موتها، بل اطَّرَدَ واستمَرَّ ونُدب الناس إليه، لذلك يكفن النساء في خمسة أثواب، على خلاف الرجل الذي يكفن في ثلاثة.
(وَالأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ "كُفِّنَ فِى ثَلَاثَةِ أَثْوَابِ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ" (١)).
جاء في هذا الحديث المتفق عليه أن رسول اللَّه ﷺ كُفِّنَ في ثلاثة أثواب سَحُولِيَّة بالفتح -بفتح السين وتروى بالضم- ليس فيها قميصٌ -أي: ثوب- ولا عمامة، وقَدْ جاء في حديثٍ آخر بيان ذلك.
و"سحولية" نسبةً إلى قريةٍ في اليمن تُعْرف بسحول، كانت تشتهر بصناعة الثياب، فقيل: ثياب سحولية. وقيل منسوبة إلى السحول الذي يغسل الثياب؛ لأنه إذا غسل الثوب يفركه، فكأنه يسحَلُهُ.
فالمراد بها الثياب من القطن، ويعضد هذا القراءة بضم السين، فيتعين أن تكون ثيابًا بيض من قطن.
وقد جاء في عدة أحاديث بيان فضل الثياب البيض، ولذلك حضَّ ورغَّب رسول اللَّه ﷺ في لبس البياض، وتكفين الأموات فيه، قال ﵊: "البَسُوا البَيَاضَ، وَكَفِّنوا فِيهِ مَوْتَاكُمْ"، أَوْ "أَمْوَاتَكُمْ".
(وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ لَيْلَى بِنْتِ قَائِفٍ الثَّقَفِيَّةِ قَالَتْ: "كُنْتُ فِيمَنْ غَسَّلَ أُمَّ كلْثُومٍ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكَانَ أَوَّلُ مَا أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَقْوَ ثُمَّ الدِّرْعَ ثُمَّ الْخِمَارَ ثُمَّ الْمِلْحَفَةَ ثُمَّ أُدْرِجَتْ بَعْدُ فِي الثَّوْبِ الْآخِرِ، قَالَتْ: وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ عِنْدَ الْبَابِ مَعَهُ أَكفَانُهَا يُنَاوِلهَا ثَوْبًا ثَوْبًا" (٢)).
"الحَقْو": المقصود به الإزار.
стр. 2977
أما "الدرع": فالمراد به القميص الذي يلبسه الإنسان؛ أي: الثوب.
و"الخِمَار": ما تخمر به المرأة رأسها، وينزل بعض منه على الوجه أيضًا، والقصد من ذلك هو ستر المرأة.
(المِلْحَفَة): من اللحاف، والمراد بالملحفة: ما تُلْحف أو تلتحف به المرأة؛ أي: ما تغطي فيه بدنها من عباءةٍ أو ثوبٍ أو غير ذلك.
ومنهم من يقول: هي الملاءة -مثل العباءة الآن- أو ثياب طويلة تلبسها النساء تسترها فوق القميص، لها أكمام واسعة، تنزل على الأرض، كذلك هناك ملحفة كالجِلال تضعها المرأة على نفسها فيسترها كلها من أعلى لأسفل.
(ثُمَّ أُدْرِجَتْ بَعْدُ فِي الثَّوْبِ الآخِرِ).
يعني: بعد الحقو والدرع والخمار والملحفة؛ لُفَّت في ثوب أخير معد لهذا.
(فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَخَذَ بِظَاهِرِ هَذَيْنِ الأَثَرَيْنِ فَقَالَ: يُكَفَّنُ الرَّجُلُ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ، وَالْمَرْأَةُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (١)، وَأَحْمَدُ (٢)،
стр. 2978
وَجَمَاعَةٌ (١). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢): أَقَلُّ مَا تُكَفَّنُ فِيهِ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ، وَالسُّنَّةُ خَمْسَةُ أَثْوَابِ، وَأَقَلُّ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ الرَّجُلُ ثَوْبَانِ، وَالسُّنَّةُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ. وَرَأَى مَالِكٌ (٣) أَنَّهُ لَا حَدَّ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُ يُجْزِئُ ثَوْبٌ وَاحِدٌ فِيهِمَا إِلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْوِتْرُ).
يعني الحديثين المذكورين آنفًا، فهل معنى هذا أن الميت لا يُكفن في أقل من ثلاثة أثواب؟ أو أن المقصود أنه الأَوْلى والأكمل؟
وقَدْ ورد أن مصعب بن عمير ﵁ لم يجدوا عند تَكفِينه إلا ثوبًا واحدًا؛ إذا غُطي به رأسه خرجت رِجلاه، وإذا غُطيت رجلاه خرج رأسُهُ، فأرشدهم رَسُول اللَّه ﷺ إلى أن يغطوا رأسه بالثوب، وأن يستروا ما ظهر من رجليه بالإذْخِرِ.
لذلك، اختلف العلماء في إنسانٍ أُدخل القبر دون أن يُكَفن، هل يُنْبش قبره فيُكفن أو يُترك؟ فبعض العلماء قال: يُنبش؛ لأن الكفن مطلوب. وبعضهم قال: لا؛ لأن النبش فيه نوعٌ من التعدي، فكأنه مُثْلةٌ، والقصد من التكفين إنما هو ستر الميت، وقد سُتِرَ بالتراب، والتراب كافٍ.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي التَّوْقِيتِ فِي مَفْهُومِ هَذَيْنِ الأَثَرَيْنِ، فَمَنْ فَهِمَ مِنْهُمَا الإِبَاحَةَ لَمْ يَقُلْ بِتوْقِيت إِلَّا أَنَّهُ اسْتَحَبَّ الْوِتْرَ لِاتِّفَاقِهِمَا فِي الْوِتْرِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ، وَكَأَنَّهُ فَهِمَ مِنْهُمَا
стр. 2979
الإِبَاحَةَ إِلَّا فِي التَّوْقِيتِ، فَإِنَّهُ فَهِمَ مِنْهُ شَرْعًا لِمُنَاسَبَتِهِ لِلشَّرْعِ، وَمَنْ فَهِمَ مِنَ الْعَدَدِ أَنَّهُ شَرَعَ الْإِبَاحَةَ قَالَ بِالتَّوْقِيتِ، إِمَّا عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ، وَإِمَّا عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ، وَكلُّهُ وَاسِعٌ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ-، وَلَيْسَ فِيهِ شَرْعٌ مَحْدُودٌ).
لكن الاقتصار على ما جاءت به السُّنَّة أَوْلَى.
(وَلَعَلَّهُ تَكَلُّفُ شَرْعٍ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ شَرْعٌ، وَقَدْ كُفِّنَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ يَوْمَ أُحُدٍ بِنَمِرَةٍ، فَكَانُوا إِذَا غَطَّوْا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّوْا بِهَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "غَطُّوا بِهَا رَأْسَهُ وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الْإِذْخِرِ" (١)).
قد يعترض على هذا من يرى وجوب الأثواب الثلاثة، ويعلله بأنه كُفن في ثوب واحد لعدم استِطَاعتهم ما هو أكثر، فشأنُ مصعب ﵁ لا يعدُّ دليلًا قاطعًا في المسألة. وعلى أي حال فإن الاقتصار على ثوب واحد جائز.
* قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَيِّتَ يُغَطَّى رَأْسُهُ وَيُطَيَّبُ (٢)، إِلَّا الْمُحْرِمَ إِذَا مَاتَ فِي إِحْرَامِهِ).
الميت إذا كُفِّن يُغطى رأسه، ويطيب ويوضع الحنوط في كفنه، لكن المُحْرِمَ تختلف حاله؛ لما ورد في الحديث من قصة الرجل الذي وَقَصَتْهُ دابته، فقال ﵊: "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيب، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ -وفي رواية: "ولا وجهه"- وَلَا تُحَنِّطُوهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَومَ القِيَامَةِ مُلَبيًا".
стр. 2980
وقد سبق ذكر الشهداء، وأنهم مَخْصُوصون بأحكام ليست لغيرهم؛ خصوصًا الذين يقتلون في المعركة، فإنهم يُدفنون في ثيابهم، ولا يُغسَّلُون ولا يُصلَّى عليهم، وجاء في الأحاديث أن الشهيد يُبعث يوم القيامة وجراحاته تنزف دمًا، اللون لون الدم والريح ريحُ المِسْكِ.
والمراد على أي حال أن المُحرِمَ له أحكامٌ تخَصُّه؛ لأنه مات وهو متلبِّسٌ بعباده، مات وهو يؤدي رُكنًا من أركان الإسلام، وسُنةً من سُنن هذه الشريعة، إذًا فقد مات في عبادة، فعُومل معاملةً خاصةً.
(فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ: فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢): الْمُحْرِمُ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِ الْمُحْرِمِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): لَا يُغَطَّى رَأْسُ الْمُحْرِمِ إِذَا مَاتَ وَلَا يَمَسُّ طِيبًا).
وقال أحمد (٤) بقول الشافعي.
стр. 2981
أما غيره من الأموات فإنه يُستحب تطييبه وتجْمِيرُهُ، ووضع الحنوط في كفنه، فهذا أمرٌ طيب؛ حتى يودع الدنيا ويقبل على الرب ﵎ وهو على أفضل هيئة وأحسن حال.
وقول المؤلف: (اخْتَلَفُوا فِيهِ) فيه فائدة:
فمع أن المسألة قد ورد فيها نص ثابت إلا أن العلماء مع ذلك اختلفوا؛ لأن أهل العلم إنما يختلفون من جهة تعليل الأحكام، واستخراج الأحكام واستنباطها من النصوص وتوجيهها، فليس الخلاف لقصد مخالفة النص، أو الإعراض عنه واستبداله بالأهواء ومستحسنات العقول، وإنما هو خلاف في الاستدلال والاستنباط من النصوص، واستخراج الأحكام منها؛ فليتنبه لهذا.
(وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ الْعُمُومِ لِلْخُصُوصِ، فَأَمَّا الْخُصُوصُ: فَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيَّ ﷺ بِرَجُلٍ وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ فَمَاتَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقَالَ: "كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَاغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، وَلَا تَقْرَبُوهُ طِيبًا، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلَبِّي" (١). وَأَمَّا الْعُمُومُ: فَهُوَ مَا وَرَدَ مِنَ الأَمْرِ بِالْغُسْلِ مُطْلَقًا).
الأمر بالغسل مطلقًا كقوله: "اغسلوه بماءٍ وسدر" في هذا الحديث، وكذلك قوله ﵊: "اغسلنها بماءٍ وسدر"، و"اغسِلْنَها ثلاثًا أو خمسًا".
(فَمَنْ خَصَّ مِنَ الأَمْوَاتِ الْمُحْرِمَ بِهَذَا الْحَدِيثِ كَتَخْصِيصِ الشُّهَدَاءِ بِقَتْلَى أُحُدٍ جَعَلَ الْحُكْمَ مِنْهُ ﵊ عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمًا عَلَى الْجَمِيعِ. وَقَالَ: لَا يُغَطَّى رَأْسُ الْمُحْرِمِ وَلَا يُمَسُّ طِيبًا).
يعني: التخصيص بقتلى أُحُدٍ أن شهيد المعركة لا يصلى عليه، ومع ذلك فالنبي ﷺ قد صلى على شهداء أحُدٍ في قبورهم بعد موتهم بثماني سنوات،
стр. 2982
فهم مخصوصون من شهداء المعركة بجواز الصلاة عليهم، كما أن المحرم مخصوص من عُمومِ الأموات بعدم ستر الوجه والتحنيط والتطييب.
وبسبب هذا الفعل من النبي ﷺ وقع خلافٌ بين العلماء: يُصلى على الشهداء الذين يُقتلون في المعركة، أو لا؟
وقد جاء في حديثٍ تعليل ذلك، أن الرسول ﷺ صلى عليهم يودِّعُهم؛ لأنه علم بدنُوِّ أجله، فكأنما يودع الشهداء.
(وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الْجَمْعِ لَا مَذْهَبَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالتَّخْصِيصِ قَالَ: حَدِيثُ الأَعْرَابِيِّ خَاصٌّ بِهِ لَا يُعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ).
الظاهر أنه لا وجه لتخصيصه بذلك الميت، ولا دليل على تخصيصه به؛ فالرسول ﷺ قاله بمشهدٍ من الصحابة، ومع ذلك لم يبيِّن ﵊ أن هذه خصيصة لذلك الرجل دون غيره، والرسول ﷺ مبيِّنٌ عن اللَّه، فهو الذي يُبلِّغُ أمَّتَه الأحكامَ ويبيِّنُها لهم ﵊، واللَّه -تعالى- يقول له: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
والقاعدة الأصولية: (إن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز)، فلو كان ذلك خاصًا لبَيَّنَه الرسول ﷺ لكنه لما أطلق دُونما تخصيص؛ دلَّ ذلك على أنه يَعُمْ كل من ماتَ مُحْرِمًا.
[الْبَابُ الرَّابِعُ فِي صِفَةِ الْمَشْيِ مَعَ الْجَنَازَةِ]
قد مر معنا أن الميت من وقت أن يموت فإن له حقوقًا ينبغي أن تؤدى إليه، بل حتى قبل موته، في حال مرضه ونحوه، فإنه تنبغي زيارته وعيادته، والتخفيف عنه، وإيكال أمره إلى من يَرْفُقُ به ويرؤف به ويخفف
стр. 2983
عنه مشقَّةَ مرضِهِ وآلامه، وهكذا كان فِعْلُ النبي ﷺ ، فقد كان يعود المرضى، ويدعو لهم، ويكون سببًا في شِفَائهم ﵊.
ثم إذا قضى اللَّه عليه الموت فتؤدى إليه حُقوقًا، نحو الدعاء له، وتَغْسيله وتكفينه، والصلاة عليه، وحمله، والمشي مع جنازته، وشهود دفنه، والاستغفار له ونحو ذلك.
وهنا المصنف ﵀ يشرع في الكلام عن أحد هذه الأشياء، وهو المشي مع الجنازة.
(الْبَابُ الرَّابعُ: فِي صِفَةِ الْمَشْيِ مَعَ الْجَنَازَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي سُنَّةِ الْمَشْيِ مَعَ الْجَنَازَةِ).
لا خلاف بين العلماء أن المشي مع الجنازة -يُقال الجَنازة بالفتح، والجِنازة بالكسر، كلاهما صحيح- سُنة؛ لأن الرسول ﷺ بيَّن ذلك، وفعَلَهُ، وفعله أصحابه ﵃، فهو من السُّنَنِ، بل له فضل عظيم عند اللَّه ﵎، فقد جاء في الحديث أن من صلَّى على جِنازةٍ كان له قيراط، ومن صلى عليها ومشي معها حتى وضعت في قَبْرِهَا فله قيراطان.
فالمشي مع الجنازة مستحَبٌّ، لكنه للرجال دون النساء، أما النساء فيُكره لهن المشي مع الجنازة؛ لحديث أم عطية الأنصارية أنها قالت: نُهينَا عن اتباع الجنائز.
ثم مسألة أُخرى لم يعرض لها المصنِّف ﵀، وهي كيفية المَشْي مع الجنازة، مشي بطيء متمَهِّلٍ، أو عكسه من السعي أو الرَّمَلِ مثلًا، كالرمل الذي يكون في الطواف أو بين العلمين في السَّعْي.
أرشد الرسول ﷺ ذلك، فقال ﵊: "أَسْرعُوا بالجنازة فَإِن تَكُن صَالِحَة فَخير تقدمونها إِلَيْهِ وَإِن تكن سوى ذَلِك فشر تَضَعونَه عَن رِقَابكُمْ" رواه الشيخان (١).
стр. 2984
فهذا دليلٌ على الإسراع بالجنازة، لكن المراد بالإسراع في المَشْي ليس الركض أو الرمل بها كما قال بعض العلماء.
ولا يفهم منه أن المراد أن يتجاوز ذلك الإسراع إلى حدِّ الرَّكْض أو ما شابه، فهذا مما قد تتضرر به الجنازة، ومن يحمِلُها، ويتضرر من يمْشِي معها وقد يشق على الناس متابعة الجنازة والمَشْي معها على هذا الحال، فليس المراد أن يرُكض بها وإنما الإسراعُ في المشْي.
ثم المسألة التي ذكر المؤلف، موضع الماشي مع الجنازة، هل يُمشَى أمام الجنازة أو خَلفها، هل ثمَّ فرقٌ بين الماشي والراكب، فيمشي الراجل أمام الجنازة والراكب يمشي خلفها، أو أنه لا بأس أن يُمشى أمامها وخلفها وعن يمينها وعن يسارها.
هذا كله وردت فيه أحاديث، لكن أكثر الأحاديث الواردة وأصحها هو المَشْي أمام الجنازة، من ذلك حديث عبد اللَّه عمر الذي قال فيه: رأيت رسولَ اللَّه ﷺ وأبا بكرٍ وعمر يمشُونَ أمام الجنازة.
وورد في أحاديث أُخرى أن الجنازة تابعةٌ غير متبوعة، وإذا كانت تابِعَةً غير متبوعة فالمشي يكون خلفها، ويقيسون ذلك على الإمام، فالإمام يُتبع ولا يتقدمه أحد، فينبغي للناس أن يمشُوا وراء الجِنازةِ.
وورد في حديثٍ آخر: "فضلُ الماشِي خلْفَ الجنازةِ على الماشِي أمامَها كفضل المكتوبة على صلاة التطوع" (١)، وفي رواية: "كفَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ" (٢).
وقد صحت الأحاديث في المشي خلفها وعن يمينها وعن شمالها، لكن أكثر الأحاديث وأصرحها هي أحاديث المشي أمامها، لذلك نقول: الأفضل أن يُمشى أمام الجنازة، فإن مشى خلفها وعن يمينها وعن شمالها فلا بأس.
стр. 2985
(فَذَهَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ (١) إِلَى أَنَّ مِنْ سُنَّتِهَا الْمَشْيَ أَمَامَهَا).
يعني بأهل المدينة مالكًا وأصحابه، وهو كذلك مذهب الشافعي وأحمد ﵏. فمذهب الجمهور هو استحباب المشي أمام الجنازة.
(وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢) وَسَائِرُهُمْ: إِنَّ الْمَشْيَ خَلْفَهَا أَفْضَلُ).
إذا قيل الكوفيون فيدخل فيهم التابعي إبراهيم النخعي وكذلك حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة، لكن غالبًا ما يُنص على الحنفية؛ لأن لهم مذهبًا فقهيًّا قد اشتُهر ودُوِّنَ وعُرف.
(وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُ الآثَارِ الَّتِي رَوَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ عَنْ سَلَفِهِ وَعَمِلَ بِهِ).
الأحاديث في هذه المسألة كثيرة، وقد عرض المؤلف بعضًا منها.
стр. 2986
(فَرَوَى مَالِكٌ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ مُرْسَلًا الْمَشْيَ أَمَامَ الْجَنَازَةِ، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ (١)، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٢)).
هذا الذي ذكره المؤلف مرسلًا عن مالك جاء موصولًا عند غيره، أصحاب السنن وغيرهم.
(وَأَخَذَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِمَا رَوَوْا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ عَلِيٍّ فِي جَنَازَةٍ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِي، وَهُوَ يَمْشِي خَلْفَهَا، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَمْشِيَانِ أَمَامَهَا).
في الكلام تقدير، فهذا الذي أخذ علي بن أبي طالب بيده رأى عليًا ﵁ يمشي خلف الجنازة، وكون هذا مخالف لفعل الشيخين ﵄ من المشي أمامها؛ فأشكل عليه ذلك فسأل عليًّا ﵁.
(فَقُلْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّ فَضْلَ الْمَاشِي خَلْفَهَا عَلَى الْمَاشِي أَمَامَهَا كَفَضْلِ صَلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَى صَلَاةِ النَّافِلَةِ، وَإِنَّهُمَا لَيَعْلَمَانِ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُمَا سَهْلَانِ يُسَهِّلَان عَلَى النَّاسِ (٣)).
يعني أنَّ المشي أمامها فيه وتيسير وتخفيف على الناس؛ فأرادا ﵄ أن يُسهِّلا على الناس.
أما علي ﵁ اختار أن يمشي خلفها، وفي كلِّ سعةٌ والحمد للَّه، لكنَّ الأَوْلى والأفضل هو ما فعله الشيخان، وهو ما ذهب إليه أكثر العلماء من المشي أمامها.
стр. 2987
(وَرُوِيَ عَنْهُ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: "قَدِّمْهَا بَيْنَ يَدَيْكَ، وَاجْعَلْهَا نُصْبَ عَيْنَيْكَ، فَإِنَّمَا هِيَ مَوْعِظَة وَتَذْكِرَةٌ وَعِبْرَةٌ" (١)).
يُذكِّر علي ﵁ مُحَدِّثَه بأمر من أهم الأمور في اتباع الجنائز، وهو الاتعاظ والاعتبار من هذا الموقف المهيب، الجنازة بارزة على الأكتاف، يسار بها إلى القبر، وقد أفضى صاحبها إلى ما قدَّم، وغدا -ولا بد- يصير مشيعها إلى نفس المصير، ويكون مكان صاحب الجنازة. كما قال أبو ذؤيب الهذلي:
وليأتين عليك يوم مَرَّة … يُبكى عليك مقنع لا تسمع
لا بُدَّ مِن تَلَفٍ مُقيمٍ فَانتَظِر … أَبِأَرضِ قَومِكَ أَم بِأُخرى المَصرَعُ
فكل واحد سيدركه الموت يومًا من الدهر مهما تباعد ذلك اليوم، ومهما مضت به السنون، ومهما عُمِّرَ في هذه الحياة، قال اللَّه ﵎: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]، وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
فينبغي للإنسان أن يجعل من هذه الجنازة التي أمامه عبرة وعظة وتذكيرًا، يتذكر سيرته في الحياة؛ ماذا قدم من عمل صالح يُقابل به ربه ﵎ في يوم لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون إلا من أتى اللَّه بقَلْبٍ سليم.
هل أدى الحقوق المأمور بأدائها إلى مستحقيها، هل أحسن إلى الخلق المأمور بالإحسان إليهم، هل تحمل مظلمة أو أساء أو تعَدَّى أو بغى عَلَى الخلقِ.
فإن أحسن فليحمد اللَّه على توفيقه وليستَزِدْ من هذا الإحسان، وإن
стр. 2988
أساء أو تعدى أو ظلم؛ فليستغفر اللَّه ويستَعْتِبُه في محْوِها، ويتحلل من أهل المظالم، ويرد إليهم حقوقهم، ففي الدنيا دينار ودرهم، وغدًا لا درهم ولا دينار، وإنما تؤخذ حقوق العباد من حسناته، فإن فنيت، أخذ من سيئاتهم وطرحت عليه، ثم طرح في النار، نسأل اللَّه -تعالى- العَفْوَ والعافية، فينبغي للإنسان أن يستفيد من هذا الموقف، هو في مِشية ينبغي أن يتذكر فيها الآخرة.
ولذلك أنكر العلماء على الذين يشتغلون بالكلام أو بأمورِ الدُّنيا أو يضحكون في مثل هذا المقام؛ لأن هذا دليلٌ على غفلة القَلْب وقِلَّةِ الاتعاظ والاعتبار، وعلى عدم تذكر الإنسان للموت، كما قال الرسولُ ﷺ : "أَكْثِرُوا مِنْ ذِكرِ هَادِمِ اللَّذَّاتِ" (١)؛ لأن تذكر الإنسان للموت يعينه على الاجتهاد في الخير والإقصار عن الشرِّ، والتجهز لملاقاته والاستعداد للرحيل.
فهذا هو المراد الذي أشار إليه علي ﵁، ونصح يه محدثه من تقديم الجنازة بين يديه وجَعْلِها نصب عينيه، ليحصل له من الاتعاظ والاعتبار بهذا المقام ما يكون عونًا على الاستعداد لذلك اليوم، وذلك المصرع.
ومثل هذه الحال من الاتعاظ والتدبر لا تحصل فقط بالمشي خلف الجنازة، بل تحصل بتشييعها على أي حال، سواء من أمامها أو من خلفها أو من أي جهة، لكن لعل الماشي خلف الجنازة يرى أكثر مما يرى غيره من بروز الجنازة على الأكتاف، وحشد الناس حولها فيكون أعمل في نفسه وأشد وقعًا وتأثيرًا عليها ونحو ذلك.
(وَبِمَا رُوِيَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: سَأَلْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ السَّيْرِ في الْجَنَازَةِ فَقَالَ: "الْجَنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ وَلَيْسَتْ
стр. 2989
بِتَابِعَةٍ، وَلَيْسَ مَعَهَا مَنْ يُقَدِّمُهَا" (١)، وَحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الرَّاكِبُ يَمْشِي أَمَامَ الْجَنَازَةِ، وَالْمَاشِي خَلْفَهَا وَأَمَامَهَا وَعَنْ يَمِينِهَا أو عن يَسَارِهَا قَرِيبًا مِنْهَا" (٢)).
هنا مسألة أيضًا لم يذكرها المؤلف نعْرِضُ لها، وهي أن يتبع الجنازة راكبًا، بعض العلماء قالوا: يُكره أن يتبَعَ الإنسانُ الجنازة رَاكبًا، وقد أنكر رسول اللَّه ﷺ على من رآه رَاكبًا؛ لأن الملائكة -وهم عباد اللَّه المكرمون- يمشُونَ في الجنازة، ولذا كان فِعْلُه ﷺ هو اتباع الجنائز ماشيًا، وثبت عنه ﵊ أنه ركب لما رَجَع منها، فللإنسان أن يركب إذا عاد منها، لكن حال اتِّبَاعها ينبغي للإنسان أن يتْبَعَها ماشيًا، فذلك أعون له على التواضع وتذكر ما ينبَغِي عليه تذكره في هذا الموقف العظيم، من الاستكثار من الصالحات، وترك المحرمات، والتَّنَزُّه عن المخالفات، وما أشبه من الاستعداد لمثل ذلك اليوم المهيب.
ويتذكر أحوال الآخرة، والقيام بين يدي الرب ﵎، حيث إلجام الناس بالعرق، والمرور على الصراط، وشفاعة النبي ﷺ لأمته، يتذكر أن ثَمَّ مِيزانًا وكتابًا لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها، وأن المرء سيُسأل عن كل شيءٍ، فإن كان قد عمل خيرًا فيجده أمامه، وإن وجد شرًّا فلا يلومن إلا نفسه.
(وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا فِي الْمَعْنَى قَالَ: "امْشُوا خَلْفَ الْجَنَازَةِ" (٣)، وَهَذِهِ الأَحَادِيثُ صَارَ إِلَيْهَا الْكُوفِيُّونَ وَهِيَ أَحَادِيثُ يُصَحِّحُونَهَا وَيُضَعِّفُهَا غَيْرُهُمْ (٤)).
стр. 2990
فيها ما هو صحيح وفيها ما ليس كذلك، والأحاديث التي فيها المشي أمام الجنازة أكثر وأصح، والكل في ذلك جائز وفيه سعة، لكن المختار هو المشي أمامها، ما لم تنزل بهم ضرورة أو تحصل مشقة أو يحدث زحام وتدافع وما أشبه، فحينئذ ينبغي أن يتَفَرَّقَ الناس، فالأمر واسع كما ذكرنا.
(وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ إِلَى الْجَنَازَةِ مَنْسُوخٌ (١) بِمَا رَوَى مَالِكٌ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُومُ فِي
стр. 2991
الْجَنَائِزِ ثُمَّ جَلَسَ" (١). وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى وُجُوبِ الْقِيَامِ، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ مِنْ أَمْرِهِ ﷺ بِالْقِيَامِ لَهَا كحَدِيثِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَائِزَ فَقُومُوا إِلَيْهَا حَتَّى تَخْلُفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ" (٢). وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ رَأَوْا أَنَّ الْقِيَامَ مَنْسُوخ فِي الْقِيَامِ عَلَى الْقَبْرِ فِي وَقْتِ الدَّفْنِ، فَبَعْضُهُمْ (٣) رَأَى أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ النَّهْيِ، وَبَعْضُهُمْ (٤) رَأَى أَنَّهُ دَاخِلٌ تَحْتَ النَّهْيِ عَلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَمَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ ذَلِكَ احْتَجَّ بِفِعْلِ عَلِيِّ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رَوَى النَّسْخَ، وَقَامَ عَلَى قَبْرِ ابْنِ الْمُكَفَّفِ فَقِيلَ لَهُ: أَلَا تَجْلِسُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: "قَلِيلٌ لأَخِينَا قِيَامُنَا عَلَى قَبْرِهِ" (٥)).
يعني: إذا كان المرء جالسًا فمرتْ به جنازة، هل يقوم لها أو يبقى على حاله.
ورد القيام في أحاديث، وورد عدم القيام في أحاديث أخر، وورد أن رسول اللَّه ﷺ قام وقعد، وأن القعود كان آخر الأمرين من رسول اللَّه ﷺ ، ووردَ أن الرَّسولَ- ﷺ قام حتى ذكر له أن يهودَ تَفْعله، فتَرَكَهُ ﷺ .
стр. 2992
بعض العلماء يرى أنه دليل على النسخ، وإنما قام الرسول وقعد، فهو يفعل أحيانًا ويترك أحيانًا.
فالمسألة كما ذكر المؤلف فيها خلاف، فبعضهم يرى أن القيام كان ثَابِتًا ثم نُسخ، وبعضهم لا يقول بالنسخ ويرون أن يقوم المرء للجنازة، وللإنسان أن يختار ما يشاء.
قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى:
(البَابُ الخَامِسُ: فِي الصَّلَاةِ عَلَى الجَنَازَةِ (١))
(وَهَذِهِ الجُمْلَةُ يَتَعَلَّقُ بِهَا بَعْدَ مَعْرِفَةِ وُجُوبِهَا فُصُولٌ، أَحَدُهَا: فِي صِفَةِ صَلَاةِ الجَنَازَةِ. وَالثَّانِي: عَلَى مَنْ يُصَلَّى، وَمَنْ أَوْلَى بِالصَّلَاةِ. وَالثَّالِثُ: فِي وَقْتِ هَذِهِ الصَّلَاةِ. وَالرَّابِعُ: فِي مَوْضِعِ هَذِهِ الصَّلَاةِ. وَالخَامِسُ: فِي شُرُوطِ هَذِهِ الصَّلَاةِ).
[الفَصْلُ الأَوَّلُ: فِي صِفَةِ صَلَاةِ الجَنَازَةِ]
(فَأَمَّا صِفَةُ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مَسَائِلُ، المَسْأَلَةُ الأُولَى: اخْتَلَفُوا فِي عَدَدِ التَّكْبِيرِ).
стр. 2993
وقبل التكبير هناك دعاء الاستفتاح، وأكثر العلماء لا يرى مشروعيته في صلاة الجنازة (١)، ثم يأتي التعوذ، وأكثر العلماء يرى مشروعيته (٢)، ثم النية، ثم بعد ذلك التكبير، والمشهور أنه أربع تكبيرات، وهو مذهب الأئمة الأربعة، وهناك مَنْ يرى أنه يُكبِّر خمسًا، وبعضهم أوصله إلى ثمان، لكن المشهور الذي استقرت عليه آراء الفقهاء وأقوالهم أنه أربع تكبيرات (٣)، يُكبِّر في الأولى ويقرأ الفاتحة، ثم يُكبِّر التكبيرة الثانية،
стр. 2994
ويُصلَّى على النبي ﷺ كالصلاة في التشهد، ثم يُكبِّر التكلبيرة الثالثة، ويدعو لنفسه ولوالديه وللمسلمين وللميت، ثم بعد ذلك يُكبِّر التكبيرة الرابعة (١).
هل يسكت بعد الرابعة -كما هو قول بعض العلماء- هُنية ثم يُسلم، أو يذكر شيئًا من الدعاء؛ بَعْضهم يرى أنه يدعو فيقول: "ربنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار" (٢)، وبعضهم يقول: "اللَّهمَّ لا تحرمنا أَجْرَهم، ولا تَفتنَّا بعدهم" (٣)، وبعضهم يرى أنه يُكبِّر، ثم يسكت قليلًا، ثم يُسلِّم ولا يذكر شيئًا (٤).
* قوله: (. . . فِي الصَّدْرِ الأَوَّلِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا مِنْ ثَلَاثٍ إِلَى سَبْعٍ -أَعْنِي: الصَّحَابَةَ ﵃) (٥).
ويَعْني بالصدر الأول: الصحابة ﵃.
* قوله: (وَلَكِنَّ فُقَهَاءَ الأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي الجَنَازَةِ أَرْبَعٌ).
وفقهاء الأمصار هم الأئمة الأربعة، لكن لو زاد خامسةً، فإنَّ الصلاةَ صحيحةٌ.
стр. 2995
* قوله: (إِلَّا ابْنَ أَبِي لَيْلَى (١) وَجَابِرَ بْنَ زيدٍ (٢)، فَإِنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ: إِنَّها خَمْسٌ. وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ: اخْتِلَافُ الآثَارِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي اليَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى المُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ" (٣)، وَهُوَ حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ).
وَهُنَاك حَديثٌ آخر فِي المتفق عليه، رواه جابر بن عبد اللَّه (٤)، والنجاشي كان له موقفٌ من الإسلام معروف، وكيف أنه نصر الذين هاجروا إلى الحبشة، وكيف وقف في وجه أعدائهم، وكيف حاولت قريشٌ أن تستردهم أذلةً، فوقف معهم واستمع إلى ما عندهم، ثم بعد ذلك هُدِيَ إلى الإسلام فأسلم.
فرَسُولُ اللَّه ﷺ صلى عليه صلاة الغائب، وصلاةُ الغائب جائزة؛ لأن رسول اللَّه ﷺ فَعلَها، وسيأتي خلافٌ في هذه المسألة (٥).
стр. 2996
وَهَذا الحَديثُ فيه أنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ -كبَّر أربعًا.
* قوله: (وَلِذَلِكَ، أَخَذَ بِهِ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ، وَجَاءَ فِي هَذَا المَعْنَى أَيْضًا مِنْ: "أَنَّهُ ﵊ صَلَّى عَلَى قَبْرِ مِسْكِينَةٍ، فَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا" (١)).
وهذه المرأة المسكينة لما علم رسول اللَّه ﷺ أنها مرضت، وكان رسول اللَّه ﷺ يُعْنَى بأمر المساكين والفقراء والمحتاجين والمرضى، ولقد وَهَبَ اللَّه سبحانه تعالى نبيه ﷺ من الرحمة والشفقة ما وَهَبه، فهو القائل : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
فعندما أدرك ﷺ مرضها، طلب من أصحابه أن يخبروه بموتها إذا ماتت، فماتت ليلًا، فأُخرجت جنازتها، وشقَّ على أصحاب رسول اللَّه ﷺ أن يقرعوا الباب على نبيهم، وأن يوقظوه من نومه، فاتخذوا ما اتخذوا في شأن تلك المرأة، فلما جاء اليوم الثاني أُخْبِرَ رسول اللَّه ﷺ بذلك، فأنكر الأمر، وقال: "ألم أقل آذنوني؟ "، قالوا: بلى، ولكننا خشينا -أو: كرهنا- أن نوقظك من نومك، فأخذ رسول اللَّه ﷺ مَنْ معه وصلى على القبر.
وَبِهَذَا يستدلُّ العلماء على صحة الصلاة على القبر في حق مَنْ لم
стр. 2997
يُصلَّ عليه (١)، وهل للإنسان أن يكرر الصلاة على الميت؟ هذا فيه كلامٌ للعلماء معروف (٢)، ورسول اللَّه ﷺ صلى على شهداء أُحُدٍ بعد مرور ثمان سنوات (٣).
وهذا الحديث الذي ذُكر عن المسكينة فيه كلام، وله عدة طرق (٤)،
على النسخ (١)، لكن كما ذكر المؤلف الذي استقرَّ عليه رأي جماهير الفقهاء (فقهاء الأمصار) هو الاقتصار على أربع تكبيرات.
* قوله: (وَهَذَا فِيهِ حُجَّةٌ لَائِحَةٌ لِلْجُمْهُورِ (٢)، وَأَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى رَفْعِ اليَدَيْنِ فِي أَوَّلِ التَّكْبِيرِ عَلَى الجَنَازَةِ (٣)).
وَهَذِهِ مَسْألةٌ أُخرى تَتَعلَّق برفع اليدين، ومعلومٌ أنَّ هناك مواضع أربعة في الصلاة تُرْفع فيها الأيدي:
١. عند تكبيرة الإحرام، وهذا أمرٌ مُجْمعٌ عليه.
٢. عند الركوع.
٣. عند الرفع من الركوع.
٤. عند القيام من التشهُّد الأول.
هذه هي المواضع الأربعة في غير صلاة الجنازة، لكن المؤلف سيتكلم عن صلاة الجنازة، وأيضا اختلف العلماء فيما هو المستحب، هل يرفع يديه إلى منكبيه أو إلى أذنيه؟ فالجمهور إلى المنكبين، والحنفية إلى الأذنين، وكلها وردت فيها أحاديث صحيحة (٤).
стр. 3000
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي سَائِرِ التَّكْبِيرِ، فَقَالَ قَوْمٌ: يَرْفَعُ (١)؛ وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَرْفَعُ (٢). ورَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَبَّرَ فِي جَنَازَةِ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ فِي أَوَّلِ التَّكْبِيرِ، وَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى" (٣)، فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى ظَاهِرِ هَذَا الأَثَرِ وَكانَ مَذْهَبُهُ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ إِلَّا فِي أَوَّلِ التَّكْبِيرِ قَالَ: الرَّفْعُ فِي أَوَّلِ التَّكْبِيرِ. وَمَنْ قَالَ: يَرْفَعُ فِي كُلِّ تَكْبِيرٍ، شَبَّهَ التَّكْبِيرَ الثَّانِيَ بِالأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ كُلَّهُ يُفْعَلُ فِي حَالِ القِيَامِ وَالِاسْتِوَاءِ).
أَيْ: اختلَفوا في الرفع فيما عدَا تكبيرة الإحرام، فالحنفيَّة (٤) قالوا: لا يرفع فيما عداها اعتمادًا على ظاهر الحديث؛ لأن أبا هريرة لم ينقل أن النبي ﷺ رفع في سائر التكبير، والشافعية (٥) والحنابلة (٦) قالوا: يرفع؛ لأن التكبير كله على حالة واحدة.
* قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي القِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ
"صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى جَنَازَةٍ، فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ، فَقَالَ: لتَعْلَمُوا أَنَّهَا السُّنَّةُ" (١)، فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى تَرْجِيحِ هَذَا الأَثَرِ عَلَى العَمَلِ (٢) وَكَانَ اسْمُ الصَّلَاةِ يَتَنَاوَلُ عِنْدَهُ صَلَاةَ الجَنَازَةِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ : "لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ" (٣)، رَأَى قِرَاءَةَ فَاتِحَةِ الكِتَابِ فِيهَا).
اختلَف الفُقَهاء في قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى، فيرى المالكية والحنفيَّة أنه ليست هناك قراءة، واستدلَّ مالكٌ على ذلك بعمل أهل المدينة، وهو عنده مُقَدَّمٌ على أقضية الصحابة، كَمَا أنَّ مالكًا لا يقبل حديثًا خالف عمل أهل المدينة؛ لأن عملهم بمنزلة روايتهم عن رسول اللَّه ﷺ ، ورواية الجماعة عن الجماعة أولى من رواية الفرد عن الفرد، ويرى الشَّافعيَّة والحنابلة أنَّه يقرأ الفاتحة (٤)، واستدلُّوا بالأثر الذي روى طلحة، وأنه صلى خلف ابن عباسٍ فقرأ (٥)، وصلاة الجنازة تقع تحت عموم قوله ﷺ : "لَا صلَاة إلا بفاتحَة الكتاب" (٦)، من حيث إنها صلاة.
أَمَّا بعد التكبيرَة الثانية، فليسَ هناك خلاف بينهم، فمَذْهب الشافعية هو نفسه مذهب المالكيَّة والحنفيَّة من حيث الصلاة على النبي ﷺ بعد الثانية، والدعاء للميِّت بعد الثالثة، والتسليم بعد الرابعة (٧).
стр. 3003
* قوله: (وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْتَجَّ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ بِظَوَاهِرِ الآثَارِ الَّتِي نُقِلَ فِيهَا دُعَاؤُهُ ﵊ في الصَّلَاة عَلَى الجَنَائِزِ، وَلَمْ يُنْقَلْ فِيهَا أَنَّهُ قَرَأَ).
وَرَدتْ أحَاديثُ لم يَرِدْ فيها ذِكْرٌ للقرَاءة، ولذلك قال كَثيرٌ من العُلَمَاء والمُحَققين: إنَّ قراءةَ الفاتحة لَيْست واجبةً في صلاة الجنازة، ولكنها سُنَّة (١)، وإذا كانت سُنَّةً، فينبغي أن نحافظَ عليها.
стр. 3004
* قوله: (وَعَلَى هَذَا، فَتَكُونُ تِلْكَ الآثَارُ كَأَنَّهَا مُعَارِضَة لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ (١)، وَمُخَصِّصَةٌ لِقَوْلِهِ: "لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ").
وحديث ابن عباس هو الذي مرت أيضًا الإشارة إليه، وهو حديثٌ صحيح عندما قام فصلى صلاة الجنازة، فقرأ بالفاتحة، وَجَهر بها، وقال: هذه السُّنَّة (أو: إنها السُّنَّة).
* قوله: (وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: (وَكَانَ مِنْ كُبَرَاءِ الصَّحَابَةِ وَعُلَمَائِهِمْ وَأَبْنَاءِ الَّذِينَ شَهِدُوا بَدْرًا): أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﵊ أَخْبَرَهُ "أَنَّ السُّنَّةَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الجَنَائِزِ أَنْ يُكَبِّرَ الإِمَامُ، ثُمَّ يَقْرَأَ فَاتِحَةَ الكِتَابِ سِرًّا فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ يُخْلِصَ الدُّعَاءَ فِي التَّكْبِيرَاتِ الثَّلاثِ" (٢)).
ولا شك أن هذا هو أكملها وأَوْلَاها.
* قوله: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ).
وابن شهاب هو الإمام الزهري، أحد التابعين المشهورين، وممن لهم قَدمٌ راسخةٌ في حفظ أحاديث رسول اللَّه ﷺ ، وفي تدوينها، وهو أَحدُ الرُّوَاة المشهورين الذين تلقى عنهم جَمعٌ من العلماء، وَمن بينهم الإمام مالك إمام دار الهجرة (٣).
* قوله: (فَذَكَرْتُ الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ أَبُو أُمَامَةَ مِنْ ذَلِكَ لِمُحَمَّدِ بْنِ سُوَيْدٍ الفِهْرِيِّ، فَقَالَ: وَأَنَا سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ يُحَدِّثُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الجَنَائِزِ بِمِثْلِ مَا حَدَّثَكَ بِهِ أَبُو أُمَامَةَ) (٤).
стр. 3005
ولا ننسى عموم قوله ﵊: "لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ".
* قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِي التَّسْلِيمِ مِنَ الجَنَازَةِ).
وَهَذه مَسْألةٌ أُخرى سيبدؤها المؤلف، وهي في نظري من كليات المسائل، ولذلك ذَكَرها في هذا المقام، هل يُقْتصر في التسليم من الجنازة على وَاحِدَةٍ، حيث يُسلِّم على يمينه تسليمةً واحدةً، أو أنه يفعل كما يفعل في الصلاة يُسلِّم تسليمَتين عن يمينه، ثم عن شماله؟ من العلماء من قال: يُسلم تسليمة واحدة، وهذا هو رأي جمهور العلماء، ويستدلون على ذلك بحديث أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ صلى صلاة الجنازة، فَكبَّر أربعًا، وسلَّم تسليمةً واحدةً (١)، وهَذَا الحَديث مختلفٌ فيه، لكن بعد التحقيق نجد أنَّ سَندَه حسنٌ.
كذلك أيضًا نُقِلَ عن جمعِ غفير من الصحابة ﵃ أنهم كانوا يُسلِّمون تسليمةً واحدة (٢)، ولو سلَّم تسليمتين، فذلك أمرٌ جائزٌ، وليس فيه كراهة.
* قوله: (هَلْ هُوَ وَاحِدٌ أَوِ اثْنَانِ؟ فَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدٌ (٣)،
стр. 3006
وَقَالَتْ طَائِفَة وَأَبُو حَنِيفَةَ: يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ (١)).
يَعْني: هو قال: "وَاحدٌ أو اثنَان" ردًّا على التسليم، هل التسليم واحد أو اثنان؟ ولو قال: "التسليمة"، لَقَال أيضًا: واحدة أو اثنتان.
* قوله: (وَاخْتَارَهُ المُزَنِيُّ (٢) مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ) (٣).
стр. 3007
والمُزَنِيُّ هو أحد علماء الشافعية المشهورين الذين لهم قدمٌ راسخةٌ في خدمة المذهب.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: اخْتِلَافُهُمْ فِي التَّسْلِيمِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَقِيَاسُ صَلَاةِ الجَنَائِزِ عَلَى الصَّلَاةِ المَفْرُوضَةِ).
والمؤلف يريد أن يربط بين الخلاف في الصلاة المعروفة (الصلاة المفروضة أو صلاة التطوع)، وبين صلاة الجنازة، هل يقتصر على تسليمةٍ واحدةٍ أو على تسليمتين؟
هناك خلاف (١)، فمن العلماء من يرى أن الواجب في التسليم من الصلاة إنما هي واحدة، وأكثرهم يرى أنهما اثنتان، فمراده القول: إنَّ سببَ الخلاف هو قياس صلاة الجنازة على الصلاة المكتوبة.
* قوله: (فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ التَّسْلِيمَةُ وَاحِدَةً فِي الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ، وَقَاسَ صَلَاةَ الجَنَازَةِ عَلَيْهَا، قَالَ بِوَاحِدَةٍ. وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ تَسْلِيمَتَيْنِ فِي الصَّلَاةِ المَفْرُوضَةِ، قَالَ هُنَاك بِتَسْلِيمَتَيْنِ إِنْ كَانَتْ عِنْدَهُ تِلْكَ سُنَّةً فَهَذِهِ سُنَّةٌ، وَإِنْ كانَ فَرْضًا فَهَذِهِ فَرْضٌ).
وهذه من المسائل التي لا يتوقف على الخلاف فيها حرج، فلو اقتصر الإنسان على واحدة، فإن ذلك قد ورد عن رسول اللَّه ﷺ ، وعن كثيرٍ من الصحابة.
* قوله: (وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ المَذْهَبُ هَلْ يَجْهَرُ فِيهَا أَوْ لَا يَجْهَرُ بِالسَّلَامِ؟ (٢)).
стр. 3008
وَمُرَادُهُ بالمذهب: مذهب مالك، هل يجهر بالتسليم أو لا؟ إنْ كَانَ إمامًا يجهر بها ليسمع الآخرين.
* قوله: (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَاخْتَلَفُوا أَيْنَ يَقُومُ الإِمَامُ مِنَ الجَنَازَةِ).
وهَذِهِ مسألة أُخرى يراها المؤلف كلِّيَّةً، عندما يُوضَع الميت للصلاة عليه، أين يكون موقف الإمام منه؟
وهَذَا الذي يُصلَّى علَيه قد يكون واحدًا، وقد يكون أكثر، والَّذين يُصلَّى عليهم قد يكونون ذكورًا، وقد يكونون إناثًا، وقد يكون فيهم الذكور وفيهم الإناث، والعلماء قد تكلَّموا في هَذِهِ المسألة واختلفوا.
فمن العُلَماء مَنْ قال: يُصلَّى عند صدر الرجل، وبعضهم قال: عند رأس الرجل، يَعْني: يكون الإمام أمَامه صدر الرجل، فيتوسَّط الرجل من صدره، وبعضهم قال: عند رأسه، وبعضهم قال: عند منكبيه (١).
وبالنسبة للمرأة: عند وسطها، وبالنسبة للمرأة الخلاف فيها يسيرٌ؛ لأنَّ الأحَاديث تعدَّدت في ذلك، وهو أن الرسول ﷺ صلى عند وسط المرأة (٢)، وفي بعض الأحاديث: عند عجيزتها، يعني: عند وسطها (٣).
وأما الصلاة عند رأس الرجل، فقد ورد ذلك عن الرسول ﷺ (٤).
стр. 3009
* قوله: (فَقَالَ جُمْلَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ: يَقُومُ فِي وَسَطِهَا، ذَكَرًا كانَ أَوْ أُنْثَى (١)).
أَيْ: مِنَ العلماء مَنْ لا يُفرِّق؛ لأنهم قالوا: ورَد حديثٌ متفقٌ عليه في المرأة، وفيه أن الرسول ﷺ صلى عند وسطها (٢)، ولا فرق بين الرجل والمرأة، فيكون الرجل كذلك، ومنهم مَنْ قال: لا؛ لأنه ورد حديثٌ آخر وإنْ لم يكن في "الصحيحين"، فقد صَحَّ، وهو أن الرسول ﷺ صلَّى عند رأس الرجل (٣).
ثم يختلفون أيضًا -وهذه لم يَعْرض لها المؤلف؛ لأن هذه مسألة جزئية لا يراها من كليات المسائل وأمهاتها- كيف يوضع الأموات؟ يعني لو وُجِدَ رجالٌ ونساءٌ، فلو كانوا رجالًا، ينتهي الأمر، لكن لو وُجِدَ رجالٌ ونساءٌ، وأراد الإمام أن يصلي عليهم جميعًا، هل تتساوى رؤوسهم، أو يُوضَع الرجال ويؤتَى بالمرأة فتُوضَع عند صدر الرجل، يعني: يُوضَع وسط المرأة عند صدر الرجل على القول بهذا، أو عند رأسها عند مَنْ يقول بالصلاة على الرأس حتى تتحد الصلاة؛ لأنَّ المرأة يُصلَّى إلى وسطها، والرجل يُصلَّى إما إلى رأسه، أو إلى صدره، فينبغي أن تكون الجهة التي يتوسَّطها الإمام متساويةً بالنسبة للرجال وللنساء؟ (٤).
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ آخَرُونَ: يَقُومُ مِنَ الأُنْثَى وَسَطَهَا، وَمِنَ الذَّكَرِ
стр. 3010
عِنْدَ رَأْسِهِ (١). وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَقُومُ مِنَ الذَّكَرِ وَالأُنْثَى عِنْدَ صَدْرِهِمَا (٢)، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ القَاسِمِ (٣) وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَيْسَ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ حَدٌّ) (٤).
والذي ذكره المؤلف غير مُسلَّم؛ لأن مذهب الشافعية فيه حدٌّ، فالشافعية يقولون: عند وسط المرأة، وإِنِ اختلف قولهم بالنسبة للرجل، لكنهم بالنِّسْبة للمرأة يَروْن أن الإِمَامَ يُصلِّي عند عجيزتها؛ أي: عند وسطها؛ لأن العجيزة هي المنتصف، وبالنسبة للرجل عند رأسه، وَهَذا هو المعروف المشهور في المذهب.
وعند مَالِكٍ: يُصلَّى عند منكب الرجل، وعند وسط المرأة.
إذًا، الكلَامُ في المَذْهبين ليس كما ذكر المؤلف، وأما عند الحنابلة فإنه يُصلَّى عند وسط المرأة، وعند صدر الرجل (٥).
стр. 3011
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: يَقُومُ مِنْهُمَا أَيْنَ شَاءَ (١). وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُ الآثَارِ فِي هَذَا البَابِ).
ولَيْس الاختلافُ هنا اختلافَ إيجاب، وإنما هو اختلاف استحباب، ما هو المُستحب في موقف الإمام وهو يُصلي على الجنازة؟ هل يقف عند صدر الرجل وعند وسط المرأة؟ أو يقف عند وسط المرأة وعند رأس الرجل، أو يقف عند وسط المرأة وعند منكبي الرجل؟ هَذَا محلُّ خِلَافٍ بين العلماء، ولو فُعِلَ واحدٌ من هَذِهِ، لَكَان جَائزًا.
* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ خَرَّجَ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: "صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أُمِّ كعْبِ مَاتَتْ وَهِيَ نُفَسَاءُ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلصَّلَاةِ عَلَى وَسَطِهَا" (٢)).
وَهَذَا نَصٌّ مُتَواترٌ، ولذلك قَلَّ الخلاف بالنِّسبة للمرأة؛ لأنه ورَد عند وسطها وعند عجيزتها، إذًا هذا حديثٌ متفقٌ عليه، بل هو في كثيرٍ أيضًا من كتب السنن والمسانيد، والرسول ﷺ صلى على أم كعب وهي نُفَساء، يعني: ماتت وهي نُفَساء، فصلى عليها رسول اللَّه ﷺ ، فوقف عند وسطها، ومن هنا لم يكن هناك خلافٌ كبير فيما يتعلق بالمرأة.
* قوله: (وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ هَمَّامِ بْنِ غَالِبٍ قَالَ: "صَلَّيْتُ مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَلَى جَنَازَةِ رَجُلٍ، فَقَامَ حِيَالَ رَأْسِهِ، ثُمَّ جَاؤُوا بِجَنَازَةِ امْرَأَةٍ، فَقَالُوا: يَا أَبَا حَمْزَةَ، صَلِّ عَلَيْهَا، فَقَامَ حِيَالَ وَسَطِ السَّرِيرِ، فَقَالَ العَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى الجَنَائِزِ، كَبَّرَ أَرْبَعًا، وَقَامَ عَلَى جَنَازَةِ المَرْأَةِ مَقَامَكَ مِنْهَا، وَمِنَ الرَّجُلِ
стр. 3012
مَقَامَكَ مِنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ" (١)، فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي المَفْهُومِ مِنْ هَذِهِ الأَفْعَالِ، فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّ قِيَامَهُ ﵊ فِي هَذِهِ المَوَاضِعِ المُخْتَلِفَةِ يَدُلُّ عَلَى الإِبَاحَةِ، وَعَلَى عَدَمِ التَّحْدِيدِ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّ قِيَامَهُ عَلَى أَحَدِ هَذِهِ الأَوْضَاعِ أَنَّهُ شَرْعٌ، وَأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى التَّحْدِيدِ).
الصَّحيح أنه شرعٌ، لكن يُقْصد بالشرع هنا الاستحباب، فما دَامَ فعَل ذَلكَ رسول اللَّه ﷺ ، فيَنْبغي أن يُفْعَلَ.
* قوله: (وَهَؤُلَاءِ انْقَسَمُوا قِسْمَيْنِ: فَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَ بِحَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى صِحَّتِهِ، فَقَالَ: المَرْأَةُ وَالرَّجُلُ سَوَاءٌ، لِأَنَّ الأَصْلَ أَنَّ حُكْمَهُمَا وَاحِدٌ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ فِي ذَلِكَ فَارِقٌ شَرْعِيٌّ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ صَحَّحَ حَدِيثَ ابْنِ غَالِبٍ، وَقَالَ: فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ)، فينبغي الأخذ به.
* قوله: (فَيجِبُ المَصِيرُ إِلَيْهَا، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا تَعَارُضٌ أَصْلًا، وَأَمَّا مَذْهَبُ ابْنِ القَاسِمِ وَأَبِي حَنِيفَةَ، فَلَا أَعْلَمُ لَهُ مِنْ جِهَةِ السَّمْعِ فِي ذَلِكَ مُسْنَدًا إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ ذَلِكَ (٢). المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِي تَرْتِيبِ جَنَائِزِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ).
وهذه مسألة مهمة، يعني: لو وُجِدَتْ عدة جنائز أُريد الصلاة عليها، كيف تُرتَّب؟
جماهير العلماء على أن الرجال مما يلي الإمام، ثم بعد ذلك تأتي
стр. 3013
المرأة، وقد يوجد مع الرجال والنساء صبيان، فهل يُوضَع الصبيان وسطًا بين الرجال والنساء، فيكون الرجال أولًا، ثم الصبيان، وتكون النساء إلى القبلة أقرب، والرجال مما يلي الإمام؟ هذا قَولٌ.
وَقَولٌ آخَر: أنه يُصلَّى على الرجال وَحْدهم، وعلى النساء وحدهم؛ خروجًا من الخلاف، ومنهم من قال بالعكس، يكون النساء إلى جهة الإمام، والرجال إلى جهة القبلة؛ لأن الأصل هو تقديم الرجال، لكن القول الصحيح في نظري أن يكون الرجال إلى جهة الإمام، ثم يلي بعد ذلك النساء (١).
* قوله: (إِذَا اجْتَمَعُوا عِنْدَ الصَّلَاةِ).
وقد وردت في ذلك عدة أحاديث كما سيذكرها المؤلف، أم كلثوم زوجة عمر بن الخطاب ﵁، وابنة علي ابن أبي طالب لما توفيت مع ابنها زيد، كيف تمَّ وَضْعُ جِنَازَتهما؟ (٢).
* قوله: (فَقَالَ الأَكْثَرُ: يُجْعَلُ الرِّجَالُ مِمَّا يَلِي الإِمَامَ، وَالنِّسَاءُ مِمَّا يَلِي القِبْلَةَ (٣).