وأبو هريرة متأخر الإسلام (في السنة السابعة)، إذن قولُهُ حُجَّة في هذه المسألة.
* قوله: (وَقَدْ رَوَى الثِّقَاتُ عَنْهُ: "أَنَّهُ سَجَدَ ﵊ فِي ﴿وَالنَّجْمِ﴾).
قَصْده بـ "روى عنه الثقات" يُشير إلى حَدِيثِ عبد اللَّه بن مسعود ﵁ الذي ذكر فيه أنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قرأ سورة النجم. قوله: "فَسَجد وسَجَدنا، وسجد كل مَنْ كان معنا"، إذًا كل القوم سجدوا.
* قوله: (وَأَمَّا وَقْتُ السُّجُودِ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمَنَعَ قَوْمٌ السُّجُودَ فِي الأَوْقَاتِ المَنْهِيِّ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا).
فهناك أوقاتٌ نُهي عن الصلاةِ فيها، والقصد بالنهي عن الصلاة فيها عدا الفرائض، وهذه الأوقات الخمسة التي نُهي عن الصلاة فيها جاءت فيها أحاديثُ صحيحةٌ في الصحيحين وفي غيرهما، وتلكم الأوقات هي كما جاءت في الحديث أن رسول اللَّه ﷺ : "نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس" (١). فهذان وقتان.
ثم يأتي حديث عقبة بن عامر الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (٢)، وأخرجه غيره، والذي قوله فيه: "ثلاثُ ساعاتٍ نهانا رسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نُصَلِّيَ فيهنَّ وأنْ نقبُرَ فيهنَّ موتانا: حينَ تطلُعُ الشَّمسُ بازغةً حتَّى ترتفعَ"، يعني: تطلع الشمس وترتفع قيد رمحٍ، "وحينَ يقومُ قائمُ الظَّهيرةَ"، يعني: حين تكون الشمس في كبد السماء، يعني: وقت الزوال، "وحينَ تَضيّفُ الشَّمسُ للغروب"؛ أي: حين تبدأ الشمس في الغروب؛ أي: تميل للغروب.
هذه أوقات خمسة نُهي عن الصلاة فيها، ومع ذلك فسّر العلماء
стр. 2907
الأقوال فيها؛ فمن ترك فريضةً من الفرائض ناسيًا أو نائمًا عنها لعذر فإنه لا إثم عليه في هذا المقولة، لأن قول رسول اللَّه ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها متى ذكرها" (١)، فإنه لا كفارة لها إلا ذلك، ورسول اللَّه ﷺ قد نام عن صلاة الفجر، وقام من مكانه، وبعد ذلك صلَّى ركعتي الفجر وصلَّى بأصحابه.
فقد ينام الإنسان عن الصلاة، لكن لا ينبغي أن يتخذ الإنسان ذلك وسيلةً؛ لأنَّ بعض الناس يسهر ليلًا، يُحيي ليله بالقيام، وقد يكون هذا الإحياء في معصية اللَّه ، فإذا ما أوشك الفجر على الظهور ذهب ونام وفاتته صلاة الفجر، فهل نقول هذا بأنه معذور في نومه؟ لا، بل نقول عن هذا: مُفرِّط، ولذلك يقول رسول اللَّه ﷺ : "ليسَ التفريطُ في النومِ، وإنما التفريطُ أن تُؤخّرَ الصلاة حتى يدخلَ وقتُ الأخرى" (٢)، وأنت كذلك إن تساهلت في الصلاة، فلما قرب وقتها بك نمت عنها، أو تشاغلت عنها في أمرٍ من أمور الدنيا فأنت بذلك مُفرِّط.
إذًا الفريضة يجوز أن تؤديها في أي وقت من الأوقات.
* قوله: (وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ (٣) عَلَى أَصْلِهِ فِي مَنْعِ الصَّلَوَاتِ المَفْرُوضَةِ فِي هَذِهِ الأَوْقَاتِ).
стр. 2908
مذهب أبي حنيفة فيه تفصيل، لكننا سلكنا مسلك عدم التفصيل ودخول التفريعات في المذاهب حتى لا تتعدد الأقوال.
* قوله: (وَمَنَعَ مَالِكٌ أَيْضًا ذَلِكَ فِي "المُوَطَّإ" (١)؛ لِأَنَّهَا عِنْدَهُ مِنَ النَّفْلِ، وَالنَّفْلُ مَمْنُوعٌ فِي هَذِهِ الأَوْقَاتِ عِنْدَهُ. وَرَوَى ابْنُ القَاسِمِ عَنْهُ (٢) أَنَّهُ يَسْجُدُ فِيهَا بَعْدَ العَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ أَوْ تَتَغَيَّرْ، وَكذَلِكَ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٣)، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَأَنَّ السُّنَنَ تُصَلَّى فِي هَذِهِ الأَوْقَاتِ مَا لَمْ تَدْنُ الشَّمْسُ مِنَ الغُرُوبِ أَوِ الطُّلُوعِ).
لعل وجهة الإمام مالك ﵀ في قوله: ما لم تصفر الشمس؛ لما أخبر به الرسول ﷺ : "تلك صلاةُ المنافقين، تلك صلاةُ المنافقين، حتى إذا كانت الشمس بين قرني شيطان قام فنقر أربعًا لا يذكر اللَّهَ فيها إلا قليلًا" (٤): يعني: يؤخرون الصلاة، حتى إذا ما اصفرَّت الشمس وأوشك المغرب قام بعض الناس فصلَّى، وهذا من الكسالى، والكسل في القيام إلى الصلاة إنما هي من صفات المنافقين؛ لأنَّ اللَّه
стр. 2909
عندما وصف المنافقين قوله: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]، فترى أنهم يراؤون الناس في أعمالهم، يخشون الناس ولا يخشون اللَّه، وهذا هو شأن المنافقين، أما المؤمن الحق فعليه دائمًا أن يخشى اللَّه ولا يخشى أحدًا غيره، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩]. نعم هناك خوف؛ تخاف من سَبُع، أو أن تقع في الخطر، أو تخاف من عدو، وهذا الخوف معتاد، لكنَّ الخوف الذي لا ينبغي أن يكون إلا للَّه في أمور العبادة، فلا ينبغي أن تصرفه لغير اللَّه ، فينبغي أن يكون خوفك وخشيتك إنما هو من اللَّه ؛ لأنَّ الخوف والرجاء والتوكل والدعاء والخشية والرهبة والإنابة هذه كلها أنواع من أنواع العبادة لا ينبغي أن تُصرف إلا للَّه .
* قوله: (وَرَوَى ابْنُ القَاسِمِ عَنْهُ أَنَّهُ يَسْجُدُ فِيهَا).
ابن القاسم هو الإمام المشهور أحد أصحاب الإمام مالك ﵀، وهو الذي كثيرًا ما يقول: سُئل الإمام مالك عن كذا، فقال: كذا، وأحيانًا لا يُجيب الإمام مالك فيجيب ابن القاسم، وابن القاسم من العلماء الأعلام؛ فهو أيضًا بمنزلة البويطي عند الشافعية، ومحمد بن الحسن، وأبي يوسف عند الحنفية، وكذلك أيضًا الأثرم وغيره من أصحاب أحمد عند الحنابلة.
ومذهب الإمام مالك أيضًا فيه تفصيل.
* قوله: (وَأَمَّا عَلَى مَنْ يَتَوَجَّهُ حُكْمُهَا؟).
هل هو يتوجه على مَن يقرأ القرآن فيصل إلى آية سجدة فيقرأها؟ أو أنه يُلحَق بذلك من يستمع إليه؟ وهل هناك فرق بين من يقصد الاستماع إلى القارئ، يُنصت إليه فيستمع؟ وبين إنسانٍ يمر به فيسمعه يقرأ آية السجدة؟ هذا فيه تفصيل للعلماء.
стр. 2910
* قوله: (فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ عَلَى القَارِئِ فِي صَلَاةٍ كَانَ أَوْ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ (١)).
وهذا لا شكَّ فيه، ولا خلاف بين العلماء؛ لأنَّ الإنسان إذا قرأ آية سجدة، فإنه يسجد سواء كان في الصلاة أو كان خارج الصلاة، هذا بالنسبة للقارئ، ودليل ذلك أنَّ رسول اللَّه ﷺ سجد وسجد الصحابة معه في الصلاة، وسجد خارج الصلاة وسجدوا معه.
إذًا النص في ذلك قد ثبت عن رسول اللَّه ﷺ .
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي السَّامِعِ، هَلْ عَلَيْهِ سُجُودٌ أَمْ لَا؟ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢): عَلَيْهِ السُّجُودُ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ).
وهذا عند أبي حنيفة ونُقل أيضًا عن بعض السلف.
واللَّه يقول: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، ولا شكَّ أنَّ الاستماع إلى قراءة القرآن فيه فضيلة، فإذا ما استمع الإنسان إلى قارئ يقرأ القرآن وقف عند سجدة فإنه يسجد، فلو لم يسجد القارئ هل يسجد؟
بعض العلماء يقول: نعم يسجد، وبعضهم يقول: لا يسجد.
أما إذا كان سامعًا فإنه يسجد، لكنهم يختلفون في تفصيل ذلك، هل يُشترط في القارئ أن يكون صالحًا لِأن يكون إمامًا للمستمع أو لا؛ فهل لو قرأت امرأة آية سجدة، أو قرأ خنثى مُشكل، أو صغيرٌ عند من لا يرى
стр. 2911
صحة إمامته، هل يُسجد وراءه أو لا يُسجد؟ بعض العلماء قوله: نعم، وبعضهم قوله: لا، فعند الإمامين مالك وأحمد يُشترط في القارئ أنْ يكون صالحًا لأن يكون إمامًا للمستمع، بحيث لو كان إمامًا له لَصلُح أن يكون إمامًا.
* قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ (١): يَسْجُدُ السَّامِعُ بِشَرْطَيْنِ، أَحَدُهُمَا: إِذَا كَانَ قَعَدَ لِيَسْمَعَ القُرْآنَ، وَالآخَرُ: أَنْ يَكُونَ القَارِئُ يَسْجُدُ).
ومن حيث الجملة فالحنابلة مع المالكية في هذا.
* قوله: (وَهُوَ مَعَ هَذَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا لِلسَّامِعِ).
وهنا يتفق الإمام مالك وأحمد في هذه المسألة، واشترطوا في السامع أن يكون القارئ الذي قرأ السجدة يصلح أن يكون إمامًا له، وإلا فلا.
стр. 2912
* قوله: (وَرَوَى ابْنُ القَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ (١) أَنَّهُ يَسْجُدُ السَّامِعُ، وَإِنْ كَانَ القَارِئُ مِمَّنْ لَا يَصِحُّ لِلْإِمَامَةِ إِذَا جَلَسَ إِلَيْهِ).
وهذه رواية أُخرى وإن كانت ليست المشهورة عن مالك.
فلو أنَّ إنسانًا يقرأ في الصلاة فسمعته يقرأ السجدة هل تسجد؟ قال العلماء: يسجد، ولا أريد أن أدخل في خلافات، فلو كنت في صلاة وآخر في صلاة، وسمعته يقرأ آية السجدة هل تسجد؟
الصحيح أنك لا تسجد؛ لأنه في هذا المقام كما جاء في الحديث: "إنَّ في الصلاة لشغلًا" (٢)، فأنت في هذا مشتغل بالصلاة فلا تسجد.
وهناك فروع كثيرة يذكرها العلماء متعلقة بسجود التلاوة لم يعرض لها المؤلف.
* قوله: (وَأَمَّا صِفَةُ السُّجُودِ).
هناك سجود في الصلاة وسجود خارج الصلاة، فإذا ما قرأ الإمام سجدة فإنه يقول: اللَّه أكبر ويسجد، وبعض العلماء لا يرى أنه يقول: اللَّه أكبر، لكنَّ المشهور أنه يكبِّر.
وإذا قام من السجدة أيضًا يقول: اللَّه أكبر، وهناك جزئياتٌ لم يذكرها المؤلف وهذه قد تمُرُّ بنا ونحتاج لها فننبه عليها.
فلو أنك مثلًا تقرأ سورة ﴿اقْرَأْ﴾ وآخرها السجدة، فسجدت، فهل تقوم وتقرأ بعدها آيات أُخرى أو سورة أُخرى، أو أنك تقف قائمًا ثم تعود فتركع؟
стр. 2913
بعض العلماء قوله: يقرأ، ونُقِلَ ذلك عن عمر وذاك هو المشهور، وبعضهم قوله: يقوم وله أن يركع وإن لم يقرأ غيرها.
* قوله: (فَإِنَّ جُمْهُورَ الفُقَهَاءِ (١) قَالُوا: إِذَا سَجَدَ القَارِئُ، كَبَّرَ إِذَا خَفَضَ وَإِذَا رَفَعَ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ (٢) إِذَا كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ قَوْلًا وَاحِدًا).
إذًا مالك في الصلاة كغيره يكبر عند الخفض وعند الرفع.
بقيت مسائل ننبِّه عليها:
المسألة الأولى: إذا كانت السجدة خارج الصلاة ماذا يفعل؟
عند الإمامين الشافعي (٣) وأحمد (٤): يرفع يديه عند التكبير، يعني: إذا قرأ آية سجدة يرفع يديه يقول: اللَّه أكبر ويسجد، ثم بعد ذلك يرفع.
стр. 2914
والإمام أحمد يحتجُّ بالحديث الذي جاء فيه أنَّ رسول اللَّه ﷺ كان يرفع يديه في كل خفض ورفع.
وعند الإمامين أبي حنيفة (١) ومالك (٢): لا يرفع يديه، قولهم: لأنَّ الذي ورد فيه رفع اليدين مواضع محدودة.
المسألة الثانية: هل يقرأ التشهد؟ الصحيح: أنه لا يقرأ تشهدًا.
المسألة الثالثة: لو كانت الصلاة التي يصليها الإمام بالمأمومين صلاةً سريةً فمرَّ بآية فيها سجدة فهل يسجد؟
بعض العلماء يقول: لا يسجد؛ لأنه يحصل لبس على المأمومين، وبعضهم يقول: يسجد، واستدلوا بحديث ورد في ذلك وهو مذهب الشافعي.
ولا شكَّ أنه إذا صحَّ الحديث فالأولى اتباع رسول اللَّه ﷺ .
* * *
стр. 2915
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى اللَّه على محمد وآله
[كِتَاب أَحْكَامِ الْمَيِّتِ]
[البَابُ الأَوَّلُ فِيمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُفعَلَ بهِ عِنْدَ الِاحْتِضَار وَبَعْدَهُ]
هذا باب جديد يبحثُ فيه المؤلف جملةً من الأحكام المتعلِّقةِ بالجنائز، فلم يستوفِ كُلَّ مسائلِه بل لم يَمُرَّ على أكثرها، وإنما اختار أمهاتِها كعادَتِه في منهجه في هذا الكتاب.
أما ما يتعلق بفروع هذا الكتابِ وجُزْئياتِهِ فلعلَّنا -إن شاء اللَّه- نعرِضُ ما نتذكَّرُهُ أثناء الدرس والشَّرْح.
والأموات جمع مَيِّتٍ، والموت إنما هو مصدر: مات يموت موتًا، والموت مشْتَقُّه أو فِعْله وردت فيه عدة لُغاتٍ، فيقال: مات يموت، من باب: نَصَر ينصُرُ، أو قَالَ يقُولُ.
وورد فيه: مات يموتُ، كخافَ يخاف.
стр. 2916
وورد فيه أيضًا: مات يَمِيتُ كمثل باع يَبِيعُ.
والموت: هو مفارقة الرُّوحِ الجَسدَ؛ أي: إذا ما خرجت الروح من جسد الإنسان فإنه ينتَهِي من هذه الحياة الدنيا وينتَقِلُ بعد ذلك إلى دارٍ أخْرَى (١).
قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: (وَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْكِتَابِ -وَهِيَ حُقُوقُ الأمْوَاتِ عَلَى الأحْيَاءِ- يَنْقَسِمُ إِلَى سِتِّ جُمَلٍ).
والمؤلف لم يقدم للكِتابِ مقدَّمة كما يسلُك ذلك كثيرٌ من الفُقهاءِ، أو علماء الحَدِيثِ الذين يُعنَوْن بشُروح الكتب، وإنما دخل المؤلف في مسائل الكتاب، ولا شك أيضًا أنَّ من عادة بعض الفقهاء أن يقدِّم لمثل هذا الكتاب بما يتعلَّقُ بعيادَةِ المريض، وكذلك ما يتعَلَّقُ بالاستعداد للموت.
فنحن -إن شاء اللَّه- سنبدأ بهذا الكتاب ولعلنا جميعًا نستفيدُ منه، ليكون لنَا ذِكْرى متجددة، أن نتذكر الموت كما أرشَدَنا إلى ذلك رسولُ اللَّه ﷺ بقوله: "أكثروا من ذِكْر هَاذِمِ اللَّذَّاتِ" (٢)؛ فإن الموت لا يُذكَر في كثيرٍ إلا قَلَّلَهُ، ولا في قليل إلا كثَّرَه، وإذا ما تذكر الإنسان الموت وهو في أوقات فرَحِهِ وسعادتِهِ فإن الدنيا تسهُلُ في عينِهِ وتقل في نظرِهِ، ولا شَكَّ أن الإنسان إذا أكثر من ذِكْر الموت فإنَّ قلبه يرِقُّ، وإذا ما رقَ قلبه اشتد خَوفُهُ، وإذا ما اشتد خَوفُه بدأ يفكر في الآخرة ويستعد لها: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا. . .﴾ [الإسراء: ١٩]، فإن سعيه حينئذٍ يكون مشكورًا، وهكذا كان السَّلَفُ ﵃ يستعدون للموت ويتذكَّرُونه في كثير من أوقاتهم فهُمْ لا يغفُلون عنه، ودائمًا عندما يتذكر الإنسان الموت فإن الدنيا تقل في عينه.
стр. 2917
ولذا نجد أن رسول اللَّه ﷺ أخذ بمَنْكِبِ عبد اللَّه بن عمر الصحابي الجليل فقال له: "كن في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابرُ سَبِيلٍ" (١).
إذًا، مقام الإنسان في هذه الحياة الدنيا لا يتجاوز أن يكون غَريبًا، مَرَّ بمدينَةٍ أو قرْيَةٍ أو بلدة أو يكون أيضًا مسافرًا عرَّجَ عليها، وهذه الحياة إنما هي دارُ عمَلٍ وليست دارَ دَوامٍ وليست دار جزاء، وإنما الدار الآخرة هي التي يجد فيها الإنسان حياته.
ومهما طالت حياة الإنسان في هذه الدنيا ومهما تقلب في نَعِيمِها فإنه بلا شك سينتهي إلى الموت؛ لأن هذا أمر متحكم في حق كل إنسانٍ، كما قال اللَّه : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر: ٣٠]، واللَّه يقول: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
فكل نفسٍ في هذه الحياة ستموت، وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا نتَّخِذُ هذه الحياة وسيلة لتقربنا إلى اللَّه ؟!
تذكَّر في مَشْيبِكَ والمآب … ودفنِك حين مَوتِك في التُّراب
وليَأتِيَن عليك يوم مرة … يُبكى عليكَ مقنَّعًا لا تسمع
فكم نرى من الأموات الذين يمرون بنا، فيما مضى إذا مَرَّت الجنازة اقشعرت قلوب الناس وبقوا في ليلتهم في هَمٍّ، أما اليوم فإننا تَمُرُّ بنا الجنائز تلو الأُخرى وكأن ذلك أمرًا عاديًّا لا يحرك مشاعرَنَا ولا يؤثر في قلوب كثير مِنَّا، وإن وُجِدَ بحمد اللَّه من يتأثر بذلك.
والرسول ﷺ يقول: "استَحْيوا من اللَّه حقَّ الحياءِ". قالوا: يا رسول اللَّه إنا نَسْتَحِيي والحمد للَّه، قال: "ليس ذاك، ولكن الاستحياءَ من اللَّهِ حق الحياءِ أن تحفظَ الرأسَ وما وَعَى، والبطنَ وما حَوَى، ولِتَذْكُر المَوتَ والبِلى، ومن أراد الآخرة تَركَ زينةَ الدُّنْيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من اللَّه حق الحياء" (٢).
стр. 2918
هكذا كان السلف ﵃، لم يكونوا ينشغلون في الحياة الدنيا، فإذا ما استعد الإنسان للآخرة وأكثر من ذكرها وقَلَّتْ في عينه هذه الدنيا وزهد بها، فإنه حينئذ سيراجِعُ نفسه وسيُحاسِبُها حسابًا يسيرًا، إن كان قد ظَلَم غيرَهُ فليراجع المظالِمَ وليَعُدْ إلى اللَّه ، وإذا كانت هذه الأحوال مطلوبة من المرء في كل وقت من أوقاتِهِ فهي تتأكد أكثر في حالة المَرَضِ، لأن الإنسان ربما لا يقوم من مرضه هذا وإنما يتوفَّاهُ اللَّه .
ولذلك يقول الشاعر:
أَنَلهو وَأَيّامُنا تَذهَبُ … ونلعبُ والموتُ لا يَلعبُ
عجبت لذي لَعِبٍ قد لَهى … عجبت ومالي لا أعَجَبُ
أيلهو ويلعب من نفسه … تموتُ ومنزلُهُ يخربُ
أرى كُلَّ ما ساءنا دائمًا … على كلِّ ما سرنا يغلب
ترى الليل يطلبنا والنهار … ولم ندر أيهما أغلب
أحاط الجديدان جمعًا بنا … فليس لهما عنهما مهرب
وكلٌّ لهُ مدةٌ تنقضي … وكلٌ لهُ أجلٌ يُكتَبُ
كل إنسان في هذه الحياة سينتهي به المقام إلى الموت، ولذلك قال رسول اللَّه ﷺ : "خيركم من طال عُمُرُه وحَسُنَ عمله" (١)، والإنسان لا يضمن في أي لحظة ولا في أي ساعَةٍ يغادِرُ هذه الحياة الدنيا؛ فينبغي أن يكون في كل لحظة من لحظات عمره مُسْتَعِدًّا للموت متهيئًا له بعمل الأعمال الصالحة واجتناب الأعمال التي تضُرُّهُ في هذه الحياة.
يفعل كل ما يقرِّبُه إلى اللَّه ، يفعل كل ما يقرِّبُهُ إلى الجنة ويباعِدُهُ عن النار، وبذلك يعيشُ في هذه الحياة سعيدًا، حتى إذا ما أُلقِيَ في قَبْرِهِ وتولى عنه أصحابه وهو يسمع قَرْع نِعالِهِمْ، ويأتيه الملكان ويسألانه فإنه
стр. 2919
يجيبُ الإجابة الصحيحة التي سنتعرض لها -إن شاء اللَّه- في جملة الأحاديث التي ستَمُرُّ بِنَا.
* قوله: (والكلام في هذا الكتاب -وهي حقوق الأموات على الأحياء- ينقسم إلى ست جُمَلٍ).
هنا عَرض المؤلف مسألة ينبَغِي أن ننتَبِهَ لها؛ فهذه الشريعة ما طرَقَ العالَمَ شريعةٌ مثلها، فإنها اهتمَّتْ بحياة الإنسان في كل أحواله سَفَرًا كان أو حضرًا، في حالة نومِهِ أو في حالة يقَظَتِهِ، وإذا كان اللَّه قد كرَّم المؤمنين في وقت حياتهم فإن هذه الشريعة أيضًا أثبَتَتْ أن لهم حقوقًا بعد مَماتهم، فنحن نجِدُ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ يُكثر من زِيارَةِ المَرْضَى ويمسحُ على رأس المَريضِ ويدْعو له ﵊ بالشِّفاءِ، وكذلك كان أصحابُ رسولِ اللَّه ﷺ ، وكان ﵊ يَحْضُرُ الجنائز ويصلي عليها ويمْشِي فيها ويحضر الدَّفن، كل ذلك كان من رسول اللَّه ﷺ ، وكذلك كان أصحابه يفعلون ذلك.
فهذه الشريعة عُنِيَت بحقوق المسلم، والمسلم إذا ماتَ تَبْقَى له حقوق، فالمسلم بحاجة إلى من يُغسِّله، ومن يكفِّنه، والمسلم بحاجَةٍ إلى من يُصَلِّي عليه، وهو كذلك بحاجة إلى من يحمل جنازته ويسيرُ بها، ثم بعد ذلك يحفِرُ قبْرَهُ ويوضع فيه، ثم بعد ذلك يودَّع.
وعندما ينتهي المسلم في هذه الحياة فلا يُلْقَى جثَّة من الجثث، وإنما تَبْقى حرمته بعد مماته كحُرْمتِهِ قبل وفاته، فحرمة أمواتِنَا كحُرمة أحيَائِنَا.
* قوله: (الْجُمْلَةُ الْأُولَى: فِيمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهِ عِنْدَ الِاحْتِضَارِ، وَبَعْدَهُ. الثَّانِيَةُ: فِي غُسْلِهِ).
عند الاحتضار، عندما تبْدُو على المسلم علامات الموت فإنه في هذا المقام يُلقَّن شهادة (لا إله إلا اللَّه)، ومعلوم ما لهذِهِ الشهادَةِ من مكانَةٍ، وهذه الشهادة التي هي كلمة التوحيدِ هي التي ستَجِدُها معك يوم القيامة يوم لا ينفَعُ فيه مالٌ ولا بنون، متى ما أديتَ هذه الشهادة، متى ما نَطَقْتَ
стр. 2920
بها وعَمِلْتَ بها فإنك ستفوزُ في هذه الحياة الدنيا وفي الحياة الآخرة، ولذلك يقول رسول اللَّه ﷺ : "لَقِّنُوا موتَاكم لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" (١)، ويقول ﵊: "من كانَ آخِرُ كلامِه لا إله إلا اللَّه دَخَلَ الْجَنَّةَ" (٢)، هي أحلى كلمة يردِّدُها المسلم على لسانِهِ، ينبغي للمسلم دائمًا أن يكون لسانُه رَطْبًا بذكر اللَّه، وما أجمل وأعظم وأحسن أن يكون مما تردد لا إله إلا اللَّه!، وما أعظم أن يكون وداع المرء المسلم هذه الحياة الدنيا النطق بهذه الشهادة لا إله إلا اللَّه!، ولما كان رسول اللَّه ﷺ رؤوفًا بأمته، رَحِيمًا بهم، مشفقًا عليهم، حريصًا عليهم في كل أحوالهم أمرَ ﵊ بأن يُلقَّن المسلم هذه الشهادة، حتى يكون آخر كلمة نَطَقَ بها في هذه الحياة، إنما هي كلمة التوحيد (لا إله إلا اللَّه)، التي من أجلها قامت السموات والأرض ومن أجلها أُرْسِلَ الرُّسُل، ومن أجلها أنزلت الكُتُب على رسول اللَّه، ومن أجلها حملَ المؤمنون السلاحَ يقاتِلُون في سبيل اللَّه لينشُرُوا دِينَ اللَّهِ في كل مكان ليحققوا كلمة التوحيد (لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه).
فمن الجميل أن يكون وداعُ المؤمن لهذه الحياة بعد كلمة: (لا إله إلا اللَّه).
* قوله: (الثَّالِثَةُ: فِي تَكْفِينِهِ).
هذه الأمور الأربعة سيأتي فيها بعض الخلاف بين العلماء، لكن الصحيح أن تغْسِيلَ الميت وتكفينَهُ والصلاة عليه ودَفْنه من الأمور الواجبةِ، فهي من فُروضِ الكِفَايةِ وليست من الفروض العَينِيَّةِ؛ أي: من الواجبات التي إذا قام بها بعض المسلمين سقَطَ الفرض عن بقيَّتِهِمْ.
(الرَّابِعَةُ: فِي حَمْلِهِ وَاتِّبَاعِهِ).
وانظر كيف أنَّ الإسلام يتابعُ المؤمن في كل أحواله:
стр. 2921
أولًا: إذا مرض المريض فإن الشريعة الإسلامية أثبتت له حقوقًا، أمرنا الرسول ﷺ باتباع الجنائز وعيادة المريض، في الحديث المتفق عليه، وذكر عِدَّة أشياء (١).
فعيادة المريض مطلوبة، والرسول ﷺ كان يعود المرضى ويدعو لهم: "اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِب البَاسَ، اشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا" (٢)، وكان إذا رأى مريضًا قال: "لَا بَأْسَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ" (٣)، وأيضًا وردت عنه ﵊ عدة أدعية في هذا المقام.
فالشريعة الإسلامية تُعْنى بهذا المريض، وقبل موتِهِ في حالة مرضِهِ نص الفقهاء على أنه يختار أرفقَ الناس لملازمة المَريض، فالمريض يحتاج إلى إنسان يتحمَّلُ تَعَبَه يتحمل مشَاقَّه، لأن المريض في حالة يكون من يرؤف به ويقوم بخِدمَتِهِ ذا جلدٍ وصبر على ما يحصل منه من مشقَّة تتعب ذلك الإنسان الذي قام بشُؤونه، ولا ننسى أن من يلازم المريض ويقوم بالعناية به وإصلاح أحواله لن يذهب ذلك عند اللَّه فسيجد ذلك مدَّخرًا له عند اللَّه وسيجد ثواب ذلك العمل.
إذًا: يُختار أرفق الناس به ليهتم بأحواله ويتابعها.
ثم بعد ذلك إذا مات الميت بدأت العناية به كما مَرَّ بتلقينه الشهادتين ثم إذا مات تُخلَع ثيابه ويوجه إلى القبلة ويرفق بأحواله ويُغَسَل ويُكفَّن.
وكيف يغسَّل؟ وكيف يكفَّن؟ ومن أحق الناس بتَغسيلِهِ؟ ثم يُحمَل وكيف يُحمَل؟ وكيف يُسار به في جنازته أيسارُ أمامَه أم خلْفَهُ أم أن ذلك جائز؟ أيسير الناس رُكْبانًا أو مشاةً؟ إذا وضع في ذلك هل يجلس الناس
стр. 2922
وينتظرون حتى يوضع في قَبرِهِ؟ هل كل من حضر يحثِي على قبره التراب؟ بعد ذلك يوضع في قبره، ويشَّقُ له اللحد، ويوضع اللَّبِنُ، ثم بعد ذلك يغطى قبى، هل يُرَشُّ؟ وإلى غير ذلك، أحكامه كثيرة جدًّا، كل هذه أمور بينتها هذه الشريعة الإسلامية.
أيضًا ما يتعلق بحقوقه إن كان الإنسان عليه ديون كيف تُقْضى دُيونُه؟ أيبدأ بها؟ وللدَّيْنِ أهمية كبيرة وما ورد في ذلك من أحاديث بالتشديد في قضاء الدَّيْنِ وفي عدم التساهل فيه، وأن رسول اللَّه ﷺ توقف عن الصلاة على رَجُلٍ عليه دين حتى قام أبو قتادة فقال: أنا أقضي عنه يا رسول اللَّه، فقام رسول اللَّه ﵊ فصلَّى عليه (١).
وأن نفس المؤمن معلقة بدينه فإذا قُضِيَ دَينُه انتهى كل شيء.
* قوله: (الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِيمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهِ عِنْدَ الِاحْتِضَارِ وَبَعْدَهُ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُلَقَّنَ الْمَيِّتُ عِنْد الْمَوْتِ: شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ).
وهذه تكلمنا عَنْها، وهذا أمر ورد فيه حديث في صحيح مسلم وفي غيره: أن الرسول ﷺ أَمَرَ بتلقين المَيِّتِ عند موته بهذه الشهادة لتكون آخرَ ما يتَلَفَّظُ وينْطِقُ به في هذه الحياة، فحتى يلقى اللَّه وهو يحمِلُ هذه الشهادة.
قال رسول اللَّه ﷺ : "لقِّنُوا موتاكم لا إله إلا اللَّه" (٢).
ومجرد النطق بالشهادتين لا يكْفِي، فلا بُدَّ من العَمَلِ معَهما، فلا يكفي أن يقولَ الإنسان: (لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه)، ثم نَجِدُ أن أعمالَهُ تهدِمُ ما يتعلق بذلك، فإذا قال المسلم: (لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه) فإنه يجِبُ عليه أن يُؤَدِّيَ حقَّ الشَّهادتين.
стр. 2923
ولذلك فإن أبا بكر ﵁ عندما ارتَدَّ من ارتَدَّ من العَربِ ووجد من مَنَعَ الزكاةَ منهم فإنه قال: (إلا بحَقِّها) (١) ولما نُوقِشَ، وقيل له: أليسوا يقولون: لا إله إلا اللَّه، يعني ورد في الحديث الصحيح أن رسول اللَّه أمَرَ بمحارَبَةِ هؤلاء قال: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا، وَصَلَّوْا صَلَاتَنَا، وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا، وَذَبَحُوا ذَبيحَتَنَا، فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ" (٢).
ومن حق الشهادَتينِ أن تعمَلَ بمُقْتضاهما، لا أن يأتي الإنسان نطَقَ بالشهادتين ثم يذهب للأموات فيدْعُوهم ويستَشْفِعُ بهم ويطوفُ حول قبورهم ويصرِفُ لهم أنواعًا من العبادات التي لا تليق إلا باللَّه ولا ينبغي أن تصرف إلا للَّه لا لملَكٍ مقرب ولا لنبيٍّ مرسل ولا لوليٍّ ولا لصالحٍ ولا لغير هؤلاء.
لا ينبغي للمسلم أن ينطِقَ بهما ثم يذهب فيدعو غير اللَّه ممن يُدَّعَى صَلاحهم وتُقاهم وورعهم، أو يطوف حول قبورهم، أو يذبح لهم، أو يتقرَّب لهم بأمور لا تجوز إلا للَّه فهذا يتنَافَى مع الشهادتين.
(لِقَوْلِهِ ﵊: "لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ").
اللفظ المعروف: "لقنوا موتاكم لا إنه إلا اللَّه" (٣)، ولا شك أن لا إله إلا اللَّه هي شهادة أن لا إله إلا اللَّه.
(وَقَوْلِهِ: "مَنْ كَانَ آخِرَ قَوْلِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ").
لا شك، وهذا حديث صحيح ثَبَتَ عن رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ كَانَ
стр. 2924
آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ" (١)، وفي قصة الحديث: أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟ قَالَ: "لَا تُبَشِّرْهُمْ، فَيَتَّكِلُوا" (٢).
فمن قال لا إله إلا اللَّه خالصًا من قلبه دخل الجنة، أما أن يقولها الإنسان مجردَ قَوْلٍ باللسان فهذا لا يكفي ولا يغني.
(وَاخْتَلَفُوا فِي اسْتِحْبَابِ تَوْجِيهِهِ إِلَى الْقِبْلَةِ).
يعني إذا مات الميت ماذا يُعمَلُ به؟ هل يُوجَّه إلى القبلة؟ يعني يوضع على يمينه ويوجَّه إلى القبلة، أو أن يُترك بالحالة التي هو عليها؟
كثير من العلماء يرى أن الأَوْلى في ذلك والمستحب أن يوجَّه المسلم إلى القِبْلَةِ؛ لأن هذه القبلة التي يُصلي إليها المسلمون، وهي التي يتجِّه المسلمون فيها إلى اللَّه في سائرِ صَلَواتِهم، فهي خير جهة يتَّجِهُ إليها المُسلِم، ونُقِلَ أيضًا عن حذيفة بن اليمان أنه قال: إذا متُّ فوجِّهُوني، أو ما معناه، يعني نقل عنه أنه أمر بتوجِيهِهِ إلى القبلة.
ونُقل عن بعض العلماء أنه لا يَرَى استحباب ذلك، ونُقل عن سعيد بن المسيب لما قيل له يتوجه إلى القبلة، قال: أنا على القِبْلَةِ دَائمًا (٣)، ومع ذلك فَهِمَ العلماء من ذلك أن قوله: (نوجِّهك إلى القبلة) أن هذا أمر منتشر.
إذًا: توجيهه للقبلة هو الأصل، فاستحب ذلك كثير من العلماء كالشافعية والحنابلة.
стр. 2925
* قوله: (فَرَأَى ذَلِكَ قَوْمٌ وَلَمْ يَرَهُ الآخَرُونَ (١). وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِي التَّوْجِيهِ: مَا هُوَ مِنَ الأَمْرِ القَدِيمِ).
ومراد الإمام مالك ﵀ أن ذلك ليس معروفًا ولم يَرِدْ -فيما أعلم- حَدِيث عن رسول اللَّه ﷺ ، وإنما أُثِرَ عن بعض السلف، وأيضًا تكلم العلماء الذين استحبوا ذلك على أن جهة القبلة لها مَزَايا وفيها فضائل فإنه يتوجَّه إليهَا في الصلاة فيوجَه إلى القبلة.
стр. 2926
(وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ (١) أَنَّهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ).
ربما سعيد بن المسيب الذي نُقِلَ عنه؛ لأن لم يُنْقَلْ عن رسول اللَّه ﷺ ، ولم يبلغه شيء في ذلك فأراد ألا يتخذ ذلك على أنه أمر مقَرَّرٌ وحتْمِيٌّ، وإلا فالتوجه إلى القبلة نُقِلَ عن حذيفة بن اليمان، وأنه طلب ذلك.
(وَلَمْ يُرْوَ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا مِنَ التَّابِعِينَ - أَعْنِي: الْأَمْرَ بِالتَّوْجِيهِ.
فَإِذَا قَضَى الْمَيْتُ غَمَّضَ عَيْنَيْهِ).
المَيْتُ بالتخفيف لمن فارقَ الدنيا، ولكن بالتشديد لمن هو في الحياة.
ولذلك يقول الشاعر:
لَيْسَ مَنْ ماتَ فاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ … إنَّمَا المَيْتُ مَيِّتُ الأحْيَاءِ (٢)
* قوله: (وَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ دَفْنِهِ لِوُرُودِ الْآثَارِ بِذَلِكَ).
ورد عن رسول اللَّه ﷺ الحضَّ على تعجيلِ دَفْنِهِ (٣)، لكن هذا لا يَعُم جميع الأموات فقد تأتي حاجاتٌ كما نَرَى في هذا الزمن، وقد جَدَّت أمور ووقعت وقائع وتطورت أمور من الصناعات وغيرها ترتَّب على وجودها وجود أحكام جديدة.
فقد يأتي إنسان فتصدمه سيارة ولا يُعرَف من أصابه، فهذا يحتاج إلى
стр. 2927
وقت ليتَبَيَّن من الأمر، كذلك أيضًا إنسان قد يُغمَى عليه، قد يُصدم في شيء، يسقط من مكان عال، ربما أنه بعد لم يفارق الحياة، قد يغرَقُ في مكان ولا يفارق الحياة، لكن الماء غشيه.
فهناك أمور يُحتاج فيها إلى عدم التسرع في غسل الميت ودفنه، لكن إذا ما تيَقَّنَ موت المسلم فإن الأولى في ذلك كما ذكر المؤلف هو الإسراع في تجهيزه كما أوصى بذلك رسول اللَّه ﷺ .
فإذا فارقَتِ الروح الجسد فإنه يشخَصُ بصرَ المرءِ يعني يفتح الميت عينيه، ولذلك لما دخل رسول اللَّه ﷺ على أبي سلَمَة أغمض عينيه (١).
ولذلك يقول العلماء: إذا ما مات الميت فإنه أوَّلُ ما يُفعل معه أن تُغمَضَ عينيه، وبعض العلماء يرى أنه تُليَّن مفاصله حتى لا يشتد يعني يؤخذ بساقيه فتقدم وتؤخر، وبعضهم يقول: يُلَف على لِحْييه عصابة حتى لا يرتخي وجهه يعني تشد عليه عصابة، ويقولون يوَجه إلى القبلة وكذلك إذا وضئ أيضًا يُرفق به، وفي كل الأحوال يُسعى إلى ما فيه مصلحة المَيِّتِ، ورسول اللَّه ﷺ دخل على أبي سَلَمة وغمَّض عينيه ودَعا له رسولُ اللَّهِ ﷺ بقوله: "اللهم افسحِ له في قَبْرِهِ وأضِئ له فيه، اللهم أعظِمْ نورَهُ واغفر ذنْبَهُ، اللهم ارفَعْ دَرَجته في المَهْدِيِّين واجعله في بركة في الغابرين، واغفر لنَا وله يا رب العالمين" (٢).
ورسول اللَّه ﷺ دخل على أبي سلمة -كما في الحديث الصحيح- فغمَّض عينيه ودعا له رسول اللَّه ﷺ بالمغفرة وأن يرفع درجاته في المَهْدِيِّينَ وأن يجعل له عَقِبًا صالحًا وأن يعْفر اللَّه له ، ولذلك قال في الحديث: "واغفر لنا وله، وافسح له في قبره، ونوِّر له فيه" وهذه من الأدعية التي وردت في الأموات.
стр. 2928
* قال: (إِلَّا الْغَرِيقَ، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِي الْمَذْهَبِ تَأْخِيرُ دَفْنِهِ).
وكذا كلُّ إنسان يُتردد في موتِهِ كمَنْ يُغمى عليه كما تَرَوْنَ الآن كم تمضي بعد تطور الطب الآن من أن يجلس إنسان على السَّرِير ربما جلس أشهرًا أو سنوات وهو الآن تجده على الحياة ولكنه لا يعِي، إذن هل هذا يدفن؟ لا.
إذًا لا يُتعجل في مثل هؤلاء، إنما يُتعجل في ذلك إذا ثبت يَقِينًا أن الروح قد فارَقَتِ البَدَنَ.
* قال: (فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِي الْمَذْهَبِ).
ويقصد بالمذهب مذهب مالك وهذا عند الفقهاء عامَّة، يعني الغَرِيق ومن يشبهه كذلك من أصابته صدمة، كذلك من أغْمِيَ عليه، ومن وقع من مكان عال إلى غير ذلك، وقد ورد في الآثار أنه وجد من أُغْمِيَ عليه أيام، وتكلم الفقهاء في ذلك وفي حق المغمى عليه هل يقضي الصلاة أو لا يقضيها؟ وسبق أن بيَّنَّا ذلك، وبعضهم قال يقضِيهَا، لكن لو وضع لذلك حدًّا، وبعضهم يرى أنه يقضيها مُطلقًا، وبعضهم قيَّد ذلك بيوم وليلة وهكذا.
(مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ قَدْ غَمَرَهُ فَلَمْ تَتَبَيَّنْ حَيَاتُهُ. قَالَ الْقَاضِي: وَإِذَا قِيلَ هَذَا فِي الْغَرِيقِ فَهُوَ أَوْلَى فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَرْضَى).
نعم، كما ذكر المؤلِّفُ، والقاضي هو المؤلف، وكثير من المَرْضى، ولعلَّ هذه الأحوال ظهرت في زمننا هذا أكثر من غيره فهذه أمور مُشاهدة ومعروفة.
(مِثْلُ الَّذِينَ يُصِيبُهُمُ انْطِبَاقُ الْعُرُوقِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الأطِبَّاءِ).
لا شك أن المؤلف يتكلم عن الطب فيما مضى، فأما الطب الآن فقد تطور واكتشفت أمور كثيرة، وأيضًا الآلات التي يستخدمها الأطباء قد تطورت وأصبحت هناك علامات كثيرة يستفاد منها في مثل ذلك.
[الْفَصْلُ الثَّانِي فِيمَنْ يَجِبُ غُسْلُهُ مِنَ الْمَوْتَى]
* قوله: (الْفَصْلُ الثَّانِي فِيمَنْ يَجِبُ غُسْلُهُ مِنَ الْمَوْتَى).
ذلك أن الموتى أنواع، إنسان يُقتَل في المعركة، وإنسان يموت على فراشه، وإنسان أيضًا يقتله اللصوص، وإنسان يقتله البغاة، وإنسان يُقتَل دون ماله، أو يُقتَل دون عِرْضِهِ، أو يُقتل دون نفسه.
وربما إنسان غافل فتصيبه رصاصة طائشة فتقتله، وإنسان قد يكون على مكان عال فيسقُطُ، وإنسان قد يسبح في مكان فيَغْرق، وإنسان يَمُر بوادٍ من الأودية فيأتي السيل فيحْملُه، والأسباب كثيرة جدًّا، وأنواع الموت متعددة.
لكن العلماء يقسمونه إلى قسمين:
* شهيد وغير شهيد.
* مسلم وغير مسلم.
والشهيد أيضًا يقسمونه إلى نوعين:
* شهيد في المعركة.
* وشهيد في غير المعركة.
فَالشَّهيدُ في المعركة لا يُغَسَّلُ، ولا يُصلى عليه؛ وإنْ كان فيه كلامٌ لبعض العلماء كما سيأتي.
(وَأَمَّا الأمْوَاتُ الَّذِينَ يَجِبُ غُسْلُهُمْ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا مِنْ ذَلِكَ عَلَى
стр. 2931
غُسْلِ الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَمْ يُقْتَلْ فِي مُعْتَرَكِ حَرْبِ الْكُفَّارِ (١)).
يَعْني: المسلم الذي لم يدخل مَعركةً من المعارك، فإن هذا يُغَسَّل ويُصلَّى عليه، وهذا ليس محلَّ خلاف بين العلماء، وأمثلة ذلك كثيرة، وأدلَّته أشهر من أن تُذكَر.
(وَاخْتَلَفُوا فِي غُسْلِ الشَّهِيدِ، وَفِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَفِي غُسْلِ الْمُشْرِكِ).
إذًا، المؤلف تكلم عن غسل الشهيد، وعن الصلاة عليه، وعن المُشْرِك.
وَسبب تَعرُّض المؤلف لذلك ربما يكون ما ورَد في قصة أبي طالب، فإنه لما مات وأخبَرَ ابنه عليٌّ ﵁ رسولَ اللَّه ﷺ بموت عمه، وأنه قال: "المُشْرك"، وفي بعضها: "عمك الضال"، ووجهه الرَّسُولُ ﷺ إلى مُوَاراته، وأمره ألا يُحدِثَ حَدَثًا حتى يعود إلى رسول اللَّه ﷺ ، وأنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أمره بعد المُواراةِ أن يغتَسِلَ (٢).
(فَأَمَّا الشَّهِيدُ - أَعْنِي: الَّذِي قَتَلَهُ فِي المُعْتَرَكِ المُشْرِكُونَ).
لا شك أن هذه أعظم الشهادات، إنسان يجاهد بنفسه وماله في سبيل اللَّه، كما كان الصحابة ﵃ يتسابقون، يعني: كانوا يحبون الموت في سبيل اللَّه كما كنا نحب الحياة.
ولذلك، مضى أن نعرض لمثل ذلك أيضًا، يوجد من بعض المرضى -هداهم اللَّه- أو حتى من بعض الأصحَّاء إذا ضاقت أمامهم السُّبُل، وربما قَلَّ في يَدِهم العيش؛ فإنك تجدُ أحدَهم يتضَجَّر ويتمنَّى الموت،
стр. 2932
ورَسُولُ اللَّه ﷺ يقول: "لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا"؛ يعني: إن كان لا بد متمنيًا، "فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا لِي" (١).
أنت قد تطلب الموت، وربما هذه الأوقات التي قد تكون قليلةً في حياتك هي التي ستَنْجُو بها من عذاب اللَّه، "خيرُكم مَنْ طالَ عُمُره، وحَسُنَ عملُهُ"، قد تجد إنسانًا يرتكب المَوبقات والمعاصي، فإذا ما مرَّت به فترةٌ من الحياة، تغيَّرت حاله، وتَقدَّم على كَثِيرٍ من الصالحين، والرسول ﷺ يقول: "خِيَارُكُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا" (٢).
كَمْ من إنسانٍ كان عاصيًا منحرفًا! ولذلك لا ينبغي لمسلمٍ إذا رأى منحرفًا أن يقول: هذا لا يمكن أن يتوب! هذا كما يحصل من بعض المسلمين هداهم اللَّه، هذا لا يصلح وقد جاء في الحديث: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، حَدَّثَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ، وَإِنَّ اللَّه -تعالى- قَالَ: "مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانِ، فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ" (٣).
الهداية بيده ؛ ولذلك يقول اللَّه -تعالى- لنبيه ﷺ : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، فَكَمْ رأينا من الضُّلَّال المنحرفين الذين خرجوا عن الطريق السَّوِيّ، من الذين ارتكبوا الموبِقات، من الذين أشركوا باللَّه ، من الذين تقلَّبوا في البِدَعِ والخرافات والضلالات، ثم هَداهم اللَّه ، فَسَلكوا طريقًا مستقيمًا لا عِوَجَ فيه، ولا انحراف.
هدْه الهداية بيد اللَّه ، فإذا ما رأيتَ أخاكَ المسلِمَ قد خرج عن
стр. 2933
الطريقِ السَّوِيِّ؛ فادع اللَّه أن يهديه، وادع اللَّه أن يُصلِح قلبَه، إنْ وجدت فيه خَللًا فانصحه وبَيِّن له طريق الحقِّ وطريقَ الرشادِ، وحذِّره من طريق الغِوَايةِ والضَّلالِ، وأخبره أن هذه الحياة الدنيا إلى فناءٍ، وأن الآخرة هي الدارُ الباقِيَةُ، وأنه عليه أن يُؤْثِرَ الباقية على الفانية، هذا هو واجب المسلم نحو أخيه.
إذن، لا ينبغي لمُؤْمنٍ إذا نزلت به نازلةٌ أو وقعت به شدةٌ أن يتمنَّى الموت، ولَا ينبغي أن يُحْتج بقول مريم ﵍: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾؛ لأنها فعلت ذلك خشية الفتنة على قومها، وأما قول يوسف ﵇: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾، أنتم تعلمون ما مرَّ على يوسف نبيِّ اللَّه ﵇ من الأذى، فإخوته يكيدون له، ويُلقَى في البئر، ويُباع بثمنٍ بخسٍ، ثم يُنْقَل سلعةً رخيصةً، فَيُبَاع في أسواق مصر، ثم بعد ذلك يُلْقى في غيابات السجن، ويُتَّهَم قبل ذلك بأمرِ هو بريء منه، ويتجه إلى اللَّه : ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، فقال: ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾، ويخرج إلى السجن ويظل فيه فترةً طويلةً، ثم تُرَى الرؤية، ثم يطلبه بعد ذلك حاكم مصر وعزيزها، ثم بعد ذلك يتبيَّن الحق من غيره.
ويظهر أنَّ نبيَّ اللَّه خرج صافيًا نقيًّا؛ لأن أنبياءَ اللَّه لا يحصل منهم ذلك، ثم بعد ذلك يُمكِّن اللَّه له في الأرض، ويضعه على حكم مصر، ثم بعد ذلك يجمع اللَّه له الشمل بعد أن تفرَّق، يأتي إليه أبوه بعد أن ذهب بصرُهُ، فَيُلْقى عليه ثوب ابنه فيرتد بصيرًا، ويأتي بإخوته فيطلبون منه أن يدعو اللَّه لهم بالمغفرة، وكل ما حصل منهم من أذًى، وما لحق به من مشقات ومتاعب، ومع ذلك نجد أنه استغفر اللَّه : ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)﴾.
وهَكَذا شأن المؤمن، مهما مسَّه من الأذى، ومهما ناله من إخوانه المؤمنين؛ فعليه أن يتحمل ذلك ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ
стр. 2934
عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾، واللَّه يقول: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾.
إذًا، هذا هو الطريق، هذه هي مرتبَةُ الإحسانِ، فمتى إذا ما وصلتَ إليها مع إيمانك بربك، فأنت وصلتَ إلى مَرْتبةِ الإحسان، فما أجمل أن يُمكِّنك اللَّه من أخيك، وأَنْ تَرَى الحقَّ في جانبك ظاهِرًا جَليًّا، ثم تعفُوَ وتصفحَ! لا شكَّ أنك ستجد ثوابَ ذلك مدَّخرًا عندَ اللَّه في يومٍ أحوج ما تَكُونُ فيه إلى الحسنة الواحدة، لكننا نغفُل عن هذه الأمور، وكل واحدٍ منا يريدُ أن ينتصرَ لنفْسِهِ، ولماذا يعتدي عليَّ فلان، وربما قاطع القَريبُ قريبَه، والصديقُ صديقَه، والرحمُ رحمَه. . . وهكذا، وتشتَّت المسلمون، واستبدَّت بينهم الفُرقَة والخِلاف، كلُّ ذلك بسبب أمورٍ بسيطةٍ، وأكثر ما تكون بسبب زَبَد الدُّنيا وما فيها.
فالرَّسُولُ ﷺ نَهَى أحدُنا أن يتمنَّى الموت لضُرٍّ نزَل به، ولذَلكَ تجدون أن اللَّه يقول: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
وَيَقُولُ بعض العلماء: "لو لم يَرِدْ في الصبر إلا هذه الآية لكَفَتْ".
وفي قصة المرأة التي جَاءَتْ لرسول اللَّه ﷺ وقالت: إِنِّي أُصْرَعُ، وإنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي، قَالَ: "إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ" فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا (١).
لم يهمَّها أن تُصرَع، لكنها لا تريد أن تتكشَّف أمام الرجال، فخَيَّرها رَسُولُ اللَّه ﷺ بين أن تصبِرَ ولها الجنة، وبين أن يدْعُوَ اللَّه لها، فيزول ما بها من سقمٍ ومرضٍ، فما الذي اختارت؟ اختارت أن تبقى على ما هي عليه، اختارت اللَّه والجنة.
стр. 2935
إذًا، هذا أذًى يمسُّها، ويلحق بها، فلما خيَّرها رَسُولُ اللَّه ﷺ بين جَنَّةٍ عرضها السموات والأرض، وبين دنيا يمر بِهَا الإنسان، وسيُحَاسب عما فيها، وأن تبقى سعيدةً يزول ما بها من مرضِ، فهي اختارت ما عند اللَّه .
إذًا، فَلْنَصبر إذا ما ابتُلِينا، ولا ننسى أنَّ ما يصِيبَ المسلم من سَقَمٍ أو مَرَضٍ إنما يُكفِّر اللَّه به الخطايا والذنوب، ولذلك يُبْتلى الناس على قدر أعمَالهِمْ، الأمثل فالأمثل، فأشدُّ الناس بلاءً الأنبياء، ألم يكن رسول اللَّه ﷺ قيل عنه إنه ساحر؟ وإنه كافر؟ وأُلْقِيَ سلى الجَزُورِ عليه ﵊ وهو قائم يصلِّي؟ ويذهب ﵊ إلى الطائف يَطْلب أناسًا يستَجِيبون لدعوته؛ فيسلطون عليه صغارَهم وسُفهاءَهم ليرْمُوه بالحجارة، ويرجع إلى مكة ولا يدخلها إلا بحماية المُطعِم بنِ عَدِيٍّ.
وقد مَرَّ رَسُولُ اللَّه بمَصَاعبَ، وتآمَروا على قَتْله، واختاروا من كلِّ قَبِيلةٍ رجلًا؛ ليتفرَّق دمُهُ ﵊، لكن كما قال اللَّه: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]، وَتَمْضي الأيَّام، ويُؤْذَى رَسُولُ اللَّه ﷺ ، ويُلقى بعض أصحابه في شدَّة الرَّمْضاء في صحراء مكة، ينامُ في شدة الحرِّ، وتوضَعُ الصخرةُ على صدْرِه وهو يقول: أَحَدٌ أَحَدٌ.
هذَا هو الإيمان، وكان ممن قبلنا يُنْشَرُون بالمناشير ويظلُّون على إيمانهم، فلماذا إذا أصابت أحدُنا وَعكةً صحِّية، أو تعبًا أو تألمَ، أو سالَ جُرحه دمًا، أو أصابته مصيبة من المصائب، لماذا لا يقول: "إنا للَّه وإنا إليه راجعون"، لماذا يجزع؟ لماذا يلطم؟ لماذا يصرخ؟ إذا تُوفِّي له أب أو ابن أو قريب له يقول: "إن للَّه ما أخذ، وللَّه ما أعطى"، فينبغي أن نصبِرَ، فيقول في هذا المقام: "إنا للَّه، وإنا إليه رَاجعون، اللهم أجْرُني في مُصِيبَتِي، واخلُف لي خيرًا مِنها"، مَنْ فعل ذلك، فإن اللَّه سيُخْلِفُه في مصيبتِهِ؛ لأنَّ رسول اللَّه -وهو الصادق المصدوق- قد أخبر عن ذلك، وهو ﷺ لا يقول إلا حقًّا.
معركة أُحُدٍ هي التي وقعت في الموقع الذي في المدينة قرب جبل أُحُد، والنَّصرُ فيها كان في أول الأمْرِ لرسولِ اللَّه ﷺ وللمؤمنين، لَكن عندما تعجَّل الرُّماة، وما قَصَدوا مخالفةَ رسول اللَّه ﷺ قصدًا، وَلَكن حَصل ذلك بأن تَرَكُوا مَواقعَهم؛ فاستغلَّ العدوُّ تلك الفرصة، فانقضَّ عليهم، وأحاط بهم كالسِّوار، فنزل بالمسلمين ما نزل من البلاء، وقُتِلَ عددٌ من المسلمين.
لَا شكَّ أنَّ هذه المعركَةَ فيها دروسٌ كثيرةٌ جدًّا مهما حاول الإنسان أن يَتنَاولها، لَكن في هذا المقام من أهمِّ ما فيها من دروسٍ أنَّ مخالفَةَ القائد يترتب عليها ضَررٌ، فهؤلاء خرجوا وتركوا مواقِعَهم ليجمعوا الغنائم على أن النصر قد ظهر وتَبَيَّن للمؤمنين، فكانت النتيجة أن التفَّ عليهم المشركون، وأوقعوا السيف بالمؤمنين، وممن مسَّه أذى في ذلك المقام رسول اللَّه ﷺ ، ولا شك أن هذا مما يُبْتَلى به المؤمنون: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾.
إذن، يُبْتَلَى المؤمن في أمورٍ، فَيُخْتَبر فيها، فالمؤمنون ابتلوا في ذلك، هذا درسٌ من الدروس، ونحن نَعْلَم قبل ذلك في موقعة بَدْرٍ كَمْ كان عدد المؤمنين، وكم كان عدد أعدائهم، المؤمنون قِلُّة، وسلاحهم لا يُقَارن بسلاح أعْدائهم، لكن اللَّه كان معهم، ورسولُ اللَّه ﷺ لما كان في الغارِ وأبو بكرٍ معه، والمشركون يمرُّون بجِوارِهم ويَرَوْن أقدامَهم، ويخاف أبو بكر على رسول اللَّه ﷺ لا على نفسه، ويقول: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، إذن تمرُّ بالمسلمين بعض المصائب، فينبغي أن يصبروا عليها.
إذًا، هَذِهِ المَعْركة قُتِلَ فيها عَددٌ من المسلمين، وهم -بلا شكٍّ- شهداء عند ربهم يرزقون، فأمر رسول اللَّه ﷺ بدفنهم.
стр. 2938
واعلم أنَّ الإنسانَ في هذه الحياة مهما طالت به الحياة، فإنَّ مصيره بلا شك إلى الممات.
لَا بُدَّ مِنْ تَلَفٍ مُقِيمٍ فَانْتَظِرْ … أَبِأَرْضِ قَومِك أَمْ بِأُخْرَى المَصْرَعُ (١)
هذا هو مصير الإنسان الذي سينتهي إليه.
قَسَّم المؤلف الموتى إلى قسمين: شهداء وغير شهداء.
ثم الشهداء منهم من يُقْتَل في المعركة، ومنهم من يموت في غير المعركة، فقد يموت بسبب الحريق أو الغرق، أو يقتل دون نفسه أو دون ماله أو دون أهله أو دون عرضه، وغير ذلك، ومن يُصَاب بالطاعون فهو شهيد، وقد عدَّد رسول اللَّه ﷺ كثيرًا من أنواع القتلى، وكذلك الذين يموتون ببعض الأمور بأنهم من الشهداء.
لكن هل يصل هؤلاء إلى درجة الشهداء الذين قَدَّموا أنفسهم رخيصةً في سبيل اللَّه لإعلاء كلَمة اللَّه ؟ الذين قاتلوا لتكون كلمة اللَّه هي العليا، وكلمة الذين كفروا السُّفْلى؟ هؤلاء الذين قُتِلُوا في المعركة إنما هم شهداء، هؤلاء الذين قاتلوا لإعلاء كلمة اللَّه.
أما مَنْ يقاتل لأجل العصبية، أو لأجل أن يُقَال فلان شجاع، أو لغير ذلك من الأسباب التي لَيْست من الدين في شيءٍ، فهذا لا يعتبر شهيدًا، وفي قصَّةِ الرجل الذي عُرِضَ عليه الإسلام، وأنْ يخرج مقاتلًا في واقعة بدرٍ، وجدَه أصحاب رسول اللَّه ﷺ ضمن الذين أُصِيبُوا، فذهبوا إلى رسول اللَّه ﷺ يذكرون له حاله، فقال: "هُوَ فِي النَّارِ"، فعادوا إلى الرجل فوجدوه فيٍ آخر رمقٍ من حياته فسألوه: لِمَ قاتلت فقُتِلتَ، فبيَّن أنه إنما قاتل عصبيةً؛ فلنحذر من العصبية العمياء.
стр. 2939
إذًا، من قاتل لتكون كلمة اللَّه هي العليا، فهو في سبيل اللَّه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾، هؤلاء الذين قُتلوا في المعركة هم الذين يأتون في مقدمة الشهداء.
إذًا، الشهداء نوعان: شهيد قُتِلَ في المعركة؛ فهذا أكثر العلماء يذهبون إلى أن هؤلاء لا يُغَسَّلون، ولا يُصَلّى عليهم، ودليل ذلك ما حَصل لشهداء أُحُدٍ.
وبالنظر إلى ما ذكره اللَّه عن نبيه يوسف ﵇: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾، نجد أن اللَّه يَسَّرَ لَه جميع أسباب الراحة في هذه الدنيا بعد أن نال ما نال من الشَّقاء والتَّعب، فهو لا يتمنى الموت لضرٍّ ونحوه، ولكنه يسأل اللَّه -تعالى- أن يُميتَه على الإسلام بعد أن وفقه اللَّه ، وبعد أن خلصه من تلك الأمور التي خيطت حبالها، وَشِيكَتْ حوله، بعد أن أنقذه اللَّه وجعله حاكمًا على مصر، أعطاه اللَّه أمرًا عظيمًا، وشيئًا كثيرًا في هذه الحياة، فما كان منه إلا أن يشكر اللَّه ، ولا شك أن من أجلِّ ما يتمناه الإنسان في هذه الحياة أن يميتَه اللَّه مسلمًا، وأن يتوفَّاه في الصالحين.
إذًا، هؤلاء الشهداء الذين يُقتَلون في المعركة يقول العلماء: لا يُغسَّلون، ولا يُصلَّى عليهم، فهم في الحالة التي هم عليها نِعْمَ الحالة حتى وإن اختلطت بهم دماؤهم، لكن العلماء يقولون: يُنزع عنهم الحَدِيدُ والجُلود، ويختلفون بعد ذلك بما عليهم من فَرْوٍ وغيره هل يُنزَع أو لا، فبعض العلماء يرى أنها تبْقى، وبعضهم يرى أنها تُؤْخذ من أجسادِهِم.
* قوله: (وَكَانَ الْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ يَقُولَانَ: "يُغَسَّلُ كُلُّ مُسْلِمٍ فَإِنَّ كُلَّ مَيِّتٍ يُجْنِبُ" (١)).
стр. 2940
الحسن هو الحسن البصري، وسعيد بن المسيب أيضًا، كلاهما من كبار وأجلَّاء التابعين، وحياتُهما وسِيرتُهما معروفة في خِدمة هذا الدِّين، وفي نقل ثرْوَةِ رسولِ ﷺ وتَرِكتِهِ التي أودعها في أصحابه، فإن أولئك النَّفَرَين من الذين نَقَلُوا سُنَّة رسولِ اللَّه ﷺ ، وبلَّغوها للناس في وقتٍ، فَحَملها العدولُ عنهم.
وَلَهم مَواقفُ معروفةٌ في خِدمَةِ هذا الدِّينِ ونشْرِهِ، وفي الجهاد في سبيل اللَّه، وَفي الدعوة إليه، لكن العلماء يختلفون في مثل هذه المسائل، ولَا يلزم أيضًا أن يكون الحقُّ دائمًا في جانب الإنسان إذا كان صالحًا وتقيًّا وكان تابعيًّا أو غير ذلك، فإن العلماء يجتَهِدُون، والمجتهدُ قد يُصِيبُ، فإن أصاب فلَه أجران، وقد يجتهد قاصدًا الوصول إلى الحقِّ فيخطئ؛ فله أجرٌ على اجتهادِهِ: "إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وإذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ" (١)، لكن مَنْ يجتهد في دين اللَّه عن جَهْلٍ وغير عِلْمٍ؛ فهذا ممن يَحكُمُ بدينِ اللَّه على جَهْلِ، فهذا لا يدخل في هذا الصِّنف، وإنما هذا يحكمُ بغير ما جاء عن اللَّهِ ، ولا عن رَسولِهِ ﷺ .
وهذا مما أشار إليه الرسول ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمِ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" (٢)، وما أكثرَ الذين يُفْتُون عن جهْلٍ! وما أكثرَ الذينَ لا يعرفون الجوابَ فيَقُولُون بالجواب خشية أن يُقَال: إن فلانًا لا يعرِفُ الجوابَ، ونَسوا أن كبارَ الأئمة كالإمام مالك إمام دار الهجرة وغيره سُئِلَ عن مسائل كثيرة وقال فيها: لا أدْرِي (٣)؛ ولذلك قيل: "لا أدري نصفُ
стр. 2941
العِلم" (١)، فقولك: "لا أدرِي" خير من أن تقول وأنتَ لا تَدْرِي؛ فتُفْتِي بجَهْلٍ، فربما توقع الناسَ في ارتكاب محظور أو مُحرَّم.
(وَلَعَلَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ أنَّ مَا فُعِلَ بِقَتْلَى أُحُدٍ كَانَ لِمَوْضِعِ الضَّرُورَةِ -أَعْنِي: الْمَشَقَّةَ فِي غُسْلِهِمْ-).
يعني: منهم مَنْ يرى أن هؤلاء قتلى كثيرون، وأن المسلمين قد انشَغَلُوا بأمورهم، فإنهم قد استَحرَّ بهم القتلُ في تلك المعركة بعد أن انتصروا في أوَّلها، قالوا: هذا لأجل الضرورةِ، أمَرَ رسولُ اللَّه ﷺ بدَفْنهِمْ؛ فقَدْ وُجِدَ عدد من المسلمين ممن أصيب في نفْسه، -وممَّن أصيب في ذلك رسول اللَّه ﷺ ، فإنه كُسِرَتْ رَبَاعيته، وأصيب أيضًا غيره من الصحابة الكثير.
إذًا، الإصاباتُ نَزَلت بالمسلمين، فالطرف الآخر يرى أن الدَّفنَ من غير تغْسيلٍ وصلاة إنما هو لأجل الضرورة؛ لكثرَةِ المَوتَى وانشغال المسلمين عنهم.
(وَقَالَ بِقَوْلِهِمْ مِنْ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيُّ (٢).
стр. 2942
وَسُئِلَ [أَبُو عُمَرَ] (١) فِيمَا حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ غُسْلِ الشَّهِيدِ فَقَالَ: قَدْ غُسِّلَ عُمَرُ وَكُفِّنَ وَحُنِّطَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَكَانَ شَهِيدًا -يَرْحَمُهُ اللَّهُ- (٢)).
وفي قصَّة عُمَر ﵁، حيث كان وَاقفًا في فريضة الفجر عندما كان أميرًا للمؤمنين يُصلِّي بالناس صلاة الفجر، فتقدم أبو لؤلؤة المجوسي معه سيفه الذي غمسَه بالسُّمِّ ليالي وأيامًا، فطعن عددًا من الصحابة حتى وصل إلى عمر ﵁ فطعنه، وانتهى به الأمر (٣).
وَهُوَ ﵁ قد تمنَّى أن يُميتَه اللَّه شهيدًا، وفي هَذه المدينة، وقد تحقَّق له ﵀ ما طلب من رَبِّه.
إذًا، هو شَهيدٌ لا شكَّ؛ لأنه قُتِلَ في سَبيل اللَّه قائمًا يُصلِّي بالناس، قتَلَهُ عدوٌّ من أعداء اللَّه وهو ينطق بالحقِّ، ويقرأ بالناس في صلاة الفجر.
إذًا، هو شهيد، لكنه -كما ذكر ابن عبد البر (٤) - غُسِّلَ وصُلِّي عليه.
* قوله: (وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الشَّهِيدَ فِي حَرْبِ الْمُشْرِكينَ لَا يُغَسَّلُ فِي الشُّهَدَاءِ مِنْ قَتْلِ اللُّصُوصِ أَوْ غَيْرِ أَهْلِ الشِّرْكِ).
يَعْني: يريد أن يُبيِّن أن الذين ذهبوا -وهم جماهير العلماء- إلى أن
стр. 2943
مَنْ قُتِلَ شهيدًا في المعركة هؤلاء هُمُ الَّذين اتفقوا على ألا يُغسَّل، ولا يُصلَّى عليه، أيضًا اختلفوا في مسألة أخرى.
واللُّصوص قد يَتَربصون، قد يقفزون على بيت إنسان، أو على متجره، أو على مزرعته، أو على غيرها يريدون المال، وربما يَصِلُ بهم الأمر إلى أن يقتلوا هذا الإنسان، فَهو -بلا شكٍّ- شهيد؛ لأنه قُتِلَ دون ماله، هؤلاء لصوص تسلَّطُوا على هذا الإنسان فأرادوا سرقته، فهو يريد أن يدافع عن نفسه، وربما يُقتَل دون أن يدافع عن نفْسِه، فهذا ممن قُتِلَ دون نفسه وماله، إذًا هو شهيد.
كذلك أيضًا قُطَّاع الطريق الذين يتربصون بالمؤمنين الدوائر، يَقِفُون في بعض الطرق وبتربصون بهم كما كان يُفْعل قبل فترةٍ بطريق الحُجَّاج حتى انتشر الأمن -بحمد اللَّه- في هذه البلاد، وصارَ الإنسان ينتقل وحدَهُ ليلًا ونهارًا في أي مكان لا يخشى إلا اللَّه .
هذه نعمةٌ لا شك تقتضي منَّا الشكرَ جميعًا، وعلينا كذلك أن نشكر مَنْ كانت له جهود في ذلك؛ لأن الرسول ﷺ يقول: "لا يشكر اللَّهَ من لا يشكُرُ الناسَ" (١).
إذًا، هذَا عملٌ عظيمٌ انتهى -بحمد اللَّه- نتيجة الإخلاص وإقامة العدل، ونشر الفضيلة وتطبيق شريعة اللَّه إلى أن استقر الأمن.
ولا شكَّ أنَّ أي بلدٍ تُطبَّق فيها شريعة اللَّه، فإنها ستنتشر فيها الفَضِيلةُ، وتختفي الرَّذِيلَةُ، وأي بلدٍ يُبْتعَد فيها عن شريعة اللَّه، وتطبق فيها القوانين التي هي من عُقولِ الناس، وزُبَد أفكارِهِم، فإنها -بلا شَكٍّ- ستنتشر فيها الرَّذائل، وتعُمُّ الفَوضى، ويكثر القتلى فيها.
إذًا، هؤلاء الذين يتربصون بالمؤمنين الدوائر في طُرُقاتِهِمْ وغيرها، هؤلاء إذا قتلوا أمثال هؤلاء، هؤلاء شهداء؛ لأنه غُدِرَ بهم وقُتلوا، فكيف يُعامل هؤلاء من حيث الصلاة والتغسيل؟
стр. 2944
* قوله: (فَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ (١)، وَأَحْمَدُ (٢)، وَجَمَاعَةٌ: حُكْمُهُمْ حُكْمُ مَنْ قَتَلَهُ أَهْلُ الشِّرْكِ).
أَحْمَد في رِوَايةٍ.
* قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ (٣)، وَالشَّافِعِيُّ (٤): يُغَسَّلُ).
وَهي روايةٌ أُخرى للإمام أحمد (٥).
* قال: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ: هَلِ الْمُوجَبُ لِرَفْعِ حُكْمِ الْغُسْلِ هِيَ الشَّهَادَةُ مُطْلَقًا، أَوِ الشَّهَادَةُ عَلَى أَيْدِي الْكُفَّارِ).
يريد المؤلف أن يقول: سبب الخلاف هل رفع حُكْم الغسل
стр. 2945
والصلاة، بسبب الشهادة مطلقًا، وإطلاق الشهيد على هذا، أو أنهم نوعٌ خاصٌّ من الشهداء، وهم الذين قُتِلُوا في المعركة أمام أعداء اللَّه الكفار؟ هذا هو الذي يريد أن يقوله.
* قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ هِيَ الشَّهَادَةُ مُطْلَقًا قَالَ: لَا يُغَسِّلُ كُلُّ مَنْ نَصَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ شَهِيدٌ مِمَّنْ قُتِلَ. وَمَنْ رَأَى أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ هِيَ الشَّهَادَةُ مِنَ الْكُفَّارِ قَصَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. وَأَمَّا غُسْلُ الْمُسْلِمِ الْكَافِرَ).
انتقَل المؤلف إلى مَسْألةٍ أخرى، قد يكون الابن مسْلِمًا والأب كافرًا، أو العكس من ذلك، فهل يُغسِّل المسلم الكافر أو لا؟
هذه مسألة فيها خلاف وتفصيل:
* بعض العلماء يرى أنه ليس للمسلم أن يغسِّلَ كافرًا مهما كان، سواء كان مُرتدًّا أو كافرًا أصليًّا، وسواء كان قريبًا للمسلم أو غير قريب له.
* وبعضهم يرى أنَّ له أن يُغَسِّل الكافرَ، وأن يمشي في جِنازته، وأن يدفِنَهُ أي: يُوَاريه في التراب.
* ومن العلماء مَنْ قال: يواريه فقط في التراب، ولا يُغَسِّله، ولا يمشي في جنازته؛ لأنه ليس أهلًا لذلك.
* قوله: (فَكَانَ مَالِكٌ (١) يَقُولُ: لَا يُغَسِّلُ الْمُسْلِمُ وَالِدَهُ الْكَافِرَ وَلَا يَقْبُرُهُ).
عند الإمام أحمد (٢) لا يُغَسِّله، ولا يَقْبره، وعند الإمام مَالِكٍ يتفق