← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

وسعد بن أبي وقاص لا يخفى على أحد، فهو أحد أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، وهو خال النبي ﷺ (١)، وأحد المبشرين بالجنة (٢)، وأول من رمى في سبيل اللَّه بسهم (٣)، ولم يفدِ النبيُّ ﵊ أحدًا بأبويه إلا سعدًا، فقال له يوم أحد: "ارم سعد، فداك أبي وأمي! " (٤)، وهو من أبلى بلاءً حسنًا في الإسلام، فرضي اللَّه عنه وعن بقية أصحاب رسول اللَّه ﷺ . * قوله: (فَأَنْكَرَ النَّاسُ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: "مَا أَسْرَعَ مَا نَسِيَ النَّاسُ، مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى سَهْلِ بْنِ بَيْضَاءَ إِلَّا فِي المَسْجِدِ" (٥)). على سُهيل بن بيضاء هذا هو المعروف (٦). وهم إخوة ثلاثة: سَهل وسُهيل وصفوان، والذي ورد في الحديث عنه هو سُهيل. وفي بعض الروايات: "على سُهيلٍ وأخيه" (٧).

стр. 3082

* قوله: (وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَهُوَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فِي المَسْجِدِ، فَلَا شَيْءَ لَهُ"). هذه رواية أبي داود (١)، وعند ابن ماجه (٢): "فليس له شيء"، وكلا الروايتين تتفقان في المعنى، فما معنى أن لا شيء له؟ قد يكون معناه: لا شيء له من الأجر؛ لأنه جاء في الأحاديث أن: "من صلّى على جنازة فله قيراط، ومن تبع الجنازة حتى توضع فله قيراطان" (٣). وأجاب أهل العلم عن هذا الحديث بأنه ضعيف، وتأوله بعضهم بأنه لا شيء له: أي لا شيء عليه، كما في قول اللَّه تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]؛ أي: فعليها (٤). فكذلك من صلّى على جنازةٍ في المسجد فلا شيء له: أي فلا شيء عليه (٥).

стр. 3083

وإذا كان لا شيء عليه فالصلاة على الجنازة في المسجد جائزة إذن، ولا تختلف عن الصلاة خارجه. * قوله: (وَحَدِيثُ عَائِشَةَ ثَابِتٌ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ غَيْرُ ثَابِتٍ، أَوْ غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَى ثُبُوتِهِ). للمصنف ﵀ مصطلح اضطرد استعماله، وقد أشرنا إليه في بداية دراسة هذا الكتاب، هو أنه إذا قال: حديث ثابت: فيعني به ما كان في "الصحيحين" أو في أحدهما، وهذا ثابتٌ في "صحيح مسلم". إذن هو سائرٌ على قاعدة المؤلف التي رسمها في بداية هذا الكتاب. * قوله: (لَكِنَّ إِنْكَارَ الصَّحَابَةِ عَلَى عَائِشَةَ يَدُلُّ عَلَى اشْتِهَارِ العَمَلِ بِخِلَافِ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ). لكن يُعترض على المؤلف بأنه قد صُلِّي على أبي بكر (١) وعلى عمر (٢) ﵄ في المسجد ولم يُنكر ذلك أحد، وكان ذلك بعد وفاة رسول اللَّه ﷺ ، وكان من بين الذين صلَّوْا أبو هريرة (٣)، وهو الذي روى

стр. 3084

هذا الحديث ولم ينكر ذلك. ومعلوم أن الصحابة ﵃ إذا كان عند أحدهم علمٌ لا يخفيه، وإنما يُظهره ويفشيه. * قوله: (وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ بُرُوزُهُ ﷺ لِلْمُصَلَّى لِصَلَاتِهِ عَلَى النَّجَاشِيِّ). وهو ثابت في "الصحيحين" (١)، وقد سبق ذكره في حكم الصلاة على الغائب (٢)، وبروزه: يعني: خروجه ﵊ من المسجد وصلاته على النجاشي خارجه.

стр. 3085

وقد قال ﷺ : "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا" (١) فأي مكان صُلِّي فيه عدا الأماكن السبعة التي مُنع أو كُرهت الصلاة فيها فإنه يُصلَّى فيها. * قوله: (وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ سَبَبَ المَنْعِ فِي ذَلِكَ هُوَ أَنَّ مَيِّتَ بَنِي آدَمَ مَيْتَةٌ وفِيهِ ضَعْفٌ؛ لِأَنَّ حُكْمَ المَيْتَةِ شَرْعِيٌّ، وَلَا يَثْبُتُ لِابْنِ آدمَ حُكْمُ المَيْتَةِ إِلَّا بِدَلِيلٍ). وهذا كلامٌ ضعيف جدًّا؛ لأن المسلم لا ينجُس (٢)، كما جاء في الحديث الصحيح؛ إلى جانب أنه لا دليل شرعيٌّ على كون ميت ابن آدم له حكم الميتة، فميت ابن آدم ليس بنجس (٣).

стр. 3086

* قوله: (وَكَرِهَ بَعْضُهُمُ الصَّلَاةَ عَلَى الجَنَائِزِ فِي المَقَابِرِ) (١). هذه مسألة مهمة، وبنبغي أن يُفرَّق بين أمرين: - بين أن تُصلِّي على الجنازة في المقبرة. - وبين أن تُتَّخذ المقبرة مكانًا للصلاة. فالمسألتان مختلفتان، والأمر خطير، ويقع فيه كثير من المسلمين. أما الصلاة على الجنازة في المقبرة: فقد سبق الكلام في هذه

стр. 3087

المسألة وتفصيل القول فيها، وسبق ذكر المرأة التي طلب رسول اللَّه ﷺ من أصحابه أن يُخبروه إذا ماتت، فأُخرجت جنازتها ليلًا، فلم يُوقظوا رسول اللَّه تأدبًا معه ﵊ وخشية إيذائه؛ فلما أصبح أخبروه بالذي كان من شأنها، فأنكر عليهم وقال: "ألم أقل لكم آذنوني؟ " فاعتذروا له بأنهم كرهوا أن يوقظوه ويخرجوه ليلًا. فخرج رسول اللَّه ﷺ حتى صف بالناس على قبرها (١). فالحديث صحيح وثابت، ولقد استدل به من أجاز بناء المساجد على المقابر، وكذلك قد استدل بعمومِ حديث: "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا" (٢). إذن ثبت أن رسول اللَّه ﷺ صلَّى على جنازة في المقبرة (٣)، لكن العلماء فصَّلوا القول -كما مر ذكره-. فمنهم من قال: لا يُصلِّي على من لم يُدرك الصلاة عليه في المقبرة إلا الولي. وهو مذهب الحنفية (٤) كما سبق ذكره.

стр. 3088

ومنهم: من أجاز ذلك مطلقًا لكن قيدوه في يوم أو في ثلاثة (١) وبعضهم قال: أكثره شهر (٢)؛ فلا مانع لمن فاتته الصلاة على الجنازة أن يُصلي في المقبرة. لكن فرقٌ أن يُصلى على جنازة في المسجد قد قُبرت أو لم تُقبر بعد، وبين أن تُتَّخذ المقبرة مسجدًا يُصلَّى فيه (٣). كيف ورسول اللَّه ﷺ قد قال: "إنَّ من كانَ من قبلَكم كانوا يتَّخذونَ القبورَ مساجدَ، ألا فلا تتَّخِذوا القبورَ مساجدَ فإنِّي أنْهاكم عن ذلِكَ" (٤). ثم قالت عائشة ﵂ بعده: ولولا ذلك لأُبرز القبر، ولكنه خشي أن يُتخذ مسجدًا! (٥). وقال رسول اللَّه ﷺ : "لعن اللَّهُ اليهودَ والنصارى اتَّخذوا قبورَ أنبيائهم مساجدَ"، ثم قالت عائشة ﵂: يحذرهم مثل الذي صنعوا (٦). إذن؛ من أخطر الأمور أن يُبنى مكانٌ أو مسجد على مقبرة، أو أن

стр. 3089

يُؤتى بقبرٍ فيوضع في المسجد، فلا يجوز أن تُتخذ المقابر مساجد (١)، ولا يجوز أن يُؤتى إلى موضعٍ فيه قبرٌ فيُبنى عليه مسجدٌ من المساجد، ولا يجوز أيضًا لأولئك الذين يترددون على المقابر فينطرحون بين القبور، ويتمرَّغون في ترابها، ويلجؤون إلى أصحابها، ويدَّعون أن عندهم من الصلاح والولاية ما يجعلهم واسطةً بينهم وبين اللَّه فيشفعون لهم، وهذا نوعٌ من الشرك، بل قد يصل الحال به إلى الشرك الأكبر المحبط للأعمال الموجب للخلود في النار إذا اعتقد الحيُّ بهذا الميت أنه ينفع ويضر. ومعلوم أن الغلو في الأموات إنما أوقع أممًا قبلنا في الشرك، غلوا في الصالحين من موتاهم، حتى جعلوا لهم التصاوير والتماثيل، ثم انتهى بهم الأمر إلى أن عبدوهم من دون اللَّه. فهؤلاء الذين يطوفون بالقبور، ويطلبون من أهلها الشفاعة، أو رفع الكرب، أو جلب النفع، أو دفع الضر، هم في الحقيقة جُهَّال؛ لأنه لا يُطلب النفع والضر إلا من الخالق المالك الذي لا ينازعه أحد في ملكه،

стр. 3090

القوي العزيز الذي لا يغالبه أحد على أمره، ولا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، وهذا لا يكون إلا للَّه . قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ [فاطر: ٤٠]؛ فهؤلاء الذين عُبدوا أو دُعوا من دون اللَّه لا قوة لهم، فلا هم خلقوا، ولا لهم ملك تام في السموات ولا في الأرض، بل ليس لهم ملك مشترك، فعلى أي شيء يعبدون ويسألون من دون اللَّه، بل قال اللَّه تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩١ - ١٩٥]؛ فحتى هذه الأشياء من دفع الضر عن أنفسهم وإجابة من يدعوهم، واستعمال آلاتهم من السمع والبصر لا يقدرون عليها، فكيف يتوجه لهم الناس بالعبادة؟! فالواقعون في هذه الأشياء على خطر عظيم جدًّا، فهم واقعون في الشرك الأكبر الموجب للخلود في النار إن مات عليه صاحبه ولم يتب منه، فنسأل اللَّه العافية. أما ما يدعي البعض بأنهم يعلمون أنَّ مَن ينفع ويضر على الحقيقة هو اللَّه ﵎، لكنهم يذهبون إلى هؤلاء الصالحين لمَا لهم من الجاه والصلاح والتُّقى وغير ذلك، فيطلبون منهم الشفاعة لهم عند اللَّه؛ فهذا أيضًا جهل، وهذا حق أُريد به باطل؛ وذريعة مفضية إلى الشرك الأكبر؛ لأن هذا إن كان صالحًا فصلاحه لنفسه، وهو لا يملك من أمره نفعًا ولا ضرًّا، ولا يملك لنفسه خيرًا ولا شرًّا إلا بما شاء اللَّه له، فكيف يملكه لغيره، وكيف يقدر على نفع غيره أو رفع الضرر عنه. واللَّه يقول: " ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ

стр. 3091

الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ [البقرة: ١٨٦]، ويُحذّر المؤمنين أن يدعوا غيره فيما لا يقدر عليه إلا هو ، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾ [الأحقاف: ٥]. ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣)﴾ [الفرقان: ٣]. ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]. إذن؛ ينبغي للمؤمن إذا ما نزلت به نازلة، أو حلَّ به أمر من الأمور أن يلجأ إلى اللَّه ، ولا يقول: أنا لي من السيئات ما ينوء بحملها الجبال، وهذا موجب لرد الدعاء. فاللَّه يغفر الذنوب جميعًا؛ لأنه يقول: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]. ويقول سبحانه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢]. فعلى المرء أن يتوب إلى اللَّه صادقًا في توبته، وأن يُقلع عما كان يفعله من المعاصي، وأن يندم على ما فات، وأن يعزِم على عدم العودة إلى معصية اللَّه ، وحينئذٍ ينفتح أمامه باب التوبة والقبول. وإن من سوء ظن العبد بربه أن يظن أنه لو اتجه إلى اللَّه بقلب صادق، وبنية خالصة، وتضرع إليه أنه لن يجيبه ولن يقبل دعاءه، بل عليه أن يعلم أن اللَّه ربما قد أجَّل إجابة الداعي لخير يعلمه سبحانه؛ وقد يكون رفع اللَّه عنه به بليَّة (١) لا يعلمها، وربما يدخره له في يومٍ لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى اللَّه بقلب سليم، كما جاء بذلك الخبر الصحيح عن النبي ﷺ (٢).

стр. 3092

فغاية الكلام: أن يحذر المسلمون من إقامة المساجد على القبور لأنه أمر خطير وذريعة إلى الشرك باللَّه ﵎، والرسول اللَّه ﷺ قد قال: "لا تجلِسوا على القبورِ ولا تصلُّوا إليها" (١)؛ فما بالك بمن يتخذ المقبرةَ مسجدًا تُقام فيه الصلاة! نسأل اللَّه السلامة والعافية. * قوله: (لِلنَّهْيِ الوَارِدِ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا). المراد بالنهي الوارد فيها حديث: "جُعلت لي الأرض مسجدًا إلا المقبرة والحمَّام" (٢). وهو حديث فيه كلام، وفي بعض الأحاديث ذكرت سبع مواطن نُهي عن الصلاة فيها (٣). * قوله: (وَأَجَازَهَا الأَكْثَرُ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵊: "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا" (٤)). هذا جزءٌ من حديث مذكور فيه خمسة أمور اختصر اللَّه بها نبيه محمد ﵊، وهو قوله ﵊: "أُعطيتُ خمسًا لم يُعطَهنَّ أحدٌ من الأنبياءِ قبلي: نُصِرتُ بالرُّعبِ مسيرةَ شهرٍ، وجُعِلَت ليَ الأرضُ مسجدًا وطهورًا، فأيما رجلٍ من أمتي أدركَتْه الصلاةُ فلْيُصلِّ -وفي بعض الروايات: فإنها مسجد- وأُحِلَّت لي الغنائمُ ولم تحِلَّ لأحدٍ قبلي، وأُعطيتُ الشفاعةَ، وكان النَّبيُّ يُبعَثُ إلى قومِه خاصَّةً وبُعِثتُ

стр. 3093

إلى الناسِ كافة" (١)، ومبعثه إلى الناس كافة مصداق قول اللَّه : ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء: ٧٩]، وقوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]؛ فمحمد بن عبد اللَّه قد أرسله اللَّه إلى الناس كافة، بل أرسله تعالى إلى الثقلين: الإنس والجن، ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ﴾ [الأحقاف: ٢٩]، الآيات. إذن؛ رسول اللَّه ﷺ هو خاتِم الرسل، وشريعته خاتِمة الشرائع؛ فلا نبي بعده ﵊، وشريعته هي أعظم الشرائع، وأجلها، وأشملها، وهي باقية إلى أن يرث اللَّه الأرض ومن عليها. وكانت شرائع الأنبياء السابقين خاصة بأممهم؛ أما شريعة النبي ﵊ فهي لعموم الناس جميعًا وباقية ليوم القيامة ولن يبطل العمل بها، حتى عيسى ابن مريم ﵇ إذا نزل في آخر الزمان فإنه سيحكم بهذه الشريعة (٢) التي نجد مع الأسف أن كثيرًا من أهلها قد انصرفوا عنها، واستبدلوها بقوانين من وضع البشر، وضعوها من تلقاء أفكارهم السقيمة، وأنفسهم الضعيفة يتخللها الخطأ، ويعتريها النقص والضعف، وتفشو فيه الرذائل والقبائح. أما هذه الشريعة التي أنزلها اللَّه العليم بخلقه، العليم بما يُصلح شؤونهم، وما تستقيم به أمورهم ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤]، هذه الشريعة التي لو وقف المسلمون في كل مكانٍ عندها لَعادت إليهم العِزة، والسعادة، وَلَعاد لهم مجدُهم الذي كان لهم زمن رسول اللَّه ﷺ ، وفي زمن القرون المُفضَّلة. قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى:

стр. 3094

(الفَصْلُ الخَامِسُ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ عَلَى الجَنَازَةِ) سبقت الإشارة إلى أنه يُشترط في صلاة الجنازة ما يُشترط في الصلاة المكتوبة، عدا دخول الوقت؛ فليس لصلاة الجنازة وقت محدد تُصلى فيه كما هو معلوم، وكذا سبق ذكر أنه قد اختُلف في أدائها في الأوقات التي نُهي عن الصلاة فيها. * قوله: (وَاتَّفَقَ الأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ مِنْ شرْطِهَا الطَّهَارَةَ) (١).

стр. 3095

ومن خالف في هذا فقد شذ؛ وقد نُقل هذا عن الشعبي (١) وحكاه بعضهم عن ابن جرير (٢). * قوله: (كَمَا اتَّفَقَ جَمِيعُهُمْ عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِهَا القِبْلَةَ) (٣). ما دامت الجنازة صلاة فيجب أن يُتجه فيها إلى القبلة؛ لأن استقبال القبلة من شرائط الصلاة. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ التَّيَمُّمِ لَهَا إِذَا خِيفَ فَوَاتُهَا، فَقَالَ قَوْمٌ: يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي لَهَا إِذَا خَافَ الفَوَاتَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤) وَسُفْيَانُ وَالأَوْزَاعِيُّ وَجَمَاعَةٌ (٥). وَقَالَ مَالِكٌ (٦) وَالشَّافِعِيُّ (٧)

стр. 3096

وَأَحْمَدُ (١): لَا يُصَلَّى عَلَيْهَا بِتَيَمُّمٍ). معلوم أن الصلاة يلزم لها التطهر ورفع الحدث -سواء في ذلك الحدثان الأصغر والأكبر-، فهو شرط من شروط صحة الصلاة كما سلف ذكره في موضعه لغير ما دليل، منها قوله ﵊: "لا يقبَلُ اللَّهُ صلاةً بغيرِ طُهورٍ ولا صدَقةً مِن غُلولٍ" (٢). والأصل أن رفع الحدث إنما يكون بالماء، فإذا عدم الماء يُنتقل إلى بديله وهو التيمم، فالماء أصل والتيمم بدل، وإذا عدم الأصل ينتقل إلى البدل، إلا أن هناك مَن ينازع في كون التيمم بديلًا عن الماء؛ إذ يرون بينهما فرقًا، وهم الظاهرية (٣)، فهم يرون أن التراب لا ينظف مثل الماء، بل يقذر ويلوث. فالمسألة هاهنا تختلف صورتها عن صورة التيمم المعروفة؛ فالتيمم أن يعدم الإنسان الماء ولا يستطيع التحصل عليه، وحضرته الصلاة فيتمم ويصلي. أما صورة هذه المسألة: إنسان خشي أن تفوته الجنازة، بحيث أنه لو

стр. 3097

قام يتوضأ أو ذهب في طلب الماء لفاتته الجنازة، فهل يتيمم؟ فالمسألتان مختلفتان، وينبغي التنبه لهذا. فإذا كان سبب ترك التطهر هو خشية فوات وقت الصلاة على الجنازة؛ فهذه هي المسألة التي ساقها المؤلف، وهي مما اختلف فيه العلماء: فالحنفية (١) يقولون: يتيمم ويصلي. وجمهور العلماء يقولون (٢): بل ينتظر حتى يتوضأ ثم يصلي على الجنازة. أما لو وُجد مانع يمنعه من الماء؛ كأن يكون الماء باردًا، أو يحول بينه وبينه حائل: كعدو يتربص به، أو سبع أو نحوه، أو كان يلحقه ضرر من استعمال الماء، فيتيمم باتفاق. فالمسائل أحيانًا قد تتداخل وتتشابه؛ فينبغي على طالب العلم أن يحرر المسألة قبل الشروع في بحثها، ويعرف الفروق التي تكون بين المتشابهات من المسائل، ونحو ذلك. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: قِيَاسُ ذَلِكَ عَلَى الصَّلَاةِ المَفْرُوضَةِ، فَمَنْ شَبَّهَهَا بِهَا أَجَازَ التَّيَمُّمَ -أَعْنِي: مَنْ شَبَّهَ ذَهَابَ الوَقْتِ بِفَوَاتِ الصَّلَاةِ عَلَى الجَنَازَةِ- وَمَنْ لَمْ يُشَبِّهْهَا بِهَا، لَمْ يُجِزِ التَّيَمُّمَ؛ لِأَنَّهَا عِنْدَهُ مِنْ فُرُوضِ الكِفَايَةِ، أَوْ مِنْ سُنَنِ الكِفَايَةِ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ، وَشَذَّ قَوْمٌ، فَقَالُوا: يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّي عَلَى الجَنَازَةِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ (٣)).

стр. 3098

وسبقت الإشارة إلى أنه منسوب لابن جرير (١)، وأنه قول ضعيف مردود. * قوله: (وَهَؤُلَاءِ ظَنُّوا أَنَّ اسْمَ الصَّلَاةِ لَا يَتَنَاوَلُ صلَاةَ الجَنَازَةِ، وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُهَا اسْمُ الدُّعَاءِ، إِذْ كَانَ لَيْسَ فِيهَا رُكُوعٌ، وَلَا سُجُودٌ). وجهة الذين قالوا بأن الطهارة لا تشترط للجنازة: أنها ليست بصلاة؛ إذ كل ما فيها إنما هو فى دعاء، وهذا غير صحيح؛ لأن صلاة الجنازة -كما هو معلوم- لا تقتصر على الدعاء فقط، وإنما فيها ما في الصلاة من أركان وواجبات، ففيها قيام، وتكبير، وقراءة، وتسليمٌ من الصلاة؛ فقد اشتملت على جملةٍ من أحكام الصلاة، وعليه فهي صلاة. واللَّه يقول عن صلاة الجنازة: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤]، فسماها اللَّه تعالى في كتابه صلاة، ورسول اللَّه ﷺ قال: "صلوا على صاحبكم" (٢) وقال: "مَن صلَّى على جِنازةٍ فله قِيراطٌ" (٣)، والنصوص في ذلك كثيرة جدًّا، فهي صلاة إذن ولها ما للصلاة من أحكام. واللَّه يقول في شأن الصلاة: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]. وفي سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]؛ فما دامت صلاة الجنازة من الصلوات المشروعة فلا تصح بغير طهارة شأن سائر الصلوات. قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى:

стр. 3099

(البَابُ السَّادسُ فِي الدَّفْنِ) ثم انتقل المؤلف ﵀ إلى آخر ما يتعلق بأحكام الجنائز، وهي مسألة الدفن. فهي آخر ما يجري على الميت من الأشياء، فإنه يُغسَّل، ثم يُكفَّن، ويُصلَّى عليه، ثم يُحمَل ويُدفن. والدفن ثابتٌ في هذه الشريعة؛ ثابت بإجماع المسلمين؛ فالرسول ﷺ دفن أصحابه، والمسلمون فعلوا ذلك، ولا يزالون. والمؤلف ذكر دليلين على ذلك، وهما حُجَّة في هذه المسألة. * قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ الدَّفْنِ) (١). هذا أولهما: الإجماع، فهي مسألة مُجمعٌ عليها. * قوله: (وَالأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾ [المرسلات: ٢٥ - ٢٦]). ﴿الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾؛ أي: تُجعل فيها الأموات، فالأحياء يعيشون عليها، والأموات يدخلون فيها إلى أن يرث اللَّه الأرض ومَن عليها، ثم يأذن بجمعهم للقيام بين يديه ﵎.

стр. 3100

* قوله: (وَقَوْلُه: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣١]). والآية من سورة المائدة في ذكر قصة ابني آدم: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ إلى أن قال: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٧ - ٣١]؛ أي: يفحص في الأرض يدله كيف يواري جثمان أخيه القتيل. فانظر رحمك اللَّه! طوعت له نفسه قتل أخيه بغيًا وحسدًا بعد أن أغواه الشيطان فقتل أخاه، الذي كان يعتضد به ويتقوى؛ أخاه الذي كان يأنس به من الوحشة، ويستعين به على أموره، ويتسلى به في حياته، خسر كل هذا في لحظة أطاع فيها نفسه الأمارة بالسوء، وإغواء الشيطان الرجيم، ولم يخش اللَّه تعالى في عاقبة فعله، فأخوه إنما امتنع عن بسط يديه إليه بالأذى خوفًا من اللَّه تعالى، أما هو فلم يراع هذا المقام، وغلبت عليه نفسه، ودفعه حسده على أخيه فقتله، فأصبح من النادمين، ولكن لات حين مندم. ثم وقع في حيرة ماذا يفعل في جثمان أخيه، فأرسل اللَّه إليه غرابًا، فصار يبحث في الأرض ليدفن الغراب، قال تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾، فطفق يفعل كفعل الغراب ووارى سوءة أخيه. فينبغي على المرء المسلم أن يتقي اللَّه تعالى ويعتصم به، ولا يفسح للشيطان مجالًا يدخل إليه منه ويستولي على نفسه ويقودها إلى المهالك، وينبغي أن يتحرز من خطواته ومداخله والثغرات التي ينفذ إليه منها، خاصة في حال الغضب؛ فإنها من أكثر الأحوال التي يستولي فيها الشيطان على الإنسان، ويوجهه إلى السوء ويؤزه (١) على كل شر.

стр. 3101

لذلك لما جاء رجل يستوصي النبي ﷺ وصية جامعة للخير، قال له ﵊: "لا تَغضَبْ" والرجل يستوصيه مرارًا وهو يقول: "لا تَغضَبْ" (١)، جملة واحدة لم يزد عليها النبي ﷺ ؛ لأن المرء إذا غضب واستولى عليه غضبه فإنه يذهب عقله، وربما وقع فيما يهلكه، أو يتكلم بما يفسد عليه حياته، أو يضر عزيزًا عليه، أو يردي نفسه في مهلكة لا نجاة منها، ولا ينفعه بعدها ندم ولا أسف، ولا تجدي معذرة ولا استعتاب. ففي هذه الحال اتبع ابن آدم نفسه الأمارة، وسمع لغواية الشيطان حتى أوقعه في خطيئة مهلكة، وهي القتل، وليس ككل قتل، بل قتل أخاه، فكان ذنبًا أبشع وخطيئة أفظع، واللَّه تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣]. وكذلك دأب الشيطان دومًا، يسد عليه طرائق الخير ويقعد له عليها يصرفه عنها ويحرفه عن الصراط المستقيم، فتراه يسعى إلى أن يفسد على الإنسان أعماله، ويُكتر التشويش على العبد في عبادته، فيوسوس له في صلاته. ولذلك أرشد النبي ﷺ : "إذا شَكَّ أحدُكُم في صلاتِهِ فلم يَدرِ كَمِ صلَّى أثلاثًا أمْ أربعًا؟ فليطرَحِ الشَّكَّ وليبنِ على ما استيقنَ؛ فإن كان صلَّاها خَمسًا شفَعنَ لَه صلاتَه، وإن كَانَ صلَّاها أربع" -هذا في الرباعية- "كانتَا تَرغيمًا للشَّيطان" (٢). أي: دحرًا، وإذلالًا، وكيدًا له. وهكذا ينبغي أن يكون شأن المؤمن دومًا؛ فإن الشيطان عدوه، فعليه دائمًا أن يغلق دونه الأبوِاب ويقطع عليه السبل، ويسد عليه المداخل، مستعينًا باللَّه عليه، مستعيذًا باللَّه منه، ومن يعتصم باللَّه فقد هدي إلى صراط مستقيم.

стр. 3102

* قوله: (وَكَرِهَ مَالِكٌ (١) وَالشَّافِعِيُّ (٢) تَجْصِيصَ القُبُورِ). هذه من المسائل التي لها تعلق مباشر بصحة المعتقد؛ فهي تدرس فيما يعرف بعلم العقيدة، وتوحيد اللَّه سبحانه هو أصل العلوم وأفضلها، فما تعلمت العبيد شيئًا أفضل من التوحيد؛ ولذلك عندما جاء جبريل إلى رسول اللَّه ﷺ وجلس بين يديه، ووضع كفيه على ركبتيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام، قال: "الإسلامُ: أن تشهدَ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّهِ"، فبدأ أول ما بدأ بالشهادتين، ثم ثنَّى فقال: أخبرني عن الإيمان، قال: "أن تؤمن باللَّه، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره". رواه مسلم (٣). هذا هو التوحيد؛ فلا ينفع عمل إنسان إذا كان توحيده فاسدًا. يقول اللَّه في شأن الكفار: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]؛ أي: صارت أعمالهم كلها ضائعة لا قيمة لها؛ فالتوحيد هو الأصل الذي ينبغي أن تُبنى عليه بقية الأمور، ومنها: العبادات كالصلاة، والزكاة، والصوم والحج وغيرها، فينبغي أن يكون صحيحًا، وأي خلل في هذا الأصل يُوجِد نقصًا في سائر العبادات. ولا شك أن التقصير في أمر العقيدة يختلف باختلاف الأحوال؛ فمن أشرك مع اللَّه غيره فقد كفر، ولكن قد يحصل من الإنسان أن يرتكب بعض المعاصي التي لا تُخرجه عن الدين، لكنها تكون قادحةً في إيمانه؛ ولذلك يقول رسول اللَّه ﷺ : "لا يزني الزَّاني حينَ يزني وهوَ مؤمِنٌ، ولا يسرقُ السَّارقُ حينَ يسرقُ وهوَ مؤمنٌ". رواه مسلم (٤).

стр. 3103

يقول العلماء: لا يُنزع عنه الإيمان نزعًا كاملًا، ولكنه يكون بمثابة غيمة تُظلِّل، فإذا ما ترك الذنب عاد إليه الإيمان (١). والإيمان يزيد وينقص، كما أخبر اللَّه بذلك في كتابه العزيز في سورة الأنفال، يقول اللَّه سبحانه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ من صفاتهم: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ١ - ٤]. فمسألة تجصيص (٢) القبور والبناء عليها من المسائل المرتبطة بعلم العقيدة. وتجصيص القبور لا يجوز؛ لأن في ذلك تزيينًا لها (٣)، والميت رجل قد ودَّع الدنيا، وأفضى إلى ما عمل، والتزيين إنما يكون في أمور الدنيا، فلا ينبغي أن تُزيَّن القبور؛ لأن الميت إذا وضع في قبره ليس في حاجة لأنْ تزين قبره، بل هو في حاجة إلى أن تدعو له، وتسأل اللَّه له الرحمة والمغفرة، وتسأل اللَّه له التثبيت في قبره، ولقد كان رسول اللَّه ﷺ إذا وقف عند القبور أوصى أصحابه أن يدعوا للميت، وأن يستغفروا له، وأن يسألوا اللَّه له التثبيت، ويقول: "إنه الآن يُسأل" (٤).

стр. 3104

فمن الآداب التي ينبغي أن تراعى مع الأموات ألا تجصص قبورهم، ولا يبنى عليها، ولا يجلس عليها، وقد ثبت في "صحيح مسلم" (١) عن جابر قال: "نهى رسول اللَّه ﷺ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه". وقد جاء الحديث بروايات متعددة، لا تُجصَّص القبور، ولا يُبنى عليها، ولا يُقعد عليها. وفي بعض الروايات: النهي عن الكتابة عليها، لكن ليس في صحيح مسلم، وإنما عند النسائي (٢) وغيره (٣). وبناءً على هذا فليس مالك وحده الذي كره تجصيص القبور، وإنما عامة العلماء كرهوا ذلك (٤)؛ لأن رسول اللَّه ﷺ نهى عن ذلك،

стр. 3105

ورسول اللَّه ﷺ لا ينهى عن أمر إلا والخير في تركه، ولا يأمر بشيء إلا والخير في فعله؛ ولذلك يقول رسول اللَّه ﷺ : "إذا نَهيتُكم عن شيءٍ فاجتنبوهُ وإذا أمرتُكم بأمرٍ فأتوا منْهُ ما استطعتُم" (١). فإذا نهانا رسول اللَّه عن شيء ينبغي علينا أن نقول كما قال اللَّه: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]. إذن فكل أمر قد ابتُدع في دين اللَّه لا ينبغي أن نعمل به، وإذا تحيَّرنا في أمر من الأمور، أو ضاقت علينا المسائل، أو وُجِد من العلماء من يقول بالجواز، فلنرجع إلى ما كان عليه الصدر الأول، إلى أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، إلى تلاميذ مدرسته ﷺ ، إلى الذين جمعوا بين العلم والعمل، سنجد أنهم لم يجصِّصوا القبور ولم يبنوا عليها، ولم يكونوا يطوفون حول القبور، ولا يطلبون الشفاعة من أهلها. بل كان رسول اللَّه ﷺ مدفونًا بين ظهرانيهم ومع ذلك لم يكونوا يطلبون منه الشفاعة، كانوا يستسقون به في حياته، فلما مات استسقوْا بعمِّه العباس بن عبد المطلب (٢)؛ لأنه حيٌّ يملك الدعاء، فإذا كان هذا في شأن

стр. 3106

رسول اللَّه ﷺ الذي زكَّاه اللَّه ، وبيَّن فضله، فما بالكم بغيره من الخلق؟! فإذا كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ لم يفعلوا أمرًا من تلكمُ الأمور، فلا ينبغي أن نفعل غير فعلهم؛ لأن الرسول ﵊ أمرنا باتباعهم فقال: "عليكم بسنتي وسنةِ الخلفاءِ الراشدين المَهْدِيين، عَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ". رواه ابن ماجه (١). ويقول الصحابي الجليل عبد اللَّه بن مسعود ﵁: "من كان مستنًّا فليستن بمن قد مات؛ فإن الحي لا تُؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، كانوا أبرَّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا" (٢). فهذه الأمور التي أحدثت بين المسلمين، من عاداتٍ وتقاليد، وبدع وخرافات ومنكرات وشرك، إنما أدخلها مَن يتربصون بالمسلمين الدوائر؛ ليُفسدوا على المؤمنين عقيدتهم؛ لأن أعداء الإسلام يعلمون أنهم لا يستطيعون أن يقفوا في وجه الأمة الإسلامية ما دامت متمسكةً بكتاب اللَّه ، وبسنة رسوله ﷺ ، لكن المسلمين تقع سُلطتهم عندما يخرجون عن كتاب اللَّه؛ فهم يبدؤون أولًا في بذر بذرة الخلاف بينهم. ولعلكم تتذكرون ما وقع أيام غزو التتار في عاصمة الخلافة الإسلامية، كان الخلاف بين المسلمين قائمًا على أشُدِّه، وأعداؤهم

стр. 3107

يسوِّرون بغداد، وانتهى الأمر إلى ما انتهى إليه؛ فلما ذاقوا كأس الموت، وأدركوا أنهم قصَّروا في جنب اللَّه، ووُجد من العلماء من دعاهم إلى طريق الحق، وبيَّن لهم طريق الرشاد، وعادوا إلى دين اللَّه، فعاد لهم النصر والمجد، وأصبحت لهم السُّلطة والمكانة، وصار أعداؤهم الذين أذاقوهم كأس الموت ذاقوه بشكلٍ أمرَّ مما أذاقوهم إياه، وأعاد اللَّه للمسلمين دولتهم وشوكتهم وقوتهم. وهكذا كلما تمسك المسلمون بكتاب اللَّه، وسنة رسوله؛ وعملوا بشريعته ، لا شك أن النصر سيكون معهم، قال اللَّه : ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]. وقال : ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]. * قوله: (وَكرِهَ مَالِكٌ (١) وَالشَّافِعِيُّ (٢) تَجْصِيصَ القُبُورِ). وكذلك أحمد (٣) ﵀ كَرِه ذلك. * قوله: (وَأَجَازَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَة (٤)). لا شكَّ أن المؤمن له حُرمة، فإذا كان حيًّا فإنك لا تجلس عليه، وحُرمة أمواتنا كحرمة أحيائنا، وكسر عظم الميت ككسر عظم الحي (٥)؛ ولذلك لا ينبغي أن يُجلس على القبور. لكن من العلماء من علَّل جواز الجلوس على المقبرة بأن الجلوس

стр. 3108

المنهي عنه هو الجلوس لقضاء الحاجة من بول أو غائط (١)، والصحيح هو المنع مطلقًا (٢)؛ لأن رسول اللَّه ﷺ يقول في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم (٣) وغيره (٤): "لَأَنْ يجلسَ أحدُكم على جمرةٍ فتُحرقَ ثيابَه، فتخلُصَ إلى جلدِه، خيرٌ له من أن يجلسَ على قبرٍ". وانظر -رعاك اللَّه-! لو أن إنسانًا يجلس على قطعة من نار، فتُحرق ثيابه، فإذا انتهت ثيابُهُ وصلت إلى جلده، يقينًا أنه لن يتحمل هذا الألم؛ إذن جلوسك على جمرةٍ تخرق ثيابك، فتصمل إلى جلدك فتُحرقه، هي أهون من أن تجلس على قبر مؤمن؛ لأن المؤمن له حُرمة. وتكميلًا لما ذكرناه سابقًا: نشير إلى ما يفعله بعض المؤمنين -هداهم اللَّه- من التمسُّح ببعض الجُدُر والحجارة عند قبور من يعدونهم من الصالحين، وربما تكون قبورًا خيالية غير صحيحة، لا يُعرف من المدفون فيها، وهذا كله غير جائزٍ. ولذلك ورد أن عمر بن الخطاب ﵁ الذي كان يعبد الأصنام في الجاهلية، وقف عند الحجر الأسود قائلًا: "واللَّه إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول اللَّه ﷺ يُقبِّلك ما قبَّلتك" (٥). إذن؛ تقبيل الحجر الأسود توقيفٌ وتشريعٌ؛ لأنه جاء عن

стр. 3109

رسول اللَّه ﷺ قولًا وفعلًا؛ فنحن عندما نقبل الحجر نكون مقتدين برسول اللَّه ﷺ ، لكننا عندما نتمسح بقبور الأموات، أو بالحجارة التي بُنيت عليها، أو بالقباب، أو يذهب البعض إلى المشاهد التي أُحدثت في الإسلام، هذه كلها خروج عن دين اللَّه ، وقد وضع لنا الرسول ﷺ حديثًا قاعدة فقال: "مَن أحدَث في أمرِنا ما ليسَ فيهِ فهوَ ردٌّ". رواه البخاري ومسلم (١). "من عمل عملًا ليس عليْهِ أمرُنا فهو ردٌّ". رواه مسلم (٢). فكل عمل يخرج عن هدي رسول اللَّه ﷺ ، وعمَّا كان عليه أصحابه فهو مردودٌ على صاحبه، لا يُقبل منه صرفًا ولا عدلًا. * قوله: (وَكَذَلِكَ كَرِهَ قَوْمٌ القُعُودَ عَلَيْهَا، وَقَوْمٌ أَجَازُوا ذَلِكَ). الذين كرهوا القعود على المقبرة هم الأئمة الثلاثة (٣)، والذين أجازوا

стр. 3110

ذلك هم المالكية (١). * قوله: (وَتَأَوَّلُوا النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ أَنَّهُ القُعُودُ عَلَيْهَا لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ) (٢). الجلوس على القبر ليس كفرًا، وليست معصية كبيرة، لكنه مكروه، وفسَّره العلماء بأنه إهانة لأخيك المسلم الميِّت، لكن ينبغي أن يُعلمَ أنَّ الرسول لا ينهانا عن أمر سواء كان محرَّمًا أو مكروهًا إلا وفي تركه خير لنا، ولا يأمرنا بفعل أمرٍ إلا وفيه خير لنا، فلنحاول قدر استطاعتنا أن نعمل ما أمرنا به، وأرشدنا إليه رسول اللَّه ﷺ . * قوله: (وَالآثَارُ الوَارِدَةُ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ: مِنْهَا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَجْصِيصِ القُبُورِ). هذا حديث جابر هو الذي في مسلم (٣)، والمؤلف جاء بلفظ آخر. رسول اللَّه ﷺ نهانا أن نُجصِّصَ القبر؛ لأن تجصيص القبر زينةٌ له، وفيه إبرازٌ وإظهارٌ له، وقد نهانا رسول اللَّه ﷺ عن رفع القبور، وأن نجلس عليها، ونهانا أن نبني عليها، أو أن نقيم عليها القباب، أو أن نزخرفها،

стр. 3111

أو أن نقيم عندها الأعياد، أو أن نطوف حولها، أو أن نتقرَّبَ لأهلها، فعلينا أن نسمع ونطيع. وهذه الأعمال المنهي عنها تختلف في رتبتها، فبعضها شركٌ أكبر، وبعضها شركٌ أصغر، وبعضها معصيةٌ من المعاصي، وبعضها مكروه، فعلينا أن نجتنب ذلك. وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "الحلالُ بَيِّنٌ، والحرامُ بَيِّنٌ، وبينهما أمورٌ مُشتَبِهاتٌ لا يعلمهن كثير من الناس، فمنْ اتَّقَى الشبهَاتِ استَبرَأَ لدينِهِ وعِرضِهِ، ومن وقعَ في الشبهَاتِ وقعَ في الحرامِ؛ كالراعِي يرعَى حولَ الحِمَى يوشِكُ أنْ يَرْتَعَ فيهِ، أَلَا وَإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، ألا وإنَّ حِمَى اللَّهِ محَارِمُهُ" ثم قال: "ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذَا فَسَدَتْ فسدَ الجَسدُ كُلُّهُ ألا وهِيَ القَلبُ" (١). رواه مسلم. وفي بعض الروايات: "مُشَبَّهات" (٢). فالمهم هو صلاح قلب المؤمن، فإذا صلح قلب المؤمن انقاد لأوامر اللَّه، وابتعد عن نواهيه، وأما إذا كان في قلبه شيء من دخن، أو دخلته وساوس الشيطان، أو دخلته الريبة والشك، فهذا يوقعه في المعاصي، وعليه أن يسأل اللَّه أن يُطهِّر قلبه من كل دنس، وأن يدلَّه على طريق الخير، وليلجأ إلى اللَّه وحده؛ فهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وهو الذي يكشف السوء، وهو الذي يزيل الغموم، وهو الذي يدفع عنه المصائب والآلام، وهو الذي يعلو به درجات عالية في الدنيا وفي الآخرة. * قوله: (وَالكِتَابَةِ عَلَيْهَا، وَالجُلُوسِ عَلَيْهَا، وَالبِنَاءِ عَلَيْهَا). النهي عن الكتابة على القبور لم يرد في الرواية التي وردت في

стр. 3112

"صحيح مسلم" (١)، ولذلك اختلف العلماء في جواز الكتابة من عدمها (٢). فذهب بعضهم: إلى جواز الكتابة قائلين: إن الكتابة قد اشتهرت في العصور الإسلامية فعلًا (٣). لكننا نقول: الرواية صحَّت، وما دامت صحت الرواية فالصحيح عدم جواز الكتابة، لكن يجوز أن توضع علامة على القبر حتى يهتدي إلى هذا القبر (٤) إذا أراد أحد زيارته، ولا شكَّ أن زيارة القبور مشروعة؛ فرِسول اللَّه ﷺ يقول: "كنتُ نهَيْتُكم عن زيارةِ القبورِ ألا فزورُوها فإنها تُذَكِّرُ الآخرةَ" (٥).

стр. 3113

فالقبور لا تُزار ليطاف بها، ولا ليُدعى أهلها، وإنما تُزار ليُدعى لأصحابها، وتُزار أيضًا لتذكير الأحياء بالآخرة؛ لأن الحي إذا علم أن مصيره سيكون كمصير هؤلاء الأموات؛ فحينئذٍ يراجع نفسه، فليس هناك إنسان بعد اللَّه أعلم من الإنسان بنفسه؛ فهو الذي يعرف الخطأ الذي ارتكبه، والسيئات، ما ارتكبه في حق نفسه، وما ارتكبه في حق عباد اللَّه، فهو الذي يستطيع أن يُقلع عن السيئات، وهو الذي يعرف عيوب نفسه فيُصلحها، فيتوب، ويُنيب إلى اللَّه، ويرجع إليه . فالمقبرة مدرسة وموعظة، هذه المقبرة التي تزورها وترى فيها الأموات كان رسول اللَّه نهى عنها، ثم أمر بزيارتها، ورخَّص في ذلك؛ لأنها دافعٌ لك أن تتذكَّر الآخرة، وإذا تذكَّرت الموت حينئذٍ يقل في عينك كل كبير، ويكثر كل قليل؛ لأنك تُدرك أنك مهما جمعت من المال، ومهما أُعطيت من المناصب في هذه الدنيا، ومهما بلغت من شهرة، فإن مصيرك أنك تُدفن في هذا التراب كما دُفن غيرك من الأموات الذين ذهبتَ تزورهم، وتترحَّم عليهم، وتقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، يرحم اللَّه المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم، نسأل اللَّه لنا ولكم العافية. * قوله: (وَمِنْهَا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قَالَ: "رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَبْرٍ، فَقَالَ: انْزِلْ عَنِ القَبْرِ، لَا تُؤْذِي صَاحِبَ القَبْرِ، وَلَا يُؤْذِيكَ") (١). المعروف هو حديث عمار بن حزم (٢)، وربما هذا حديث آخر، ومهما يكن فالحديث فيه مقال.

стр. 3114

* قوله: (وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ القُعُودَ عَلَى القَبْرِ بِمَا رُوِيَ عَنْ زيدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الجُلُوسِ عَلَى القُبُورِ لِحَدَثٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ" (١)، قَالُوا: وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ جَلَسَ عَلَى قَبْرٍ يَبُولُ أَوْ يَتَغَوَّطُ، فَكَأَنَّمَا جَلَسَ عَلَى جَمْرَةٍ من نَارٍ" (٢)، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ مَالِكٌ (٣) وَأَبُو حَنِيفَةَ (٤) وَالشَّافِعِيُّ (٥)). هذا الكلام متعلق بما مضى، لكن المسألة سبق أن فصَّلناها، وبيَّنا أنَّ الصحيح في ذلك أنه يُكره الجلوس على القبور مطلقًا، وأن النهي عن الجلوس ليس لقضاء الحاجة فقط، وقد ذكرنا من الأدلة على ذلك حديث جابرٍ وهو في صحيح مسلم، والذي قال فيه رسول اللَّه ﷺ : "لأن يجلسَ أحدُكم على جمرةٍ فتُحرقَ ثيابَه، فتخلُصَ إلى جلدِه، خيرٌ له من أن يجلسَ على قبرٍ" (٦)، وأعتقد أن هذا الحديث كافٍ في هذا الأمر، وهو عامٌّ يتناول أي حالة من حالات الجلوس. قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى:

стр. 3115

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلى اللَّه على محمد وآله وسلم تسليمًا (كِتَابُ الزَّكَاةِ وَالكَلَامُ المُحِيطُ بِهَذِهِ العِبَادَةِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ وُجُوبِهَا يَنْحَصِرُ فِي خَمْسِ جُمَلٍ، الجُمْلَةُ الأُولَى: فِي مَعْرِفَةِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ. الثَّانِيَةُ: فِي مَعْرِفَةِ مَا تَجِبُ فِيهِ مِنَ الْأَمْوَالِ. الثَّالِثَةُ: فِي مَعْرِفَةِ كَمْ تَجِبُ، وَمِنْ كَمْ تَجِبُ. الرَّابِعَةُ: فِي مَعْرِفَةِ مَتَى تَجِبُ، وَمَتَى لَا تَجِبُ. الْخَامِسَةُ: مَعْرِفَةُ لِمَنْ تَجِبُ، وَكَمْ تَجِبُ، فَأَمَّا مَعْرِفَةُ وُجُوبِهَا فَمَعْلُومٌ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ. الْجُمْلَةُ الْأُولَى وَأَمَّا عَلَى مَنْ تَجِبُ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا أَنَّهَا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حُرٍّ بَالِغٍ عَاقِلٍ (١)).

стр. 3116

اتفق العلماء على أن الزكاة تجب على كل مسلم حرٍّ بالغ عاقل، وأول هذه الشروط هو الإسلام، وضد الإسلام الكفر، وسمِّي الكافرُ كافرًا

стр. 3117

لأنه ستر إيمانه وغطاه، وضل عن الصراط المستقيم، أما المسلم فهو الذي أسلم دينه وأمره كله للَّه قال : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. وهنا مسألة نحتاج أن ننبه عليها وهي: إذا كانت الزكاة واجبة على كل مسلم، فكيف نوفق بين هذا وبين وبين قول جمهور الأصوليين: الكفار مخاطبون بفروع الشريعة (١)؟ لا تناقض بين القولين، فالأصوليون لا يقصدون بقولهم: إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة هو أن الزكاة تجب على الكافر، وإنما قصدهم من ذلك أن الكافر يأثم بتركه للزكاة، وإن لم تكن واجبة عليه، كما أنه أيضًا يأثم بترك أصل الدين. وبتفصيل أكثر وأدق بيانًا نقول: الأصل في كل إنسان خلقه اللَّه وفطره على الفطرة الصحيحة أن يكون مسلمًا، قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]. ولذلك جاء في الحديث الصحيح: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" (٢)، ولم يقل: أو يسلمانه؛ لأن الأصل فيه أن يكون مسلمًا. وفي قصة الجارية التي سألها: "أين اللَّه؟ "، قالت: في السماء، قال: "أعتقها فإنها مؤمنة" (٣).

стр. 3118

وحتى فرعون الذي بلغ القوة والقسوة والجبروت مبلغًا كبيرًا، وادعى الألوهية بقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، وقال: ﴿. . . يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧] عندما رجع إلى فطرته قال: ﴿. . . يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧]، لم يقل: احفر لي في الأرض، هو لا شك يدرك في دخيلة نفسه أن اللَّه موجود، وأنه في السماء قال : ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]. ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ﴾ [فاطر: ١٠]؛ ولذلك لما لحق بموسى وقومه وأدركه الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠]، لكن لا ينفعه ذلك، فقال اللَّه: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس: ٩٢]. جُمْلة القول في قول الأصوليين: الكفار مخاطبون بفروع الشريعة: أي: أنهم يعاقبون عقابًا زائدًا على تركهم لفروع الشريعة، زيادة على عقابهم لترك الإيمان (١)، لا أن الزكاة تجب في حقهم؛ ولذلك يقول اللَّه في شأنهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٨] (٢).

стр. 3119

فتجب الزكاة على الحر، وسيفصل المؤلف القول في هذه الكلمة لاحقًا. كذلك تجب الزكاة على البالغ، وضد البالغ الذي لم يبلغ، والإنسان يبدأ طفلًا ثم صبيًّا فيافعًا فشابًّا، ثم يتقدم به العمر فيكون شيخًا كهلًا. . . إلى آخره. * قوله: (مَالِكٍ للنِصَابِ مِلْكًا تَامًّا). من الشروط التي تجب في المزكي: - أن يملك نصابًا تؤدى الزكاة فيه. - وأن يكون هذا الملك ملكًا تامًّا؛ أي: ألا يكون عليه دين يستغرق جميع ماله. - وألا يكون له مال لكنه في ذمة إنسان آخر. والمسألة هذه فيها تفصيل: قد يكون الدين عند مليٍّ (١)، وقد يكون عند غير ملي، وإذا بقي الدين سنوات عند إنسان واستلمته هل تزكيه عن عام واحد أو عن كل السنوات (٢)؟ هذا كله مسائل فيها خلاف سنبينه، وإن لم يعرض له المؤلف فسننبه عليه -إن شاء اللَّه-؛ لأن عامَّة الناس في حاجة إليه. * فائدة: هناك مصطلح يأخذ به العلماء فيقولون: كلمة (مِلك) و (مُلك)، إذا كنت تتحدث عن مُلك اللَّه فقل (المُلك) بضم الميم: قال : ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]، وإذا كنت تتكلم عن البشر فقل (المِلك): بكسر الميم، يقال: مِلك فلان.

стр. 3120

* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِهَا عَلَى اليَتِيمِ). اليتيم (١) هو: الصغير الذي مات أبوه ولم يبلغ، فكل إنسان مات أبوه ولم يبلغ الحلم فإنه يُسمَّى يتيمًا، وهي كلمة مشتقة من اليتم؛ أي: الانفراد؛ لأنه أصبح منفردًا. لكن لا ننسى أن الإنسان إذا مات أبوه أو مات والداه؛ فاللَّه لا يضيِّعه قال : ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]. وكما جاء في الحديث: "الناس عيال اللَّه" (٢). فاللَّه هو الذي خلق هذا الصغير، وهو الذي قبض روح والده، وهو الذي سيتولى أمره وسييسر له أسباب الخير. وربما لو أن كل واحد منا أراد أن يجري دراسة يسيرة على بعض أفراد المجتمع لوجد أن كثيرًا من الذين نبغوا في حياتهم وتقدموا في أمورهم أنهم كانوا أيتامًا؛ لأن أولئك عصرتهم الدنيا، فتجده عصاميًّا من أول حياته، لكن الذي يعيش بين والديه ربما يتعود على الدَّلال؛ لأنه يعيش بين أبوين يوفران له كل أسباب العيش، وكل أسباب الراحة والطمأنينة، لكن هذا تعصره الحياة عصرًا فيصبح رجلًا شديدًا. ولذلك نجد فرقًا بين إنسان يجمع المال عن شقاء وتعب، وبين إنسان يأتيه المال عفوًا، تجد هذا يحافظ عليه ويحرص عليه. ولذلك ليس السفيه (٣) فقط هو الصغير، بل هناك من الكبار من
следующие страницы →