← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

اتفق العلماء على أن الزكاة تجب على كل مسلم حرٍّ بالغ عاقل، وأول هذه الشروط هو الإسلام، وضد الإسلام الكفر، وسمِّي الكافرُ كافرًا

стр. 3117

لأنه ستر إيمانه وغطاه، وضل عن الصراط المستقيم، أما المسلم فهو الذي أسلم دينه وأمره كله للَّه قال : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. وهنا مسألة نحتاج أن ننبه عليها وهي: إذا كانت الزكاة واجبة على كل مسلم، فكيف نوفق بين هذا وبين وبين قول جمهور الأصوليين: الكفار مخاطبون بفروع الشريعة (١)؟ لا تناقض بين القولين، فالأصوليون لا يقصدون بقولهم: إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة هو أن الزكاة تجب على الكافر، وإنما قصدهم من ذلك أن الكافر يأثم بتركه للزكاة، وإن لم تكن واجبة عليه، كما أنه أيضًا يأثم بترك أصل الدين. وبتفصيل أكثر وأدق بيانًا نقول: الأصل في كل إنسان خلقه اللَّه وفطره على الفطرة الصحيحة أن يكون مسلمًا، قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]. ولذلك جاء في الحديث الصحيح: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" (٢)، ولم يقل: أو يسلمانه؛ لأن الأصل فيه أن يكون مسلمًا. وفي قصة الجارية التي سألها: "أين اللَّه؟ "، قالت: في السماء، قال: "أعتقها فإنها مؤمنة" (٣).

стр. 3118

وحتى فرعون الذي بلغ القوة والقسوة والجبروت مبلغًا كبيرًا، وادعى الألوهية بقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، وقال: ﴿. . . يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧] عندما رجع إلى فطرته قال: ﴿. . . يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧]، لم يقل: احفر لي في الأرض، هو لا شك يدرك في دخيلة نفسه أن اللَّه موجود، وأنه في السماء قال : ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]. ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ﴾ [فاطر: ١٠]؛ ولذلك لما لحق بموسى وقومه وأدركه الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠]، لكن لا ينفعه ذلك، فقال اللَّه: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس: ٩٢]. جُمْلة القول في قول الأصوليين: الكفار مخاطبون بفروع الشريعة: أي: أنهم يعاقبون عقابًا زائدًا على تركهم لفروع الشريعة، زيادة على عقابهم لترك الإيمان (١)، لا أن الزكاة تجب في حقهم؛ ولذلك يقول اللَّه في شأنهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٨] (٢).

стр. 3119

فتجب الزكاة على الحر، وسيفصل المؤلف القول في هذه الكلمة لاحقًا. كذلك تجب الزكاة على البالغ، وضد البالغ الذي لم يبلغ، والإنسان يبدأ طفلًا ثم صبيًّا فيافعًا فشابًّا، ثم يتقدم به العمر فيكون شيخًا كهلًا. . . إلى آخره. * قوله: (مَالِكٍ للنِصَابِ مِلْكًا تَامًّا). من الشروط التي تجب في المزكي: - أن يملك نصابًا تؤدى الزكاة فيه. - وأن يكون هذا الملك ملكًا تامًّا؛ أي: ألا يكون عليه دين يستغرق جميع ماله. - وألا يكون له مال لكنه في ذمة إنسان آخر. والمسألة هذه فيها تفصيل: قد يكون الدين عند مليٍّ (١)، وقد يكون عند غير ملي، وإذا بقي الدين سنوات عند إنسان واستلمته هل تزكيه عن عام واحد أو عن كل السنوات (٢)؟ هذا كله مسائل فيها خلاف سنبينه، وإن لم يعرض له المؤلف فسننبه عليه -إن شاء اللَّه-؛ لأن عامَّة الناس في حاجة إليه. * فائدة: هناك مصطلح يأخذ به العلماء فيقولون: كلمة (مِلك) و (مُلك)، إذا كنت تتحدث عن مُلك اللَّه فقل (المُلك) بضم الميم: قال : ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]، وإذا كنت تتكلم عن البشر فقل (المِلك): بكسر الميم، يقال: مِلك فلان.

стр. 3120

* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِهَا عَلَى اليَتِيمِ). اليتيم (١) هو: الصغير الذي مات أبوه ولم يبلغ، فكل إنسان مات أبوه ولم يبلغ الحلم فإنه يُسمَّى يتيمًا، وهي كلمة مشتقة من اليتم؛ أي: الانفراد؛ لأنه أصبح منفردًا. لكن لا ننسى أن الإنسان إذا مات أبوه أو مات والداه؛ فاللَّه لا يضيِّعه قال : ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]. وكما جاء في الحديث: "الناس عيال اللَّه" (٢). فاللَّه هو الذي خلق هذا الصغير، وهو الذي قبض روح والده، وهو الذي سيتولى أمره وسييسر له أسباب الخير. وربما لو أن كل واحد منا أراد أن يجري دراسة يسيرة على بعض أفراد المجتمع لوجد أن كثيرًا من الذين نبغوا في حياتهم وتقدموا في أمورهم أنهم كانوا أيتامًا؛ لأن أولئك عصرتهم الدنيا، فتجده عصاميًّا من أول حياته، لكن الذي يعيش بين والديه ربما يتعود على الدَّلال؛ لأنه يعيش بين أبوين يوفران له كل أسباب العيش، وكل أسباب الراحة والطمأنينة، لكن هذا تعصره الحياة عصرًا فيصبح رجلًا شديدًا. ولذلك نجد فرقًا بين إنسان يجمع المال عن شقاء وتعب، وبين إنسان يأتيه المال عفوًا، تجد هذا يحافظ عليه ويحرص عليه. ولذلك ليس السفيه (٣) فقط هو الصغير، بل هناك من الكبار من

стр. 3121

يحجر عليه، يقول اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٥]. إذن قد يحجر على كبير لأنه يقصر في هذا الأمر، وقد تجد من الصغار ما يفوق الكبير في عقله وفي تصرفه وفي حكمته، لكن هذا ليس على إطلاقه، فهذه هبة من اللَّه ، فكم من صغير ترى فيه النجابة (١) والحكمة والعقل، وقد تجد إنسانًا كبيرًا ولا تجد فيه عقلًا، فليست المسألة بالأجسام ولا بالسن، وإنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه (٢)، ممن يهبه اللَّه قلبًا واعيًا مدركًا ولسانًا ناطقًا ويهبه اللَّه تعالى الحكمة، فلا يكون سنه سببًا في القصور به، ومن حرمه اللَّه من ذلك لا يكون تقدم سنه سببًا في علوه وتقدمه على غيره. * قوله: (وَالمَجْنُونِ (٣) وَالعَبِيدِ (٤) وَأَهْلِ الذِّمَّةِ (٥) وَالنَّاقِصِ المِلْكِ). اختلف العلماء في وجوب الزكاة على اليتيم والمجنون والمكاتب وفي العبيد، وكذلك في أهل الذمة، وغير ذلك من المسائل التي سيذكرها المؤلف. * قوله: (مِثْلِ الَّذِي عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَهُ دَيْنٌ) (٦). الناقص الملك: هو الذي له دينٌ عند إنسان، أو عنده مال وعليه

стр. 3122

دين يستغرق جميع ماله، أو يستغرق الدين جزءًا من ماله فينزل به عما تجب فيه الزكاة؛ أي: لا يصل إلى حد المال الذي تجب فيه الزكاة وهو النصاب. * قوله: (وَمِثَالِ المَالِ المُحَبَّسِ الأَصْلِ). كذلك قد يكون عنده مال موقوف على أناسٍ، فهذا المال المحبَّسُ الأصول فيه كلام للعلماء وسيأتي تفصيله. * قوله: (فَأَمَّا الصِّغَارُ، فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَبِهِ قَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ عُمَر وَجَابِرٌ وَعَائِشَةُ (١) مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمَالِكٌ (٢) وَالشَّافِعِيُّ (٣) وَالثَّوْرِيُّ (٤) وَأَحْمَدُ (٥). . . .

стр. 3123

وَإِسْحَاقُ (١) وَأَبُو ثَوْرٍ (٢) وَغَيْرُهُمْ مِنْ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ فِي مَالِ اليَتِيمِ صَدَقَة أَصْلًا، وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ وَالحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ (٣) مِنَ التَّابِعِينَ. وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ مَا تُخْرِجُ الأَرْضُ وَبَيْنَ مَا لَا تُخْرِجُهُ، فَقَالُوا: عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِيمَا تُخْرِجُهُ الأَرْضُ) (٤). في العادة أن الفقهاء يبحثون موضوع الصغير والمجنون في مسألة واحدة؛ لأن الحكم بالنسبة لهما متحد في هذه المسألة، لكن المؤلف هنا خالف كثيرًا مما ينهجه الفقهاء ففرَّق بينهم. والكلام هنا في مال كل منهما: لو كان للصغير مال تجب فيه الزكاة، أو كان للمجنون مالٌ وصل إلى النصاب أو تجاوزه، فهل تجب الزكاة في مال كل منهما أو لا تجب؟ هذا هو الذي يريد أن يعرض له المؤلف، لكنه فرَّق بينهما، وما كان ينبغي أن يفرِّق؛ لأن هذا يعدُّ من باب التكرار.

стр. 3124

أقوال العلماء في وجوب الزكاة في مال الصغير والمجنون: المذهب الأول: جمهور العلماء وهم مالك والشافعي وأحمد قالوا: تجب الزكاة في مال كل من الصغير والمجنون كغيرها. المذهب الثاني: يرى أبو حنيفة (١) ﵀ وبعض التابعين كإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، والحسن البصري ﵏: أن الزكاة لا تجب في مال الصغير والمجنون إلا بالنسبة لما تخرج أرضهما من زروع أو ثمار، فتجب مثلًا في الحب والشعير، وكذلك في التمر والعنب، ولم يوجب الزكاة عليهما فيما عدا ذلك. * فائدة: هؤلاء الثلاثة كلهم من التابعين، فإبراهيم النخعي: هو شيخ حماد بن أبي سليمان، وحماد شيخ أبي حنيفة، وسعيد بن جبير أحد التابعين، وقد قتل في سبيل اللَّه على يدي الحجاج بن يوسف الثقفي، والحسن البصري هو التابعي المشهور. المذهب الثالث: يرى فريق من العلماء: أن الزكاة لا تجب في أموالهم مطلقًا. المذهب الرابع: يرون بأن الزكاة لا تجب عليهما في حالة الجنون والصغر، ولكن وليَّ الصغير يُحصي ما عليه من زكوات، فإذا كبر أخبره بأن عليه كذا وكذا من الزكاة، فإن شاء زكى وإن شاء بخل (٢). ويستدلون على ذلك بأثرٍ جاء عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ أنه قال:

стр. 3125

"من ولي مال يتيم فليحص زكاته، فإذا ما بلغ فعليه أن يخبره، فإن شاء زكى وإن شاء بخل" (١). لكن هذا الأثر فيه ضعف من جانبين: الأول: أنه من رواية ليث بن أبي سَليمْ أو سُليم وهو ضعيف. الثاني: أنه منقطع، وبذلك لا يصح الاحتجاج به. * قوله: (وَلَيْسَ عَلَيْهِ زَكاةٌ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ المَاشِيَةِ وَالنَّاضِّ وَالعُرُوضِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ). "الماشية" هي: الإبل والبقر والغنم. "والناضّ (٢) " المراد به: النقدان بعد تحوُّلِهما من متاع، فبعد أن يباع المتاع ويصفى وتستخرج قيمته يُسمَّى ناضًّا، هذا مصطلح فقهي. و"العروض" (٣): هي التجارة المعروفة كالتجارة في السيارات والأدوات الكهربائية والمنزلية والفرش والبسط والأقمشة وغيرها، كل هذه الأشياء التي تباع وتشترى تسمَّى بعروض التجارة، وزكاتها أنها تقوم في آخر العام فتخرج زكاتها نقدًا. فأبو حنيفة خالف الجمهور في هذه المسألة، فأوجب في مالهما

стр. 3126

الزكاة فيما تخرجه أرضهما، وما عدا ذلك فلا زكاة فيه. * قوله: (وَفَرَّقَ آخَرُونَ بَيْنَ النَّاضِّ، فَقَالُوا: عَلَيْهِ الزَّكَاةُ إِلَّا فِي النَّاضِّ). نقل هذا القول عن ابن شبرمة (١). * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي إِيجَابِ الزَّكَاةِ أَوْ لَا إِيجَابِهَا: هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ الزَّكَاةِ الشَّرْعِيَّةِ، هَلْ هِيَ عِبَادَةٌ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ؟ أَمْ هِيَ حَقٌّ وَاجِبٌ لِلْفُقَرَاءِ عَلَى الأَغْنِيَاءِ؟ (٢)). المؤلف لم يستوعب أدلة العلماء في هذه المسألة، وإنما حاول أن يعلل الأقوال، ولم يفصل القول، لذلك سنفصل القول في هذه المسألة: أولًا: أدلة الجمهور: - الدليل الأول: عموم الأدلة في الكتاب والسنة التي تدل على وجوب الزكاة في مالهما: فاللَّه تعالى يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة: ٥]. وقوله : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].

стр. 3127

قالوا: فعموم هذه الأدلة المطلقة تدل على وجوب الزكاة في مالهما. - الدليل الثاني: استدلوا بحديث: "من ولي يتيمًا له مال فليتجر له"؛ أي: فليتجر بماله "ولا يتركه حتى تأكله الصدقة" (١)، هذا الدليل عليه اعتراض من الحنفية وغيرهم؛ لأنه من رواية المثنى بن الصباح وهو ضعيف. - الدليل الثالث: استدلوا بحديث مرسل من طريق يوسف بن ماهَكَ، أخرجه الشافعي في مسنده وكذلك أيضًا البيهقي، جاء من طرق صحيحة تؤيد هذا الحديث: أن رَسُولَ اللَّه ﷺ قال: "ابتغُوا في مَال اليتيم -أو: في مَال اليتامى- لا تُذْهِبها أو لا تَسْتأْصِلها الزكاة" (٢). - الدليل الرابع: روي عن كثير من الصحابة كعمر وعلي وعبد اللَّه بن عمر وجابر وعائشة وغير هؤلاء، القول بوجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون (٣). ثانيًا: أدلة الذين يقولون بأن الزكاة لا تجب مطلقًا، أو الذين يقولون بأنها فقط لا تجب إلا فيما تخرجه الأرض: - الدليل الأول: استدلوا من الكتاب بقول اللَّه : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]. قالوا: والمجنون والصغير ليسا من أهل التطهير؛ لأنه لا ذنب لهما، فكيف يطهر إنسان لم يذنب؛ والتكليف مرفوعٌ عنهما. - الدليل الثاني: الحديث الصحيح الذي روي عن طريق علي بن أبي

стр. 3128

طالب (١) ﵁، وجاء أيضًا عن طريق عائشة (٢) وعن غيرهما، وهو حديث: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصغير حتى يبلغ"؛ فذكر من الثلاثة الصغير حتى يبلغ والمجنون حتى يفيق. قالوا: فإيجاب الزكاة عليهما خلاف ما أخبر به رسول اللَّه ﷺ ؛ لأنه ﵊ أخبر بأن القلم قد رفع عنهما، وإيجاب الزكاة إنما هي وضع للقلم عليهما، وذلك خلاف ما أخبر به رسول اللَّه ﷺ . - الدليل الثالث: من المعقول: قالوا: إن الزكاة عبادة محضة، وما دامت عبادةً محضةً، فلا ينبغي أن يطالب بها صغير ولا مجنون؛ لأنهما غير مكلفين، فكيف يطالبان بعبادة محضة. كذلك قاسوا الزكاة على الحج، فقالوا: الزكاة فيها عبادة مالية، والحج عبادة تجمع بين العبادة البدنية والمالية، ولا يجب الحج على صغير ولا على مجنون (٣)، فكذلك الزكاة. أجوبة الجمهور على الأدلة السابقة: - الرد على الدليل الأول: أما الاستدلال بقول اللَّه : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]. قالوا: ليس التطهير شرطًا، وإنما هذا غالب، فلا يلزم أن يكون التطهير واردًا في كل من زكَّى، وإن كان أيضًا واردًا بالنسبة للمجنون والصغير؛ لأن أموالهم كغيرهما تحتاج

стр. 3129

إلى تطهير؛ لأن التطهير لا يقتصر على ذات المزكِّي، وإنما يشمله ويشمل ماله، والقصد بتطهير المزكي هو أن ترتفع نفسه عن الشح والبخل حتى يبذل المال الذي فيه مواساة للفقراء، وكذلك فيه تطهير للمال حتى لا تصيبه جائحه (١)، ولا ينزل به ضرر من الاضرار؛ لأن المقصود من الزكاة -كما هو معلوم- أنها مواساة للفقراء (٢)، وشكر من الغني للَّه أن منحه هذا المال. خلاصة قولهم: قالوا: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾، هنا لا يلزم أن يكون التطهير شرطًا، فقد يكون بعض المزكين التطهير ليس شرطًا في حقه كالحال بالنسبة للمجنون والصغير، لكنها أيضًا تطهير لماله. - الرد على الدليل الثاني: أما بالنسبة لحديث: "رفع القلم عن ثلاثة"، قالوا: إن الإثم مرفوع عن الصبي والمجنون، والزكاة لا تجب عليهما، وإنما تجب في أموالهم، وعلى هذا فلا نرى تعارضًا بين ما ذهبنا إليه وبين الحديث، والذي يقوم بأداء هذه الزكاة هو ولي اليتيم وولي المجنون. - الرد على الدليل الثالث: قالوا: بالنسبة للقياس على الحج، فهو قياس مع الفارق؛ لأن المال ليس ركنًا في الحج، أما الزكاة فالمال ركن فيها؛ لأن الزكاة عبادة فيها حقان؛ حق للَّه وهو أداء المال استجابة للَّه ونزولًا عند أمره، وفيها حق للفقراء والمساكين؛ لأن فيها مواساة لهم ورفعًا لفقرهم.

стр. 3130

وأما المؤلف فإنه قال: بعضهم قال: عبادة، وبعضهم قال: غير عبادة. وهذا تقصير من المؤلف سننبه عليه. الخلاصة: ومن هنا ننتهي إلى أن القول الذي نرى أنه الراجح والصواب في هذه المسألة، هو ما أخذ به جماهير الفقهاء من إيجاب الزكاة على الصغير والمجنون في أموالهما، وعلى من ولي أمر مال يتيم عليه أن يتقي اللَّه وأن يحرص على هذا المال، وليحافظ عليه كما لو كان مالًا له أو لابنه. وقد تكلم الفقهاء عن مسألة أكل الوصي من مال يتيم: بعض العلماء: لا يرى الأكل منه مطلقًا (١).

стр. 3131

وبعضهم يقول: يأكل إن احتاج. . وبعضهم يقول: يأكل إن احتاج وأن يرده. والصحيح: جواز الأكل منه مقابل رعايته له، ومحافظته على ماله، وعليه أن يسعى في تنميته ولا يتركه حتى تأكله الزكاة. * قوله: (فَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا عِبَادَةٌ اشْتَرَطَ فِيهَا البُلُوغَ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا حَقٌّ وَاجِبٌ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ فِي أَمْوَالِ الأَغْنِيَاءِ لَمْ يَعْتَبِرْ فِي ذَلِكَ بُلُوغًا مِنْ غَيْرِهِ). اختلف العلماء في الزكاة في كونها عبادة محضة؛ أي: خالصة للَّه ليس فيها حق للإنسان، أم هي عبادة غير محضة؛ أي: فيها حق للَّه وفيها حق للإنسان. الصحيح من أقوال العلماء: أن الزكاة عبادة غير محضة؛ لأن فيها حقًّا للإنسان؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥]. والمراد بذلك الزكاة. * قوله: (وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا تُخْرِجُهُ الأَرْضُ أَوْ لَا تُخْرِجُهُ، وَبَيْنَ الخَفِيِّ وَالظَّاهِرِ). المال الخفي: هما النقدان -الذهب والفضة- أو ما يعرف بالعين، وسميت بذلك لأن الإنسان قد يخفي الدراهم والدنانير، ولا يظهرها

стр. 3132

للناس، وكذلك عروض التجارة، وسميت بذلك: لأنها وإن رؤيت لا يُدرَى كم قيمتها. وأما المال الظاهر: فهو يكون في الماشية؛ والزروع والثمار؛ لأن الفقراء يرونها وينظرون إليها. * قوله: (فَلَا أَعْلَمُ لَهُ مُسْتَنَدًا فِي هَذَا الوَقْتِ). قوله هذا غير مسلَّمٍ به؛ لأن العلماء فرَّقوا بين المال الظاهر والخفي، ويعلِّلون ذلك بقولَهم: كان رسول اللَّه ﷺ يبعث السعاة يخرصون مال التمر (١) وغيره، ويأخذون زكاة الماشية، ولم يُعرف أنه كان يرسل السعاة ليسألوا الناس عما عندهم من المال، وإنما المسلم واجبه أن يؤدي زكاة ماله. * قوله: (وَأَمَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ، فَإِنَّ الأَكثَرَ عَلَى أَنْ لَا زَكَاةَ عَلَى جَمِيعِهِمْ إِلَّا مَا رَوَتْ طَائِفَةٌ مِنْ تَضْعِيفِ الزَّكَاةِ عَلَى نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ). اختلف العلماء في وجوب الزكاة على أهل الذمّة: يرى جمهور العلماء (٢) أنه لا تجب عليهم الزكاة.

стр. 3133

* قوله: (أَعْنِي: أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ مِثْلَا مَا يُؤْخَذُ مِنَ المُسْلِمِينَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا القَوْلِ الشَّافِعِيُّ (١) وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢) وَأَحْمَدُ (٣) وَالثَّوْرِيُّ (٤)). بنو تغلب هم قبيلة من قبائل العرب من بني وائل ربيعة نزار، دخلوا

стр. 3134

في النصرانية (١)، فأرسل إليهم عمر ﵁ يطلب منهم الجزية، فقالوا: ندفع لكم ما يدفعه أمثالنا، فقال عمر: لا نأخذ الزكاة من مشرك، فانحازوا إلى الروم، فأشار بعض أصحاب رسول اللَّه ﷺ على عمر ﵁ أن يرد أولئك الأقوام لأن لهم شوكة وقوة، فاقتنع عمر ﵁ بذلك فردهم، وضعَّف الزكاة عليهم (٢)؛ أي: فجعلها جزية ضعَّفها عليهم. من هذه المسألة تفرعت مسألة أُخرى لم يذكرها المؤلف: اختلف العلماء في جواز أن يبيع المسلم أرضه أو يؤجرها لذميٍّ (٣): بعض العلماء يكره ذلك وبعضهم يُجيز ذلك.

стр. 3135

لكنْ إن تحقَّقت فيها الزكاة، فأكثر العلماء لا يرى فيها زكاة، وقاسوا ذلك على الماشية. وبعضهم يرى: أن تضعَّف عليه الزكاة مقابل الجزية، فإذا كان في الأرض عشر يؤخذ عشران: الخمس، وإذا كان نصف عشر يؤخذ العشر. . . وهكذا. * قوله: (وَلَيْسَ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ قَوْلٌ، وَإِنَّمَا صَارَ هَؤُلَاءِ لِهَذَا لِأَنَّهُ أَثْبَتَ أَنَّهُ فِعْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ بِهِمْ كَأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ مِثْلَ هَذَا هُوَ تَوْقِيفٌ) (١). يقصد المؤلف ﵀ أنه لم يقف لمالكٍ ﵀ على قول في هذه

стр. 3136

المسألة، لكن من المعلوم أن المالكية لهم آراء في هذه المسألة، بعضها يتفق مع آراء الأئمة الثلاثة. * قوله: (وَلَكِنَّ الأُصُولَ تُعَارِضُهُ). الأصول: أن الزكاة إنما تجب بمقادير معينة، وقد ضعف عمر على بني تغلب الزكاة، وهذا اجتهاد من عمر ﵁ فقد رأى أن المصلحة تقتضي هذا، وقد استشار الصحابة وعمل بمشورة من أشار عليه بذلك. * قوله: (وَأَمَّا العَبِيدُ؛ فَإِنَّ النَّاسَ فِيهِمْ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ، فَقَوْمٌ قَالُوا: لَا زَكَاةَ فِي أَمْوَالِهِمْ أَصْلًا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ (١) مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمَالِكٍ (٢) وَأَحْمَدَ (٣) وَأَبِي عُبَيْدٍ (٤) مِنَ الفُقَهَاءِ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ زَكَاةُ مَالِ العَبْدِ عَلَى سَيِّدِهِ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٥) -فِيمَا حَكَاهُ

стр. 3137

ابْنُ المُنْذِرِ (١) - وَالثَّوْرِيُّ (٢) وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ (٣)، وَأَوْجَبَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى عَلَى العَبْدِ فِي مَالِهِ الزَّكَاةَ. وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ (٤) مِنَ الصَّحَابَةِ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ (٥) مِنَ التَّابِعِينَ، وَأَبُو ثَوْرٍ مِنَ الفُقَهَاءِ (٦)، وَأَهْلُ الظَّاهِر (٧) وَبَعْضُهُمْ). يظهر لي أن المؤلف خلط مسألتين في مسألة واحدة: * المسألة الأولى: هل تجب الزكاة على المملوك أو لا؟ جماهير العلماء: أنها لا تجب على المملوك؛ لأن ملكه ناقص، فهو مملوك لسيده فكيف يملك؟

стр. 3138

ونقل عن أبي ثور: أنه يرى وجوب الزكاة. * المسألة الأخرى: اختلف العلماء إذا ملَّكه سيده مالًا. مذهب الجمهور: لا تجب الزكاة على المملوك أصلًا؛ لأنه مال والمال لا يَمْلِكُ المالَ؛ ولأن ملكه ناقص فلا ينبغي أن يكون من أهل الزكاة؛ لأن الزكاة شرعت مواساةً للفقراء، وهو ليس ممن يواسي الفقراء، بل هو بحاجة إلى أن يواسَى. مذهب أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد في رواية والثوري وابن المنذر: يرى هؤلاء العلماء أن زكاة المال الذي ملَّكه السيد للعبد على السيد وليس على العبد؛ لأن السيد هو الذي يملك المال في الحقيقة. وبعضهم قال: الزكاة تجب على العبد، وهذا قول ضعيف. والأصل: أن ما بيده من المال إنما هو مالٌ لسيده؛ لأن العبد وما يملك ملكٌ لسيده. * قوله: (وَجُمْهُورُ مَنْ قَالَ لَا زَكاةَ فِي مَالِ العَبْدِ هُمْ عَلَى أَنْ لَا زَكَاةَ فِي مَالِ المُكَاتَبِ حَتَّى يَعْتِقَ (١). وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: فِي مَالِ

стр. 3139

المُكَاتَبِ زَكَاةٌ (١). وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي زَكَاةِ مَالِ العَبْدِ: اخْتِلَافُهُمْ فِي: هَلْ يَمْلِكُ العَبْدُ مِلْكًا تَامًّا أَوْ غَيْرَ تَامٍّ؟ فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مِلْكًا تَامًّا، وَأَنَّ السَّيِّدَ هُوَ المَالِكُ إِذْ كَان لَا يَخْلُو مَالٌ مِنْ مَالِكٍ قَالَ: الزَّكَاةُ عَلَى السَّيِّدِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا يَمْلِكُهُ مِلْكًا تَامًّا لَا السَّيِّدُ). دليل جمهور العلماء على أن العبد لا زكاة عليه في ماله: أن المكاتب لا زكاة عليه في ماله حتى يعتق. والمكاتب (٢) هو: الرقيق الذي جرى بينه وبين سيده عقد أو اتفاق أن يدفع له مالًا نجومًا؛ أي: أقساطًا، فيحصل على الحرية، ومن الأمور الواضحات والقواعد المسلمات أن الإسلام دين يحض على العتق ويرغب فيه، وقد بيَّن النبي ﷺ أن من أعتق عبدًا أعتق اللَّه به كُلَّ عضو من أعضائه يوم القيامة (٣).

стр. 3140

هذا المكاتب قد عرفنا معناه، وهناك المدبَّر (١)، والقن (٢)، والمبعَّض (٣). أما المدبَّر: فهو الذي يعلق سيده حريته على موته. والقن: هو المملوك ملكًا تامًّا. وأما المبعَّضُ: فهو الذي بعضه حر وبعضه مملوك، وهو في أبواب الزكاة يعامل معاملة الحر؛ لأنه إذا ملك مالًا يعامل من جانب الحرية؛ لأن فيه مصلحة للفقراء. وقد اختلف العلماء في وجوب الزكاة في مال المكاتب: جمهور العلماء (٤) ﵏: يرون أن المكاتب لا زكاة عليه؛ لأن ملكه للمال ضعيف، فقد يعجز عن تسديد ما عليه فيعود مرة أُخرى مملوكًا ملكًا تامًّا؛ ولأنه ليس أهلًا لأن يواسي غيره، فهو بحاجة إلى المال، فكيف يدفع الزكاة إلى غيره. مذهب أبي حنيفة (٥) ﵀: أنه يجب عليه العشر في أرضه؛ أي: فيما تخرجه الأرض، ويستدل بحديث: "وفيما سقت السماء العشر" (٦).

стр. 3141

وسبب تكرير أبي حنيفة للعشر في عدة مسائل: أن العشر عنده إنما هو مؤونة الأرض؛ أي: يؤخذ مقابل استخدام هذه الأرض. وعند الجمهور: إنما يجب العشر زكاة للزرع؛ فيقولون: لو كان العشر يجب بالنسبة للأرض لكان إيجابه على الأرض لا على الزراعة، ثم لو كان إيجابه على الأرض لما كان تقديره بالنسبة للزرع؛ لأن الذي يُخرص هو الزرع، وليس في الأرض الإخراص، كذلك لو كان العشر واجبًا على الأرض لوجب أيضًا على الذمي. * قوله: (إِذْ كَانَتْ يَدُ العَبْدِ هِيَ الَّتِي عَلَيْهِ لَا يَدُ السَّيِّدِ، وَلَا العَبْدُ أَيْضًا، لِأَنَّ لِلسَّيِّدِ انْتِزَاعَهُ مِنْهُ، قَالَ: لَا زَكاةَ فِي مَالِهِ أَصْلًا). اليد الموضوعة: هي اليد المباشرة التي تباشر المال وتتصرف به؛ فمن رأى من العلماء أن اليد التي تتصرف في هذا المال هي يد المملوك، قال: إنَّ الزكاة تجب عليه، ومن رأى أنه وإن كانت يد العبد موضوعةً على المال، كما لو جعله السيد يقود دوابه ويتصرف فيها ويبيع ويشتري، فليس معنى هذا أنها أصبحت ملكًا له. * قوله: (وَمَنْ رَأَى أَنَّ اليَدَ عَلَى المَالِ تُوجِبُ الزَّكاةَ فِيهِ لِمَكَانِ تَصَرُّفِهَا فِيهِ تَشْبِيهًا بِتَصَرُّفِ يَدِ الحُرِّ، قَالَ: الزَّكَاةُ عَلَيْهِ، لَا سِيَّمَا مَنْ كَانَ عِنْدَهُ أَنَّ الخِطَابَ العَامَّ يَتَنَاوَلُ الأَحْرَارَ وَالعَبِيدَ، وَأَنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالمُكَلَّفِ لِتَصَرُّفِ اليَدِ فِي المَالِ). الخطاب العام كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [التوبة: ٧١]. وقوله ﵊: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا

стр. 3142

إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. . . " (١). هذه الأدلة وغيرها كثير أدلة مطلقة، فهي توجب الزكاة. قال العلماء: إطلاق الأدلة يدخل فيها الصغير والمجنون والمكاتب والعبد وغير هؤلاء، وعندما نرجع إلى القواعد التي وضعها الأصوليون يرون الراجح أن الخطابات المطلقة يدخل فيها المكاتب والعبد والصغير وغير هؤلاء. * قوله: (وَأَمَّا المَالِكُونَ الَّذِينَ عَلَيْهِمُ الدُّيُونُ الَّتِي تَسْتَغْرِقُ أَمْوَالَهُمْ، أَوْ تَسْتَغْرِقُ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَبِأَيْدِيهِمْ أَمْوَالٌ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ). هذه مسألة أخرى: وفي نظري أيضًا أن المؤلف لم يبحثها كسابقتها بحثًا دقيقًا. إذا كان إنسان عنده مال، لكن عليه دين يقابل هذا المال كليًّا، أو يقابل بعضه؛ بحيث لو أدى هذا الدين لم بيق عنده مال، أو لبقي عنده مال لا تجب فيه الزكاة لقِلَّته. هذه المسألة فيها تفصيل، فقد فرق العلماء بين المال الباطن والمال الظاهر، المال الباطن يقصدون به الأثمان؛ أي: الذهب والفضة، وكذلك عروض التجارة، وسميت بذلك لأنها خفية لا يعرف حقيقتها إلا صاحبها، فلا يستطيع إنسان أن يعرف ما عند زيدٍ من المال إلا إذا أطلعه عليه، أما المال الظاهر: فهو المال المشاهد الذي يراه الفقير، كالماشية والزروع والثمار فإنَّ الفقير يشاهدها عند صاحبها ويعرف مقدارها. جمهور العلماء: على أن المال الخفي لا تجب فيه الزكاة؛ لأنه مال

стр. 3143

غير مشاهد (١). أدلة الجمهور: - أولها: أثر عثمان ﵁؛ فإنه كان يخاطب الناس قائلًا: "هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤده، حتى تخرجوا زكاة أموالكم" (٢)،

стр. 3144

وفي بعض الروايات: "حتى تخلص أموالكم للزكاة" (١). - الدليل الثاني: قوله ﵊ في الزكاة: "أمرت أن آخذ صدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم" (٢). وجاء في حديث معاذ في بعثه إلى اليمن قال: "وأخبرهم أن اللَّه قد افترض عليهم زكاة أو صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم" (٣). فالزكاة تؤخذ من الأغنياء وترد في فقراء المسلمين، وهذا الذي عنده مال وعليه دين يستغرق جميع ماله ليس من الأغنياء، بل هو يحتاج إلى المواساة، فكيف يواسي غيره. - الدليل الثالث: قوله ﷺ : "لا صدقة إلا عن ظهر غنى" (٤)، و"لا" نافية للجنس، و"صدقة" نكرة في سياق النهي أو النفي، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم (٥)، "إلا عن ظهر غنى"، وهذا غير غني.

стр. 3145

- الدليل الرابع: قوله ﵊: "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" (١). فالإنسان الذي عليه دينٌ عليه أن يسدِّد ما عليه من حقوق الناس أولًا، إذا سدَّدها أخرج زكاة ماله إن بقي مال يبلغ النصاب. الخلاصة: جمهور العلماء (٢) يرون التفريق بين من عنده مال تجب فيه الزكاة، وعليه دين يستغرقه كله، أو يستغرق جُلَّه؛ بحيث ما تبقَّى لا تجب فيه الزكاة. ويقصد بقوله: "المالكون"؛ أي: الذين يملكون شيئًا من المال،

стр. 3146

ولا يشترط في هذا المال أن يكون نقدًا أو غير نقد، فقد يكون ذهبًا أو فضة، أو ريالات أو دولارات، أو غير ذلك من العملات التي يستخدمها الناس في هذا الزمان، وربما تكون عروض تجارة كالتجارة في السيارات والمعدات الكهربائية والآلات، وهذه كلها تدخل في عروض التجارة، ما دام الناس يعدونها للتجارة. قيد المؤلف الديون بقوله: "التي تستغرق أموالهم"، لو قدر أن إنسانًا عنده عشرة آلاف ريال وعليه دين لا يزيد عن خمسة آلاف؛ فإنه يخرج الدين ثم بعد ذلك يزكِّي. أما الكلام هنا فيمن عنده مال يستغرقه الدين؛ أي: يقابله تمامًا، أو يقابل ما تجب فيه الزكاة، بحيث إذا أخذ الدين وصُفِّي أصبح ما عنده لا تجب فيه الزكاة؛ لأنه لم يبلغ النصاب. "حبًّا كان أو غيره"، يقصد بالحب ما تنبته الأرض؛ لأنه كثر خلاف الحنفية حول قضية الأرض التي تنبت فهم يرون أن العشر واجب فيها لمؤونة الأرض. * قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ، حَبًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ حَتَّى تُخْرَجَ مِنْهُ الدُّيُونُ، فَإِنْ بَقِيَ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ زُكِّيَ وَإِلَّا فَلَا، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ المُبَارَكِ وَجَمَاعَةٌ). فالمال إذا كان حبًّا أو غير حبٍّ لا زكاة فيه حتى تخرج منه الديون؛ فإن بقي ما تجب فيه الزكاة زُكِّيَ، وإن لم يبق منه شيء فلا زكاة فيه. * قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ (١): الدَّيْنُ لَا يَمْنَعُ زَكاةَ الحُبُوبِ، وَيَمْنَعُ مَا سِوَاهَا).

стр. 3147

خالف الحنفية الجمهور في مسألة الحبوب؛ فهم يرون أن الحبوب تختلف عن غيرها؛ لأن الزكاة فيها إنما هي مؤنة الأرض. * قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ: الدَّيْنُ يَمْنَعُ زَكَاةَ النَّاضِّ فَقَطْ) (١). المراد بالناض (٢): النقدان إذا تحوَّلا عن متاع، كالذي يعرف في المضاربة (٣): رأس المال عندما يصفى ويحول إلى نقود يُسمَّى نض المال، وأما الذهب والفضة فإنه يُسمَّى نقدين، وقد يُسمَّى تبرًا وهو الذهب المسبوك. ومالك ﵀ يمنع زكاة الناض؛ لأنه يعتبره من الأموال الباطنة، وهو يوافق مذهب الجمهور في هذه المسألة. كلام المؤلف أدخل بعضه مع بعض، فلم يفرق بين أن يكون ظاهرًا وبين أن يكون باطنًا. * قوله: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُرُوضٌ فِيهَا وَفَاءٌ مِنْ دَيْنِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ). إذا كانت عنده عروض توفي دينه، فإنه حينئذ يزكي ما عنده من

стр. 3148

الناضِّ، فلو أن إنسانًا عنده مبلغ من النقود، وعليه ديون تستغرق هذا المبلغ، لكن عنده عروض تجارة تساوي الدين؛ فإن هذا مقابل هذا ويزكي ما عنده من الناض. هذا هو مراد المؤلف، وهو الذي يُشير فيه إلى مذهب المالكية. * قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ بِمُقَابِلِ القَوْلِ الأَوَّلِ، وَهُوَ أَنَّ الدَّيْنَ لَا يَمْنَعُ زَكَاةً أَصْلًا). ذهب الشافعي (١) ﵀ في الجديد: إلى أن الدين لا يمنع الزكاة أصلًا. والشافعي ﵀ له مذهبان: مذهبه القديم، وهو الذي أسسه في العراق لأنه أقام في العراق فترة طويلة تعلم فيها وأصبح عالمًا من العلماء، ثم أصبح إمامًا من الأئمة وطوف في عدة بلاد، ذهب إلى المدينة وأقام بمكة فترة، وألقى دروسًا في بيت اللَّه الحرام، وذهب إلى اليمن وإلى غير ذلك، لكنه في النهاية ألقى عصا التسيار (٢) في مصر، ولما ذهب إلى مصر أسس مذهبه الجديد، التقى بعد ذلك بالليث وبتلاميذه، ووقف على مسائل جديدة، فأسس مذهبه الجديد، وهو في كثير من مسائله يخالف مذهبه القديم. لكن ليس معنى هذا أن كل ما دوَّنه الشافعي في مذهبه الجديد هو

стр. 3149

الصواب (١)، بل هناك مسائل في مذهبه القديم هي أصح من الجديد، والشافعية نبهوا على ذلك وبينوه. * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُهُمْ: هَلِ الزَّكَاةُ عِبَادَةٌ أَوْ حَقٌّ مُرَتَّبٌ فِي المَالِ لِلْمَسَاكِينِ؟) (٢). تنقسم الحقوق إلى ثلاثة أقسام: - حق خالص للَّه لا يجوز لأحد أن يشرك فيه معه غيره، كالعبادات التي لا يجوز أن يشرك مع اللَّه فيها غيره، كالشهادتين والصلاة والصيام. - وهناك حقوق خاصة بالمخلوقين، كحق الإنسان في التصرف في ماله. - وهناك حقوق مشتركة، كما نجد ذلك في الحدود: فالقصاص فيه حق للَّه وحق للإنسان الذي اعتدي عليه، كذلك حد القذف، وحد السرقة. . . إلى غير ذلك من الأمور، وهذه القاعدة يعبر عنها الفقهاء بقاعدة الحقوق.

стр. 3150

فالزكاة فيها حق للَّه ؛ لأنها عبادة تعبَّد اللَّه المؤمنين بأن يؤدوها، وحق للفقراء قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥]؛ فهي من هذا الجانب حق للمستحقين من الأصناف الثمانية. * قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّهَا حَقٌّ لَهُمْ قَالَ: لَا زَكَاةَ فِي مَالِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ؛ لِأَنَّ حَقَّ صَاحِبِ الدَّيْنِ مُتَقَدِّمٌ بِالزَّمَانِ عَلَى حَقِّ المَسَاكِينِ، وَهُوَ فِي الحَقِيقَةِ مَالُ صَاحِبِ الدَّيْنِ لَا الَّذِي المَالُ بِيَدِهِ، وَمَنْ قَالَ هِيَ عِبَادَةٌ قَالَ: تَجِبُ عَلَى مَنْ بِيَدِهِ مَالٌ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ شَرْطُ التَّكْلِيفِ، وَعَلَامَتُهُ المُقْتَضِيَةُ الوُجُوبَ عَلَى المُكَلَّفِ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَدْ تَعَارَضَ هُنَالِكَ حَقَّانِ: حَقٌّ للَّه، وَحَقٌّ لِلْآدَمِيِّ، وَحَقُّ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى). الذين يقولون بوجوب الزكاة فيمن عليه دين، لا يقولون بقول المؤلف، وإنما هم يقولون: هذا إنسان يملك نصابًا من المال، وهو مطالب بالزكاة، والزكاة واجبة في هذا المال؛ فيجب عليه أن يخرجها، لا فرق بين أن يكون عليه دين أو لم يكن عليه دين. واختلف العلماء في ارتباط الزكاة بالذمة أو بالعين (١):

стр. 3151

فعلى القول بأنها بالذمة لهم في المسألة كلام، وعلى القول: بأنها مرتبطة بالعين، فهي تزول بزوال العين وتبقى ببقائها، وهذا سيأتي فيمن ضاعت زكاته أو فرط فيها، هل يضمن أو لا يضمن. إذن التعليل هنا: إنسان وجبت عليه الزكاة في مال هو في يده، له أن يتصرف فيه فتجب عليه، كحال من ليس عليه دين. * قوله: (وَالأَشْبَهُ بِغَرَضِ الشَّرْعِ إِسْقَاطُ الزَّكَاةِ عَنِ المِدْيَان (١)). المراد بالمديان (٢) الذي يستدين، وإذا تتبعنا قواعد الشريعة والأسس

стр. 3152

التي تسير عليها، سنجد أن المدين إنسان تراكمت عليه الديون وتكاثرت عليه الهموم، فهو بحاجة إلى الرأفة، والتخفيف عليه، وإيجاب الزكاة عليه فيه تحميل وحرج. * قوله: (لِقَوْلِهِ ﵊ فِيهَا: "صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ" (١)، وَالمَدِينُ لَيْسَ بِغَنِيٍّ). فالإنسان الذي عنده مال وعليه دين يستغرقه جميع المال، أو يستغرق ما تجب فيه الزكاة، هذا لا يُسمَّى غنيًّا، والرسول ﵊ قال: "تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم" (٢)، والزكاة مواساة شرعت مواساة للفقراء، وهذا في حاجة للمواساة. * قوله: (وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الحُبُوبِ وَغَيْرِ الحُبُوبِ، وَبَيْنَ النَّاضِّ وَغَيْرِ النَّاضِّ، فَلَا أَعْلَمُ لَهُ شُبْهَةً بَيِّنَةً). يذكر المؤلف أن هناك فريقًا من العلماء فرَّق بين الحبوب وغير الحبوب وبين الناض وبين غير الناضِّ، وذكر أنه لا يعلم دليلًا لما ذهبوا إليه، ولكننا نقول: بل لهذا الفريق وجهة نظر. فقد قالوا: إن الأموال الباطنة لا ترى، وأما الأموال الظاهرة كالمواشي والحب فإنها ترى، والأموال الظاهرة قلوب الفقراء متعلقة بها، لأن أعينهم تنظر إليها فتتوق أنفسهم وأفئدتهم إليها. ويقولون أيضًا: نحن نجد أن رسول اللَّه ﷺ كان يرسل السعاة ليخرصوا الحبوب والثمار، وليأخذوا الزكاة من الماشية، فأرسل عبدَ اللَّه بنَ رواحة إلى اليهود ليخرص عليهم (٣)، وكذلك فعل خلفاؤه من بعده: أبو

стр. 3153

بكر وعمر وعثمان وعلي، وكذلك فعل الخلفاء من بعدهم، ولم يعرف أن الرسول ﷺ ولا أصحابه كانوا يرسلون السعاة ليأخذوا الأموال النقدية، أو عروض التجارة من الناس، وإنما هذا أمر واجبٌ يتعين على المسلم أن يؤديه من تلقاء نفسه؛ لأن الزكاة ركن من أركان الإسلام، ولا يحق للمسلم أن يخفي هذا الركن. * قوله: (وَقَدْ كَانَ أَبُو عُبَيْدٍ يَقُولُ: إِنَّهُ إِنْ كَانَ لَا يُعْلَمُ أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا، لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ" (١)). فائدةٌ: أبو عبيد هو الإمام المعروف صاحب كتاب "الأموال"، وهو كتاب عظيم اشتمل على جملة من الأحاديث والآثار، يُرجَع إليه كثيرًا فيما يتعلق بأحكام الخراج والزكاة، وفي كثير من الأحكام التي تتعلق بالأموال. هذه مسألة أُخرى أشار إليها المؤلف: اختلف العلماء (٢) إذا جاء

стр. 3154

الساعي إلى إنسانٍ فطلب منه زكاة ماله فقال: ليس لديَّ مالٌ، هذه العروض التي عندي هي لغيري. بعضهم يقول: إن لم يعرف عليه كذب يُصدّق. وبعضهم يقول: لا يصدق.

стр. 3155

والأصل أنه يصدق في هذه؛ لأن هذه عبادة ينبغي للإنسان أن يصدق فيها؛ لأن هذا أمر بينه وبين اللَّه. * قوله: (وَهَذَا لَيْسَ خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ بِإِسْقَاطِ الدَّيْنِ الزَّكاةَ، وَإِنَّمَا هُوَ خِلَافٌ لِمَنْ يَقُولُ: يُصَدَّقُ فِي الدَّيْنِ كَمَا يُصَدَّقُ فِي المَالِ). هذه القضية لم يعرض لها المؤلف، وقد نكون في حاجة إليها في أمور حياتنا، إذا كان إنسان عليه كفارة أو نذرٌ، وعنده مال تجب فيه الزكاة. بعض العلماء (١) يقولون: تقدم النذور والكفارات؛ لأن هذه حق للَّه،
следующие страницы →