هذا رأي لبعض العلماء، وقالوا: إن ذلك مقصور على مَن صلى في جماعة، أما من صلى منفردًا فلا، والصحيح أن التكبير يكون لمن صَلَّى في جماعة ولمَن صلى في غير جماعة، ولا شك أن من المعلوم أنه لا ينبغي للمسلم أن يصلي منفردًا إلا أن يكون معذورًا، أما غير صاحب الأعذار فلا يجوز له أن يصلي صلاة الجماعة المفروضة وحده، وإنما يصليها مع الجماعة؛ لأن صلاة الجماعة واجبة.
* قوله: (وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ التَّكْبِيرِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ؛ فَقَالَ مَالِكٌ (١) وَالشَّافِعِيُّ (٢): يُكَبِّرُ ثَلَاثًا: (اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ)).
стр. 2872
يعني: رأى الإمامان مالك والشافعي أن التكبير في ذلك يَقتصر على لفظ: (اللَّه أكبر) يُكررها ثلاثًا، فيقول: (اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر)، واستندوا في ذلك إلى ما نقل عن بعض الصحابة، ومنهم من يقول: يقول في هذا المقام: اللَّه أكبر اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر، اللَّه أكبر وللَّه الحمد، وهذا قد نقل -أيضًا- فيه حديث عن رسول اللَّه ﷺ ، ومنهم مَن يضيف إلى ذلك أيضًا: اللَّه أكبر اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، إذًا فالألفاظ في ذلك متنوعة، ولو فَعل هذا، أو فَعل ذلك - فكل ذلك من السُّنَّة.
* قوله: وَقِيلَ: يَزِيدُ بَعْدَ هَذَا: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الملكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
هذه نُقلت عن الإمام أحمد (١)، ومعلوم أنه جاء في الحديث الصَّحيح عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "أفضلُ ما قلتُ أنا والنَّبيون من قبلي: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير" (٢)،
стр. 2873
والحاج يُكثر من قول ذلك في يوم عرفة؛ هذا ورد فيه حديث صحيح عن رسول اللَّه ﷺ .
وكون الإنسان يذكر ذلك في هذه الأيام، فلا يمنع هذا أنه ذكر مناسب في هذا الوقت وفي غيره.
* قوله: (وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يَقُولُ: (اللَّهُ أَكْبَرُ) ثَلَاثَ مَرَاتٍ) (١).
أيضًا من العلماء مَن قال: يُضيف إلى ذلك: اللَّه أكبر كبيرًا، والحمد للَّه كثيرًا، وسبحان اللَّه بكرة وأصيلًا.
ومعلوم أن أبواب الدعاء كثيرة، وليس هناك في كثير من المقامات أدعية مخصصة، وإنما يَختار الإنسان من الدعاء ما يَفتح اللَّه به عليه، ويختار من أنواع الأدعية التي ورد النص بها، كالذي ذكرنا قبل قليل: أن يُكثر من قول: (لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له)، وأن يكثر من قول: (اللَّه أكبر)، وأن يحمد اللَّه ، وأدْ يثني عليه، وأن يسبح اللَّه .
* قوله: (ثُمَّ يَقُولُ الرَّابِعَةَ: (وَلِلَّهِ الحَمْدُ). وَقَالَتْ جَمَاعَةٌ: لَيْسَ فِيهِ شَيءٌ مُؤَقَّتٌ. وَالسَّبَبُ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ: عَدَمُ التَّحْدِيدِ فِي ذَلِكَ فِي الشَّرْعِ، مَعَ فَهْمِهِمْ مِنَ الشَّرْعِ فِي ذَلِكَ التَّوْقِيتِ -أَعْنِي: فَهْمَ الأَكْثَرِ. وَهَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي تَوْقِيتِ زَمَانِ التَّكْبِيرِ- أَعْنِي: فَهْمَ
وقد ورد حديث في ذلك: أنه يُستحب تأخير صلاة الفطر وتعجيل صلاة الأضحى؛ لأن تأخير صلاة الفطر تُعطي مجالًا ووقتًا كافيًا لإخراج زكاة الفطر، ومعلوم أن وقت إخراج الزكاة إنما هو ما بين صلاتي الفجر والعيد، هذا هو الأفضل (١)، لكن للمسلم أن يخرجها قبل العيد بيوم أو
стр. 2876
يومين (١)، لكن هذا هو الوقت الأفضل، فإن أخرجها بعد ذلك فهي صدقة من الصدقات (٢).
إذًا هذا هو الوقت، فإذا ما أُخِّرت صلاة الفطر تَمَكَّن المسلمون من إخراج زكواتهم؛ هذا واحد.
بالنسبة لصلاة عيد الأضحى يُعَجَّل بها؛ حتى يتمكن الناس من العودة إلى ذبح نُسكهم؛ أي: ضحاياهم؛ ليكون عندهم متسع من الوقت.
ينبغي للمسلم أن يُفطر على تمرات، كما فعل رسول اللَّه ﷺ قبل الخروج لصلاة عيد الفطر، أمَّا صلاة الأضحى فلا؛ حتى يكون أول ما يتناول إنَّما هو من أضحيته؛ اقتداء برسول اللَّه ﷺ ، وليس ذلك من الواجبات، لكن ذلك أمر مستحب.
* قوله: (وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْجِعَ على غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّتِي مَشَى عَلَيْهَا).
هكذا فعل رسول اللَّه ﷺ ، كان إذا خرج من طريق خالفه؛ فرجع من
стр. 2877
طريق آخر، وقد ثبت ذلك في الحديث الصَّحيح (١)، والعلماء حاولوا أن يبحثوا عن علة ذلك؛ فقال بعضهم: ليكون الطريق شاهدًا للإنسان، وبعضهم يقول؛ حتى يعطي كل طريق حقه، وبعضهم يقول؛ حتى يتصدق، وبعضهم يقول: حتى يَعظ. . . (٢) إلى آخره، لكن هذه سنة رسول اللَّه ﷺ ،
стр. 2878
فما دام رسول اللَّه ﷺ يخرج من طريق ويعود من طريق آخر، فيَحسن بنا أن نفعل ذلك (١).
ونص العلماء -أيضًا- على أنه يُستحب للإنسان في ذهابه إلى صلاة العيد أن يذهب ماشيًا لا راكبًا؛ لأن الرسول ﷺ لم يَركب (٢)، هذا في حق مَن يكون مسكنه قريبًا، أما من كانت المسافة بعيدة بينه وبين المُصلى، فهو يركب، فإذا ما أوقف سيارته مشى إلى المصلى.
* قوله: (لِثبوتِ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ ﵊ (٣).
(البَابُ التَّاسِعُ: فِي سُجُودِ القُرْآنِ)
السُّجُودُ أنواعٌ: فهناك سجودٌ في الصلوات المفروضة، وهو ركنٌ من أركانها، وهناك سجود في الصلوات المسنونة؛ كصلاة العيدين، وهناك سجود شكر، وسجود التلاوة.
ومعلوم أنَّ السجود لا يجوز إلا للَّه ؛ فلا يجوز السجود لبشرٍ، ولا لغيره، واللَّه يقول: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾ [النجم: ٦٢]، ويقول : ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [فصلت: ٣٧].
فالسُّجُود إنما هو خضوع وانقياد وذلٌّ وانطراح بين يدي اللَّه ،
стр. 2879
وأقرب الحالات التي يكون فيها المرء قريبًا من ربه عندما يكون في الصلاة، وأقرب ما يكون من ربه وهو ساجد.
وحالة السُّجُود فيها خضوعٌ؛ إذ إنَّ أشرفَ جُزْءٍ في الإنسان إنما هو وجهه، فعندما تضع جبهتك وأنفك على الأرض، فَهَذا هو غاية الذُّلِّ، وغاية الانقياد، وغاية الطاعة للَّه ، والتذلل والانطراح بين يديه، والتسليم له ، والاستجابة له .
فأنت في هذه الحالة التي وضعتَ أشرف جزءٍ في بدنك على الأرض تكون حَريًّا إذا صدقت في عملك، وأخلصت نيتك للَّه أن تكون قريبًا من اللَّه ، وإذا كنت صادقًا في قُربك من اللَّه ، فاللَّه سَيَتوب عليك، وسيُجَازيك أعظمَ الجزاء.
وأمَّا مَا جَاء في قصَّه يوسف ﵇: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠]، فقَدْ أجَاب العلماء عن ذلك، وهُوَ أنَّ ذلك ربما كان جائزًا في شريعتهم، وَتَأوَّلوا السُّجُود (١).
أمَّا السُّجُودُ، فإنَّه لا يجوز لمُسْلِمٍ مهما كان، فلا يُسْجَد إلا للَّه ، ولا يَضَع جبهتَه على الأرض إلا لخالق هذا الكون ومدبِّره الذي أنعم عليه، وتفضَّل عليه بكل النعم والإحسان.
والنوع الذي نتعرض له بالحديث هنا هو سجود التلاوة؛ وسجود التلاوة يكون عندما تمرُّ بآيةٍ فيها سجدة، ولعظم هذه التلاوات التي فيها سجدة نجد أن المؤمن يسجد للَّه في صَلَاتِهِ، فعِنْدَما يَكُونُ الإمامُ قارئًا في الصلاة، وَيَمرُّ بآية سجدة، فيُكبِّر ويسجد، فيسجد المسلمون معه، ولا يؤثر ذلك على الصلاة، لأن ذلك طاعةٌ للَّه ، وامتثالٌ لأمره، واقتداء بسنة وفعل رسول اللَّه ﷺ .
стр. 2880
فسُجُود التلاوة حكم مشروع، شرعه اللَّه في كتابه، وكذلك أيضًا شَرَعه رسول اللَّه ﷺ ، لأنه هو المبيِّن لكتاب اللَّه ، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال أيضًا: ﴿لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ٦٤].
ورَسُولُ اللَّه ﷺ هو المبيِّن لمَا جاء مُجْملًا في كتاب اللَّه ، وما احتاج إلى بَيَانٍ بَيَّنه رسولُ اللَّه ﷺ ، ولم يمت إلا وقَدْ أكمَلَ اللَّهُ به الدينَ، وأتم به النعمةَ، ورَضِيَ سبحانه لنَا الإسلام دينًا.
وسجودُ التلاوة هو سجودٌ له علاقة بكتاب اللَّه ﷺ ، هذا القرآن العظيم الذي: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾، وَهُوَ قُطْب هذه الشريعة التي تَدُورُ عليه، هذا الكتاب العزيز الذي أنزله اللَّه على رسوله ﷺ منجَّمًا؛ ليُخْرج اللَّه به الناس من الظُّلُمات إلى النور.
قال المصنف رحمه اللَّه تعالى:
(وَالكَلَامُ فِي هَذَا البَابِ يَنْحَصِرُ فِي خَمْسَةِ فُصُولٍ: فِي حُكْمِ السُّجُودِ).
هل هو واجبٌ أو سُنَّةٌ؟
* قوله: (وَفِي عَدَدِ السَّجَدَاتِ الَّتِي هي عَزَائِمُ):
عدد السجدات: ورد فيها خمس عشرة، ومن العلماء مَنْ قَصَر على أربع عشرة، ومنهم من قال: إحدى عشرة.
فالأقوال ثلاثة: إما خمس عشرة سجدة، أو أربع عشرة، أو إحدى عشرة. . وخمس عشرة وَرَدتْ في حديثٍ، وبعضهم يحذف منها واحدةً، وبعضهم يحذف أيضًا واحدةً، ويختلفون في الحج، وبعضهم يحذف سجدة سورة (ص)، وبعضهم يَحْذف الثانية من سورة الحج، هذا كله سيأتي -إن شاء اللَّه- مفصَّلًا في هذا الكتاب وسنُبيِّنه.
стр. 2881
* قوله: (أَعْنِي: الَّتِي يُسْجَدُ لَهَا، وَفِي الأَوْقَاتِ الَّتِي يُسْجَدُ لَهَا).
والسَّجَداتُ مَعْروفة في كتاب اللَّه ، ومُبَيَّنة أيضًا في رسم المَصَاحف، فهناك سجدة الأعراف، وَفِي سورة الرعد، وفي النحل، وفي الإسراء، وفي مريم، وكذلك السجدتان اللَّتان في الحج، وفي الفرقان، وفي النمل، وفي السجدة، وفي (ص)، واختلف العلماء فيها، والتي في سورة فصلت، وما جاء أيضًا في المفصَّل؛ لأن هناك الطوال؛ والعُلَمَاءُ إنَّما قَسَّموا القرآن إلى أقسام: الطوال، وكذلك المئين، والمفصَّل، هذا كله تكلم عنه العلماء تفصيلًا، ويعرفه الذين درسوا ما يُعرف بـ "علوم القرآن".
فهُنَاك سَجَداتٌ في المُفَصَّل، بَعْضُ العلماء لا يراها، وبعض العلماء يراها، وقد وردت في ذلك أدلةٌ، وسنقف عندها -إن شاء اللَّه- ونبينها، ونبيِّن ما يظهر لنا أنه الحقُّ حَسَب الأدلة التي في ذلك عن رسول اللَّه ﷺ .
* قوله: (وَفِي الأَوْقَاتِ الَّتِي يُسْجَدُ لَهَا).
أيضًا هل هناك أوقات محددةٌ يُسْجد فيها، أو أن الإنسان إذا كان يقرأ، فَمرَّ بآيةٍ فيها سجدة، سجد، أو إذا سمع إنسانًا يقرأ فيسجد؟ وهل هناك شروطٌ تُشْترط أيضًا في الساجد كالحال بالنِّسبة لصلوات النوافل، كأَنْ يكون متجهًا إلى القبلة، وأن يكون متطهرًا من الحدثين الأكبر والأصغر، ومتطهرًا أيضًا من النجاسة، وأن يكون ساترًا لعورته، وأن يكون ناويًا ذلك أيضًا، وهذه الشروط التي وضعها العلماء؟
وهل السامع يُلْحق أيضًا بالقارئ أو لا؟ وهل يُشْترط أيضًا في السَّامع أن يكون القارئ يصلح أن يكون إمامًا له أو لا؟ وهناك مسائل لم يعرض لها المؤلف، وهل في السجود سلام، فإذا سجدتَ هل تُسلِّم؟ وهل هناك يكْبِيرةُ افتتاحٍ؟ ثمَّ هل هناك تكبيرةٌ للسُّجود؟ ثم هل هناك تكبيرةٌ للرَّفعٍ من السجود؟ وهل يُشْرع للإمام أن يقرأ سورةً فيها سجدة في صلاة غير جهرية، فإذا سجد ربما لبَّس على المصلين؟ العلماء مختلفون في ذلك.
стр. 2882
هناك مسائل كثيرة جدًّا تتفرع عن أمهات المسائل التي ذَكَرها المُؤلِّف في هذا الباب نحاول التَّنبيه عليها.
* قوله: (وَعَلَى مَنْ بَجِبُ السُّجُودُ).
عَلَى مَنْ يَجب؟ هَلْ هُوَ خاصٌّ بالقارئ، أو يُلْحق فيه أيضًا السَّامع؟ وهل السَّامعون يختلفون كَأَنْ يكون سامعًا مُنْصتًا للقارئ، أو مجرَّد أنْ مرَّ إنسان فالتفت، فَسَمع آية السجدة، هل يسجد؟ وهل الذي يكون على غير طهارةٍ يذهب ويتطهر ثم يأتي يسجد؟ هذا كله تكلم عنه العلماء.
* قوله: (وَفِي صِفَةِ السُّجُودِ؟).
ما هي صفة السُّجُود؟ وما هي الهيئة التي يكون عليها السُّجُود؟ وهل هناك دعاءٌ مخصوصٌ يقوله الإنسان في سجوده؟ وهل ما ورد في الحديث (حديث عائشة ﵂) أن رسول اللَّه ﷺ بيَّن أنه إذا سجد قال: "سَجدَ وَجهي للَّذي خلقَهُ وصوَّرَهُ، وشقَّ سمعَهُ وبصرَهُ بحَولِهِ وقوَّتِهِ" (١)، يوقف عليه، أو يقول ما يقوله في سجود الصَّلاة، أَو يقول ما يختارُهُ من الأدعية؟ كل هذا -إن شاء اللَّه- سنبيِّنه.
* قوله: (فَأَمَّا حُكْمُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ).
والمؤلف هنا قَدْ خالف مبحثه في صلاة العيد، وهذا الذي ينبغي أن يكون؛ فأنت عندما تريد أن تدخلَ في باب من الأبواب، وتعرض الحكمَ من الأحكام، فيَنْبغي أن تبيِّن أولًا الحكم؛ هل هو واجبٌ أو سُنَّةٌ أو غير ذلك، وهنا المؤلف بدأ أول ما بدأ ببيان حكم سجود التلاوة، هل هو واجبٌ أو سُنَّةٌ؟
* قوله: (فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ (٢) قَالُوا: هُوَ وَاجِبٌ. وَقَالَ
стр. 2883
مَالِكٌ (١) وَالشَّافِعِيُّ (٢): هُوَ مَسْنُونٌ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ).
فالعُلَمَاء -ونَعْني بهم الفقهاء المشهورين، وفي مقدمة هؤلاء من الفقهاء الأئمة الأربعة- انقسموا إلى قسمين:
١ - جُمْهُورهم (وهم الأئمة: مالك والشافعي وأحمد)، قالوا اتفاقًا: إن سجود التلاوة سُنَّةٌ، وليس بواجبٍ.
٢ - والإمام أبو حنيفة خالف في ذلك، فَقَال بوجوب سجود التلاوة.
وكما هو معلوم أن العلماء عندما يقول أحدهم قولًا، لا يَقُول قوله هذا بناءً على رغبةٍ أو هوًى أو تشهٍّ، لا، إنما يقول هذا القول؛ لأنه يرَى أن الحقَّ فيه، وهذا الذي ظهر له، وقد يكون الحق في قول مخالفِهِ، لكنه يظهر له هذا القول، فنحن عندما نجد أن أبا حنيفة يقول: إن سجود التلاوة واجب، فإنه يستدل بأدلةٍ؛ فهو يستدلُّ بكتاب اللَّه ، وبسُنَّة رسوله ﷺ ، وبالقياس، إذًا دليله المنقول والمعقول.
أدلة الحنفية:
فَمِنَ الكتاب العزيز يستدلُّ الحنفية بقول اللَّه : ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١)﴾ [الانشقاق: ٢٠، ٢١]، وهذا فيه إنكار وذم للذين لا يسجدون، فيقول الحنفية: إن هذا دليلٌ صحيحٌ على وجوب سجود التلاوة.
ويستدلُّون أيضًا بقول اللَّه : ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾ [النجم: ٦٢]؛ لأنَّ قوله: ﴿فَاسْجُدُوا﴾ أمرٌ، والأمر يقتضي الوجوب، قالوا: ولا صارف له، لكنهم لا يستدلون بقول اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، مع أن الآية فيها أمرٌ؛ لأن الحنفية لا
стр. 2884
يرون أنَّ الآيةَ فيها سجودٌ، فليست سجدةً عندهم، ولذلك لا يستدلُّون بالأمر هنا.
واستدلُّوا من السُّنَّة: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قرَأ سورة النَّجم وَسَجَد (١).
وَفِي الحَديث المتفق عليه: حديث عبد اللَّه بن عمر ﵃ أنه قال: "كان النبي ﷺ يقرأ علينا السورة فيها السجدة، فيسجد ونسجد حتى ما يجد أحدنا موضع جبهته" (٢)، وغير ذلك من الأدلة الكثيرة.
ثمَّ أيضًا يقيسون ذلك على سجود الصلاة (٣)، قالوا: فهذه الأدلة كافية في أن سجود التلاوة واجبٌ، وليس بسُنَّةٍ.
أمَّا جَماهير العُلَماء وهم الجمع الغفير من الفقهاء فيَقُولون: إن سجود التلاوة ليس بواجبٍ؛ لأن الوجوب يقتضي أن يكون هناك دليلٌ صريحٌ في الأمر، ولا معارضَ له، وقد ثبت من حديث زيد بن ثابت المتفق عليه أنه قال: "قَرَأتُ على النَّبيِّ ﷺ : ﴿وَالنَّجمِ﴾، فلم يَسْجُدْ" (٤)، وهذا حديثٌ متفق عليه.
وجه الدلالة عندهم: أنه لو كان واجبًا، ما تركه رسول اللَّه ﷺ ؛ لأنه أكثر الناس مبادرةً إلى السنن، فكيف يحصل منه ﵊ أن يترك أمرًا واجبًا؟!
وقالوا: ثبت عن عمر ﵁ أنه كان يخطب الناس على المنبر، فقرأ سورة النحل حتى وصل إلى السجدة بعد قول اللَّه : ﴿. . . يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ [النحل: ٤٨ - ٥٠]، قالوا: فَسَجد عمر ﵁ في المرة
стр. 2885
الأولى، فلمَّا كانت الخطبة التالية، قرأ الآية، فلم يسجد، وقال: "إن اللَّه لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء" (١).
قالوا: وكان ذلك بمحضرٍ من الصحابة ﵃، وعمر ﵁ إنما هو أمير المؤمنين وإمامهم، وهو أيضًا خليفة رسول اللَّه ﷺ بعد أبي بكر، وهو أحد الَّذين قال رسول اللَّه ﷺ فيهم: "اقتدوا باللَّذين من بعدي: أبي بكر، وعمر" (٢)، وهو أيضًا أحد الصحابة الذي قال الرسول ﷺ فيهم: "عَلَيْكم بسُنَّتي، وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشدينَ من بعدي، عَضُّوا عَلَيْها بالنَّوَاجِذِ" (٣)، فقَدْ خَطَبَ على المنبر، وَسَجد مَرَّةً ولم يَسْجد الأخرى، قالوا: ولو كَانَ واجبًا، لَمَا تَرَكه عمر ﵁، وكان ذلك بمحضرِ جمعٍ غفيرٍ من الصحابة، فلم يُنْكر عليه ذلك أحد منهم، فكان إجماعًا.
ولم يرد نصٌّ أن السجودَ واجبٌ، قالوا: وقياسًا على أنَّ سجود الشكر ليس بواجبٍ.
وأجابوا عن أدلة الحنفية، فقالوا:
* أما استدلالهم بقول اللَّه : ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١)﴾ [الانشقاق: ٢٠، ٢١]، قالوا: هذا ذمٌّ للذين يتركون السجود من الكفار؛ استكبارًا وعنادًا وتعاليًا على اللَّه ؛ فاللَّه ذمَّهم في ذلك، وليس القصد من ذلك هو إيجاب سجود التلاوة.
* وأما الاستدلال بقول اللَّه : ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾ [النجم: ٦٢]، فالمراد بالسجود هنا إنما هو سجود الصلاة، وليس سجود التلاوة.
* وأما القياس على سجود الصلاة: فسُجُودُ الصلاة يختلف، لأنه ركنٌ من الأركان، وهذا يختلف عنه.
ولا شك أن حديث زيد بن ثابت المتفق عليه قد قطع ورفع كل
стр. 2886
خلافٍ في هذه المسألة، فإنه قرأ على رسول اللَّه ﷺ سورة النجم، وقرأ السجدة، ولم يَسْجد رَسُولُ اللَّه ﷺ ، والأدلةُ والتعليلاتُ في ذَلكَ كَثيرةٌ.
وبهذا يَتَبيَّن أنَّه في الحكم الأول اختلف العلماء في حكم سُجُود التلاوة؛ فمن العلماء مَنْ أوجبَه وهم الحنفية، وجمهور العلماء رَأَوْا أنَّ ذلك ليس بواجبٍ.
ولا شكَّ أن الحق الواضح في نظرنا في ذلك، هو ما ذهب إليه جماهير العلماء من أن سجودَ التلاوة ليس بواجبٍ، وإنما هو سُنَّةٌ، ورسول اللَّه ﷺ قد سجد مرةً في سورة (ص)، ولم يسَجد مرةً أُخرى، وإن كان هناك خلافٌّ في سجدة (ص)؛ هل السجود فيها من عزائم السجود أو أن السجود فيها إنما هو سجود شكرٍ كما ذكر رسول اللَّه ﷺ بأنها تَوْبةُ نبي اللَّه داود ﵇ ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤].
* قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ: اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ الأَوَامِرِ بِالسُّجُودِ، وَالأَخْبَارِ الَّتِي مَعْنَاهَا مَعْنَى الأَوَامِرِ بِالسُّجُودِ).
وأوامرُ السجود لم يَذْكر منها المؤلفُ شيئًا، ومنها الآية التي مرَّتْ: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾ [النجم: ٦٢]، وهذه فيها أمرٌ، وكذلك: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١)﴾ [الانشقاق: ٢٠، ٢١]، وقد ذكرت أن الحنفيَّة لم يستدلُّوا بقول اللَّه سبحانه اللَّه في آخِرِ سورة الحج: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ [الحج: ٧٧]؛ لأنهم لا يَرَون سجودًا فيها، وهُمْ يَرَون السجودَ في سورة (ص) إلى جانب الثلاثة، المفصَّل وبقية السجدات، وسيأتي هذا مفصَّلًا إن شاء اللَّه.
* قوله: (مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)﴾ [مريم: ٥٨]).
وهذه ليست أمرًا، ولكنها جاءت بمعنى الخبَر، فتضمنت الأمر وإنْ جَاءَت بمعنى الخَبَر.
стр. 2887
* قوله: (هَلْ هِيَ مَحْمُولَة عَلَى الوُجُوبِ، أَوْ عَلَى النَّدْبِ، فَأَبُو حَنِيفَةَ حَمَلَهَا عَلَى ظَاهِرِهَا مِنَ الوُجُوبِ (١)، وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ اتَّبَعَا فِي مَفْهُومِهِمَا الصَّحَابَةَ، إِذْ كَانُوا هُمْ أَقْعَدَ بِفَهْمِهِم الأَوَامِرَ الشَّرْعِيَّةِ).
مالك والشافعي وأحمد (٢) وغيرهم من الفقهاء عامة.
وفي قول المؤلف: "هُمْ أَقْعَدَ بِفَهْمِهم الأَوَامِرَ الشَّرْعِيَّةِ"، لفتةٌ طيبةٌ، وأُذَكِّرك بقول عبد اللَّه بن مسعود ﵁ عندما قال: "مَنْ كانَ مُسْتَنًّا، فَلْيَسْتَنَّ بمَنْ قد ماتَ، فإنَّ الحيَّ لا تُؤمَنُ عليه الفِتْنَةُ، أولئك أصحابُ محمد ﷺ ، كانوا أفضلَ هذه الأمة: أبرَّها قلوبًا، وأعمقَها علمًا، وأقلَّها تكلُّفًا" (٣).
فهؤلاء كانوا عَمِيقِين في العلم، وليس كما يُقَال بأن السلف أسلم، والخلف أعلم، بل نقول بأن السلف كانوا أعلم وأسلم؛ لأنهم تربَّوا في مدرسة محمد بن عبد اللَّه ﷺ ، واستفادوا من منهج رسول اللَّه ﷺ ، واقْتَبسوا من أسلوبِهِ، وهو الذي ﵊، قَدْ أُوتِيَ جوامع الكلم، فَتَأسَّوا بمدرستِهِ ﵊، وتلقَّوا العلمَ من تِلْكمُ المشكاة، لم تَشُبْ ذلك العلم شائبة، ولم يخالطه كدر، ولا إشكالٌ، فأَخَذوه صافيًا نقيًّا كما نزل.
فلا شكَّ أنهم - كَمَا ذكر المؤلف ﵀ كانوا أعمقَ، وأكْثَر تقعيدًا، أَيْ أنَّهمْ أكثر عمقًا في فَهْم المَسَائل، وأكثر تدقيقًا في فهمها، وأكثر غوصًا في فَهْم لُبِّها، هكذا كان الصحابة ﵃.
والصَّحابَة يَمْتازون على غَيْرهم بما اختصَّهم اللَّه به من فضل وصفاء النية، كما وَرَدتْ في ذلك أدلة كثيرة.
стр. 2888
* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ قَرَأَ السَّجْدَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَنَزَلَ وَسَجَدَ، وَسَجَدَ النَّاسُ معه).
هذا الذي ذكره المؤلف كان في سورة النحل، فقَدْ قرأها عمر ﵁ فسَجَد، وفي اليوم التالي قال: "إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْهَا عَلَيْنَا إِلَّا أَنْ نَشَاءَ"، إذًا ليست فرضًا، فإن شئنا سجدنا، وإلا فلا، وهذا دليل على أنها سُنَّة؛ لأنها لو كانت فرضًا لم يكن للإنسان مشيئةٌ في ذلك.
* قوله: (فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ الثَّانِيَةِ، وَقَرَأَهَا، تَهَيَّأَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقَالَ: عَلَى رِسْلِكُمْ، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْهَا عَلَيْنَا إِلَّا أَنْ نَشَاءَ (١)(٢)).
وهَذَا ما ورد في سورة (ص) أن رسول اللَّه ﷺ قرأ الآية: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]، فتَشزَّن الناس؛ أي: تهيأ الناسِ للسجود، فنزل رسول اللَّه ﷺ عندما رأى حالة الناس، ثم بيَّن أنها توبةُ نبِيٍّ.
وجاء في حَدِيثٍ آخَرَ أن الرسول ﷺ قال: "سَجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَةً، وَنَسْجُدُهَا شُكْرًا" (٣).
ولذَلكَ يَرَى الشافعية والحنابلة في روايتهم الأخرى المشهورة أنَّ سجود سورة (ص) إنَّما هو سُجُودُ شكرٍ لا أنها من عَزَائم السجود (٤).
стр. 2889
* قوله: (قَالُوا: وَهَذَا بِمَحْضَرِ الصَّحَابَةِ، فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ خِلَافٌ، وَهُمْ أَفْهَمُ بِمَغْزَى الشَّرْعِ (١)، وَهَذَا إِنَّمَا يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَرَى قَوْلَ الصَّحَابِيِّ -إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُخَالِفٌ- حُجَّةً (٢)).
ولذلك، ترى أن الأئمة الأعلام -رحمهم اللَّه تعالى- ومنهم الأئمة الأربعة كانوا يقولون بكتاب اللَّه ، فإن لم يجدوا الحكمَ في كتاب اللَّه، عادوا إلى سُنَّةِ رسول اللَّه ﷺ ؛ لأنها هي التي تأتي في المرتبة الثانية، وهي التي تبيِّن كتاب اللَّه ، والرَّسُول ﷺ قَدْ أُوتِيَ القرآن ومثله معه؛ فإذا لم يَجِدُوا في ذلك، عادوا إلى أقوال الصحابة، فإن اتفق الصَّحابة على قولٍ، أَخَذوا به، وإذا اختلفوا، تخيروا من أدلتهم وَفْق الدليل.
فهذه من الأمور التي يُعتَّد بها، وهي مسائلُ معروفةٌ في أصول الفقه.
* قوله: (وَقَدِ احْتَجَّ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ: "كُنْتُ أَقْرَأُ القُرْآنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَرَأْتُ سُورَةَ الحَجِّ (٣) فَلَمْ يَسْجُدْ، وَلَمْ نَسْجُدْ") (٤).
وهذا الحديث متفق عليه، والمعروف أن الذي ورد في حديث
стр. 2890
زيد بن ثابت المتفق عليه إنما هي سورة: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾ [النجم: ١]، هذه التي قرأها على الرسول ﷺ .
* قوله: (وَكَذَلِكَ أَيْضًا يَحْتَجُّ هَؤُلَاءِ بِمَا رُوِيَ عَنْهُ ﵊: "أَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ فِي المُفَصَّلِ"، وَبِمَا رُوِيَ: "أَنَّهُ سَجَدَ فِيهَا" (١)).
"أنه لم يسجد في المفصَّل"، وهذا جاء في حديث عبد اللَّه بن عباس، وهو حديث ضعيف تكلَّم عنه العلماء (٢)، وعندما رَوَاه كان صغيرًا، وَتكلَّم العلماء عن ذلك، وأبو هريرة أسلمَ في السَّنة السابعة من الهجرة، فإسلامه كان متأخرًا، فهو قد روى لنا سجود رسول اللَّه ﷺ مَعَ أن حديث ابن عباس يتعارض مع هَذَا؛ لأنه قال: "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لم يَسْجُدْ في شَيْءٍ من المُفَصَّلِ مُنْذُ تَحوَّل إلى المَدِينَةِ" (٣)، مع أنَّ أبا هريرة إنَّما أسلمَ في السَّنة السابعة، يعني: بعد تحوُّل رسول اللَّه ﷺ بسبع سنوات.
فلا شكَّ أن أحاديث أبي هريرة ﵁ مقدمةٌ في ذلك؛ لصحَّتها، ولتَأخُّر إسلامه، ولكون ابن عباس ﵄ كان صغيرًا عندما روى ذلك، ويُحْتمل أيضًا أنَّ قولَ ابن عباس ﵄ إنما هو صحيح، لكنه لم يحضره ذلك، أو لم يبلغه.
وفي حديث أبي هريرة الذي رَوَاه أبو رافع أنه صلَّى خلف أبي هريرة ﵁، فَقَرأ سورة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق: ١]، فسجد، فسأله، فقال: "سجَدتُ بها خلفَ أَبي القاسمِ ﷺ ، فلا أَزالُ أسجدُ بها حتى أَلقاه"، وهذا في "الصحيحين" (٤).
стр. 2891
وفي "صحيح مسلم" أنه قال: "سَجَد رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ " (١).
وأيضًا جاء في حديث عبد اللَّه بن مسعود المتفق عليه أن رسول اللَّه ﷺ قَرَأ سورة النجم، وسجد فيها ﵊، قال: "وَسَجدنا معه" (٢).
فَتَبيَّن من هذا أنه صحَّ السُّجُود في السجدات الثلاث في المفصَّل؛ والعلماء قَد اختلفوا فى المُفَصَّل، فبعض العلماء قال: يبدأ من الحجرات، وبعضهم قال: يبدأ بسورة (ق)، إذًا هي الآيات غير الطوال، الآيات الطوال، ثم المؤون، ثم بعد ذلك المفصل.
والمفصَّل يقسمونه إلى قسمين:
١ - الطوال: وتبدأ إما بـ (ق) أو الحجرات إلى سورة ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١)﴾.
٢ - ثمَّ يَأْتِي بعد ذلك وسط المفصل من ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١)﴾ إلى آخر سورة ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، يعني: سورة البينة، ثم يبدأ قصار المفصل بسورة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾.
هذا أمرٌ معروفٌ فيما يُعْرف بـ "علوم التفسير" أو "أصول التفسير".
* قوله: (لِأَنَّ وَجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَلَّا يَكُونَ السُّجُودُ وَاجِبًا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَدَّثَ بِمَا رَأَى، مَنْ قَالَ: إِنَّهُ سَجَدَ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ).
يستدلُّ الجمهور بما جاء عن رسول اللَّه ﷺ أنه سجد في المفصَّل، وبأنه لم يسجد، لكن رواية "لم يسجد" هذا حديث ضعيف.
стр. 2892
وقَدْ رَأينا أن أدلة الجمهور أقوى وأصرح، ووجه الدلالة فيها واضح؛ فهي لا تَحْتَمل تأويلًا، وهو القول الراجح في هذه المسألة.
* قوله: (وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ، فَتَمَسَّكَ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الأَصْلَ هُوَ حَمْلُ الأَوَامِرِ عَلَى الوُجُوبِ أو الأَخْبَارِ الَّتِي تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الأَوَامِرِ) (١).
والعلماء قَدْ أجابوا عن الأوامر التي احتج بها بأنَّ أحد السُّجُودين المذكورين إنما هو سجود الصلاة، والآخر إنما هو وَرَد مورد الذَّم؛ لأن هُنَاك أقوامًا استكبروا، وَخَرَجوا علَى دين اللَّه ؛ فهُمُ امْتَنعوا عن السجود علوًّا واستكبارًا في الأرض.
* قوله: (وَقَالَ أَبُو المَعَالِي (٢): إِنَّ احْتِجَاجَ أَبِي حَنِيفَةَ بِالأَوَامِرِ الوَارِدَةِ بِالسُّجُودِ فِي ذَلِكَ لَا مَعْنَى لَهُ، فَإِنَّ الجَابَ السُّجُودِ مُطْلَقًا لَيْسَ يَقْتَضِي وُجُوبَهُ مُقَيَّدًا، وَهُوَ عِنْدُ القِرَاءَةِ -أَعْنِي: قِرَاءَةَ آيَةِ السُّجُودِ- قَالَ: وَلَوْ كَانَ الأَمْرُ كَمَا زَعَمَ أَبُو حَنِيفَةَ، لَكَانَتِ الصَّلَاةُ تَجِبُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الآيَةِ الَّتِي فِيهَا الأَمْرُ بِالصَّلَاةِ).
إذًا، هل كلما وردت الآية تجب الصَّلاة؟ لا؛ فالصلاة لها أوقاتٌ.
стр. 2893
* قوله: (وَإذَا لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ، فَلَيْسَ يَجِبُ السُّجُودُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الآيَةِ الَّتِي فِيهَا الأَمْرُ بِالسُّجُودِ مِنَ الأَمْرِ بِالسُّجُودِ).
وَكلُّ هَذِهِ التعليلات التي ذَكَرها المؤلف لا يُحْتاج لها، ولو أورد ما أوردنا من أدلةٍ بالنسبة لأبي حنيفة وللجمهور لَكَفى، وحديث زيد بن ثابت -كما في نظري- حَسَمَ كل خلافٍ في المسألة؛ لأن السورة كانت تُقْرأ على رسول اللَّه ﷺ ، ويستمع إليها، وتمر به السجدة، ولا يسجد، فلو كانت واجبةً لكان أسرع الناس استجابةً لذلك.
* قَالَ: (وَلأَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَقُولَ: قَدْ أَجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الأَخْبَارَ الوَارِدَةَ فِي السُّجُودِ عِنْدَ تِلَاوَةِ القُرْآنِ هِيَ بِمَعْنَى الأَمْرِ، وَذَلِكَ فِي أَكْثَرِ المَوَاضِعِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَقَدْ وَرَدَ الأَمْرُ بِالسُّجُودِ مُقَيَّدًا بِالتِّلَاوَةِ، أَعْنِي: عِنْدَ التِّلَاوَةِ، وَوَرَدَ بِهِ الأَمْرُ مُطْلَقًا، فَوَجَبَ حَمْلُ المُطْلَقِ عَلَى المُقَيَّدِ، وَلَيْسَ الأَمْرُ فِي ذَلِكَ بِالسُّجُودِ كَالأَمْرِ بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ قُيِّدَ وَجُوبُهَا بِقُيُودٍ أُخَرَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَدْ سَجَدَ فِيهَا، فَبَيَّنَ لنَا بِذَلِكَ مَعْنَى الأَمْرِ بِالسُّجُودِ الوَارِدِ فِيهَا، أَعْنِي: أَنَّهُ عِنْدَ التِّلَاوَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ مُقْتَضَى الأَمْرِ فِي الوُجُوبِ عَلَيْهِ).
أَيْ: هَذَا استدلالٌ من المؤلف لمذهب أبي حنيفة، فإذا كانوا ردُّوا على أنَّ أبا حنيفة استدل على أن الأخبار الواردة في سجود التلاوة بمعنى الأمر، والأمر مطلقًا لا يفيد ذلك مقيَّدًا، فأجيب بأن الأمر هنا مقيدٌ، فينبغي حَمْله على المطلق، وأيضًا فالروايات جاءت عن رسول اللَّه ﷺ بأنه كان يسجد فيها، فالأمرُ -إذًا- يقتضي الوجوب.
* قوله: (وَأَمَّا عَدَدُ عَزَائِمِ سُجُودِ القُرْآنِ).
هنا سيبدأ المؤلف في حكمٍ آخَرَ ليُعدِّد لنا عزائم السُّجود، ومعنى
стр. 2894
هَذَا أن ما ورد فيه الإشارة إلى السجود ليست كلها عزائم؛ لأن هناك السجدة التي وَرَدتْ في سورة (ص)، وأكثر العُلَماء لا يرى السجود عندها، وإن سُجِدَ عندها فهي سجدةُ شُكْرٍ.
ومن العلماء مَنْ لا يرى السجود في الآية الثانية في سورة الحج التي أشار اللَّه في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
* قوله: (فَإِنَّ مَالِكًا قَوْلُهُ فِي "المُوَطَّإ" (١): الأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ عَزَائِمَ سُجُودِ القُرْآنِ إِحْدَى عَشْرَةَ سَجْدةً لَيْسَ فِي المُفَصَّلِ مِنْهَا شَيْءٌ).
فهناك عشر سجدات متفق عليها بين العلماء جملة؛ سجدة في سورة الأعراف، والنحل، والرعد، والإسراء، ومريم، والفرقان، والسجدة، والأولى في سورة الحج، وكذلك التي في سورة فصلت.
هذه العشر متفق عليها بين العلماء، والإمام الشافعي في إحدى الروايتين عنه يتفق مع الإمام مالك في أنَّ عزائم السجود إنما هي إحدى عشرة سجدة، لكنهما يختلفان في سجدة واحدة؛ فالشافعي لا يرى أنَّ ما في سورة ص إنما هي من عزائم السجود، وإنما يرى السجود فيها سجود شكر؛ لأنها توبة نبي كما أشار إلى ذلك رسول اللَّه ﷺ ، لكنه يرى الثانية في سورة الحج، أما الإمام مالك فيرى: أن ما في سورة ص إنما هي من عزائم السجود ولا يرى الثانية كأبي حنيفة في سورة الحج، وسبب ذلك أن الإمامين -أبي حنيفة ومالك- لا يريان الثانية في سورة الحج، وتعليل ذلك: أنهما نُقلا عنهما أنهما قولها: إنَّ الركوع ذُكر معها يعني ذُكر مع السجود؛ لأن اللَّه -تعالى- قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، فجاء السجود مقرونًا بالركوع، قولهوا: فلا ركوع
стр. 2895
في ذلك. ولا شكَّ أنَّ العلماء الذين قولهوا في السجود فيها أجابوا عن ذلك بعدة أجوبة سنتناولها إن شاء اللَّه بالتفصيل عندما نعرض لها.
* قوله: (وَقَالَ أَصْحَابُهُ (١): أَوَّلُهَا: خَاتِمَةُ الأَعْرَافِ. وَثَانِيهَا: فِي الرَّعْدِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥]، وَثَالِثُهَا: فِي النَّحْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠]).
التي بدأها اللَّه تعالى بقوله: ﴿. . . يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ [النحل: ٤٨ - ٥٠].
* قوله: (وَرَابِعُهَا: فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩]).
التي هي في سورة الإسراء.
* قوله: (وَخَامِسُهَا: فِي مَرْيَمَ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]، وَسَادِسُهَا: الأُولَى مِنَ الحَجِّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨]).
الإمام مالك ﵀ يرى السجود عند الآية الأولى في سورة الحج، ولا يرى السجود في الثانية؛ لأنه ذُكر معها الركوع، والعلماء الآخرون الذين يرون السجود عندها يستدلون بعدة أدلة؛ منها ما أُثر عن
стр. 2896
نافع، مولى ابن عمر أن رجلًا من أهل مصر، أخبره أن عمر بن الخطاب "قرأ سورة الحج فسجد فيها سجدتين"، ثم قوله: "إن هذه السورة فضلت بسجدتين" (١)، وعلَّل العلماء ذلك بأن الأولى جاءت إخبارًا، والثانية جاء فيها الأمر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، والأمر آكد من الخبر كما هو معلوم.
وأجاب العلماء بأن هؤلاء الذين قالوا: إن ذكر الركوع معها جعلوه علة في عدم السجود عندها، وقاسوا ذلك بقول اللَّه : ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [آل عمران: ٤٣]، قالوا: فلا سجود هنا، فهنا أيضًا. لكن الحقَّ أنَّ ذكر الركوع مع السجود لا ينفي السجود؛ أعني: كون الركوع معه لا يؤثر في ذلك؛ لأن اللَّه يقول في آية أُخرى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ [الإسراء: ١٠٩]. وذِكر البكاء لم يؤثر على السجود، ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]. وهنا ذُكر البكاء مع السجود ومع ذلك يُسجد فيها.
* قوله: (وَسَابِعُهَا: فِي الفُرْقَان عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠]، وَثَامِنُهَا: فِي النَّمْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٦]، وَتَاسِعُهَا: فِي ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥)﴾ [السجدة: ١٥]. وَعَاشِرُهَا: فِي (ص) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤)﴾ [ص: ٢٤].
الإمام مالك يرى السجود عند قول اللَّه في سورة ص التي قرأها القارئ؛ لأنه يراها من عزائم السور، ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤].
* قوله: (وَالحَادِيَةَ عَشْرَةَ: فِي (حم تَنْزِيلٌ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]، وَقِيلَ: عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ لَا
وهي أيضًا الرواية المشهورة عن الإمام أحمد، فهذه أشهر الروايتين عن الإمام أحمد (١).
* قوله: (ثَلَاثٌ مِنْهَا فِي المُفَصَّلِ: فِي الِانْشِقَاقِ، وَفِي النَّجْمِ، وَفِي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾).
ثلاثُّ منها في المفصل وهي التي لم يأخذ بها الإمام مالك؛ لحديث عكرمة عن ابن عباس أنه عندما تحوَّل رسول اللَّه ﷺ لم يسجد في المفصل، ومثله أيضًا حديث أبي الدرداء، وكلا الحديثين فيه ضعف، فلا يصلحان للاحتجاج بهما، وإنما الدليل الفصل في ذلك هو حديث عمرو بن العاص؛ فإن رسول اللَّه ﷺ علّمه خمس عشرة سجدة، ولكنَّ الشافعي والحنابلة أجابوا عما في سورة ص بأنها من غير العزائم، وإنَّما هي سجدة شكر؛ لأدلة أُخرى استدلوا بها.
* قوله: (وَلَمْ يَرَ فِي (ص) سَجْدَةً؛ لِأَنَّهَا عِنْدَهُ مِنْ بَابِ الشُّكْرِ).
والدليل على ذلك: أن رسول اللَّه ﷺ عندما قرأها مرة تشزَّن الناس: يعني: تهيؤوا للسجود، فنزل رسول اللَّه ﷺ فسجد، وقوله: "رأيتُكم تشزَّنتُم للسُّجودِ": يعني: تهيَّأ تللسجود، "فسجدت". ثم بيَّن ﵊ أنها توبة نبي، وأنَّ المسلمين إنما يسجدونها سجود
стр. 2899
شكر للَّه ؛ وسنعلق أيضًا على سجود الشكر ونبين أهميته واختلافات العلماء فيه عندما ننتهي من مباحث سجود التلاوة.
* قوله: (وَقَالَ أَحْمَدُ (١): هِيَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً، أَثْبَتَ فِيهَا الثَّانِيَةَ مِنَ الحَجِّ، وَسَجْدَةَ (ص)).
لماذا نُقل هذا عن الإمام أحمد؟ لِأنَّ الإمام أحمد كما هو معلوم دائمًا تتعدد الأقوال عنده، ونجد أنها تستوعب الأدلة والآثار في ذلك؛ فحديث عمرو بن العاص فيه: أن رسول اللَّه ﷺ علَّمه خمس عشرة سجدة، وذكر منها: ثلاثًا في المفصل وسجدتين في سورة الحج. وفيما يتعلَّق بسورة الحج نُقل عن عبد اللَّه بن عباس أنه قوله: (فُضلتُ سورةُ الحجِّ بسَجدتينِ).
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢): هِيَ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَجْدَةً).
والصحيح من مذهب أبي حنيفة أنها أربع عشرة كمذهب الإمامين الشافعي وأحمد في المشهور عنهما، لكن يقع الخلاف بين أبي حنيفة وبين أحمد والشافعي، لأنه يرى السجود في سورة ص من عزائم السجود، ويرى أن الثانية في الحج لا سجود فيها، فيتفق مع الإمام مالك في هذه الجزئية.
стр. 2900
* قوله: (وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَهِيَ كُلُّ سَجْدَةٍ جَاءَتْ بِلَفْظِ الخَبَرِ (١)).
و"الطحاوي" الذي أشار إليه المؤلف هو الإمام الجليل المعروف، وهو أحد علماء الحنفية، بَلْ هو أحد العلماء الذين خدموا سُنَّة رسول اللَّه ﷺ ؛ فله كتاب: "شرح معاني الآثار"، و"مُشْكل الآثار"، ولَه جهودٌ طيبةٌ ومشكورةٌ في خدمة سُنَّة رسول اللَّه ﷺ ، ولا ننسى أيضًا أنه ﵀ هو مؤلف العقيدة الطحاوية التي تناولها العلماء بالشرح، والتي يأتي في مقدمتها "شرح ابن العز"، وَهِيَ في الحقيقة غاية في الإيجاز، وفي الاختصار مع استيفائها للعقيدة الإسلامية الصافية النقية، فَهَذا ممَّا يُسجَّل لذلك الإمام ﵀.
وأَرْجَحُ المَذَاهب في ذلك هو ما أخذَ به الإمام الشافعي وأحمد في المشهور عنه أن عزائم السجود أربع عشرة سجدة.
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُهُمْ فِي المَذَاهِبِ الَّتِي اعْتَمَدُوهَا فِي تَصْحِيحِ عَدَدِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنِ اعْتَمَدَ عَمَلَ أَهْلِ المَدِينَةِ، وَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَمَدَ القِيَاسَ، وَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَمَدَ السَّمَاعَ).
وَلَا شكَّ أن السَّماعَ يأتي في المقدمة إذا وُجِدَ العمل موافقًا للسماع، ويُقْصد بالسماع هنا المنقول عن رسول اللَّه ﷺ ، فلَا شكَّ أن أدلة الكتاب والسُّنَّة تُقدَّم على كل قولٍ ورأيٍ، ثم يأتي بعد ذلك الإجماع وغيره.
* قوله: (أَمَّا الَّذِينَ اعْتَمَدُوا العَمَلَ، فَمَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ (٢)).
стр. 2901
وكَأنَّ المؤلفَ يَقُولُ: إن الإِمَامَ مالكًا ﵀ قوَّى رأيه ومذهبه بأَنْ وَجَد عمل أهل المدينة على ما ذَهَب إليه، والمالكية يروْن أنَّ عملَ أهل المدينة حُجَّةٌ.
* قوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ اعْتَمَدُوا القِيَاسَ، فَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ (١)،
стр. 2902
وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: وَجَدْنَا السَّجَدَاتِ الَّتِي أُجْمِعَ عَلَيْهَا جَاءَتْ بِصِيغَةِ الخَبَرِ، وَهِيَ: سَجْدَةُ الأَعْرَافِ وَالنَّحْلِ وَالرَّعْدِ وَالإِسْرَاءِ وَمَرْيَمَ).
وهَذَا الذي يذكره المؤلف آراء في المذهب، ولكن المعروف في المذهب هو ما ذَكَرتُ لكم بأنها أربع عشرة سجدة.
* قوله: (وَأَوَّلِ الحَجِّ وَالفُرْقَان وَالنَّمْلِ وَ ﴿آلم (١) تَنزِيلُ﴾، فَوَجَبَ أَنْ يُلْحَقَ بِهَا سَائِرُ السَّجَدَاتِ الَّتِي جَاءَتْ بِصِيغَةِ الخَبَرِ، وَهِيَ الَّتِي فِي (ص) والِانْشِقَاقِ، وَيَسْقُطُ ثَلَاث جَاءَتْ بِلَفْظِ الأَمْرِ، وَهِيَ الَّتِي فِي ﴿وَالنَّجْمِ﴾، وَفِي الثَانِيَةِ مِنَ الحَجِّ، وَفِي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، وَأَمَّا الَّذِينَ اعْتَمَدُوا السَّمَاعَ فَإِنَّهُمْ صَارُوا إِلَى مَا ثَبَتَ "عَنْهُ ﵊ مِنْ سُجُودٍ فِي الِانْشِقَاقِ وَفِي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، وَفِي ﴿وَالنَّجْمِ﴾، وخَرَّجَ ذلك مُسْلِمٌ) (١).
حَديث عَمْرو بن العاص -وَهُوَ صحيحٌ كما ذَكَرنا- ذكر خمس عشرة سجدةً، وَحَديث أبي هُرَيرة في قصة صلاته بأبي رافع ذكر سورة الانشقاق، وفي حديثه في مسلم ذكر (الانشقاق) و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، وعبد اللَّه بن مسعود في حديثه المتفق عليه ذكر أيضًا سورة ﴿وَالنَّجْمِ﴾، وبذلك تكون هذه السَّجَدات الأربع عشرة وردت في النص.
* قوله: (وَقَالَ الأَثْرَمُ (٢): سُئِلَ أَحْمَدُ: كَمْ فِي الحَجِّ مِنْ سَجْدَةٍ؟ قَالَ: سَجْدَتَانِ).
والأَثْرَم هو من أشهر أصحاب الإمام أحمد، رحمهم اللَّه تعالى
стр. 2903
جميعًا، وله كتابٌ يُعْرف بـ "السنن"، وهو من الكُتُب المفقودة، ويوجد منه شذرات يسيرة مخطوطة، ولا شكَّ أن هذا الكتاب لو وُجِدَ لأضاف جملةً من الأحاديث التي فُقِدَتْ، وإنْ كَانَ كثيرٌ منها يوجد في كتب الحديث من "الصحيحين" وفي السنن، لكن نجد أن صاحب "المُغْني"، وغيره من الحنابلة ينقلون كثيرًا عن هذا الكتاب؛ فيقولون مثلًا: "رواه الأثرم"، وكثيرًا منها نجدُهُ في "السنن"، وفي غيرها، لكن بعضها قد ينفرد به الأثرم، ولعله -إن شاء اللَّه- يُوقَف على هذا الكتاب كما وُقِفَ على غيره من الكتب؛ فقد مضت سنواتٌ طوالٌ و"السنن الكبرى" للبيهقي يُعَد في الكتب المفقودة، ثم -بحمد اللَّه- بعد ذلك تَيسَّر الوُقُوف عليه، وطُبعَ وضُمَّ إلى كتب السُّنَّة التي بين أيدينا، وكَذَلك غير من الكتب كتاب "معجم الطبراني الكبير"، وإن كان لا يزال أيضًا تُفْقد منه مجموعةٌ من الأحاديث والأجزاء، لعلَّ اللَّه أن يُيسِّر الوقوفَ على ما فُقِدَ.
* قوله: (وَصَحِيحُ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ "أَنَّهُ قَالَ: "فِي الحَجّ سَجْدَتَانِ").
التعليل بأن الأخيرة في سورة الحج لا يُسْجد فيها، لأن ذِكْرَ الرُّكُوع مَعَ السجود لا يؤثر؛ لأنه -كما أَشَرنا أيضًا- ذكر مع السجود البكاء، ومع ذلك يُسْجد، فوُجُودُ غير السُّجُود معه لا يؤثر، أمَّا قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [آل عمران: ٤٣]، فهَذا لم يَرِدْ فيه سجدةٌ.
* قوله: (وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ (١)، وَعَلِيٍّ (٢). قَالَ القَاضِي: خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٣)).
стр. 2904
والقاضي هو ابن رشد الذي ندرس كتابه، خرَّجه أبو داود وغيره أيضًا.
* قوله: (وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا صَارَ إِلَى إِسْقَاطِ سَجْدَةِ (ص) (١)؛ لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَرَأَ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ آيَةَ السُّجُودِ مِنْ سُورَةِ (ص)، فَنَزَلَ وَسَجَدَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمٌ آخَرُ، قَرَأَهَا، فَتَهَيَّأَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقَالَ: إِنَّمَا هِيَ تَوْبَةُ نَبِيٍّ، وَلَكِنْ رَأَيْتُكُمْ تُشِيرُونَ لِلسُّجُودِ، فَنَزَلْتُ فَسَجَدْتُ" (٢)).
وهَكَذا ترون أن رسول اللَّه ﷺ إمام هذه الأمة، والذي وصفه اللَّه بقَوْله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، وأرسله اللَّه رحمةً للعالمين، وأرسله للناس كافةً بشيرًا ونذيرًا لمَّا رأى أن أصحابَه يَتهيَّؤون للسجود، نَزَل فَسَجد ﵊.
* قوله: (وَفِي هَذَا ضَرْبٌ مِنَ الحُجَّةِ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ بِوُجُوبِ السُّجُودِ، لِأَنَّهُ عَلَّلَ تَرْكَ السُّجُودِ فِي هَذِهِ السَّجْدَةِ).
حَقيقةً كلُّ هذه التعليلات التي يذكرها المؤلف ذهابًا وإيابًا لا أرى قوَّتها؛ لأنَّ الذين قالوا بأربع عشر سجدة أدلتهم صحيحة وصريحة لا تحتمل تأويلًا ولا تبديلًا، ولا يمكن أن نعارضها بقياسٍ أو بقول أحدٍ؛ فهي صريحة الدلالة على المُدَّعى.
* قوله: (بِعِلَّةٍ انْتَفَتْ فِي غَيْرِهَا مِنَ السَّجَدَاتِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ
стр. 2905
حُكْمُ الَّتِي انْتَفَتْ عَنْهَا العِلَّةُ بِخِلَافِ الَّتِي ثَبَتَتْ لَهَا العِلَّةُ، وَهِيَ نَوْعٌ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ وَفِيهِ اخْتِلَافٌ؛ لِأنَّهُ مِنْ بَابِ تَجْوِيزِ دَلِيلِ الخِطَابِ).
ويُقْصَد بدليل الخطاب الذي يُعْرف أصولًا، واشتهر بمَفْهوم المخالفة، والحنفية لا يحتجُّون بمفهوم المخالفة، وفيه تفصيل عند بقية العلماء.
* قوله: (وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَرَ السُّجُودَ فِي المُفَصَّلِ بِحَدِيثِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ): "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَسْجُدْ فِي شَيْءٍ مِنَ المُفَصَّلِ مُنْذُ هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ") (١).
فمُنْذُ أنْ تَحوَّل إلى المدينة لم يسجد، وابن عباس ﵄ كَانَ حِينَئذٍ صغيرًا، وحديث أبي هريرة كان متأخرًا، وهو نصٌّ في هذه المسألة، ومثلهما حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁.
* قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ (٢): وَهُوَ مُنْكَرٌ؛ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ الَّذِي رَوَى سُجُودَهُ فِي المُفَصَّلِ لَمْ يَصْحَبْهُ ﵊ إِلَّا بِالمَدِينَةِ).
يقصد به ابن عبد البَر الإمام المشهور، وَصاحب كتاب "التمهيد"، و"الاستذكار"، وغَيْرها من كتب الرجال.
فابن عبد البَرِّ ﵀ يَرَى أن الذي روى سجود رسول اللَّه ﷺ (وهو أبو هريرة) لم يصحب رسول اللَّه ﷺ إلا في المدينة، وقد ثبت في "الصحيحين" عنه أن رسول اللَّه ﷺ سَجَدَ في المفصَّل، وفي الانشقاق، وفي الحديث الآخر في "صحيح مسلم": سجد في الانشقاق، وفي (اقرأ)،
стр. 2906
وأبو هريرة متأخر الإسلام (في السنة السابعة)، إذن قولُهُ حُجَّة في هذه المسألة.
* قوله: (وَقَدْ رَوَى الثِّقَاتُ عَنْهُ: "أَنَّهُ سَجَدَ ﵊ فِي ﴿وَالنَّجْمِ﴾).
قَصْده بـ "روى عنه الثقات" يُشير إلى حَدِيثِ عبد اللَّه بن مسعود ﵁ الذي ذكر فيه أنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قرأ سورة النجم. قوله: "فَسَجد وسَجَدنا، وسجد كل مَنْ كان معنا"، إذًا كل القوم سجدوا.
* قوله: (وَأَمَّا وَقْتُ السُّجُودِ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمَنَعَ قَوْمٌ السُّجُودَ فِي الأَوْقَاتِ المَنْهِيِّ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا).
فهناك أوقاتٌ نُهي عن الصلاةِ فيها، والقصد بالنهي عن الصلاة فيها عدا الفرائض، وهذه الأوقات الخمسة التي نُهي عن الصلاة فيها جاءت فيها أحاديثُ صحيحةٌ في الصحيحين وفي غيرهما، وتلكم الأوقات هي كما جاءت في الحديث أن رسول اللَّه ﷺ : "نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس" (١). فهذان وقتان.
ثم يأتي حديث عقبة بن عامر الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (٢)، وأخرجه غيره، والذي قوله فيه: "ثلاثُ ساعاتٍ نهانا رسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نُصَلِّيَ فيهنَّ وأنْ نقبُرَ فيهنَّ موتانا: حينَ تطلُعُ الشَّمسُ بازغةً حتَّى ترتفعَ"، يعني: تطلع الشمس وترتفع قيد رمحٍ، "وحينَ يقومُ قائمُ الظَّهيرةَ"، يعني: حين تكون الشمس في كبد السماء، يعني: وقت الزوال، "وحينَ تَضيّفُ الشَّمسُ للغروب"؛ أي: حين تبدأ الشمس في الغروب؛ أي: تميل للغروب.
هذه أوقات خمسة نُهي عن الصلاة فيها، ومع ذلك فسّر العلماء
стр. 2907
الأقوال فيها؛ فمن ترك فريضةً من الفرائض ناسيًا أو نائمًا عنها لعذر فإنه لا إثم عليه في هذا المقولة، لأن قول رسول اللَّه ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها متى ذكرها" (١)، فإنه لا كفارة لها إلا ذلك، ورسول اللَّه ﷺ قد نام عن صلاة الفجر، وقام من مكانه، وبعد ذلك صلَّى ركعتي الفجر وصلَّى بأصحابه.
فقد ينام الإنسان عن الصلاة، لكن لا ينبغي أن يتخذ الإنسان ذلك وسيلةً؛ لأنَّ بعض الناس يسهر ليلًا، يُحيي ليله بالقيام، وقد يكون هذا الإحياء في معصية اللَّه ، فإذا ما أوشك الفجر على الظهور ذهب ونام وفاتته صلاة الفجر، فهل نقول هذا بأنه معذور في نومه؟ لا، بل نقول عن هذا: مُفرِّط، ولذلك يقول رسول اللَّه ﷺ : "ليسَ التفريطُ في النومِ، وإنما التفريطُ أن تُؤخّرَ الصلاة حتى يدخلَ وقتُ الأخرى" (٢)، وأنت كذلك إن تساهلت في الصلاة، فلما قرب وقتها بك نمت عنها، أو تشاغلت عنها في أمرٍ من أمور الدنيا فأنت بذلك مُفرِّط.
إذًا الفريضة يجوز أن تؤديها في أي وقت من الأوقات.
* قوله: (وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ (٣) عَلَى أَصْلِهِ فِي مَنْعِ الصَّلَوَاتِ المَفْرُوضَةِ فِي هَذِهِ الأَوْقَاتِ).
стр. 2908
مذهب أبي حنيفة فيه تفصيل، لكننا سلكنا مسلك عدم التفصيل ودخول التفريعات في المذاهب حتى لا تتعدد الأقوال.
* قوله: (وَمَنَعَ مَالِكٌ أَيْضًا ذَلِكَ فِي "المُوَطَّإ" (١)؛ لِأَنَّهَا عِنْدَهُ مِنَ النَّفْلِ، وَالنَّفْلُ مَمْنُوعٌ فِي هَذِهِ الأَوْقَاتِ عِنْدَهُ. وَرَوَى ابْنُ القَاسِمِ عَنْهُ (٢) أَنَّهُ يَسْجُدُ فِيهَا بَعْدَ العَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ أَوْ تَتَغَيَّرْ، وَكذَلِكَ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٣)، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَأَنَّ السُّنَنَ تُصَلَّى فِي هَذِهِ الأَوْقَاتِ مَا لَمْ تَدْنُ الشَّمْسُ مِنَ الغُرُوبِ أَوِ الطُّلُوعِ).
لعل وجهة الإمام مالك ﵀ في قوله: ما لم تصفر الشمس؛ لما أخبر به الرسول ﷺ : "تلك صلاةُ المنافقين، تلك صلاةُ المنافقين، حتى إذا كانت الشمس بين قرني شيطان قام فنقر أربعًا لا يذكر اللَّهَ فيها إلا قليلًا" (٤): يعني: يؤخرون الصلاة، حتى إذا ما اصفرَّت الشمس وأوشك المغرب قام بعض الناس فصلَّى، وهذا من الكسالى، والكسل في القيام إلى الصلاة إنما هي من صفات المنافقين؛ لأنَّ اللَّه
стр. 2909
عندما وصف المنافقين قوله: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]، فترى أنهم يراؤون الناس في أعمالهم، يخشون الناس ولا يخشون اللَّه، وهذا هو شأن المنافقين، أما المؤمن الحق فعليه دائمًا أن يخشى اللَّه ولا يخشى أحدًا غيره، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩]. نعم هناك خوف؛ تخاف من سَبُع، أو أن تقع في الخطر، أو تخاف من عدو، وهذا الخوف معتاد، لكنَّ الخوف الذي لا ينبغي أن يكون إلا للَّه في أمور العبادة، فلا ينبغي أن تصرفه لغير اللَّه ، فينبغي أن يكون خوفك وخشيتك إنما هو من اللَّه ؛ لأنَّ الخوف والرجاء والتوكل والدعاء والخشية والرهبة والإنابة هذه كلها أنواع من أنواع العبادة لا ينبغي أن تُصرف إلا للَّه .
* قوله: (وَرَوَى ابْنُ القَاسِمِ عَنْهُ أَنَّهُ يَسْجُدُ فِيهَا).
ابن القاسم هو الإمام المشهور أحد أصحاب الإمام مالك ﵀، وهو الذي كثيرًا ما يقول: سُئل الإمام مالك عن كذا، فقال: كذا، وأحيانًا لا يُجيب الإمام مالك فيجيب ابن القاسم، وابن القاسم من العلماء الأعلام؛ فهو أيضًا بمنزلة البويطي عند الشافعية، ومحمد بن الحسن، وأبي يوسف عند الحنفية، وكذلك أيضًا الأثرم وغيره من أصحاب أحمد عند الحنابلة.
ومذهب الإمام مالك أيضًا فيه تفصيل.
* قوله: (وَأَمَّا عَلَى مَنْ يَتَوَجَّهُ حُكْمُهَا؟).
هل هو يتوجه على مَن يقرأ القرآن فيصل إلى آية سجدة فيقرأها؟ أو أنه يُلحَق بذلك من يستمع إليه؟ وهل هناك فرق بين من يقصد الاستماع إلى القارئ، يُنصت إليه فيستمع؟ وبين إنسانٍ يمر به فيسمعه يقرأ آية السجدة؟ هذا فيه تفصيل للعلماء.
стр. 2910
* قوله: (فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ عَلَى القَارِئِ فِي صَلَاةٍ كَانَ أَوْ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ (١)).
وهذا لا شكَّ فيه، ولا خلاف بين العلماء؛ لأنَّ الإنسان إذا قرأ آية سجدة، فإنه يسجد سواء كان في الصلاة أو كان خارج الصلاة، هذا بالنسبة للقارئ، ودليل ذلك أنَّ رسول اللَّه ﷺ سجد وسجد الصحابة معه في الصلاة، وسجد خارج الصلاة وسجدوا معه.
إذًا النص في ذلك قد ثبت عن رسول اللَّه ﷺ .
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي السَّامِعِ، هَلْ عَلَيْهِ سُجُودٌ أَمْ لَا؟ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢): عَلَيْهِ السُّجُودُ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ).
وهذا عند أبي حنيفة ونُقل أيضًا عن بعض السلف.
واللَّه يقول: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، ولا شكَّ أنَّ الاستماع إلى قراءة القرآن فيه فضيلة، فإذا ما استمع الإنسان إلى قارئ يقرأ القرآن وقف عند سجدة فإنه يسجد، فلو لم يسجد القارئ هل يسجد؟
بعض العلماء يقول: نعم يسجد، وبعضهم يقول: لا يسجد.
أما إذا كان سامعًا فإنه يسجد، لكنهم يختلفون في تفصيل ذلك، هل يُشترط في القارئ أن يكون صالحًا لِأن يكون إمامًا للمستمع أو لا؛ فهل لو قرأت امرأة آية سجدة، أو قرأ خنثى مُشكل، أو صغيرٌ عند من لا يرى