العِلم" (١)، فقولك: "لا أدرِي" خير من أن تقول وأنتَ لا تَدْرِي؛ فتُفْتِي بجَهْلٍ، فربما توقع الناسَ في ارتكاب محظور أو مُحرَّم.
(وَلَعَلَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ أنَّ مَا فُعِلَ بِقَتْلَى أُحُدٍ كَانَ لِمَوْضِعِ الضَّرُورَةِ -أَعْنِي: الْمَشَقَّةَ فِي غُسْلِهِمْ-).
يعني: منهم مَنْ يرى أن هؤلاء قتلى كثيرون، وأن المسلمين قد انشَغَلُوا بأمورهم، فإنهم قد استَحرَّ بهم القتلُ في تلك المعركة بعد أن انتصروا في أوَّلها، قالوا: هذا لأجل الضرورةِ، أمَرَ رسولُ اللَّه ﷺ بدَفْنهِمْ؛ فقَدْ وُجِدَ عدد من المسلمين ممن أصيب في نفْسه، -وممَّن أصيب في ذلك رسول اللَّه ﷺ ، فإنه كُسِرَتْ رَبَاعيته، وأصيب أيضًا غيره من الصحابة الكثير.
إذًا، الإصاباتُ نَزَلت بالمسلمين، فالطرف الآخر يرى أن الدَّفنَ من غير تغْسيلٍ وصلاة إنما هو لأجل الضرورة؛ لكثرَةِ المَوتَى وانشغال المسلمين عنهم.
(وَقَالَ بِقَوْلِهِمْ مِنْ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيُّ (٢).
стр. 2942
وَسُئِلَ [أَبُو عُمَرَ] (١) فِيمَا حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ غُسْلِ الشَّهِيدِ فَقَالَ: قَدْ غُسِّلَ عُمَرُ وَكُفِّنَ وَحُنِّطَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَكَانَ شَهِيدًا -يَرْحَمُهُ اللَّهُ- (٢)).
وفي قصَّة عُمَر ﵁، حيث كان وَاقفًا في فريضة الفجر عندما كان أميرًا للمؤمنين يُصلِّي بالناس صلاة الفجر، فتقدم أبو لؤلؤة المجوسي معه سيفه الذي غمسَه بالسُّمِّ ليالي وأيامًا، فطعن عددًا من الصحابة حتى وصل إلى عمر ﵁ فطعنه، وانتهى به الأمر (٣).
وَهُوَ ﵁ قد تمنَّى أن يُميتَه اللَّه شهيدًا، وفي هَذه المدينة، وقد تحقَّق له ﵀ ما طلب من رَبِّه.
إذًا، هو شَهيدٌ لا شكَّ؛ لأنه قُتِلَ في سَبيل اللَّه قائمًا يُصلِّي بالناس، قتَلَهُ عدوٌّ من أعداء اللَّه وهو ينطق بالحقِّ، ويقرأ بالناس في صلاة الفجر.
إذًا، هو شهيد، لكنه -كما ذكر ابن عبد البر (٤) - غُسِّلَ وصُلِّي عليه.
* قوله: (وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الشَّهِيدَ فِي حَرْبِ الْمُشْرِكينَ لَا يُغَسَّلُ فِي الشُّهَدَاءِ مِنْ قَتْلِ اللُّصُوصِ أَوْ غَيْرِ أَهْلِ الشِّرْكِ).
يَعْني: يريد أن يُبيِّن أن الذين ذهبوا -وهم جماهير العلماء- إلى أن
стр. 2943
مَنْ قُتِلَ شهيدًا في المعركة هؤلاء هُمُ الَّذين اتفقوا على ألا يُغسَّل، ولا يُصلَّى عليه، أيضًا اختلفوا في مسألة أخرى.
واللُّصوص قد يَتَربصون، قد يقفزون على بيت إنسان، أو على متجره، أو على مزرعته، أو على غيرها يريدون المال، وربما يَصِلُ بهم الأمر إلى أن يقتلوا هذا الإنسان، فَهو -بلا شكٍّ- شهيد؛ لأنه قُتِلَ دون ماله، هؤلاء لصوص تسلَّطُوا على هذا الإنسان فأرادوا سرقته، فهو يريد أن يدافع عن نفسه، وربما يُقتَل دون أن يدافع عن نفْسِه، فهذا ممن قُتِلَ دون نفسه وماله، إذًا هو شهيد.
كذلك أيضًا قُطَّاع الطريق الذين يتربصون بالمؤمنين الدوائر، يَقِفُون في بعض الطرق وبتربصون بهم كما كان يُفْعل قبل فترةٍ بطريق الحُجَّاج حتى انتشر الأمن -بحمد اللَّه- في هذه البلاد، وصارَ الإنسان ينتقل وحدَهُ ليلًا ونهارًا في أي مكان لا يخشى إلا اللَّه .
هذه نعمةٌ لا شك تقتضي منَّا الشكرَ جميعًا، وعلينا كذلك أن نشكر مَنْ كانت له جهود في ذلك؛ لأن الرسول ﷺ يقول: "لا يشكر اللَّهَ من لا يشكُرُ الناسَ" (١).
إذًا، هذَا عملٌ عظيمٌ انتهى -بحمد اللَّه- نتيجة الإخلاص وإقامة العدل، ونشر الفضيلة وتطبيق شريعة اللَّه إلى أن استقر الأمن.
ولا شكَّ أنَّ أي بلدٍ تُطبَّق فيها شريعة اللَّه، فإنها ستنتشر فيها الفَضِيلةُ، وتختفي الرَّذِيلَةُ، وأي بلدٍ يُبْتعَد فيها عن شريعة اللَّه، وتطبق فيها القوانين التي هي من عُقولِ الناس، وزُبَد أفكارِهِم، فإنها -بلا شَكٍّ- ستنتشر فيها الرَّذائل، وتعُمُّ الفَوضى، ويكثر القتلى فيها.
إذًا، هؤلاء الذين يتربصون بالمؤمنين الدوائر في طُرُقاتِهِمْ وغيرها، هؤلاء إذا قتلوا أمثال هؤلاء، هؤلاء شهداء؛ لأنه غُدِرَ بهم وقُتلوا، فكيف يُعامل هؤلاء من حيث الصلاة والتغسيل؟
стр. 2944
* قوله: (فَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ (١)، وَأَحْمَدُ (٢)، وَجَمَاعَةٌ: حُكْمُهُمْ حُكْمُ مَنْ قَتَلَهُ أَهْلُ الشِّرْكِ).
أَحْمَد في رِوَايةٍ.
* قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ (٣)، وَالشَّافِعِيُّ (٤): يُغَسَّلُ).
وَهي روايةٌ أُخرى للإمام أحمد (٥).
* قال: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ: هَلِ الْمُوجَبُ لِرَفْعِ حُكْمِ الْغُسْلِ هِيَ الشَّهَادَةُ مُطْلَقًا، أَوِ الشَّهَادَةُ عَلَى أَيْدِي الْكُفَّارِ).
يريد المؤلف أن يقول: سبب الخلاف هل رفع حُكْم الغسل
стр. 2945
والصلاة، بسبب الشهادة مطلقًا، وإطلاق الشهيد على هذا، أو أنهم نوعٌ خاصٌّ من الشهداء، وهم الذين قُتِلُوا في المعركة أمام أعداء اللَّه الكفار؟ هذا هو الذي يريد أن يقوله.
* قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ هِيَ الشَّهَادَةُ مُطْلَقًا قَالَ: لَا يُغَسِّلُ كُلُّ مَنْ نَصَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ شَهِيدٌ مِمَّنْ قُتِلَ. وَمَنْ رَأَى أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ هِيَ الشَّهَادَةُ مِنَ الْكُفَّارِ قَصَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. وَأَمَّا غُسْلُ الْمُسْلِمِ الْكَافِرَ).
انتقَل المؤلف إلى مَسْألةٍ أخرى، قد يكون الابن مسْلِمًا والأب كافرًا، أو العكس من ذلك، فهل يُغسِّل المسلم الكافر أو لا؟
هذه مسألة فيها خلاف وتفصيل:
* بعض العلماء يرى أنه ليس للمسلم أن يغسِّلَ كافرًا مهما كان، سواء كان مُرتدًّا أو كافرًا أصليًّا، وسواء كان قريبًا للمسلم أو غير قريب له.
* وبعضهم يرى أنَّ له أن يُغَسِّل الكافرَ، وأن يمشي في جِنازته، وأن يدفِنَهُ أي: يُوَاريه في التراب.
* ومن العلماء مَنْ قال: يواريه فقط في التراب، ولا يُغَسِّله، ولا يمشي في جنازته؛ لأنه ليس أهلًا لذلك.
* قوله: (فَكَانَ مَالِكٌ (١) يَقُولُ: لَا يُغَسِّلُ الْمُسْلِمُ وَالِدَهُ الْكَافِرَ وَلَا يَقْبُرُهُ).
عند الإمام أحمد (٢) لا يُغَسِّله، ولا يَقْبره، وعند الإمام مَالِكٍ يتفق
стр. 2946
مع الإمام أحمد إلا أن مالكًا يرى أنه يواريه في التراب إذا احتيج إلى ذلك.
وعند الشافعية يرى أنه يُغسِّله ويدفِنُه، ويسيرُ في جنازتهِ، والحنفية يفرِّقون بين المرتدِّ وغيره؛ فيرون أن المرتد لا ينظر إليه، أما غيره فهم يتفقون مع الشافعية من حيث الجملة.
* قال: (إِلَّا أَنْ يَخَافَ ضَيَاعَهُ فَيُوَارِيَهُ).
يَعْني: يخَاف ضياعه فيُوَاريه؛ لأن اللَّه يقول: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾؛ ففسر ذلك أن المُوَاراة إنما هي من المُصاحَبَةِ؛ لأنه مهما كان هو والده، وَإِنْ وُجِدَ ما يفصل بينهما، فهذا مسلِمٌ في الجنة، وهذا كافرٌ في النار، هذا مطيعٌ للَّه ، وذاك عاصٍ له خارج على حدوده، فَشتَّان بين الاثنين، فكيف يأتي مسلم فيُغَسِّل كافرًا، ثم بعد ذلك يمشي في جنازته إشهارًا، ثم بعد ذلك يحفِرُ له ويدفنه، هذه وجهة هؤلاء.
وَأُولَئك المجيزون يَرَون أن هذا من المعاملة الحسنَةِ، والخلاف كلُّه يدور حول قصة أبي طالب عمِّ رسول اللَّه ﷺ عندما جاء علي بن أبي طالب إلى رسول اللَّه ﷺ يخبره بموتِ عمِّه، وَالجَدير بالذكر أن أبَا طَالِبٍ له مواقف مشهودة مع رسولِ اللَّه ﷺ ، لكن وإن كانت له مواقف، ورسول اللَّه ﷺ ما ترك وسيلةً من الوسائل إلا وبذلها عَلَّه يدخل في الإِسلَام: "أَيْ عَمِّ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ" (١)، لكن الرجل قد انصرَفَ، وأراد أن يبقى على دِينِ آبائه وأجدادِه، أما رسول اللَّه ﷺ فلم ينسَ، حاول معه، وفي مرَضِهِ الذي مات فيه عرَضَ عليه أن ينطقَ بالشهادتين فلم ينطق بهما خشية أن يقال بأنه تَغَيَّر وتَحَوَّلَ عن دِينِ آبائه وأجداده، إنها العصبِيَّةُ العمياءُ!
стр. 2947
فلما جاء علي بن أبي طالب إلى رسول اللَّه ﷺ يخبره، فقال: إنَّ عمَّك الشيخَ الضالَّ قد مات، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "اذْهَبْ فَوَارِهِ، ثمَّ لَا تُحْدِثْ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي" قَالَ: فَوَاريتُهُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ، قَالَ: "اذْهَبْ فَاغْتَسِلْ، ثُمَّ لَا تُحْدِثْ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي" (١)، فذهب فواراه في التراب، ثم عاد إلى رسول اللَّه ﷺ ، فأمره أن يغتسل. . .
مَحلُّ الشاهد: أن رَسُول اللَّه ﷺ أمر عليًّا أن يوارِيَ أباه؛ أي: أن يدفنه. . . ولم يَرِدْ في هذا الحديث الغُسْلَ، لكن كما ذكر ابن حجر وغيره كون الرسول ﷺ يطلب من عليٍّ ﵁ أن يغتسل بعد أن وارَاهُ، فإن هذا دليل على أنه غَسَّلَهُ، وسيأتي الكلام على الطريقة التي يُغَسَّل بها الميت، لكن ورد في بعض الروايات وتحتاج للتثَبُّت من صِحَّتها أن عليًّا غسَّلَ أباه؛ لأن الرسولَ ﷺ أمره بتغْسيلِهِ.
* قال: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢): لَا بَأْسَ بِغَسْلِ الْمُسْلِمِ قَرَابَتَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَدَفْنِهِمْ).
بل قال الشافعي أيضًا: ويمشي في جنازة والده أو قريبه.
لَكن أبا حنيفة يُفرِّق بين الكافر الأصلي فيتفق مع الشافعية، وبين المرتدِّ فهو يختلف، فرَّق بين الكافر الأصلي الذي لم يَذُقِ الإيمان، ولم تخالط بشَاشتُهُ قلبَه، وبين إنسان ذاقَ حَلاوةَ الإيمان، ولكنه بعد ذلك ارتدَّ على عَقِبَيهِ، وَلذلك يَقُولُ الرَّسول ﷺ : "مَنْ بدَّلَ دينَه فاقتلوه".
إذًا، المرتدُّ رَجلٌ دخل في الإسلام، فَعَرف ما في الإسلام من مَزَايا، وما يشتمل عليه من محاسن، ثم ارتدَّ ونكَص على عَقِبَيهِ، فاستبدل الكفرَ بالإيمانِ، واستبدل الظلام بالنُّور، فهذا حالُهُ أشد من حال الكافر
стр. 2948
الأصلي، ولذلك يقول الحنفية: لا ينبغي لقَرِيبِهِ المسلم أن يُغسِّله، ولا أن يدفِنَهُ، ولا أن يشارك في دَفنِهِ.
* قال: (وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ (٢)).
أما أبو ثَوْرٍ، فهو من أصحاب الإمام الشافعي، لكن له آراء كثيرة يخالف فيها المذهب الشافعي، وبعضُهم يجعله صاحبَ مذْهب، وأنه صاحب رأي مستَقِلٍّ، وهو إمامٌ جليلٌ مشهورٌ.
* قال: (قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ: "لَيْسَ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ الْمُشْرِكِ سُنَّةٌ تُتَّبَعُ" (٣)، وَقَدْ رُوِيَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ أَمَرَ بِغُسْلِ عَمِّهِ لَمَّا مَاتَ" (٤)).
ابْنُ المنذر هو الإمَام الجليل المشهور صاحب الكتب المشهورة التي عوَّل علَيها كثيرٌ من العلماء الذين جاؤوا من بعده، ككتاب "الإجماع" وكتابه "الأوسط" وكتابه "الإشراف"، وهو ممن يحكي الإجماع، وَكتبُهُ
стр. 2949
حقيقةً -وبخاصة "الأوسط"، وكذلك "الإشراف"- مَليئةٌ بأحَاديث رسول اللَّه ﷺ بأسانيدها، وهي أيضًا كذلك مليئةٌ بآثار الصحابة ﵃، وهي أيضًا من الكتب التي يُرْجَع إليها في فقه السُّنَّة، وفي الأثر أيضًا.
* قال: (وَسَبَبُ الخِلَافِ: هَلِ الغُسْلُ مِنْ بَابِ العِبَادَةِ، أَوْ مِنْ بَابِ النَّظَافَةِ؟ فَإِنْ كَانَتْ عِبَادَةً، لَمْ يَجُزْ غُسْلُ الكَافِرِ، وَإِنْ كَانَتْ نَظَافَةً جَازَ غُسْلُهُ).
لَا شَكَّ أنَّ أكثَرَ العلَماء يرون أنَّ الغسلَ لأجل النَّظافة؛ ولذلك يقولون: إنَّ الحكمَةَ في تَغْسِيلِ الميِّت ظاهرةٌ، وهي النظافة؛ لأن القَصدَ تنظيفُ بدنه من النجاسات؛ ولذلك يقول كثير من العلماء: يُوَضَّأ وضوءه للصلاة، وبعض العلماء يرى أنه يقتَصر التنظيف بخِرْقةٍ، وبعضهم بخِرْقتين، فيلف الإنسان على يديه خِرقة، ثم بعد ذلك يغسل مكان السبيلين. . هذا مَنْ يرى خِرْقَتينِ، ثم يأخذ الأُخرى بعد ذلك ويغسل بها سائرُ بدنِهِ. . هذا بعد أن يوضئه؛ لأنهم يقولون: أولًا يُغْسَل السبيلان ثم يُوضئوه؛ لأن الرسولَ ﷺ لما أوصى بغَسْلِ ابنته قال: "ابدأن بمَيامِنِهَا، وبمواضعِ الوضوءِ مِنْها" (١)، فاعتبر ذلك العلماء دليلًا على أن الميت يُوضَّأ كالحَيِّ.
ولَا شك أنَّ الواجب في تغسيل الميت غسلة واحدة، لكن وَرَد: "اغسلنها بماءٍ وسدرٍ"، "اغسِلْنَها ثلاثًا أو خمسًا"، وفي رِوايةٍ: "أو سبعًا" (٢)، والقصد من ذلك التنقيةُ، كما أن الواجب في الوضوء إنما هي غَسلة واحدة، والثانية والثالثة إنما هي مستحبة، والثانية أفضل من الواحدة، والثالثة أفضل من الاثنتين.
إذًا، هناك أمرٌ واجبٌ، وهناك أمرٌ غير واجبٍ، والعلماء يذكرون في تغْسِيلِ الميت بعضهم يرى أنه يُجلَس قليلًا، يعني: يُسنَد؛ لأن المَيِّتَ لا يستطيع أن يجلس، ثم بعد ذلك يُوضَّأ، ثم يُمَال إلى جهة قدميه حتى إذا
стр. 2950
ما غُسل، فإنه يخرج الماء يعني: يجري إلى جهة الرِّجلين، ثم يُغسَل يمينه ثم بعد ذلك يُغسَل يساره وهكذا، كما لو كان الإنسان يغتسل عن الجنابة.
هَل الَّذي عليه جنابةٌ يُغْسَل مرتين؟
اختلَف العلماء في ذلك، والصحيح أنه يُكْتفى بغَسْلةٍ واحدةٍ؛ لأن المؤمن لا يَجْنُبُ، ولذلك الجنابة لا تؤثِّر، فإذا ما كان على الإنسان وغسلت، زالت.
فلو قُدِّرَ أن إنسانًا عليه جنَابة، وأراد أن يغتَسِلَ للجمعة، فإنه ينوي الغُسْلين معًا، وبعضهم يقول: ينوي غُسْل الجنابة؛ لأنها هي الغسلة الواجبة، ويدخل فيها أيضًا الغُسْل غيرُ الواجبٍ فيتداخلان "إذا اجتمع أمران من جِنْسٍ واحدٍ، ولم يختلف مَقْصودُهما، دخل أحدُهما في الآخر غالبًا"، وهي قاعدة فِقْهِيَّةٌ مشهورة.
[الْفَصْل الثَّالِثُ فِيمَنْ يَجُوزُ أَنْ يُغَسِّلَ الْمَيِّتَ]
قال المصنف رحمه اللَّه تعالى:
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
فِيمَنْ يَجُوزُ أَنْ يُغَسِّلَ الْمَيِّتَ، وَأَمَّا مَنْ يَجُوزُ أَنْ يُغَسِّلَ الْمَيِّتَ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الرِّجَالَ يُغَسِّلُونَ الرِّجَالَ، وَالنِّسَاءَ يُغَسِّلْنَ النِّسَاءَ (١).
وحجتهم:
أولًا: أن عليًّا غسَّل فاطمة ﵄. ثانيًا: قياسًا على غسل المرأة زوجها؛ لأنهما زوجان.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: تغسله ولا يغسلها؛ لأنه ليس في عدَّة منها. وعلَّل أبو حنيفة: بأنَّ لزوجها أن يتزوج أختها فلذلك لا يُغَسِّلها وهذا لا ينتقض عليهم بغسلها له.
* قوله: (وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ الْمَبْتُوتَةَ لَا تُغَسِّلُ زَوْجَهَا (١). وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّجْعِيَّةِ، فَروى مَالِك أَنَّهَا تُغَسِّلُهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ (٢). وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ (٣): لَا تُغَسِّلُهُ وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ مَالِكٍ، لأَنَّهُ لَيْسَ يَجُوزُ عِنْدَهُ أَنْ يَرَاهَا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٤). وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هُوَ هَلْ يَحِلُّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الرَّجْعِيَّةِ أَوْ لَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا؟).
стр. 2956
اختلفوا في الرجعية:
فقال مالك: أنه يُغَسِّلها وأنها تُغَسِّله إن كان الطلاق رجعيًّا، وهو قول أبي حنيفة.
وقال بعضهم: لا تُغسِّله وإن كان الطلاق رجعيًّا، قال وهو قياس من قول مالك؛ لأنه ليس له أن يراها عنده، وهو قول الشافعي.
* قوله: (وَأَمَّا حُكْمُ الْغَاسِلِ: فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ، فَقَالَ قَوْمٌ (١): مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ. وَقَالَ قَوْمٌ (٢): لَا غُسْلَ عَلَيْهِ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ لِحَدِيثِ أَسْمَاءَ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ" خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٣). وَأَمَّا حَدِيثُ أَسْمَاءَ: فَإِنَّهَا لَمَّا غَسَّلَتْ أَبَا بَكْرٍ ﵁ خَرَجَتْ فَسَأَلَتْ مَنْ حَضَرَهَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَقَالَتْ: إِنِّي صَائِمَةٌ، وَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ شَدِيدُ الْبَرْدِ فَهَلْ عَلَيَّ مِنْ غُسْلٍ؟ قَالُوا: لَا. وَحَدِيثُ أَسْمَاءَ فِي هَذَا صَحِيحٌ (٤). وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي
стр. 2957
هُرَيْرَةَ فَهُوَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيمَا حَكَى أَبُو عُمَرَ غَيْرُ صحِيحٍ (١)، لَكِنَّ حَدِيثَ أَسْمَاءَ لَيْسَ فِيهِ فِي الْحَقِيقَةِ مُعَارَضَةٌ لَهُ، فَإِنَّ مَنْ أَنْكَرَ الشَّيْءَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لأَنَّهُ لَمْ تَبْلُغْهُ السُّنَّةُ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَسُؤَالُ أَسْمَاءَ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- يَدُلُّ عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ فِي الصَّدْرِ الأَوَّلِ، وَلِهَذَا كُلِّهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٢) ﵁ عَلَى عَادَتِهِ فِي الِاحْتِيَاطِ وَالِالْتِفَاتِ إِلَى الأَثَرِ: لَا غُسْلَ عَلَى مَنْ غَسَّلَ الْمَيِّتَ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ).
اختلف فيه الفقهاء في هذه المسألة:
فقال بعضهم: منهم قائلون كل من غَسَّل ميِّتًا فعليه الغُسل.
قالوا: وإنما أسقط المهاجرون والأنصار -الذين حضروا غُسْل أسماء لزوجها- الغسل عنها لما ذكرت لهم؛ لأن إنما هي صائمة وأنه يوم شديد البرد.
واحتجَّ من رأى الغُسل على من غَسَّل الميت؛ بحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "من غسَّلَ مَيِّتًا فلْيَغْتَسِلْ ومن حَملَهُ فليتوضَّأْ".
وروي عن بعض الصحابة: أنه لا غُسل علَى من غسَّلَ الميِّتَ، وحديث أبي هريرة ضعَّفه بعض أهل العلم.
стр. 2958
[الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي صِفَةِ الْغُسْلِ]
قال المصنف رحمه اللَّه تعالى:
(الْفَصْلُ الرَّابعُ فِي صِفَةِ الْغُسْلِ
وَفِي هَذَا الْفَصْلِ مَسَائِلُ؛ إِحْدَاهَا: هَلْ يُنْزَعُ عَنِ الْمَيِّتِ قَمِيصُهُ إِذَا غُسِّلَ؟ أَمْ يُغَسَّلُ فِي قَمِيصِهِ؟).
هذه قضيةٌ مهمةٌ ومسألةٌ لها مكانتها.
لقد اعتنت الشريعة الإسلامية بالمسلم حالَ حياتِهِ، وكذلك بعد مَماتِهِ، وقد أخَذْنَا نَماذجَ، وذكرنا أمثلةً لذلك، وكيف تتعامل الشريعة العظيمةُ التي ما طَرقَ العالَمَ مِثْلُها، كيف تتعامل مع المسلم، وكيف تَحفظُ له مكانتَهُ في حياته متى ما لَزِمَ حدودَ اللَّه -تعالى- ووقف عندها، أمَّا إذا خَرجَ عن حُدودِهِ ، وتجاوزها، وَضَيَّع فرائضَ اللَّهِ، فإنَّ هذِهِ الشريعة فيها من الضوابطِ ومن الحَواجِزِ ومن الروادِعِ ما يردَعُ الإنسان الذي يخرُجُ عن حُدودِ اللَّه.
إذًا، الشريعة أيضًا تهتم بالمسلم في حال مماته، وقد رأينا ضربًا من الأمثلة والأحكام الَّتي مرَّت بنا، وما لم يذكره المؤلف أكثر مما ذَكَره، وربما نحن ذكرنا جُمَلًا لم يعرِضْ لها المؤلف، وسنذكر أيضًا غيرَهَا.
كَيفيَّة الغسل؟
سبب اختلاف العلماء هنا هو حِرصُهم على كَرامَةِ المسلِم، وحِرصُهم على حِفظِ عورةِ المسلم، وحرصهم أيضًا على جسدِ المُسلِمَ؛ ولذلك لا ينبغي لمن يحضر الغُسْلَ أن ينظر لجِسمِ المَيِّتِ، وَإِنْ نظر إليه فوجد فيه عَيْبًا، فليس له أن يذيعَه وينشرَه بين الناس؛ لأنه ليس للمسلم أن يذكر ما
стр. 2959
في أخيه المسلم؛ لأن هذا الميت ربما كان يعتبر ذلك سرًّا لا يريد نشرَه، فيأتي هذا فينشره.
لَكن لَوْ رأيتَ من محاسن الميت وبعض فضائله، فهذا أمر طيِّب أن تنشرَه أيضًا؛ لأن في ذلك ذكرًا حسنًا له، وحتى يكون قدوةً لغيره، ويستفيد من هذا الرجل الذي كان صالحًا في حياته.
من هنا اختلَف العُلَمَاءُ، إذا مات المَيِّتُ هل تُنزَع عنه ثِيابُهُ أو يُغَسل في قميصه؟
بَعْضهم قال: يُغَسل في قميصه ليبقى بدنُهُ محفوظًا، ويُصَب عليه المَاء، ويفرك من فوق الثياب. وبعضهم قال: لا تنزع عنه ثيابه.
والَّذين قالوا: تنزع عنه ثيابه أيضًا اختلفوا اختلافًا يسيرًا، بعضهم قال: يُغَطى. وبَعْضهم قال: تُستَر عورته من السُّرة إلى الرُّكبة، وغير ذلك من الأمور.
وجُمْهور العلماء (أبو حنيفة ومالك وأحمد) يرون أنه يُستحَبُّ أن يُنزَع عن الميتِ ثيابُه، وأن يُغسل وهو أيضًا محفوظ العورة أي: يكون مستور العورة من السُّرة إلى الرُّكبَة، هذا هو مذهب جماهير العلماء.
وذهب الإمام الشافعي إلى أنه يُغسل في قميصه.
وقد أشار المؤلف إلى حديثٍ في هذه المسألة، فقد ورد أثرٌ في ذلك أن الصحابة غَسَّلوا رسول اللَّه ﷺ ، وتَردَّدوا في ذلك الأمر، أيُجَرِّدونه من ثيابه ﵊ كما يُجرَّد سائر الموتى أو يَغسلونه وعليه ثيابه، فألقى اللَّه عليهم النوم، وفي روايةٍ: ألقى اللَّه عليهم النُّعَاس حتى أصبحت أذقانهم تَنْزِلُ على صدورهم، يعني: أخذهم النوم، ثم سُمِعَ من الداخل منادٍ ينادي أن رسول اللَّه ﷺ لا تُنزَع عنه ثيابه، وإنما يُغَسَّل بها، فغسلوا النَّبي ﷺ بثيابِهِ، فكانوا يصبون عليه الماءَ، ويَفْرُكُونَ جسده ﵊.
جاءَ في آخر ذلك الأثَر قول عائشة: "وايمُ اللَّهِ، لو اسْتَقبلتُ من أمري ما استَدْبَرْتُ لما غسَّل رسول اللَّه ﷺ إلا نِسَاؤهُ".
стр. 2960
وفي رِوَايةٍ: "لو استَقْبَلْنا من أمْرِنَا"، يعني: تتحدث عن أزواج رسول اللَّه ﷺ .
إذًا، رسول اللَّه ﷺ لمَّا تُوفِّي كما في حديث عائشة: "أردنا أن نُغَسِّلَ رسولَ اللَّه ﷺ ، فاختلف القوم في ذلِكَ، فقال بعضهم: أنُجَرده كما نُجَرد أمواتنا أو نُغَسِّلُه في ثِيابِهِ"، ثم بعد ذلك أصابهم النعاس، فسمعوا مناديًا ينادي. . . هذا الأثر حسن، وفي آخره نص عائشة: "لو استقبلت. . .".
وقد اختلف العلماء، فالإمام الشافعي أخذ بهذا الحديث وَعَمَّمه، فقال: ما دَام رسول اللَّه ﷺ قد غُسِّلَ في ثيابه وهو أسوَتُنَا وقُدْوتُنا، فينبغي كذلك أن يُغسل كل مَيِّتٍ في ثوبه.
والآخَرون قالوا: لا، هذا خاص برسول اللَّه ﷺ بدليل أنه قد انتشر واشتُهِرَ أنهم ينزعون ثياب المَوْتى بدليل قول عائشة في نفس الأثر: "أنُجَرِّدُ رسولَ اللَّه ﷺ من ثِيابِهِ كما نُجَرد أمْواتَنَا".
إذًا، هذه عادَتُهم، وهذا كانوا يفعلونه في حياته ﷺ ، وهذا هو السائر بينهم، أما بالنسبة لرسولِ اللَّه ﷺ ، فقد رأينا ما وَردَ في ذلك الأثرِ.
* قوله: (اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ: فَقَالَ مَالِكٌ (١): إِذَا غُسِّلَ الْمَيِّتُ تُنْزَعُ ثِيَابُهُ وَتُسْتَرُ عَوْرَتُهُ (٢)، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٤): يُغَسَّلُ
стр. 2961
فِي قَمِيصِهِ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: تَرَدُّدُ غُسْلِهِ ﵊ فِي قَمِيصِهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ سُنَّةً).
يَعْني: هل غَسْل الصحابة لرسول اللَّه ﷺ بعد مماته ﵊ سُنَّة؟ فَإِنْ كان كذلك، فينبغي أن تكون السُّنَّة عامة كل من مات من المسلمين، ويُغسل في ثيابه، أو أن ذلك خاص برسول اللَّه ﷺ ؛ لأن جسمه ﵊ طيب طاهر، فتبقى عليه ثيابه كما رأينا ذلك في النداء الذي جاء من البيت كما جاء في الأثر.
لذلك، مَنْ رأى أن ذلك خاص برسول اللَّه ﷺ قالوا -وهم الجمهور- تُنزَع الثياب، وتُستَر العورة وتُغسل، وذلك أبلغ في الغَسلِ وأمكن؛ لأن المقصود من ذلك هو تنظيف الميت وتطهيره.
ومن قال: إن ذلك سُنَّة ينبغي أن يُقْتدى برسول اللَّه ﷺ ، أو بما فُعِلَ برسول اللَّه ﷺ ، وأن يكون ذلك الحكم عامًّا، قال: إن كل ميت يُغسل في قميصه.
(فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ خَاصٌّ بِهِ وأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ مِنَ النَّظَرِ إِلَى الْمَيِّتِ إِلَّا مَا يَحْرُمُ مِنْهُ وَهُوَ حَيٌّ قَالَ: يُغَسَّلُ عُرْيَانًا إِلَّا عَوْرَتَهُ فَقَطِ الَّتِي يَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَيْهَا فِي حَالِ الْحَيَاةِ).
بالنِّسبة للرجل يجوز أن يُنْظرَ إلى جِسمه عدا العورة، وقَدْ فَصَّلنا القول في عورة الرجل والمرأة، وأن المرأة كلها عورةٌ إلا وجْهها وكفَّيها في الصلاة، وهناك تفاصيل في هذا، وأن الأَمَةَ على الصحيح عورتها كعورة الرجل؛ لأن وضعها يختلف عن المرأة الحرة، لكن عورة الرجل ما بين السُّرَّة إلى الركبة، هذا هو القول الصحيح، وهناك أقوال غير هذا القول.
стр. 2962
إذًا، القول الصحيح أنه لا ينبغي أن يُنظَر إلى عورة المُسلم حيًّا كان أو ميِّتًا، عدا الزوجين، فينظر بعضهم إلى بعض.
* قوله: (وَمَنْ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ سُنَّةً يَسْتَنِدُ إِلَى بَابِ الْإِجْمَاعِ أَوْ إِلَى الأَمْرِ الْإِلَهِيِّ).
ما معنى يستند إلى باب الإجماع؟ وهل هناك إجماع؟
قصد المؤلف هنا أن غَسْل الميت في ثَوبِه لم يقل أحدهم إنَّ ذلك لا يجوز، لكنه خلاف المستضعف عند الأثر.
إذًا، هذه قضية اتفق الكل على صحتها، فَهي مُجمَع عليها، قضية أن يُغسَّل في غير ثيابه يعني: أن تُنزَع منه، ويخالف فيها الشافعية، ويرون أنها في الثياب، هذا لعله يكون مُراد المؤلف، وإلا المسألة ليس فيها إجماع في هذه القضية.
* قوله: (لأَنَّهُ رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ "أَنَّهُمْ سَمِعُوا صَوْتًا يَقُولُ لَهُمْ: لَا تَنْزِعُوا الْقَمِيصَ، وَقَدْ أُلْقِيَ عَلَيْهِمُ النَّوْمُ" (١)، قَالَ: الأَفْضَلُ أَنْ يُغَسَّلَ الْمَيِّتُ فِي قَمِيصِهِ).
هذه قطعةٌ يسيرةٌ ذَكَرها المؤلف من الأثر الذي ذَكرتُ، وهو قول عائشة أنها قالت: "لما أردنا غَسْلَ رسول اللَّه ﷺ ، اختلف القوم"، وفي بعض الروايات: "اختلَف الناس"، فقال بعضهم: "أنُجَرد رسول اللَّه ﷺ من ثيابه كما نُجرِّد أمواتنا أو نُغَسِّلُه في ثِيابِهِ، ثم بعدى ذلك ألقى اللَّه عليهم النوم". وفي رواية: "فأصبح كل رجل ذقَنه إلى صدْرِهِ، فسمعوا مناديًا ينادي من الداخل"، "وفي بعض الروايات: من داخل البيت - أن يُغَسلوا رسول اللَّه ﷺ في ثيابِهِ".
стр. 2963
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): لَا يُوَضَّأُ الْمَيِّتُ).
هذه مسألة أُخرى أدرج المؤلف بعضها في بعضٍ، هل يُوَضَّأ الميت أو يُكتَفى بغَسل الميت؟ هذه المسألة فيها خلاف.
مِنَ العلماء مَنْ قال: يُوضَّأ، ويستدلُّون بحديث أُمِّ عطية عندما قال لها رَسُولُ اللَّه ﷺ في قصة تغْسِيلِ ابنتِهِ: "اغْسِلْنَها بِمَاءٍ وسِدْرٍ"، وفي بعض الروايات جاءت: "ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا".
ومن هنا نجد أن العلماء يقولون: يُوضَّأ، ويُغْسل الكفَّان، ثم بعد ذلك يُمَضمض أو أنه تُلَفُّ خِرْقةٌ وتُنَظف الأسنان، وَكَذلك بالنسبة للأنف، ثم بعد ذلك يُغسل الوجه واليدان إلى أن يُسْتكمل الوضوء المعروف، فأكثرُ العلماءِ على أن الميت يُوضَّأ، وبعضهم لا يرى ذلك.
(وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢): يُوَضَّأُ).
وأحمد.
(وَقَالَ مَالِكٌ (٣): إِنْ وُضِّئَ فَحَسَنٌ (٤). وَسَبَبُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ:
стр. 2964
مُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِلأَثَرِ. وَذَلِكَ أَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي أن لا وُضُوءَ عَلَى الْمَيِّتِ، لأَنَّ الْوُضُوءَ طَهَارَة مَفْرُوضَة لِمَوْضِعِ الْعِبَادَةِ، وَإِذَا أُسْقِطَتِ الْعِبَادَةُ عَنِ الْمَيِّتِ سَقَطَ شَرْطُهَا الَّذِي هُوَ الْوُضُوءُ، وَلَوْلَا أَنَّ الْغُسْلَ وَرَدَ فِي الْآثَارِ لَمَا وَجَبَ الغُسْلُ).
لَوْ تزوج المُسْلم ذميَّةً، هل يجوز لها أن تغسله؟ يقولون: لا يجوز لها أن تغسله، وهذا هو الرأي الصحيح؛ لأن النية واجبة في الغُسل، ومعنى هذا أنه عبادة، والنية واجبة، والذمية ليست من أهل العبادات، فلا يجوز أن تُغَسل.
إذًا، كونها عبادةً تُشْتَرط فيها النِّية وغير ذلك، فتغسيل الميت عبادة؛ لأن رسول اللَّه ﷺ أمر بذلك.
(وَظَاهِرُ حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ الثَّابِتِ أَنَّ الْوُضُوءَ شَرْطٌ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ لأَنَّ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي غُسْلِ ابْنَتِهِ: "ابْدَأْنَ بمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا" وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ ثَابِتَة خَرَّجَهَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (١)).
إذًا، هذا نصٌّ عن رسول اللَّه ﷺ فيه البدء بالميامن ومواضع الوضوء، وهذا هو الوضوء، إذًا الوضوء مشروع، إذًا القول الراجح في هذه المسألة هو الوضوء، ثمَّ إنَّ الوضوء أحفظ، يعني: تَوْضئة الميت أحوط من تركِ الوضوء؛ لأنَّ من العلماء من يرى الوضوء، ومنهم مَنْ لا يرى ذلك، فمن أخذ بتَوضِئَةِ الميِّت خرَج من الخلاف، ومَنْ ترَكه بقي في الخلاف، فأيضًا إلى جانب كون ذلك أقوى دليلًا هو أيضًا أحوط من حيث الحكم.
стр. 2965
(وَلِذَلِكَ يَجِبُ أَنْ تُعَارَضَ بِالرِّوَايَاتِ الَّتِي فِيهَا الْغُسْلُ مُطْلَقًا، لأَنَّ الْمُقَيَّدَ يَقْضِي عَلَى الْمُطْلَقِ).
حديث الرِّواية التي ذَكَرهَا المؤلف، وهي في "الصحيحين": "ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِع الوُضُوءِ مِنْهَا"، وهذه الَّتي أمَرَ رَسُولُ اللَّه ﷺ بتَغْسِيلِها هي ابنته زينب ﵂، وهي أكبَر بَناتِهِ، وهي زَوْجة أبي العاص، وهنا لم يذكرها المؤلف في رواية "الصحيحين"، لكنه جاء التنصيص عليها في روايةٍ عند مُسْلِمٍ، فهي زينب، وهي أكبر بنات رسول اللَّه ﷺ ، وهي زوجة أبي العاص.
هذا الَّذي يريد أن يتكلم المؤلف عنه هو قضية المُعَارضة، وهو ما جاء في العموم أن الرَّسُولَ ﷺ قال: "اغْسِلْنَها بِمَاءٍ وسِدْرٍ"، وفي قصة الذي رفسته دابته: "اغسلوه بماءٍ وسدرٍ"، قال المعارضون: لم يرد ذِكْرٌ للوضوءِ، فلَوْ كان الوضوء مطلوبًا لبيَّنه الرسول ﷺ : "اغسلنها بماءٍ وسدرٍ، واجعلنها في الآخر كافورًا أو شيئًا من كافورٍ"، "اغسلوه بماءٍ وسدرٍ، وكفِّنوه في ثيابه، ولا تغطوا رأسه، ولا تمسوه طيبًا، فإنه يُبْعَث يوم القيامة مُلبِّيًا"؛ وهذا في قصة الرجل الذي كان في أيام الحج مسافرًا، فوقصته دابته.
قالوا: جاء مطلقًا، ولم يرد فيه الوضوء، والوضوء جاء في هذه الرواية، فهل نأخذ بالعموم أو نأخذ بالخصوص؟
هذه مسألةٌ فيها خلاف: هل يُقَدم العموم على الخصوص أو يُقَدم الخصوص على العموم؟ هل يُقْضى بالمطلق على المُقَيد أو بالمُقَيد على المطلق، الصحيح أنه يُقَدم الخاصُّ على العامِّ؛ لأنه تخصيصٌ لبعض أفراده، وكذلك المُقَيد على المُطلَق، لكن ابن حزم خالف في هذه الناحية، وكثيرًا ما يُشير المؤلف إلى هذه القضية؛ لأنه يعرف ابن حزم وأصوله، وهو أيضًا ممن عاش في الأندلس.
стр. 2966
(إِذْ فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا يَرَاهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَيُشْبِهُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَسْبَابِ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ مُعَارَضَةُ الْمُطْلِقِ لِلْمُقَيَّدِ).
أين المُقَيد وأين المُطْلَق؟ المطلق: "اغْسِلْنَها"، "اغسِلُوه"، وَالمُقَيد: "ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا"، فَقُيد أيضًا ذلك.
(وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَتْ آثَارٌ كثِيرَة فِيهَا الأَمْرُ بِالْغُسْلِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ وُضُوءٍ فِيهَا).
المَقْصُودُ بالآثار الأحَاديثُ التي أشرنا إليها.
(فَهَؤُلَاءِ رَجَّحُوا الْإِطْلَاقَ عَلَى التَّقْيِيدِ لِمُعَارَضَةِ الْقِيَاسِ لَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ (١). وَالشَّافِعِيُّ جَرَى عَلَى الأَصْلِ مِنْ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ).
[المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ]
(اخْتَلَفُوا فِي التَّوْقِيتِ فِي الْغُسْلِ).
انتقل المؤلف إلى مسألة التوقيت في الغُسْل، هل هناك عدد مؤقت أي مُحدَّد؟ هل غُسْل الميت مُحدَد بواحدة أو بأكثر من ذلك؟
ورد الثلاث، وَهَذا هو المشهور، و"الثَّلَاث" وردت في كثيرٍ من أحكام السُّنَّة، كذلك وردت أيضًا: "اغسِلْنَها ثلاثًا أو خمسًا"، وفي رواية: "أو سبعًا"، ولذلك مِنَ العلماء مَنْ قال: الأفضل الثلاث، وله إلى خمسٍ وسبعٍ.
стр. 2967
لكن ما هو الواجب؟ هل الواجب غسله واحدةً أو أكثَر؟
من العلماء مَنْ رأى أن الواجبَ في غُسل الميت هو غَسْلَةٌ واحدة كالحال بالنسبة لغسل الحائض، وكذلك أيضًا الجُنُب، فالجُنُب إنما عليه أن يَغسل جسده مرةً واحدةً، وكذلك أيضًا المرأة الحائض إنْ أرادت أن تتطهَّر، لكن الأفضل أن تضيفَ إليها ثانيةً، وإنْ أضافت ثالثةً، فَهو أفضل.
والواجب في الوضوء إنما هو مرة واحدة، والاثنتان أفضل، والثلاث أفضل؛ لأن الاثنتين فيها زيادة احتياط، والثلاث أكثر من ذلك، وفيه أيضًا مُبَالغة في الوضوء، إذًا العُلَماء بعضهم رأى أنَّ الواجب واحدة، وكلٌّ مجتمعون أن الأَوْلَى في ذلك الوتر.
(فَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهُ، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَحْسَنَهُ وَاسْتَحَبَّهُ، وَالَّذِينَ أَوْجَبُوا التَّوْقِيتَ مِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ الْوِتْرَ، أَيَّ وِتْرٍ كَانَ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ (١)).
ابْن سيرينَ من التابعين، إمامٌ معروفٌ، عُرِفَ واشتهر بتعبيرِ الرُّؤيا.
(وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ الثَّلاثَةَ فَقَطْ، وَهُوَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢)).
كلمة المؤلف: (ومنهم مَنْ أوجب الثلاثة فقط وهو أبو حنيفة)، هذه لا أعرفها، هي في روايةٍ، لكن المعروف الواجب هي غسله واحدة، وما بقي بعد ذلك يختلفون في أفضليته.
(وَمِنْهُمْ مَنْ حَدَّ أَقَلَّ الْوِتْرِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: لَا يَنْقُصُ عَنِ الثَّلَاثَةِ، وَلَمْ يَحُدَّ الأَكْثَرَ، وَهُوَ الشَّافِعِيُّ (٣)، وَمِنْهُمْ مَنْ حَدَّ الأَكْثَرَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ:
стр. 2968
لَا يَتَجَاوَزُ بِهِ السَّبْعَةَ، وَهُوَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (١)).
إذًا، هَلْ هناك تَوْقيتٌ للغسل؟
نقول: لا، لكن أقل ما ينبغي أن يُغسَل به الميت هو مرة واحدة، لكن الأَوْلَى في ذلك أن يُزَادَ على الواحدة، وإن اقتصر على ثلاث فحسن، لكن الفقهاء الذين لاحظوا زيادة العدد لاحظوا أمرًا آخر؛ لأنه ربما يُغسَل الميت ثلاث مرات فتخرج منه نجاسة، فهل تضاف غسلة أخرى؟ نعم، هل نقتصر عند السبع؟ بعضهم قال: نعم كالحنابلة، وبعضهم قال: لا، ولو تجاوزنا السبع، هذا إذا خرجت منه نجاسة، لكن لو خرج منه شيء بعد تكفينه أو نحوه فلا، إنما الكلام هنا لو غُسِلَ الميت فخرج منه شيء.
أيضًا عند تغسيل الميت فيما يتعلق ببطن الميت، هل يُمسَح عليه مثلًا؟ هل يُعصَر عليه برفق؟ هذه مسائل ربما عرض إليها المؤلف لعله يأتي إليها.
الشاهد: أن الواجب في غسل الميت مرة واحدة، والأولى أو الأفضل في ذلك الثلاث، لكن لو خرج من الميت شيء، فإنه يُتَجاوز العدد، فهل نقف عند آخر ما ورد في النص (السبع)؟ أو أن المقصود من ذلك هو إزالة ما يخرج منه حتى وإن تجاوزت السبع والثمان والتسع والعشر كَمَا هو مذهب الشافعية؟
стр. 2969
(وَمِمَّنْ قَالَ بِاسْتِحْبَابِ الْوِتْرِ وَلَمْ يَحُدَّ فِيهِ حَدًّا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَأَصْحَابُهُ (١)، وَسَبَبُ الْخِلَافِ بَيْنَ مَنْ شَرَطَ التَّوْقِيتَ وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ بَلِ اسْتَحَبَّهُ: مُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِلأَثَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ يَقْتَضِي التَّوْقِيتَ؛ لأنَّ فِيهِ: "اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ" (٢)، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: "أَوْ سَبْعًا" (٣). وَأَمَّا قِيَاسُ الْمَيِّتِ عَلَى الْحَيِّ فِي الطَّهَارَةِ فَيَقْتَضِي أَنْ لَا تَوْقِيتَ فِيهَا كَمَا لَيْسَ فِي طَهَارَةِ الْحَيِّ تَوْقِيتٌ. فَمَنْ رَجَّحَ الأَثَرَ عَلَى النَّظَرِ قَالَ بِالتَّوْقِيتِ. وَمَنْ رَأَى الْجَمْعَ بَيْنَ الأَثَرِ وَالنَّظَرِ حَمَلَ التَّوْقِيتَ عَلَى الاسْتِحْبَابِ).
لَا شكَّ أنَّ الوقوف عند الأثر أَوْلَى، لكن ينبغي أن نتلمَّس العلة، أحيانًا تكون العلَّةُ والحكمةُ ظاهرةً، فَمَا المراد من تغسيل الميت؟ لا شكَّ أن المراد من تغسيل الميت هو تطهير بدنه، وإزالة ما علق فيه من نَجَاسةٍ، أَوْ ما خرج من ذلك البدن، فَبَعْض العلماء يرَى أن هناك حدًّا أعلى يُنْتهى إليه، وبعضهم قال: لَا، كلُّ ما خرَج من البدن، فينبغي أن يُغسَل إلى أن يُنقى.
(وَأَمَّا الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي التَّوْقِيتِ، فَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ أَلْفَاظُ الرِّوَايَاتِ فِي ذَلِكَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، فَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ رَأَى أَلَّا يَنْقُصَ عَنْ ثَلَاثَةٍ، لأَنَّهُ أَقَلُّ وِتْرٍ نُطِقَ بِهِ فِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ).
لكن الشافعيَّة يرون ألا ينقص عن ثلاثةٍ فيما هو الأفضل والمستحب، لكن الواجب عندهم هي غسلُهُ واحدةً كالحنابلة.
стр. 2970
(وَرَأَى أَنَّ مَا فَوْقَ ذَلِكَ مُبَاحٌ لِقَوْلِهِ ﵊: "أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ" (١)، وَأَمَّا أَحْمَدُ فَأَخَذَ بِأَكْثَر وِتْرٍ نُطِقَ بِهِ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: "أَوْ سَبْعًا").
لَكن عند الحنابلة "ثلاث" الأفضل عندهم فيما لم يخرج شَيءٌ من بدنه.
(وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَصَارَ فِي قَصْرِهِ الْوِتْرَ عَلَى الثَّلَاثِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ كَانَ يَأْخُذُ الْغُسْلَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ: "ثَلَاثًا، يُغَسَّلُ بِالسِّدْرِ مَرَّتَيْنِ، وَالثَّالِثَةَ بِالْمَاءِ وَالْكَافُورِ" (٢). وَأَيْضًا فَإِنَّ الْوِتْرَ الشَّرْعِيَّ عِنْدَهُ إِنَّمَا يَنْطَلِقُ عَلَى الثَّلاثِ فَقَطْ).
سَيَأْتِي أيضًا تنبيه المؤلف أنه ينبغي أن يكونَ من بين الغسلات غسله بماء قرَاح.
(وَكَانَ مَالِكٌ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُغسَّلَ فِي الأوْلَى بِالْمَاءِ الْقِرَاحِ).
المقصود بالماء القراح: الماء الصافي النقي يعني: المُجرد من كل شيءٍ حتى يبقى بدنه نَظِيفًا لا يعلَقُ به شيء، وبَعْضهم يطلق القراح الآن على الحلو، ولا مانعَ أن يكون الماء القراح حلوًا صافيًا.
(وَفِي الثَّانِيَةِ بِالسِّدْرِ، وَفِي الثَّالِثَةِ بِالمَاءِ وَالكَافُورِ).
فَالقَصْد من ذلك هو التنظيف، فَإنْ لم يوجد سدرٌ أو غيره، ووجد ما يُسْتعمل محله مما يُنقي ويُنظف فذلك كافٍ؛ لأن ذلك هو الذي كان معروفًا، لكن إن وُجِدَ بديل عنه فذلك جائز؛ لأن القصد من ذلك هو
стр. 2971
تنظيف البدن، أما من يريد أن يقف عندما ورد في الحديث أو الآثار فيغسله بسدرٍ وكافورٍ كما في حديث: "اغسِلْنَها بِماءٍ وسدرٍ، واجعَلْن في الآخرَةِ كافورًا أو شيئًا من كافور".
(وَاخْتَلَفُوا إِذَا خَرَجَ مِنْ بَطْنِهِ حَدَت هَلْ يُعَادُ غُسْلُهُ أَمْ لَا؟).
نعم، إذا خرج من بطنه حدث، فيُعَاد غسله؛ لأن القصد هنا إنما هو تنظيف البدن وتطهيره.
(فَقِيلَ: لَا يُعَادُ (١)، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (٢)، وَقِيلَ: يُعَادُ).
والذين قالوا: يُعَاد هُمُ الشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
(وَالَّذِينَ رَأَوْا أَنَّهُ يُعَادُ اخْتَلَفُوا فِي الْعَدَدِ الَّذِي تَجِبُ بِهِ الْإِعَادَةُ إِنْ تَكَرَّرَ خُرُوجُ الْحَدَثِ، فَقِيلَ يُعَادُ الْغُسْلُ عَلَيْهِ وَاحِدَةً، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٥).
стр. 2972
وَقِيلَ: يُعَادُ ثَلَاثًا. وَقِيلَ: يُعَادُ سَبْعًا (١). وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَى السَّبْعِ شَيْءٌ (٢)).
"واحدةً" عند الشافعية، فإن خرج شيءٌ من بطنه، فالشافعية قالوا: يُعَاد إلى أن ينقى بدنه.
(وَاخْتَلَفُوا فِي تَقْلِيمِ أَظْفَارِ الْمَيِّتِ وَالأَخْذِ مِنْ شِعْرِهِ).
هَذِهِ أيضًا مَسائلُ أخرى، يعني: إذا مات الميت وكانت أظافرُهُ أو كانت عانتُهُ أو كان شاربه طويلًا، هل تؤخذ منه هذه الشعور؟ ولو قُدِّر أنه أُخذَ منه شيء، فهل يُدْفن معه أو يُدفَن في مكان آخر؟
هذا كله أيضًا اختلف فيه العلماء، بعض العلماء يرى أن يؤخذ من شاربه إن كان طويلًا وتترك أظفاره، وبعضهم يرى أنه لا يؤخذ من الميت شيءٌ في هذه الحالة.
(فَقَالَ قَوْمٌ (٣): تُقَلَّمُ أَظْفَارُهُ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ. وَقَالَ قَوْمٌ (٤):
стр. 2973
لَا تُقَلَّمُ أَظْفَارُهُ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ شَعْرِهِ وَلَيْسَ فِيهِ أَثَرٌ).
وهذا كله فيه خلافٌ في المذاهب، فتجد أكثر من رأيٍ في داخل المذهب، فالمسألة فيها خلاف؛ فمنهم من قال: يؤخذ من شاربه ولا يؤخذ من أظفاره، ومنهم مَنْ قال: يُقَص شاربه، وتُقَص أظفاره، وبعضهم قال: حتى عانته، وبعضهم قال: لا يؤخذ من الميت شيءٌ.
(وَأَمَّا سَبَبُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ، فَالْخِلَافُ الْوَاقِعُ فِي ذَلِكَ فِي الصَّدْرِ الأَوَّلِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ قِيَاسَ الْمَيِّتِ عَلَى الْحَيِّ، فَمَنْ قَاسَهُ أَوْجَبَ تَقْلِيمَ الأَظْفَارِ وَحَلْقَ الْعَانَةِ لأنَّهَا مِنْ سُنَّةِ الْحَيِّ بِاتِّفَاقٍ).
أمَّا قوله: (أوجب)، فما قال: أحدٌ بالإيجاب، لكن الأمر هنا أمر استحباب، أو عدم استحباب، والمؤلف كثيرًا ما تغلب عليه عبارة فيقول: (أوجب).
(سُنَّة الحيِّ باتفاق)؛ لأنها عشرٌ من الفطرة، ورسول اللَّه ﷺ ذكر "قَصَّ الشارب ونتفَ الإبْطِ وحلق العانَةِ وتقليمَ الأظفار"، إذًا هذه من عَشْر الفطرة.
* قوله: (وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي عَصْرِ بَطْنِهِ قَبْلَ أَنْ يُغَسَّلَ).
هذه أيضًا أشَار إليها المؤلف، يعني: من العلماء مَنْ يرى أنه إذا
стр. 2974
مات الميت يوضع فوق بطنه شيء، وأذكر ممن نص على ذلك الحنابلة، يقولون: تُوضَع عليه حديدة، أو شيء من ذلك حتى لا ينتفخ بطنه.
(فَمِنْهُمْ (١) مَنْ رَأَى ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ (٢) مَنْ لَمْ يَرَهُ).
وفيما يتعلَّق بعصر بطنه، اختلف العلماء: بعضهم يرى أنه لا يُعْصر بطنه وإنما تُمَر اليد عليه، يعني: يُمسَح، وبعضهم يرى أنه يُمسَح مسحًا شديدًا، وبعضهم يرى أنه يُمسَح مسحًا خفيفًا، وبعضهم قال: يُعصَر عَصرًا رقيقًا، والذين قالوا: يُعصَر عصرًا رقيقًا الحنابلة، والذين قالوا: يُمسح عليه الشافعية والحنفية والمالكية، لكنهم يختلفون في كيفية إمرار اليد، يعني: هل يُمسَح بشدة أو يُمسَح برفقٍ ولينٍ.
لماذا يُعصَر بطنه أو لماذا تُمَر عليه اليد؟
القصد من ذلك هو إخراج ما في البدن؛ لأنه قد يكون في البدن نجاسات في معدته، فعندما تُعصَر بطنه أو تُمَر اليد عليه يخرج ما فيه، فهذا يعين على نظافته وتغسيله؛ لأنه ربما لو لم تُمَر عليه اليد أو لم يعصر بعد أن يُغسل يخرج منه شيء من الحَدَث.
(فَمَنْ رَآهُ رَأَى أَنَّ فِيهِ ضَرْبًا مِنَ الِاسْتِنْقَاءِ مِنَ الْحَدَثِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الطَّهَارَةِ، وَهُوَ مَطْلُوبٌ مِنَ الْمَيِّتِ كَمَا هُوَ مَطْلُوبٌ مِنَ الْحَيِّ، وَمَنْ لَمْ يَرَ
стр. 2975
ذَلِكَ رَأَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ تَكْلِيفِ مَا لَمْ يُشْرَعْ، وَأَنَّ الْحَيَّ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ الْمَيِّتِ).
مُرَاد المؤلف أن يقول: هذه مسألة اجتهادية لم يَرِدْ فيها نَصٌّ أنه يُعصَر بطنه أو تُمَر اليد عليه.
إذن، لم يَرِدْ في هذا شرعٌ، كأن هذا فيه تكلفٌ، فهو إقرار لأمر لم يشرع، لكننا لا نَنْسى أنَّ هذا من الوَسَائل، والوَسائلُ أحيانًا تُعْتبر مقدمات لأحكام، فهذا العمل: (أن يُعصَر بطنه، أو تُمَر اليد عليه) إنما القصد منه هو المساعدة في إخراج ما في بطنه، فهذا فيه فائدة بأن يكون ذلك أفضل وأنقى وأطهر وأنظف لبدنه.
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الأَكْفَانِ]
بدأ المصنف أولًا بالكلام عن تغسيل الميت، ثم ينتقل إلى تكفين الميت، ثم ينتقل بعد ذلك إلى الصلاة عليه، ثم إلى حمله ودفنه.
وسبق ذكر أن هذه الأشياء منها ما هو من فروض الكِفَايات، نحو تغسيل الميت، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه.
هنا قد انتقل المصنف إلى مسألة من أمهات مسائل هذا الباب، وهي مسألة الأكفان.
معلوم أن شأن المرأة في لِبَاسها يختلف عن شأن الرجل في بعض الأمور، فالشرع الحنيف قد أمر بسَتْرِ العورات والتحفظ لها، سواءٌ في ذلك الرجال والنساء، إلا أن الشرع الحنيف قد أمر النساء بشيءٍ زائدٍ من المبالغة في التصون والتحفظ والتستر مما لم يأمر به الرجال.
ولم يختلف ذلك المقصد الشرعي في ستر النساء حال حياتها عنه في
стр. 2976
موتها، بل اطَّرَدَ واستمَرَّ ونُدب الناس إليه، لذلك يكفن النساء في خمسة أثواب، على خلاف الرجل الذي يكفن في ثلاثة.
(وَالأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ "كُفِّنَ فِى ثَلَاثَةِ أَثْوَابِ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ" (١)).
جاء في هذا الحديث المتفق عليه أن رسول اللَّه ﷺ كُفِّنَ في ثلاثة أثواب سَحُولِيَّة بالفتح -بفتح السين وتروى بالضم- ليس فيها قميصٌ -أي: ثوب- ولا عمامة، وقَدْ جاء في حديثٍ آخر بيان ذلك.
و"سحولية" نسبةً إلى قريةٍ في اليمن تُعْرف بسحول، كانت تشتهر بصناعة الثياب، فقيل: ثياب سحولية. وقيل منسوبة إلى السحول الذي يغسل الثياب؛ لأنه إذا غسل الثوب يفركه، فكأنه يسحَلُهُ.
فالمراد بها الثياب من القطن، ويعضد هذا القراءة بضم السين، فيتعين أن تكون ثيابًا بيض من قطن.
وقد جاء في عدة أحاديث بيان فضل الثياب البيض، ولذلك حضَّ ورغَّب رسول اللَّه ﷺ في لبس البياض، وتكفين الأموات فيه، قال ﵊: "البَسُوا البَيَاضَ، وَكَفِّنوا فِيهِ مَوْتَاكُمْ"، أَوْ "أَمْوَاتَكُمْ".
(وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ لَيْلَى بِنْتِ قَائِفٍ الثَّقَفِيَّةِ قَالَتْ: "كُنْتُ فِيمَنْ غَسَّلَ أُمَّ كلْثُومٍ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكَانَ أَوَّلُ مَا أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَقْوَ ثُمَّ الدِّرْعَ ثُمَّ الْخِمَارَ ثُمَّ الْمِلْحَفَةَ ثُمَّ أُدْرِجَتْ بَعْدُ فِي الثَّوْبِ الْآخِرِ، قَالَتْ: وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ عِنْدَ الْبَابِ مَعَهُ أَكفَانُهَا يُنَاوِلهَا ثَوْبًا ثَوْبًا" (٢)).
"الحَقْو": المقصود به الإزار.
стр. 2977
أما "الدرع": فالمراد به القميص الذي يلبسه الإنسان؛ أي: الثوب.
و"الخِمَار": ما تخمر به المرأة رأسها، وينزل بعض منه على الوجه أيضًا، والقصد من ذلك هو ستر المرأة.
(المِلْحَفَة): من اللحاف، والمراد بالملحفة: ما تُلْحف أو تلتحف به المرأة؛ أي: ما تغطي فيه بدنها من عباءةٍ أو ثوبٍ أو غير ذلك.
ومنهم من يقول: هي الملاءة -مثل العباءة الآن- أو ثياب طويلة تلبسها النساء تسترها فوق القميص، لها أكمام واسعة، تنزل على الأرض، كذلك هناك ملحفة كالجِلال تضعها المرأة على نفسها فيسترها كلها من أعلى لأسفل.
(ثُمَّ أُدْرِجَتْ بَعْدُ فِي الثَّوْبِ الآخِرِ).
يعني: بعد الحقو والدرع والخمار والملحفة؛ لُفَّت في ثوب أخير معد لهذا.
(فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَخَذَ بِظَاهِرِ هَذَيْنِ الأَثَرَيْنِ فَقَالَ: يُكَفَّنُ الرَّجُلُ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ، وَالْمَرْأَةُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (١)، وَأَحْمَدُ (٢)،
стр. 2978
وَجَمَاعَةٌ (١). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢): أَقَلُّ مَا تُكَفَّنُ فِيهِ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ، وَالسُّنَّةُ خَمْسَةُ أَثْوَابِ، وَأَقَلُّ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ الرَّجُلُ ثَوْبَانِ، وَالسُّنَّةُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ. وَرَأَى مَالِكٌ (٣) أَنَّهُ لَا حَدَّ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُ يُجْزِئُ ثَوْبٌ وَاحِدٌ فِيهِمَا إِلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْوِتْرُ).
يعني الحديثين المذكورين آنفًا، فهل معنى هذا أن الميت لا يُكفن في أقل من ثلاثة أثواب؟ أو أن المقصود أنه الأَوْلى والأكمل؟
وقَدْ ورد أن مصعب بن عمير ﵁ لم يجدوا عند تَكفِينه إلا ثوبًا واحدًا؛ إذا غُطي به رأسه خرجت رِجلاه، وإذا غُطيت رجلاه خرج رأسُهُ، فأرشدهم رَسُول اللَّه ﷺ إلى أن يغطوا رأسه بالثوب، وأن يستروا ما ظهر من رجليه بالإذْخِرِ.
لذلك، اختلف العلماء في إنسانٍ أُدخل القبر دون أن يُكَفن، هل يُنْبش قبره فيُكفن أو يُترك؟ فبعض العلماء قال: يُنبش؛ لأن الكفن مطلوب. وبعضهم قال: لا؛ لأن النبش فيه نوعٌ من التعدي، فكأنه مُثْلةٌ، والقصد من التكفين إنما هو ستر الميت، وقد سُتِرَ بالتراب، والتراب كافٍ.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي التَّوْقِيتِ فِي مَفْهُومِ هَذَيْنِ الأَثَرَيْنِ، فَمَنْ فَهِمَ مِنْهُمَا الإِبَاحَةَ لَمْ يَقُلْ بِتوْقِيت إِلَّا أَنَّهُ اسْتَحَبَّ الْوِتْرَ لِاتِّفَاقِهِمَا فِي الْوِتْرِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ، وَكَأَنَّهُ فَهِمَ مِنْهُمَا
стр. 2979
الإِبَاحَةَ إِلَّا فِي التَّوْقِيتِ، فَإِنَّهُ فَهِمَ مِنْهُ شَرْعًا لِمُنَاسَبَتِهِ لِلشَّرْعِ، وَمَنْ فَهِمَ مِنَ الْعَدَدِ أَنَّهُ شَرَعَ الْإِبَاحَةَ قَالَ بِالتَّوْقِيتِ، إِمَّا عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ، وَإِمَّا عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ، وَكلُّهُ وَاسِعٌ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ-، وَلَيْسَ فِيهِ شَرْعٌ مَحْدُودٌ).
لكن الاقتصار على ما جاءت به السُّنَّة أَوْلَى.
(وَلَعَلَّهُ تَكَلُّفُ شَرْعٍ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ شَرْعٌ، وَقَدْ كُفِّنَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ يَوْمَ أُحُدٍ بِنَمِرَةٍ، فَكَانُوا إِذَا غَطَّوْا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّوْا بِهَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "غَطُّوا بِهَا رَأْسَهُ وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الْإِذْخِرِ" (١)).
قد يعترض على هذا من يرى وجوب الأثواب الثلاثة، ويعلله بأنه كُفن في ثوب واحد لعدم استِطَاعتهم ما هو أكثر، فشأنُ مصعب ﵁ لا يعدُّ دليلًا قاطعًا في المسألة. وعلى أي حال فإن الاقتصار على ثوب واحد جائز.
* قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَيِّتَ يُغَطَّى رَأْسُهُ وَيُطَيَّبُ (٢)، إِلَّا الْمُحْرِمَ إِذَا مَاتَ فِي إِحْرَامِهِ).
الميت إذا كُفِّن يُغطى رأسه، ويطيب ويوضع الحنوط في كفنه، لكن المُحْرِمَ تختلف حاله؛ لما ورد في الحديث من قصة الرجل الذي وَقَصَتْهُ دابته، فقال ﵊: "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيب، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ -وفي رواية: "ولا وجهه"- وَلَا تُحَنِّطُوهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَومَ القِيَامَةِ مُلَبيًا".
стр. 2980
وقد سبق ذكر الشهداء، وأنهم مَخْصُوصون بأحكام ليست لغيرهم؛ خصوصًا الذين يقتلون في المعركة، فإنهم يُدفنون في ثيابهم، ولا يُغسَّلُون ولا يُصلَّى عليهم، وجاء في الأحاديث أن الشهيد يُبعث يوم القيامة وجراحاته تنزف دمًا، اللون لون الدم والريح ريحُ المِسْكِ.
والمراد على أي حال أن المُحرِمَ له أحكامٌ تخَصُّه؛ لأنه مات وهو متلبِّسٌ بعباده، مات وهو يؤدي رُكنًا من أركان الإسلام، وسُنةً من سُنن هذه الشريعة، إذًا فقد مات في عبادة، فعُومل معاملةً خاصةً.
(فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ: فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢): الْمُحْرِمُ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِ الْمُحْرِمِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): لَا يُغَطَّى رَأْسُ الْمُحْرِمِ إِذَا مَاتَ وَلَا يَمَسُّ طِيبًا).
وقال أحمد (٤) بقول الشافعي.