← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: يَقُومُ مِنْهُمَا أَيْنَ شَاءَ (١). وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُ الآثَارِ فِي هَذَا البَابِ). ولَيْس الاختلافُ هنا اختلافَ إيجاب، وإنما هو اختلاف استحباب، ما هو المُستحب في موقف الإمام وهو يُصلي على الجنازة؟ هل يقف عند صدر الرجل وعند وسط المرأة؟ أو يقف عند وسط المرأة وعند رأس الرجل، أو يقف عند وسط المرأة وعند منكبي الرجل؟ هَذَا محلُّ خِلَافٍ بين العلماء، ولو فُعِلَ واحدٌ من هَذِهِ، لَكَان جَائزًا. * قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ خَرَّجَ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: "صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أُمِّ كعْبِ مَاتَتْ وَهِيَ نُفَسَاءُ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلصَّلَاةِ عَلَى وَسَطِهَا" (٢)). وَهَذَا نَصٌّ مُتَواترٌ، ولذلك قَلَّ الخلاف بالنِّسبة للمرأة؛ لأنه ورَد عند وسطها وعند عجيزتها، إذًا هذا حديثٌ متفقٌ عليه، بل هو في كثيرٍ أيضًا من كتب السنن والمسانيد، والرسول ﷺ صلى على أم كعب وهي نُفَساء، يعني: ماتت وهي نُفَساء، فصلى عليها رسول اللَّه ﷺ ، فوقف عند وسطها، ومن هنا لم يكن هناك خلافٌ كبير فيما يتعلق بالمرأة. * قوله: (وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ هَمَّامِ بْنِ غَالِبٍ قَالَ: "صَلَّيْتُ مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَلَى جَنَازَةِ رَجُلٍ، فَقَامَ حِيَالَ رَأْسِهِ، ثُمَّ جَاؤُوا بِجَنَازَةِ امْرَأَةٍ، فَقَالُوا: يَا أَبَا حَمْزَةَ، صَلِّ عَلَيْهَا، فَقَامَ حِيَالَ وَسَطِ السَّرِيرِ، فَقَالَ العَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى الجَنَائِزِ، كَبَّرَ أَرْبَعًا، وَقَامَ عَلَى جَنَازَةِ المَرْأَةِ مَقَامَكَ مِنْهَا، وَمِنَ الرَّجُلِ

стр. 3012

مَقَامَكَ مِنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ" (١)، فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي المَفْهُومِ مِنْ هَذِهِ الأَفْعَالِ، فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّ قِيَامَهُ ﵊ فِي هَذِهِ المَوَاضِعِ المُخْتَلِفَةِ يَدُلُّ عَلَى الإِبَاحَةِ، وَعَلَى عَدَمِ التَّحْدِيدِ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّ قِيَامَهُ عَلَى أَحَدِ هَذِهِ الأَوْضَاعِ أَنَّهُ شَرْعٌ، وَأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى التَّحْدِيدِ). الصَّحيح أنه شرعٌ، لكن يُقْصد بالشرع هنا الاستحباب، فما دَامَ فعَل ذَلكَ رسول اللَّه ﷺ ، فيَنْبغي أن يُفْعَلَ. * قوله: (وَهَؤُلَاءِ انْقَسَمُوا قِسْمَيْنِ: فَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَ بِحَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى صِحَّتِهِ، فَقَالَ: المَرْأَةُ وَالرَّجُلُ سَوَاءٌ، لِأَنَّ الأَصْلَ أَنَّ حُكْمَهُمَا وَاحِدٌ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ فِي ذَلِكَ فَارِقٌ شَرْعِيٌّ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ صَحَّحَ حَدِيثَ ابْنِ غَالِبٍ، وَقَالَ: فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ)، فينبغي الأخذ به. * قوله: (فَيجِبُ المَصِيرُ إِلَيْهَا، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا تَعَارُضٌ أَصْلًا، وَأَمَّا مَذْهَبُ ابْنِ القَاسِمِ وَأَبِي حَنِيفَةَ، فَلَا أَعْلَمُ لَهُ مِنْ جِهَةِ السَّمْعِ فِي ذَلِكَ مُسْنَدًا إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ ذَلِكَ (٢). المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِي تَرْتِيبِ جَنَائِزِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ). وهذه مسألة مهمة، يعني: لو وُجِدَتْ عدة جنائز أُريد الصلاة عليها، كيف تُرتَّب؟ جماهير العلماء على أن الرجال مما يلي الإمام، ثم بعد ذلك تأتي

стр. 3013

المرأة، وقد يوجد مع الرجال والنساء صبيان، فهل يُوضَع الصبيان وسطًا بين الرجال والنساء، فيكون الرجال أولًا، ثم الصبيان، وتكون النساء إلى القبلة أقرب، والرجال مما يلي الإمام؟ هذا قَولٌ. وَقَولٌ آخَر: أنه يُصلَّى على الرجال وَحْدهم، وعلى النساء وحدهم؛ خروجًا من الخلاف، ومنهم من قال بالعكس، يكون النساء إلى جهة الإمام، والرجال إلى جهة القبلة؛ لأن الأصل هو تقديم الرجال، لكن القول الصحيح في نظري أن يكون الرجال إلى جهة الإمام، ثم يلي بعد ذلك النساء (١). * قوله: (إِذَا اجْتَمَعُوا عِنْدَ الصَّلَاةِ). وقد وردت في ذلك عدة أحاديث كما سيذكرها المؤلف، أم كلثوم زوجة عمر بن الخطاب ﵁، وابنة علي ابن أبي طالب لما توفيت مع ابنها زيد، كيف تمَّ وَضْعُ جِنَازَتهما؟ (٢). * قوله: (فَقَالَ الأَكْثَرُ: يُجْعَلُ الرِّجَالُ مِمَّا يَلِي الإِمَامَ، وَالنِّسَاءُ مِمَّا يَلِي القِبْلَةَ (٣).

стр. 3014

وَقَالَ قَوْمٌ بِخِلَافِ هَذَا (١)) يَعْني: علَى العكس من ذلك. * قوله: (أَيْ: النِّسَاءُ مِمَّا يَلِي الإِمَامَ، وَالرِّجَالُ مِمَّا يَلِي القِبْلَةَ)، وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ: أَنَّهُ يُصَلَّى على كُلٍّ عَلَى حِدَةٍ، الرِّجَالُ مُفْرِدُونَ، وَالنِّسَاءُ مُفْرِدَاتٌ (٢)، وَسَبَبُ الخِلَافِ: مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ بِاعْتِبَارِ أَحْوَالِ

стр. 3015

الشَّرْعِ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ شَرْعٌ مَحْدُودٌ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي ذَلِكَ شَرْعٌ يَجِبُ الوُقُوفُ عِنْدَهُ، وَلِذَلِكَ رَأَى كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّهُ لَيْسَ في أَمْثَالِ هَذِهِ المَوَاضِعِ شَرْعٌ أَصْلًا، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهَا شَرْعٌ لَبُيِّنَ لِلنَّاسِ، وَإِنَّمَا ذَهَبَ الأَكْثَرُ لِمَا قُلْنَاهُ مِنْ تَقْدِيمِ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ، لِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي "المُوَطَّإِ" مِنْ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَأَبَا هُرَيْرَةَ كَانُوا يُصَلُّونَ عَلَى الجَنَائِزِ بِالمَدِينَةِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مَعًا، فَيَجْعَلُونَ الرِّجَالَ مِمَّا يَلِي الإِمَامَ، وَيَجْعَلُونَ النِّسَاءَ مِمَّا يَلِي القِبْلَةَ (١)، وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ صَلَّى كذَلِكَ عَلَى جَنَازَةٍ فِيهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وَأَبُو قَتَادَةَ، وَالإِمَامُ يَوْمَئِذٍ سَعِيدُ بْنُ العَاصِ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ أَمَرَ مَنْ سَأَلَهُمْ، فَقَالُوا: هِيَ السُّنَّةُ (٢)، وَهَذَا يَدْخُلُ فِي المُسْنَدِ عِنْدَهُمْ). ويُقْصد بـ "عبد الرزاق": صاحب "المصنف". وإذا كان الصحابة فعلوا ذلك، ونسبوا هذا الفعل إلى سُنة رسول اللَّه ﷺ ، فيَنْبغي الوقوف عندها. * قوله: (وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَنْ قَالَ بِتَقْدِيمِ الرِّجَالِ شَبَّهَهُمْ أَمَامَ الإِمَامِ بِحَالِهِمْ خَلْفَ الإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ). عَمَلًا بأثر ابن مسعودٍ الموقوف (٣).

стр. 3016

* قوله: (وَلِقَوْلِهِ ﵊: "أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ") (١). لَكن القصد من ذلك هو القرب للإمام، فالذي يكون أقرب إلى الإمام هو المتقدم، وصلاة الجنازة تأتي على العكس من الصلاة المكتوبة؛ لأن الصلوات المكتوبة يكون الناس وَرَاء الإمام، أمَّا هذه فتكون أمام الإمام. * قوله: (وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِتَقْدِيمِ النِّسَاءِ عَلَى الرِّجَالِ، فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ اعْتَقَدَ أَنَّ الأَوَّلَ هُوَ المُتقَدَّمُ، وَلَمْ يَجْعَلِ التَّقْدِيمَ بِالقُرْبِ مِنَ الإِمَامِ). وَحَقيقَة القَصد بالتقديم هو القرب من الإمام، ولذلك فإنَّ القول الأول هو الصحيح. * قوله: (وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ، فَاحْتِيَاطًا مِنْ أَلَّا يُجَوِّزَ مَمْنُوعًا). فَصاحبُ هذا الرأي خشي أن يَقعَ في الخلاف، فأراد الاحتياط، ولا خلاف في الحقيقة ما دَام هذا ثَبتَ عن الصحابة، وقالوا: هذه السُّنة، فينبغي أن يفعل بها، ولا حرج في ذلك، وحتى لو قدَّمَ وأخَّر، لا تبطل صلاة الجنازة في هذه الحالة، لَكن لو وُجِدَ معهم صبيان، فبَعْضهم يرى أن يُوَسط الصبيان، وبعضهم يرَى أن يكون النِّساء بعد الرجال ثم الصِّبيان (٢).

стр. 3017

* قوله: (لِأَنَّهُ لَمْ تَرِدْ سُنَّةٌ بِجَوَازِ الجَمْعِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَصْلِ الإِبَاحَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا بِالشَّرْعِ، وَإِذَا وُجِدَ الِاحْتِمَالُ، وَجَبَ التَّوَقُّفُ إِذَا وَجَدَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (١). المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِي الَّذِي يَفُوتُهُ بَعْضُ التَّكْبِيرِ عَلَى الجَنَازَةِ فِي مَوَاضِعَ). وَهَذِهِ مسألةٌ مهمةٌ، وفيها خلافٌ؛ لأن الذي تفوته الصَّلاة على الجنازة إنما قَدْ فَاتَه بعض الصلاة، وأَعْتَقد أنَّ هذا هو مراد المؤلف؛ لأنه قد تفوت الإنسَان الصَّلاة كاملةً، فبعد ذلك هل يُصلِّي عليه إنْ كَانَت مَوْجودةً بعد لم تُرْفع؟ ثم إذا لم يصلِّ عليها، هَلْ يُصلِّي عليها عند القَبْر؟ وهذا سيأتي الكلام فيه، لكن القَصد فيمَنْ فاته شيءٌ من صلاة الجنازة، ماذا يفعل؟ هل يدخل مع الإمام كَمَا يفعل في الفريضة إذا جاء والإمام يصلي مع الناس، فإنه يدخل مع الإمام في أَيِّ جزءٍ من أجزائها، أو أنه ينتظر حتى يُكبِّر الإمام التكبيرة التي تلي التكبيرة التي فاتته، فيدخل مع الإمام فيها؟ ثم إذا كبَّر مع الإمام أيضًا، وَصَار مع الإمام، هَلْ يقضي ما فاته من التكبير متتابعًا؟ بمعنى: لو قُدِّر أنه أدرَك تَكْبيرتين، وجاء بهما مع الإمام، وفاتته تكبيرتان، هل يأتي بالتكبيرتين متتابعتين؟ فيقول: اللَّه أكبر، ثم يُتْبعها بقول: اللَّه أكبر فقط؟ أو أنه يأتي بكل واحدة منهما بالدعاء المأثور؟ هذه أيضًا اختلف فيها العلماء، فبعضهم يقول: يأتي بهما متتابعة، وبعضهم يقول: إنْ فاتته التكبيرة الأولَى، فإنه يقرأ الفاتحة، وفي الثانية

стр. 3018

يصلي على رسول اللَّه ﷺ ، وقَدْ أدرَك مع الإمام الثالثة والرابعة، وهذه فيها خلافٌ بين العلماء. ولا خلاف بين العلماء في أنَّ من فاته بعض التكبير في صلاة الجنازة، فأتى به متتابعًا، ولو لم يذكر دعاءً، فإن صلاة الجنازة صحيحة، لكنهم يختلفون في حالة واحدة: فيمن أدرك بعض التكبيرات مع الإمام، فَأدَّاها معه، وَسَلَّم مع الإمام، بمعنى أنه لم يَأْتِ بجميع التكبيرات، هل تَصحُّ صلاته أو لا؟ فعند الحنابلة: تَصحُّ في روايةٍ مشهورةٍ في المذهب. . وَفِي المَذَاهب الأخرى: لا تَصحُّ؛ لأنَّ صلَاة الجنازة لم تَكْمُل في هذا المَقَام (١). وَقَدْ أَشَرْتُ إلَى ذلك بإِيجَازٍ، لكنه أوفَى مما ذكَره المؤلف، وأكثر استقصاءً، إذن لو أتى الإنسان والإمام قد سبقه في بعض أجزاء صلاة الجنازة، هل يدخل معه أو ينتظر حتى يُكبِّر؟ إن قلنا: يدخل معه، قِسنا ذلك على بقية الصلوات، وإن قلنا: لا، فإنه ينتظر. . هذه ناحية. النَّاحية الأخرى: ما فَاتَه من تَكْبيراتٍ، هل يأتي به متتابعًا، فيقول: اللَّه أكبر، ثم يقول: اللَّه أكبر مثلًا؟ إن قلنا كذلك هل يلزمه أن يأتي بما فيهما من ذِكْرٍ؟ أو بما فيها إن كانت ثلاثةً من ذِكْرٍ أو لا؟ هذه كلُّها اختلف فيها العلماء (٢). * قوله: (مِنْهَا: هَلْ يَدْخُلُ بِتَكْبِيرٍ أَمْ لَا؟ وَمِنْهَا: هَلْ يَقْضِي مَا فَاتَهُ أَمْ لَا؟). بمَعْنى أنَّه وَجد الإمام قد كبَّر فسبق، هل يُكبر ويلحقه كما يفعل في الصلاة المفروضة؟ لأنه لَوْ جاء والإمام قد ركع، فإنه يُكبِّر تكبيرة الإحرام

стр. 3019

ويركع، وهذه مسألة فيه تفصيل بين العلماء؛ هل يكبر تكبيرة الإحرام ثم يُكبِّر تكبيرةَ الرُّكوع فيلحق بالإمام؟ ولو كَبَّر تكبيرة الركوع هل تُجْزئ؟ الصحيح: لا؛ لأن تكبيرةَ الإحرام ركن، وتكبيرة الركوع واجبة عند بعض العلماء، وسُنَّة عند بعضهم، فينبغي للإنسان أن يكبر تكبيرة الإحرام، ثم بعد ذلك يركع، أو يكبر تكبيرة الإحرام ثم يكبر تكبيرة الركوع ويركع، وهذا هو الذي ينبغي أن يفعله، وما عدا ذلك فلا (١). * قوله: (وَإِنْ قَضَى فَهَلْ يَدْعُو بَيْنَ التَّكْبِيرِ أَمْ لَا؟). بَعْضهم يرَى عدم القضاء - وَذكرت لكم هذه الرواية في مذهب أحمد (٢)، وَأَكْثَر العلَماء على أنه يقضي (٣)؛ لأنه لو لم يقضِ ما فاته، لم تصحَّ صلاته؛ لأن صلاة الجنازة تقوم على أربع تكبيرات، وهذه قد اختلت ونقصت، وإذا كان ما يفوت الإنسان في صلاته يقضيه كما أخبر بذلك رسول اللَّه ﷺ في قوله: "إذا أتيتم الصَّلاة فأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فَصلُّوا، وما فاتكم فأتموا" (٤)، وهذه صلاة، فينبغي أن يأتي الإنسان بما فاته فيها، ولا ينبغي أن يُفرِّط. * قوله: (فَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُكَبِّرُ أَوَّلَ دُخُولِهِ (٥)، وَهُوَ

стр. 3020

أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ (١). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَنْتَظِرُ حَتَّى يُكَبِّرَ الإِمَامُ وَحِينَئِذٍ يُكَبِّرُ (٢)، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ القَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ (٣)، وَالقِيَاسُ التَّكْبِيرُ قِيَاسًا عَلَى مَنْ دَخَلَ فِي المَفْرُوضَةِ). فَالقيَاس فِي هذا المقام، هل يُكبِّر المأموم في أيِّ جُزْءٍ ليدرك الإمام فيه؛ كالحال بالنسبة للصَّلوات المفروضة؛ فإنك تدخل مع الإمام في أيِّ جزءٍ من أجزائه ولا تنتظر؛ فلو جئتَ والإمام ساجد لا تنتظر حتى يقوم الإمام، وإنما تدخل معه في الصلاة. * قوله: (وَاتَّفَقَ مَالِكٌ (٤) وَأَبُو حَنِيفَةَ (٥). . . . . .

стр. 3021

وَالشَّافِعِيُّ (١) عَلَى أَنَّهُ يَقْضِي مَا فَاتَهُ مِنَ التَّكْبِيرِ). ولذلك، لم يَذْكر أحمد، وربما يتصور البعض أن هذا على خلاف عادته، واللَّه أعلم، لكن عدم ذكره لأحمد في محله؛ لأن أحمد يرى أن مَنْ فاته التكبير أو بعض التكبير وسلَّم، فإن صلاته تصح (٢). * قوله: (إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَرَى أَنْ يَدْعُوَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ المَقْضِيِّ (٣)، وَمَالِكٌ (٤) وَالشَّافِعِيُّ (٥) يَرَيَانِ أَنْ يَقْضِيَهُ نَسَقًا). وأيضًا على الرواية المعروفة عند الإمام أحمد، وهي المشهورة (٦) أن الإنسان يقضي ما فاته نسقًا على ما قاله الإمام مالك والشافعي في هذا.

стр. 3022

* قوله: (وَإِنَّمَا اتَّفَقُوا عَلَى القَضاءِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵊: "مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا" (١)). وهذا أكملُ وأبعدُ عن الخلاف. * قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّ هَذَا العُمُومَ يَتَنَاوَلُ التَّكْبِيرَ وَالدُّعَاءَ قَالَ: يَقْضِي التَّكْبِيرَ، وَمَا فَاتَهُ مِنَ الدُّعَاءِ، وَمَنْ أَخْرَجَ الدُّعَاءَ مِنْ ذَلِكَ إِذْ كَانَ غَيْرَ مُؤَقَّتٍ قَالَ: يَقْضِي التَّكْبِيرَ فَقَطْ إِذْ كَانَ هُوَ المُؤَقَّتُ، فَكَانَ تَخْصِيصُ الدُّعَاءِ مِنْ ذَلِكَ العُمُومِ هُوَ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ العَامِّ بِالقِيَاسِ، فَأَبُو حَنِيفَةَ أَخَذَ بِالعُمُومِ، وَهَؤُلَاءِ بِالخُصُوصِ). وقَدْ تكون هذه العبارة فيها غموضٌ أو عدم وضوح، ومراد المؤلف أنه ليس هناك دعاء مؤقت محدد في هذا المقام، وإنما يدعو الإنسان بالدعاء الذي يفيده في هذا المقام، فيدعو للمسلمين، ولنفسه، ولوالديه، ويُكثر من الدعاء للميت، فيسأل اللَّه له الرحمة والمغفرة، إلى غير ذلك مما ورد. * قوله: (المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّلَاةِ عَلَى القَبْرِ). وهذه مسألة هامة جدًّا، وينبغي أن تؤخذ الحَيطة فيها؛ لأنه عندما تجوز الصَّلاة على القبر، تختلف الأوضاع؛ فهناك مَنْ يخالف الحد من المسلمين؛ فيذهب إلى القبور، ويفعل عندها ما لم يُشْرع، بل يفعل من الأعمال التي توقعه في الشرك، وربما في الشرك الأكبر، وهذا هو الذي حذَّر منه رسول اللَّه ﷺ ؛ ولذلك سنمر بمباحث أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تجلِسوا على القبورِ، ولا تصلُّوا إليها" (٢)؛ لأن القرب من هذه الأمور

стр. 3023

قد تُوقِعُ الإنسان في بعض الزلل، وربما توقعه في نَوْعٍ من أنواع الشِّرك، فأولئك الذين يَتَرددون على القبور، ويطوفون حولها، ويطلبون من أهلها الشفاعة أو الوساطة، أو أن يشفي لَهم مريضًا، أو أن يرفع عنهم كربًا، ويتجهون إلى هذا المخلوق الذي لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، ويُعرضون عن الخالق الذي بيده ملكوت السموات والأرض، لا شك أن هذا أمر غير جائز، ولا ينبغي لمسلمٍ أن يسلك هذا الطريق. إذًا، الكلام هنا عن الصلاة فيمن فاتته الصلاة على الميت؛ هل يصلي؟ وهل يذهب إلى القبر فيصلي عليه؟ ثبت عن رسول اللَّه ﷺ أنه فعل ذلك في قصة المسكينة التي أرشد فيها رسول اللَّه ﷺ أصحابه بأنها إذا ماتت أن يؤذنوه، فماتت المرأة ليلًا، وأُخْرجت جنازتها، وصُلِّي عليها ودُفِنَتْ، فلما فقد ذلك رَسُول اللَّه ﷺ ، أُخْبِرَ من قِبَلِ الصحابة، ثم بعد ذلك سألهم: "ألست قد ذَكَرت لكم أن تؤذنوني بموتها؟ "، أو: "ألَمْ أقُلْ لكم آذنوني؟ "، فَبيَّنوا لرسول اللَّه ﷺ أنَّهم ما أرادوا أن يؤثِّروا عليه، وأن يوقظوه من نومه، فَذَهب رَسُولُ اللَّه ﷺ ومَنْ معه، وَصلَّى على قبرها، كَذَلك في قصة الرجل الذي كان يقمُّ المسجد؛ فإنه بعد أن فَقَده رسول اللَّه ﷺ برهةً من الزمن، سأل عنه، فذهب وصلَّى على قبره (١). إذًا، الصلاة على القبر جَائزةٌ، ولكن العلماء يختلفون في القدر المحدد لذلك، هل هو ليلة، أو ثلاثة أيام، أو شهر (٢)؟ فالرسول ﷺ

стр. 3024

صلَّى على قَبْرٍ بعد شهر، ولا ننسى أنه صلَّى على شهداء أُحُد بعد ثمانِ سنوات من شهادتهم؛ يعني من موتهم شهداء (١). * قَالَ: (لِمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَى الجَنَازَةِ؛ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُصَلَّى عَلَى القَبْرِ (٢). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُصَلِّي عَلَى القَبْرِ إِلَّا الوَلِيُّ فَقَطْ إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَى الجَنَازَةِ (٣)). لأنَّ أبَا حنيفة يرَى أن الوليَّ له ميزة يختص بها؛ لأنه ولي الميت، فله من الخصيصة ما لا يشركه فيها غيره، ولذلك يصلي عليه، أما جمهور العلماء من الشافعية والحنابلة فإنهم يرون أن الصلاة جائزة لكلِّ من فاته أن يصلي على الميت.

стр. 3025

* قَالَ: (وَكَانَ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهَا غَيْرَ وَليِّهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١) وَأَحْمَدُ (٢) وَدَاوُدُ وَجَمَاعَةٌ (٣): يُصَلِّي عَلَى القَبْرِ مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَى الجَنَازَةِ). ويقصد بـ "داود": داود الظاهري، الإمام، صاحب المذهب المعروف الذي يُنْسب إليه الظاهرية، وهم الذين يقولون بظواهر النصوص. * قوله: (وَاتَّفَقَ القَائِلُونَ بِإِجَازَةِ الصَّلَاةِ عَلَى القَبْرِ أَنَّ مِنْ شَرْطِ ذَلِكَ حُدُوثُ الدَّفْنِ، وَهَؤُلَاءِ اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ المُدَّةِ، وَأَكْثَرُهَا شَهْرٌ (٤)).

стр. 3026

لأنه قد ورد أن الرسول ﷺ قَدِمَ من سفرٍ، فصلَّى على رجل بعد شهر (١)، لكنهم اختلفوا، فبعضهم يقول: إلى أكثر من ذلك؛ لأن كَوْن الرسول ﷺ صلَّى على هذه الجنازة بعد شهرٍ، ليس معنى هذا أن ما زاد على ذلك لا تجوز الصلاة عليه، وإنما بعضهم قال: يُصَلَّى على الميت إلى الأبد. ويستدلون بقصة شهداء أُحُد؛ فإن رسول اللَّه ﷺ خرج بعد مُضي ثمانِ سنوات من دفنهم، فصلَّى عليهم (٢)، وبَعْضهم يُعلِّل ويقول: إن الرسول ﷺ صلَّى عليهم في آخر حياته؛ توديعًا للأحياء والأموات. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ العَمَلِ لِلْأَثَرِ، أَمَّا مُخَالَفَةُ العَمَلِ، فَإِنَّ ابْنَ القَاسِمِ قَالَ. . .). دَائمًا إذا ذَكَر المؤلِّفُ هنا العملَ ومعارضتَه للأثر، فيقصد به عمل أهل المدينة، وَمَعْروفٌ أن المالكيَّة يأخذون بعَمل أهل المدينة، وَلَكن غيرهم لا يُعَارضون به الأدلة، والأدلَّة قد ثَبتَتْ عن رسول اللَّه ﷺ أنه صلَّى على جنائزَ في القبر. قَالَ: (قُلْتُ لِمَالِكٍ: فَالحَدِيثُ الَّذِي جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى قَبْرِ امْرَأَةٍ، قَالَ: قَدْ جَاءَ هَذَا الحَدِيثُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ العَمَلُ (٣)، وَالصَّلَاةُ عَلَى القَبْرِ ثَابِتَةٌ بِاتِّفَاقٍ مِنْ أَصْحَابِ الحَدِيثِ). وَيَكْفينا أن يَتَّفقَ أَصْحَابُ الحَديث على مثل ذلك؛ لأنه قَدْ ثبت عن رَسُول اللَّه ﷺ من طرقٍ صحيحةٍ أنه صلى على القَبْر، وما دام قد ثبت ذلك عن رسول اللَّه ﷺ وهو القدوة، وهو الذي عن طريقه نأخذ الأحكام،

стр. 3027

وهو الذي عن طريقه نتلقى الشرع ﵊، والأَصْلُ أن ما يأتي عن رسول اللَّه ﷺ من أحكامٍ أنها له ولأُمَّته ما لم يَرِدْ ما يخصه بذلك، ولم يَرِدْ دليلٌ يدلُّ على خصوصية ذلك برسول اللَّه ﷺ ، فيَبْقى الحكم عامًّا يدخل فيه رَسُولُ اللَّه ﷺ ونحوه. إذًا، مَنْ فَاتَته الصَّلاة على القبر، فلَه أن يصلي عليه كما فعلَ رَسُولُ اللَّه ﷺ . * قوله: (قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: رَوَيْتُ الصَّلَاةَ عَلَى القَبْرِ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ مِنْ طُرُقٍ سِتَّةٍ كُلُّهَا حِسَانٌ (١)). وهَذَا الَّذي ذكَره الإمام أحمد، وهو كما قال ﵀، يَعْني: جَاء عن عدَّه طرق أكثر من الستة -كما سينبِّه المؤلف- ونبه غيره إلى أنه جاء عن تسع طرق عن رسول اللَّه ﷺ أنه صلى على القبر. * قوله: (وَزَادَ بَعْضُ المُحَدِّثِينَ ثَلَاثَةَ طُرُقٍ، فَذَلِكَ تِسْعٌ (٢)،

стр. 3028

وَأَمَّا البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فَرَوَيَا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ (١)، وَأَمَّا مَالِكٌ، فَخَرَّجَهُ مُرْسَلًا عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ (٢)، وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ مِثْلَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ جَرَى فِي ذَلِكَ عَلَى عَادَتِهِ فِيمَا أَحْسَبُ - أَعْنِي: مِنْ رَدِّ أَخْبَارِ الآحَادِ الَّتِي تَعُمُّ بِهَا البَلْوَى إِذَا لَمْ تَنْتَشِرْ، وَلَا انْتَشَرَ العَمَلُ بِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ عَدَمَ الِانْتِشَارِ إِذَا كَانَ خَبَرًا شَأْنُهُ الِانْتِشَارُ قَرِينَةٌ تُوهِنُ الخَبَرَ، وَتُخْرِجُهُ عَنْ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِصِدْقِهِ إِلَى الشَّكِّ فِيهِ أَوْ إِلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ بِكَذِبِهِ أَوْ نَسْخِهِ) (٣).

стр. 3029

ويريد المؤلف أن يُبَيِّن منحًا أخذ به الحنفية، وهو: هل يُخْبر بخَبَر الآحَاد؟ الواقع أن الحنفية لم يلتزموا بهذا، فكم من الأحاديث أخذوا بها؛ لأنها توافق رأيًا في المذهب، وهي أيضًا أخبار الآحاد، وَخَبر الآحَاد إذا صح، لا ينبغي أن يُرَدَّ، بل ينبغي ويجب العمل به. * قوله: (قَالَ القَاضِي:). والقاضي هنا هو ابن رشد، وكلما ورد "القاضي" دون قيد في الكتاب، فالمراد به المؤلف: ابن رشد الحفيد. * قوله: (وَقَدْ تَكَلَّمْنَا فِيمَا سَلَفَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا فِي وَجْهِ الِاسْتِدْلَالِ بِالعَمَلِ، وَفِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ الَّذِي يُسَمِّيهِ الحَنَفِيَّةُ عُمُومَ البَلْوَى (١)، وَقُلْنَا: إِنَّهَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ). أَيْ: تَكرَّر كلَام المؤلف كثيرًا عن أهل المدينة، وهذه مسألةٌ أصوليةٌ معروفةٌ يتكلم عنها العلماء، وعمل أهل المدينة يختلفون فيه: هل هو حُجَّة أو لا (٢)، فهذه أمور خفَّفت فيها الشريعة الإسلامية، وهي تدخل ضمن

стр. 3030

قاعدة: "المشقَّة تجلب التيسير" (١). قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: [الفَصْلُ الثَّانِي فِيمَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَمَنْ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ] وهَذِهِ من القضايا المهمة، وسيتكلَّم المؤلف عن الذين يُصلَّى عليهم، والقصد بالذين يصلى عليهم هم مَنْ يدخلون تحت الإسلام، لكن يوجد من المسلمين مَنْ يرتكب المعاصي، وهؤلاء يختلفون باختلاف المعاصي التي يرتكبونها، ثم يوجد معاصٍ يختلف العلماء فيها؛ لأنها قد تُخْرج الإنسان من الإيمان إلى الكفر، ومن المعاصي ما قد يرتكبه الإنسان من الكبائر، فهذه كلها ينبغي أن ننتبه لها. وَمن المعاصي التي قد تحصل من المسلم: الغلُّ (٢) من الغنيمة، أي: السرقة منها، فهل مثل هؤلاء يُصلَّى عليهم؟ مَنْ علَيه دينٌ أيضًا، هل يصلى عليه؟ نجد أن رسول اللَّه ﷺ تَوقَّف عن الصلاة عن الغالِّ (٣)، ولم يصل رسول اللَّه ﷺ على مَنْ عليه

стр. 3031

دينٌ (١)، ولم يصلِّ على مَنْ قتل نفسًا (٢)، وقال ﵊ بالنسبة للغال: "صلوا على صاحبكم" (٣)، وكذلك الذي كان عليه دَين لم يُصلِّ عليه رسول اللَّه ﷺ حتى قام أبو قتادة، فقال: عليَّ قضاء دَينه، فصلى عليه رسول اللَّه ﷺ (٤). وَالعُلَماءُ بالنسبة للدَّين، فإنهم يُفصِّلون القولَ في ذلك، فإنَّ رسول اللَّه ﷺ لَمْ يكن يصلِّي على مَنْ عليه دَين إذا ماتَ، وليس عنده ما يفي بدَينه، أمَّا لو كان عليه دَين وعنده تركة يمكن تأدية الدَّين منها، فإن هذا لا يعتبر مدينًا؛ لأنه سيوفَّى الحقُّ مما تركه من تركةٍ، لكن القصد مَنْ يموت وعليه دَين ليس له مال ولا تركة يمكن أن يوفَّى دينه منها، لكن بعد أن فتحت الفُتُوح، فَتحَ اللَّهُ على المؤمنين، وتَوسَّعت البلاد، وبدأت الخيرات والجبايات تأتي لرسول اللَّه ﷺ من كل مكانٍ، قال رسول اللَّه ﷺ : "أَنَا أَوْلَى بالمُؤْمنينَ من أنفسهم، فمَنْ مات وعليه دَين، فأنا أَوْلَى به، وما تركه من تركة فهي لوَرَثتِهِ" (٥).

стр. 3032

إذًا، هناك أصنافٌ من الناس توقَّف رسول اللَّه ﷺ عن الصلاة عليهم، ونجد أن رسول اللَّه ﷺ بالنسبة لماعزٍ الذي جاء واعترف بالزنا، وأُقِيمَ عليه الحد، ورجم في ذلك، اختلفت الرواية: فبعض الرِّوايات جاء فيها أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ لم يُصلِّ عليه (١)، وفي بَعْضها أنه صلَّى عليه (٢)، ولكن ثبت في حديث قصَّة الغامدية (٣)، وكذلك أيضًا

стр. 3033

الجُهَنية (١)، أن رسول اللَّه ﷺ صلَّى على الغامدية، ولمَّا قال له عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول اللَّه، تقيم عليها الحد وتصلي عليها؟ فقال له رسول اللَّه ﷺ : "لقد تابت توبةً لو قسمت على أهل المدينة لوسعتهم" (٢). وفي قصة الجهنية أنها تابت توبةً لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وبيَّن أنها جادت بنفسها للَّه تعالى، فهَلْ هناك أفضل من أن يُقدِّم الإنسان نفسه للَّه . هَذَا كلُّه -إن شاء اللَّه- سنأخذه واحدًا واحدًا، ونتكلم عنه. * قوله: (وَأَجْمَعَ أَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى إِجَازَةِ الصَّلَاةِ عَلَى كُلِّ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (٣)، وَفِي ذَلِكَ أَثَر أَنَّهُ قَالَ ﵊: "صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" (٤)). هَذَا الحَديثُ يكثر ذكرُهُ في كتب التوحيد، وفي الحديث، وفي الفقه أيضًا، وهَذِهِ المسائل التي نتناولها، والَّتي بدأنا بها هي مسائل فقهية، لكنها حقيقةً مسائل عقدية؛ لأن الكلام هنا في إيقاف الصلاة على مثل

стр. 3034

هؤلاء لأمرٍ يخدش في عقيدة هؤلاء، إذن "صلُّوا خلفَ مَنْ قال: لا إله إلا اللَّه"، و"عَلَى مَنْ قال: لا إله إلا اللَّه". هَذَا الحديث ورَد من عدة طرق (١)، وكلها لا تخلو من مقالٍ (٢)، لكن لو صحَّ هذا الحديث، لكان رافعًا للنزاع في هذه المسألة: "صلُّوا على مَنْ قال: لا إله إلا اللَّه"، فلَمَّا لم يصحَّ هذا الحديث، كثر الخلاف بين العلماء: هل يصلَّى على أهل الكبائر أو لا يصلى عليهم؟ * قوله: (وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ الكَبَائِرِ أَمْ مِنْ أَهْلِ البِدَعِ). وبداية الحديث: "صَلُّوا خَلْفَ مَنْ قال: لا إله إلا اللَّه" (٣)، وفي هذا دليلٌ على أنه يُصلَّى خلف الفاسق، وهذا هو الذي أخذ به الشافعية (٤)، وقد رجحنا هذا في كتاب الصلاة، لكن الفسق يختلف أيضًا، فليس الفساق على درجة واحدة؛ لأن الفسق قد يكون فسقًا عقديًّا، فحالته تختلف، ولذلك نجد أن الصلاة خلف الفساق تختلف، قد يقتضي المقام أن تصلي خلف الفاسق حتى لا يحصل خلافٌ وتفتيتٌ لكلمة المسلمين، وإن كان الأَوْلَى أن تختار الصلاة خلف إمام غير فاسق (٥). وَأَهْلُ الكَبائر هم أصحاب الكبائر المعروفة، واختلفَ العُلَمَاءُ في

стр. 3035

تعريف الكبيرة (١)، فهل هي الَّتي تُخْتم بالوعيد بالنار، أو الَّتي يتوعد عليها بعقوبة أو التي يترتب عليها حدٌّ؟ فيها كلامٌ كثير للعلماء (٢)، لكن القصد: من ارتكب كبيرةً من الكبائر كالسارق، والزاني، والبغاة، وأمثال هؤلاء؛ لأنَّ من العلماء مَنْ لا يرى الصلاة على قُطَّاع الطريق، ولا على البغاة (٣)، ومن العلماء مَنْ يرى الصلاة على كل مسلمٍ؛ برًّا كان أو فاجرًا (٤)، ومن

стр. 3036

العلماء من يفصل القول في ذلك (١). * قوله: (إِلَّا أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ لِأَهْلِ الفَضْلِ الصَّلَاةَ عَلَى أَهْلِ البِدَعِ، وَلَمْ يَرَ أَنْ يُصَلِّيَ الإِمَامُ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ حَدًّا (٢)). فالإمام لا يصلي عنده، لكنه لا يمنع أن يصلي الناس، كما فعل رسول اللَّه ﷺ بالنسبة للغالِّ، فإنه بالنسبة للرجل الذي من جُهَينة، وكان في خَيْبر، فَقَال رسول اللَّه ﷺ : "صَلُّوا على صَاحبكم"، فرأى تغيرًا في وجوه القوم، فلمَّا رأى ذلك في وجوههم، قال: "إنه غل من الغنيمة" (٣)، ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]، أي: أنه اختلس

стр. 3037

شيئًا من الغنيمة، وَهَذه كَبيرةٌ من الكبائر، فلا يجوز أن يؤخذ من الغنيمة؛ لأن الغنيمة حق للمؤمنين. ويَخْتلف العلَماء أيضًا في إقامة الحدِّ بالنسبة لهذه المسألة، والحال تختلف: فرقٌ بين أن يأخذ من الغنيمة قبل تقسيمها (١)؛ فهذا ملكٌ عامٌّ، وبين أن يأخذ منها بعد أن يصل كلُّ سهمٍ ونصابٍ إلى صاحبه؛ فالحالة هنا أشد وأكبر (٢). إذًا، الرَّسُولُ ﷺ توقَّف عن الصلاة على الغالِّ، ولم يصلِّ على الذي قتل نفسه؛ ولذلك لما جاؤوا إلى رسول اللَّه ﷺ برجلٍ قتل نفسه بمشاقصَ (٣)، يعني: بنصل، لم يُصلِّ عليه رَسُولُ اللَّه ﷺ (٤)؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يقتل نفسه عمدًا؛ لأن هذا جَزعٌ من مُصِيبَةٍ نَزَلتْ به، أو حادثة حلَّت به، أو ضاقت به الدنيا، فهو لم يتحمل، ولم يصبر، ولم يتمثل قول اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣) وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ

стр. 3038

عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٣ - ١٥٧]. ﴿هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾؛ لأنَّهُم استكَانوا لحكم اللَّه، وَصَبَروا على قضائه وقدره؛ وحمدوا اللَّه على كل أمرٍ من أمورهم؛ لأن ما يأتيك في هذه الدنيا إنما هو من اللَّه ، وما يؤخذ منك، فهو ما للَّه ، فإن للَّه ما أعطى، وله ما أخذ، فلا ينبغي لمُؤْمنٍ في هذه الحياة إذا نَزَلتْ به نَازلةٌ، أو حَلَّت به مصيبةٌ من فَقْدِ وَلَدٍ أن يقتل نفسه، والرسول ﷺ عندما تُوفِّي ابنه إبراهيم قال: "تَدْمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلَّا ما يُرْضي الرَّبَّ، وإنا بك يا إبراهيم لمَحْزونون" (١). وخَيْر درسٍ في ذلك وعبرة: ما وقَع لأمِّ سلمة عندما تُوفِّي زوجها أبو سلمة، فإنها قالت: ومن بعد أبي سلمة؟ فلما دَخَل عليها رسول اللَّه ﷺ أرشدها إلى حَدِيثٍ هي روته، وهو قوله ﵊: "ما من عَبْدٍ تصيبه مصيبةٌ فيقول: إنا للَّه، وإنا إليه راجعون، اللهم اؤجرني في مصيبتي، واخلفا لي خيرًا منها، إلا آجره اللَّه في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها"، فَكَانت النتيجة أن امتثلت أُمُّ سلمة زوج رسول اللَّه ﷺ وصية رسول اللَّه ﷺ ، ووقفت عندها، وعملت بها، فكانت النتيجة أن استبدلها اللَّه بخَيْرٍ من أبي سلمة: هو مُحمَّد بن عبد اللَّه رسول اللَّه ﷺ الذي أصبح زوجًا لها (٢). هَكَذا هو شأن المؤمنين، ولذلك نجد أن اللَّه قارن الصَّبر

стр. 3039

بالصلاة، فقال : ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾ [البقرة: ٤٥ - ٤٦]، هَذَا هو شأن كلِّ مؤمن، إذا نَزَل به أمرٌ من الأمور، أمرٌ يُكدِّر خاطره، أو يؤثر على نفسه، فهو يتألم، ولا يستطيع أن يكظم الألم، ولا مانع أن يبكي، لكن لا يتجاوز الحد فيصرخ، ويلطم نفسه، ويشق ثيابه، ويعمل بعمل أهل الجاهلية التي حَذَّرنا رسولُ اللَّه ﷺ منها بقوله: "ليسَ منَّا مَنْ ضرب الخدود، وشقَّ الجيوب، ودَعا بدعوى الجاهلية" (١). * قَالَ: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ). فَمِنَ العُلَماء مَنْ قال: يُصلَّى على كلِّ مَنْ قال: لا إله إلا اللَّه، ويأخُذُون بحديث: "صلُّوا على مَنْ قال: لا إلَه إلَّا اللَّه" (٢)، وقَدْ أشرنا إلى أنَّ في هذا الحديث ضعفًا، وأن العلماء قد تكلَّموا عنه، ومن العلماء مَنْ فصل القول في ذلك، فقال: يصلَّى على كل مرتكبِ صغيرةٍ، وكذلك فإنهم اتفقوا من حيث الجملة على الصلاة على أهل الكبائر، ما عدا أبا حنيفة، فقد استثنى من أولئك البغاة، وكذلك المحاربين، ورأى الإمام مالك أنه لا يُصلَّى على من قُتِلَ حدًّا؛ أي: لا يُصلِّي عليه الإمام، واستدلَّ على ذلك بقصة ماعزٍ، وأَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ لم يصلِّ عليه، ولم يَنْه عن الصَّلاة عليه (٣). لَكن الَّذي وقَع فيه اختلافٌ بين العلماء هُمْ أهلُ البدع، وأهلُ البدع المقصود بهم هنا هم الذي ابتدعوا في عقيدة التوحيد، فهؤلاء هم الذين تركوا عقولهم تسبح أيضًا في بعض الأمور حتى وقعوا فيما وقعوا فيه من نَفْي أفعال العباد، وكذلك أولئك الذين نفوا القدر، وأمثال هؤلاء، فإن هؤلاء مِنَ العلماء مَنْ توقَّف في الصلاة عليهم، ومن العلماء مَنْ رأى أنه

стр. 3040

يُصلَّى على كل صاحب كبيرةٍ ومبتدعٍ ما دام ينطق بالشهادتين (١). * قوله: (فَرَأَى قَوْمٌ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ (٢)، وَأَجَازَ آخَرُونَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ (٣)، وَمِنَ العُلَمَاءِ مَنْ لَمْ يُجِزِ الصَّلَاةَ عَلَى أَهْلِ الكَبَائِرِ، وَلَا عَلَى

стр. 3041

أَهْلِ البَغْيِ وَالبِدَعِ (١)، وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي الصَّلَاةِ. . .). أمَّا أهل الكبائر، فأكثر العلماء على صحة الصلاة عليهم، وأبو حنيفة يستثني من أولئك المحاربين الذين يخرجون على المؤمنين، وكذلك البغاة؛ لأنهم تَشبَّهوا بأهل دار الحرب (٢)، وَالإمَامُ مَالِكٌ استثنى من ذلك مَنْ أُقِيمَ عليه الحَدُّ؛ أي: حد القتل، كالزَّانِي الثيِّب إذا قتل حدًّا (٣). قَالَ: (أَمَّا فِي أَهْلِ البِدَع، فَلِاخْتِلَافِهِمْ فِي تَكْفِيرِهِمْ بِبِدَعِهِمْ، فَمَنْ كَفَّرَهُمْ بِالتَّأْوِيلِ البَعِيدِ، لَمْ يُجِزِ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ، وَمَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ إِذْ كَانَ الكُفْرُ عِنْدَهُ إِنَّمَا هُوَ تَكْذِيبُ الرَّسُولِ لَا تَأْوِيلُ أَقْوَالِهِ ﵊ قَالَ: الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ جَائِزَةٌ). والمُؤلِّف هنا يُشير إلى مسألة: هل هناك فرق بين مَنْ يقع في الكفر

стр. 3042

في بعض المسائل متأولًا كالذين يتأولون بعض الصفات، وأخطر من أولئك الذين ينفون القدرَ، وكذلك أمثال الجبرية والجهمية، وهؤلاء الذين تَكلَّم عنهم العلماء، والذين قالوا بخلق القرآن أيضًا. . . أمثال هؤلاء اختلف العلماء فيهم من حيث التكفير وعدمه، إذًا هؤلاء متأولون، وهم لا شك أخطؤوا الصواب، وتجاوزوا الطريق السوي في هذا الأمر، وبين من يُعْلن الكفر صريحًا؟ من العلماء مَنْ توقَّف في الصَّلاة على هؤلاء المتأولين (١)، ومن العلماء مَنْ رأى أنه يُصلَّى عليهم ما داموا ينطقون بالشهادتين (٢). * قوله: (وَإِنَّمَا أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَى المُنَافِقِينَ) (٣)؛

стр. 3043

لأنَّ هذَا جَاء بنصِّ القرآن (١). * قوله: (مَعَ تَلَفُّظِهِمْ بِالشَّهَادَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾، الآيَةَ [التوبة: ٨٤]). ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]، ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة: ٥٤]، إلَى آخِرِ الآيات. * قَالَ: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي أَهْلِ الكَبَائِرِ، فَلَيْسَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَهُ سَبَبٌ إِلَّا مِنْ جِهَةِ اخْتِلَافِهِمْ فِي القَوْلِ بالتَّكْفِيرِ بِالذُّنُوبِ). وَأَكْثَر العلَماء على أنه يصلَّى عليه (٢)، وَكَذلك الذين قاتلوا، كَمَنْ قاتلوا عليًّا ﵁، وأمثال ذلك، والَّذين فرَّقوا كلمة المسلمين، وأوجدوا الخلافَ، وما ترتب على ذلك من أضرارٍ؛ لأن المسلمين أو الدولة الإسلامية بدلًا من أن تقاتل أعداء المسلمين، وأن تفتح البلاد، وتدعو الناس إلى نور القرآن، انشغلوا بأمثال هؤلاء، فأوجدوا أثرًا في جسم الأمة الإسلامية، وكانوا سببًا في وقوع كثيرٍ من النكبات وغيرها، لكن اللَّه أخمد فتنتهم، ولذلك عادت الدولة الإسلامية بعد ذلك في وقتهم إلى فتح البلاد، ونشر الإسلام في كل مكان. * قوله: (لَكِنْ لَيْسَ هَذَا مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ (٣)). وليس كل مَنْ يرتكب معصيةً من المعاصي يكفر مطلقًا، لم يقل أحدٌ

стр. 3044

بذلك، لكن الكلام في الذين يرتكبون بدعةً عقديةً، هؤلاء هم الذين تكلم عنهم العلماء، أمَّا الذين يرتكبون كبيرةً من الكبائر كالزنا، فهؤلاء لا يُحْكم بكفرهم، وإنَّما هم عصاةٌ، وهم أيضًا داخلون تحت المشيئة. * قوله: (فَلِذَلِكَ، لَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يَمْنَعَ الفُقَهَاءُ الصَّلَاةَ عَلَى أَهْلِ الكَبَائِرِ، وَأَمَّا كَرَاهِيَةُ مَالِكٍ الصَّلَاةَ عَلَى أَهْلِ البِدَعِ، فَذَلِكَ لِمَكَانِ الزَّجْرِ وَالعُقُوبَةِ لَهُمْ (١)). ولذَلكَ، يذكر العلماء أنَّ الإِمَامَ لا يصلي على أمثال هؤلاء حتى يكون ذلك رادعًا وزاجرًا لأمثال هؤلاء؛ لأن الإنسان إذا ارتكب الكبائر، وخَاض في المعاصي، ولم يُصَلَّ عليه بعد ذلك، فإن هذا دليلٌ على النقص فيه، فلعل ذلك يكون زاجرًا ورادعًا لمن يفكر في ارتكاب كبيرة من الكبائر. * قوله: (وَإِنَّمَا لَمْ يَرَ مَالِكٌ صَلَاةَ الإِمَامِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ حَدًّا؛ "لِأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَمْ يُصَلِّ عَلَى مَاعِزٍ، وَلَمْ يَنْهَ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ"، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٢)). وَالأَحَاديث بالنسبة لمَاعِزٍ قد تَعدَّدت، ففيها أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ صلى عليه، وفيها أنه لم يصلِّ عليه (٣)، وأنه "لم يصلِّ عليه" هذه هي التي

стр. 3045

تمسك بها المالكية، وفي مقدمتهم الإمام مالك، ورأوا أنها أصح الروايات في ذلك؛ لأن هذه هي التي رواها الأكثرون، ولكن جاء في أحاديث أُخرى أن رسول اللَّه ﷺ صلَّى على الغامدية، وأيضًا بالنسبة لقصة الغامدية جاء في بعض الروايات أن الرسول ﷺ لم يُصَلِّ عليها، وإنما أمرهم أن يصلُّوا عليها (١)، لكن في قصة الجهنية جاء أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ صلَّى عليها، ولذلك قال له عمر: تصلي عليها وقد زنت؟ فقال له رسول اللَّه ﷺ : "لقَدْ تَابَت توبةً لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوَسعَتهم" (٢). * قوله: (وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ؛ لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَبَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ" (٣)). وَهَذا الحَديثُ أخرَجه الإمام مسلم وغيره أنَّ رسول اللَّه ﷺ جيء له برجلٍ قد قَتل نفسه بمشاقص (يعني: بنَصْلٍ)، فلم يصلِّ عليه رسولَ اللَّه ﷺ ، فقال: هذا دليلٌ على أن مَنْ قتل نفسه متعمدًا لا يصلَّى عليه؛ لأنه إنَّما فعل ذلك منافاةً للصَّبر، وهو مطالبٌ بأن يصبر على طاعة اللَّه، وأن يصبر عن مَعَاصيه، وأن يصبر على أقداره؛ ولذلك يقول رسول اللَّه ﷺ : "عجبًا لأمر المؤمن، إِنَّ أَمْر المؤمنِ كله خير، إن أصابته

стр. 3046

ضراء صبر فكان خيرًا له، وإن أصابته سراء صبر، فكان خيرًا له" (١)، فالمؤمن الحق إذا نزلت به مصيبة، فإنه يَصْبر ويحتسب، وكذلك إذا حلَّت به نعمة من النعم، فإنه يشكر اللَّه ، إذًا المؤمن يشكر اللَّه في حالتي السَّرَّاء والضَّرَّاء. وَفِي قصَّة المرأة التي شكَت إلى رسول اللَّه ﷺ أنها تُصْرع، وأنها تقع وربما تَكشَّفت، وطلبت من رسول اللَّه ﷺ أن يدعو لها، فَخيَّرها رسول اللَّه ﷺ بين أن يدعو لها فتشفى، وبين أن تكون لها الجنة، فاختارت أن تبقى على حالها وهي تريد الجنة (٢)، وهذه بُغْية كل مؤمن، فكل مسلم في هذه الحياة إنما يسعى فيها عَلَّه أن يصل إلى تلك الجنة التي أُعدَّت للمتقين. * قوله: (فَمَنْ صَحَّحَ هَذَا الأَثَرَ قَالَ: لَا يُصَلَّى عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ (٣))؛ لأن هذا الأثر عند الجماعة عدا البخاري، إذًا هو في "صحيح مسلم"، وهذه من المآخذ التي تُؤْخذ على المؤلف في هذا، وهو أنه أحيانًا قد يَهِمُ في بعض الأمور، فيقول في حديث: لو صحَّ،

стр. 3047

وهو في أحد "الصحيحين"، ومعلوم أن ما في "الصحيحين" أو في أحدهما لا يحتاج إلى أن يُصحَّحَ، أو أن يُبْحثَ في سنده. * قوله: (وَمَنْ لَمْ يُصَحِّحْهُ، رَأَى أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ المُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، كلمَا وَرَدَ بِهِ الأَثَرُ (١)، لَكِنْ لَيْسَ هُوَ مِنَ المُخَلَّدِينَ لِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الإِيمَانِ). فإن الذين يدخلون النار ليسوا كلهم على نسق واحد، وليسوا في مرتبة واحدة، فبعضهم يدخل النار ويخرج منها، وأما الكفار فهم الذين يُخلَّدون فيها، ولذلك يقول اللَّه في الحديث الصحيح: "وعزتي وجلالي، لأخرجن منها من قال: لا إله إلا اللَّه" (٢)، فمن كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان يخرج من النار إن أُدْخلها. * قوله: (وَقَدْ قَالَ ﵊ حِكَايَةً عَنْ رَبِّهِ: "أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنَ الإِيمَان" (٣)، وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الصَّلَاةِ عَلَى الشُّهَدَاءِ المَقْتُولِينَ فِي المَعْرَكَةِ). وهَذِهِ مسألةٌ سبق أن عرض لها المؤلف وعاد إليها مَرَّةً أخرى: الذين يقتلون في المعركة من الشهداء، وَسَبق أن تكلَّمنا عن الشهداء، وبيَّنَّا أنهم أنواع: فمن الشهداء من يقتل في المعركة، ومن الشهداء عدد آخر أشار إليهم رسول اللَّه ﷺ وبيَّنه، كالذي يموت في حريق أو في غرق أو

стр. 3048

المطعون أو أمثال هؤلاء ممن ورد النص فيهم (١)، فالَّذينَ ماتوا في المعركة في ساحة القتال وهم يُقَاتلون أعداء اللَّه هل لهم حكمٌ يخصُّهم؟ أكثر العلماء (٢) قالوا: نعم، من مات في المعركة لا يُغسَّل، ولا يُصَلَّى عليه، وإنما يُدْفن في ثيابه (٣)، فإن كان عليه شَيءٌ من الحديد ونحوها، فإنها تُنْزع منه، لكنه يُدْفن على حالته ليأتي يوم القيامة لونه لون الدم، وريحه ريح المسك (٤)، ومن الأمثلَة على ذلك ما وقع لشهداء أُحُدٍ، فإنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ ومَعَه المؤمنون دفنوهم، فلم يغسلوهم، ولم يُصلُّوا عليهم، ومنهم مَنْ دُفِنَ، يعني: عدد منهم، وكان رسول اللَّه ﷺ يأمر بدفن الاثنين والثلاثة في قبر واحد (٥). ولذلك، يتكلم العلماء عن هذه المسألة فيما إذا قُبِرَ عددٌ، فقالوا: لا مانع من أن يُقْبَرَ عَدَدٌ في قَبْرٍ وَاحِدٍ، والمسألة فيها خلافٌ، لكن يُوضَع

стр. 3049

حاجز من التراب يفصل بينهم، ويجب أن يقدم الرجال إلى جهة القبلة، ثم يليهم النساء، فإن كانوا رجالًا، فيقدَّم الأفضل فالأفضل، كفِعْلِ رَسُول اللَّه ﷺ (١).

стр. 3050

إذًا، المَشْهورُ أنَّ الشهيد الذي قُتِلَ في المعركة لا يُغسَّل، ولا يُصلَّى عليه، لَكن جَاءَ في حديثٍ أن رسول اللَّه ﷺ صلى على شهداء أُحُدٍ (١)، فهل يصلى على الشهداء؟ المسألة فيها خلاف (٢). * قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ (٣): لَا يُصَلَّى عَلَى الشَّهِيدِ المَقْتُولِ فِي المَعْرَكَةِ، وَلَا يُغَسَّلُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُصَلَّى عَلَيْهِ، ويُغَسَّلُ).
следующие страницы →