- وهناك آخرون يقولون: بل إنَّ ذلك مقيدٌ، وهو يختلفُ من الحاضر إلى المسافر؛ لأنه لمَّا كانت حالةُ المسافر تستدعي التخفيف أكثر خُفّف عنه في ذلك، وأعطيَ مسافةً أكثر، ولما كانت حالة الحاضر تقتضي أن يكون التخفيف أقل كان الذى قُدِّر له أقل من المسافر.
قوله: (فَإِنَّ الفُقَهَاءَ أَيْضًا اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَرَأَى مَالِكٌ) (١).
المؤلف لأنَّه مالكيُّ المذهب عادةً يبدأ بمذهب مالك، ولا ضير في هذا، ولكن قد جرت عادة الفقهاء أنهم يقدِّمون الأئمةَ حسب الترتيب الزمني، فعادةً يُذكر أبو حنيفة ثم مالك ثم الشافعي ثم أحمد، وهذا لا ضير فيه بأننا نقدم هؤلاء حسب الزمن، فهذا أولهم، ثم يليه الإمام مالك، وهكذا.
قوله: (أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ، وَأَنَّ لَابِسَ الخُفَّيْنِ يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا مَا لَمْ يَنْزِعْهُمَا أَوْ تُصِبْهُ جَنَابَةٌ).
المؤلف أجمل القول ولم يفصِّل، لأنَّ الكتاب مجملٌ، وإلا فمذهب مالك فيه أقوال ثلاثة، وإن كانَ أشهرها وأصحُّها عندهم هو القول الذي ذكر: أنه لا توقيت في المسح على الخفين، أي: أنَّ المسح على الخفين مُطلقٌ، فمتى ما لبس الإنسان خفيه على طهارة وظلَّا في قدميه، فإنه يمسح عليهما إلى ما شاء الله، سواءٌ كان حاضرًا أو مسافرًا، هذا هو الرأي المشهور، وهو الذي وقف عنده المؤلف وذكره.
القول الثاني: أنَّ المسح على الخفين مؤقتٌ، وبهذه الرواية انضم إلى عامة العلماء.
القول الثالث: التفريق بين الحاضر والمسافر، فهو مؤقتٌ في حقِّ
стр. 317
الحاضر دودن المسافر؛ لأنَّ المسافرَ يحتاجُ إلى التَّخفيف أكثر من الحاضر، ولذلك أُطْلِقَ في حقِّهِ.
قوله: (وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢) إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مُؤَقَّتٌ).
وذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد (٣)، ونُقل ذلك عن عددٍ من الصحابة؛ منهم: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وأبو زيد الأنصاري، هؤلاء الخمسة من الصحابة نُقِلَ عنهم أنهم قالوا بالتوقيت (٤)، وسيأتي من أدلة المالكية ومن معهم إلى أنَّ عمر ﵁ قال: بعدم التوقيت، وبذلك يتبيَّن أن لمالكٍ رأيين أو قولين في المسألة، ثم ننظر أي القولين ينبغي أن يؤخذ به.
قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: اخْتِلَافُ الآثَارِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ).
قد يُفهم من هذا أنَّ الذي ورد في ذلك ثلاثةُ أحاديث، مع أنَّ بعض العلماء ومنهم الإمام الطحاوي وابن حزم ذكرا أنَّ الأحاديث التي وردت في التحديد وصلت إلى حد التواتر، يعني قالوا: بتنوُّع طرقها وتعددها بلغت درجت التواتر، فليست القضية كما ذكر ثلاثة أحاديث، وإنما هي
стр. 318
أحاديثٌ كثيرةٌ، وحتى الذين قالوا: بأنَّ المسحَ غير مؤقت أدلتهم أكثر مما ذكر المؤلف، فليست أدلة ثلاثة فقط، لكن قد يكون هذا هو الذي وقف عليه المؤلف، أو ربما هو أراد أن يقتصر على هذه الأحاديث، لكنَّ مفهوم كلامه يفهم منه أن الذي ورد في المسألة هي الأحاديث الثلاثة فقط، والأمر على خلاف ذلك.
قوله: (أَحَدُهَا حَدِيثُ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ "، خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ" (١)).
هذا الحديث هو دليل للذين يقولون بالتوقيت.
قوله: (وَالثَّانِي: حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ عِمَارَةَ أَنَّهُ قَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَأَمْسَحُ عَلَى الخُفِّ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: يَوْمًا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَيَوْمَيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَثَلَاثَةً؟ قَالَ: نَعَمْ حَتَّى بَلَغَ سَبْعًا، ثُمَّ قَالَ: امْسَحْ مَا بَدَا لَكَ"، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالطَّحَاوِيُّ) (٢).
هذا هو الدليل الثاني للذين يقولون بعدم التوقيت؛ لأنه قال: "امْسَحْ مَا بَدَا لَكَ"، وهذا دليلٌ يقابل الحديث الأول.
قوله: (الثَّالِثُ: حَدِيثُ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ: "كُنَّا فِي سَفَرٍ، فَأُمِرْنَا أَلَّا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ نَوْمٍ، أَوْ بَوْلٍ، أَوْ غَائِطٍ" (٣)).
وهذا الحديث حجة للذين قالوا بالتوقيت.
стр. 319
ومن الأدلة التي يستدل بها القائلون بعدم التوقيت حديث أنس ﵁، وفيه قال: أمرنا رسول الله ﷺ بقوله: "إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ فَلْيُصَلِّ فِيهِمَا، وَلْيَمْسَحْ عَلَيْهَا، ثُمَّ لَا يَخْلَعْهُمَا إِنْ شَاءَ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ" (١)؛ أي: لا تخلع إلا من جنابة.
قالوا: وهو نصٌّ في عدم التوقيت؛ لأنَّ الرسول- ﵊ بعد أن قال: وليمسحْ على خفَّيه، قال: ثم إنْ شاء أن لَّا يخلعهما إلا من جنابة فليفعل.
وهذا الحديثُ؛ - أعني: حديثَ أنسٍ - حديث ضعيف.
وهذه الأدلة قد أجملها المؤلِّف، وإلا فهي كثيرةٌ جدًّا، وقد استقصاها الطحاوي في كتابه: "شرح معاني الآثار"، وابنُ حزمِ في كِتابه: "المحلَّى بالآثار"، وكذلك الذي حقق وخرَّج أحاديث "بداية المَجتهد" ذكر منها أدلةً كثيرةً.
قوله: (قُلْتُ: أَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ، فَصَحِيحٌ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ).
حديث عليّ الذي رخّص فيه الرسول- ﵊ المسح على الخفين للمسافر أن يمسحَ ثلاثة أيَّام ولياليهن، وللمقيم أن يمسح يومًا وليلةً، وهو حديثٌ صحيح لَا نزاع ولا إشكال فيه، فقد خرّجه مسلم وغيره، وبعض أصحاب السنن.
قوله: (وَأَمَّا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ عِمَارَةَ، فَقَالَ فِيهِ أَبُو عُمَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: إِنَّهُ حَدِيثٌ لَا يَثْبُتُ، وَلَيْسَ لَهُ إِسْنَادٌ قَائِمٌ، وَيذَلِكَ لَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُعَارَضَ بِهِ حَدِيثُ عَلِيٍّ).
حديث أُبَيّ بن عمارة حديثٌ ضعيف، وفي هذا الحديث عدَّةُ عللِ، ولذلك ضعَّفَه العلماء.
стр. 320
ومع ذلك فإنَّ هذا الحديثَ هو أقوى أدلَّتهم؛ لأنه قال: "امسح ما بدا لك".
قالوا: السائل في هذا المقام سأل عن المسح، ولم يسأل عن التوقيت، فقالوا: هذا أشبه ما يكون بقول الرسول- ﵊: "الصعيد الطيِّبُ وضوء المسلم، وإن لم يجد الماءَ عشر سنين"، فهل معنى هذا أنَّ الإنسان إذا تيمَّم يستمر على تيمُّمه عشر سنين إذا لم يجد الماء؟ أو أنَّ القصد أنه يكرر ذلك؟
قالوا: القصد أنَّه يكرر المسح.
قيل: فكذلك القصد هنا: امسح ما شئت؛ يعني: في كل مرة.
قوله: (وَأَمَّا حَدِيتُ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ، فَهُوَ وَإِنْ كَانَ لَمْ يُخْرِجْهُ البُخَارِيُّ وَلَا مُسْلِمٌ، فَإِنَّهُ قَدْ صَحَّحَهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ بِالحَدِيثِ التِّرْمِذِيُّ (١)، وَأَبُو مُحَمَّدِ ابْنُ حَزْمٍ (٢)، وَهُوَ بِظَاهِرِهِ مُعَارِضٌ بِدَلِيلِ الخِطَابِ لِحَدِيثِ أُبَيٍّ كَحَدِيثِ عَلِيٍّ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يُقَالَ: إِنَّ حَدِيثَ صَفْوَانَ وَحَدِيثَ عَلِيٍّ خَرَجَا مَخْرَجَ السُّؤَالِ عَنِ التَّوْقِيتِ، وَحَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ عِمَارَةَ نَصٌّ فِي تَرْكِ التَّوْقِيتِ، لَكِنَّ حَدِيتَ أُبَيٍّ لَمْ يَثْبُتْ بَعْدُ).
حديث صفوان: "أمرنا رسول الله … "، وهو حديثٌ إسناده صحيحٌ أو حسنٌ.
ومن الذين صحَّحُوا هذا الحديث من الأئمة -كما ذكر المؤلف- الإمام الترمذيُّ وغيره، فهناك من العلماء الذين كتبوا في تصحيح الأحاديث
стр. 321
في هذا الوقت وقبل هذا الوقت، من صحَّح هذا الحديث.
ومن الأدلة أيضًا: حديث عوف بن مالك الأشجعيِّ، وقد أخرجه أحمد في مسنده وحسّنه العلماء المختصون بهذا المجال.
كذلك أيضًا رواية حديث خزيمة الأُخرى حسَّنها العلماء.
وبعد بحث المسألة ظهر لنا أنَّ أدلةَ جماهير العلماء صحيحة، وهي صريحةٌ في توقيت المسح.
وأمَّا ما أُثر عن عمر ﵁، عندما قدم عليه عقبة بن عامر، أنه قال: بتوقيت المسح (١).
يجاب على ذلك:
أنَّ لعمر ﵁ عنه قولان، ولذلك حقّق البيهقي ﵀ هذه المسألة وقال: إما أن يكون عمر ﵁ لم يبلغه الأمر فرجع إلى القول بتوقيت المسح، وإن قدِّر أنه لم يرجع فقوله الموافق للسنَّة يُقدَّم (٢).
وقد روي عن عبد الله بن عمر أنه كان لا يوقِّت فيه وقتًا (٣)، وهذا إما لأنه لم يبلغه، أو أنه قول صحابي فلا ينبغي أن نعارض به الأدلة.
قوله: (فَعَلَى هَذَا، يجِبُ العَمَلُ بِحَدِيثَيْ عَلِيٍّ وَصَفْوَانَ).
هذا كلائم صحيح، وهناك عبارات للفقهاء ينبغي أن ننتبه لها، فأحيانًا
стр. 322
يقولون: يجب. ويُطلقون هذه العبارة في مواضع السنن، وإن كان المقام ليس فيه الوجوب والتعين، لكنَّها عبارة إذا أُطلقت في هذا المقام فإنَّها تحمل معنى: (ينبغي).
قوله: (وَهُوَ الأَظْهَرُ إِلَّا أَنَّ دَلِيلَ الخِطَابِ فِيهِمَا يُعَارِضُهُ القِيَاسُ، وَهُوَ كَوْنُ التَّوْقِيتِ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فِي نَقْضِ الطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّ النَّوَاقِضَ هِيَ الأَحْدَاثُ).
لا قياس مع النص، فنحن نأخذ بالقياس، ولكنَّ القياس الذي يُعمل به هو الذي لا يعارض النصوص الصحيحة، وذلك كما ذكر العلماء الذين نصُّوا على ذلك وبيَّنوا أنه يستحيل أن يوجد قياسٌ صحيح يمكن أن يعارض نقلًا صحيحًا، والعلماء دقَّقوا في هذه المسألة ومحَّصوها، فأحيانًا تقرأ في كتب الفقه: الإجارة جاءت على خلاف القياس، المضاربة على خلاف القياس، السَّلَم على خلاف القياس، الجعالة على خلاف القياس، وهذه المسألة من أكثر من دقّق فيها ومحَّصها شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلاه تلميذه ابن القيم في كتابه العظيم الجليل القدر: "إعلام الموقعين" في مطلع جزء من أجزائه تكلم عن هذه المسألة فذكر كلام شيخه ابن تيمية الذي ذكره في: "الفتاوى"، وزاد عليه تعليلاتٍ وفهمًا أضافه إلى فهمِ وبيانِ شيخهِ شيخِ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله.
ولا شكَّ أن تحقيق المقال في هذه المسألة أن قول عامة العلماء هو أقوى من حيث الأدلة، وهو أصرح من حيث الدلالة، وهو القول الراجح في هذه المسألة.
وأمَّا دعوى أنَّ التوقيتَ لا مفهوم له، وأنه لا أثر له في الطهارة؛ لأن الذي يؤثر في الطهارة إنما هو الحدث.
فالجواب عن ذلك: أنَّ الأصلَ في المسح على الخفين أنه رِخصة، والرخصة جاءت بسبب، وهذا السبب هو الحاجة، وهذه الحاجة خُفف عنا فيها في وقت محددٍ، فأُعْطِيَ الحاضرُ يومًا وليلةً، وأُذِنَ للمسافر أنْ يمسحَ
стр. 323
ثلاثةَ أيام بلياليهن، فهذه رخصة وتفضُّلٌ من الله ، وهي صدقةٌ تصدَّق الله بها على عباده، فلا مانعَ أن تكونَ الرخصةُ مقيَّدة، وهذا موجودٌ كثيرًا في أحكام الشريعة الإسلامية، وليس في باب المسح على الخفين فقط.
هذا هو تحرير هذه المسألة، وتحقيق المقام فيها، ولا شكَّ أنَّ الإنسان يأخذ برأي جماهيرِ العلماء وهو مطمئنُّ النَّفس مرتاح الفؤاد.
قوله: (المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: وَأَمَّا شَرْطُ المَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ).
سيدخل المؤلف في أمور مهمةٍ، وهذه الشروط كثيرة ليست هي التي سيذكرها المؤلف فقط، لكنني قلت سابقًا: إنَّ المؤلف -رحمه الله تعالى- يختار مسائلَ واضحةً، ولذلك قال: (أقف عند المسائل التي نَطَقَ بها النص، وما هو قريب من النص).
يعني: المسائل التي تأتي منصوصًا عليها في آيةٍ أو حديث أو قريبة من النص الذي نطق به، ونسميها نحن في القواعد: أصول المسائل أو أمهات المسائل.
ولذلك ذكرت مرارًا أنّ من العلماء من عدَّ كتاب: "بداية المجتهد" من كتب القواعد الفقهية بالمصطلح العام، قد لا نجد أن تعريف القاعدة بالمعنى الدقيق ينطبق عليه، لكن ينطبق عليه من حيث إنَّ أحكامَه كليّة، فهذه الأحكام الكليّة تُلحق بها فروع فمن هنا قالوا ذلك.
قوله: (فَهُوَ أَنْ تَكُونَ الرِّجْلَان طَاهِرَتَيْنِ بِطُهْرِ الوُضُوءِ، وَذَلِكَ شَيءٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ إِلَّا خِلَافًا شَاذًّا (١) ".
نعم؛ وهذا مما أجمع عليه العلماء، وقد ورد في الحديث: "دعهما فإني أدخلتهما وهما طاهرتان" أو: "أدخلتهما طاهرتين".
стр. 324
قوله: (وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ القَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ ذَكَرَهُ ابْنُ لُبَابَةَ فِي المُنْتَخَبِ) (١).
ابن القاسم ﵀ هو أحد تلاميذ الإمام مالك، وهو من العلماء الأجلاء، وهو الواسطة بين الإمام سحنون وبين الإمام مالكٍ؛ لأنَّ "المدونة" التي هي المرجع الأصلي للمالكية في فقههم هي من رواية سحنون عن ابن القاسم عن مالك.
قوله: (وَإِنَّمَا قَالَ بِهِ الأَكْثَرُ؛ لِثُبُوتِهِ فِي حَدِيثِ المُغِيرَةِ وَغَيْرِهِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنْزِعَ الخُفَّ عَنْهُ، فَقَالَ ﵊: "دَعْهُمَا" فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَانِ") (٢).
هنا وقع الخلاف بين العلماء، وهذا هو الفقه، فلا تتصور أنه عندما يحصل خلافٌ في الفهم أن هذا توسيع لرقعة الخلاف، لا، إنما هؤلاء عندما اختلفوا فلأن غايتهم جميعًا أن يصلوا إلى مراد -الرسول ﵊ أو أن يقتربوا منه.
المراد من قوله: ("أَدْخَلْتُهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَانِ") معنى هذا: أنَّ الرجلين عندما أدخلتا في القدمين كانتا طاهرتين، وهذا لا يتم إلا بغسلهما معًا، إلا على قول من يقول: بأنَّ كلَّ عضو يأخذ نصيبه من الطهارة، لكنَّ الطهارةَ لا تكتملُ اكتمالًا صحيحًا إلا بغسلِ آخرِ عضوٍ.
قوله: (وَالمُخَالِفُ حَمَلَ هَذ الطَّهَارَةَ عَلَى الطَّهَارَةِ اللُّغَوِيَّةِ) (٣).
стр. 325
المخالف الذي قال: بأنه لا يُشترط أن يدخلهما معًا، يعني: لو أدخل اليمنى ثم اليسرى لا يضر.
والمراد بالطهارةِ الطهارة اللغويةُ: التي هي النظافة.
قوله: (وَاخْتَلَفَ الفُقَهَاءُ مِنْ هَذَا البَابِ فِيمَنْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ، وَلَبِسَ خُفَّيْهِ، ثُمَّ أَتَمَّ وُضُوءَهُ، هَلْ يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا؟).
هذه مسألة دقيقةٌ لها علاقةٌ بالترتيب، وقد عكسَ المؤلفُ المسألة، فهو أراد أن يأتي بالوضوء غير مرتَّب، فلو أنَّه غسل قدميه ثم أدخلهما في الخفِّ ثم بعد ذلك مسح رأسه، أوً حتى غسل وجهه ثم يديه ثم رأسه هنا لم يُرتِّب.
والترتيب مختلفٌ فيه، فهناك من العلماء من لا يراه، وهناك من العلماء من يرى الترتيب، وهم الشافعية والحنابلة على تفصيل في المذهبين، يعني: ليس هذا قولًا مطلقًا في المذهبين.
وقوله: (ثُمَّ أَتَمَّ وُضُوءَهُ): لا يمكن أن يتصور هذا إلا بعكس الوضوء هذا أمرٌ ظاهر، فلا يمكن أن يكون هذا إلا أنه قدَّم غسل الرجلين ثم لبس الخفين، ثم بعد ذلك استكمل الوضوء، وهو في استكماله الوضوء قد يكون بدأ بالوجه ثم بعد ذلك رتب، وقد يكون جاء من الأسفل فمسح الرأس بعد الرجلين، ثم غسل اليدين.
قوله: (فَمَنْ لَمْ يَرَ أَنَّ التَّرْتِيبَ وَاجِبٌ وَرَأَى أَنَّ الطَّهَارَةَ تَصِحُّ لِكُلِّ عُضْوٍ قَبْلَ أَنْ تَكْمُلَ الطَّهَارَةُ لِجَمِيعِ الأَعْضَاءِ، قَالَ بِجَوَازِ ذَلِكَ).
هناك من العلماء من يرى أنَّ الطهارة تَصِحُّ وتثبت لكل عضو، لكن ليس معنى هذا أنه لو غسل عضوًا أصبح متطهرًا، لا، ولكنَّ مراده أنَّ كل عضو منفصل عن الآخر بعكس غسل الجنابة، ولذلك يقولون في غُسل الجنابة: الجُنُبُ بَدَنُهُ بمثابة عُضْوٍ واحدٍ.
стр. 326
قوله: (وَمَنْ رَأَى أَنَّ التَّرْتِيبَ وَاجِبٌ، وَأَنَّهُ لَا تَصِحُّ طَهَارَةُ العُضْوِ إِلَّا بَعْدَ طَهَارَةِ جَمِيعِ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ، لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ).
لم يجز ذلك؛ لأنه نكَّس الوضوء؛ أي: عكسه.
قوله: (وَبِالقَوْلِ الأَوَّلِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ) (١).
القول الأول؛ الذي هو عدم وجوب الترتيب هو قول أبي حنيفة ومالك، لكنَّ مالكًا هنا انفصل عن الإمام أبي حنيفة لأمرٍ آخر لا للترتيب، ولكن لأنه لا يرى أنَّ طهارة كل عضوٍ تصحُّ وحدها، فالطهارة لا بدَّ أن تأتي مجتمعةً، وهنا حصل الفصل بين رأي الإمامين في هذه المسألة، وإلا فكلاهما لا يرى الترتيب.
قوله: (وَبِالقَوْلِ الثَّانِي قَالَ الشَّافِعِيُّ (٢) وَمَالِكٌ).
وهو قول أحمد أيضًا (٣).
قوله: (إِلَّا أَنَّ مَالِكًا لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ التَّرْتِيبِ، وَإِنَّمَا مَنَعَهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَرَى أَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تُوجَدُ لِلْعُضْوِ إِلَّا بَعْدَ كَمَالِ جَمِيعِ الطَّهَارَةِ) (٤).
стр. 327
لأنَّ المالكية لو قالوا من جهة الترتيب لاحتُجّ عليهم ونقض قولهم، فيقال لهم: أنتم لا ترون وجوب الترتيب فكيف قلتم بهذا؟ هل هذا تراجع عن رأيكم في الترتيب؟
لكنهم قالوا: المنع هنا، لأنَّ طهارة كلَّ عضوٍ لا تتمُّ وحدها، بل لا بدّ أن تأتي الأعضاءُ مكتملة جميعًا وبهذا تحصل الطهارة، وهذا هو الظاهر والبيِّن.
قوله: (وَقَدْ قَالَ ﵊: "وَهُمَا طَاهِرَتَان"، فَأَخْبَرَ عَنِ الطَّهَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ. وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ المُغِيرَةِ: "إِذَا أَدْخَلْتَ رِجْلَيْكَ فِي الخُفِّ وَهُمَا طَاهِرَتَان، فَامْسَحْ عَلَيْهِمَا" (١)، وَعَلَى هَذِهِ الأُصُولِ يَتَفَرَّعُ الجَوَابُ).
مقصود المؤلف: هذه المسائل الكبرى -الأمهات- يتفرع عنها الجواب في الصورة التالية.
قوله: (فِيمَنْ لَبِسَ أَحَدَ خُفَّيْهِ بَعْدَ أَنْ غَسَلَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ، وَقَبْلَ أَنْ يَغْسِلَ الأُخْرَى).
ورد في الحديث: "دعهما فإني أدخلتهما وهما طاهرتان" أو "طاهرتين" ومفهوم هذا الحديث وظاهره، أنه أدخل رجليه بعد طهارتهما،
لا يمكن أن يكون المقصود هو الإمام: (المزي)، لأنَّ المزيَّ ﵀ كان في القرن الثامن، وقد تُوفِّي سنة سبع مائة واثنين وأربعين، ومن أقرانه شيخ الإسلام ابن تيمية والذهبي، وعلى ذلك فإنَّ ابن رشد قبله؛ لأن ابن رشدٍ قد تُوفي سنة خمسمائة وخمسة وتسعين.
قوله: (وَبِهِ قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، مِنْهُمْ مُطَرِّفٌ وَغَيْرُهُ) (١).
وهذا مذكورٌ في، المذهب الحنبلي، وعند الشافعية من يقول بهذا، لكنَّ الأحوط والأسلم لدين الإنسان، كما قال الرسول ﵊: "دع ما يريبك إلى ما لا يربيك" (٢)، فالأمر الذي تشك فيه دعه واطرحه واذهب إلى الأمر الذي تتيقن صحته ولا إشكال ولا غبار فيه، فالذي لا إشكال فيه أن يغسلَ الإنسانُ القدمين ويدخلَهما.
قوله: (وَكُلُّهُمْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ نَزَعَ الخُفَّ الأَوَّلَ بَعْدَ غَسْلِ الرِّجْلِ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ لَبِسَهَا، جَازَ لَهُ المَسْحُ).
لأنه زال الإشكال؛ يعني: لو نَزَعَ الخفَّ الأوَّلَ وعاد ولبسه يكون: لبسهما على طهارة، فزال الإشكال.
قوله: (وَهَلْ مِنْ شَرْطِ المَسْحِ عَلَى الخُفِّ أَلَّا يَكُونَ عَلَى خُفٍّ آخَرَ، عَنْ مَالِكٍ فِيهِ قَوْلَانِ) (٣).
стр. 330
وهذه المسألة أيضًا فيها خلافٌ في كل المذاهب، وهي تُعدُّ من جزئيات المسائل، ولذلك لم يذكر فيها إلا مذهب مالك.
ومع ذلك فهي مسألةٌ طويلةٌ، وفيها تفصيلٌ، وفيها تفريعاتٌ، فهذا الخفُّ الذي يُلبس على الخفِّ يسمونه بالجُرْمُوقِ، وقد اختلف العلماء ما المراد بالجُرْمُوقِ؟
اصطلح الفقهاء أن يسموه خفًّا، وقال بعضهم: هو ليس بخفّ في الحقيقة، وإنما هو أشبه ما يكون بالجورب المنعَّل الضخم، يعني: جورب وُضِع عليه جلد وهو واسع، فيدخل فيه الخف الملبوس.
والخفُّ الملبوس لا يخلو: إما أن يكون مخرَّقًا، أو غير مخرَّقٍ، فإن كان مخرقًا فيأخذ حكمَ ما لُبِسَ عليه.
فالشاهد هنا أنه لبس خفًّا على خفّ، فانتقل الحكم إلى الخفّ، ولو لبس آخر هل ينتقل الحكم أو يقف عند الأول؟
قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ: هَلْ كمَا تَنْتَقِلُ طَهَارَةُ القَدَمِ إِلَى الخُفِّ إِذَا سَتَرَهُ الخُفُّ، كَذَلِكَ تَنْتَقِلُ طَهَارَةُ الخُفِّ الأَسْفَلِ الوَاجِبَةُ إِلَى الخُفِّ الأَعْلَى؟ فَمَنْ شَبَّهَ النَّقْلَةَ الثَّانِيَةَ بِالأُولَى، أَجَازَ المَسْحَ عَلَى الخُفِّ الأَعْلَى، وَمَنْ لَمْ يُشَبِّهْهَا بِهَا، وَظَهَرَ لَهُ الفَرْقُ، لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ).
يريد أن يقول: هل هناك نقلة واحدة أو هي أكثر، فالحكم انتقل من الفرض، أي: الغسل إلى المسح فهنا حصل انتقال، كان الفرض غسل القدم، ثم بعد ذلك انتقل إلى المسح، فالنقل قد ثبت ولا شك، فهل ينتقل مرة أُخرى؟
الأصل هو كما قلنا: الفرض الذي هو الغسل، هذا نسميه أصل، والمسح على الخفين بدل، فهل لدى البدل من القوة ما يعطي الأصل فينتقل الحكم إلى آخر أو لا؟ فهذه المسائل يذكرها الفقهاء ويعرضون لها.
وهذه المسألة من المسائل التي تُبنى على الفهم، والمسائل التي لا يكون لها نصّ صريح أو لا تتسع رُقعة الخلاف فيها، وقد تتعدد
مالك يقول: إذا خلع خفيه، غسل قدميه مكانه، وصحت طهارته. وإن أخَّره، استأنف الطهارة؛ لأن الطهارة كانت صحيحة في جميع الأعضاء إلى حين نزع الخفين، أو انقضاء المدة، وإنما بطلت في القدمين خاصة، فإذا غسلهما عقيب النزع، لم تفت الموالاة؛ لقرب غسلهما من الطهارة الصحيحة في بقية الأعضاء، بخلاف ما إذا تراخى غسلهما.
قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: طَهَارَتُهُ بَاقِيَةٌ حَتَّى يُحْدِثَ حَدَثًا يَنْقُضُ الوُضُوءَ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَسْلٌ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا القَوْلِ دَاوُدُ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى).
هؤلاء قالوا: لا يتوضأ ولا يغسل قدميه، لأنه أزال الممسوح عليه بعد كمال الطهارة، فأشبه ما لو حلق رأسه بعد المسح عليه، أو قلَّم أظفاره بعد غسلها؛ ولأن النزع ليس بحدث، والطهارة لا تبطل إلا بالحدث.
قوله: (وَقَالَ الحَسَنُ بْنُ حَيٍّ (١): إِذَا نَزَعَ خُفَّيْهِ فَقَدْ بَطَلَتْ طَهَارَتُهُ).
لأن الوضوء بطل في بعض الأعضاء، فبطل في جميعها، كما لو أحدث.
قوله: (وَبِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ، وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ هِيَ مَسْكُوتٌ عَنْهَا. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلِ المَسْحُ عَلَى الخُفَّيْنِ هُوَ أَصْلٌ بِذَاتِهِ فِي الطَّهَارَةِ، أَوْ بَدَلٌ مِنْ غَسْلِ القَدَمَيْنِ عِنْدَ غَيْبُوبَتِهِمَا فِي الخُفَّيْنِ؟ فَإِنْ قُلْنَا: هُوَ أَصْلٌ بِذَاتِهِ، فَالطَّهَارَةُ بَاقِيَةٌ وَإِنْ نَزَعَ الخُفَّيْنِ كَمَنْ قُطِعَتْ رِجْلَاهُ بَعْدَ غَسْلِهِمَا، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ
стр. 333
بَدَلٌ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِذَا نَزَعَ الخُفَّ بَطَلَتِ الطَّهَارَةُ وَإِنْ كنَّا نَشْتَرِطُ الفَوْرَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ غَسَلَهُمَا أَجَزَأَتِ الطَّهَارَةُ إِذَا لَمْ يُشْتَرَطِ الفَوْرُ. وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الفَوْرِ مِنْ حِينِ نَزْعِ الخُفِّ فَضَعِيفٌ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يُتَخَيَّلُ، فَهَذَا مَا رَأَيْنَا أَنَّ نُثْبِتَهُ فِي هَذَا البَابِ).
وهذا الاختلاف مبني أيضًا على وجوب الموالاة في الوضوء؛
فمن أجاز التفريق: جوَّز غسل القدمين؛ لأن سائر أعضائه مغسولة، ولم يبق إلا غسل قدميه، فإذا غسلهما كمل وضوءه.
ومن منع التفريق: أبطل وضوءه؛ لفوات الموالاة، فعلى هذا، لو خلع الخفين قبل جفاف الماء عن يديه، أجزأه غسل قدميه، وصار كأنه خلعهما قبل مسحه عليهما.
[الباب الثالث: في الأحكام المتعلقة بالمياه]
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(البَابُ الثَّالِثُ فِي المِيَاهِ)
الفقهاء يختلفون في ترتيب كتبهم، فبعضهم يقدم باب المياه على غيره؛ لأنَّه هو الوسيلة إلى الطهارة، والتيمم بدل منه، وبعض العلماء يذكر الوضوء أولًا وما يتعلق به، ثم بعد ذلك يتبعه بباب المياه، وهذا مصطلحٌ يختلف فيه الفقهاء ولا مشاحَّة في الاصطلاح.
هنا ذكر باب المياه، ولدينا مصطلحات في هذا الباب كثيرة؛ كلمة باب، ومياه، والآجل، والقُلّة.
стр. 334
والبابُ: في الأصل المدخل إلى الشيء، والطريق الموصل إليه.
فمثلًا: أبواب المسجد: هي الطرق والمنافذ التي توصل إليه. وكذلك أبواب الدور والمدارس وغيرها، هذا هو الأصل في الباب.
لكنَّ المرادَ به من الناحية الاصطلاحية: ما يشتمل على جملة من الأحكام يندرج تحتهُ فصولٌ ومسائلُ متعددةٌ.
وهذه مصطلحاتٌ يختلفُ فيها الفقهاء، فنجد منهم من يذكرون في البابِ فصولًا، وبعضهم يجعل بعد الفصول فروعًا، ولتبعها بمسائل، وبعضهم يجعلها مسائل وهذا في نظري أولى، فهناك بابٌ، ثم فصل وهو أشمل، ثم مسألة، لأنَّ من العلماءِ من يرى أنَّ المسألة هي مقاربة أو مساولة لكلمة قاعدة.
وكلمة (المياه): هي جمع ماء، وهذا الجمع جمع كثرة، وأصل كلمة (ماء) هو (مَوَهٌ)، فالهمزة منقلبة عن حرفٍ آخر وهو الهاء، والألف منقلبة عن أصل وهو الواو، وهناك قاعدة صرفية معروفة عند النحاة والصرفيين يقولون فيها: "إذا تحركت الواو أو الياء وانفتح ما قبلهما قلبتا ألفًا".
فمثلًا كلمة (بَاعَ) أصل كلمة باعَ بَيَعَ، تحركت الياءُ وانفتحَ ما قبلها فبعد ذلك قلبت ألفًا فصارت (بَاعَ).
لو جئنا إلى قلب الواو ألفًا مثل: (قَالَ): أصلها قَوَلَ، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا فصارت: (قَالَ).
إذن: (قال) أصلها قَوَلَ، و (باع) أصلها بَيَعَ، وماءٌ أصلها (مَوَهَ).
قد يسأل سائل فيقول: كيف نعرف أن هذه الهمزة أصلها هاء؟
والجواب: عندما نردُّ المفرد إلى الجمع، فعندما نأتي بجمع القلة فنقول: (أمواه) أو بجمع الكثرة فنقول: (مياه)، فنجد أن الهاء قد عادت إلى أصلها، وبذلك نعرف أن هذه الهمزة إنما أصلها هاء، أي: حرفٌ أُبدلَ بحرفٍ آخرَ.
стр. 335
وهنا يرد سؤال أيضًا، لماذا المؤلف وغيره من عامَّةِ الفقهاء لا يقولون: باب (الأمواه) وإنما يقولون: باب المياه، فلماذا جاؤوا بجمع الكثرة وعَدَلوا عن جمع القلَّة؟
قالوا: ذلك بالنظر إلى أنواع المعنى، فنحن لو أردنا أن نبسط الكلام بسطًا جزئيًّا في الماء وجدنا أنه ينقسم أولًا لأقسام، فهناك ماء طهور، وماءٌ طاهرٌ، وماء نجسٌ، وماء متغيِّرٌ، وماءٌ باقٍ على أصل خلقته، وهناك ماء قد تغير بطول مكثه، وأيضًا لو جئنا إلى أنواع المياه لوجدنا أن هناك مياه نزلت من السماء وهي التي سنتحدث عنها، ومياهٌ نبعتْ من الأرض، وماءٌ نزلَ من السماء إمَّا مطر، وإما بردٌ، وقد ينزل ثلجٌ أيضًا، وكذلك بالنسبة لما ينبعُ من الأرض فهناك مياه البحار، ومياه الأنهار، ومياه العيون، ومياه الأودية … إلى غير ذلك من الأجزاء، ومن المعلوم أنَّ جمع القلة ينتهي عند العشرة فما دونها، وما زاد على ذلك يُسمى بجمع الكثرة، فلهذه الأنواع ولغيرها من أمورٍ أُخرى تتعلق بالماء من تنويعاته ذكر المؤلفون ذلك المصطلح فقالوا: باب المياه، ولم يقولوا: (باب الأمواه).
قوله: (وَالأَصْلُ فِي وُجُوبِ الطَّهَارَةِ بِالمِيَاهِ).
هذا الماء الذي سنتحدث عنه منه ما يُعرف بالماء المطلق.
والماء المطلق: هو الماء الباقي على خلقته.
أي: الذي لم يتطرق إليه أي شيءٍ فغيَّره أو بدَّله.
وبعضهم يُعَرِّفه بتعريفٍ آخر فيقول: هو العاري عن الإضافة.
لأنَّ الماء قد تضيف إليه شيئًا، وهذا الذي يُضاف إليه قد يكون طاهرًا، وهذا الطاهر لا يخلو إما أن يكونَ قليلًا فلا ينقله عن اسم الماء، وقد يكون كثيرًا فيحوله من اسمِهِ فيضاف إلى اسم ذلك المضاف، فيقال: ماء الورد، أو ماء البَقْلَة، والحِمِّص، أو ماء الزعفران، أو غير ذلك من الأمور الكثيرة المعروفة.
стр. 336
إذًا الماء المطلق هو الذي بَقِيَ على خلقته، أو هو: الخالي من الإضافة.
أمَّا الماء اللازم الذي سيتكلم عنه المؤلف فهوالماءُ الذي تَغَيَّرَ بطول مكثه دون أنْ يُغَيِّره شيءٌ آخر.
والماء الطاهر أيضًا قد يكون المغيِّر فيه مما لا يُمكن أن ينفكُّ عنه، أو يصعب أن ينفك عنه، كالأشجار التي تنبت فيه، وكالطحلب وغيرها، وهناك ما يمكن الانفكاك عنه.
نعود مرة أُخرى ونقول: الماء لا يخلو من أمرين:
- إما أن يكون ماءً طاهرًا.
- أو ماءً غيرَ طاهرٍ.
فالماء الطاهر هو الذي بَقِيَ على خلقته، وهذا الماء لا يخلو:
- إمَّا أنْ يكونَ مجرَّدًا من أيّ إضافة، وهو الماء المطلق.
- وإما أن يكون أضيف إليه شيء، وهذه الإضافة قد تكون قليلةً فلا تنقله عن اسمه، وقد تكون كثيرةً فيتحول من اسم الماء إلى اسم المضاف إليه.
القسم الآخر: هو الماء النجس، وهذا الماء الذي لحقته النجاسة، وهو لا يخلو من أمرين؛ إما أن تكون هذه النجاسة الذي لحقت به قد غيَّرت وصفًا أو أكثرَ من أوصافه، وإمَّا أنْ تكونَ هذه النجاسة قد استحالت فيه فلم تُغَيِّر وصفًا من أوصافه، ومن هنا وقع خلاف العلماء في النجاسة.
أولًا: من المجمع عليه بين العلماء أنَّ الماء إذا خالطته النجاسة فغيَّرت طعمه أو لونه أو ريحه، على أنه ماءٌ نجس، وإن تكلم العلماء على الحديث الذي ورد فيه: "الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غيَّر لونه أو
стр. 337
طعمه أو ريحه" (١)، فجزء "الماء طهور لا ينجسه شيء". هذا الحديث صحيح، لكن كلمة "إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه" هذه الزيادة عند ابن ماجه وهي ضعيفة.
إذًا لماذا حصل اتفاق بين العلماء؟
لأنه قد حصل إجماعٌ على أنَّ الماء إذا اختلطت به نجاسة فبقي جِرْمها فيه بمعنى لونًا أو طعمًا أو كانت الرائحة موجودة، فإنها قد نقلته من صفة الطهورية والطهارة إلى أن أصبح نجسًا.
والماء كما هو معلوم طهورٌ، وهو الطاهر في نفسه المطهِّرُ لغيره، وطاهر وهو الطاهر غير المطهِّر، ثم نجس، وبعض العلماء يقصرهما على نو عين: طا هرٌ، ونجس.
والحنفية لهم خلافٌ مع جمهور العلماء لأنهم يرون أنَّ صيغة فعول (طهور) كصيغة فاعل لا تتعدى، والجمهور يردون عليهم بقول الله : ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] فيقولون: هنا تعدَّى.
والخلاف هنا أقرب ما يكون إلى أنه لفظي، لأننا سواء قلنا: هو طاهر، يعني قسمنا الماء إلى طاهر ونجس، فالطاهر هنا سيقوم مقام الاثنين، أو قلنا: هما ثلاثة فهذا على أساس أنَّ الماء طهور وطاهر ونجسٌ، وقضية التقسيم ليست موجودةً فقط في مذهب الحنفية، وإنما هناك من العلماء في المذاهب الأُخرى من يأخذ بها.
قوله: (قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] (٢)، وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]).
стр. 338
يعني: أنَّ الأساس في طهورية الماء هو قول الله : ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ يعني: ماء المطر ﴿مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾، إلى آخر الآية [١١] التي في سورة الأنفال.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]).
إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي وردت في الماء، لكنَّ المؤلف وغيره من الفقهاء يقتصرون على الآيتين؛ لأنه ورد فيهما ذكر التطهير، قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [الفرقان: ٤٨، ٤٩].
إذًا الآيتان اقتُصِر عليهما عند كثيرٍ من الفقهاء للتنصيص على الطهورية، لكن بعضهم يضيف إلى ذلك الآية التي هي آية الوضوء التي في آخرها: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]، وسيأتي ذكر الحديث الذي سيورده المؤلف.
من الأدلة من السنة:
قوله- ﵊ عندما سئل عن البحر: (إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال- ﵊: "هو الطهور ماؤه الحلُّ ميتته".
فترى أنَّ الرسول ﵊ لم يقتصر في إجابته على سؤال السائل، بل أجابه عن ما أشكل واستشكل وسأل عنه، وأضاف إلى ذلك أمرًا إن لم يكن أهمَّ منه فلا يقلُّ أهمية عن ذلك من حيث الجهل به؛ لأنَّ الإنسان إذا جهل حكم ماء البحر فأولى به أن يجهل حكمَ ميْتَةِ البحر، ولذلك الرسول ﵊ رفع عنه هذا الإشكال وقال: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته".
стр. 339
قوله: (وَأَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ أَنْوَاعِ المِيَاهِ طَاهِرَةٌ فِي نَفْسِهَا، مُطَهِّرَةٌ لِغَيْرِهَا إِلَّا مَاءَ البَحْرِ، فَإِنَّ فِيهِ خِلَافًا فِي الصَّدْرِ الأَوَّلِ شَاذًّا) (١).
هذا الذي أشار إليه نُقل عن الصحابيَّيْنِ عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، فإنه نُقل عنهما أنهما كرها الوضوء بماء البحر، ونقل أيضًا عن سعيد بن المسيب وهو من كِبار التابعين، والدليل على ذلك ما جاء عن عبد اللّه بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يركب البحر إلا حاجٌّ، أو معتمرٌ، أو غازٍ في سبيل الله، فإنَّ تحت البحر نارًا، وتحت النار بحرًا" (٢)، فذكر سبعة أبحر وسبعة نيران. وهذا الحديث حديثٌ ضعيف.
وأيضًا ناقشه العلماء من ناحية الحسِّ وقالوا: المحسوس أننا نشاهد الماء والرسول ﵊ نصّ في الحديث الصحيح فقال: "هو الطهور ماؤه" فبيَّن أنَّ ماءَه طاهرٌ، فلا يمكن أن نترك ذلك الحديثَ الصحيحَ الصريحَ الذي عمل به الصحابة -رضوان الله عليهم- والمسلمون بعد ذلك.
قوله: (وَهُمْ مَحْجُوجُونَ بِتَنَاوُلِ اسْمِ المَاءِ المُطْلَقِ لَهُ).
ذكر الماء المطلق: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ هنا الماء، ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾، ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ هنا الإطلاق، ثم جاء التنصيص على البحر فقال: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته". فهذا رفع كل إشكال وأزاله.
стр. 340
قوله: (وَبِالأَثَرِ الَّذِي خَرَّجَهُ مَالِكٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ" (١)).
المصطلح عليه أنَّ ما رُفع إلى الرسول ﵊ يُسمّى حديثًا، وما وقف إليه عند الصحابة يُسمى أثرًا، ولكنْ قد يُسمَّى الحديثُ أثرًا، وقد يُسمَّى الأثر حديثًا، ومصطلح المؤلف هنا أنه يقصد بالأثر هنا الحديث المرفوع.
قوله: (وَهُوَ وَإِنْ كَانَ حَدِيثًا مُخْتَلَفًا فِي صِحَّتِهِ، فَظَاهِرُ الشَّرْعِ يُعَضِّدُهُ).
هذا الحديث صحيح، وصححه جمعٌ من أكابر العلماء، والمؤلف متأثر بابن عبد البر، فهو في كثير فيما يتعلق بالمذاهب وبالأحاديث والآثار ينقل عن كتاب "الاستذكار" لابن عبد البر، وكذلك كتاب "التمهيد"، فهو ينقل عن هذين الكتابين كثيرًا، فالذي ذكر المؤلف أنه ضعَّفه من حيث السند هو ابن عبد البر، لكنه أخذ به من حيث المعنى، وليس معنى هذا أنَّ ابن عبد البر عندما يضعف حديثًا نعتبر هذا الحديث ضعيفًا ولا ننظر فيه، فالحديث قد صححه أكابر العلماء كالإمام النووي وابن حجر العسقلاني وغير هؤلاء، وقبلهم الإمام البخاري، والترمذي، وغير هؤلاء، فالحديث صحيح كما بينَّا.
قوله: (وَكذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ كلَّ مَا يُغَيِّرُ المَاءَ مِمَّا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ غَالِبًا أَنَّهُ لَا يَسْلُبُهُ صِفَةَ الطَّهَارَةِ وَالتَّطْهِيرِ).
هناك فرق بين ما لا ينفك عن الماء غالبًا، كالطحلب والنبت الذي يخرج في السواقي على جانب البرك وغيرها، هذا يصعب انفكاكه عن الماء، قد تستطيع أن تتخلص منه لكن بعد مشقَّةٍ بالغةٍ.
стр. 341
لكن نقول ونكرر: الشريعة بنيت على التيسير، وستجدون أن من العلماء من احتج لمذهبهم في التقييد بالقلتين في مسألة التيسير ورفع المشقة في الشريعة الإسلامية، ليقوى حديث القلتين الذي كثر النزاع الوارد فيه.
إذًا الذي ينفك عنه غالبًا: هي الأمور التي يستطيع الإنسان أن يتخلص عنها، أما الأمور التي يشق التخلص منها فهذه هي التي يقصدها المؤلف، وهذه أمورٌ لا تؤثر علينا وهو يتحدث عن الطاهرات.
قوله: (إِلَّا خِلَافًا شَاذًّا رُوِيَ فِي المَاءِ الآجِنِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) (١).
ابن سيرين هو تابعي كبير، وله رأيٌ في الماء الآجن، ولا شك أن الماء في عصرنا يتغير، يعني: لو وضع ماؤه في بركة أو في خزان أو في إناء كبير أو في قلة ومضى عليه زمن طويل، لو أن أحدنا وضع ماءً في مكانٍ ما ثم سافر إذا عاد يجده يخضرُّ، لا شكَّ أنه حصلَ تغيرٌ في لونه، لكن هذا التغير لم يحصل بسبب النجاسة، إنما حصل بسبب طول المكث، وهذا قد يحصل في الآبار المعطلة التي تُتْركُ زمنًا طويلًا، يعني: البئر المعطلة قد يحصل فيها الذي يحصل في الخزانات التي تُهجر زمنًا طويلًا، فالعلماء يقولون: كونه تغير بطول مكثٍ لا يخرجه عن كونه ماءً مطلقًا، فهو كغيره من المياه، وهذا القول انفرد به، وهو قولٌ ضعيف، وعامة العلماء يخالفونه في ذلك.
قوله: (وَهُوَ أَيْضًا مَحْجُوجٌ بِتَنَاوُلِ اسْمِ المَاءِ المُطْلَقِ لَهُ).
لا شكَّ أنَّ الماء المطلق لم يستثن منه الماء الآجن، فنحن عندما نقول ماء يدخل فيه الآجن، فهو لا يخرج عن كلمة ماء، لكن عندما نقول: ماءُ الزعفران، أو نقول: النبيذ، يعني: عندما يُؤتى بماءٍ فيُعصر فيه
стр. 342
تمرٌ هذا نُسمِّيه زبيبًا، وسيأتي الكلام في حكم الوضوء بالنبيذ، وخلاف الحنفية في ذلك، لكن الماء الآجنَ هو ماءٌ مطلقٌ تغيَّر بطول مُكثه، يعني مضى عليه زمنٌ فتغير بطول هذه المدة التي مرت عليه.
لكنْ هل هذه المدة التي مرت عليه نقلته من الماء المطلق إلى غيره أم لا؟ الجواب: لا، الصحيح أنه كغيره من المياه.
قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ المَاءَ الَّذِي غَيَّرَتِ النَّجَاسَةُ إِمَّا طَعْمَهُ، أَوْ لَوْنَهُ، أَوْ رِيحَهُ، أَوْ أَكثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذ الأَوْصَافِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِهِ الوُضُوءُ، وَلَا الطُّهُورُ).
في حقيقة الأمر أن العلماء لم يتفقوا، وخلاصة أقوالهم ما يلي:
الماء إذا خالطته نجاسة فلا يخلو من أمرين:
- إمَّا أن تغيِّر أوصافه أو واحدًا منها.
- أو لا تغيرها.
فإن غيَّرت وصفًا أو أكثرَ فالعلماء مجمعون على أنه ماءٌ نجس، وإن لم تغير وصفًا من أوصافه كأن تكون خالطته ثم استحالت به، أي: يعني ذابت ولم يُصبح له أثرٌ فهي لم تغير لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا، حتى صار لا يظهر شيءٌ من أثر النجاسة، فهنا يقع الخلاف بين العلماء على أقوالٍ عدَّة، ذكر المؤلف بعضها، وبعضهم أوصلها إلى سبعة أقوال، والمشهور منها ثلاثةٌ، وهي التي سنعرض لها في الغالبِ.
قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ المَاءَ الكَثِيرَ المُسْتبْحِرَ لَا تَضُرُّهُ النَّجَاسَةُ الَّتِي لَمْ تُغَيِّرْ أَحَدَ أَوْصَافِهِ، وَأَنَّهُ طَاهِرٌ) (١).
لماذا قال: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ المَاءَ الكَثِيرَ المُسْتَبْحِرَ). يعني: بالنسبة
стр. 343
إلى ماء البحر الماء كثير، ولا تضره النجاسة إذا لم تغير أحد أوصافه، وقد خالف في ذلك الحنفية؛ لأنَّ الحنفية -كما تعلمون- يرون أنَّ النجاسة تُؤثر، وسنعرفُ أدلتهم، لكنهم عارضتهم أدلة أُخرى، ولا بد من مخرج لذلك، فوضعوا ميزانًا ومقياسًا لذلك، فقالوا: الماء إذا خالطته نجاسة ولم تغير أحد أوصافه لا مانع أن يبقى طاهرًا، لكن بشرط أن يكون من الكثرة بحيث إنك لو حرَّكت طرفًا من طرفيه لما سرى في الحركة إلى الطرف الآخر، أو على التفسير الآخر وهو قوله محمد بن الحسن: عشرةُ أذرع في عشرةِ أذرُعٍ وقال: إنه قاس ذلك في مسجده، أي: عمل موازنة في ذً لك فوجد أنه إذا حرك من هذا القدر لا يصل.
لكننا نقول: أولًا: الرياح تختلف سرعتها واتجاهها، وقد تُنقل من حيث السرعة وغيرها.
ثانيًا: وقد يأتي -كما ذكر العلماء- أن يكون هذا الجدول الممتد، وقد يوقع فيه من النجاسة وغيرها مما يؤثر فيه أيضًا.
إذًا الحنفية أرادوا أن يخرجوا من جملة الأحاديث التي تنهى عن البول في الماء، أو عن غمس اليد قبل إدخالها في الإناء، وعن حديث الأعرابي، وعن حديث القلتين، وإن كانوا يضعفون ذلك أو أكثرهم يضعفه وسيأتي الكلام فيه، وحتى يخرجوا من ذلك وضعوا مقياسًا للحدّ عندهم.
والمؤلف حين قال: "اتفقوا" حتى يدخل الحنفية مع جمهور العلماء، ولذلك عبارات المؤلف هنا فيها دقة؛ لأنه عندما أخبر بذلك أراد أن يوجد موضعًا يلتقي فيه الحنفية مع بقية العلماء؛ لأن أشهر الأقوال في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
- قولٌ يرى: أنَّ الماء إذا حلّت بنجاسة ولم تغيره فهو طاهر.
- وقول آخر: يُقيّده بالقلتين، ويجعلها هي المقياس وهي الحدّ، فإذا وصل الماء إلى قلتين لا يُؤثَر عليه شيءٌ، إلا إذا غيَّر لونه أو طعمه أو ريحه، فما دون القلتين يتغيَّر، فهم يأخذون بمفهوم المخالفة.
стр. 344
قوله: "ما لم تغير" هنا قيّده فقال: ما لم تغير، وهذا هو الصحيح، أمَّا إذا غيَّرت أحدَ أوصافه، فلا فرق بين أن يكون قليلًا أو كثيرًا.
قوله: (فَهَذَا مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ هَذَا البَابِ).
إذًا، المؤلف هنا يُريد أن يحكي لنا مواضع الإجماع، أحيانًا تجدون بعض الفقهاء له مصطلحان، أحيانًا يقول: أجمع العلماء. وأحيانًا يقول: اتفقوا. والإجماع الذي لا يوجد فيه من خالف، لكن قد نجد من يخالف كالأصم وابن عُلَيّة ومثل هؤلاء لا يُعتدُّ بهم، وقد نجد خلافًا للشيعة لا ننظر إليهم، وقد نجد خلاف للخوارج في بعض المسائل لا نعتدُّ به، القصد من هذا أن يكون هذا العالم ممن يُعتبر خلافه، وهو معدودٌ في مسائل الإجماع كما هو معدود في مسائل الخلاف، ولا يشترط أن يكون أحد الأئمة الأربعة، فقد يكون من الأئمة الأربعة أو غيرهم، المهم أن يكون من العلماء الذين لهم وزنهم وقيمتهم وأثرهم ومكانتهم في العلم.
قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي سِتِّ مَسَائِلَ تَجْرِي مَجْرَى القَوَاعِدِ وَالأُصُولِ لِهَذَا البَابِ).
" تجري مجرى القواعد" ذكرنا سابقًا أنَّ هذا الكتاب قال عنه مؤلفه كتاب قواعد، لأنه فعلًا شبيه بالقواعد، وهذه المسألة التي ذكرها المؤلف لو قُرئت في بعض الكتب الموسعة لوُجدت فروعٌ كثيرةٌ تتفرع عنها، وكم من الجزئيات تُلْحَق بها، لكنك عندما تضبط أصل المسألة سهل عليك أن تضبط فروعها وجزئياتها، وهذا أهم ما في الفقيه، الفقيه كلَّما أمكنَهَ أن يضبط أصول المسائل سهُل عليه بعد ذلك أن يُلْحِقَ بها الفروع، لأنَّه أصبحت عنده أصولٌ وقواعدُ ثابتةٌ يستطيع أن تدور حولها البقية.
стр. 345
قوله: (المَسْأَلَةُ الأُولَى: اخْتَلَفُوا فِي المَاءِ إِذَا خَالَطَتْهُ نَجَاسَةٌ، وَلَمْ تُغَيِّوْ أَحَدَ أَوْصَافِهِ، فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ طَاهِرٌ؛ سَوَاءٌ أَكانَ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا، وَهِيَ إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ مَالِكٍ (١)، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ) (٢).
القول الأول: (فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ طَاهِرٌ) انتبهوا الآن أخذنا تغير الأوصاف، ماءٌ اختلطت به نجاسة فلم تغير أحد أوصافه، يعني: انحلت فيه النجاسة فذابت في الماء ولا نجد لها أثرًا، يعني: إذا كان عندك إناءٌ فيه ماء، فوقعت فيه نجاسة، ولا تجد أثرًا لهذه النجاسة، تشم الماء فلا تجد أثرًا، تأخذ الماء لتتذوق هذا الماء لا تجد طعمًا للنجاسة، ولا ترى أنَّ اللون قد تغير.
إذًا هذه النجاسة ذابت في هذا الماء واستحالت فيه بمعنى أنها أصبحت جزءًا من هذا الماء، فهل هذا الماء الذي أخذ هذه النجاسة وأذابها وأمضاها، هل نعتبرها مؤثرة في الماء أو لا؟
هذا هو القول الأول، أن الماء لا يزال على طهوريته.
وعندما تقرأ هذا الكتاب قد ترى أنَّ هذا القول ليس من المكانة بشيءٍ كثير، لكن عندما نعرف أن هذا قول لبعض الصحابة منهم. حذيفة وعبد الله بن عباس، وأبو هريرة، ونُقل عن كثير من التابعين: كسعيد بن المسيب والحسن وعطاء، ومجاهد، ونُقل عن جمع غفير من الفقهاء، ولا نقتصر على الأئمة منهم الإمام مالك في روايته المعروفة، وكذلك الثوري
стр. 346
والأوزاعي وإسحاق وهي أيضًا رواية للإمام أحمد، وعددٌ من أكابر علماء الشافعي أخذوا بذاك عندما تقرأ في كتب الشافعي الأُخرى، كالغزالي وغيوه تجدهم يأخذون بهذه الرواية، وأخذ بها من الحنابلة شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من علماء الحنابلة، فهم يرون: أنَّ الأدلة الأخرى غير صريحة في الدلالة على المُدَّعى، وأنه لا يوجد نصٌّ قطعي صريح يمنع أن يتطهر بهذا الماء، وسيأتي تفصيل ذلك.
إذًا القول الأول: الماء الذي اختلطت به نجاسة فاستحالت بهذا الماء ولم تغير أوصافه، يقولون: هو لا يزال يحمل اسم الطهورية ولا فردتى بينه وبين غيوه، وهي رواية كما ترون بالنسبة للمذاهب للإمام مالك وهي مشهورة، وهي الرواية غير المشهورة للإمام أحمد.
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ بِالفَرْقِ بَيْنَ القَلِيلِ وَالكَثِيرِ، فَقَالُوا: إِنْ كَانَ قَلِيلًا كَانَ نَجِسًا، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَمْ يَكُنْ نَجِسًا).
هنا سيدخل في تفصيلات المذاهب (وَقَالَ قَوْمٌ بِالفَرْقِ بَيْنَ القَلِيلِ وَالكَثِيرِ)، هؤلاء الذين قالوا بالفرق بين القليل والكثير لم يتفقوا، فمنهم من حدّه بالقلتين، ومنهم مذهب الحنفية: عشرة أذرع في عشرة أذرع، أو إذا حركت أحد الطرفين لم تنتقل الحركة إلى الطرف الآخر، أو أنه باربعين قُلة، أو بأربعين دلوًا، أو بذنوبين، أو بغير ذلك من الأقوال الكثيرة جدًّا التي ذكرت، وهذه كلها أقوالٌ متعددة، لكنَّ أشهر الأقوال ثلاثة:
القولُ الأوَّل: أنه لا يتغير بملاقاة النجاسة لأنها استحالت.
القول الثاني: أن الحدَّ في ذلك هو القلتان، وهذا هو مذهب الشافعية وأحمد في المشهور عنه، لأنَّه وُجِدَ من الشَّافعية والحنابلة من يأخذ بالرأي الآخر.
القول الثالث: هو ما قال به الحنفية.
إذًا القول الأول: أنه لا فرق بين القليل والكثير فما دامت النجاسة
стр. 347
لم تغيره فهو باقٍ على طهارته، وقد ذكرنا أنه أخذ به جمعٌ من الصحابة وبعض فقهاء المذاهب المالكية وبعض الحنابلة وهي رواية في مذهب أحمد ليست مشهورة، وهو قول لبعض الشافعية وليس الإمام الشافعي.
القول الثاني: هو قول الحنفية.
والقول الثالث: هو قول الشافعي وأحمد في المشهور عنه، وهو الحدّ بالقلتين.
* قوله: (إِنْ كَانَ قَلِيلًا كَانَ نَجِسًا، وَإِنْ كَانَ كثِيرًا لَمْ يَكُنْ نَجِسًا).
وقد اختلف الفقهاء في حد الكثرة:
بعضهم يرى: أنَّ حدَّ الكثير هو أن يبلغ قلتين، ومذهب الحنفية كما بيَّناه سابقًا.
وقبل أن ندخل في قضية القلتين، ما المراد بالقلتين؟
القلة كما هو معلوم إنما هي جرة، وهذه القلة نُسبت إلى هَجَر فقيل: قُلَّةٌ من قِلال هَجَر.
أولًا: القلة في الأصل تطلق على الكبيرة والصغيرة، لكنها في اصطلاح الفقهاء تطلق على القُلَّة من قِلال هَجَر، وهَجَر هذه مدينة في البحرين معروفةٌ بذلك، لكنْ هناك نزاعٌ بين العلماء هل هي التي اشتهرت بصنع هذه القلال؟ أو أنها كما يقول بعضهم: هي قرية قريبة من المدينة تُعرفُ بهَجَر، أو أنَّ الأصل في صنع هذه القلال هو مدينة هَجَر، ثم أصبحت تصنع في المدينة، ونُسِبتْ إلى تلك البلد؛ لأنَّ أصل الصنعة كانت فيها.
والقلة -كما ترون- وردت في الحديث عندما سئل الرسول ﵊ عن الماء وما ينوبه من السباع والدواب فقال: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا"، وفي رواية: "لم ينجُس".
стр. 348
وكلمة: "لم يحمل خبثًا" فيها مناقشة للحنفية فهم يعكسون القضية، فيقولون: لم يحمل خبثًا معناه: أنه ضعيفٌ لا يتحمَّل النجاسةَ.
ويردُّ عليهم الشافعية والحنابلة بالرواية الأُخرى: "لم يحمل خبثًا"، والروية الأُخرى ورد فيها: "لم ينجس".
لكن كيف نستطيع أن نقدر هنا حد الكثرة؟
سيأتي معنا أن الإمام الطحاوي وهو صاحب العقيدة الطحاوية والمُحدِّث المعروف، وهو من المدافعين عن مذهب الحنفية، وهو ممن انتهى إلى أنَّ حديث القلتين صحيحٌ، لكنه يقول مع صحته وقع خلاف في عدد القلال، فورد في حديث قلتين: "إذا بلغ الماء قلتين"، وفي رواية ثلاث: "أو ثلاث قلال" (١). أيضًا يقول: القلة غير معروفة.
لكنَّ الفقهاء قالوا: القلة معروفة، وحقيقة تقديرها تقريبي، فهم يقولون: ورد في أثرٍ مرسل عن ابن جريج أنَّ القلةَ تبلغُ قربتين وشيئًا.
قالوا: والشيء أقصى ما يوصل به إلى النِّصف، فمعنى هذا أنَّ القلتين تبلغان خمسةَ قرب، ونجدُ أنَّ غالبَ الفقهاء يقول: وهي خمسمائة رطل بالعراقي، ومائة وثمان قنطار بالدمشقي، لكننا نجد أنَّ بعض الشافعية من حدّ حدًّا مكعَّبًا فجعلها مترًا وربعًا عمقًا في متر وربع عرضًا وطولًا، ولذلك جاء بعض الذين كتبوا في الفقه حديثًا ودقّقوا في الأمر وقالوا: إنَّ القلتين ثلاثة وتسعون صاعًا أو أربعة وتسعون إلا ربعًا، أو مائة وستون ونصف لتر، هكذا حددوها، والأمر كلُّه تقريبي.
إذًا" القلة كما قالوا تبلغ قربتين ونصف، فإذا جمعت بلغت خمسَ قربٍ.
يقول العلماء: كلمة قلة إذا طلقت إنما تنصرف إلى قلال هجر، قالوا: لأنَّ العرب يعرفونها، وقد اشتهرت بينهم، ولذلك الرسول -عليه
стр. 349
الصلاة والسلام- عندما أُسْرِيَ به ورأى سدرة المنتهى ذكر أنه من نبت تلك الشجرة أنها كانت على قدر قلال هجر.
إذًا وصف الرسول لها وهو يحكي ذلك للصحابة، وهم من العرب الخلَّص، وهذا دليل على أنهم يعرفونها، وإلا كيف يصف لهم أمرًا لا يعرفونه، ولذلك تجدون أن الله عندما يقيم الأدلة كان يضرب لهم أمثالًا مشاهدة قال : ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ [ق: ٦، ٧]، وقال : ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾ [الغاشية: ١]، كذلك الرسول يذكر لهم أمورًا محسوسة معروفة لديهم.
إذًا الأقوال كما ترون ثلاثة:
القول الأول: أن النجاسة التي لا تغير لونًا ولا طعمًا، لا أثر لها في الماء، فهو طاهر.
القول الثاني: إذا بلغ الماء قلتين لا تؤثر فيه، وما دون القلتين تؤثر فيه
القول الثالث: هو الماء الكثير الذي إذا حركت أحد طرفيه لا تنتقل النجاسة إلى الطرف الآخر، من باب الاحتياط.
وهذا القول الأخير لا دليل عليه في الواقع، ولا يوجد نصٌّ للحنفية في هذا القياس، ولذلك هم وضعوا هذا قياسًا يعني: طبّقوه تطبيقًا قياسيًا، وإلا فليس لهم دليل على ما ذهبوا إليه، نعم، هم يستدلون على ما يتعلق بالنجاسة بعموم أدلة، لكنْ هذا الذي وضعوه لا دليلَ عليه.
* قوله: (وَهَؤُلَاءِ اخْتَلَفُوا فِي الحَدِّ بَيْنَ القَلِيلِ وَالكَثِيرِ، فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ (١) إِلَى أَنَّ الحَدَّ فِي هَذَا هُوَ أَنْ يَكُونَ المَاءُ مِنَ الكَثْرَةِ بِحَيْثُ إِذَا
стр. 350
حَرَّكهُ آدَمِيٌّ مِنْ أَحَدِ طَرَفَيْهِ، لَمْ تَسْرِ الحَرَكةُ إِلَى الطَّرَفِ الثَّانِي مِنْهُ).
ذهب الحنفية إلى هذا القول؛ لأنهم يستدلون بالحديث المتفق عليه أن الرسول ﵊ قال: "لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه". وهو حديث متفق عليه، وفي رواية للبخاري: "لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ " (١) الذي لا يجري بيان للدائم "ثم يغتسل فيه". فيقولون: هذا نصٌّ في النهي على أن لا يبولَ الإنسان في الماء الدائم، فدلَّ ذلك على أنَّ الماء يتأثر بالنجاسة، ولا يخرجنا من ذلك إلا أن نخص من ذلك الماء الكثير الذي وصفوه.
إذًا؛ قالوا: هذا دليل يدلُّ على أنَّ البول يؤثر في الماء؛ لأن الرسول ﵊ قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه "، قالوا: فهذا نهي، والنهي يقتضي الفساد، ولا مانع هنا إلا النجاسة.
إذًا الذي يخرج من هذا هو الماءُ الكثير الذي لا تسري به النجاسة إلى أطرافه الأخرى.
* قول: (وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ (٢) إِلَى أَنَّ الحَدَّ فِي ذَلِكَ هُوَ قُلَّتَانَ مِنْ قِلال هَجَرَ، وَذَلِكَ نَحْوُ خَمْسِمِائَةِ رِطْلٍ).
مذهب الشَّافِعِيُّ وأحمدُ في المشهور عنه، ومعهم جماعة كثيرون إلى
стр. 351
أنَّ الحد في ذلك هو القلتين، ودليلهم في ذلك قال: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث". وفي رواية: "لم ينجس".
قالوا: فهذا نصّ في أنَّ الماء إذا بلغ قلتين لا تلحقه النجاسة.
ويرد عليهم بعض العلماء بعدة ردود ويقولون: إذا كنتم تقولون بأنه إذا بلغ الماء قلتين لا ينجس، فمعنى هذا أنه حتى إذا غير أحد أوصافه لا ينجس.
يقولون: لا، هذا مخصوص؛ لأنَّ الإجماع قد خصّ هذا الحديث، يعني: إذا وصل الماء قلتين لا ينجسه شيء إلا الذي يغير اللون أو الطعم والريح، فاعتبروا حديثهم هذا عامًّا يخصّصه هذا الحديث.
إذًا، هم يقولون: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه" فهم يرون: أن حديثهم يُخَصِّص حديث بئر بضاعة الذي سيأتي.
وحديث بئر بضاعة عندما سئل الرسول ﵊ أنتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يُرمى فيها لحومْ الكِلَابِ والحَيْضِ والنَّتنْ، فقال: "الماء طهور لا ينجسه شيء".
وهذا الحديث سنرى أنه عمدة الفريق الأول الذين قالوا: لا يتأثر لأنَّ: "الماء طهور لا ينجسه شيء"، وهذا يتعارض مع حديث القلتين، ويتعارض مع حديث: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم"، ويتعارض أيضًا مع حديث: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء"، وقد يعارضه في الظاهر أيضًا حديث الأعرابي: "صبوا على بول الأعرابي ذنوبًا من الماء".
وهذه الأحاديث كلُّها ظاهرها التعارض، لكنَّها تحتاج إلى أن يُجمعَ بينها، فكل فريقٍ حاول أن يصرف بعض الأدلة لقوله، وأن يدعم بها رأيه.
الخلاصة:
الفريق الأول: وهي رواية للإمام مالك التي صدّر بها المؤلف كلامه، ورواية غير مشهورة للإمام أحمد، وأخذ بها بعض الحنابلة ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وأخذ بها بعض علماء الشافعية، بل لو قرأتم في كتب النووي تجدون أنه يقول: وهذه أصح الأقوال بعد مذهبنا، يعني هو يقدم القول الأول في القلتين، ويجعل هذا القول الثاني هو الصحيح، لكن هذا رأي له بلا شك، وقد يأتي غيره ويخالفه.
أما الذين قالوا: بأن الماء إذا خالطته نجاسة فاستحالت فيه ولم تغيره يستدلون أولًا:
- بحديث بئر بضاعة، يقولون: هذه بئرٌ ذُكِرَ للرسول ﵊ حتى بعضهم يقرأها، أنتوضأ، أتتوضأ، وورد في بعض ألفاظه: "يا رسول الله أنه يُسْتَقَى لك من بئر بضاعة وهي بئر يُلْقَى فيها لحوم الكلاب والحيض يعني: الخرق التي يمسح فيها دم الحيض، والنتن يعني: الشيء العفن يلقى فيها". لكن هنا يرد سؤالًا أيضًا، هل هذه الأمور تُلْقَى في هذه البئر، ويعرف أنه يستقى منها؟
أجاب العلماء عن ذلك وقالوا: هي كانت تقع في مكانٍ منحدرٍ، وكانتْ إذا جاءت السيول نقلت هذه الأمور فنزلت فيها.
وبعضهم يقول: كانت إذا جفت هذه الخرق تأتي العواصف فتنقلها فتطرحها فيها.
* فائدة:
وبئر بضاعة هذه تكلم عنها العلماء، وكلمة بضاعة هل هي اسم لصاحبها أو للبئر نفسه، منهم من قال: بضاعة هي اسم للبئر، ومنهم من قال: هي اسمٌ لصاحبها، وهذا لا يؤثر.
بئر بضاعة هذه سيحصل النزاع فيها، وهي من أقوى الأدلة التي يعارض بها مذهب الحنفية، أي: يأتي العلماء الآخرون فيبطلون بهذا
стр. 354
الحديث مذهب الحنفية، ويقولون: هذا الحديث نصٌّ في أن هذه البئر تُلقى فيها لحوم الكلاب، ويلقى فيها خرق الحيض، وكذلك النتن، كل هذا يُجمع فيها، وهذه أمور لا شك أنها نجسة، فكيف تقولون بقولكم، والحديث يقول: ولما سئل الرسول عن ذلك قال: "الماء طهورٌ لا ينجسه شيء"، أول الحديث أنها يُستقى لك من بئر بضاعة، وفي رواية وهي بئر يلقى فيها الحيض … قال: "الماء طهورٌ لا ينجسه شيء".
إذًا، هذا نصٌّ في أنَّ الماء طهورٌ لا ينجِّسه شيء، والنبي ﷺ لم يذكر في هذه البئر هل ماؤها كثيرٌ أو غير كثير، غير أنه بعد المعاينة تبين أن هذه البئر ليس مائها بكثيرٍ؛ لأنَّ أبا داود المحدث من العلماء الذين اهتموا بذلك وقال: إنه ذهب إلى قيِّمها وسأله أن ينزلَ فيها، وقد وجد أنَّ عرضها ستةُ أذرعٍ وأنّ عمقها إذا زاد ماؤها تصل إلى العانة، وإذا نقص دون العورة، فهي بهذا القدر لا تتجاوز ما يقرب من قلتين أو تزيد قليلًا أو تنقص.
إذًا، ماؤها ليس كما يقول الحنفية ماء كثير يشبه المستبحر، وهذا الحديث دليلٌ يُعارَض به مذهب الحنفية، فاضطر الحنفية إلى القول بأن البئر كانت جاريةً.
ما دليلكم على ما ذهبتم إليه؟
قالوا: لأنَّ الواقديَّ المؤرخَ المعروفَ قال: كانت تُسْقى منها البساتين والمزارع المجاورة لها، وفهموا من هذا أنَّها كانتْ جاريةً.
وقد رُدّ عليهم: بأنَّه لا مانعَ أن يُسقى منها البساتينُ والمزارعُ المجاورةُ، كعادةِ العرب إلى وقتٍ قريبٍ، فإنهم يخرجون الماء إما بالدَّلو أو عن طريق الناضحةَ، وهذا أمر معروف إذا كانت هناك مكائن تخرج الماء.
ولكن قال عدد من العلماء: بأنَّ المدينة في عصر الرسول ﵊ لم تكن فيها عيونٌ جاريةٌ، فالعين الزرقاء بعده ﷺ ،
стр. 355
وكذلك العيون التي في حمزة هذه، قالوا: لم تكن جاريةً وإنما نبعتْ بعد ذلك.
والذي دعا الحنفية بأن يقولوا بأنَّها جارية حتى يقوُّوا مذهبهم، لأنَّ هذا أقوى دليلِ يعارضهم، وهو أيضًا أقوى دليلِ يعارض مذهب الشافعية والحنابلة في رأَيهم المشهور.
إذًا؛ هذا الحديث نصٌّ في أنَّ: "الماء طهورٌ لا ينجِّسُه شيءٌ"، ويؤيده أيضًا إطلاقُ الماءِ، فإنَّ اللهَ تعالى عندما نقلنا من الوضوء إلى التيمم قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: ٦]، وماءٌ نكرةٌ، ولم يقيد هذا الماء بنوع من المياه، فإنما يُخرج من ذلك الماء المجمع عليه وهو النجاسة، وبذلك أكون أعطيتكم جزءًا مبسَّطًا من دليلِ واحتجاجِ الفَريقِ الأوَّلِ.
من ناحية أُخرى، العلماء ردُّوا على الحنفية وقالوا: إن الواقديَّ ضعيفٌ فيما يرفعه، فما بالك بما يُرسله، وإذا كان ذلك قولٌ خاص له فهو أضعف كذلك، ولذلك ضعَّفوا هذا القول.
وهذه عبارة أنا أعطيتك إياها مجملة، لأنها غير موجودة في الكتاب.
الذين قالوا بحديث القلتين قالوا: حديثنا مخصص لحديث: "الماء طهور لا ينجسه شيء"، قالوا: ذاك عامٌ مخصوص، الذي خصَّصه هو حديث القلتين؟ وهو حديثٌ صحيح، فنسمي هذا الحديث عائم مخصوص بحديث القلتين، هكذا يقولون.
لكنِ الآخرون لهم أيضًا اعتراضات عليهم كثير في هذا القول.
* قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَحُدَّ فِي ذَلِكَ حَدًّا، وَلَكِنْ قَالَ: إِنَّ النَّجَاسَةَ تُفْسِدُ قَلِيلَ المَاءِ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ أَحَدَ أَوْصَافِهِ، وَهَذَا أيضًا مَرْوِيّ عَنْ مَالِكٍ، وَقَدْ رُوِيَ أيضًا أَنَّ هَذَا المَاءَ مَكْرُوة. فَيَتَحَصَّلُ عَنْ مَالِكٍ فِي المَاءِ اليَسِيرِ تَحُلُّهُ النَّجَاسَةُ اليَسِيرَةُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: قَوْذ إِنَّ النَّجَاسَةَ تُفْسِدُهُ، وَقَوْلٌ إِنَّهَا لَا تُفْسِدُهُ).