الخطبة مملوءة بحمد اللَّه ، والثناء عليه، وهذه هي خطب رسول اللَّه ﷺ ، وقد قال ﵊: "كُلُّ أَمر ذي بال لا يُبدأ فيه بحمد اللَّه فهو أقطع، فهو أبتر" (١).
إذًا ينبغي أن تبدأ الخطب بحمد اللَّه ، حتى في العيدين يحمد اللَّه تعالى، ثم بعد ذلك يشرع في التكبير، وإن كان المسألة فيها خلاف.
وقد قلت أنا: إن صلاة العيدين كانت في المصلى، وكان في الجهة الشرقية، وقد عدت إلى ابن القيم فوجدتُ أنه يؤكد ذلك (٢)، وأنه قال: عند الباب الشرقي. أما الذي كان في الجهة الجنوبية، فتلك هي صلاة الاستسقاء (٣).
* قوله: (وَلَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ فِي الجُمُعَةِ).
لكن من المعلوم أنه ورد حديث عام ومتفق عليه، وهو قوله ﵊: "لا تَمنعوا إماء اللَّه مساجد اللَّه" (٤)، لكن خروج النساء إلى صلاة الجماعة أو إلى العيدين أو إلى الجمعة ينبغي أن يكن على هيئة بعيدة عن الفتنة؛ ولذلك قَيَّد العلماء، والكتاب الذي معنا مختصر، فلا ينبغي للمرأة أن تخرج إلى الصلاة مُتعطرة (٥) ولا مُتزينة زينة تفتن الرجال،
стр. 2837
بل إن بعض العلماء نص على أن اللاتي يخرجن للصلاة إنما هن الكبار.
إذًا ينبغي أن تكون الفتنة مأمونة، ولذلك جاء في أثر عائشة أنها قالت: لو رأى رسول اللَّه ﷺ ما أحدث النساء بعده لمنعهن الخروج إلى المساجد (١)؛ لأن الحال قد تغيرت، فينبغي للمرأة المؤمنة الصالحة التقية أن تخرج تَفِلَة (٢)، يعني: غير متعطرة، وأن تخرج محتشمة ملتفة، وأن تكون على هيئة لا تَفتن الرجال، هذا ينبغي أن يكون عليه النساء، فإذا كن كذلك فلا يُمنعن الخير: "لا تَمنعوا إماء اللَّه مساجد اللَّه" (٣).
* قوله: (وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي المَوْضِعِ الَّذِي يَجِبُ مِنْهُ المَجِيءُ إِلَيْهَا، كَاخْتِلَافِهِمْ فِي صَلَاةِ الجُمُعَةِ مِنَ الثَّلَاثَةِ الأَمْيَالِ إِلَى مَسِيرَةِ اليَوْمِ التَّامِّ).
أشار المؤلف -أيضًا- إلى قضية أُخرى لم تَرد عندنا، يعني: لم أعرض لها، وهي قضية: هل يؤتى لصلاة العيدين كما يؤتى لصلاة الجمعة؟
مر بنا خلاف كثير، بعضهم قال: من آواه الليل إلى أهله، وورد في ذلك أثر (٤)، وفيه كلام، مَن كان على ثلاثة أميال، وهذا قول المالكية (٥)؛
стр. 2838
لأن أهل العوالي كانوا يأتون، وقيل: من يسمع النداء، إذا أَذَّن المؤذن مع صفاء الجو ولا يوجد أمور مُشوشة، فسمع النداء، فإنه يأتي الجمعة، وفيه أيضًا مقال، وهناك أقوال كثيرة.
هناك أيضًا قضية أُخرى: الركوب إلى صلاة العيدين، الذي ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الرسول ﷺ لم يَركب في العيدين (١)، لكن يقال هنا: صلاة العيدين كانت قريبة بالنسبة لرسول اللَّه ﷺ .
المهم أن الرسول ﷺ لم يركب في صلاة العيدين، فالأفضل في حق من يأتي إلى صلاة العيدين أن يأتي إليها ماشيًا، لكن لو كان مكانه بعيدًا فإنه يركب سيارته أو دابته، فإذا ما قرب من المكان الذي تُصلى فيه فإنه يمشي إليها، وليس ذلك مكروهًا، فالمستحب أن يؤتى إلى صلاة العيدين مشيًا على الأقدام، فإن كنتَ بعيدًا فاركب سيارتك أو غيرها من وسائل النقل، فإذا ما اقتربت أتيت ماشيًا.
* قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ وَقْتَهَا مِنْ شُرُوقِ الشَّمْسِ إِلَى الزَّوَالِ) (٢).
стр. 2839
هذه قضية مهمة، وهذه حقيقة تأخذ بأيدينا إلى مسألة أُخرى نقدم بها لهذه المسألة، لماذا يكون وقتها من شروق الشمس إلى زوالها؟
لا بد أن يكون هناك سبب، يعني: ما بين شروق الشمس إلى زوالها هذا وقت تؤدى فيه، معنى هذا: أنها لا تؤدى وقت الزوال ولا بعده، وإن كانت بالنسبة للجماعة، وإن فاتت بأن لم يعلموا بالعيد إلا بعد الزوال، أو لم يكن هناك وقت لأدائها، فإنها تصلى في اليوم الثاني، وهذه سنتكلم عنها.
لِيُعْلَمْ أن هناك أوقاتًا خمسة هي أوقات النهي؛ نهى رسول اللَّه ﷺ عن الصلاة فيها، ففي أحاديث متفق عليها قال رسول اللَّه ﷺ : "لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس"؛ هذا واحد، "ولا صلاة بعد صلاة العصر حتى تَغرب الشمس" (١)، وفي حديث عقبة بن عامر أنه قال: "ثلاث ساعات نهانا رسول اللَّه ﷺ أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: إذا طلعت الشمس بازغة حتى ترتفع" (٢)، إذًا تطلع ثم ترتفع، "وحين يقوم قائم
стр. 2840
الظهيرة" (١)، هذا الثاني، يعني: وقت الزوال، عندما تكون الشمس في كبد السماء، "وحين تضيف الشمس للغروب"؛ أي: حين تميل للغروب.
إذًا لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، ولا بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، وكذلك من هذه الساعات وقت طلوع الشمس إلى أن ترتفع، ووقت الزوال، ووقت الغروب.
وهناك خلاف بين العلماء في الصلوات في هذه الأوقات، ونحن نقول: إذا أراد الإنسان قضاء صلاة مفروضة فإنه يصليها في أي وقت، هذا أَمر لا إشكال فيه (٢).
من العلماء مَن يفرق بين الصلوات غير المفروضة ذوات الأسباب وغيرها، وهم الشافعية (٣)، فيقولون: "كلُّ صلاة ذات
стр. 2841
سبب (١) تُصلى؛ كتحية المسجد، وصلاة الجنازة"، يعني: كل صلاة لها سبب تصلى في أي وقت، وما ليس لها سبب فلا، ونحن نميل إلى هذا الرأي، وقد سبق أن بيَّناه في موضعه هناك عندما تكلمنا عن الصلوات غير المفروضة، وعن أوقات النهي.
تبقى مسألتنا التي معنا: وقت صلاة العيدين هو من بعد طلوع الشمس إلى أن ترتفع قِيدَ رمح، فإذا ما طلعت ثم ارتفعت قِيدَ رمح، قَدْر رمح، فهذا وقت بدايتها، ثم بعد ذلك يمتد هذا الوقت إلى قبيل الزوال، هذا وقت مُوَسَّع تؤدى فيه هذه الصلاة.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ لَمْ يَأْتِهِمْ عِلْمٌ بِأَنَّهُ العِيدُ إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ).
يعني: لم يأتهم علم إلا وقت الزوال، أو قبيل الزوال بوقت يسير، شهد شاهدان عدلان بأنهما رأيا الهلال البارحة، بذلك تثبت الشهادة، ولذلك أمر الرسول ﷺ المؤمنين بأن يفطروا، قد حصل ذلك في زمان رسول اللَّه ﷺ ، أمرهم بأن يُصَلوا من الغد (٢).
إذًا هذه مسألة ورد فيها نص، ومع ذلك اختلف العلماء فيما يتعلَّق بالصلاة؛ فبعضهم فرق بين الفرض وبين الجماعة، يعني: بين أن يؤديها الإنسان وحده، فقالوا: يُصليها ولو بعد الزوال. وبعضهم قال: لا، حتى ولو كان يصليها وحده، ليس له أن يصليها إلا من اليوم الثاني، أما أداؤها جماعة فإنها تُصلى في اليوم الثاني.
* قوله: (فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُصَلُّوا يَوْمَهُمْ، وَلَا مِنَ
يَعُودُوا إِلَى مُصَلَّاهُمْ". قَالَ القَاضِي: خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ) (١).
(خرجه أبو داود) وغيره، أنا أذكر الخمسة (٢) إلا الترمذي.
(قَالَ القَاضِي: خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ).
الكتاب الذي بين أيدينا -كما هو معلوم- ليس مُستوعبًا بالنسبة للحديث، فهو قد يُشير إلى مصدر واحد من مصادره، لكنه لا يُشير للبقية، وهو غالبًا ينقل عن غيره، هو ينقل عن ابن عبد البر في كتاب "الاستذكار"، ينقل الآراء، وكذلك ينقل الأدلة.
* قوله: (إِلَّا أَنَّهُ عَنْ صَحَابِيٍّ مَجْهُولٍ) (٣).
стр. 2844
لكن له شواهد أُخرى تُقويه، ولذلك أخذ به العلماء، فهو -كما قال- فيه (صحابي مجهول)، وقد جاء من طرق أُخرى، فجمع العلماء ذلك، فهو حديث صحيح، وهو حجة في هذا المقام.
إذًا لو لم يعلم المسلمون إلا بعد أن دخل يوم العيد وكانوا صائمين، فإذا ثبت ذلك، يعني: دخول شهر شوال، فإنهم في هذه الحالة يفطرون؛ لأن الفطر هنا واجب ومتعين، ثم بالنسبة للصلاة فإن بقي وقت قبل الزوال فإنهم يصلون، وإن لم يبق فإنها تؤجل إلى الغد.
* قوله: (وَلَكِنَّ الأَصْلَ فِيهِمْ ﵃ حَمْلُهُمْ عَلَى العَدَالَةِ).
لا شك في ذلك.
(حَمْلُهُمْ عَلَى العَدَالَةِ).
لأن اللَّه عَدَّلهم ورْكاهم، ورْكاهم محمد بن عبد اللَّه ﷺ ؛ إذًا لا يُشك في عدالتهم، فهم أهل عَدل وتقى وصلاح، فلا يشك في ذلك الأمر.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا اجْتَمَعَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ عِيدٌ وَجُمُعَةٌ، هَلْ يُجْزِئُ العِيدُ عَنِ الجُمُعَةِ؟).
هذه مسألة مهمة، وهذه قد يَفهما البعض فهمًا خاطئًا أيضًا، يعني: قد يجتمع في يوم واحد يوم عيد ويوم جمعة، والرسول ﷺ قال في حديث بالنسبة للجمعة: "إن هذا يوم جعله اللَّه عيدًا" (١)، فهو عيد الأسبوع، وهذا
стр. 2845
مما اختص اللَّه به ﷺ هذه الأمة، وفيه فضائل عظيمة جدًّا تَحدثنا عن طرف منها عندما كنا نتكلم في كتاب (صلاة الجمعة).
إذًا لو اجتمع في يوم واحد عيدان: العيد المعروف، وكذلك يوم الجمعة؛ فهل يقتصر بإحدى الصلاتين ويكتفى بها عن الأخرى؟ بمعنى: أنَّ مَن صلى صلاة العيد تسقط عنه الجمعة، يعنى: حضور الجمعة لا أداؤها، وإنما يُؤديها ظهرًا؟
هناك مَن يرى أو يفهم أنها تسقط الصلاة، ويقول: نعم، نقل هذا، لكني أنا أقول بأنه يسقط عنه فرضية حضور الجمعة، ويؤديها ظهرًا، فلننظر ماذا يقول المؤلف.
* قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: يُجْزِئُ العِيدُ عَنِ الجُمُعَةِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ إِلَّا العَصْرُ فَقَطْ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ (١)، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ (٢) وَعَلِيٍّ (٣)).
أما على القول بأن الجمعة تسقط عنه، فهذا قول ضعيف، ولا ينبغي الأخذ به (٤).
стр. 2846
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: هَذِهِ رُخْصَةٌ لِأَهْلِ البَوَادِي الَّذِينَ يَرِدُونَ الأَمْصَارَ لِلْعِيدِ وَالجُمُعَةِ خَاصَّةً) (١).
لأن ذلك يشق عليهم، أهل البوادي -كما هو معلوم- كانوا يأتون على دوابهم، ويقطعون مسافات طويلة، وربما تلحقهم مَشقة، ودين اللَّه مبني على اليُسر، والرسول ﷺ يقول: "يَسِّرُوا ولا تُعَسِّروا"، وفي القرآن: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، إذًا هذا من باب التخفيف، هذا قول فريق من أهل العلم.
* قوله: (كَمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ خَطَبَ فِي يَوْمِ عِيدٍ وَجُمُعَةٍ، فَقَالَ: "مَنْ أَحَبَّ مِنْ أَهْلِ العَالِيَةِ أَنْ يَنْتَظِرَ الجُمُعَةَ فَلْيَنْتَظِرْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَلْيَرْجِعْ").
يعني: أهل العوالي (٢)؛ يقول عثمان ﵁: مَن أحب منهم أن يبقى معنا فليفعل، ومن أحب أن يقتصر على حضور العيد فنعم.
هذا هو الذي فعله عثمان، وسنعلق على كلام المؤلف هنا؛ لأنه هنا سيقول: هذا عمل صحابي، مع أن ذلك ورد عن رسول اللَّه ﷺ وحصل في زمنه. قال: رواه مالك في "الموطأ" (٣).
стр. 2847
* قوله: (وَرُويَ نَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ (١)، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٢)).
وأحمد، لكن الإمام أحمد يرى أنه يؤدي صلاته، يعني: يؤدي الجمعة ظهرًا.
* قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ (٣) وَأَبُو حَنِيفَةَ (٤): "إِذَا اجْتَمَعَ عِيدٌ وَجُمُعَةٌ فَالمُكَلَّفُ مُخَاطَبٌ بِهِمَا جَمِيعًا").
أي: أغلقوا الباب وسدوه على مَن يأخذ ببعض الرخص، فقالوا:
стр. 2848
يؤديهما معًا، فلا تنوب إحداهما عن الأخرى، هذه فرض وهذه سنة، فلا يمكن أن تنوب السنة عن الفرض، لكننا -كما هو معلوم- لو أردنا أن نطبق القواعد لقلنا بالتداخل، لكن التداخل بالنسبة للقواعد إذا اجتمع أمران من جنس واحد ولم يختلف مقصوده دخل أحدهما في الآخر، غالبًا هذا فيما إذا اجتمعا، إذا فى خلت فوجدت أن الصلاة قد أقيمت، فإنها تكفيك عن تحية المسجد، لكن هاتان صلاتان متباعدتان.
وقد ذكرنا أثناء حديثنا عن صلاة الجمعة أن من العلماء -وهم الحنابلة في رواية (١) - من رأى تقديم صلاة الجمعة على الزَّوال، واستدلوا ببعض الآثار التي صُلِّيت فيها في وقت الضُّحى، وإن كنا نرى أن الجمعة إنَّما تُؤدى بعد الزوال.
* قوله: (العِيدُ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَالجُمُعَةُ عَلَى أَنَّهَا فَرْضٌ، وَلَا يَنُوبُ أَحَدُهُمَا عَنِ الآخَرِ، وَهَذَا هُوَ الأَصْلُ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ فِي ذَلِكَ شَرْعٌ يَجِبُ المَصِيرُ إِلَيْهِ، وَمَنْ تَمَسَّكَ بِقَوْلِ عُثْمَانَ (٢)، فَلِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ بِالرَّأْيِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَوْقِيفٌ).
أولًا: هذا يعتبر مأخذًا من المآخذ على الكتاب؛ لأن المؤلف -كما هو معلوم- تَفوته عدة أدلة، بل قد نرى في بعض المباحث -وقد لا تكون كثيرة- أنه يقول: لو صَحَّ الحديث، وهو في "الصحيحين"، وأحيانًا يستدل بالمعقول وهناك أدلة، ومنه هذا الموضع، فقد ثبت في ذلك حديث؛ فالرسول ﷺ لما اجتمع في يوم واحد عيدان قال: "يا معشر المسلمين، قد اجتمع في يومِكم هذا عيدان، فمن شاء أن يكتفي بأحد العيدين فليفعل
стр. 2849
وإنا مجَمِّعُون" (١)، معنى الحديث: فمَن شاء أجزأه، يعني: أجزأته الصلاة معنا في العيدين وكفى، "وإنا مُجَمِّعُون" يعني: مؤدون صلاة الجمعة.
وأخذ بعض العلماء من ذلك: أن الجمعة تسقط عن المأموم لا الإمام، إلا ألا يجد الإمام مَن يصلي بهم، يعني: على هذا القول -وهو الذي نأخذ به- أنه إذا اجتمع في يوم واحد عيدان، يعني: في يوم واحد يوم جمعة ويوم عيد، فإذا ما حضر صلاة العيد فحينئذ يسقط عنه حضور الجمعة، لا الجمعة، يعني: لا أنه لا يؤديها ظهرًا، بل يؤديها ظهرًا، لكنه يسقط عنه الحضور في هذا المقام، هذا هو الذي نأخذ به؛ لأن ذلك حصل في زمن رسول ﷺ ، وعثمان ﵁ عندما فعل ذلك إنما عمل بسنة رسول اللَّه ﷺ واقتدى به، وهو أسوتنا جميعًا، فكان أسوة عثمان ﵁ في ذلك هو رسول اللَّه ﷺ (٢).
فهذه رخصة وتيسير، إذا حضرت صلاة العيد، فلك في يوم الجمعة ألا تحضر الجمعة، هذا تخفيف من اللَّه على هذه الأمة.
* قوله: (وَمَنْ تَمَسَّكَ بِقَوْلِ عُثْمَانَ، فَلأَنَّهُ رَأَى أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ بِالرَّأْيِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَوْقِيفٌ).
стр. 2850
إذًا المؤلف فاته أن يقف على الدليل، وهذا حصل في زمن رسول اللَّه ﷺ وخاطب المؤمنين بذلك أن "هذا يوم اجتمع فيه عيدان؛ فمن شاء أجزأه"، يعني: أجزأته صلاة العيد، "وإنا مجمعون" يعني: من رغب أن يحضر معنا -ولا شك أن هذا هو الأفضل- فإنا مؤدون لصلاة الجمعة. هذا هو معنى الحديث.
* قوله: (وَلَيْسَ هُوَ بِخَارجٍ عَنِ الأُصُولِ كُلَّ الخُرُوجِ. وَأَمَّا إِسْقَاطُ فَرْضِ الظُّهْرِ وَالجُمُعَةِ الَّتِي هِيَ بَدَلَهُ لِمَكَانِ صَلَاةِ العِيدِ فَخَارجٌ عَنِ الأُصُولِ جِدًّا) (١).
وأنا مع المؤلف في ذلك: أن تسقط الجمعة وتسقط الظهر؛ هذا خارج عن الأصول.
(الَّتِي هِيَ بَدَلَه) هذا أيضًا غير مُسَلَّم، هناك عدة أقوال: هل الجمعة بدل عن الظهر أو هي مستقلة؟ هناك مَن يرى أيضًا -وإن كان هذا الرأي ليس بالقوي- أن الظهر بدل من الجمعة، على أساس أنه فرضت الصلاة ركعتين ركعتين وأُقِرَّت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر. وقوله هنا: إنها بدل، هذا رأي لم يَجزم به المؤلف، ولذلك فمن حضر صلاة العيدين لا تسقط عنه الجمعة، بل يُصليها ظهرًا، وخير له أن يحضر الجمعة إن استطاع.
* قوله: (إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ فِي ذَلِكَ شَرْعٌ يَجِبُ المَصِيرُ إِلَيْهِ).
ولم يثبت في ذلك شرع أن الجمعة تسقط وتسقط الظهر، لا، وإنما يخفف عن المسلم في هذه الحالة حضور الجمعة، ويؤديها صلاة ظهر كما
стр. 2851
لو فاتت الإنسان أو لو لم يدرك من الجمعة ركعة، فإنه يُتمها ظهرًا، وسيأتي الكلام بالنسبة للعيدين أنها -عند بعض العلماء- لو فاتت الإنسان فإنه يصليها أربعًا.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ تَفُوتُهُ صَلَاةُ العِيدِ مَعَ الإِمَامِ).
هذه أيضًا مسألة مهمة: إذا فاتت الإنسان صلاة العيد مع الإمام ماذا يفعل؟ هو يقضيها، لكن على أية حالة يقضيها؟
أولًا: بعض العلماء يرى أنها لو فاتته تسقط عنه؛ كالحنابلة (١)، لهم أربعة أقوال في هذه المسألة:
الأول: أنها تسقط عنه؛ لأنها فرض كفاية.
الثاني: له أن يصليها أربعًا قياسًا على الجمعة.
الثالث: له أن يُصليها ركعتين تطوعًا كسائر التطوعات.
الرابع: يُصليها على هيئة صلاة العيدين بتكبيراتها، كما لو كان مع الإمام وهذا هو مذهب الإمامين؛ مالك (٢) والشافعي (٣).
стр. 2852
* قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: يُصَلِّي أَرْبَعًا، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ (١) وَالثَّوْرِيُّ (٢)).
هنا سنأخذ على المؤلف مأخذًا، سيذكر بعدُ قولًا، وهذا القول أنه يصليها أربعًا، ثم يقول: إن هذا ليس له وجه من النظر، وفي هذا تَجاوز لا يخفى؛ لأن هذا قول لصحابيين جليلين من كبار الصحابة علي بن أبي طالب وعبد اللَّه بن مسعود ﵄، ولذلك فهذا الكتاب مع ما فيه من جهود علمية وفوائد كثيرة وقواعد، لكنه بحاجة إلى أن يُخدم، وأن يعتنى به، وأن ينبه على هذه المسائل فيه.
* قوله: (وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) (٣).
وكذلك عندما قال رجل لعلي ﵁ عندما أراد أن يخرج بالناس فيصلي بهم في المصلى، قال: "في المؤمنين ضعفاء، لو تركت رجلًا، يُصلي بالضعفاء؟ فقال: لو تركت لتركت رجلًا يصلي بهم؛ فصلاها بهم أربعًا" (٤).
إذًا هذا قول علي، وهو -أيضًا- قول عبد اللَّه بن مسعود: مَن فاتته صلاة العيد صلاها أربعًا، كما يصلي الجمعة أربعًا (٥).
стр. 2853
إذًا هذا نص عن صحابيين، وسيذكر المؤلف أن هذا القول ليس له وجه من النظر؛ لأنه هو سيقف عند قولين: قول من يقول بأنها لا تُقضى، وهي رواية عند المالكية (١)، وقول مَن يقول بأنها تُقضى على هيئتها، وهو قول الشافعية (٢).
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ يَقْضِيهَا عَلَى صِفَةِ صَلَاةِ الإِمَامِ رَكْعَتَيْنِ يُكَبِّرُ فِيهِمَا نَحْوَ تَكْبِيرِهِ وَيَجْهَرُ كَجَهْرِهِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٣)، وَأَبُو ثَوْرٍ (٤)).
وهي -أيضًا- رواية للإمام أحمد، والإمام أحمد هنا له أربعة أقوال، أو أربع روايات، أو الحنابلة لهم أربع روايات في هذه المسألة، فمذهبهم هنا موسع.
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ رَكْعَتَيْنِ فَقَطْ لَا يَجْهَرُ فِيهِمَا، وَلَا يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةَ العِيدِ) (٥).
يعني: كما يصلي سائر النوافل، وهذه رواية للإمام أحمد.
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: إِنْ صَلَّى الإِمَامُ فِي المُصَلَّى صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ صَلَّى فِي غَيْرِ المُصَلَّى صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ) (٦).
لأن الأصل فيها أنها تُصلى في المصلى؛ فيُصليها ركعتين، وإن كان
стр. 2854
في المسجد يصليها أربعًا؛ لأن الأصل أن تُصلى في المصلى، وأظن أن هذه رواية في مذهب مالك.
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ أَصْلًا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ) (١).
وهي -أيضًا- رواية للإمام أحمد (٢)
* قوله: (وَحَكَى ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ مِثْلَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ) (٣).
يعني: عن الإمام مالك.
* قوله: (فَمَنْ قَالَ: أَرْبَعًا شَبَّهَهَا بِصَلَاةِ الجُمُعَةِ، وَهُوَ تَشْبِيهٌ ضَعِيفٌ).
يقول عنه: (تَشْبِيهٌ ضَعِيفٌ)؛ لأن وجهة المُؤلف مَبنية على المعقول، هو يقول: (تشبيه ضعيف)؛ لأن صلاة الجمعة لها بدل، فهو بنى على البدل، وبدلها الظهر وهو أربع، لكن هذه ليس لها بدل، هذا هو تعليله، لكن عندنا آثار عن السلف، فنأخذ بها، فتدعم هذا القياس الذي يرى أنه ضعيف.
стр. 2855
* قوله: (وَمَنْ قَالَ: رَكْعَتَيْنِ كَمَا صَلَّاهُمَا الإِمَامُ، فَمَصِيرًا إِلَى أَنَّ الأَصْلَ هُوَ أَنَّ القَضَاءَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى صِفَةِ الأَدَاءِ).
هذا هو الأصل، ما دامت تؤدى على هذه الصفة وعلى هذا الشَّكل مع الإمام، فكذلك -أيضًا- في القضاء يُؤديها كما كانت.
* قوله: (وَمَنْ مَنَعَ القَضَاءَ، فَلِأَنَّهُ رَأَى أَنَّهَا صَلَاةٌ مِنْ شَرْطِهَا الجَمَاعَةُ وَالإِمَامُ كَالجُمُعَةِ).
وحتى مَن يقول بأنها فرض كفاية، قال: فرض الكفاية إذا قام به البعضُ سقط عن البقية، وهذه قد قام به جماعة من المسلمين، فسقط الواجب عن بقيتهم.
* قوله: (فَلَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهَا رَكْعَتَيْنِ وَلَا أَرْبَعًا؛ إِذْ لَيْسَتْ هِيَ بَدَلًا مِنْ شَيْءٍ، وَهَذَانِ القَوْلَان هُمَا اللَّذَان يَتَرَدَّدُ فِيهِمَا النَّظَرُ).
كأن المؤلف يريد أن يقول: ينبغي أن يقف الفقيه عند هذين القولين؛ قول من يقول: لا قضاء، وقول من يقول: يقضيها على صفتها المعينة، أما من يقول بأنه يصليها أربعًا، فهو يقول: لا وجه له من النظر؛ هذا هو رأيه.
* قوله: (أَعْنِي: قَوْلَ الشَّافِعِيِّ وَقَوْلَ مَالِكٍ، وَأَمَّا سَائِرُ الأَقَاوِيلِ فِي ذَلِكَ فَضَعِيفٌ لَا مَعْنَى لَهُ، لِأَنَّ صَلَاةَ الجُمُعَةِ بَدَلٌ مِنَ الظُّهْرِ، وَهَذِهِ لَيْسَتْ بَدَلًا مِنْ شَيْءٍ).
على كل حال نحن نقول: عفا اللَّهُ عن المؤلف؛ لأن هذا قول لصحابيين: عبد اللَّه بن مسعود، حيث قال: يقضيها كما يَقضي الجمعة (١)، وعلي بن أبي طالب عندما وكل إلى رجل يصلي بضعفة المسلمين (٢) أَمَرَه أن يصليها أربعًا، إذًا له دليل.
стр. 2856
فقوله: (لا وجه له من النظر).
نحن نقول: بل له وجه من النظر.
* قوله: (فَكَيْفَ يَجِبُ أَنْ تُقَاسَ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فِي القَضَاءِ، وَعَلَى الحَقِيقَةِ فَلَيْسَ مَنْ فَاتَتْهُ الجُمُعَةُ فَصَلَاتُهُ الظُّهْر قَضَاءٌ بَلْ أَدَاءٌ؛ لِأَنَّهُ إِذَا فَاتَهُ البَدَلُ وَجَبَتْ هِيَ، وَاللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ. وَاخْتَلَفُوا فِي التَّنَفُّلِ قَبْلَ صَلَاةِ العِيدِ وَبَعْدَهَا).
هذه مسألة جديدة عرض لها المؤلف، وهي -أيضًا- مما تتعرض له كتب الفقه ذات الإطالة والإيجاز، وهي ما يتعلَّق بصلاة نافلة قبل أو بعد صلاة العيدين: هل هناك صلاة تسبقها وأُخرى تعقبها أو لا؟
لا شك أن الثابت عن رسول اللَّه ﷺ أنه لم ينقل عنه أنه صلى قبل صلاة العيدين ولا بعدها في موضعه، وقد ثبت في ذلك الحديث الصحيح (١).
إذًا لم ينقل عن رسول اللَّه ﷺ أنه تنفل قبل صلاة العيدين في موضعها ولا بعدها كذلك، وإنما الذي ثبت في الأحاديث الصحيحة أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا جاء المصلى يبدأ أول ما يبدأ بالصلاة (٢).
стр. 2857
* قوله: (فَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَنَفَّلُ لَا قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ وَجَابِر (١)، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ (٢)).
وقال به -أيضًا- كثير من الصحابة ومن التابعين، وكذلك -أيضًا- الإمام الشافعي فهذا هو مذهبه المعروف في هذه المسألة، وهو سيعلق -أيضًا- على أصحاب المذاهب.
* قوله: (وَقِيلَ: يَتَنَفَّلُ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَنَسٍ وَعُرْوَةَ (٣)، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٤)).
المعروف من مذهب الشافعي: أنه لا يتنفل قبلها ولا بعدها على أنها صلاة ثابتة تسبقها، والمعروف في مذهب الإمام الشافعي كذلك ﵀ أن ذلك الوقت ليس وقت نهي، فله أن يصلي في الوقت السابق لها،
стр. 2858
والوقت اللاحق لها، لا أنها صلاة ذات علاقة بصلاة العيدين، هذا هو المعروف في مذهب الشافعي.
* قوله: (وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَنْ يَتَنَفَّلَ بَعْدَهَا، وَلَا يَتَنَفَّلَ قَبْلَهَا).
لأنه ثبت أن الرسول ﷺ عندما رجع إلى بيته صلى، لكن تلك الصلاة التي صلاها لم تكن لأجل العيدين، ومعلوم أن ذاك الوقت تُصلى فيه صلاة الضحى.
* قوله: (وَقَالَ بِهِ الثَّوْرِيُّ وَالأَوْزَاعِيُّ (١) وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَهُوَ مَرْوِيٌّ -أَيْضًا- عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ (٣). وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ فِي المُصَلَّى أَوْ فِي المَسْجِدِ).
هذا التفريق معروف في مذهب المالكية (٤)؛ فإنهم يفرقون بين أن تكون الصلاة في المُصلى الذي تصلى فيه صلاة العيد -وهو الأصل عندهم- وبين أن تكون في المسجد، فإن كانت في المصلى فلا صلاة بعدها ولا قبلها؛ لأن رسول اللَّه ﷺ لم يُعرف عنه أنه صلى صلاة
стр. 2859
العيدين إلا في المصلى، إلا في يوم مطير، والحديث في ذلك -أيضًا- ضعيف، وسبق أن نبهنا إلى ذلك.
لكن إذا كانت الصلاة في المسجد، وهو المكان البديل عن المصلى عند المالكية، فإنهم في رواية يُجيزون ذلك، ووجهتهم في ذلك الأخذ بحديث: "إذا دخل أحدُكم المسجد فلا يَجلس حتى يُصَلِّي ركعتين" (١)، فالمسجد له تحية، فإذا ما دخل فإنه يصلي.
* قوله: (وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ (٢). وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: أَنَّهُ ثَبَتَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ يَوْمَ أَضْحَى فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا وَلَا بَعْدَهُمَا") (٣).
هذا هو المعروف عن رسول اللَّه ﷺ ، وهو الذي نُقل إلينا بالطرق الصحيحة، ومعلوم أنه قد تواتر النقل فيما يتعلَّق بصلاة العيدين، فلم ينقل أن رسول اللَّه ﷺ تقدم صلاةَ العيدين بنافلة، أو أعقبها بشيء من ذلك.
стр. 2860
* قوله: (وَقَالَ ﵊: "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ").
هذا هو الحديث المتفق عليه الذي أشرنا إليه: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" (١)، وقد جاء بألفاظ متعددة، منها اللفظ الذي أشار إليه المؤلف، وهذا فيما يتعلَّق بتحية المَسجد، وهذه التحية -كما هو معلوم- من الصلوات ذات الأسباب التي يرى بعض العلماء أنها تؤدى في أي وقت، ومِن العلماء مَن يرى أنها لا تُصلى في أوقات النهي، وكل ذلك قد مَرَّ تفصيلًا، وسيأتي -أيضًا- مزيد لذلك عندما نأتي إلى سجدة التلاوة في أوقات النهي: هل تجوز أو لا تجوز؟
* قوله: (وَتَرَدُّدُهَا -أَيْضًا- مِنْ حَيْثُ هِيَ مَشْرُوعَةٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا فِي اسْتِحْبَابِ التَّنَفُّلِ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا حُكْمَ المَكْتُوبَةِ أَوْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ حُكْمَهَا؟).
لا شك أن ألاقتداء في هذا المقام إنما هو برسول اللَّه ﷺ ، فهو الأسوة لهذه الأمة، وهو الذي ينبغي أن نتلقى الشرع عنه، وهو الذي ينبغي أن نترسم (٢) خطاه، فما جاء عنه ﵊ من طريق صحيح يجب أن نعمل به فيما يجب العمل به، ويستحب أن نعمل به فيما يسن -أيضًا- العمل به، فما دام أن رسول اللَّه ﷺ لم يتنفل قبلها ولا بعدها، فيجب أن نقف عند ذلك الحد ولا نتجاوزه.
стр. 2861
* قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّ تَرْكَهُ الصَّلَاةَ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا هُوَ مِنْ بَابِ تَرْكِ الصّلَاةِ قَبْلَ السُّنَنِ وَبَعْدَهَا، وَلَمْ يَنْطَلِقِ اسْمُ المَسْجِدِ عِنْدَهُ عَلَى المُصَلَّى لَمْ يَسْتَحِبُّ تَنَفُّلًا قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا) (١).
وهذه المسألة فيها كلام، ومعلوم أنه قد جاء في الحديث الصَّحيح المتفق عليه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "جُعِلَت لي الأرضُ مَسجدًا وطهورًا"، وفي رواية: "جُعلت لي الأرض مسجدًا وتربتها طهورًا؛ فَأَيُّما رجل مِن أُمَّتي أدركته الصلاة فَلْيُصَلِّ" (٢)، وفي بعض الروايات: "فإنه مَسجد" (٣).
إذًا كل مكان تؤدى فيه الصلاة ويختار ويحدد لذلك، فإنه يُسَمَّى مسجدًا في المشهور.
* قوله: (وَلِذَلِكَ تَرَدَّدَ المَذْهَبُ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَهَا إِذَا صُلِّيَتْ فِي المَسْجِدِ؛ لِكَوْنِ دَلِيل الفِعْلِ مُعَارِضًا فِي ذَلِكَ القَوْلَ - أَعْنِي: أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ دَاخِلٌ فِي مَسْجِدٍ يُسْتَحَبُّ لَهُ الرُّكُوعُ، وَمِنْ حَيْثُ هُوَ مُصَلَّى صَلَاةَ العِيدِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَلَّا يَرْكَعَ تَشَبُّهًا بِفِعْلِهِ ﵊. وَمَنْ
стр. 2862
رَأَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الرُّخْصَةِ، وَرَأَى أَنَّ اسْمَ المَسْجِدِ يَنْطَلِقُ عَلَى المُصَلَّى نُدِبَ إِلَى التَّنَفُّلِ قَبْلَهَا).
لم يقل أحد من العلماء بتحريم ذلك، لكن قصد العلماء ﵏ ألا تُتخذ سنة، فلا يأتي الإنسان فيصلي يتخذ ذلك عادة فيصلي قبل صلاة العيدين ولا بعدها؛ لأنه لم يثبت شيء في ذلك، لكن أن تصلي في بيتك أو في طريقك وأنت قادم أو بعد أن تعود، فهذا لم يقل أحد بمنعه، لكن القصد هنا ألا يقال بأن هناك نافلة ثابتة تسبق صلاة العيدين أو تأتي بعدها.
* قوله: (وَمَنْ شَبَّهَهَا بِالصَّلَاةِ المَفْرُوضَةِ اسْتَحَبَّ التَّنَفُّلَ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا كَمَا قُلْنَا. وَرَأَى قَوْمٌ أَنَّ التَّنَفُّلَ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا مِنْ بَابِ المُبَاحِ الجَائِزِ، لَا مِنْ بَابِ المَنْدُوبِ، وَلَا مِنْ بَابِ المَكْرُوهِ، وَهُوَ أَقَلُّ اشْتِبَاهًا إِنْ لَمْ يَتَنَاوَلِ اسْمُ المَسْجِدِ المُصَلَّى).
على كل حال -كما قلنا- اسم المسجد، هل (أل) في المسجد للعهد، وأن المسجد لا يَشمل أيَّ مُصَلَّى، أو أن كل مكان اختير للصلاة، فإنه يُسمَّى مسجدًا؟ (١).
стр. 2863
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ التَّكْبِيرِ فِي عِيدِ الفِطْرِ).
هذه أيضًا مسألة مهمة: متى يبدأ وقت التكبير في عيد الفطر؟
الذي ثبت عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ أنه كان يكبر إذا غدا إلى الصلاة (١)، يعني: إذا ذهب إلى صلاة العيدين فإنه يُكبر.
ثم يختلف بعد ذلك العلماء: متى ينتهي؟ هل إذا خرج الإمام؟ هل إذا شرع في الخطبة؟ وإذا بدأ -أيضًا- في الخطبة وكَبَّر فهل يُكبر معه الناس؟ هذا كله تكلم فيه العلماء، واختلفوا فيه، لكن المشروع أن الإنسان إذا خرج من بيته قاصدًا صلاة العيدين، فإنه يُكبر في طريقه إلى أن يخرج الإمام، وهناك مَن قال: إلى أن يبدأ الإمام في الخطبة (٢)، ومن العلماء من قال: ويكبر مع الإمام أثناء خطبته (٣)؛ لأن الإمام -أيضًا- خُطبته يتخللها شيء من التكبير، فكلما ذكر طائفة من الجمل، فإنه يُكبر اللَّه ، فهل يفعل ذلك المأموم؟
стр. 2864
* قوله: (بَعْدَ أَنْ أَجْمَعَ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ الجُمْهُورُ).
هناك وقت للتكبير في عيد الفطر، وهناك وقت للتكبير في عيد الأضحى، فالصورة مختلفة؛ لأن ذاك يمتد كما هو معلوم، وأما هذا فهو مرتبط بوقت الصلاة، لكن هل يبدأ من ليلة العيد، أو يبدأ من بعد فجر يوم العيد؟
* قوله: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]).
نعم، العلماء مجمعون على استحباب التكبير، سواء كان ذلك في صلاة عيد الفطر، أو في صلاة الأضحى، لكلن الخلاف بينهم في توقيت ذلك، أو في تحديد الوقت: متى يبدأ ومتى ينتهي؟ هل يمتد إلى وقت أوسع أو أقل؟ هذا هو محل الخلاف بينهم، أما بالنسبة للتكبير فهو عندهم محل اتفاق، بل إجماع كما ذكر المؤلف.
والعلماء يرون -أيضًا- أنه في عيد الفطر آكد؛ لأن اللَّه قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾؛ أي: عدة شهر رمضان، ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
فهذا شكر للنعمة التي أنعم اللَّه بها على المؤمنين، فالتكبير وارد، لكن هل يبدأ من مغيب شمس ليلة العيد، أو أنه يبدأ من يوم العيد بعد الفجر؛ أي: عند الذهاب إلى الصلاة؟
* قوله: (فَقَالَ جُمْهُورُ العُلَمَاءِ: يُكَبِّرُ عِنْدَ الغُدُوِّ إِلَى الصَّلَاةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ (١) وَالتَّابِعِينَ) (٢).
стр. 2865
هذا ثبت عن عبد اللَّه بن عمر نصًّا في أثر صحيح، أنه كان إذا خرج إلى صلاة العيد يُكبر (١).
* قوله: (وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (٢) وَأَحْمَدُ (٣) وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْر (٤). وَقَالَ قَوْمٌ: يُكَبِّرُ مِنْ لَيْلَةِ الفِطْرِ إِذَا رَأَوُا الهِلَالَ حَتَّى يَغْدُوَ إِلَى المُصَلَّى، وَحَتَّى يَخْرُجَ الإِمَامُ).
هذا جاء به المؤلف جملة، هذا هو مذهب الشافعي (٥)، والمشهور
стр. 2866
من مذهب أحمد (١)، فإن الإمامين؛ الشافعي وأحمد متفقان على أن التكبير يبدأ من ليلة العيد. هذه هي الرواية المشهورة من مذهب أحمد، والمؤلف جاء برواية أُخرى.
* قوله: (وَكَذَلِكَ فِي لَيْلَةِ الأَضْحَى عِنْدَهُمْ).
لكن العلماء -كما قلت- منهم مَن يقول: إن التكبير يبدأ من ليلة العيد، وهذا هو المشهور والمعروف في المذهبين الشافعي والحنبلي، ومنهم مَن يقول: من وقت الخروج إلى صلاة العيدين.
متى ينتهي؟ هل هو إذا خرج الإمام؟ هل هو ينتهي ببدء الإمام بالخطبة؟ هل هو -أيضًا- ينتهي ببدء الخطبة؟ وهل المأموم -أيضًا- إذا كبر الإمام يكبر معه؟ هذا هو المشهور من الأقوال.
* قوله: (إِنْ لَمْ يَكُنْ حَاجًّا، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنْكَارُ التَّكْبِيرِ جُمْلَةً إِلَّا إِذَا كَبَّرَ الإِمَامُ) (٢).
هذا نُقل عن عبد اللَّه بن عباس (٣)، لكن أمر التكبير أمر ثابت، وربما يُتأوَّل ذلك عن عبد اللَّه بن عباس ﵄.
стр. 2867
* قوله: (وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى التَّكْبِيرِ فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ أَيَّامَ الحَجِّ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَوْقِيتِ ذَلِكَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا).
اختلفوا أيضًا: متى يبدأ التكبير فيما يتعلَّق بأيام الحج، هل هو يبدأ من فَجر يوم عرفة إلى عصر اليوم الأخير من أيام التشريق؟ أو أنه يَبدأ من يوم النَّحر ويَنتهي بعصر آخر أيام التشريق؟ أو يبدأ -أيضًا- من فجر يوم عرفة وينتهي بيوم النحر؛ هذه كلها فيها أقوال متعددة للعلماء.
* قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى العَصْرِ مِنْ آخَرَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ).
وهذا في الحقيقة هو أشهر الأقوال وأقربها، ومعلوم أن التكبير ذكر، والمسلم ينبغي أن يكون لسانه رطبًا بذكر اللَّه دائمًا ، كما أرشد إلى ذلك رسول اللَّه ﷺ بقوله: "لا يَزال لسانُك رطبًا بذكر اللَّه" (١)، ورسول اللَّه ﷺ كان يذكر اللَّه في كل أحيانه (٢).
فالمؤمن ينبغي أن يذكر اللَّه، لكن هذه أوقات حدد فيها الذكر، لا خلاف بين العلماء في أن هذا موضع تكبير وثناء على اللَّه ، والحال تختلف بين الحاج وبين غيره؛ لأن الحاج -كما هو معلوم- يبدأ أول ما يبدأ بالتلبية؛ لأنه في أول وقته ينشغل بالتلبية، ثم بعد ذلك يتحول إلى التكبير.
أما غير الحاج فالذي نَرى أنه يبدأ التكبيرُ في عيد الأضحى، في عشر ذي الحجة، من بعد فجر يوم عرفة، يعني: من فجر يوم عرفة إلى العصر؛ عصر آخر أيام التشريق، هذا هو الذي نراه، وهو الذي تشهد له الأدلة، وهو الذي اشتهر عن الصحابة ﵃.
стр. 2868
* قوله: (وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ (١) وَأَحْمَدُ (٢) وَأَبُو ثَوْرٍ (٣). وَقِيلَ: يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ).
وقد قاسوا هذا على الحاج؛ لأن الحاج كان مشتغلًا بالتلبية، والآن فرغ منها فيبدأ التكبير.
* قوله: (وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ (٤) وَالشَّافِعِيِّ (٥)).
стр. 2869
اللَّه -تعالى- يقول: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، إذًا هي أَيَّام مَعْدُودَات، وهناك أيضًا: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨]، فبعض العلماء أجاب عنه بأن المراد به هنا: إنما هو ذكر اللَّه عند رؤية النَّعَم، يعني: الهدايا والأضاحي؛ لأن الإنسان إذأ رآها يذكر اللَّه، وليس القصد أن ذلك مقصور على العشر، بمعنى أنه ينتهي بيوم النحر؛ لأنه قال في الآية الأخرى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، والأيام المعدودات إنما تدخل فيها أيام التشريق.
إذًا أيام التشريق -أيضًا- داخلة في وقت التَّكبير، فأولى الأقوال في ذلك وأقربها هو أن الإنسان مِن فجر يوم عرفة يُكبر إلى عصر اليوم الأخير من أيام التشريق.
* قوله: (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنْ يُكَبِّرَ الإِمَامُ فِي الأَمْصَارِ دُبُرَ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ إِلَى العَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (١)، وَبِالجُمْلَةِ فَالخِلَافُ فِي ذَلِكَ كَثِيرٌ، حَكَى ابْنُ المُنْذِرِ فِيهَا عَشرَةَ أَقْوَالٍ) (٢).
والخلاف بين العلماء فيما هو الأولى، وليس الخلاف هنا خلاف إيجاب أو إلزام، وإنما الخلاف في أيِّها الأولى؟ هل هو هذا أو ذاك؟ هذا هو الخلاف بين العلماء.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ: هُوَ أَنَّهُ نُقِلَتْ بِالعَمَل، وَلَمْ يُنْقَلْ فِي ذَلِكَ قَوْلٌ مَحْدُودٌ).
قصد المؤلف أنه لم يَرد نصٌّ صريح قولًا عن رسول اللَّه ﷺ أنه حدد
стр. 2870
فيه بداية ونهاية التكبير، فمِن هنا وقع الخلاف بين العلماء، والخلاف يدور حول الآيتين اللتين ذكرنا: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨]، ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، الخلاف يدور حول مفهوم هاتين الآيتين، فالذين قالوا من أهل العلم: إنه ينتهي بعصر يوم التشريق الأخير يقولون: إن آية ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ المراد بالذكر فيها: إنما هو عند رؤية الهدايا والأضاحي، لأنه ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ التي هي العَشر، ولذلك يقولون: أول العشر لا يَرد فيه التكبير، وهناك ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ هي أيام التشريق، إذًا أيام التشريق يُكَبَّر فيها.
* قوله: (فَلَمَّا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِي ذَلِكَ اخْتَلَفَ مَنْ بَعْدَهُمْ. وَالأَصْلُ فِي هَذَا البَابِ: قَوْلُه تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. فَهَذَا الخِطَابُ -وَإِنْ كَانَ المَقْصُودُ بِهِ أَوَّلًا أَهْلَ الحَجِّ- فَإِنَّ الجُمْهُورَ رَأَوْا أَنَّهُ يَعُمُّ أَهْلَ الحَجِّ وَغَيْرَهُمْ).
لأن الخطاب عام يشمل الحُجَّاجَ وغيرَ الحُجَّاج.
* قوله: (وَتُلُقِّيَ ذَلِكَ بِالعَمَلِ، وَإِنْ كَانُوا اخْتَلَفُوا فِي التَّوْقِيتِ فِي ذَلِكَ، وَلَعَلَّ التَّوْقِيتَ فِي ذَلِكَ عَلَى التَّخْيِيرِ، لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى التَّوْقِيتِ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ. وَقَالَ قَوْمٌ (١): التَّكْبِيرُ دُبُرَ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ).
стр. 2871
هذا رأي لبعض العلماء، وقالوا: إن ذلك مقصور على مَن صلى في جماعة، أما من صلى منفردًا فلا، والصحيح أن التكبير يكون لمن صَلَّى في جماعة ولمَن صلى في غير جماعة، ولا شك أن من المعلوم أنه لا ينبغي للمسلم أن يصلي منفردًا إلا أن يكون معذورًا، أما غير صاحب الأعذار فلا يجوز له أن يصلي صلاة الجماعة المفروضة وحده، وإنما يصليها مع الجماعة؛ لأن صلاة الجماعة واجبة.
* قوله: (وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ التَّكْبِيرِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ؛ فَقَالَ مَالِكٌ (١) وَالشَّافِعِيُّ (٢): يُكَبِّرُ ثَلَاثًا: (اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ)).
стр. 2872
يعني: رأى الإمامان مالك والشافعي أن التكبير في ذلك يَقتصر على لفظ: (اللَّه أكبر) يُكررها ثلاثًا، فيقول: (اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر)، واستندوا في ذلك إلى ما نقل عن بعض الصحابة، ومنهم من يقول: يقول في هذا المقام: اللَّه أكبر اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر، اللَّه أكبر وللَّه الحمد، وهذا قد نقل -أيضًا- فيه حديث عن رسول اللَّه ﷺ ، ومنهم مَن يضيف إلى ذلك أيضًا: اللَّه أكبر اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، إذًا فالألفاظ في ذلك متنوعة، ولو فَعل هذا، أو فَعل ذلك - فكل ذلك من السُّنَّة.
* قوله: وَقِيلَ: يَزِيدُ بَعْدَ هَذَا: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الملكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
هذه نُقلت عن الإمام أحمد (١)، ومعلوم أنه جاء في الحديث الصَّحيح عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "أفضلُ ما قلتُ أنا والنَّبيون من قبلي: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير" (٢)،
стр. 2873
والحاج يُكثر من قول ذلك في يوم عرفة؛ هذا ورد فيه حديث صحيح عن رسول اللَّه ﷺ .
وكون الإنسان يذكر ذلك في هذه الأيام، فلا يمنع هذا أنه ذكر مناسب في هذا الوقت وفي غيره.
* قوله: (وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يَقُولُ: (اللَّهُ أَكْبَرُ) ثَلَاثَ مَرَاتٍ) (١).
أيضًا من العلماء مَن قال: يُضيف إلى ذلك: اللَّه أكبر كبيرًا، والحمد للَّه كثيرًا، وسبحان اللَّه بكرة وأصيلًا.
ومعلوم أن أبواب الدعاء كثيرة، وليس هناك في كثير من المقامات أدعية مخصصة، وإنما يَختار الإنسان من الدعاء ما يَفتح اللَّه به عليه، ويختار من أنواع الأدعية التي ورد النص بها، كالذي ذكرنا قبل قليل: أن يُكثر من قول: (لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له)، وأن يكثر من قول: (اللَّه أكبر)، وأن يحمد اللَّه ، وأدْ يثني عليه، وأن يسبح اللَّه .
* قوله: (ثُمَّ يَقُولُ الرَّابِعَةَ: (وَلِلَّهِ الحَمْدُ). وَقَالَتْ جَمَاعَةٌ: لَيْسَ فِيهِ شَيءٌ مُؤَقَّتٌ. وَالسَّبَبُ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ: عَدَمُ التَّحْدِيدِ فِي ذَلِكَ فِي الشَّرْعِ، مَعَ فَهْمِهِمْ مِنَ الشَّرْعِ فِي ذَلِكَ التَّوْقِيتِ -أَعْنِي: فَهْمَ الأَكْثَرِ. وَهَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي تَوْقِيتِ زَمَانِ التَّكْبِيرِ- أَعْنِي: فَهْمَ
وقد ورد حديث في ذلك: أنه يُستحب تأخير صلاة الفطر وتعجيل صلاة الأضحى؛ لأن تأخير صلاة الفطر تُعطي مجالًا ووقتًا كافيًا لإخراج زكاة الفطر، ومعلوم أن وقت إخراج الزكاة إنما هو ما بين صلاتي الفجر والعيد، هذا هو الأفضل (١)، لكن للمسلم أن يخرجها قبل العيد بيوم أو