← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

فعلى القول بأنها بالذمة لهم في المسألة كلام، وعلى القول: بأنها مرتبطة بالعين، فهي تزول بزوال العين وتبقى ببقائها، وهذا سيأتي فيمن ضاعت زكاته أو فرط فيها، هل يضمن أو لا يضمن. إذن التعليل هنا: إنسان وجبت عليه الزكاة في مال هو في يده، له أن يتصرف فيه فتجب عليه، كحال من ليس عليه دين. * قوله: (وَالأَشْبَهُ بِغَرَضِ الشَّرْعِ إِسْقَاطُ الزَّكَاةِ عَنِ المِدْيَان (١)). المراد بالمديان (٢) الذي يستدين، وإذا تتبعنا قواعد الشريعة والأسس

стр. 3152

التي تسير عليها، سنجد أن المدين إنسان تراكمت عليه الديون وتكاثرت عليه الهموم، فهو بحاجة إلى الرأفة، والتخفيف عليه، وإيجاب الزكاة عليه فيه تحميل وحرج. * قوله: (لِقَوْلِهِ ﵊ فِيهَا: "صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ" (١)، وَالمَدِينُ لَيْسَ بِغَنِيٍّ). فالإنسان الذي عنده مال وعليه دين يستغرقه جميع المال، أو يستغرق ما تجب فيه الزكاة، هذا لا يُسمَّى غنيًّا، والرسول ﵊ قال: "تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم" (٢)، والزكاة مواساة شرعت مواساة للفقراء، وهذا في حاجة للمواساة. * قوله: (وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الحُبُوبِ وَغَيْرِ الحُبُوبِ، وَبَيْنَ النَّاضِّ وَغَيْرِ النَّاضِّ، فَلَا أَعْلَمُ لَهُ شُبْهَةً بَيِّنَةً). يذكر المؤلف أن هناك فريقًا من العلماء فرَّق بين الحبوب وغير الحبوب وبين الناض وبين غير الناضِّ، وذكر أنه لا يعلم دليلًا لما ذهبوا إليه، ولكننا نقول: بل لهذا الفريق وجهة نظر. فقد قالوا: إن الأموال الباطنة لا ترى، وأما الأموال الظاهرة كالمواشي والحب فإنها ترى، والأموال الظاهرة قلوب الفقراء متعلقة بها، لأن أعينهم تنظر إليها فتتوق أنفسهم وأفئدتهم إليها. ويقولون أيضًا: نحن نجد أن رسول اللَّه ﷺ كان يرسل السعاة ليخرصوا الحبوب والثمار، وليأخذوا الزكاة من الماشية، فأرسل عبدَ اللَّه بنَ رواحة إلى اليهود ليخرص عليهم (٣)، وكذلك فعل خلفاؤه من بعده: أبو

стр. 3153

بكر وعمر وعثمان وعلي، وكذلك فعل الخلفاء من بعدهم، ولم يعرف أن الرسول ﷺ ولا أصحابه كانوا يرسلون السعاة ليأخذوا الأموال النقدية، أو عروض التجارة من الناس، وإنما هذا أمر واجبٌ يتعين على المسلم أن يؤديه من تلقاء نفسه؛ لأن الزكاة ركن من أركان الإسلام، ولا يحق للمسلم أن يخفي هذا الركن. * قوله: (وَقَدْ كَانَ أَبُو عُبَيْدٍ يَقُولُ: إِنَّهُ إِنْ كَانَ لَا يُعْلَمُ أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا، لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ" (١)). فائدةٌ: أبو عبيد هو الإمام المعروف صاحب كتاب "الأموال"، وهو كتاب عظيم اشتمل على جملة من الأحاديث والآثار، يُرجَع إليه كثيرًا فيما يتعلق بأحكام الخراج والزكاة، وفي كثير من الأحكام التي تتعلق بالأموال. هذه مسألة أُخرى أشار إليها المؤلف: اختلف العلماء (٢) إذا جاء

стр. 3154

الساعي إلى إنسانٍ فطلب منه زكاة ماله فقال: ليس لديَّ مالٌ، هذه العروض التي عندي هي لغيري. بعضهم يقول: إن لم يعرف عليه كذب يُصدّق. وبعضهم يقول: لا يصدق.

стр. 3155

والأصل أنه يصدق في هذه؛ لأن هذه عبادة ينبغي للإنسان أن يصدق فيها؛ لأن هذا أمر بينه وبين اللَّه. * قوله: (وَهَذَا لَيْسَ خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ بِإِسْقَاطِ الدَّيْنِ الزَّكاةَ، وَإِنَّمَا هُوَ خِلَافٌ لِمَنْ يَقُولُ: يُصَدَّقُ فِي الدَّيْنِ كَمَا يُصَدَّقُ فِي المَالِ). هذه القضية لم يعرض لها المؤلف، وقد نكون في حاجة إليها في أمور حياتنا، إذا كان إنسان عليه كفارة أو نذرٌ، وعنده مال تجب فيه الزكاة. بعض العلماء (١) يقولون: تقدم النذور والكفارات؛ لأن هذه حق للَّه،

стр. 3156

وفي الحديث: "ودين اللَّه أحق أن يقضى" (١). وبعضهم يقول: الزكاوات واجبة ومتعينة، وثبوتها أقوى من ثبوت هذه؛ فينبغي أن تقدم عليها، والذي يظهر لي في هذه الحالة أن الزكاة تقدم على النذور وعلى الكفارات. * قوله: (وَأَمَّا المَالُ الَّذِي هُوَ فِي الذِّمَّةِ -أَعْنِي: ذِمَّةَ الغَيْرِ- وَلَيْسَ هُوَ بِيَدِ المَالِكِ وَهُوَ الدَّيْنُ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ أَيْضًا، فَقَوْمٌ قَالُوا: لَا زَكَاةَ فِيهِ وَإِنْ قُبِضَ). إذا كان لرجل دينٌ على آخر، فإما أن يكون المَدين مليئًا أو غير مليءٍ، والمليء هو: المعترف بالدين القادر على سداده، اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال: قال بعضهم: يزكيه وهو في يد غيره؛ لأن صاحبه قادر على أخذه في أي لحظة، فكأنه في يده، وهذا -فيما أذكر- هو مذهب الشافعي أو قول له (٢).

стр. 3157

وبعضهم قال: يزكيه إذا قبضه، وهذا مذهب الحنابلة والحنفية (١). والذين يقولون: يزكيه إذا قبضه، اختلفت أقوالهم: - فبعضهم قال: يزكيه على الأعوام السابقة، فلو قدر أنك أقرضت أخاك دينًا وبقي عنده ثلاث سنوات، فإنك إذا تسلمته تقضي الزكاة عن ثلاثة أعوام. - وبعضهم يقول: تقضي عن حولٍ واحدٍ، وهذا هو مذهب مالك، ونقل عن بعض التابعين (٢). - وبعضهم يقول: لا زكاة فيه، وقد نقل هذا عن الصحابيين: عبد اللَّه بن عمر وعائشة ﵄ وقول عكرمة (٣). * ودليل الذين قالوا: لا زكاة فيه؛ قالوا: مال لأنه لا نماء له؛ فالإنسان مطالب بأن ينمي ماله حتى لا تأكلها الصدقات، وهذا مال مجمَّد في يد الغير. * ودليل الذين قالوا: تجب الزكاة فى كل ما مضى: لأنك عندما تسلمت هذا المال أصبح مالك، كما لو كان عندك وتحتقظ به، فيلزمك أن تزكيه عن الأعوام السابقة.

стр. 3158

* ودليل الذين قالوا: يزكيه عن عام واحد، قالوا: لأن هذا المال ليس فيه نماء، فإذا ما رجع إليه زكاه عن آخر عام مر به، على اختلاف بينهم في ذلك. * قوله: (حَتَّى يَسْتَكْمِلَ شَرْطَ الزَّكَاةِ عِنْدَ القَابِضِ لَهُ - وَهُوَ الحَوْلُ). تجب الزكاة بشرطين متفق عليهما، وشرط واحد مختلف فيه. أما الشرطان المتفق عليهما: أولًا: ملك النصاب. الثاني: أن يمضي حول، فلا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول، وهذا فيما يكون يكون فيه الحول كالنقدين وعروض التجارة والماشية، أما الزروع والثمار فلا يشترط حَوَلان الحول، وإنما تجب زكاتها عند اشتداد الحب، وعند بدوِّ صلاح الثمر. الثالث: وهذا قال به بعض العلماء، وبعضهم لا يراه شرطًا: أن يتمكن من الإخراج. قالوا: هذه عبادة فينبغي أن يتمكن من الإخراج، فالصلاة واجبة، لكن الحائض لا تصلي؛ لأن الصلاة سقطت عنها، والصيام كذلك واجب عليها ولا تؤديه وهي حائض؛ ولذلك ذكرت عائشة ﵂ أن رسول اللَّه ﷺ قال في الحائض: "تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة" (١)؛ لأن الصلاة تتكرر معها، وفي ذلك مشقة، وهذا من التخفيف الذي جاءت به هذه الشريعة، لكن الصوم يأتي مرة في العام فيجب على المرأة أن تقضيه.

стр. 3159

وهذا الشرط سيأتي له أثر في مسائل سنتطرق لذكرها، فيمن وجبت عليه الزكاة، وحال عليه الحول، وتمكن من الإخراج، ولم يخرج الزكاة: بعض العلماء يفرق بين قدرته على التمكن من عدمها، وبعضهم يطلق ذلك. * قوله: (وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ (١)، وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ (٢)، أَوْ هُوَ قِيَاسُ قَوْلِهِ). يجب أن يستقبل به حولًا جديدًا، لو فرضنا أن إنسانًا له عند شخص ألف ريال، في اليوم الذي يقبض فيه المال، يبدأ يعدُّ الحول. وقول الشافعي في هذه المسألة ليس كما ذكر المؤلف، وربما ذكر المؤلف بعضًا منه، فالشافعية لهم تفصيل كبير في هذه المسألة. فهم يقولون: الأموال أنواع: الأول: مال ليس بلازم، كمال المكاتب، وهذا لا تجب فيه الزكاة. الثاني: مال لازم، لكن لا تجب فيه الزكاة، وهي السائمة. الثالث: أما بالنسبة للأثمان وعروض التجارة، فمذهب الشافعية فيها

стр. 3160

أنها تجب فيها الزكاة، ولذلك المؤلف لم يكن جازمًا: هل هو مذهب الشافعي أو هو مفهوم مذهبه. الخلاصة: الشافعية لهم ثلاثة أقوال فيها تفصيل، والذي يقول المؤلف ينطبق -كما قلنا- على الأثمان وعروض التجارة. * قوله: (وَقَوْمٌ قَالُوا: إِذَا قَبَضَهُ، زَكَّاهُ لِمَا مَضَى مِنَ السِّنِينَ). وهذا هو مذهب الحنابلة (١) وبعض العلماء (٢). * قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ (٣): يُزَكِّيهِ لِحَوْلٍ وَاحِدٍ وَإِنْ أَقَامَ عِنْدَ المِدْيَانِ سِنِينَ، إِذَا كَانَ أَصْلُهُ عَنْ عِوَضٍ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ عَنْ غَيْرِ عِوَضٍ مِثْلِ المِيرَاثِ، فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ بِهِ الحَوْلَ، وَفِي المَذْهَبِ تَفْصِيلٌ فِي ذَلِكَ). وهذا قول مالك، وجمع من العلماء من معاصريه وممن سبقوه. * قوله: (وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي زَكَاةِ الثِّمَارِ الْمُحْبَسَةِ الْأُصُولِ). الثمار المحبوسة الأصول يقصد بها المؤلف: "الموقوفة"، فهو يريد أن يتكلم عن الوقف، فهذه أشجارٌ أصولها موقوفةٌ، أشجار عنبٍ، أو

стр. 3161

نخيلٍ، كما قد يكون الموقوف دورًا، أو عمائرَ؛ موقوفة على مدارسَ، أو قناطرَ، أو مساجدَ، أو مساكينَ، أو أناسٍ معينين، وهذه المسألة فيها كلام جيدٌ وقفت عليه وهو للحنابلة، والشافعية. فمن أدقِّ المذاهب في هذا مذهب الإمامين الشافعي وأحمد؛ لأنهما فرَّقا بين الأمرين؛ فقسَّما الأموال المحبوسة الأصول -أعني الموقوفة- إلى قسمين: القسمُ الأوَّل: أموالٌ موقوفةٌ على جهاتٍ معينةٍ: كالأموال التي توقف على المساجد؛ بناءً وترميمًا وصيانةً ومحافظةً عليها، أو الأموالُ التي توقف على المدارس في بنائها وتشييدها، وفي الإنفاق على طلابها وفي القيام بشؤونها، وكذلك الأموال التي توقفُ على شقِّ الطرقاتِ، وعلى القناطرِ، وحفر الآبارِ، وكذلك أيضًا الأموالُ التي توقفُ على إقامة العمائر والمساكن التي يسكن فيها الأيتام والعجزة والمحتاجون، ومثلها الأموالُ التي توقفُ على الفقراءِ والمساكين، فهذه كلها معدودةٌ في هذين المذهبين جهاتٌ عامةٌ؛ لأنَّ مصلحتها عامةٌ لا تقتصر على إنسانٍ بعينهِ. القسمُ الثَّاني: أن توقفَ على إنسانٍ أو أناسٍ معينين. ففرَّق أصحاب المذهبين بين هؤلاء وهؤلاء، فقالوا: إنَّ الأموال التي توقف على جهاتٍ عامةٍ لا زكاة فيها؛ لأن هذه نفعها ظاهرٌ، مال أُوقف لتبنى به المساجد، أو لتبنى به المدارسُ، لتشقَّ به الطرق، لتقام به المستشفياتُ، ليعالج به المرضى، لتبنى به المدارسُ، والمساكنُ التي يقيم فيها طلَّاب العلم من المحتاجين أو من الفقراء، وقفًا على الفقراء والمساكين، هذا لا زكاةَ فيه، لكن إذا أُوقفت أموالٌ على زيدٍ من الناس، أو زيدٍ وبكرٍ، فهذه ينبغي أن تزكَّى. وبعض أهل العلم لم يفصِّل هذا التفصيل، وفي نظري أنَّ هذا هو الرأي الذي يلتقي مع روح الشريعة الإسلامية؛ كما في الحجر على مال السفيهِ؛ لما في ذلك من إرجاعه إلى الحقِّ، ولذلك يقول الرسول ﷺ : "لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر، ولتأخذنَّ على يدي الظالمِ،

стр. 3162

ولتأطرنَّه على الحق أطرًا، ولتقصرنَّه على الحقِّ قصرًا" (١)؛ ليوقف عند الطريق السوي، فهذه هي الشريعة الإسلامية، ولو أراد الإنسان أن يتكلم عن كل جزئيةٍ فيها لوجد فيها الكثير من الأسرار، فهي شريعةٌ خالدةٌ باقيةٌ ما بقيَ الليل والنهار، وما طرق العالم منذ أن قام حتى يرث اللَّه الأرض ومن عليها مثل هذه الشريعة الكاملة الشاملة، التي تعالجُ مشكلاتِ الناس بالقسطاس المستقيم، هذه هي شريعة اللَّه التي عدل عنها طائفةٌ من المؤمنين، واستبدلوها بغيرها، ولو أنهم وقفوا عند هذه الشريعة لحلَّت بهم السعادة، وعاد لهم مجدهم وعزتهم، ولزال وارتفعَ عنهم ما هم فيه من ذلةٍ وتسلط للأعداء عليهم، لكنهم -مع الأسف- خرجوا عنها إلى غيرها، فاستبدلوا شريعة اللَّه بقانون البشر، وشتان بين هذا وذاك. * قوله: (وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي زَكَاةِ الثِّمَارِ الْمَحْبُوسَةِ الْأُصُولِ، وَفِي زَكاةِ الْأَرْضِ الْمُسْتَأْجَرَةِ). يقصد الثمار التي لها أصولٌ، النخل -كما هو معلومٌ- لها أصولٌ، فهي تحبس وتوقف، والقصد هناب (المحبوسة الأصول): الموقوفة، فأصلها موقوفٌ، لكنَّ ريعها يستفاد به، فهذا هو مراد المؤلف، ولذلك فإنه سيتكلم عنها أنها أضعف من الأموال غير المحبسَّة الأصول بالنسبة للاستفادة بها، ولذلك سنبيِّن عندما نأتي إلى أبواب الوقف - كلام العلماء: هل يجوز بيع الوقف أو لا يجوز؟ والصحيح أنه لا يباعُ، ولا يوهبُ، ولا يورثُ، وكذلك: هل الوقف ينقلُ؟ والصحيح أنه ينقل عند وجود الضرورةِ والحاجة الملحَّةِ. هذه أيضًا مسألةٌ جديدةٌ دخل فيها المؤلِّف، وهي ما إذا زرعت أرضٌ يملكها شخصٌ، وآخر استأجرها ليزرعها، هل على المستأجر أم على المالكِ؟

стр. 3163

* قوله: (وَفِي زَكَاةِ الْأَرْضِ الْمُسْتَأْجَرَةِ عَلَى مَنْ تَجِبُ زَكَاةُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، هَلْ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ أَوْ صَاحِبِ الزَّرْعِ؟). أرض يملكها شخصٌ، فاستأجرها شخصٌ آخر، فزرعها هذا الشخص زرعًا تجب فيه الزكاة، غرس فيها نخلًا -مثلًا-، أو عنبًا، أو شيئًا من البقوليَّات التي تجب فيها الزكاة، ولا أريد أن أسبق إلى الكلام عن زكاة الحبوب، لكن هناك أشياءُ تجب فيها الزكاة، وأشياءُ لا تجب فيها الزكاةُ؛ كالخضراواتِ والفواكهِ. فعندما تغرس هذه الأرض، ويخرج فيها ما تجب فيه الزكاة، كثمرٍ بدا صلاحه، وحبٍّ اشتد، ووجبت فيه الزكاة، فهل يؤدي الزكاةَ صاحبُ الزَّرع، أو يؤديها صاحب الأرض؟ فيها خلافٌ، فجماهير العلماء يرون أنَّ الزكاة إنما تجب على الزارع الذي زرع الأرض؛ لأنَّ الزكاة مرتبطةٌ بالزراعة، وأبو حنيفة يرى أنَّ الزكاة تجب في الأرض، وقد قلتُ من قبل: إنَّ لأبي حنيفة أصلًا يعتمد عليه في هذا الباب، هذا الأصل هو أنَّ الزكاة مؤنة الأرض، وليست مؤنة للزراعة، والجمهور يرون أنها مؤنةٌ للزراعة وليست للأرض، ومن هنا وقع الخلاف بينهم. لكن يبقى هنا سؤالٌ: لماذا قالى الجمهور كذا وقال أبو حنيفة كذا؟ أبو حنيفة له أصلٌ، يرى دائمًا أن الأصل في زكاة الثمار والحبوب إنما هو الأرض؛ ويقيس ذلك على أرض الخراج وعلى غيره. . .، فهناك كلامٌ كثيرٌ للحنفية في المسألة. لكن الجمهور يقولون: إنَّ الزكاة مرتبطةٌ بالزرع؛ لأنَّ الذي يقدَّر هو الزرع، فدل ذلك على أنَّ الزكاة تجب فيه، ولأنه لو لم تكن الزكاة واجبةً في الزرع لوجبت في الأرض زُرعت أو لم تزرع؛ لأننا إذا قلنا: إنَّ الزكاة هي مؤنة الأرض، فلماذا لا نأخذها عن الأرض وهي غير مزروعةٍ؟ كيف نقول بأنها مؤنة الأرض ولا نأخذها من الأرض غيرِ المزروعةِ؟

стр. 3164

ويقول جمهور الفقهاء: لو كانت -كما ياتول الحنفية- هي مؤنة الأرض، لانتقلت من باب الزكاةِ إلى باب الفيءِ؛ لأنها أصبحت أموالًا تؤخذ على الأرض، فتنتقل إلى باب الفيء الذي يؤخذ على الأراضي. ومعلومٌ أنَّ الأراضي التي يستولي عليها المسلمون أنواعٌ، فهناك من الأراضي ما فتح عنوةً؛ كأرض مكة، وهناك ما أخذه المسلمون صلحًا كبعض الأراضي، ومنها أيضًا ما أوقف رسول اللَّه ﷺ بعضها، ومنها ما وزَّعها بين المؤمنين، وقد وجد ذلك مجتمعًا في أرض خيبر، ومن هنا فإنَّ عمر ﵁ لم يقسم أرض السواد بين المؤمنين، وعمر ﵁ قد وهبه اللَّه حصافة عقلٍ ورجاحةً في فكرٍ، وكان عميقًا في كل أموره، ومعلومٌ أنَّ ثمة آياتٍ من القرآن نزلت مؤيدةً لرأي عمر، فكم من آراء طرحها عمر فجاء القرآن مؤيدًا له فيما قال؛ كالصلاة عند المقام، وكذلك بالنسبة لأسرى بدر، والحجاب، والمسائل في ذلك متعددةٌ. فعمر ﵁ عندما جاء بعد رسول اللَّه ﷺ ، وبعد أبي بكرٍ، اتسعت رقعة البلاد الإسلامية، وفتحت أرض السَّواد في العراق، ففكَّر عمر ﵁ في هذه المسألة، لو أنَّ هذه الأراضي قسمت بين المؤمنين، فماذا سيبقى لمن يأتي من بعدهم، ظلَّ عمر يفكِّر، وخالفه بعض الصحابة، وانتهى به الأمر إلى أن قرأ الآيات: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ١٧] وهي آيات طويلةٌ، إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠]، فاعتبر عمر أنَّ هذه الآية سندٌ له، ولا يعتبر ما فعله عمر ﵁ مخالفًا لما سنه رسول اللَّه ﷺ ؛ فهذا فعلٌ يفعله الإمام إذا رأى المصلحة، وقد وافق عمر ﵁ كثيرٌ من الصحابة، كعليٍّ وغيره من أكابر الصحابة، ولقد عرضت هذه المسألة، لما لها من علاقةٍ بهذا الموضوع الذي نحن الآن بصدد الحديث عنه. وخلاصة القول في مسألتنا هذه أن لو كانت أرض تزرع، فاستأجرها إنسانٌ فزرعها، فالجمهور -وفيهم الأئمة الثلاثة- على أنَّ الزكاة على

стр. 3165

الزرع، فالذي يؤديها إنما هو زارعها، إذا وجبت في المال الزكاة، وأبو حنيفة يرى أنَّ الزكاة هي مؤنة الأرض، وهذا أصلٌ أصَّله في مذهبه، وقد خالفه بعض أصحابه في ذلك، فانضموا إلى جمهور العلماء. * قوله: (وَمِنْ ذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ إِذَا انْتَقَلَتْ مِنْ أَهْلِ الْخَرَاجِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَهُمْ أَهْلُ الْعُشْرِ). أرض الخراج: هي مثل أرض السواد التي تركها عمر ﵁ في أيدي أهلها، وضرب عليهم الخراج، ليؤخذ منهم الخراج. أرض الخراج إذا تحولت إلى المسلمين هل فيها زكاة أو لا؟ هذه مسألة أيضًا عرض لها المؤلِّف. * قوله: (وَفِي الْأَرْضِ الْعُشْرِ وَهِيَ أَرْضُ الْمُسْلِمِينَ إِذَا انْتَقَلَتْ إِلَى الْخَرَاجِ). كذلك الأرض التي فيها عشر لو تحولت أرض خراجٍ، فهذه يضرب عليها الخراج أو تبقى فيها الزكاة، أو لا خراج ولا زكاة؟ هو الآن يقدم لنا عناوين المسائل. * قوله: (-أَعْنِي: أَهْلَ الذِّمَّةِ-، وَذَلِكَ أَنَّهُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ الْخِلَافِ فِي هَذَا كُلِّهِ أَنَّهَا أَمْلَاكٌ نَاقِصَةٌ). أملاكٌ ناقصةٌ: هذه أموالٌ للمسلمين وضعت في أيدي هؤلاء، وضرب عليهم الخراج، ليست أموالًا تامةً؛ لأنَّ ثمة فرقًا بين هذه، وبين مال في يديك، فأنت تتصرف فيه غاية التصرف، لكن هذه أموالٌ تجد الأوقاف عليها؛ كناظرٍ مسؤول عنها، كتصرف الولي في مال اليتيم، فتصرفه فيه ليس ملكًا له، لكنه يتصرف فيه فيما يتعلَّق بالمصلحة، فلو حاف وظلم رفع الأمر إلى القاضي؛ لأنَّ الوليَّ قد وضع أمينًا على هذا المال؛ لأنَّ السلطان وليُّ من لا ولي له، فلو ولي إنسانٌ مال يتيمٍ، فحاف فيه وظلم وتعدَّى وتجاوز، فحينئذٍ يوقفه القاضي عند حده، ويضع بديلًا

стр. 3166

عنه، للقاضي أن يشرف عليه بنفسه، أو أن يضعَ من يشرف عليه. تلك الأموال ليست كاملةً؛ لأنه ليس لمن هي بأيديهم أو من ينتفعون بها، التصرف الكامل فيها. . . * قوله: (أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: وَهِيَ زَكَاةُ الثِّمَارِ الْمُحَبَّسَةُ الْأُصُولِ: فَإِنَّ مَالِكًا (١)، وَالشَّافِعِيَّ (٢) كَانَا يُوجِبَانِ فِيهَا الزَّكاةَ، وَكَانَ مَكْحُولٌ وَطَاوُسٌ يَقُولَانِ (٣): لَا زَكَاةَ فِيهَا). المحبَّسة الأصول هي التي وُقفت، والوقف -كما هو معلومٌ- أمر مشروعٌ، وقصد المؤلف هنا في هذه المسألة: إذا أُوقفت أصول شيءٍ، وكان له ريعٌ فكيف يُستفاد بهذا الريعُ (٤)؟ هذا الريع الذي يُستفاد منه هل تجب فيه الزكاة؟ في هذه المسألة أقوالٌ عدَّة كما سبق، لكن القول الذي رجَّحناه وانتهينا إليه، وقلنا إنه الأقرب لروح هذه الشريعة وإلى يُسرها، وإلى

стр. 3167

سماحتها، وإلى عدالتها، هو ما أَخَذ به الشافعية والحنابلة، من أنها إذا كانت على جهةٍ عامةٍ فلا زكاة فيها؛ كأنْ تكون موقوفةً على مساجد، أو على قناطر، أو على أيتامٍ، أو على مدارسَ، أو على مساكين، أو غير ذلك من الأصناف التي ذكرناها آنفًا، فهذه لا زكاة فيها، أما إنْ كانت موقوفةً على معيّنٍ؛ كشخصٍ من الناس أو أشخاص، فإنها تجب فيها الزكاة، وهذا هو الأولى. * قوله: (وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ مُحَبَّسَةً عَلَى الْمَسَاكِينِ وَبَيْنَ أَنْ تَكُونَ عَلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ). لقد صحَّحتُ ما في الكتاب من وهمٍ، وقلتُ إنَّ ما نسبه المؤلف إلى الشافعية غير صحيحٍ، وإنما مذهبهم هو الأخير (١)، وهم والحنابلة (٢) في ذلك سواءٌ، وهو الذي أشرتُ إليه قبل قليلٍ. * قوله: (فَأَوْجَبُوا فِيهَا الصَّدَقَةَ إِذَا كَانَتْ عَلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ، وَلَمْ يُوجِبُوا فِيهَا الصَّدَقَةَ إِذَا كَانَتْ عَلَى الْمَسَاكِينِ). ليس مراد المؤلِّف بالصدقة هنا صدقة التطوع، وإنما المراد بها: الزكاة، والزكاة أيضًا تُسمى صدقةً، كما في قول اللَّه : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٠]، إلى آخر الآيات، فالزكاة صدقةٌ؛ لأنَّ القصد أن يتصدَّق بها على الفقراء والمساكين، والصدقة نوعان: - صدقةٌ مفروضةٌ واجبةٌ، ركنٌ، وهي الزكاة.

стр. 3168

- وصدقةُ تطوعٍ، وهذه غير واجبةٍ، لكنها من الأعمال الطيبة المشروعة التي حضّت عليها هذه الشريعة، ورغّبت فيها، وطالبت بالإسراع والمبادرة إلى الإنفاق في هذا السبيل، وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرةٌ عرضنا لبعضها أثناء حديثنا عمّا يتعلق بالزكاة. * قوله: (وَلَا مَعْنَى لِمَنْ أَوْجَبَهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ لِأَنَّهُ يَجْتَمِعُ فِي ذَلِكَ شَيْئَانِ اثْنَانِ: أَحَدُهُمَا:). انظر إلى عبارات المؤلف، مما يُعجبني في المؤلف أنه لا يتعصب لمذهبه، فمعلومٌ أنه ينتسب إلى مذهب المالكية، لكنَّ ذلك لا يؤثر عليه، فهو بهذا يُرجّح الرأي الذي ذهبنا إليه، وتعليله وجيهٌ بلا شك، وهذا هو شأن طالب العلم الذي يريد الحق، ويبتغي الوصول إليه من أقرب طريقٍ وأهدى سبيلٍ، ولا شك أنَّ الحقَّ في ذلك ما وافق كتاب اللَّه ، وسنة رسوله ﷺ ، فالقول الذي يؤيده الكتاب، وتعضِّده سنةُ الرَّسول ﷺ ينبغي أن نقدّمه على كل قولٍ، وليس معنى أن نأخذ بقول عالمٍ من العلماء، أو بأقوال بعض العلماء دون بعضهم - أن هذا نقصٌ في الآخرين، لكن هؤلاء وُفّقوا إلى الصواب في هذه المسألة، اجتهدوا فيها، ونحن نرى فيما يظهر لنا أنها أقرب إلى الكتاب والسنة فنأخذ بها، وقد تأتي مسائل أخرى يكون رأي الطائفة الأخرى المرجوحة هو الصواب فيها، فنكون معهم فيها، وهكذا. * قوله: (أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مِلْكٌ نَاقِصٌ). هي مِلك ناقصٌ؛ لأن أصولها مُحبَّسة، وهناك فرقٌ بين الوقف الذي وُقف أصله؛ كعمارةٍ توقف على جهةٍ معينةٍ، أو على جهةٍ عامَّة، فيستفاد بها في سكنها، وفي ريعها، لكن هذا الوقف لا يُباع، ولا يوهبُ، وبين مالٍ تملكه ملكًا تامًّا تتصرف فيه بيعًا وشراءً وهبةً، وغير ذلك، فهو مِلكٌ ناقصٌ؛ لأنَّ المِلك إنما هو مُتعلقٌ بالمنافع، ومن هنا يُفرّق العلماء بين البيع وبين الإجارة؛ فالإجارة إنما هي مِلكٌ للمنافع، والبيع إنما هو مِلكٌ للعين؛ فأنت عندما تستأجر دارًا، تملك منفعتها مدةً

стр. 3169

معينةً، هي ذلك الوقت الذي استأجرتها فيه؛ سنة أو أكثر أو أقل، وعندما تستأجر دكانًا لمدة عامٍ فأنت ملكتَ منافعه لمدة عامٍ، لكن لو اشتريت هذا الدكان فأنت تملك أصله، وكذلك أيضًا تستفيد بمنافعه؛ بأن تُقيمه حانوتًا لك فتبيع فيه وتشتري، أو تُؤجّره على غيرك، إلى غير ذلك من الوسائل المباحة. * قوله: (وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهَا عَلَى قَوْمٍ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ مِنَ الصِّنْفِ الَّذِينَ تُصْرَفُ إِلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ). وأيضًا النوع الآخر أنها على أقوامٍ غير معيَّنين من الأصناف الثمانية الذين تُصرف إليهم الصدقات؛ فهؤلاء تُصرف إليهم الصدقات، فكيف يُطالب بإخراج زكاة مثل هذا النوع؟ هذا هو مراد المؤلف. * قوله: (الَّذِينَ تُصْرَفُ إِلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ، لَا مِنَ الَّذِينَ تَجِبُ عَلَيْهِمْ). مراد المؤلف أنَّ هؤلاء الذين سيستفيدون من هذا الوقف هم أُناسٌ بحاجةٍ إلى الصدقة، وليسوا أُناسًا يتصدقون على غيرهم، فهم فقراء وليسوا أغنياء، وبكل هذا يريد المؤلف أن يؤيد الرأي الأخير، رأي الذين يقولون بالتفريق بين أن تكون موقوفةً على جهةٍ عامةٍ، أو جهةٍ معينةٍ. وقد تكلمنا فيما مضى عن عناية الشريعة أكثر بما يتعلق بمصلحة العامة، وقلنا: مصلحة المجتمع مُقدّمةٌ على مصلحة الفرد، وضربنا أمثلةً على ذلك فيما يتعلق بالقصاص، والحدود، وبكثيرٍ من الأحكام. * قوله: (وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ الْأَرْضُ الْمُسْتَأْجَرَةُ عَلَى مَنْ تَجِبُ زَكَاةُ مَا تُخْرِجُهُ). إذا جئتَ إلى إنسانٍ يملك أرضًا صالحةً للزراعة، ومعلومٌ أنه ليست كل الأراضي صالحة للزراعة؛ فمن الأراضي ما تجد أنها أرض مُنبتةٌ صالحةٌ، وبعض الأراضي ليست بصالحةٍ للزراعة، فإذا ما استأجر إنسان

стр. 3170

قطعة أرضٍ من إنسانٍ يملكها، ودفع إليه أجرتها، ثم بعد ذلك زرعها حَبًّا، ونخلًا، وغير ذلك، فإنَّ الزكاة تجب فيها. لكن على من تجب الزكاة؟ جمهور العلماء يرون أنها تجب في الزرع؛ أي: على المستأجر. وأبو حنيفة يرى أنها على مالك الأرض. وسبب الخلاف: أنَّ جمهور العلماء يقولون إنَّ الزكاة مرتبطةٌ ومتعلقةٌ بهذا الزرع، أو هذه الثمار. وأبو حنيفة يقول: إنَّ الزكاة إنما هي مؤنة الأرض؛ سواءٌ قلنا هي أرضٌ عُشريّة: أي يؤخذ فيها العُشر، أو نصف العشر، فهو يرى أنَّ الزكاة مؤنة، تُؤخذ مؤنةً للأرض، وليس الأمر كذلك، ونحن قد ضعّفنا قول الحنفية، وبيّنا أنَّ القول الراجح هو قول جمهور العلماء، وقد ضربنا عدة أمثلة، أو ذكرنا عدة أقيسةٍ يترجّح بها مذهب جمهور العلماء، منها أنه لو كانت الزكاة على الأرض ما فُرّق بين أرض مزروعةٍ وبين غيرها، وَلَقيل إنَّ ما يُحصل عليه من هذه إنما يُصرف في البيع وليس في الزكاة، وهناك عدة تعليلاتٍ ذكرناها. * قوله: (فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: الزَّكَاةُ عَلَى صَاحِبِ الزَّرْعِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢)). وأحمد (٣).

стр. 3171

* قوله: (وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَبُو ثَوْرٍ (١) وَجَمَاعَةٌ (٢)، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ (٣): الزَّكَاةُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ مِنْهُ شَيْءٌ. وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: هَلِ الْعُشْرُ حَقُّ الْأَرْضِ أَوْ حَقُّ الزَّرْعِ أَوْ حَقُّ مَجْمُوعِهِمَا؟ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إِنَّهُ حَقٌّ لِمَجْمُوعِهِمَا، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ حَقُّ مَجْمُوعِهِمَا، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ حَقٌّ لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ اخْتَلَفُوا فِي أَيِّهِمَا هُوَ أَوْلَى أَنْ يُنْسَبَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ الِاتِّفَاقُ، وَهُوَ كَوْنُ الزَّرْعِ وَالْأَرْضِ لِمَالِكٍ وَاحِدٍ. فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لِلشَّيْءِ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ وَهُوَ الْحَبُّ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لِلشَّيْءِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْوُجُوبِ وَهُوَ الْأَرْضُ). هو حق مجموعهما على اختلاف الأرض، لكن على هذا الوضع لا، لا أوافق المؤلف، نعم هو حقُّ مجموعهما، على أنه قد يؤخذ على الأرض، وقد يؤخذ على الزرع، لا على وجه الجمع بينهما. * قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ إِذَا انْتَقَلَتْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ هَلْ فِيهَا عُشْرٌ مَعَ الْخَرَاجِ أَمْ لَيْسَ فِيهَا عُشْرٌ؟ فَإِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ فِيهَا الْعُشْرَ -أَعْنِي: الزَّكَاةَ- (٤). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ

стр. 3172

وَأَصْحَابُهُ (١): لَيْسَ فِيهَا عُشْرٌ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ -كَمَا قُلْنَا-: هَلِ الزَّكَاةُ حَقُّ الْأَرْضِ، أَوْ حَقُّ الْحَبِّ؟). هذه امتدادٌ للمسألة التي سبقتها، والخلاف بين أبي حنيفة وبين الجمهور في هذه المسائل متعلقٌ بهذه المؤنة؛ هل هي في مقابل الأرض أو الزرع؟ * قوله: (فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ حَقُّ الْأَرْضِ لَمْ يَجْتَمِعْ فِيهَا حَقَّانِ: وَهُمَا الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ، وَإِنْ قُلْنَا: الزَّكَاةُ حَقُّ الْحَبِّ كَانَ الْخَرَاجُ حَقَّ الْأَرْضِ، وَالزَّكَاةُ حَقَّ الْحَبِّ، وَإِنَّمَا يَجِيءُ هَذَا الْخِلَافُ فِيهَا لِأَنَّهَا ملكٌ نَاقِصٌ كَمَا قُلْنَا، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ بَيْعِ أَرْضِ الْخَرَاجِ). وهي مِلكٌ ناقصٌ أيضًا؛ لأنها موقوفةٌ، أرض الخراج إنما هي موقوفة -وأظن أن هذا كله شُرح-، وتكلّمتُ عن عمر ﵁ عندما تكلم في أرض الخراج، وحصل خلافٌ بين الصحابة، واستدلَّ بالآيات، وقلنا: سيأتي لهذا تفصيل أكثر -إن شاء اللَّه-. * قوله: (وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ بَيْعِ أَرْضِ الْخَرَاجِ). هذه مسألة مهمة جدًّا، هل يجوز للمسلم أن يبيع أرضه إلى ذمّيٍّ أو لا يجوز؟

стр. 3173

من العلماء من كره ذلك، ومنهم من قال: يَحرم ذلك، ومنهم من لم يرَ بأسًا في ذلك (١)، وأكثر العلماء تحفظًا هو الإمام مالك، ولا شك أنَّ الإمام مالكًا ﵀ وجهته ظاهرةٌ في هذا؛ لأنَّ هذا من باب الإعانةِ لهم، ومن باب تقويتهم، فهو لا يرى أن تُؤجّر لهم الأرض أو أن تُباع لهم، وإنما ينبغي دائمًا أن يكونوا دون غيرهم؛ حتى يكون ذلك دافعًا لهم إلى الدخول في الإسلام، فينبغي ألا تكون لهم الرفعة على المؤمنين، وألا يكونوا مساوين لهم. * قوله: (وَأَمَّا إِذَا انْتَقَلَتْ أَرْضُ الْعُشْرِ إِلَى الذِّمِّيِّ يَزْرَعُهَا: فَإِنَّ الْجُمْهُورَ (٢) عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ، وَقَالَ النُّعْمَانُ (٣): إِذَا اشْتَرَى الذِّمِّيُّ أَرْضَ عُشْرٍ تَحَوَّلَتْ أَرْضَ خَرَاجٍ). هنا عدل المؤلف عن منهجه السابق؛ فهو كثيرًا ما يقول: أبو حنيفة، وهنا قال: النعمان، وهو يقصد به أيضًا أبا حنيفة. * قوله: (فَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْعُشْرَ هُوَ حَقُّ أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْخَرَاجُ هُوَ حَقُّ أَرْضِ الذِّمِّيِّينَ، لَكِنْ كَانَ يَجِبُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ إِذَا انْتَقَلَتْ

стр. 3174

أَرْضُ الْخَرَاجِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ تَعُودَ أَرْضَ عُشْرٍ، كَمَا أَنَّ عِنْدَهُ إِذَا انْتَقَلَتْ أَرْضُ الْعُشْرِ إِلَى الذِّمِّيِّ عَادَتْ أَرْضَ خَرَاجٍ، وَيَتَعَلَّقُ بِالْمَالِكِ مَسَائِلُ أَلْيَقُ الْمَوَاضِعِ بِذِكْرِهَا هَذَا الْبَابُ). يتعلق بالمالك؛ أي: الذي عنده مالٌ؛ سواءٌ كان من النقدين، أو من الماشية، أو من الحبوب والثمار، هناك أمورٌ تتعلق به؛ لأنه هو الذي يُخرج الزكاة، وهي مسائل يليق ذكرها في هذا الباب؛ فهي تتعلق بما أشرتُ إليه من قبل فيما إذا تلف مال الزكاة أو بعضه. * قوله: (أَحَدُهَا: إِذَا أَخْرَجَ الْمَرْءُ الزَّكَاةَ فَضَاعَتْ). إنسانٌ أخرج الزكاة ثم ضاعت، وضعها في مكانٍ معينٍ ثم ضاعتْ، فما الحكم هنا؟ هذه فيها أقوال متعددةٌ، وخلافٌ مشهورٌ بين العلماء، بعضهم يرى أنه لا شيء عليه؛ لأنه رجل أدّى ما عليه، أخرج الزكاة فوضعها في مكانٍ، فأراد أن يُسلّمها فضاعت، أو سلّمها إلى جهةٍ لتوصلها فضاعت، فلم تصل إلى أيدي مستحقيها. وبعض أهل العلم يرى أنه لا شيء عليه في ذلك؛ يقولون: هو أدّى الواجب. وبعضهم يقول: لا، بل يلزمه أن يؤدي عوضًا عنها. وبعضهم يُفرّق بين أن يُفرّط أو لا يُفرّط، وبين أن يتمكَّن أو لا يتمكن. * قوله: (وَالثَّانِيَةُ: إِذَا أَمْكَنَ إِخْرَاجُهَا فَهَلَكَ بَعْضُ الْمَالِ قَبْلَ الْإِخْرَاجِ). مراد المؤلِّف: إذا أمكن إخراجها فلم يُخرجها فهلك المال، لو أمكن إخراجها وأخرجها انتهى الأمر، لكن أمكن إخراجها، فلم يبادر في إخراجها، فتلف المال، فما الحكم هنا؟

стр. 3175

* قوله: (وَالثَّالِثَةُ: إِذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ زَكَاةٌ). الثالثة: مات إنسانٌ حال عليه الحول، لكن اخترمته المنيّة قبل أن يؤدي زكاة ماله، فما الحكم هنا؟ هل ينتقل الحكم إلى الورثة؟ وإذا انتقل فكيف يُخرج؟ هل يُخرج من أصل المال؟ أو من الثُلث الذي يوصِي به؟ وإن قلنا: من الثُلث فكيف يُخرج؟ هذه كله فيه كلامٌ للعلماء. * قوله: (وَالرَّابِعَةُ: إِذَا بَاعَ الزَّرْعَ أَوِ الثَّمَرَ وَقَدْ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ عَلَى مَنِ الزَّكَاةُ؟). كذلك إذا وجبت الزكاة في زرعٍ، فباعه صاحبه ولم يُخرج الزكاة، فالزكاة متعيّنةٌ هنا، فهل بيعُ الزرعِ قبل إخراج الزكاة يُفسد البيع أو لا يُفسده؟ إن قلنا: لا يُفسده فمَن المُلزَم بأداء الزكاة؟ أهو البائع الذي لزمته؛ لأنها وجبت عليه، وهذه الأموال في ذمته؟ أو أنها تكون على المُشترِي؟ ولو قيل على المشتري فهل يُسلّمها ويرجع على البائع؟ هذا كله فيه كلامٌ أيضًا معروفٌ، ومشهورٌ في الفقه، نحن الآن نقرأ المقدِّمات ونسردها، ولما ندخل فيها بعد. * قوله: (وَكذَلِكَ إِذَا وَهَبَهُ). كذلك أيضًا إذا وهبه، وهذا يسميه الفقهاء نوعًا آخر، وعادة الفقهاء -وبخاصةٍ أصحاب الكتب المشهورة- أنهم يتوسعون في العنوان، فيقولون: إذا استفاد مالًا؛ لأنَّ المال المُستفاد ليس هبةً فقط، قد يكون -كما قلنا- بشراءٍ، وقد يكون جاءه عن طريق وقفٍ بأن وُقف عليه شيءٌ، أو على أُناسٍ فجاءه نصيبه، وقد يكون ورث مالًا، وقد يكون أيضًا أُهدي إليه -كما ذكر المؤلف-، فالأسباب كثيرةٌ، والوسائل متعددةٌ. لماذا يتعمَّق الفقهاء ﵏ في مثل هذه المسائل؟ المؤلف هنا دخل في مسائل جزئية؛ فهو أحيانًا يخرم القاعدة التي

стр. 3176

سار عليها، ويقول إنه يتكلم عن الكليات، ولا شك أنَّ هذه المسائل الأربعة التي أدرجها لا تُعد في أمهات المسائل، وإنما في متوسطها أو في فروعها، لكنه ذكرها؛ لأنها ذات علاقةٍ، ويُحتاج إليها، فجعلها من هذا المنطلق بمثابة مسائلَ كليةٍ تتفرع عنها مسائل أخرى. * قوله: (فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الأُولَى - وَهِيَ إِذَا أَخْرَجَ الزَّكَاةَ فَضَاعَتْ). إنسانٌ أخرج الزكاة من ماله فضاعت، فهل الحكمة في إخراج الزكاة أن يُخرجها الإنسان من حوزته وتبرأ ذمته بذلك الإخراج؟ أو أنَّ المطلوب أن يوصلها إلى أيدي مستحقيها؟ هذا هو سبب الخلاف هنا؛ فمن العلماء من يقول: ما دام أخرجها وضاعت برئت ذمته، وفريقٌ آخر من العلماء يقول: لا، لا تبرأ ذمته إلا أن يضعها في أيدي مستحقيها، أو في أيدٍ أمينةٍ تُوصلها إلى مستحقيها. ثم بعد ذلك يتكلمون: هل هناك فرقٌ بين أن يكون الإخراج بعد الوجوب مباشرةً، وبين أن يتأخر في ذلك، فيتمكن من الإخراج ولا يُخرِج إلا بعد وقتٍ؟ ففي هذا الوقت الذي تساهل فيه ضاعت الزكاة، وهل هناك فرقٌ بين إنسانٍ فرّط وبين إنسانٍ لم يُفرّط؟ إنسانٌ وضع الزكاة في حرزٍ أمينٍ وحافظ عليها، بحيث لا يُوصل إليها إلا بصعوبةٍ، ومع ذلك وُصل إليها، هذا لا يعد مُفرّطًا، لكن إنسانٌ وضعها في مكانٍ يطرقه الناس ربما يوصل إليها هذا يعد مُفرّطًا، أو أعطاها، أو سلّمها لإنسانٍ غير أمينٍ، أو إنسانٍ لا يعرفه وليس مأمونًا عليها، فهذا مُفرّطٌ، هذه وقع فيها خلافٌ بين العلماء. * قوله: (فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: تُجْزِئ عَنْهُ، وَقَوْمٌ قَالُوا (١): هُوَ لَهَا ضَامِنٌ حَتَّى يَضَعَهَا مَوْضِعَهَا).

стр. 3177

هذا القول الثاني هو روايةٌ للحنابلة (١). * قوله: (وَقَوْمٌ فَرَّقُوا بَيْنَ أَنْ يُخْرِجَهَا بَعْدَ أَنْ أَمْكَنَهُ إِخْرَاجُهَا، وَبَيْنَ أَنْ يُخْرِجَهَا أَوَّلَ زَمَانِ الْوُجُوبِ وَالْإِمْكَانِ). وهو أيضًا قولٌ للحنابلة، وهي أقوالٌ أيضًا للعلماء. * قوله: (فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ أَخْرَجَهَا بَعْدَ أَيَّامٍ مِنَ الْإِمْكَانِ وَالْوُجُوبِ ضَمِنَ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا فِي أَوَّلِ الْوُجُوبِ وَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ لَمْ يَضْمَنْ). مذهب الحنابلة في الرواية الأُخرى والشافعية متقاربٌ، لكنَّ الشافعية قيّدوا ذلك بالتفريط، فرّط أو لم يُفرّط، فقالوا: إن فرّط ضمنَ وإن لم يُفرّط فلا، والحنابلة قيّدوا ذلك بالإمكانِ وعدمه، فإن أمكنه إخراجها ولم يُخرجها ضمنَ، وإن لم يتمكَّن من إخراجها لسببٍ ومانعٍ من الموانع فلا يضمن. "بعد أيامٍ"؛ لأنَّ الزكاة على الفور، وهذا لم يُخرجها فورًا، فتأخر فيها بعد أن تمكَّن من إخراجها. لكن هنا يرد سؤالٌ: هل للإنسان إذا ما وجبت الزكاة في ماله أن يؤخّرها بعض الوقت بحثًا عن أُناسٍ هم أليق بها وأحوج إليها؟ قد يكون الإنسان يعرف فقراء، لكن يريد أن يتحرى ويبحث عن أُناسٍ لا يسألون الناس إلحافًا، فهل له ذلك؟

стр. 3178

قال العلماء: له ذلك شريطةَ ألا يتأخَّر في هذا الأمر؛ لأن التأخر في الزكاة قد يؤدي إلى ضياعها وإلى تلفها، فينبغي أن يبادر فيه، لكن إن كان واثقًا أنه إذا بحث سيجد أُناسًا هم أشد من الذين بين يديه، فله أيضًا أن يسأل عنهم. * قوله: (وَإِنْ أَخْرَجَهَا فِي أَوَّلِ الْوُجُوبِ وَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ لَمْ يَضْمَنْ وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ (١)، وَقَوْمٌ قَالُوا: إِنْ فَرَّطَ ضَمِنَ، وَإِن لَمْ يُفَرِّطْ زَكَّى مَا بَقِيَ). وهذا هو مذهب الشافعيِّ. * قوله: (وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَالشَّافِعِيُّ (٢)). أبو ثورٍ -كما هو معلومٌ- ينسبه البعض إلى الشافعية، لكنه له آراء مستقلةٌ قد ينفرد بها عن الأئمة -كما مرَّ بنا من قبل-، وربما يخالف مذهب الشافعية، فهو من الأئمة، ومن العلماء الذين لهم آراء مستقلةٌ لا بتقيدون بالمذهب، هذا على القول بأنه من رجال مذهب الشافعية. * قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ يَعُدُّ الذَّاهِبَ مِنَ الْجَمِيعِ وَيَبْقَى الْمَسَاكِينُ وَرَبُّ الْمَالِ شَرِيكَيْنِ فِي الْبَاقِي بِقَدْرِ حَظِّهِمَا مِنْ حَظِّ رَبِّ الْمَالِ). ما دام ضاع هذا الشيء فينبغي أن يكون هناك عدالةٌ، وهذه العدالة تقتضي المشاركة؛ فكلٌّ يأخذ بقدر حقه؛ فإذا كان المال مثلًا قد نزل عن نصاب الزكاة أخذ المساكينُ النسبةَ المحدَّدة من الأصل فيما لو كان

стр. 3179

نصابًا، إذًا يكونان شريكين فيه، كالحال بالنسبة للشريكين لو ضاع المال الذي بيد أحدهما لا يذهب حق الآخر في المال الآخر ما لم يُفرّط، فهذا أيضًا رأيٌ وله تعليله كما رأينا. ونحن نقول: إنَّ الإنسان إذا وجبت عليه الزكاة، فلم يُفرّط في إخراجها، وإنما حصل أمرٌ من الأمور الخارجة عن إرادته، فإنه في هذه الحالة لا يضمن، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، لكن أن يُفرّط الإنسان أو أن يتأخَّر، فإنه يتحمل نتيجة فعله، لكن ألا يحصل منه تفريطٌ، وألا يتأخر في أداء الزكاة، ولم يُقصّر في إيصالها إلى أهلها، فهذا يقتضي عموم هذه الشريعة وأصولها ألا يتحمل مثل تلك النتيجة. * قوله: (مِثْلُ الشَّرِيكَيْنِ يَذْهَبُ بَعْضُ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا وَيَبْقَيَان شَرِيكَيْنِ عَلَى تِلْكَ النِّسْبَةِ فِي الْبَاقِي). لا بقدر حظِّهما من المال، -رب المال هذه أظنها زائدة-، يبقى نصيبهما بقدر حظهما من المال، فالعبارة فيها تعقيبٌ، ويبدو لي أنها زائدةٌ، وأنها داخلةٌ من الطباعة. * قوله: (فَيَتَحَصَّلُ فِي الْمَسْأَلَةِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ). وهذا ليس على إطلاقه، فلو أنَّ شريكين يشتركان في مالٍ، وذهب المال الذي في يدي أحدهما فإنَّ مال الآخر يبقى، فقد يذهب بالمال فيضعه في فلاةٍ، ويتركه في مكانٍ تكثر فيه الذئاب ويدعه، هذا مُفرّط، فالقصد هنا من حيث الجملة لا التفصيل، وهذه المسألة ستأتي إن شاء اللَّه. * قوله: (قَوْلٌ: إِنَّهُ لَا يَضْمَنُ بِإِطْلَاقٍ). "قولٌ: أنه لا يضمن بإطلاق": ما دام قد أخرجها برئت ذمته ولا شيء عليه، وهذا هو أضعف الأقوال.

стр. 3180

* قوله: (وَقَوْلٌ: إِنَّهُ يَضْمَنُ بِإِطْلَاقٍ). وقول: "يضمن بإطلاق"، وهذا أيضًا فيه تشددٌ. * قوله: (وَقَوْلٌ: إِنْ فَرَّطَ ضَمِنَ وَإِنْ لَمْ يُفَرِّطْ لَمْ يَضْمَنْ). هذا -في نظري- هو أعدل الأقوال وأقربها. * قوله: (وَقَوْلٌ: إِنْ فَرَّطَ ضَمِنَ وَإِنْ لَمْ يُفَرِّطْ زَكَّى مَا بَقِيَ). وهذا قريبٌ من السابق؛ لأنَّ فيه مراعاة لحال الفقراء. * قوله: (وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ: يَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ فِي الْبَاقِي (١)). * قوله: (وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا ذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِ بَعْدَ الْوُجُوبِ وَقَبْلَ تَمَكُّنِ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ). مراد المؤلف هنا: إذا تلِف بعض المال، والمال إذا تلف كله أو بعضه قبل وجوب الزكاة فلا شيءَ فيه، لكن هذا المال تلف كلَّه أو بعضه بعد وجوب الزكاة، فهل يضمن صاحبه أو لا؟ الأقوال -فيما أذكر في ذلك- أربعةٌ، وهي على صلةٍ بالمسألة الأولى: - الرواية الأولى عند الحنابلة -وهي مشهورةٌ-: أنه يضمن على كل حالٍ. - الروايةُ الثانية: التفريق بين أن يتمكَّن أو لا يتمكَّن؛ فإن تمكَّن ولم يُخرج فهو ضامنٌ، وإن لم يتمكَّن فلا ضمان عليه، لا يضمن المُتلَف. - الرواية الثالثة: ومن العلماء من فرّق -وهم الحنفية- فقال: لا ضمان عليه إلا أن يطلبها منه الإمامُ فيمنعها، يعني يتوقف في إخراجها، في هذه الحالة يلزمه.

стр. 3181

القول الرابع: وبعض العلماء قال: لا ضمان عليه إلى أن يأتيه المصدّق: أي الذي يأخذ الصدقات. هذه هي الأقوال الأربعة في هذه المسألة، وهي شبيهةٌ بالمسألة السابقة. * قوله: (فَقَوْمٌ قَالُوا: يُزَكي مَا بَقِيَ، وَقَوْمٌ قَالُوا: حَالُ الْمَسَاكِين وَحَالُ رَبِّ الْمَالِ حَالُ الشَّرِيكَيْنِ يَضِيعُ بَعْضُ مَالِهِمَا). المؤلف هنا لم يبحثها؛ اكتفاءً بما ذكره فيما سبق، لكن -كما قلت-: - من العلماء من قال: هو ضامن مطلقًا، وهذا هو مشهور مذهب أحمد. - القول الثاني: التفريق بين أن يتمكن أو لا يتمكن، فيضمن إن تمكن فلم يُخرج، ولا يضمن إن لم يتمكن، وهذا أيضًا هو مذهب الشافعي. - القول الثالث: هو مذهب أبي حنيفة: لا تلزمه زكاة؛ بمعنى لا يضمن، تسقط عنه الزكاة في هذه الحالة، إلا أن يطلبها الإمام فيمنعها، يعني: يمتنع عن أدائها؛ ففي هذه الحالة يلزمه لو ضاع؛ لأنه بذلك قصّر، طُلبت منه الزكاة فأبى أن يدفعها فضاعت، فيكون ضامنًا لها. - الرابع: تقييد ذلك بالماشية، وهذا هو مذهب المالكية. * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: تَشْبِيهُ الزَّكَاةِ بِالدُّيُونِ أَعْنِي: أَنْ يَتَعَلَّقَ الْحَقُّ فِيهَا بِالذِّمَّةِ لَا بِعَيْنِ الْمَالِ-). الديون أنواعٌ، ديْنٌ قد يكون من كذا، وديْنٌ يكون من كذا، ومعلوم أنَّ الديْن يتعلق بذمة المدِين، ولا يتعلق بالعين نفسها، لكن حق الموكّل يتعلق بالعين دائمًا، والوكيل وغيره من الذين سماهم المؤلف: الأمناء،

стр. 3182

أي: الذين تُوكل إليهم الأمور، ويوكّلون فيها، فهؤلاء دائمًا يتعلق الحق فيهما بالعينِ، وفرن بين أن يتعلق الحقُّ بالذمة، وبين أن يتعلَّق بالعين، لأنَّ الذي يتعلق بالذمة لا يسقط بتلفه وزواله، إلا على التعليلات التي ذكرنا. وأما ما تعلق بالعين فإنه يسقط بذهاب العينِ، إلا أن يُوجد تفريطٌ، كما لو وكّل إنسانٌ على مال أيتام فضيّع بعضه، فإنه لا يضمن إذا كان أمينًا على هذا المال، لكن لو فرّطً يضمن؛ لأنَّ هذا فيه ضررٌ على اليتيم، وهكذا. هذا هو الذي يريد المؤلف أن يبحثه، وهو الذي جعله سبب الخلاف، وأسّس المسائل متفرعةً عنه. * قوله: (أَوْ تَشْبِيهُهَا بِالْحُقُوقِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الْمَالِ لَا بِذِمَّةِ الَّذِي يَدُهُ عَلَى الْمَالِ كَالْأُمَنَاءِ وَغَيْرِهِمْ، فَمَنْ شَبَّهَ مَالِكِي الزَّكَاةِ بِالْأُمَنَاءِ قَالَ: إِذَا أُخْرِجَ فَهَلَكَ الْمُخْرَجُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ). لأن الحق متعلقٌ بالعين، والعين قد ذهبت وزالت، فذهب الحقُّ تبعًا لذهابها، هذا هو مراد المؤلِّف. * قوله: (وَمَنْ شَبَّهَهُمْ بِالْغُرَمَاءِ قَالَ: يَضْمَنُونَ). الغرماء: أصحاب الديون، فحقوقهم لا تتعلق بالعين، فلو أنَّ المدين اشترى مثلًا سلعةً من السلع فتلفت، هل نقول إن حق المدِين قد ذهب؟ أو أنَّ صاحب الدين قد سقط حقه؟ لا، هو متعلقٌ بذمة هذا الإنسان، إلا أن يعفو ويتجاوز، هذا أمر طيبٌ، وقد رغّبت فيه الشريعة، لكننا نقرّر حكمًا شرعيًّا، فلا شك -كما ذكر المؤلف- أنَّ الصورتين مختلفتان، ففرقٌ بين ما يتعلق بالذمة، فيدور معها، وبين ما هو متعلقٌ بالمال: وهو ما يُعرف بالتعلق بالعين، فيدور معها وجودًا وعدمًا، يوجد بوجود العين، ويذهب بذهابها.

стр. 3183

* قوله: (وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ التَّفْرِيطِ وَلَا تَفْرِيطٍ أَلْحَقَهُمْ بِالْأُمَنَاءِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، إِذْ كَانَ الْأَمِينُ يَضْمَنُ إِذَا فَرَّطَ). لا شك أنَّ الإنسان إذا أُمِن على أمرٍ وُكِّل فيه، وقصر فيه تقصيرًا واضحًا، فإنه يضمن في هذه الحالة. * قوله: (وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِذَا لَمْ يُفَرِّطْ زَكَّى مَا بَقِيَ فَإِنَّهُ شَبَّهَ مَنْ هِلَك بَعْضُ مَالِهِ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ بِمَنْ ذَهَبَ بَعْضُ مَالِهِ قَبْلَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ). يعني: أحيانًا يذهب المال قبل وجوب الزكاة؛ فإذا ما جاء وقت الوجوب يكون المال قد نقص عن النصاب فلا تجب، فيريد أن يشبه ما ذهب بعد وجوب الزكاة بما ذهب قبله، فلما كان ذهاب بعض المال قبل الزكاة يمنع وجوب الزكاة، فكذلك أيضًا ينبغي أن يكون ما يذهب بعدها. * قوله: (كَمَا أَنَّهُ إِذَا وَجَبَتِ الزَّكَاةُ عَلَيْهِ فَإِنَّمَا يُزَكي الْمَوْجُودَ فَقَطْ، كَذَلِكَ هَذَا إِنَّمَا يُزَكِّي الْمَوْجُودَ مِنْ مَالِهِ فَقَطْ). لا شك أنَّ الذين قالوا من الفقهاء بأنَّ ما بقي تكون الزكاة فيه مهما قلَّ، حتى قال بعضهم: ولو عشرة دراهمٍ؛ فإنه يُعطي الفقير منها بنسبته، فهؤلاء العلماء إنما قصدوا من ذلك التخفيف، فلا ينبغي أن يتحملَ الفقيرُ الضررَ، وإنما ينبغي أن يكونا شريكيْن؛ المالِك، ومستحقِّ الزكاة. * قوله: (وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ: هُوَ تَرَدُّدُ شِبْهِ الْمَالِكِ بَيْنَ الْغَرِيمِ وَالْأَمِينِ وَالشَّرِيكِ وَمَنْ هَلَكَ بَعْضُ مَالِهِ قَبْلَ الْوُجُوبِ). بين الغريم: الذي هو صاحب الديْن، والأمين: الذي يكون أمينًا على أمرٍ من الأمور؛ كالأمين على اليتيم، والوكيل، وكذلك أيضًا المضارِب الذي يشتغل في مال المضاربَة، وهناك أمثلة كثير جدًّا، إن شاء اللَّه نتحدث عنها تفصيلًا في أحكام البيوع.

стр. 3184

* قوله: (وَأَمَّا إِذَا وَجَبَتِ الزَّكَاةُ وَتَمَكَّنَ مِنَ الْإِخْرَاجِ فَلَمْ يُخْرِجْ حَتَّى ذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِ، فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ فِيمَا أَحْسَبُ أَنَّهُ ضَامِنٌ إِلَّا فِي الْمَاشِيَةِ عِنْدَ مَنْ رَأَى أَنَّ وُجُوبَهَا إِنَّمَا يَتِمُّ بِشَرْطِ خُرُوجِ السَّاعِي مَعَ الْحَوْلِ). هذه إشارةٌ إلى مذهب مالكٍ؛ يعني هو يريد أن يقول: العلماء شِبه متفقين على أنه إذا حصل تقصيرٌ فإنه يضمن، إلا فيما يتعلق بالماشية التي تتطلب أن يخرج المصدّق: أي: الذي يتسلم الصدقة، وهو الذي يُرسله الإمام ليتسلم الصدقة، فلا يعد مفرطًا ما لم يذهب لا يعتبر مفرّطًا؛ لأنه ينتظر مجيئه وهو لم يأتِ بعد؛ فلا يكون ضامنًا. * قوله: (وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ). نعم، وهو كما قال. * قوله: (وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ -وَهِيَ إِذَا مَاتَ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ-). هذه مسألة مهمةٌ، وينبغي للإنسان دائمًا أن يتحرى في هذا الأمر، ولا يتساهل؛ لأنَّ الإنسان في هذه الحياة لا يستطيع أن يقطع بأن يعيش ولو لحظاتٍ في هذه الحياة، فأمر الموت إنما هو بيد اللَّه ، فقد تجد إنسانًا مريضًا متعبًا يعيش سنين كثيرة، وقد تجد إنسانًا في غاية الصحة وفي غاية النشاط، وتخترمه المنية بين عشيةٍ وضحاها. فلا ينبغي للإنسان أن يقصِّر في حقٍّ من حقوق اللَّه ، سواء كان ذلك الحق متعلقًا بالأوامر التي يجب أداؤها، أو كان متعلقًا بالنواهي التي ينبغي للإنسان أن يبتعد عنها؛ فرسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا نهيتكم عن أمرٍ فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم"، فينبغي للمسلم إذا ما حلت زكاة ماله، أن يبادر في ذلك؛ حتى لا يترك ذلك لغيره. * قوله: (فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: يُخْرَجُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ

стр. 3185

وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَوْمٌ قَالُوا: إِنْ أَوْصَى بِهَا أُخْرِجَتْ عَنْهُ مِنَ الثُّلُثِ). فإذا ما مات هذا الإنسان وقد وجبت الزكاة في ماله، فما الحكم في ذلك؟ هل يخرج من أصل ماله وهذا هو الظاهر؟ أو أنَّ المال أصبح ملكًا لغيره ومرتبطًا بهم، وهو ليس له من هذا المال إلا ما يتعلق بوصيةٍ يوصيها، وليس له أن يزيد على الثلث؛ لأنَّ الرسول ﷺ قال: "الثلث والثلثُ كثيرٌ"، في قصة عبد الرحمن بن عوف: "إنك إن تدع ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تدعَهَم عالةً يتكفَّفون الناس". إذًا للإنسان أن يوصي بالثلث، لكن قد لا يوصي وتكون عليه ديونٌ، فإنها تسدَّد أول ما تسدد من التركة. * قوله: (وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: يَبْدَأُ بِهَا إِنْ ضَاقَ الثُّلُثُ). كذلك ما يتعلق بالأكفان التي يحتاج إليها الميت، وقد سبق أن عرضنا لهذا في أحكام الجنائز. هذا إذا مات الإنسان ولم يخرج زكاته. * قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَبْدَأُ بِهَا، وَعَنْ مَالِكٍ الْقَوْلَانِ جَمِيعًا، وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ). هذه آخر المسائل الفروع التي بعدها سينتقل إلى حكم من منع الزكاة. إذا باع إنسانٌ ماله، كأن باع مزرعته بعد أن وجبت الزكاة فيما فيها من حبوبٍ وثمار، فما الحكم هنا؟ هل يصحُّ البيع أو لا؟ بعض العلماء يقول: إنَّ البيع فاسدٌ؛ لأنه تصرف في أمرٍ لغيره حقٌّ فيه، فلا يجوز له، هذا واحدٌ، فإن وقع البيع فإنه يفسد.

стр. 3186

وبعض أهل العلم يقول: لا، بل ينفذ البيع، وعلى البائع أن يدفع زكاة المال؛ لأنها مرتبطةٌ به. هل لمن اشترى هذا المال أن يدفع الزكاة ويعود عليه؟ فيه عدةُ أقوال. * قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْمَالِ يُبَاعُ بَعْدَ وُجُوبِ الصَّدَقَةِ فِيهِ، فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: يَأْخُذُ الْمُصَّدِّقُ الزَّكَاةَ). لكن الأصل أنه لا ينبغي للإنسان أن يبيع مالًا وجبت فيه الزكاة، إلا أن يخرجها قبل ذلك، فيخرج الزكاة ثم يبيع، هذا هو الأصل الذي ينبغي أن يفعله المسلم. * قوله: (فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: يَأْخُذُ الْمُصَّدِّقُ الزَّكَاةَ مِنَ الْمَالِ نَفْسِهِ وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِقِيمَتِهِ عَلَى الْبَائِعِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ (١)). يأخذها من المال ثم يرجع المشتري على البائع، هذا رأيٌ. * قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: الْبَيْعُ مَفْسُوخٌ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٢)، وَقَالَ

стр. 3187

أَبُو حَنِيفَةَ (١): الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ إِنْفَاذِ الْبَيْعِ وَرَدِّهِ، وَالْعُشْرُ مَأْخُوذٌ مِنَ الثَّمَرَةِ أَوْ مِنَ الْحَبِّ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَقَالَ مَالِكٌ (٢): الزَّكَاةُ عَلَى الْبَائِعِ (٣)). وبه قال مالكٌ وأحمد. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ:). وهذا -كما نرى- واضحٌ بالنسبة للمسألة: الزكاة على البائع؛ فهو المسؤول عنها، زكاةٌ وجبت عليه في مالٍ وهو في ملكه، فليس له أن يفرَّ منها، عليه أن يدفع الزكاة ويبقى البيع نافذًا. * قوله: (تَشْبِيهُ بَيْعِ مَالِ الزَّكَاةِ بِتَفْوِيتِهِ وَإِتْلَافِ عَيْنِهِ، فَمِنْ شَبَّهَهُ بِذَلِكَ قَالَ: الزَّكَاةُ مُتَرَتِّبَةٌ فِي ذِمَّةِ الْمُتْلِفِ وَالْمُفَوِّتِ. وَمَنْ قَالَ: الْبَيْعُ لَيْسَ بِإِتْلَافٍ لعَيْنِ الْمَالِ وَلَا تَفْوِيتٍ لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ بَاعَ مَا لَيْسَ لَهُ، قَالَ: الزَّكَاةُ فِي عَيْنِ الْمَالِ، ثُمَّ هَلِ الْبَيْعُ مَفْسُوخٌ أَوْ غَيْرُ مَفْسُوخٍ نَظَرٌ آخَرُ

стр. 3188

يُذْكَرُ فِي بَابِ الْبُيُوعِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ اخْتِلَافُهُمْ فِي زَكَاةِ الْمَالِ الْمَوْهُوبِ، وَفِي بَعْضِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الَّتِي ذَكَرْتَا تَفْصِيلٌ فِي الْمَذْهَبِ، لَمْ نَرَ أَنْ نتَعَرَّضَ لَهُ إِذْ كَانَ غَيْرَ مُوَافِقٍ لِغَرَضِنَا مَعَ أَنَّهُ يَعْسُرُ فِيهَا إِعْطَاءُ أَسْبَابِ تِلْكَ الْفُرُوقِ لِأَنَّهَا أَكْثَرُهَا اسْتِحْسَانِيَّةٌ، مِثْلُ تَفْصِيلِهِمُ الدُّيُونَ الَّتِي تُزَكَّى مِنَ الَّتِي لَا تُزَكَّى، وَالدُّيُونَ الْمُسْقِطَةَ لِلزَّكَاةِ مِنَ الَّتِي لَا تُسْقِطُهَا. فَهَذَا مَا رَأَيْنَا أَنْ نَذْكُرَهُ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ، وَهِيَ مَعْرِفَةُ مَنْ تجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَشُرُوطُ الْمِلْكِ الَّتِي تجِبُ بِهِ، وَأَحْكَامُ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ. وَقَدْ بَقِيَ مِنْ أَحْكَامِهِ حُكْمٌ مَشْهُورٌ، وَهُوَ: مَاذَا حُكْمُ مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ وَلَمْ يَجْحَدْ وَجُوبَهَا؟ فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ (١) ﵁ إِلَى أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ، وَبِذَلِكَ حَكَمَ فِي مَانِعِ الزَّكَاةِ مِنَ الْعَرَبِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَاتَلَهُمْ وَسَبَى ذُرِّيَّتَهُمْ، وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ عُمَرُ ﵁ وَأَطْلَقَ مَنْ كَانَ اسْتُرِقَّ مِنْهُمْ، وَبِقَوْلِ عُمَرَ قَالَ الْجُمْهُورُ (٢)،

стр. 3189

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3190

وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ (١) إِلَى تَكْفِيرِ مَنْ مَنَعَ فَرِيضَةً مِنَ الْفَرَائِضِ وَإِنْ لَمْ يَجْحَدْ وُجُوبَهَا. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلِ اسْمُ الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْكُفْرِ يَنْطَلِقُ عَلَى الِاعْتِقَادِ دُونَ الْعَمَلِ فَقَطْ، أَوْ مِنْ شَرْطِهِ وُجُودُ الْعَمَلِ مَعَهُ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ وُجُودَ الْعَمَلِ مَعَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ حَتَّى لَوْ لَمْ يَلْفِظْ بِالشَّهَادَةِ إِذَا صدَّقَ بِهَا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُؤْمِنِ عِنْدَ اللَّهِ، وَالْجُمْهُورُ -وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ- عَلَى أَنَّهُ). هناك من يلبس الأمور؛ هناك من يطلق أهل السنة، ويقصد بهم الأشاعرة أحيانًا، لكن من هم أهل السنة؟ أهل السنة هم الذين أشار إليهم الإمام الشافعي، وهم الذين قالوا إنَّ الإيمان قولٌ، وعملٌ، ونيةٌ، وهذا أجمع عليه أصحاب رسول اللَّه، إذن لا خلاف في المسألة بين أصحاب رسول اللَّه، ولا بين التابعين لهم بإحسانٍ، ولا بين تابعيهم ممن عرفوا الحق، لكن -كما هو معلومٌ- دخلت علومٌ على الأمة الإسلامية، ووُجد من أعداء الإسلام من دخلوا في صفوف المسلمين، فدسوا السُّم -كما
следующие страницы →