحلت عليهم السكينة، وانتشرت بينهم النعم، كما نرى ذلك فيمن يطبق شرع اللَّه في هذه البلاد التي نعيش فيها، وللَّه الحمد. لا شك أن اللَّه عندما شَرع هذا الدين، أمرنا بتطبيقه، ونهانا عن الخروج عليه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا﴾ [الشورى: ١٣]، فاللَّه ذكر في شرعه هذا الدين أولي العزم من الرسل؛ الخمسة الذين ذكرهم اللَّه أيضًا في سورة الأحزاب: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧)﴾ [الأحزاب: ٧]. إذًا هذا هو المقام الذي ينبغي أن ينتبه إليه الإنسان. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَسَائِلَ، أَشْهَرُهَا: اخْتِلَافُهُمْ فِي التَّكْبِيرِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ حَكَى فِي ذَلِكَ أَبُو بَكْرِ بْنُ المُنْذِرِ نَحْوًا). لا شك أن التكبير من الأذكار التي ينبغي أن يداوم عليها المرء

стр. 2802

المؤمن في كل أحواله، فهو عندما ينتهي من صلواته يكبر اللَّه ويحمده، لكن اختلف العلماء في صفة التكبير على أقوال عديدة؛ فمن العلماء (١) مَن يرى أن التكبير يقتصر على: اللَّه أكبر، يقولها ثلاث مرات، يعني يقول: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، ومنهم من يقول (٢): يقول: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر وللَّه الحمد، واللَّه أكبر، اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه، ومنهم من يرى أن يزيد على ذلك (٣): اللَّه أكبر كبيرًا، والحمد للَّه كثيرًا، وسبحان اللَّه بكرة وأصيلًا. لا شك أن التكبير ثناء على اللَّه ، وتعظيم له، وكم رأينا رسول اللَّه ﷺ يعرض لمثل هذه الأمور في خطابه ﵊، فإنه كثيرًا ما يتحدث عن عظم اللَّه ، وعن الأمور التي تكون سببًا في مرضاة اللَّه ، وعن الأمور التي تستدعي غضبه، فينبغي للمؤمن دائمًا أن يبذل جهده في الوصول إلى مرضاة اللَّه ، وأن يجتنب كل ما يغضب اللَّه ، ولا شك أن من أجل الأذكار: أن تذكر اللَّه ؛ فتقول: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر من كل شيء، هو الذي بيده الملك، إليه الأمر كله، فهو الذي خلق السماوات والأرض، وهو الذي خلق هذا الكون ودَبَّره، وهو الذي إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن، فيكون، هو الذي يُعطي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، وهو الذي يُعز من يشاء، ويُذل من يشاء، هو الذي يرفع ويخفض، هو الذي بيده الخير كله. فينبغي للمسلمين دائمًا أن يرجعوا إلى اللَّه في كل أحوالهم،

стр. 2803

فلا يقيموا واسطة بينهم وبين اللَّه من مخلوقين لا يملكون لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا، ولا يملكون موتًا ولا حياة ولا نشورًا، وأسوأ من ذلك: أن يتقرب الإنسان إلى اللَّه بأحد الأموات! هذا ميت قد مَرَّ عليه الزمان، وربما أكلت الأرض جثته وعظمه فلم يبق منه شيء، فلماذا تأتي بمخلوق فتجعله واسطة بينك وبين اللَّه وأبواب اللَّه مفتوحة لك، ويمين اللَّه ملأى سَحَّاء لا تغيضها نفقة؟! فليتجه المسلم في كل أحواله إلى اللَّه . * قوله: (مِن اثْنَي عَشَرَ قَوْلًا) (١). لا شك أن الأقوال كثيرة، منهم مَن اقتصر على: اللَّه أكبر، أن يقولها ثلاث مرات، ومنهم من يقولها كما قلنا في عبارات أُخرى: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، وبعضهم يقول: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، وللَّه الحمد، وهناك خلاف -أيضًا- فيما يتعلَّق بعدد التكبير. * قوله: (إِلَّا أَنَّا نَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ المَشْهُورَ الَّذِي يَسْتَنِدُ إِلَى صَحَابِيِّ أَوْ سَمَاعٍ، فَنَقُولُ: ذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي الأُولَى مِنْ رَكْعَتَيِ العِيدَيْنِ: سَبْعٌ مَعَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ قَبْلَ القِرَاءَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ: سِتٌّ مَعَ تَكْبِيرَةِ القِيَامِ مِنَ السُّجُودِ). لقد تكلمتُ عن شيء والمؤلف يقصد شيئًا آخر، أنا تكلمت عن لفظ التكبير، والمؤلف هنا يريد التكبيرات التي تكون في صلاة العيد، ما محلها؟ وكم هي؟ وهل هي في الركعة الأولى من حيث العدد تختلف عنها في الثانية؟، وكما ذكر المؤلف: من العلماء من قال: يكبر في الأولى سبعًا وفي الثانية خمسًا، ومن هنا يلتقي الإمام مالك (٢)

стр. 2804

وأحمد (١) في هذه المسألة، والشافعي يوافقهم إلا أنه يرى أنه يُكَبِّر في الأولى ثمانيًا، يعني: يعتبر أنَّ تكبيرة الافتتاح -التي هي تكبيرة الإحرام-خارجة عن السَّبع، فتكون التكبيرات في الأولى ثمانيًا، وفي الثانية خَمْسًا عدا تكبيرة الركوع. إذًا الإمامان مالك وأحمد يَريان أن الإنسان إذا شرع في صلاة العيدين يقرأ دعاء الاستفتاح؛ هذا هو المعروف، ثم بعد ذلك يكبر فيقول: اللَّه أكبر، سبعًا؛ هذا في الأولى، ثم بعد ذلك يتعوذ، فيقرأ. هنا قضية أظن المؤلف لم يعرض لها، هو يقول: اللَّه أكبر، ويسكت يسيرًا، ثم يقول: اللَّه أكبر، ويسكت، فهل هناك دعاء مشروع بين هذه التكبيرات؟ بعض العلماء يقول: لا دعاء بينها (٢)، وبعضهم يقول: هناك دعاء، فما هذا الدعاء؟ نقل عن عبد اللَّه بن مسعود الصحابي الجليل أنه قال: يكون بين كل

стр. 2805

تكبيرتين حمد للَّه، يعني: يحمد اللَّه ويثني عليه، ويصلي على رسول اللَّه ﷺ ، يقول مثلًا: الحمد للَّه والصلاة والسَّلام على رسول اللَّه، أو يقول: الحمد للَّه، اللَّه أكبر، ويصلي على رسول اللَّه ﷺ (١). وبعض أهل العلم لا يرى في ذلك دعاء. إذًا في الركعة الأولى عند الإمامين (٢) يُكبر بعد دعاء الاستفتاح، يعني بعد أن يدخل في الصلاة، ودعاء الاستفتاح معلوم، قد وردت فيه عدة أدعية، إمَّا: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمُك، وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك" (٣)، وإمَّا: "وَجَّهْتُ وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين". ومعلوم أن من العلماء من أخذ بالأول كالحنابلة، ومنهم من أخذ بالثاني كالشافعي، وقد تحدثنا عن هذا فيما مضى، لكننا نذكر بعض المسائل التي مَرَّت؛ لأن المقام يستدعيها، ونرى فيها فائدة. إذًا الإنسان يكبر تكبيرة الإحرام، هنا يأتي الخلاف بين الأئمة الثلاثة؛
следующие страницы →