← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

الجمعة على حض الناس على تقوى اللَّه وتذكيرهم بيوم البعث والنشور، وما يحصل في ذلك المقام، فيبين ما أعده اللَّه لأوليائه وأهل طاعته من النعيم المقيم في جنات عرضها السماوات والأرض، وما توعد به، وأعده ، للخارجين على دينه، الذين كفروا به ، وخرجوا عن هذا الدين الحق؛ لأن اللَّه أعدَّ لهم جهنم وبئس المصير. فكان هذا إذًا مناسبًا للمقام، ولذلك نقول: إن الإمام إذا أراد أن يخطب الناس، فإن لكل مقام مقالًا، ينبغي أن تكون الخطب متفقة مع الحال الذي يتكلم فيه، فربما تقع بالمسلمين واقعة، أو تنزل بهم نازلة كما نرى الآن أحوال المسلمين، فالخطيب عليه أن يعالج مشكلات المسلمين، وأن يبين الطريق السوي في ذلك، وأن من أسباب ما حَلَّ بالمسلمين ما يحصل بينهم من اختلاف، وما ينتشر بينهم من تفرق، وأنهم لو عادوا إلى اللَّه وعملوا بكتابه ، وبسنة رسوله ﷺ فحكموا شريعة اللَّه لزال عنهم الخلاف، وحلت عليهم السكينة، وانتشرت بينهم النعم، كما نرى ذلك فيمن يطبق شرع اللَّه في هذه البلاد التي نعيش فيها، وللَّه الحمد. لا شك أن اللَّه عندما شَرع هذا الدين، أمرنا بتطبيقه، ونهانا عن الخروج عليه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا﴾ [الشورى: ١٣]، فاللَّه ذكر في شرعه هذا الدين أولي العزم من الرسل؛ الخمسة الذين ذكرهم اللَّه أيضًا في سورة الأحزاب: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧)﴾ [الأحزاب: ٧]. إذًا هذا هو المقام الذي ينبغي أن ينتبه إليه الإنسان. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَسَائِلَ، أَشْهَرُهَا: اخْتِلَافُهُمْ فِي التَّكْبِيرِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ حَكَى فِي ذَلِكَ أَبُو بَكْرِ بْنُ المُنْذِرِ نَحْوًا). لا شك أن التكبير من الأذكار التي ينبغي أن يداوم عليها المرء

стр. 2802

المؤمن في كل أحواله، فهو عندما ينتهي من صلواته يكبر اللَّه ويحمده، لكن اختلف العلماء في صفة التكبير على أقوال عديدة؛ فمن العلماء (١) مَن يرى أن التكبير يقتصر على: اللَّه أكبر، يقولها ثلاث مرات، يعني يقول: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، ومنهم من يقول (٢): يقول: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر وللَّه الحمد، واللَّه أكبر، اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه، ومنهم من يرى أن يزيد على ذلك (٣): اللَّه أكبر كبيرًا، والحمد للَّه كثيرًا، وسبحان اللَّه بكرة وأصيلًا. لا شك أن التكبير ثناء على اللَّه ، وتعظيم له، وكم رأينا رسول اللَّه ﷺ يعرض لمثل هذه الأمور في خطابه ﵊، فإنه كثيرًا ما يتحدث عن عظم اللَّه ، وعن الأمور التي تكون سببًا في مرضاة اللَّه ، وعن الأمور التي تستدعي غضبه، فينبغي للمؤمن دائمًا أن يبذل جهده في الوصول إلى مرضاة اللَّه ، وأن يجتنب كل ما يغضب اللَّه ، ولا شك أن من أجل الأذكار: أن تذكر اللَّه ؛ فتقول: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر من كل شيء، هو الذي بيده الملك، إليه الأمر كله، فهو الذي خلق السماوات والأرض، وهو الذي خلق هذا الكون ودَبَّره، وهو الذي إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن، فيكون، هو الذي يُعطي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، وهو الذي يُعز من يشاء، ويُذل من يشاء، هو الذي يرفع ويخفض، هو الذي بيده الخير كله. فينبغي للمسلمين دائمًا أن يرجعوا إلى اللَّه في كل أحوالهم،

стр. 2803

فلا يقيموا واسطة بينهم وبين اللَّه من مخلوقين لا يملكون لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا، ولا يملكون موتًا ولا حياة ولا نشورًا، وأسوأ من ذلك: أن يتقرب الإنسان إلى اللَّه بأحد الأموات! هذا ميت قد مَرَّ عليه الزمان، وربما أكلت الأرض جثته وعظمه فلم يبق منه شيء، فلماذا تأتي بمخلوق فتجعله واسطة بينك وبين اللَّه وأبواب اللَّه مفتوحة لك، ويمين اللَّه ملأى سَحَّاء لا تغيضها نفقة؟! فليتجه المسلم في كل أحواله إلى اللَّه . * قوله: (مِن اثْنَي عَشَرَ قَوْلًا) (١). لا شك أن الأقوال كثيرة، منهم مَن اقتصر على: اللَّه أكبر، أن يقولها ثلاث مرات، ومنهم من يقولها كما قلنا في عبارات أُخرى: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، وبعضهم يقول: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، وللَّه الحمد، وهناك خلاف -أيضًا- فيما يتعلَّق بعدد التكبير. * قوله: (إِلَّا أَنَّا نَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ المَشْهُورَ الَّذِي يَسْتَنِدُ إِلَى صَحَابِيِّ أَوْ سَمَاعٍ، فَنَقُولُ: ذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي الأُولَى مِنْ رَكْعَتَيِ العِيدَيْنِ: سَبْعٌ مَعَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ قَبْلَ القِرَاءَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ: سِتٌّ مَعَ تَكْبِيرَةِ القِيَامِ مِنَ السُّجُودِ). لقد تكلمتُ عن شيء والمؤلف يقصد شيئًا آخر، أنا تكلمت عن لفظ التكبير، والمؤلف هنا يريد التكبيرات التي تكون في صلاة العيد، ما محلها؟ وكم هي؟ وهل هي في الركعة الأولى من حيث العدد تختلف عنها في الثانية؟، وكما ذكر المؤلف: من العلماء من قال: يكبر في الأولى سبعًا وفي الثانية خمسًا، ومن هنا يلتقي الإمام مالك (٢)

стр. 2804

وأحمد (١) في هذه المسألة، والشافعي يوافقهم إلا أنه يرى أنه يُكَبِّر في الأولى ثمانيًا، يعني: يعتبر أنَّ تكبيرة الافتتاح -التي هي تكبيرة الإحرام-خارجة عن السَّبع، فتكون التكبيرات في الأولى ثمانيًا، وفي الثانية خَمْسًا عدا تكبيرة الركوع. إذًا الإمامان مالك وأحمد يَريان أن الإنسان إذا شرع في صلاة العيدين يقرأ دعاء الاستفتاح؛ هذا هو المعروف، ثم بعد ذلك يكبر فيقول: اللَّه أكبر، سبعًا؛ هذا في الأولى، ثم بعد ذلك يتعوذ، فيقرأ. هنا قضية أظن المؤلف لم يعرض لها، هو يقول: اللَّه أكبر، ويسكت يسيرًا، ثم يقول: اللَّه أكبر، ويسكت، فهل هناك دعاء مشروع بين هذه التكبيرات؟ بعض العلماء يقول: لا دعاء بينها (٢)، وبعضهم يقول: هناك دعاء، فما هذا الدعاء؟ نقل عن عبد اللَّه بن مسعود الصحابي الجليل أنه قال: يكون بين كل

стр. 2805

تكبيرتين حمد للَّه، يعني: يحمد اللَّه ويثني عليه، ويصلي على رسول اللَّه ﷺ ، يقول مثلًا: الحمد للَّه والصلاة والسَّلام على رسول اللَّه، أو يقول: الحمد للَّه، اللَّه أكبر، ويصلي على رسول اللَّه ﷺ (١). وبعض أهل العلم لا يرى في ذلك دعاء. إذًا في الركعة الأولى عند الإمامين (٢) يُكبر بعد دعاء الاستفتاح، يعني بعد أن يدخل في الصلاة، ودعاء الاستفتاح معلوم، قد وردت فيه عدة أدعية، إمَّا: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمُك، وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك" (٣)، وإمَّا: "وَجَّهْتُ وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين". ومعلوم أن من العلماء من أخذ بالأول كالحنابلة، ومنهم من أخذ بالثاني كالشافعي، وقد تحدثنا عن هذا فيما مضى، لكننا نذكر بعض المسائل التي مَرَّت؛ لأن المقام يستدعيها، ونرى فيها فائدة. إذًا الإنسان يكبر تكبيرة الإحرام، هنا يأتي الخلاف بين الأئمة الثلاثة؛

стр. 2806

مالك والشافعي وأحمد، فالأئمة كلهم متفقون على سبع تكبيرات في الأولى، لكن الإمامين مالكًا وأحمد يريان الاقتصار عليها، وأن تكبيرة الافتتاح التي هي تكبيرة الإحرام واحدة من السبع، وهي أولها، والإمام الشافعي يقول: لا، هي سبع غير تكبيرة الإحرام، فتصبح ثمانيًا مع تكبيرة الإحرام عند الشافعي، وتبقى سبعًا عند الإمامين مالك وأحمد ﵏ جميعًا. * قوله: (وَفِي الثَّانِيَةِ: سِتٌّ مَعَ تَكبِيرَةِ القِيَامِ مِنَ السُّجُودِ). الإنسان عندما ينتهي إلى السجود يقوم فيقول: اللَّه أكبر، وهذه التكبيرات عند الأئمة؛ مالك وأحمد والشافعي: خمس عدا هذه التكبيرة التي هي القيام من الركعة الأولى. * قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١): فِي الأُولَى: ثَمَانٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ: سِتٌّ مَعَ تَكْبِيرَةِ القِيَامِ مِنَ السُّجُودِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢): يُكَبِّرُ فِي الأُولَى ثَلَاثًا

стр. 2807

بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ، يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِيهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ أُمَّ القُرْآنِ وَسُورَةً). فهذه مسألة أُخرى -أيضًا- جاءت عَرَضًا في حديث المؤلف، وهي مهمة جدًّا، عندما تحدثنا عن الصلوات الخمس، تحدثنا عن المواضع التي يرفع فيها المصلي يديه؟ قلنا هناك: هي مواضع أربعة، يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام حذو منكبيه، أو يرفعهما إلى أذنيه؛ فكل ذلك صح عن رسول اللَّه ﷺ ، وإن كان أكثر العلماء -وهم الأئمة الثلاثة- يقولون: إلى المَنكبين (١)، وأبو حنيفة قال: إلى الأذنين (٢).

стр. 2808

وهذه التكبيرة وردت فيها أحاديث، فعندما تكبر تكبيرة الإحرام في الصلاة ترفع يديك (١). وعند الركوع والرفع منه، هذه كلها ثبتت في "الصحيحين" (٢) فيما أذكر، وفي "صحيح البخاري": "إذا قمت من التشهد الأول" (٣). فهي مواضع أربعة، إذًا ثبت من حيث الأصل أن رسول اللَّه ﷺ رفع يديه في مواضع في التكبير، فهل هذا يَطَّرد أو لا؟ هذه مسألة يختلف فيها العلماء من حيث المواضع التي ترفع فيها الأيدي (٤)، ومنهم من كتب كتابات مستقلة في هذا الموضوع. لكن ما معنا الآن هو رفع اليدين عند هذه التكبيرة، تكبيرة الإحرام، ثم التكبيرات الأخرى في صلاة العيد؛ هل يُشرع رفع اليدين عند هذه التكبيرات؟

стр. 2809

الجواب باختصار: نعم، يرى الإمامان؛ (الشافعي (١) وأحمد (٢)) رفع اليدين في جميع هذه التكبيرات، ويستدلون على ذلك بما نُقل عن عبد اللَّه بن عمر (٣)، وعبد اللَّه بن عمر الصحابي الجليل معلوم أنه من أشد الصحابة حرصًا على اقتفاء آثار رسول اللَّه ﷺ ، وهو يحرص كل الحرص

стр. 2810

على اتباع الرسول، حتى إنه ليجلس ويستظل في المواضع التي استظل بها رسول اللَّه ﷺ ، ويقف المواقف التي وقف فيها، فهو يسعى كل غايته لأجل فعل ذلك، فثبت ذلك عن عبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن عمر صحابي، ولا يمكن أن يفعل ذلك إلا توقيفًا، فنقول إذًا: يرفع الإنسان يديه. وبعض العلماء لا يرى الرفع (١)، ونحن نقول: لو لم يكبر أصلًا لما فسدت صلاته، ولو لم يرفع يديه لما فسدت صلاته، ولو نسي التكبير أو تركه ثم قرأ ومضى وقت لا يعود إليه. إذًا التكبير ليس واجبًا؛ لأن الصلاة أصلًا مختلف فيها، والمؤلف كان ينبغي أن يتكلم عن حكم الصلاة في البداية، لكنه أَخَّره، وسيعرض له بعد قليل. * قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُكَبِّرُ فِي الأُولَى ثَلَاثًا بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِيهَا) (٢). الإمام أبو حنيفة -أيضًا- يرى الرفع كالإمامين الشافعي وأحمد، لكنه يقتصر على الأربع؛ لأنه ورد أن الرسول ﷺ كبر أربعًا، تكبير الجنازة، يعني كتكبير الجنازة، يعني: مثل ما كبر في الجِنازة، والجنازة -كما هو معلوم- يُكبر فيها أربع تكبيرات، هذا أمر معروف ويتكرر. * قوله: (ثُمَّ يَقْرَأُ أُمَّ القُرْآن وَسُورَةً). ليست هناك سورة متعينة، لكن يستحب أن يقرأ بما ذكر المؤلف وأشرنا إليه.

стр. 2811

* قوله: (ثُمَّ يُكَبِّرُ رَاكِعًا، وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ، فَإِذَا قَامَ إِلَى الثَّانِيَةِ كَبَّرَ وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ وَقَرَأَ فَاتِحَةَ الكِتَابِ وَسُورَةً، ثُمَّ كَبَّرَ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ يَرْفَعُ فِيهَا يَدَيْهِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ لِلرُّكُوعِ وَلَا يَرْفَعُ فِيهَا يَدَيْهِ. وَقَالَ قَوْمٌ: فِيهَا تِسْعٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ). والأقوال كثيرة جدًّا، لكن المشهور في نظري أنا: أن الإنسان يقتصر في الركعة الأولى في صلاة العيدين على سبع بما فيها تكبيرة الإحرام، وفي الثانية على خمس، ولو زاد أو نقص فإن ذلك لا يؤثر على صلاته، لكن هذا هو الذي نميل إليه، والذي وردت فيه عدة أدلة. * قوله: (وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ) (١). أما سعيد بن المسيِّب فهو التابعي الجليل، ويقولون: إنه نقل من قال: ابن المسيب، كذلك -أيضًا- الإمام النخعي، وهو إبراهيم النخعي، الإمام الجليل التابعي المعروف، وهو شيخ حَمَّاد بن أبي سليمان، وحماد شيخ أبي حنيفة، وحَمَّاد حقيقة كان مجاورًا لأبي حنيفة في المسجد، وكان أبو حنيفة يَشتغل بعلم التوحيد، وحماد يشتغل بالفقه، لكن أبا حنيفة تحول عن الاشتغال بعلم التوحيد إلى أن انتقل إلى الفقه، وقصته مشهورة ومعروفة ومفصلة في كتب الطبقات والتراجم (٢). * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِم: اخْتِلَافُ الآثَارِ المَنْقُولَةِ فِي ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ، فَذَهَبَ مَالِكٌ ﵀ إِلَى مَا رَوَاهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: "شَهِدْتُ الأَضْحَى وَالفِطْرَ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَكَبَّرَ فِي الأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ

стр. 2812

قَبْلَ القِرَاءَةِ، وفِي الآخِرَةِ خَمْسًا قَبْلَ القِرَاءَةِ" (١)، وَلِأَنَّ العَمَلَ عِنْدَهُ بِالمَدِينَةِ كانَ عَلَى هَذَا). فعلى هذا العمل عند أهل المدينة (٢)، وعندنا نص، وهو قويٌّ، فأراد مالك أن يضيف إلى هذا النص عمل أهل المدينة، فكأن عمل أهل المدينة جاء تطبيقًا لهذا الحديث. إذًا هناك حديث، وهناك عمل، فاجتمعا، وهذا أمر طيب، ومع الإمام مالك في هذه المسألة الإمام أحمد (٣). * قوله: (وَبِهَذَا الأَثَرِ بِعَيْنِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ (٤)، إِلَّا أَنَّهُ تَأَوَّلَ فِي السَّبْعِ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا تَكْبِيرَةُ الإِحْرَامِ، كَمَا لَيْسَ فِي الخَمْسِ تَكْبِيرَةُ القِيَامِ). يعني: أن الإمام الشافعي دليله هو دليل الإمامين؛ (مالك وأحمد)، لكن الإمام الشافعي يقول: هي سبع غير تكبيرة الإحرامٍ، لأن هذه منفصلة، وهذه السبع هي التي تسمى التكبيرات الزوائد، إذا ينبغي أن تكون سبعًا غير تكبيرة الإحرام، فهي تُعرف بالتكبيرات الزوائد، أما تلك فهي تكبيرة الإحرام التي يدخل بها الإنسان في صلاته.

стр. 2813

* قوله: (وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَالِكٌ إِنَّمَا أَصَارَهُ أَنْ يَعُدَّ تَكْبِيرَةَ الإِحْرَامِ فِي السَّبْعِ). (أصاره) يعني: صَيَّره، يعني هو صار، ولكن كأن شيئًا حمله أو دفعه إلى أن فعل (١). * قوله: (وَيَعُدَّ تَكْبِيرَةَ القِيَامِ زَائِدًا عَلَى الخَمْسِ المَرْوِيَّةِ أَنَّ العَمَلَ أَلْفَاهُ عَلَى ذَلِكَ). (ألفاه) يعني: وجده، تقول: ألفيت فلانًا، يعني: وجدت فلانًا. * قوله: (فَكَأَنَّهُ عِنْدَهُ وَجْهٌ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الأَثَرِ وَالعَمَلِ). علماء الفقه فيما مضى كانت عباراتهم قوية، ولذلك كثيرًا ما يشار إلى أن من مصلحة طالب العلم أن يقرأ في الكتب القديمة؛ لما لها من فوائد، عباراتهم تختلف عن عباراتنا، ألفاظهم قوية جزلة فيها عمق وغوص، لكننا في عباراتنا دائمًا نبحث عن الألفاظ السهلة الميسورة القريبة إلى الأذهان، التي لا يتوقف الإنسان في فهمها، أما هم فيغوصون في اللغة، ويبحثون عن الألفاظ التي قد تحمل معاني قوية؛ ولذلك طالب الفقه عندما ينهل من هذه الكتب تقوى لغته، ويزداد فصاحة، ويتدرب لسانه -أيضًا- على الكلام، وعلى النطق، وعلى الخطابة وحسن العبارة، لكن إذا تعود الإنسان على العبارات المبتذلة السهلة الميسورة تبقى عباراته محدودة، وألفاظه لا تتجاوز عددًا معينًا، وكلما قرأت في هذه الكتب أعملت ذهنك، فكد واتعب، لكن النتيجة أنك ستتعود على قراءة هذه الكتب، وتخرج منها بنتائج طيبة، فلا تجد مشكلة ولا عقبة تعانيها عندما تقرأ في كتب الأولين، لكن إذا عودت نفسك على قراءة المذكرات والكتب

стр. 2814

اليسيرة السهلة التي يحذف فيها الصعب ويترك السهل، فحينئذ لا ترتاح إلا لمثل ذلك. * قوله: (وَقَدْ خَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا عَنْ عَائِشَةَ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ. وَرُوِيَ أَنَّهُ سُئِلَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ وَحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمَانِ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُ فِي الأَضْحَى وَالفِطْرِ؟ فَقَالَ أَبُو مُوسَى: "كَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا تَكْبِيرَهُ عَلَى الجَنَائِزِ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: صَدَقَ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: كَذَلِكَ كُنْتُ أُكَبِّرُ فِي البَصْرَةِ حِينَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ" (١)، وَقَالَ قَوْمٌ بِهَذَا (٢)). معلوم أن أبا موسى ظل فترة واليًا على البصرة كما بَيَّن، وهكذا كَبَّر فيها، وهذا حجة لمن يقول بأن الإنسان يقتصر على أربع. * قوله: (وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ (٣) وَسَائِرُ الكُوفِيِّينَ فَإِنَّهُمُ اعْتَمَدُوا فِي ذَلِكَ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ). أبو حنيفة -كما هو معلوم- من علماء الكوفة؛ ولذلك يقول: (وسائر الكُوفِيِّينَ)، وإذا أطلق علماء الكوفة، فالمشهور منهم: علقمة، وإبراهيم النَّخعي، وحَمَّاد بن أبي سليمان، وأبو حنيفة، وأمثال هؤلاء، كذلك أبو يوسف ومحمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة. * قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ صَلَاةَ العِيدَيْنِ عَلَى الصِّفَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وَإِنَّمَا صَارَ الجَمِيعُ إِلَى الأَخْذِ بِأَقَاوِيلِ الصَّحَابَةِ).

стр. 2815

قد يسأل سائل فيقول: لماذا هذا الخلاف وتكراره وتنوعه، مع أن هذه الصلاة أكثر العلماء يرون أنها سنة، وبعضهم يرون أنها فرض كفاية؟ الفقهاء دائمًا يدققون في بيان الأحكام، ويسعون إلى أن تكون واضحة جلية، وهكذا ينبغي أن يكون الإنسان، لأن هذه أحكام شرعية، فلا بد أن تبين أدلتها، ووجهة نظرها، وحجتها في هذه المسألة؛ لأنك تقول القول وتتركه. * قوله: (فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهَا عَنِ النَّبِيِّ ﵊ شَيْءٌ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِعْلَ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ هُوَ تَوْقِيفٌ). هذه مسألة بدأنا في التعليق عليها، وبيان أهمية التلقي عن الصحابة ﵃، وأنهم هم طلاب وتلاميذ رسول اللَّه ﷺ نشأوا وترعرعوا (١) وتربوا في مدرسته، وأخذوا العلم صافيًا نقيًّا من مشكاة النبوة، وأن ما أخذوه من علم إلى جانب ما وهبهم اللَّه من صفات، وما خصهم به من مزايا وصفات، فهم كذلك كانوا أمناء على ما تلقوه من رسول اللَّه ﷺ ، فنقلوه لمن بعدهم. وهم عندما يتكلمون في أمور العبادة، إنما يتكلمون عن أمور أخذوها وتلقوها عن رسول اللَّه ﷺ ؛ إما من أقواله ﵊، وإما مما شاهدوه من أفعاله ﵊، وإما مِن تقريراته كذلك، فهم كذلك عمدتنا وقدوتنا في هذا المقام، ورسول اللَّه ﷺ ، بل اللَّه قبل ذلك قد زكاهم وأثنى عليهم في كتابه العزيز، وزكاهم رسول اللَّه ﷺ ، وبين مكانتهم في هذا المقام، وأنهم قوم اختارهم اللَّه -تعالى- لصحبة نبيه، وأمرنا أن نعرف لهم فضلهم، وأن نتبعهم في آثارهم. إذًا الصحابة ﵃ قد نقلوا هذه الأفعال، فينبغي أن نأخذها، وهي -كما ذكر المؤلف- أفعال توقيفية.

стр. 2816

وصلاة العيدين -كما هو معلوم- سيأتي الحديث عنها -إن شاء اللَّه- بعد قليل، ليست -أيضًا- من الصلوات التي تكون من فروض الأعيان، وإنما فيها خلاف بين العلماء سنبينه. * قوله: (إِذْ لَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِي ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي رَفْعِ اليَدَيْنِ عِنْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ (١)، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَرَ الرَّفْعَ إِلَّا فِي الِاسْتِفْتَاحِ فَقَطْ) (٢). هذه أظننا تكلمنا عنها، وبينا أن هناك مواضع ورد الرفع فيها، وليست محل إشكال في الصلوات المفروضة، وهي أربعة: عند تكبيرة الافتتاح التي هي تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع، وعند القيام من التشهد الأول، وهذا القيام من التشهد الأول إنما يكون في الصلاة الرباعية والثلاثية، أما الصلاة الثنائية فإنها تنتهي بتشهدها، وهي صلاة الفجر (٣).

стр. 2817

وبالنسبة للعيدين، جاء في أحاديث أن الرسول ﷺ رفع في هذه المواضع، وأن الصحابة كذلك رفعوا فيها. إذًا هذه المواضع يرفع المصلي صلاة العيدين يديه فيها؛ في تكبيراته السبع وفي الخمس، وهذا -كما عرفنا- هو مذهب الإمامين الشافعي وأحمد (١). * قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ خَيَّرَ (٢)). وهذا كله ليس فيه إثم ولا ضَرر، فلو أن إنسانًا ترك ذلك فلا ضرر ولا إثم عليه في هذا المقام. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ صَلَاةُ العِيدِ). الآن عاد المؤلف لمسألة كان ينبغي أن يجعلها في مقدمة هذا الكتاب، فهو يُشير الآن إلى اختلاف العلماء فيمن تجب عليه صلاة العيد. انظر! (أَعْنِي: وُجُوبَ السُّنَّةِ). (السنة) لا يقال عنها بأنها واجبة، لكن لو أن المؤلف سكت عن ذلك، أو قال: اختلفوا في حكم صلاة العيدين لكان أولى في الحقيقة. نعم، من العلماء من يرى أنها واجبة، وإن لم يكن وجوبها كوجوب الصلوات المفروضة أو الجمعة، لكنه يرى أنها تجب وجوبًا عينيًّا، مع عدم كونها فرضًا، وهذا هو مذهب الحنفية (٣)، ومعروف اصطلاح الحنفية في هذا المقام، فالحنفية يُفَرِّقون دين الفرض الواجب، فهم يرون أن الفرض آكد من الواجب، لأنهم يقولون: إن الفرض في اللغة مأخوذ من

стр. 2818

الحَزِّ والقطع، إذًا فيه قوة، لكن الواجب بمعنى الثبوت، ومن ذلك قول اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦]، يعني: سقطت، واستقرت، وثبتت على الأرض. أما بقية الفقهاء فإنهم يرون أن الواجب يشمل الفرض، ويشمل الواجب أيضًا، وإن كانوا يفصلون القول في ذلك: فهناك ركن، وهناك واجب، إلى غير ذلك من الأمور التي يعرفها مَن دَرَسَ أصول الفقه ووقف عليها. صلاة العيدين الكلام فيها في أمرين؛ أولًا: في حكم صلاة العيدين، هل هي سنة أو واجبة؟ وإن قلنا بأنها واجبة، فهل وجوبها وجوب عيني، أم أن وجوبها وجوب كفاية، بمعنى: فرض الكفاية؟ فالفرض (١) يقسمه العلماء إلى قسمين: فرض عيني، أي: يجب على كل إنسان بعينه؛ كالصلوات الخمس، والجمعة في حق مَن تجب عليه، وهناك واجبات لا يكون وجوبها وجوبًا عينيًّا، وإنما وجوبها وجوب كفاية، يعني: أنها من فروض الكفاية التي إذا قام بها بعض المسلمين سقط الفرض عن البقية، يعني واجبات تجب تأديتها، لكنها لا تخص كل إنسان بعينه، فلو قام بها جماعة من المسلمين لكان ذلك أداء لواجبها، ولَما أَثِم البقية في ذلك، ومن العلماء مَن يرى أنها سنة. إذًا صلاة العيدين يختلف العلماء في حكمها، وينقسمون في ذلك إلى أقسام ثلاثة: القسم الأول: مَن يرى أنها سنة مؤكدة، وهم المالكية (٢)

стр. 2819

والشافعية (١) دون تفصيل؛ لأننا لو أردنا أن نُفصل لوجدنا أن من الشافعية مَن يرى أنها فرض كفاية، لكننا نأخذ بالأغلب. القسم الثاني: من يرى أنها فرض كفاية (٢)، وهذا هو ظاهر مذهب الحنابلة؛ لأن ثمة رواية في المذهب على أنها سُنة (٣). القسم الثالث: من يرى من العلماء أنها تجب وجوبًا عينيًّا، لكنها ليست فرضًا كصلاة الجمعة، وهذا هو قول الحنفية (٤)، وأيضًا فيه تفصيل في المذهب، وليس هذا قول كل علماء المذهب.

стр. 2820

إذًا الأقوال هنا ثلاثة: صلاة العيدين سنة مؤكدة. صلاة العيدين فرض كفاية. الثالث: صلاة العيدين تجب وجوبًا عينيًّا؛ أي: تجب على كل إنسان بعينه، لكنها لا ترتقي إلى الفرض العيني. لماذا اختلف العلماء في ذلك؟ الذين قالوا من أهل العلم بأنها سنة، قالوا: إن فرائض الصلوات قد حُدِّدت، فرسول اللَّه ﷺ عندما جاءه الأعرابي الذي يسأله عن الإسلام - بَيَّن له أولًا الشهادتين، ثم بعد ذلك بَيَّن له أنه يجب عليه خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال الأعرابي: هل عليَّ غيرها؟ فقال له رسول اللَّه ﷺ : "لا، إلا أن تَطَّوع"، يعني: لا يجب عليك غير الصلوات الخمس المفروضة إلا أن تتطوع، وأبواب التطوع واسعة جدًّا، ففيها السنن، وفيها النوافل. قالوا: هذا الحديث يدل على أن الواجب هو الصلوات الخمس، وأن ما عداها لا يكون واجبًا. واستدلوا -أيضًا- بالحديث المتفق عليه، وهو حديث: "خمسُ صَلَوات كتبهن اللَّه على العبد (١) "، وفي رواية: "على العباد في اليوم والليلة؛ مَن حافظ عليهن كان له عهد عند اللَّه أن يدخله الجنة، ومَن لم يحافظ عليهن لم يكن له عهد عند اللَّه، إن شاء عَذَّبه، وإن شاء غفر له" (٢).

стр. 2821

قوله: "خمس صلوات كتبهن اللَّه على العبد في اليوم والليلة"، "كتب" بمعنى: أوجب. إذًا هذه هي الصلوات الواجبة. وفي حديث معاذ عندما أرسله رسول اللَّه ﷺ إلى اليمن قال له: "إنك ستأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن اللَّه قد افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة" (١)، وهذا مقام بيان الواجبات، ولم يذكر الرسول ﷺ لمعاذ غير الصلوات الخمس، فلو كان غيرها واجبًا لبينه الرسول ﷺ لمعاذ، ولطلب منه أن يبينه لأولئك القوم الذين هم أهل كتاب بحاجة إلى البيان. إذًا قالوا: هذا دليل على عدم وجوبها، وقالوا: إن بَعثَ معاذٍ إلى اليمن كان في أواخر حياة رسول اللَّه ﷺ . وأيضًا جاء في حديث الإسراء في الحديث عن الصلوات الخمس: "هي خمس وهي خمسون، لا يُبَدَّل القولُ لديَّ" (٢). قالوا: فهذا دليل على أن صلاة العيدين غير واجبة، وإذا لم تكن واجبة فهي سنة. ثم بعد ذلك قالوا: صلاة ذات ركوع وسجود لم يُشرع لها الأذان، فكانت غير واجبة. فاستدل أصحاب هذا القول بالمنقول وبالمعقول، فالمعقول هو هذا القياس الذي قالوا به، قالوا: صلاة ذات ركوع وسجود ليس فيها أذان،

стр. 2822

فلم تَجب قياسًا على صلاتي الاستسقاء والكسوف؛ فصلاة الاستسقاء وصلاة الكسوف ليس فيهما أذان ولا إقامة، وهما غير واجبتين باتفاق، فصلاة العيدين تكون كذلك. أعتقد أن هذا دليل واضح ومبيِّن. والذين قالوا من أهل العلم بأنها فرض كفاية (١) استدلوا بعدة أدلة: أولًا: استدلوا بقول اللَّه : ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ٢]، ومعلوم أن هذا من الأدلة التي يستدل بها العلماء على أن صلاة العيدين مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع، فهم يقولون: مشروعيتها بالكتاب بهذه الآية: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾، وهنا قال: والمقصود بالصلاة: صلاة العيدين، وهذا ليس إجماعًا، وإنما هذا هو المشهور في التفسير. وأما ثبوتها بالسنة، فقالوا: ثبت بالتواتر؛ لأن رسول اللَّه ﷺ صلى العيدين ولم يتركهما، وكذلك فعل ذلك أصحابه (٢). وأما الإجماع، فقد قام إجماع المسلمين على ذلك (٣). إذًا صلاة العيدين مشروعيتها ثابت بالكتاب وبالسنة وبالإجماع (٤). فالذين قالوا من أهل العلم بأنها فرض كفاية استدلوا أولًا بقول اللَّه تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ٢]، قالوا: هذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.

стр. 2823

ثانيًا: استدلوا بمداومة رسول اللَّه ﷺ على صلاة العيدين، قالوا: لم ينقل تركها عن رسول اللَّه ﷺ ولا مَرَّة واحدة، ولم يتركها المسلمون، بل كانوا يُسارعون إلى أدائها، إذًا هذا دليل آخر. ثالثًا: قالوا: صلاة فيها ركوع وسجود، فتجب وجوب كفاية؛ قياسًا على صلاة الجنازة، وهذا هو الذي قال به الحنابلة؛ لأن صلاة الجنازة عندهم واجبة، وهذا لا يكون ملزمًا لغيرهم؛ لأن مِن العلماء مَن يرى أن صلاة الجنازة ليست بواجبة، يعني: ليست فرض كفاية، وإنما هي سنة. فهؤلاء العلماء استدلوا بالآية، وكذلك استدلوا بمداومة رسول اللَّه ﷺ ، وبأنها صلاة تؤدى بركوع وسجود وفيها تكبير، أشبهت صلاة الجنازة، فكانت واجبة وجوب كفاية. وأما الحنفية الذين قالوا بأنها تَجب وجوبًا عينيًّا، فاستدلوا على ذلك بدليلين (١): الدليل الأول: هو قول اللَّه تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ٢]. الدليل الثاني: هو دليل عقلي أو قياسي، وهو الذي يعرف بالمعقول، قالوا: صلاة تُشرع فيها الخطبة، فهي واجبة قياسًا على صلاة الجمعة. هذه هي أقوال العلماء، وقد أجاب كل فريق عما استدل به الفريق الآخر، ولا نريد أن ندخل في طول المناقشات، لكن الذين قالوا بأنها سنة أجابوا عن أدلة هؤلاء بأن هذه ليس فيها دلالات صريحة؛ لأن

стр. 2824

قول اللَّه تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ٢] ليس دليلًا متفقًا على أنه في صلاة العيدين. وكذلك أيضًا مداومة رسول اللَّه ﷺ ليست دليلًا قطعيًّا على الوجوب، لأن الرسول ﷺ كان يداوم ويحافظ على السنن الرواتب، وهي ليست بواجبة. والذين قالوا من أهل العلم بأنها فرض كفاية، أجابوا عن أدلة الذين قالوا بأنها سنة، قالوا: إن قول الرسول ﷺ للأعرابي: "لا، إلا أن تطوع"، قالوا: إنما ذلك بالنسبة لما يجب وجوبًا عينيًّا، قالوا: والأعراب لا تجب عليهم الجمعة؛ ولذلك لم يذكر لهم الرسول ﷺ صلاة الجمعة، مع أن فرضها متعين ومتأكد؛ لأنها لا تجب على الأعراب، وإذا لم يبين له الرسول ﷺ صلاة الجمعة، فصلاة العيدين أولى، يعني إذا لم يذكر له وجوب صلاة الجمعة، فعدم ذكر صلاة العيدين من باب أولى (١). وكذلك أجابوا عن بقية الأدلة الأخرى. وأما بالنسبة للفريق الأول أيضًا، فإنهم أجابوا عن القياس على صلاة الجنازة، قالوا: هذا قياس غير مُسَلَّم. لكن أقوى ما يتمسك به الحنابلة الصلاة المنذورة؛ لأن مما استُدل به على الحنابلة أن هذه صلاة لم يُشرع فيها الأذان، فلم تكن واجبة كسائر الصلوات غير المفروضة. والحنابلة أجابوا بأن من الصلوات ما لم يشرع له الأذان، ومع ذلك تجب كالصلاة المنذورة، فإنها واجبة باتفاق.

стр. 2825

والمسلمون -بحمد اللَّه- يحرصون غاية الحرص على أداء هاتين الصلاتين، سواء كانت صلاة عيد الفطر أو صلاة الأضحى، ورسول اللَّه ﷺ قد داوم عليها، ولم يعرف في عصر من العصور أن المسلمين قد تركوا ذلك، بل نجد أن المسلمين يتسابقون ويهرعون إلى أدائهما؛ لأن إحداهما تأتي بعد فضل عظيم من اللَّه طول على المؤمنين بأن وفقهم إلى إكمال هذا الشهر، وهو ما أشار إليه بقوله: ﴿أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ولا شك أن أداء هذه الصلوات إنما هو شكر اللَّه ، إنما هو اعتراف بفضله جل وعلا، إنما هو إدراك لما أنعم اللَّه على المؤمنين، أن وفقهم فأدوا ذلك الركن العظيم الذي هو صيام شهر رمضان، الذي أنزل فيه القرآن، والذي أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، ألا يستحق من المؤمنين أن يؤدوا هذه الصلاة؛ فيكبروا اللَّه ، ويثنوا عليه، ويحمدوه بما هو أهله؟ بلى، إن من حق المؤمنين أن يؤدوا ذلك للَّه في كل حال، فما بالك بأن يكون ذلك بعد فضل كبير من اللَّه وإحسان منه إلى عباده المؤمنين؟! بقيت مسألة ذات ارتباط بحكم صلاة العيدين: صلاة العيدين -كما هو معلوم- فيها شَبه من صلاة الجمعة؛ لأن صلاة العيدين ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، ولا خلاف بين العلماء في أن صلاة العيد ركعتان، لم يختلف العلماء في ذلك، ولكن وقع الخلاف بينهم فيمن فاتته صلاة العيدين: هل يصليها ركعتين أو أربعًا؟ هذا سيأتي، لكن بالنسبة لأداء الصلاة جماعة فإنها تؤدى ركعتين، وهذا أمر لا خلاف فيه بين المؤمنين، ومما يستدل به عليه فِعل رسول اللَّه ﷺ ، وفعل المؤمنين، وقول عمر ﵁: "صلاة الجمعة وصلاة

стр. 2826

العيدين -وفي بعض الروايات:- صلاة الفطر وصلاه الأضحى ركعتان تمام غير قَصر على لسان نبيكم ﷺ ، وقد خاب من افترى" (١). إذًا في أثر عمر ﵁: "صلاة العيدين ركعتان تمام غير قصر"، قال: "على لسان نبيكم ﷺ ، وقد خاب من افترى"، وهذا نص في هذه المسألة، وليس فيها خلاف. لكن بقيت مسائل أُخرى، وقد درسنا صلاة الجمعة، وعرفنا كلام العلماء فيمن تجب عليه الجمعة، هل تجب الجمعة على المرأة (٢)؟ على المسافر (٣)؟ على الصبي (٤)؟ على المريض (٥)؟ على العبد (٦)؟ تكلمنا في هذه المسألة، وبينا أن جمهور العلماء يَرون أن الجمعة لا تجب على المملوك، ولا على الصبي، ولا على المرأة، ولا على المريض، ولا على المسافر، إلا ما نُقل عن الزهري -فيما أذكر- أنه قال: "إذا سمع الأذان فإنه تلزمه الجمعة" (٧). ولا شك -كما هو معلوم- أن الصبي مرفوع عنه القلم؛ لقول

стр. 2827

رسول اللَّه ﷺ في حديث علي وعائشة: "رُفع القلم عن ثلاثة" (١)، وذكر منهم الصبي. وبالنسبة للمرأة: لا تجب عليها الجمعة، وكذلك المملوك، وكذلك المسافر. وعمدة القول في هذه المسألة: هو حديث طارق بن شهاب الذي مَرَّ بنا في صلاة الجمعة: "الجمعة حَقٌّ واجب على كل مسلم إلا أربعًا: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض" (٢)، وفي رواية: "أو خمسة" (٣)، وذكر المسافر. وحديث طارق بن شهاب هذا مُرسل صحابي (٤)، ومرسل الصحابي حجة (٥).

стр. 2828

إذًا الجمعة لا تجب على مملوك ولا على امرأة ولا على مسافر، فهؤلاء لا تجب عليهم، لكن هل الحال -أيضًا- بالنسبة لصلاة العيدين كذلك؟ من هنا وقع الخلاف بين العلماء: فالشافعية (١) يرون أن صلاة العيدين يُؤمر بها؛ أي: تشرع في حق المسافر، وفي حق المرأة، وكذلك -أيضًا- في حق المملوك. ولهم في ذلك عدة أدلة؛ فمن الأدلة بالنسبة للمرأة: حديث أم عطية ﵂، وهو حديث متفق عليه، وهو الذي قالت فيه: "أَمرنا رسول اللَّه ﷺ أن نُخرجهن؛ العواتق، والحُيَّض، وذَوَات الخُدور" (٢). إذًا العواتق (٣) نساء كبيرات، الحُيَّض؛ أي: اللاتي أصابهن الحيض، وكذلك ذوات الخُدُور (٤): اللاتي في خدورهن.

стр. 2829

لكن جاء في الحديث أن الحُيَّض يعتزلن المصلى؛ أي: يكن وراء ذلك؛ لأنه -كما سيأتي في خطبة الجمعة- خطب رسول اللَّه ﷺ أصحابه، ثم انتقل بعد ذلك إلى النساء فوعظهن وذَكَّرهن وأمرهن بالصدقة، فكُنَّ يَتسابقن إليها فيُلقين ما في أيديهن (١). وقد جاء في حديث آخر أن الرسول ﷺ قال للنساء: "تَصَدَّقْنَ؛ فإنكن حَطَبُ جَهَنَّم" (٢)، ليس معنى ذلك أن النساء كلهن في جهنم، لا، وقد جاء في حديث آخر: أن الرسول ﷺ بَيَّنَ أنهن "يَكفرن". قيل: أيكفرن باللَّه؟ قال: "لا، يَكفرن العَشِير، لو أحسنتَ إلى إحداهن، ثم رأت منك شيئًا، لقالت: ما رأيت منك خيرًا قط" (٣). إذًا النساء تسابقن لمَّا حذرهن الرسول ﷺ ، وبَيَّن لهن فضل الصدقة، ومكانة الصدقة في الإسلام معلومة، فكم يَرفع اللَّه بها من البلايا، ويحط

стр. 2830

بها من السيئات! وكم يرفع بها من درجات المؤمن! فكن يتسابقن إلى الصدقات، وهذا هو شأن المؤمنين، والكلام عن الصدقة يطول، لكنها من أوجه البر التي إذا قام الإنسان بها وأداها فإنه يثاب عليها. فالشافعية يرون أن صلاة العيدين تؤمر بها المرأة، وكذلك -أيضًا- العبد الملوك، والمسافر (١). ومالك يتفق معهم في أن صلاة العيدين لا تَجب، لكن المالكية (٢) يَرون أنه لا يؤمر بها امرأة ولا مسافر ولا مملوك؛ لأن هؤلاء لا تجب عليهم الجمعة، فكذلك لا تشرع في حقهم، لكن لو حضر هؤلاء، لكان ذلك أمرًا طيبًا، ليس المراد أنهم لا يحضرون؛ لا، ولكنهم لا يؤمرون بها كغيرهم. وأما الإمام أحمد فله روايتان في هذا الباب: له رواية أن هؤلاء لا يؤمرون (٣)، وله رواية أُخرى أنهم يؤمرون (٤)، فله رواية مع الإمام مالك، وأُخرى مع الإمام الشافعي.

стр. 2831

لكن يبقى أمر آخر: هل الاستيطان (١) -أيضًا- شرط في صلاة العيدين كالحال بالنسبة للجمعة؟ معلوم أن الاستيطان ليس شرطًا عند الشافعية (٢)، وهو شرط عند غيرهم، ومن هنا وقع الخلاف؛ فالحنفية (٣) يرون أن الاستيطان شرط في صلاة العيدين، ويوافقهم الحنابلة في رواية (٤)، ويخالفونهم في رواية أُخرى (٥). هذا كل ما يدون حول ما يتعلَّق بحكم صلاة العيدين، وما يرتبط بذلك من شروط، أردنا أن نبينها بيانًا شافيًا لِتُعلم. وسيأتي الكلام عن صلاة العيدين إذا فاتت الإنسان؛ فالحنابلة (٦) -مثلًا- الذين يقولون بأنها فرض كفاية، يقولون: لو فاتت الإنسان فإن شاء قضاها وإن شاء لم يقضها، وآراؤهم في ذلك أربعة:

стр. 2832

١ - مَن فاتته صلاة العيدين تَسقط عنه. ٢ - يَقضيها أربعًا. ٣ - يقضيها ركعتين كبقية النوافل والتطوعات. ٤ - يقضيها على هيئة صلاة العيدين، كما لو كان مع الإمام، وهذا يَعرض له المؤلف -إن شاء اللَّه- ونبينه. * قوله: (فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُصَلِّيهَا الحَاضِرُ وَالمُسَافِرُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (١)، وَالحَسَنُ البَصْرِيُّ (٢)). وهي أيضًا رواية -كما قلنا- للإمام أحمد (٣). * قوله: (وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّهُ يُصَلِّيهَا أَهْلُ البَوَادِي، وَمَنْ لَا يُجَمِّعُ، حَتَّى المَرْأَةُ فِي بَيْتِهَا) (٤). فالشافعية إذًا -كما هو ظاهر- يرون أن صلاة العيدين لا يختص بها الحاضر، والقائلون بأن المسافر يصليها قالوا: لم يعرف أن رسول اللَّه ﷺ ولا أصحابه صلوها في سفر، فصلاتهم كانت قاصرة على الحَضَر، أما أهل البوادي والمسافرون والمرأة فلا. لكن الشافعية يقولون: هذا عمل خير، هذه صلاة فيها خير، صلاة مشروعة، سنة مؤكدة، فينبغي أن يؤديها هؤلاء، وهذه فيها حمد للَّه وثناء عليه وتكبير له إذًا ينبغي أن يتساوى فيها المؤمنون في أي مكان كان.

стр. 2833

* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: إِنَّمَا تَجِبُ صَلَاةُ الجُمُعَةِ وَالعِيدَيْنِ عَلَى أَهْلِ الأَمْصَارِ وَالمَدَائِنِ) (١). (الأمصار): جمع مِصر، والمِصر: هو ما يشتمل على عدة مدن، والمدينة التي يسكنها جماعة، يعني: غير أهل البوادي (٢). * قوله: (وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ) (٣). هذا مر بنا أيضًا في الجمعة، وهذا أخرجه عبد الرزاق وغيره عن عليٍّ، وهو حجة للذين يقولون بأنها تقصر على الأمصار، ويعبرون عنه بالاستيطان، يعني: أن يكون مستوطنًا مستقرًّا، وليس معنى هذا أنه لا بد أن يستوطن المدينة، فلو أن أناسًا ذهبوا فأقاموا في مكان؛ فأقاموا بيوتهم، واستقروا فيها، وأصبحوا غير رُحَّل؛ فإنهم يعتبرون مستقرين، فهناك من المدن ما ينشأ، وهناك من الأماكن ما يستقر فيها أناس فيمكثون فيها مدة طويلة، لكن الذين لا يشملهم ذلك هم أهل البوادي الذين يتنقلون، يتتبعون المطر، يتتبعون نزول المطر، فهم يتنقلون من مكان إلى مكان يبحثون عن الرعي لماشيتهم. * قوله: (وَرُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا صَلَاةَ فِطْرٍ وَلَا أَضْحَى عَلَى مُسَافِرٍ) (٤).

стр. 2834

بعكس ما نُقل عنه في الجمعة -كما نذكر- فإنه يرى أنه لو أن إنسانًا سمع مؤذنًا، يعني: كان مسافرًا وهو في طريقه فسمع مَن يؤذن للجمعة، فإنها تلزمه. * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ: اخْتِلَافُهُمْ فِي قِيَاسِهَا عَلَى الجُمُعَةِ؛ فَمَنْ قَاسَهَا عَلَى الجُمُعَةِ كَانَ مَذْهَبُهُ فِيهَا على مَذْهَبِهِ فِي الجُمُعَةِ، وَمَنْ لَمْ يَقِسْهَا رَأَى أَنَّ الأَصْلَ هُوَ أَنَّ كُلَّ مُكَلَّفٍ مُخَاطَبٌ بِهَا حَتَّى يَثْبُتَ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنَ الخِطَابِ). كذلك يختلف أهل العلم، لكن الخلاف يسير: هل يشترط للجمعة العدد؟ بعض أهل العلم لا يشترطه (١)، يعني: يكفي فيها أقل الجماعة؛ اثنان. وبعض أهل العلم قال: أربعون (٢)، وبعض أهل العلم زاد (٣)، وبعضهم نقص (٤)، فبعضهم يشترط الأربعين في هذا المقام، وأكثرهم لا يشترط ذلك (٥). * قوله: (قَالَ القَاضِي: قَدْ فَرَّقَتِ السُّنَّةُ بَيْنَ الحُكْمِ). إذا قال ابن رشد كلمة (القاضي) ولم يُسَمِّه فهو يقصد نفسه، فليعرف هذا في "بداية المجتهد"، فكلما قال ابن رشد: (قال القاضي) ولم يسمه، فهو يريد نفسه، يعني: قال القاضي ابن رشد الذي هو الحفيد. وهذا يختلف باختلاف العلماء، والكتب الأخرى؛ فمثلًا قد تجد عند الأصوليين: قال القاضي الباقلاني (٦)، قال الإمام مثلًا في كتب القواعد

стр. 2835

والأشباه والنظائر، يقصدون به إمام الحرمين (١)، ولا يقصدون به الإمام الشافعي عند الشافعية مثلًا. * قوله: (لِلنِّسَاءِ فِي العِيدَيْنِ وَالجُمُعَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ "أَنَّهُ ﵊ أَمَرَ النِّسَاءَ بِالخُرُوجِ لِلْعِيدَيْنِ") (٢). هذا الحديث الذي أشرتُ إليه حديث أم عطية المتفق عليه، وقد رواه -أيضًا- غير الشيخين، لكن نحن نقول: متفق عليه، ويكفي هذا. حديث أم عطية هو الذي أشرت إليه، وهو الذي قالت فيه: "أَمرنا رسولُ اللَّه ﷺ أن نُخرجهن إلى العيدين، أو لصلاة العيدين"، ثم ذكرت العواتق والحيض، يعني: ذوات الحيض؛ أي: اللاتي أصابهن الحيض، وذوات الخدور، يعني: العواتق والحُيَّض وذوات الخدور (٣). إذًا هنا خص النساء في صلاة العيدين بما لم يخصهن به رسول اللَّه ﷺ ، ولذلك نجد أن رسول اللَّه ﷺ عندما خطب الرجال انتقل فوعظ النساء، ومن هنا أخذ العلماء فرعًا من هذه المسألة، قالوا: لو أن الإمام خطب الرجال، ثم بعد ذلك قَدِم أناس لم يسمعوا الخطبة هل له أن يخطب؟ قالوا: نعم (٤)، له أن يَخطبهم؛ لأنهم بحاجة إلى التذكير، لأن الخطبة تشتمل على حمد اللَّه. . .، ولذلك يقول العلماء: الأولى أن تكون

стр. 2836

الخطبة مملوءة بحمد اللَّه ، والثناء عليه، وهذه هي خطب رسول اللَّه ﷺ ، وقد قال ﵊: "كُلُّ أَمر ذي بال لا يُبدأ فيه بحمد اللَّه فهو أقطع، فهو أبتر" (١). إذًا ينبغي أن تبدأ الخطب بحمد اللَّه ، حتى في العيدين يحمد اللَّه تعالى، ثم بعد ذلك يشرع في التكبير، وإن كان المسألة فيها خلاف. وقد قلت أنا: إن صلاة العيدين كانت في المصلى، وكان في الجهة الشرقية، وقد عدت إلى ابن القيم فوجدتُ أنه يؤكد ذلك (٢)، وأنه قال: عند الباب الشرقي. أما الذي كان في الجهة الجنوبية، فتلك هي صلاة الاستسقاء (٣). * قوله: (وَلَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ فِي الجُمُعَةِ). لكن من المعلوم أنه ورد حديث عام ومتفق عليه، وهو قوله ﵊: "لا تَمنعوا إماء اللَّه مساجد اللَّه" (٤)، لكن خروج النساء إلى صلاة الجماعة أو إلى العيدين أو إلى الجمعة ينبغي أن يكن على هيئة بعيدة عن الفتنة؛ ولذلك قَيَّد العلماء، والكتاب الذي معنا مختصر، فلا ينبغي للمرأة أن تخرج إلى الصلاة مُتعطرة (٥) ولا مُتزينة زينة تفتن الرجال،

стр. 2837

بل إن بعض العلماء نص على أن اللاتي يخرجن للصلاة إنما هن الكبار. إذًا ينبغي أن تكون الفتنة مأمونة، ولذلك جاء في أثر عائشة أنها قالت: لو رأى رسول اللَّه ﷺ ما أحدث النساء بعده لمنعهن الخروج إلى المساجد (١)؛ لأن الحال قد تغيرت، فينبغي للمرأة المؤمنة الصالحة التقية أن تخرج تَفِلَة (٢)، يعني: غير متعطرة، وأن تخرج محتشمة ملتفة، وأن تكون على هيئة لا تَفتن الرجال، هذا ينبغي أن يكون عليه النساء، فإذا كن كذلك فلا يُمنعن الخير: "لا تَمنعوا إماء اللَّه مساجد اللَّه" (٣). * قوله: (وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي المَوْضِعِ الَّذِي يَجِبُ مِنْهُ المَجِيءُ إِلَيْهَا، كَاخْتِلَافِهِمْ فِي صَلَاةِ الجُمُعَةِ مِنَ الثَّلَاثَةِ الأَمْيَالِ إِلَى مَسِيرَةِ اليَوْمِ التَّامِّ). أشار المؤلف -أيضًا- إلى قضية أُخرى لم تَرد عندنا، يعني: لم أعرض لها، وهي قضية: هل يؤتى لصلاة العيدين كما يؤتى لصلاة الجمعة؟ مر بنا خلاف كثير، بعضهم قال: من آواه الليل إلى أهله، وورد في ذلك أثر (٤)، وفيه كلام، مَن كان على ثلاثة أميال، وهذا قول المالكية (٥)؛

стр. 2838

لأن أهل العوالي كانوا يأتون، وقيل: من يسمع النداء، إذا أَذَّن المؤذن مع صفاء الجو ولا يوجد أمور مُشوشة، فسمع النداء، فإنه يأتي الجمعة، وفيه أيضًا مقال، وهناك أقوال كثيرة. هناك أيضًا قضية أُخرى: الركوب إلى صلاة العيدين، الذي ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الرسول ﷺ لم يَركب في العيدين (١)، لكن يقال هنا: صلاة العيدين كانت قريبة بالنسبة لرسول اللَّه ﷺ . المهم أن الرسول ﷺ لم يركب في صلاة العيدين، فالأفضل في حق من يأتي إلى صلاة العيدين أن يأتي إليها ماشيًا، لكن لو كان مكانه بعيدًا فإنه يركب سيارته أو دابته، فإذا ما قرب من المكان الذي تُصلى فيه فإنه يمشي إليها، وليس ذلك مكروهًا، فالمستحب أن يؤتى إلى صلاة العيدين مشيًا على الأقدام، فإن كنتَ بعيدًا فاركب سيارتك أو غيرها من وسائل النقل، فإذا ما اقتربت أتيت ماشيًا. * قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ وَقْتَهَا مِنْ شُرُوقِ الشَّمْسِ إِلَى الزَّوَالِ) (٢).

стр. 2839

هذه قضية مهمة، وهذه حقيقة تأخذ بأيدينا إلى مسألة أُخرى نقدم بها لهذه المسألة، لماذا يكون وقتها من شروق الشمس إلى زوالها؟ لا بد أن يكون هناك سبب، يعني: ما بين شروق الشمس إلى زوالها هذا وقت تؤدى فيه، معنى هذا: أنها لا تؤدى وقت الزوال ولا بعده، وإن كانت بالنسبة للجماعة، وإن فاتت بأن لم يعلموا بالعيد إلا بعد الزوال، أو لم يكن هناك وقت لأدائها، فإنها تصلى في اليوم الثاني، وهذه سنتكلم عنها. لِيُعْلَمْ أن هناك أوقاتًا خمسة هي أوقات النهي؛ نهى رسول اللَّه ﷺ عن الصلاة فيها، ففي أحاديث متفق عليها قال رسول اللَّه ﷺ : "لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس"؛ هذا واحد، "ولا صلاة بعد صلاة العصر حتى تَغرب الشمس" (١)، وفي حديث عقبة بن عامر أنه قال: "ثلاث ساعات نهانا رسول اللَّه ﷺ أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: إذا طلعت الشمس بازغة حتى ترتفع" (٢)، إذًا تطلع ثم ترتفع، "وحين يقوم قائم

стр. 2840

الظهيرة" (١)، هذا الثاني، يعني: وقت الزوال، عندما تكون الشمس في كبد السماء، "وحين تضيف الشمس للغروب"؛ أي: حين تميل للغروب. إذًا لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، ولا بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، وكذلك من هذه الساعات وقت طلوع الشمس إلى أن ترتفع، ووقت الزوال، ووقت الغروب. وهناك خلاف بين العلماء في الصلوات في هذه الأوقات، ونحن نقول: إذا أراد الإنسان قضاء صلاة مفروضة فإنه يصليها في أي وقت، هذا أَمر لا إشكال فيه (٢). من العلماء مَن يفرق بين الصلوات غير المفروضة ذوات الأسباب وغيرها، وهم الشافعية (٣)، فيقولون: "كلُّ صلاة ذات
следующие страницы →