وبعض أهل العلم يقول: لا، بل ينفذ البيع، وعلى البائع أن يدفع زكاة المال؛ لأنها مرتبطةٌ به.
هل لمن اشترى هذا المال أن يدفع الزكاة ويعود عليه؟ فيه عدةُ أقوال.
* قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْمَالِ يُبَاعُ بَعْدَ وُجُوبِ الصَّدَقَةِ فِيهِ، فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: يَأْخُذُ الْمُصَّدِّقُ الزَّكَاةَ).
لكن الأصل أنه لا ينبغي للإنسان أن يبيع مالًا وجبت فيه الزكاة، إلا أن يخرجها قبل ذلك، فيخرج الزكاة ثم يبيع، هذا هو الأصل الذي ينبغي أن يفعله المسلم.
* قوله: (فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: يَأْخُذُ الْمُصَّدِّقُ الزَّكَاةَ مِنَ الْمَالِ نَفْسِهِ وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِقِيمَتِهِ عَلَى الْبَائِعِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ (١)).
يأخذها من المال ثم يرجع المشتري على البائع، هذا رأيٌ.
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: الْبَيْعُ مَفْسُوخٌ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٢)، وَقَالَ
стр. 3187
أَبُو حَنِيفَةَ (١): الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ إِنْفَاذِ الْبَيْعِ وَرَدِّهِ، وَالْعُشْرُ مَأْخُوذٌ مِنَ الثَّمَرَةِ أَوْ مِنَ الْحَبِّ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَقَالَ مَالِكٌ (٢): الزَّكَاةُ عَلَى الْبَائِعِ (٣)).
وبه قال مالكٌ وأحمد.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ:).
وهذا -كما نرى- واضحٌ بالنسبة للمسألة: الزكاة على البائع؛ فهو المسؤول عنها، زكاةٌ وجبت عليه في مالٍ وهو في ملكه، فليس له أن يفرَّ منها، عليه أن يدفع الزكاة ويبقى البيع نافذًا.
* قوله: (تَشْبِيهُ بَيْعِ مَالِ الزَّكَاةِ بِتَفْوِيتِهِ وَإِتْلَافِ عَيْنِهِ، فَمِنْ شَبَّهَهُ بِذَلِكَ قَالَ: الزَّكَاةُ مُتَرَتِّبَةٌ فِي ذِمَّةِ الْمُتْلِفِ وَالْمُفَوِّتِ. وَمَنْ قَالَ: الْبَيْعُ لَيْسَ بِإِتْلَافٍ لعَيْنِ الْمَالِ وَلَا تَفْوِيتٍ لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ بَاعَ مَا لَيْسَ لَهُ، قَالَ: الزَّكَاةُ فِي عَيْنِ الْمَالِ، ثُمَّ هَلِ الْبَيْعُ مَفْسُوخٌ أَوْ غَيْرُ مَفْسُوخٍ نَظَرٌ آخَرُ
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ (١) إِلَى تَكْفِيرِ مَنْ مَنَعَ فَرِيضَةً مِنَ الْفَرَائِضِ وَإِنْ لَمْ يَجْحَدْ وُجُوبَهَا. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلِ اسْمُ الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْكُفْرِ يَنْطَلِقُ عَلَى الِاعْتِقَادِ دُونَ الْعَمَلِ فَقَطْ، أَوْ مِنْ شَرْطِهِ وُجُودُ الْعَمَلِ مَعَهُ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ وُجُودَ الْعَمَلِ مَعَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ حَتَّى لَوْ لَمْ يَلْفِظْ بِالشَّهَادَةِ إِذَا صدَّقَ بِهَا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُؤْمِنِ عِنْدَ اللَّهِ، وَالْجُمْهُورُ -وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ- عَلَى أَنَّهُ).
هناك من يلبس الأمور؛ هناك من يطلق أهل السنة، ويقصد بهم الأشاعرة أحيانًا، لكن من هم أهل السنة؟ أهل السنة هم الذين أشار إليهم الإمام الشافعي، وهم الذين قالوا إنَّ الإيمان قولٌ، وعملٌ، ونيةٌ، وهذا أجمع عليه أصحاب رسول اللَّه، إذن لا خلاف في المسألة بين أصحاب رسول اللَّه، ولا بين التابعين لهم بإحسانٍ، ولا بين تابعيهم ممن عرفوا الحق، لكن -كما هو معلومٌ- دخلت علومٌ على الأمة الإسلامية، ووُجد من أعداء الإسلام من دخلوا في صفوف المسلمين، فدسوا السُّم -كما
стр. 3191
يقولون- في العسل، وخلطوا على بعض المؤمنين، ويسّر اللَّه لهذه الأمة من وقفوا ينافحون عن هذا الدين؛ فأفنوْا أعمارهم في خدمة الدين، وفي مقدمة ذلك خدمة هذه العقيدة الإسلامية الصافية التي تُلقّيت من كتاب اللَّه ، ومن سنة رسوله ﷺ ، وأُخذت من مشكاة النبوة صافيةً نقيةً بيضاء، أخذها أصحاب محمد بن عبد اللَّه، فنقلوها إلى التابعين الذين نقلوها إلى من جاء بعدهم.
أما أن توجد فرقٌ مخالفةٌ لدين اللَّه، وتأتي ببعض البدع وتشك، فإن اللَّه قد يسّر من المؤمنين، من العلماء العاملين، من وقفوا في وجوه هؤلاء، وبيّنوا الحقَّ، وتحملوا المشاقَّ والنصب في سبيل ذلك، لكن لم تلنْ قناعتهم، ولم تُفلّ صخرتهم، بل بقوا سدًّا منيعًا في وجه هؤلاء الأعداء، الذين أرادوا أن ينالوا من هذه العقيدة الإسلامية الطاهرة النقية، ومعلومٌ ما قد حصل في القول فيما يتعلق بالقدر، وبخلق القرآن، ومعلومٌ كم من العلماء الأعلام الذين كان يُشار إليهم بالبنان، وكانوا كالنجوم يهتدي بهم عامة المؤمنين في عصرهم وعلومهم نُقلت بعد عصرهم، كم نالهم من الأذى؟!!
فمنهم من ضُرب بالسياط، ومنهم من قُيّد بالحديد، ومنهم من أُلقي في غيابت السجن، لكنه ظل واقفًا، صابرًا، محتسبًا للَّه ، لم يبالِ بما ناله من مشقةٍ، ولا بما وقع عليه من أذى، ولا بما صُبَّ عليه من غضبٍ، ما دام ذلك في سبيل عقيدة التوحيد، وفي سبيل الدفاع عن دين اللَّه، ومرت عصورٌ وأيامٌ وأشهرٌ وسِنون، وبعضهم يتقلّب من عذابٍ إلى عذابٍ، ويؤذَى، ويُلقى في غيابات السجون، وكما قلنا: يُضرب، ويُغمى عليه، ثم يصحو مع كبر سنه، وقد ظلوا صابرين محتسبين؛ لأنهم يدركون تمامًا أنَّ اللَّه ينصر الحق؛ لأنَّ الباطل مهما علا فإنَّ الحق سيعلو عليه؛ لأنَّ الحق يعلو ولا يُعلى عليه، ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ [الإسراء: ٨١]، هذه سنة اللَّه في خلقه؛ فمهما كان للباطل من صوْلةٍ، ومهما كانت له من جوْلةٍ، فأيامه قصيرةٌ، والحق بلا شك يعود قويًّا، وهكذا وجدنا أنه بعد مرور فترةٍ من الزمن يسّر اللَّه خليفةً من
стр. 3192
الخلفاء، فوقف في وجه المبتدعين، وناصر أهل الحق؛ أصحاب العقيدة الطاهرة النقية، نصرهم على أعدائهم، ومكّنهم، ومع ذلك وجدنا أن أولئك وقفوا محتسبين.
أولئك العلماء -كما هو معلومٌ- ابتُلوا بالضراء فصبروا، أُنزلت بهم أنواع العذاب فما تراجعوا، ثم بعد ذلك فُتحت عليهم الدنيا، فلم تخدعهم الدنيا ولم تجذبهم شهواتها، والشيطان قد يعجز عنك أيها المؤمن عن أن يشغلك عن طريق إيمانك، لا يستطيع أن يستغلك عن طريق ضراء نزلت بك؛ لأنَّ المؤمن إذا نزلت به ضراء فقال: (﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾) [البقرة: ١٥٦]، وربما لا يستطيع أن يستغلك عن طريق السراء؛ لأنك ستشكر المُنعم، وهو اللَّه ، وتحمده على هذه النعم التي تأتيك تترى، لكنه يأتيك من طريقٍ خفيٍّ، ما دمت وقفت تلك المواقف العظيمة، وما دمتَ قد انتصرت فيها، وما دام غيرك قد ضعف، فإنه يبدأ في بثِّ العجب في نفس الإنسان، والإنسان ضعيف، فربما ينفُذ من هذا المنفذ الخفيِّ، فيبدأ الغرورُ يتردَّد في نفس الإنسان، فيأخذه العجب، وربما الكبرياء، فيبدأ ينازع اللَّه ردائه.
الإمام أحمد ﵀ لم تثنه الضراء عما كان عليه، ولم تصرفه السراء بعد أن زالت عنه الغُمة، ولم يرَ العجب في نفسه، بل كان ﵀ يحمل على رأسه، ويشتغل ويعمل بنفسه؛ ليأكل من قوت يده، ولكنه لم ينصرف إلى زهرةِ الدنيا، وليس معنى هذا الكلام أنَّ الإنسان يزهد في الدنيا، يريد أنه يغفل عنها، لا، ولكن قصدنا من هذا أنه لا ينبغي للإنسان أن ينصرف إلى الدنيا وينسى الآخرة، (﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾) [الإسراء: ١٩]، ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨]؛ فرِزق الإنسان في هذه الحياة سيأخذه ويتحصل عليه، لكن على المؤمن دائمًا أن يتوكل على اللَّه، كما قال رسول اللَّه ﷺ : "لَو أنكُم توكلْتُم علَى اللَّهِ حقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُم كما يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تغدُو خِمَاصًا وتَروحُ بِطَانًا" مسند أحمد.
стр. 3193
إذًا إمامنا الإمام الشافعي ﵀ ذكّرنا بأن الإيمان قولٌ وعملٌ ونيةٌ، وبيّن لنا -رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى ورحم غيره من العلماء العاملين-، وأيضًا من سبقونا من هذه الأمة ﵏ جميعًا، ممن آمنوا باللَّه ربًّا، وبمحمدٍ ﷺ رسولًا، وبالإسلام دينًا-، فهو قد بيَّن ﵀ في هذا القول الذي أشرتُ إليه قول الحق، وبيّن أن هذا هو قول أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم القيامة.
وهذا هو الطريق السوي الذي ينبغي أن يسلكه المؤمن، وأنبّه إلى أمر يسيرٍ، وهو أنه: لا شك أنَّ الإنسان في هذه الحياة ربما يقع في بعض الأخطاء، قد يكون بعضنا عاش في بلدٍ ما، أو في مكانٍ ما، فلُبّست عليه الحقائق، وربما ينشأ الإنسان كما قيل:
وينشأ ناشئ الفتيان منا … على ما كان عوّده أبوه
وربما يقضي إنسان مرحلةً من حياته يدرس العقيدة، وربما يكون درس هذه العقيدة على طريق غير مستقيمٍ، في طريق معوجٍّ، وهذه العقيدة نحن نُدرك أنه من الصعب أن تنقل إنسانًا عنها بأن تقول له هذا خطأٌ، لا، ولكن لكي تنقل إنسانًا من خطأ في عقيدة إلى عقيدة الحق لا بد أن تُبيّن له الصواب، وأن تأخذه بالتدريج خطوةً خطوةً، كما كان العلماء السابقون يفعلون ذلك؛ تُبيّن له أن هذه العقيدة فيها كذا وكدا، وأن الخطأ في كذا وكذا؛ لأنَّ اللَّه -تعالى- يقول كذا؛ ولأنَّ رسوله ﷺ يقول كذا.
ثم أختم التعليق على هذه المسألة بأنَّ السعيد كل السعاد كل السعادة، والتقي كل التقوى، والفائز في هذه الدنيا وفي الآخرة هو من لقي اللَّه بعقيدةٍ صافيةٍ نقيةٍ، أخذها من كتاب اللَّه ، ومن سنة رسول اللَّه ﷺ ، ولا حُجة لأحدٍ بأن يقول: اختلطت الأمور، واضطربت الخطوب، وأصبحت الأمور غير واضحةٍ، لا حجة لأحدٍ يقول شيئًا من ذلك.
فالأمر واضحٌ؛ لأنك إذا أخذت الحكم وأيدته بقال اللَّه -تعالى-،
стр. 3194
قال رسوله، فالقول: قال اللَّه، قال رسوله، لا ما يردِّده الغواة على الملأ؛ فالحق ما في كتاب اللَّه ، وما في سنة رسوله ﷺ ، وما سار عليه سلف هذه الأمة الذين قدّموا أنفسهم رخيصةً في سبيل اللَّه ، وباعوا أرواحهم للَّه ، فسينالون الجزاء الكبير، والثواب العظيم من اللَّه في يومِ لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون إلا من أتى اللَّه بقلبٍ سليم.
* قوله: (وَالْجُمْهُورُ -وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ- عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ يُشْتَرَطُ فِيهِ -أَعْنِي: فِي اعْتِقَادِ الْإِيمَانِ الَّذِي ضِدُّهُ الْكُفْرُ مِنَ الْأَعْمَالِ- إِلَّا التَّلَفُّظُ بِالشَّهَادَةِ فَقَطْ، لِقَوْلِهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيُؤْمِنُونَ بِي" (١)).
أعتقد أننا أخذنا حيزًا كبيرًا من الكلام في بيان هذه الحقيقة، ولا يُظن بهذا أنه خروجٌ عن الموضوع الذي نحن بصدد معالجته في هذا الموطن، فإنه لُبه، ونحن نحتاج إلى مثل هذه المسألة أكثر من أن ندرس عشرة أو عشرين أو مائة مسألة فرعية؛ لأنَّ هذا أصلٌ نبني عليه ديننا وجميع أعمالنا؛ فإذا ما صفّينا عقيدتنا، فإنَّ الأمور بعد ذلك تبقى وتظل -بحمد اللَّه- مُيسّرةً وسهلةً، فلا مانع أن نقف.
وهذا هو واجب طالب العلم، والمدرس، والداعية، أنه إذا مرَّت به مسألةٌ من المسائل، ولا سيما ما يتعلق بعقيدة التوحيد، أن يُجلّي الحق فيها، وأن يقف عندها، وأن يبيّنها، والحق بلا شك هو ضالة المؤمن.
* قوله: (فَاشْتَرَطَ مَعَ الْعِلْمِ الْقَوْلَ، وَهُوَ عَمَلٌ مِنَ الْأَعْمَالِ، فَمَنْ
стр. 3195
شَبَّهَ سَائِرَ الْأَفْعَالِ الْوَاجِبَةِ بِالْقَوْلِ قَالَ: جَمِيعُ الْأَعْمَالِ الْمَفْرُوضَةِ شَرْطٌ فِي الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ الْإِيمَانُ).
الحقيقة أنَّ الخلاف في هذه المسألة ليس كما ذكر المؤلف، وإنما الأمر كما ذكرتُ قبل في المقدمة، فسبب الخلاف عند من يقول بأنه لا يُورّث ولا يُصلّى عليه، وهذه روايةٌ رُويت عن الإمام أحمد، ودليل هؤلاء العلماء ما حصل من أبي بكرٍ ﵁، وكذلك ما حصل من توقف الصحابة ﵃؛ فأبو بكرٍ أراد قتالهم، وعمر وبعض الصحابة توقَّفوا ثم رجعوا، فالذين يقولون بالكفر قالوا: أبو بكرٍ ﵁ وقف وأصرَّ على قتال مانعي الزكاة، وقال: أن تشهدوا أنَّ قتلاكم في النار وقتلانا في الجنة. لا شك أنَّ مراده: الشهادة الظاهرة، وإلا فإنَّ هذه أمورٌ -كما هو معلوم- لا يعلمها إلا اللَّه ، لكن الأمر كما قال رسول اللَّه ﷺ : "يُوشِك أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار"، قيل: بمَ يا رسول اللَّه؟ قال: "بالثناء الحسنِ والثناء السيئِ".
وقد مرَّت جنازتان، أُثني على الأولى منهما خيرًا، فقال النبي ﷺ : "وجبت"، وذُكرت الثانية بِشرّ، فقال: "وجبت"، فبيّن الرسول أن هذه وجبت لها الجنة، وهذه وجبت لها النار، هذه وجبت لها الجنة؛ لأن المؤمنين شهدوا لصاحبها بالخير والإحسان والفضل، وتلك شهدوا عليها بالشر، وبمحاربة دين اللَّه.
وقد قال أبو بكرٍ ﵁: قتلانا في الجنة؛ لأنهم امتطوا سيوفهم، وجردوها ونادحوا عن دين اللَّه ، وقاتلوا عن دين اللَّه ، باعوا أنفسهم رخيصة في سبيل اللَّه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: ١١١]، فمن قُتل في مثل هذه المعارك شهيدًا في سبيل اللَّه، سيجد جزاء الشهداء عند اللَّه ، قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩]؛ فهم شهداء، وأما الذين يقاتلون ضد دين اللَّه فإن مصيرهم إلى النار وبئس المصير.
стр. 3196
إذًا أخذ بعض العلماء من هذا -وهم قلةٌ- أنهم في النار، إذًا هم كفار، وقلنا إن هناك احتمالات:
١ - هؤلاء فيهم من ارتد عن دين اللَّه -كما هو معلومٌ-، وفيهم من ادّعى النبوة، وفيهم من منع الزكاة.
٢ - أن الذين امتنعوا عن الزكاة جحدوها، وأنهم إذن ارتدوا عن دين اللَّه.
فثمة احتمالاتٌ متعددةٌ، ولذلك فإنَّ جماهير العلماء لم يحكموا بالكفر، لكن قالوا: ارتكبوا معصيةً عظيمةً وخطيرةً، ويُخشى عليهم، وهم تحت مشيئة اللَّه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
ولا يُشكل أيضًا على بعض القراء سبب التفريق بين الصلاة وبين الزكاة، أو لماذا فرّق بعض العلماء؟ لقد مرَّ بنا أنَّ هناك إجماعًا على أنَّ من أنكر وجوب الصلاة فهو كافرٌ، واختلفوا فيمن اعترف بوجوب الصلاة لكنه تكاسل عن أدائها، اختلفوا في حكمه، فأكثر العلماء قالوا بأنه ليس بكافرٍ، ثم اختلفوا في عقوبته، وبعضهم قال: بأنه كافرٌ، والذين قالوا من أهل العلم بأنه كافرٌ حجتهم قويةٌ؛ لأنهم استندوا إلى نصوص صحيحةٍ، وهي أحاديث رسول اللَّه ﷺ ، كقوله ﵊: "العَهدُ الذي بَينَنا وبَينَهُم الصلاةُ، فمن تَرَكها فَقَد كَفَرَ" سنن الترمذي.
إذًا حكم رسول اللَّه ﷺ على من ترك الصلاة بأنه كافرٌ، وقال في الحديث الآخر أيضًا: "ليس بين العبد وبين الكفر أو الشرك إلا ترك الصلاة"، إذًا هذا رسول اللَّه ﷺ حكم عليه، وهنا لم يرد نصٌّ عن رسول اللَّه ﷺ بالحكم على تارك الزكاة بأنه كافرٌ، والأدلة في ذلك عامةٌ، والأصل في ذلك ألا يُكفّر.
هذا هو الذي ننتهي إليه في هذه المسألة، وهو أبين مما ذكره المؤلف في الكتاب، وأما أنه ربط الأمر بالعقيدة فهذا من الأمور التي ذكرها فيما يتعلق بمباحث العقيدة، وهو خطأٌ، وتعليلاته غير مُسلّمةٍ، وقد
стр. 3197
أخطأ حقيقة في توجيه الآراء، وفي الاستدلال عليها في نظري واللَّه أعلم.
* قوله: (وَمَنْ شَبَّهَ الْقَوْلَ بِسَائِرِ الْأَعْمَالِ الَّتِي اتَّفَقَ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا فِي الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ الْإِيمَانُ قَالَ: التَّصدِيقُ فَقَطْ هُوَ شَرْطُ الْإِيمَانِ).
لأنَّ بعضهم يقول: الإيمان تصديقٌ وعلمٌ، يعني تُصدّق بقلبك وتعلم ذلك، لكن لا يلزم أن تنطق باللسان، ولا أن تعمل بالجوارح، وبعضهم يقول: نطق باللسان يكفي، هذا اللسان يدل على ما عند الإنسان، ليس هناك داعٍ أن يعتقد الإنسان، والرسول ﵊ يقول: "ألا وإنَّ في الجسدِ مُضغةً، إذا صلُحَتْ صلُحَ الجسدُ كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلبُ" صحيح مسلم، فإذا فسد القلب فسدت الأعمال، ولا يلزم من فساد الأعمال أن يكون القلب فاسدًا في كل شيءٍ، إنما القلب إذا فسد، فسدَ ما يترتب عليه من أمور، بل إنك إذا آمنت، وإذا صدّقت بقلبك واعتقدت فذلك من لوازم الإيمان، وهذا ما أخذ به بعض العلماء، قالوا: يلزم، فمن لوازم الإيمان بقلبك أن تنطق بلسانك؛ لتعبّر عما في قلبك، وأن تعمل بذلك، هذا من لوازم الإيمان، يعني: الإيمان بالقلب له لوازئم، من لوازمه: أن تنطق بالشهادتين، بالإيمان، وأن تعمل بمقتضاهما.
ولذلك أبو بكرٍ ﵁ قال لما ذكّره عمر بقول رسول اللَّه ﷺ : أليس رسول اللَّه ﷺ يقول: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، وبقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقه"، قال أبو بكر ﵁: ومن حقه إيتاء الزكاة، واللَّه لأُقاتلنَّ من فرّق بين الصلاة والزكاة.
فأبو بكر فهم أن من حق الشهادتين: إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، هذا من لوازمهما، إذن من اللوازم التي تلزم الإنسان كي يكون مؤمنًا، أن ينطق بلسانه، وأن يعمل بجوارحه.
стр. 3198
* قوله: (وَبِهِ يَكُونُ حُكْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ -تَعَالَى- حُكْمَ الْمُؤْمِنِ، وَالْقَوْلَانِ شَاذَّانِ، وَاسْتِثْنَاءُ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ مِنْ سَائِرِ الْأَعْمَالِ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ).
والحق هو ما ذكرناه، وقد مرَّ ما ذكرت عن الإمام الشافعي، فينبغي لطلاب العلم وخاصة المهتمين، أن يقفوا على مثل ذلك؛ لأنني أرى أن أقول لهم إنني أحفظه منذ زمنٍ ليس بقريبٍ، لكنني متأكدٌ أنه ذكره في كتاب الصلاة، وفي باب النية في الصلاة، وما ذكرته عنه ليس هو نصُّ كلامه، وهو كلامٌ يُكتب بماء الذهب، وهو إن لم يكن نص كلامه فهو قد قاله معنى، وأنا متيقنٌ أنه قال: أجمع الصحابة والتابعون ومن أدركناهم أن الإيمان: قولٌ وعملٌ ونيةٌ، لا يُجزئ أحدهما عن الآخر، وهذه مهمةٌ، يعني: لا يكفي وجود أحدها عن الآخر، لا بدَّ من وجود الثلاثة بعضهم مع بعضٍ.
[الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ فِي مَعْرِفَةِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزكاةُ مِنَ الْأَمْوَالِ]
قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى:
(الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ: وَأَمَّا مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنَ الْأَمْوَالِ: فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا مِنْهَا عَلَى أَشْيَاءَ وَاخْتَلَفُوا فِي أَشْيَاءَ. وَأَمَّا مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فَصِنْفَانِ مِنَ الْمَعْدِن: الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ اللَّتَيْنِ لَيْسَتَا بِحُلِيٍّ (١)).
إذًا زكاة المعادن -كما هو معلومٌ- تجمع أشياء عدة، فهناك من
стр. 3199
يفصل النقدين عنها، ومن العلماء من يُدخلها ضمن زكاة المعادن، وهي بلا شك داخلةٌ في المُسمَّى، لكنَّ المعادن تشمل الركاز وتشمل النقدين، وتشمل غير ذلك أيضًا، والنقدان -كما هو معلومٌ- لا خلاف في زكاتهما، ولا فيما يَحِل محلهما من الأوراق المعروفة التي حلّت في زمننا هذا محل الذهب والفضة.
* قوله: (وَثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ مِنَ الْحَيَوَانِ: الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ (١)).
كذلك هذه الحيوانات الثلاثة التي تُعرَف ببهيمة الأنعام أيضًا مما تجب فيها الزكاة لكنها مُقيدةٌ بأن تكون من السائمة، أما غير السائمة فلا زكاة فيها.
* قوله: (وَصِنْفَانِ مِنَ الْحُبُوبِ: الْحِنْطَة وَالشَّعِيرُ).
الحنطة والشعير، ويُدخِل الفقهاء أشياء كثيرةً أيضًا، وليست هي الحنطة والشعير فحسب، وهذه سنتكلم عنها تفصيلًا إن شاء اللَّه في موضعها، هل يدخل في ذلك الحمص، وكذلك الفول، وما أشبه ذلك من الحبوب؛ أو أنها مقصورةٌ على ذلك؟ هل يدخل فيها الدّخَن، وكذلك أيضًا الذرة، وكذلك السمسم؟ هذه كلها أنواعٌ يتبعها العلماء بأصنافٍ من الحبوب.
* قوله: (وَصِنْفَانِ مِنَ الثَّمَرِ: التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ (٢)).
كذلك التمر والزبيب، وهناك خلافٌ في زكاة العسل، وخلاف يسيرٌ في زكاة الزيتون، وكل هذه -إن شاء اللَّه- سيعرض لها المؤلف، وسنبينها -إن شاء اللَّه- تفصيلًا.
стр. 3200
* قوله: (وَفِي الزَّيْتِ خِلَافٌ شَاذٌّ).
إذًا هو تَكلَّم عن الزيت الذي هو الزيتون، هل فيه زكاة أو لا؟
* قوله: (وَالذين اخْتَلَفُوا فيه مِنَ الذَّهَبِ هو الْحُلِيُّ فَقَطْ).
اختلف العلماء في زكاة الحُلي، ولا شك أنَّ هذه مسألة فيها تفصيلٌ؛ لأنه يُقصَد بالحُلي ما يُتحلَّى به، وليس شرطًا أن يكون فقط مما تختص به المرأة؛ لأن الإنسان ربما حلى سيفه، وربما حلَّى خاتمه، والمرأة أيضًا يُباح لها من الذهب أن تلبس ما جرت العادة بلبسه، يعني: يباح للنساء لبس الذهب والفضة مما جرت العادة بلبسه.
هذا أمرٌ ليس محل خلافٍ عند العلماء، هناك أيضًا أشياء يجوز استعمالها، وهي محرمة وهي من الذهب، كما لو أنَّ إنسانًا جُرِحَ أنفه هل يجوز له أن يُصنع له أنف من ذهب فيقيمة مقامه؟ لأنه ورد أنَّ رجلًا قُطِع أنفه فأقام مكانه أنفًا من ورِقٍ، فتعفَّن عليه فرخّصَ له رسول اللَّه ﷺ أن يتخذ أنفًا من ذهب.
كذلك أيضًا قد تتساقط أسنان الإنسان، فيحتاج أن يربط بعضها ببعضٍ؛ أي: يوصلها بشريطٍ من ذهب، وقد يحتاج أيضًا إلى أن يقيم أسنانًا من ذهبٍ، فهل ذلك جائز؟
كذلك يجوز للرجال أن يلبسوا خواتم الفضة، ولا يجوز لهم أن يلبسوا خاتمًا من ذهبٍ؛ لأنَّ خاتم رسول اللَّه ﷺ كان من الورِق؛ أي: من الفضة، وأما الذهب فلا يجوز للمسلم أن يفعل ذلك، وقد وصفه رسول اللَّه ﷺ بأنه جمرةٌ، وأمَرَ من لبس خاتمًا من ذهبٍ أن يُلقيه، هناك أيضًا أشياء تتعلق بهذا الموضوع يتكلم عنها العلماء، أما المرأة فيجوز لها أن تلبسن السِّوار، وأن تلبس الخلخال، وأن تلبس القلادةَ، وأن تلبس القرطَ، ومن ذلك ما تلبسه في رأسها، أو تضعه على يديها أو رجليها كل ذلك مما جرت العادة بلبسه، فإنه جائزٌ.
لكن ينبغي دائمًا أن يُتجنب موضع الخُيلاء، وليس للمسلم أن يتخذ
стр. 3201
أواني من ذهبٍ، ولا من فضةٍ، وليس له أن يأكل وأن يشرب فيها؛ لأنَّ هذه ليست من صفات المؤمنين، وقد تكلمنا عن ذلك فيما يتعلق بأواني الذهب والفضة عندما كنا نتحدَّث في أحكام الطهارة، في باب الآنية.
نعود لمسألتنا الآن: ما حكم زكاة الحَلْي أو الحُلِي؟ لأن الحَلي تُجمع على حُلي.
هي في الحقيقة مسألةٌ من المسائل الكبرى التي اختلف فيها الفقهاء، والحكم هنا جديرٌ بالعناية والاهتمام؛ لأنَّ من العلماء من يرى أن لا زكاة في الحُلي، ومنهم من يرى وجوب الزكاة فيه، فالأمران مختلفان، ففرقةٌ وطائفة ترى وجوب زكاة الحُلي، وأخرى ترى أن لا زكاة فيها، ومن يرى من العلماء أنَّ زكاة الحُلي واجبةٌ يعتبر أنَّ من لا يؤدي زكاتها قد ارتكب ذنبًا كبيرًا، وفرّطَ في حكم شرعيٍّ، ومن يرى أن لا زكاة فيها، فلأنها أُعدَّت للُّبسِ المعتاد وللحاجة؛ ولأنها أصلًا لم توضع للنماء، عادةً الذي يُزكى أنه يُقصَد به النماء، فالماشية التي يُزكيها الإنسان؛ من إبل أو بقرٍ أو غَنَمِ إنما تُزكَّى؛ لأنها سائمةٌ وقُصِد بها النماء، لكن لو كانت عوامل تؤدي أعَمالًا، فهذه لا زكاة فيها، إذن أي صنفٍ من الأصناف التي يقول العلماء: لا زكاة فيها، لو اتُّخِذَت للتجارة، فإنَّ الزكاة تجب فيها، كما سيأتي بعد قليلٍ بالنسبة للخيل.
إذًا العلماء اختلفوا في هذه المسألة، فأكثرهم، بل جمهور الفقهاء يرون أنه لا زكاة في الحُلي؛ أي: أن زكاة الحُلي غير واجبةٍ، هذا هو رأي أكثر الفقهاء، ونُقِل أيضًا هذا الرأي عن خمسةٍ من الصحابة، عبد اللَّه بن عمر، وجابر بن عبد اللَّه، وأنس بن مالكٍ، وعائشة، وأسماء ﵃، ولذلك نُقِل عن الإمام أحمد أنه قال: خمسةٌ من الصحابة لا يرون وجوب زكاة الحُلي، ويرون أنَّ إعارتها زكاتها، وخالفهم فريقٌ آخر من العلماء فقالوا بوجوب زكاة الحُلي، حتى وإن كان مُعدًّا للاستعمال وللعرية، فإن ذلك لا يُعفي صاحبه من وجوب خروج زكاته، وهذا قال به من فقهاء الأئمة أبو حنيفة، وهي أيضًا روايةٌ ليست ظاهرةً في
стр. 3202
مذهب الإمام أحمد، وهي أيضًا قولٌ في مذهب الشافعي، وهذا القول الذي أخذ به أبو حنيفة قال به جماعة من أكابر الصحابة، منهم عمر بن الخطاب، وعبد اللَّه بن مسعودٍ، وعبد اللَّه بن عباسٍ، وكذلك عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وقال به جَمعٌ ليس بقليلٍ من التابعين؛ كسعيد بن المُسَيّب، وسعيد بن جُبيرٍ، وابن سيرين، وكذلك أيضًا الزُّهري، ومن الفقهاء أيضًا الثوري، وغير هؤلاء كثيرٌ.
لكنَّ الظاهر من مذهب أحمد، وكذلك من مذهب الشافعي، أنهم مع الجمهور، أنه لا زكاة فيها.
لماذا اختلف العلماء في هذه المسألة؟
لأنه عندما ننظر في أدلة الفريقين نظرةَ فقيهٍ مُدقِّقٍ يريد أن يصل إلى الحق ولا يريد سواه، ويريد أن يكون ترجيحه مبنيًّا على الدليل، نرى أنَّ الأرجح فيما يظهر لنا هو ما أخذ به الحنفية ومن معهم؛ لعدة أدلة، وإن كان المؤلف لم يستوف الأدلة، وهي:
الدليل الأول: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: (أتت امرأة -في بعض الروايات: من اليمن- إلى رسول اللَّه ﷺ ، ومعها ابنةٌ لها، وفي يدها مسكتان من ذهب غليظٍ -أي سواران من ذهب غليظٍ- فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "أَتُؤَدِّينَ زَكَاةَ هَذَا؟ "، قَالَتْ: لا، قَالَ: "أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سِوَارينِ مِنْ نَارٍ؟ " قَالَ: فَخَلَعَتْهُمَا، فَأَلْقَتْهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: هُمَا للَّهِ وَلِرَسُولِهِ.
فانظر كيف كان يستجيب المؤمنون رجالًا ونساءً إلى توجيه رسول اللَّه ﷺ ، وكيف كانوا ينزلون عند حكمه، خلعتهما مباشرةً وقالت: هما للَّه ولرسوله، ولما ورد النهي في تحريم الخمر قام المسلمون فألقوا أسقيتهم وما عندهم، وسألت في الطريق، وقالوا: انتهينا، انتهينا.
ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ [النور: ٥١].
стр. 3203
فهذه امرأةٌ جاءت من اليمن وافدةً إلى رسول اللَّه ﷺ ، تريد أن تستفيد علمًا وخيرًا، فلاحظ رسول اللَّه ﷺ ، فهكذا شأن الداعية أيضًا والموجه، إذا رأى أخاه المسلم وقع في خطأٍ، فلا ينبغي له أن يتركه دون أن يرشده، فإن من دلَّ على خيرٍ فله مثل أجر فاعله، من دلَّ على هدى كان له مثل أجر من فعله، لا ينقص من أجورهم شيئًا، فرسول اللَّه ﷺ رأى في يد ابنة هذه المرأة سوارين فسألها: "أتعطين زكاة ذلك؟ "، قالت: لا، فخوفها رسول اللَّه ﷺ "أترضين أن تطوقين بهما بسوارين من نار يوم القيامة"، لا شك قالت: لا، فخلعتهما وألقتهما.
وكذلك نجد أن رسول اللَّه ﷺ عندما خطب النساء في العيد وقال: "تصدقنَ فإنكنَّ حطب جهنم"، كُنّ يأخذن ما في أيديهن ويلقينة، فهذه سرعة في الاستجابة إلى أحكام اللَّه ، فنأخذ من ذلك مثالًا ونموذجًا طيبًا مما كان عليه الصدر الأول في سرعة نزولهم واستجابتهم للَّه ، ولأحكام رسوله ﷺ .
وهذا الحديث الآنف ذكره اختلف فيه من حيث السند، فبعضهم يضعفه؛ لأنه يقول: هذا من روايةِ ابن لحي، وأيضًا من رواية المثنى بن الصبّاح، وقالوا: إن الإمام الترمذي أخرج الحديث في جامعه وحكم عليه بالضعف.
ونحن لو وقفنا عند هذا الحد لقلنا: هو ضعيفٌ، لكنَّ المشتغل بالحديث دائمًا والمشتغل بالفقه، لا يقف عند هذا الحد، وإنما ينبغي أن يتتبع سند الحديث، وأن يعرف الطرُق التي ورد فيها، هل كل طريقٍ جاء فيه هو عن طريق ابن لحى أو المثنى، لا، وإنما رواه أبو داود من طريقٍ آخر، ومن هنا نقول: إن الحديث الذي جاء في مُسند أبي داود إنما هو حديث حسنٌ يحتج به، وبذلك تبطل دعوى الذين قالوا من أهل العلم بأن هذا حديث ضعيفٌ لا يحتج به.
ما هو وجه الدلالة من هذا الحديث؟
هذا الحديث نصه نصٌّ صريحٌ في وجوب زكاة الحلي؛ لأنَّ هذه
стр. 3204
امرأةٌ دخلت ومعها بنت في يديها سواران من ذهب، وهذا هو الحلي، فكانت متحليةً بهما، وأيضًا جاء الحكم صريحًا، سألها رسول اللَّه ﷺ ولم يُبين لها الحُكم إلا بعد السؤال "أتؤدين الزكاة؟ " قالت: "لا"، فالرسول ﷺ بدلًا من أن يقول لها (زكي) عَرَض عليها أمرًا أشد خطورة، ألا وهو "أيسُرُّك أن يُسَورك اللَّه بهما سوارين من نار؟ "، هذا فيه تخويفٌ، فهي حينئذٍ ارتعدت، فأخذت ما في يدي الفتاة فطرحته بين يدي رسول اللَّه، وقالت: هما للَّه ولرسوله؛ أي: في سبيل اللَّه، فتنازلت عنهما، فهذا دليلٌ صريحٌ على وجوب زكاة الحُلي، وهذا هو أول دليل.
الدليل الثاني: حديث أمِّ سَلَمَة ﵂ أنها قالت: (كنت ألبس أوضاحًا من ذهبٍ، فقلت: يا رسول اللَّه، أكنزٌ هو؟ فقال: "ما بلغ أن تؤدَّى زكاته فزكي، فليس بكنزٍ".
(أوضاحًا) جمع وضح، وهو صِنف من الحَلي.
انظر كيف كان الصحابة يُعنَون بهذا الأمر؟!، وفي هذا إشارةٌ إلى قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥].
قالت: "أكنزٌ هو؟ "، وانظر إلى توجيه النَّبي ﷺ الذي أُعطي جوامع الكلم، فلقد أعطاها عباراتٍ مختصرةً موجزةً تدل على الحكم وزيادة تأكيده، فقال رسول النه ﷺ : "ما بلغ أن تؤدَّى زكاته فزكي، فليس بكنزٍ".
فيه الزكاة، فأُديت زكاته فليس بكنز، ومفهومه أن ما بلغ أن يُزَكى فلم يُزكَّ فهو كَنزٌ، فيدخل في قول اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾.
إذًا هذا ذهبٌ تلبسه زوج رسول اللَّه ﷺ أم سَلَمَة، وتسأل رسول اللَّه ﷺ لتتأكد من الحكم، ولتعرف هل ما تلبسه جائز اللبس دون أن يُزكَّى أو لا بد من زكاته، فبيّنَ لها رسول اللَّه ﷺ أن ما بلغ أن يُزكى
стр. 3205
فزكي -انظر كيف عقّبَ بعد ذلك بكلمة فيها الفاء- "ما بلغ أن يُزكى" يعني ما بلغ النصاب فليس بكنز، أيضًا هذا دليل صريحٌ ورد في المسألة نفسها التي وقع فيها الخلاف، وهذا حديث حسنٌ أو صحيحٌ، إذن هذا دليل آخر يُضاف إلى الدليل الأول.
الدليل الثالث: حديث عائشة ﵂ قالت: دخل عليَّ رسول اللَّه ﷺ ، فرأى في يدي فتخاتٍ من ورِقٍ، فقال: "ما هذا يا عائشة؟ " فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول اللَّه، قال: "أتؤدين زكاتهن؟ " قالت: لا -أو ما شاء اللَّه- قال: "هو حسبك من النار".
حسبك من النار أي: يكفيك أن تؤدي زكاة هذه، فإن كانت مما تُزكى فأديتِ زكاتها فإنها ستكون حاجزًا يُباعد بينك وبين النار، أما إذا كان الإنسان عنده شيءٌ مما تجب فيه الزكاة فلم يؤد زكاته فهو مُعرَّضٌ للعقوبة، ومن العقوبة التي يُعرَّض لها أن يُعذَّب بالنار.
هذا حديثٌ صحيحٌ، وهذا كما نرى يوضع إلى جانب عموم الأدلة الأخرى، فقوله ﷺ في الحديث المتفق عليه: "في الرقة ربع العُشر"، وقال: "ليس فيما دون خمسِ أواقٍ صدقةٌ"، هذا دليلٌ على النفي، وهذا عامٌّ، قالوا: يشمل ما كان مسبوكًا من الذهب وما ليس مسبوكًا.
لا شك أنَّ الذين قالوا من أهل العلم بعدم الوجوب قالوا إنَّ الرسول ﷺ قال: "في الرقة رُبع العُشر"، قالوا في الرقة: يُقصَد بها المضروبُ من الدراهم، وهذا هو المعروف.
الفريق الآخر: يقولون بوجوب الزكاة، ويقولون في حديث: "ليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة":
هذا دليلٌ على أن المُراد بذلك ما يوزن بالنقدين، ولم يُقصد بذلك الحُلي، لكننا نقول: هذه الأدلة الثلاثة التي أوردناها نصوصٌ في هذه المسألة، لو وُجد منها واحدٌ فقط وكان صحيحًا، لكان كافيًا في الحكم في هذه المسألة، أما عُمدة الذين يقولون بأنه لا زكاة في الحُلي، فهو حديث: "لا زكاة في الحُلي"، لكنه حديث ضعيفٌ.
стр. 3206
وهناك تعليلاتٌ يستدل بها أصحاب ذلك القول، منها أنهم يقولون: إن الزكاة إنما شُرعَت في النماء لا في الأموال، وهذه ليس فيها نماءٌ؛ لأنّ المرأة عندما تصنع لها حَلْيًا تلبسه عند العادة، أو تُعيره إلى غيرها، فإن هذا لا نماءَ فيه، فلو سُلِّطَت عليه الزكاة فإنه سينتهي به الأمر إلى أن ينتهي، يعني: لو أُخِذت منه الزكاة في كل عامٍ، فإنَّ هذا الحُلي سينتهي، ولا يبقى للمرأة ما تتزين به، وقاسوا ذلك على ما يلبسه الإنسان من ثيابٍ، فيقولون: هل هناك زكاةٌ فيما يلبسه الإنسان من عباءةٍ وثيابٍ وعِمَامة وغيرها؟
الجواب: لا، كذلك أيضًا العوامل من البهائم، يعني: التي تعمل؛ كالإبل والبقر التي يستخدمها الإنسان في السواقي، وفي حمل الحطب عليها، وفي غير ذلك، هل فيها زكاةٌ؟ لا، إذن هذه مثلها، فهذه حليةٌ اتخذتها امرأةٌ للتحلي بها، وتتزين بها لزوجها وعند الحاجة فكيف تجىب فيها الزكاة؟!
لكننا نقول: هكذا حديث رسول اللَّه ﷺ قد جاء، من هنا ننتهي -بإيجازٍ- إلى أنَّ الراجح في هذه المسألة -فيما نرى- هو رأي القائلين بوجوب زكاة الحُلي.
يختلف العلماء بعد ذلك أيضًا، هل تُخرَج الزكاة من الحُلي عن طريق الوزن أو القيمة؟
بعضهم يقولون: إنها مرتبطةٌ بالوزن، حتى وإن كانت القيمة أكثر، وبعضهم يقول: يجوز بالأمرين معًا، وبعضهم يقول: تُخرَج بالقيمة؛ لأنه قد يكون الوزن أربعين أوقية، لكنها تنقص عن مائتي درهمٍ، وقد تكون ثلاث مائة درهمٍ، ولا تصل وزنًا إلى أربعين أوقية، فقد يختلف الوزن عن القيمة، فأيهما المُعتبر؟
أكثر الفقهاء يعتبرون الوزن وليس القيمة، هذه فائدةٌ عرضتها؛ لأنَّ المؤلف لم يذكرها.
стр. 3207
* قوله: (وَالذين اخْتَلَفُوا فيه مِنَ الذَّهَبِ هو الْحُلِيُّ فَقَطْ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ذَهَبَ فُقَهَاءُ الْحِجَازِ: مَالِكٌ (١)، وَاللَّيْثُ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣) إِلَى أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ إِذَا أُرِيدَ لِلزِّينَةِ وَاللِّبَاسِ).
هذا مذهب مالكٍ والليث والشافعي وأحمد أيضًا في أظهر قوليه، وهو أيضًا -كما قلنا- مرويٌّ عن خمسةٍ من الصحابة، ذكرناهم، وربما ذكرهم المؤلِّف.
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ (٤): فِيهِ الزَّكَاةُ).
وقلنا إنها أيضًا روايةٌ في مذهب أحمد وإن لم تكن الظاهرة، وهي أيضًا قولٌ في مذهب الشافعي.
لكن هناك كلمةٌ أريد أن أعلِّق عليها، الآن -كما نرى- اختلفت أقوال العلماء في هذه المسألة، ففريقٌ يرى وجوب الزكاة، وهم قِلةٌ من العلماء، وفريقٌ يرى عدم وجوبها، وهم الكثرة من الفقهاء، فهل الكثرة معتبرةٌ؟
لا، ينبغي أن يكون المؤمن وطالب العلم، دائمًا منتهيًا إلى ما يؤيده
стр. 3208
الدليل، يعني: ينبغي أن يكون القول الراجح عنده هو ما يؤيده الدليل، ما صحَّ عن رسول اللَّه ﷺ ، وما أنزله اللَّه -تعالى-.
وأيضًا نجد أنَّ مذهب القائلين بوجوب الزكاة هو الأحوط لدين المرء، والرسول ﵊ يقول: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، كل أمرٍ تشكُّ فيه، تجاوزه إلى أمرٍ لا تشك فيه، يعني كل قضية من القضايا تتحير فيها وتتردد هل هذه حلالٌ أو حرامٌ فالرسول ﷺ يقول: "الحلال بيّن والحرام بيّنٌ، وبينهما أمور مشتبهات لا يُعلمهن كثيرٌ من الناس".
لكن لا نقول في هذه المسائل إنها أمورٌ مُحرمةٌ، لا، لكن نقول اختلفت فيها وجهات النظر، فنحن نرى ما يقويه الدليل، وإن قَلّ عدد القائلين به، ليس شرطًا أن يكون رأيًا للأكثرية، أيضًا هذا القول هو الأحوط؛ لأنَّ المرأة إذا أدَّت زكاة حُليها فإنها بذلك تكون مطمئنة النفس، ومُطمئنةً أيضًا على دينها.
لكنها لو لم تُزك الحُلي وزكاتها واجبةٌ، فإنها تكون قد وقعت في أمرٍ منهي عنه وارتكبت محظورًا، فهذا أمرٌ لا بدَّ أن يَقع فيه المؤمن لأجل شيءٍ يتعلق بحطام الدنيا وزخارفها، وهذا الحُلي أصلًا إنما وضع للزينة.
ومعلوم أن هُناك ضرورياتٍ، وهناك حاجياتٌ، وهناك كمالياتٌ، فهناك الضروريات كالأكل الذي يتقوت به الإنسان، والماء الذي يشربه الإنسان لا يستغني عنه، وهناك كمالياتٌ يحتاج إليها الإنسان، كأن يكون لديه ثوبٌ واحدٌ، فيحتاج إلى ثوبِ آخر، ويحتاج لغترةٍ أخرى، وهكذا.
وهناك أمورٌ ليست ضرورياتٍ ولا حاجيات، أولًا الضروريات هذه لا بد منها، والحاجيات ما يحتاج الإنسان إليه، ثم الكماليات هي الأشياء الزائدة على ما يحتاجه الإنسان، فهذه إن وجدَت فهي نعمة من نِعم اللَّه ، واللَّه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، وإذا لم يفعل فلا.
стр. 3209
وقد جاء في الحديث أن رسول اللَّه ﷺ قال: "البذاذة من الإيمان" ما هي البذاذة؟ هي أن يكون الإنسان رثَّ الثياب، لكن ليس معناه أن تكون ثيابه وسخةً عفنةً، لا، تكون ثيابه نظيفةً ويهتم بها، لكن لا داعي أن تكون ثيابه غالية الثمن، يعني أن تكون ثيابًا بسيطة.
ونحن نرى نماذج من العلماء الزُهّاد ما كانوا يلبسون إلا الثياب المتواضعة، فهل نقص من قدرهم؟! لا، وإنما رفع من قدرهم، فالإنسان بقيمته، كلما قويت صلة الإنسان بربه فإنه ترتفع قيمته عند الناس، ولذلك يقول الرسول ﷺ : "من طلب رضا اللَّه في سخط الناس رضي اللَّه عليه، وأرضى عنه الناس".
فأنت إذا طلبت رضا اللَّه ، وصدقت في قولك وفي فعلك، فإنَّ اللَّه سيحبب الناس إليك، وهذا أمرٌ مُشاهدٌ.
ولو أنَّ كل واحدٍ منا نظر إلى الذين استقاموا في هذه الحياة، وزهدوا في الدنيا، وأقبلوا على الآخرة، واتجهوا إلى اللَّه ، فأخلصوا في أقوالهم وفي أفعالهم وخدموا مجتمعاتهم الإسلامية، لرأى أنَّ اللَّه قد ألقى محبة هؤلاء في قلوب الناس، حتى في قلوب العصاة، يعني إذا وجدت إنسانًا مُخلصًا صادقًا، قد تجد بعض المنحرفين عندما يذكر، يثنون عليه؛ لأنهم لا يجدون مقدحًا، ولا مسلكًا ينفذون منه وإنما سيرته عطرةٌ، فإنهم يذكرونه بما يُشاهد؛ لأنه إنسان اتجه إلى اللَّه -تعالى-، وهكذا.
إذًا هذا الحُليُّ من النِّعَم التي يُنعم اللَّه بها ، وقلنا: للإنسان أن يُحلي سيفه، وأن يلبس خاتمًا من فضةٍ، والمعتبر في ذلك الخاتم من الفضة، ولكن لا يجوز له أن يلبس خاتمًا من ذهب؛ لأنَّ الرسول ﷺ حرّم خاتم الذهب، وأمر بطرحه، وأجاز أن يُلبَس خاتم الفضة، ولبسه ﵊، وكان من ورِقٍ، والأحاديث في ذلك كثيرةٌ جدًّا ومعروفةٌ.
стр. 3210
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: تَرَدَّدُ شَبَهِهِ بَيْنَ الْعُرُوضِ وَبَيْنَ التِّبْرِ وَالْفِضَّةِ).
يعني: تردُّد شبهه -أي: الحَلي أو الحُلي- بين العروض في التجارة؛ أي: المُعدَّة للتجارة، وبين تبر الذهب.
* قوله: (وَبَيْنَ التِّبْرِ وَالْفِضَّةِ اللَّتَيْنِ الْمَقْصُودُ مِنْهُمَا الْمُعَامَلَةُ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ).
وبين التبر والفضة، يعني بين الذهب والفضة، والمقصود منهما هو المعاملة.
* قوله: (فَمَنْ شَبَّهَهُ بِالْعُرُوضِ الَّتِي الْمَقْصُودُ مِنْهَا الْمَنَافِعُ أَوَّلًا قَالَ: لَيْسَ فِيهِ زَكَاةٌ).
وهنا لا يقصد المؤلف مُطلَق عروض التجارة؛ فعروض التجارة التي تُعد للتجارة إنما فيها الزكاة، لكنه يقصد أمورًا من العروض؛ كالثياب التي يلبسها الإنسان ويقتنيها، وقد تتعدَّد، وكذلك ما عنده أيضًا من إبلٍ وبقرٍ عاملةٍ يستفيد منها، فهذه لا زكاة فيها، هذه يقيسون عليها.
* قوله: (وَمَنْ شَبَّهَهُ بِالتِّبْرِ وَالْفِضَّةِ الَّتِي الْمَقْصُودُ فيهَا الْمُعَامَلَةُ بِهَا أَوَّلًا قَالَ: فِيهِ الزَّكَاةُ، وَلاخْتِلَافِهِمْ أَيْضًا سَبَبٌ آخَرُ).
إذًا المؤلف يريد أن يجعل سبب الاختلاف هو تردد زكاة الحُلي بين تشبيهها بالعروض غير المُعدة للتجارة، وإنما المُعدة للاستعمال؛ من حيوانٍ أو ملابس وثيابٍ، وبين ترددها بين النقدين، بين شبهها للذهب والفضة من جانبٍ؛ لأنها من ذهبٍ أو فضةٍ، وبين شبهها بعروض التجارة، وإنما للاستفادة، فلم تُعد للنماء.
стр. 3211
* قوله: (وَلِاخْتِلَافِهِمْ أَيْضًا سَبَبٌ آخَرُ، وَهُوَ اخْتِلَافُ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ).
عاد المؤلف مرةً أُخرى ليُبين أنَّ من أسباب الخلاف الأدلة، وكان ينبغي أن يُقدِّم الدليل على العقل؛ لأنه -كما هو معلومٌ- يُقَسِّم العلماء الأدلة إلى قسمين؛ أدلة نقليةٌ، وهي: الأدلة التي في كتاب اللَّه ، وفي سُنّة رسوله ﷺ وما يُلحق بذلك إجمالًا، وهناك أدلة عقليةٌ التي هي القياس؛ لأنها تقوم على الأصل.
لكن ليس القصد من كون الأدلة العقلية هي القياس المبني على العقل، أن القياس ليس بصحيحٍ؛ لأنَّ القياس إلحاق فرعٍ بأصلٍ في حكم؛ لعلةٍ تجمع بينهما، فلا بد من وجود رابطٍ بين الأصل وبين الفرع، بين الفرع الذي تلحقه بالأصل، وبين الأصل الذي أصبح مقيسًا عليه، لا بد من وجود عِلةٍ رابطةٍ، هذه العلة هي السبب الذي جعل الأصولي يُلحق الفرع بالأصل، كأن يُلحق الأرز بالقمح؛ لعِلة الكيل والوزن والطعم والاقتيات؛ لأنَّ الأرز ما كان معروفًا، لكن المواصفات الموجودة في القمح موجودةٌ فيه، فهل نقول: الأصل ما يصدق فيه الربا؟ لا، بل يصدق فيه الربا، إذن نلحقه به، وربما يكون المقيس أقوى من المقيس عليه، وهذا ما يُعرف بمفهوم موافقة الأولى، وهناك مفهوم موافقة موافق، وهناك مفهوم مخالفةٍ، ومفهوم المخالفة سيأتي في حديث: "في سائمة الغنم الزكاة".
* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ رَوَى جَابِرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: "لَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ" (١)).
стр. 3212
هذا قلنا إنه حديثٌ ضعيفٌ، ولذلك ردَّه العلماء الذين قالوا بوجوب زكاة الحلي.
* قوله: (وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: "أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا").
في بعض الروايات أنَّ هذه المرأة قدِمَت من اليمن.
وكان السلف ﵃ ربما يركب الواحد منهم المسافات إن تيسرت له النفقة، ويسير إلى مسافاتٍ على قدميه إن ضاقت به النفقة، يبحث عن فتوى في مسألةٍ، أو يبحث عن حديثٍ من أحاديث رسول اللَّه ﷺ ، ولقد رأينا من الصحابة من ركب، ومن امتطى دابته، وقطع المسافات الطوال، يصل كلال الليل بكلال النهار إلى الشام؛ ليأخذ حديثًا بلغه أنَّ أحد أصحاب رسول اللَّه ﷺ تلقاه عنه، وهكذا كان السلف ﵃.
* قوله: (وَفِي يَدِ ابْنَتِهَا مَسْكٌ مِنْ ذَهَبٍ).
وَفِي يَدِ ابْنَتِهَا مَسَكَتان مِنْ ذَهَبٍ، هذا الذي ورد في الحديث للذي يعرف الروايات.
* قوله: (فَقَالَ لَهَا: أَتُؤَدِّينَ زَكَاةَ هَذَا؟).
وفي بعض الروايات: "أتعطين زكاة هذه؟ ".
* قوله: (قَالَتْ: لَا، قَالَ: "أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سِوَارينِ مِنْ نَارٍ؟ فَخَلَعَتْهُمَا وَأَلْقَتْهُمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَتْ: هُمَا لِلَّهِ وَلرَسُولِهِ" (١). وَالْأَثَرَان ضَعِيفَانِ).
هذا غير صحيحٍ، هذا الكلام الذي يقوله المؤلف قد قاله غيره، لكنَّ
стр. 3213
الضعيف في الحقيقة هو ما في الترمذي، وهذا الحديث أخرجه أيضًا غير الترمذي فقد أخرجه أبو داود وغيره، يعني روي في عدة كتب أحاديث، ولكن رواية أبي داود صحيحة، فالحديث حسنٌ صالحٌ للاحتجاج به، إذن الأول ضعيفٌ، والثاني غير ضعيفٍ، الأول لا حجة فيه؛ لأنه ضعيفٌ، والثاني حجةٌ؛ لأنه حسنٌ.
* قوله: (وَبِخَاصَّةٍ حَدِيثُ جَابِرٍ).
انظر، هذا استدراكٌ من المؤلف وإن لم يكن كافيًا، لكنه طيبٌ؛ لأنه قال: الحديثان ضعيفان، أخذ برأي العامة، لكنه قال: وبخاصةٍ الحديث الأول، لكن الثاني ليس بضعيفٍ، فهو يختلف عن الأول، والذين حققوا في ذلك من أهل العلم، وتتبعوا سند الحديث وطرقه، ومنهم الإمام النووي، ومعلومٌ أنَّ الإمام النووي خالف في ذلك مذهبه.
وأقوى الأدلة إن أردت أن تستدل بها لقول عالمٍ أن تأتي عليه بقول من خالف مذهبه، فلو أنك قرأت مثلًا في كتاب "المجموع" لوجدت أنَّ المؤلف النووي ﵀ ركَّز على الجانب الآخر يعني على مذهب الحنفية، وكأنه ضرب صفحًا عن مذهب الشافعية، حتى لم يُعن بأدلتهم، لما أخذ صاحب "المهذب" الذي هو يشرحه يذكر الأدلة، لم يذكر هو هذه الأدلة، وإنما أشار إلى بعضها، بينما تجده اعتنى بالأدلة الأُخرى وتكلم عن هذا الحديث، وبيّن أيضًا أنه هذا الحديث حسنٌ، وغيره تكلم فيه، ومن الذين صححوا هذا الحديث من أهل العلم المعاصرين الشيخ الألباني أيضًا وغيره من العلماء، فحكموا عليه بأنه حسنٌ.
* قوله: (وَلِكَوْنِ السَّبَبِ الأَمْلَكِ لِاخْتِلَافِهِمْ تَرَدُّدُ الْحُلِيِّ الْمُتَّخَذِ لِلِّبَاسِ بَيْنَ التِّبْرِ وَالْفِضَّةِ اللَّذَيْنِ الْمَقْصُودُ مِنْهُمَا أَوَّلًا الْمُعَامَلَةُ لَا الِانْتِفَاعُ، وَبَيْنَ الْعُرُوضِ التي الْمَقْصُودِ مِنْهَا بِالْوَضْعِ الْأَوَّلِ خِلَافُ الْمَقْصُودِ مِنَ التِّبْرِ وَالْفِضَّةِ).
كما قلنا أولئك يُعلِّلون ويقولون: إن الزكاة إنما تجب فيما فيه نماءٌ،
стр. 3214
أما الشيء الذي لا ينمو فلا تجب فيه زكاة؛ لأنَّ الزكاة شُرعت لما فيه نماء.
* قوله: (أَعْنِي: الِانْتِفَاعَ بِهَا لَا الْمُعَامَلَةَ، وَأَعْنِي بِالْمُعَامَلَةِ: كَوْنَهَا ثَمَنًا، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ (١) فِي الْحُلِيِّ الْمُتَّخَذِ لِلْكِرَاءِ:).
قد تكون امرأةٌ عندها حلُي تؤجره، كما يحدث الآن من الناس تأجير السيارة أو دابةٍ أو عمارةٍ أو غيرها، وربما يؤجر رقيقًا، فهذه الأجرة التي يُحصل عليها من الحُلي أتزكى؟
* قوله: (فَمَرَّةً شَبَّهَهُ بِالْحُلِيِّ الْمُتَّخَذِ مِنَ اللِّبَاسِ، وَمَرَّةً شَبَّهَهُ بِالتِّبْرِ الْمُتَّخَذِ لِلْمُعَامَلَةِ).
نحن لا شك رجحنا وجوب الزكاة في أصله، فمن باب أولى أنَّ ما أُعِدَّ للكراء فيه الزكاة، لكن الحُلي لو كان للتجارة فلا خلاف بين العلماء في وجوب زكاته.
يعني الحلي لو كان للتجارة وجبت فيه الزكاة، ولا خلاف عليه، أي شيءٍ من الأصناف لو وِضع للتجارة يعني عروض التجارة فأصبح يُباع فيه ويُشترى، فإنه يدخل في الأموال الزكوية.
* قوله: ((وَأَمَّا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَيَوَانِ): فَمِنْهُ مَا اخْتَلَفُوا فِي نَوْعِهِ، وَمِنْهُ مَا اخْتَلَفُوا فِي صِنْفِهِ).
إذًا ما اختلفوا فيه نوعان: شيءٌ اختلفوا في نوعه، وشيءٌ اختلفوا في صنفه، نريد أن نعرف ما هو الذي اختلفوا في نوعه، وما هو الذي اختلفوا في صنفه.
стр. 3215
* قوله: (أَمَّا مَا اخْتَلَفُوا فِي نَوْعِهِ: فَالْخَيْلُ).
والحيوانات أنواعٌ -كما هو معلومٌ-؛ إبلٌ وبقرٌ وغنمٌ، ثم من الحيوانات الخيل، والخيل يدخلونها في الدواب، والإبل والبقر والغنم تُعرَف ببهيمة الأنعام، وهذه لها خصائصُ لا توجد في الخيل ولا في غيرها؛ فهذه -كما هو معلومٌ- إلى جانب الاستفادة بها كالاستفادة من الخيل، فإنها تُذبح هَديًا، وكذلك تُذبح أضحيةً، ولها خصائصُ ومزايا لا يشركها فيها غيرها.
* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ الْجُمْهُورَ (١) عَلَى أَنْ لَا زَكَاةَ فِي الْخَيْلِ).
على أن لا زكاة في الخيل، هنا سنعكس القضية، انظر، نحن في المسألة السابقة رجَّحنا مذهب أبي حنيفة، لكن هنا سيترجح عندنا مذهب الجمهور؛ لأنَّ الأدلة معهم، وهكذا طالب العلم المنصف في دراسته، ينبغي أن يكون كذلك، ينبغي أن يكون هدفه وغايته ما كان الدليل يعضده ويؤيده.
* قوله: (فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢) إِلَى أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ سَائِمَةً، وَقَصَدَ بِهَا النَّسْلَ، أَنَّ فِيهَا الزَّكَاةَ).
стр. 3216
سائمة يعني غير معلوفةٍ، ومنطلقة ترعى في الصحاري، فلا يعلفها صاحبها، ولا ينفق عليها؛ لأنَّ صاحب الماشية أو غيرها لو علفها ربما تكون النفقة عليها تكلفه أكثر من قيمتها، لكنه مقابل الخدمة تجد أنه يعلفها، لكن السائمة لا ينفق عليها شيئًا وهو يستفيد بها، إذن مقابل هذا تُزكى، فالخيل السائمة يرى أبو حنيفة -كما ذكر المؤلف- أن فيها زكاة، وجمهور العلماء -ومنهم الأئمة الثلاثة وغيرهم- يقولون: لا زكاة في الخيل، وأبو حنيفة عندما قال إن الخيل فيها زكاةٌ استدل بحديث: "في سائمة الخيل الزكاة، في كل فرسٍ دينار" أو "في الخيل السائمة في كل فرسٍ دينار" يعني كل فرسٍ فيه دينارٌ.
وبعض أهل العلم يقول: فيها رُبع العشر، فالشاهد هنا أنَّ أبا حنيفة يرى أن في الخيل زكاةً، وأن دليله في ذلك هذا الحديث: "في سائمة الخيل الزكاة، في كل فرسٍ دينارٌ"، وأما جمهور العلماء فلهم عدة أدلة في الصحيحين وفي غيرهما، ومن تلك الأحاديث قوله ﵊: "ليس على المسلم في فرسه وغلامه صدقة"، والقصد بالصدقة هنا الزكاة، (ليس)، و (ليس) -كما هو معلوم- من أخوات كان، وهي وإن كانت فعلًا جامدًا ماضيًا، فهي نافيةٌ أيضًا تتضمن معنى النفي، فليس على المسلم في فرسه ولا في غلامه صدقة.
وفي الحديث الآخر: "ليس على الرجل في فرسه ولا عبده صدقة"، وهذان الحديثان جاءا بلفظين متفقٍ عليهما، والحديث الأول الذي استدل به أبو حنيفة مختلفٌ عليه، وصاحباه أيضًا خالفاه في هذه المسألة، وحديث علي ﵁ عند الترمذي وغيره، حديثٌ صحيحٌ، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "عفوت لكم عن صدقة الرقيق والخيل".
стр. 3217
إذًا لا زكاة فيه، فليس على المسلم أو الرجل في غلامه أو فرسه صدقةٌ، ليس على الرجل في عبده وفرسه صدقة، "عفوتُ لكم عن صدقة الخيل والرقيق"، هذه كلها نصوصٌ صحيحةٌ، دليلٌ على أنه لا زكاة فيها، ثم إنَّ الخيل تختلف عن غيرها فيما تجب فيه الزكاة، فأنت ترى أنَّ الحمير ليس فيها زكاة، وكذلك البغال، وهذه الخيل لا زكاة فيها فهي وإن سامت، فهذا ليس دليلًا على زكاتها.
* قوله: (فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ (١) إِلَى أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ سَائِمَةً، وَقَصَدَ بِهَا النَّسْلَ، أَنَّ فِيهَا الزَّكَاةَ -أَعْنِي: إِذَا كَانَتْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا-).
هذا القول الذي ذكره المؤلف مقيدٌ في مذهب أبي حنيفة، ما دام المؤلف فصَّل، فنحن يجب أن نبيِّن، يعني: مذهب أبي حنيفة يختلف عن مذهب صاحبيه، فصاحباه -على ما أذكر- مع الجمهور، لكن أبا حنيفة كان يرى أنَّ الخيل إذا اجتمع فيها ذكورٌ وإناثٌ، أن فيها الزكاة.
أما لو كانت ذكورًا فقط أو إناثًا فقط، فعنده روايتان في المسألة، روايةٌ فيها الزكاة وروايةٌ ليس فيها الزكاة، أفصل أكثر: أبو حنيفة يرى أنَّ سائمة الخيل إن كانت، أو اجتمع فيها الذكور والإناث معًا في وقتٍ واحدٍ، ففيها الزكاة.
أما لو كان الموجود عند صاحبها فقط إناثًا، فعنده روايتان؛ روايةٌ توجب فيها الزكاة وروايةٌ لا توجب فيها الزكاة، أو كان الذي عنده ذكورًا، فكذلك روايتان؛ روايةٌ توجب فيها الزكاة، وروايةٌ لا توجب فيها الزكاة.
стр. 3218
إذًا ليس مذهب أبي حنيفة على إطلاقه، ونحن كثيرًا ما نقول: المذهب الحنفي، أو: مذهب أبي حنيفة، وإن كنا نقصد بذلك الإمام، لكن كثيرًا ما نجد أن صاحبيه أو أحدهما يخالف الإمام، يعني: ربما يقول الإمام أبو حنيفة قولًا فيوافقه أبو يوسف، ويخالفهما محمد بن الحسن، وربما يقول أبو يوسف قولًا ويخالفه الإمام ومحمد، وربما ينفرد محمد بقولٍ ويخالفه الإمام أبو يوسف، وهكذا، وهذه أمورٌ نبه عليها الحنفية، وذكروا شواهد وأمثلةً عليها، وهذا حقيقة ليس في مذهب أبي حنيفة، ففي كل المذاهب قد تجد من أصحاب الإمام من يخالفه، فقد يقول الإمام بقولٍ، وتجد بعض أصحابه يتبين له قوة دليل هذا القول فيخالف إمامه؛ لأنه يرى أنَّ الدليل مع الطرف الآخر أقوى مما أخذ به إمامه، فقد يكون إمامه لم يقف على الدليل؛ لأنَّ إمامه ليس محيطًا بالعلم، وربما وقف على الدليل ولم يصح عنده، بل صحَّ عند غيره من طريقٍ آخر.
كما رأيتم في الحديث الذي مرّ بنا وهو حديث عمرو بن شعيب، لم يصح عند الترمذي ولكنه صحَّ عند أبي داود، ونحن هنا لا نقتصر على كتابٍ من كتب الحديث ولا على طريقٍ من الطرق التي ورد فيها الحديث، وإنما يجمع الطرق، وأحيانًا قد تكون الطرق فيها ضعفٌ، لكنها إذا جمعت يقوي بعضها بعضًا، ويصبح الحديث صالحًا للاحتجاج به، قد يأتي الحديث بعدة رواياتٍ، وبطرق متعددةٍ، وكل طريقٍ لا يسلم من مقالٍ، فإذا جمعت هذه الطرق وتتبعت وجمعت في مكانٍ واحدٍ، صار بعضها يقوي بعضًا فصار هذا الحديث صالحًا للاحتجاج به، ولذلك أمثلة كثيرةٌ معروفة في كتب الحديث وفي كتمب الفقه، ولكنها أبين وأظهر في كتب الحديث.
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِلَّفْظِ، وَمَا يُظَنُّ مِنْ مُعَارَضَةِ اللَّفْظِ لِلَّفْظِ فِيهَا، أَمَّا اللَّفْظُ الَّذِي يَقْتَضِي أَنْ لَا زَكَاةَ فِيهَا فَقَوْلُهُ ﵊: "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا في
стр. 3219
فَرَسِهِ صَدَقَةٌ" (١)، وَأَمَّا الْقِيَاسُ الَّذِي عَارَضَ هَذَا العُمُومَ: فَهُوَ أَنَّ الْخَيْلَ السَّائِمَةَ حَيَوَانٌ مَقْصُودٌ بِهِ النَّمَاءُ وَالنَّسْلُ، فَأَشْبَهَ الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ، وَأَمَّا اللَّفْظُ الَّذِي يُظَنُّ أَنَّهُ مُعَارِضٌ لِذَلِكَ العُمُومِ فَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ وَقَدْ ذَكرَ الْخَيْلَ: "وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا" (٢)).
لكننا نقول إن الصفات الموجودة في الإبل، والبقر، والغنم، ليست كلها موجودة في الخيل، فالمعروف أن للإبل، والبقر، والغنم، فوائد متعددة، ولها خصائص تنفرد عنها وذكرنا من ذلك أن تقدر في الهدي وفي الأضاحي بخلاف الخيل، إذن لها مزايا، فهي تختلف عن الخيل في صفات عدة.
* قوله: (ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى "أَنَّ حَقَّ اللَّهِ" هُوَ الزَّكَاةُ، وَذَلِكَ فِي السَّائِمَةِ مِنْهَا.
قَالَ الْقَاضِي:).
القاضي هو ابن رشد، وهذا يتكرر كثيرًا.
* قوله: (وَأَنْ يَكُونَ هَذَا اللَّفْظُ مُجْمَلًا أَحْرَى مِنْهُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا).
نعم، وأنا مع المؤلف، يعني أن الكلام الذي أورده هنا مجمل، والأحاديث التي أتى بها الجمهور خاصة، يعني: نص في المسألة، فينبغي أن تُقدَّم.
* قوله: (فَيُحْتَجُّ بِهِ فِي الزَّكَاةِ، وَخَالَفَ أَبَا حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ صَاحبَاهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ (٣)).
стр. 3220
معلوم أن هناك خلافًا في أكل لحوم الخيل، وليس هذا محله، إنما ستأتي -إن شاء اللَّه- في الأطعمة، فهناك من يرى من العلماء جواز أكلها، لكن بالنسبة للإبل، والبقر، والغنم، فهذه مجمع عليها، ولكن ورد أيضًا في "صحيح البخاري" أنه ذُبح فرس على عهد رسول اللَّه ﷺ ، ولا نريد أن ندرس هذه المسألة، لكنني أقول: لا شك أن الأقوى هو جواز أكل لحوم الخيل، لكن المسألة فيها خلاف.
* قوله: (وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ (١) ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ مِنْهَا الصَّدَقَةَ، فَقِيلَ إِنَّهُ كَانَ بِاخْتِيَارٍ مِنْهُمْ).
هذه حقيقةً مسألة مهمة، المؤلف مر عليها مرور الكرام، وهذه من القضايا التي نُعنى بها، هذه القضية التي أشار إليها المؤلف، ومعلوم أن كتاب "بداية المجتهد" ليس كتابًا مفصلًا، وإنما هو كتاب -كما كررنا وقلنا- كتاب يُعنى بالكليات لا بالجزئيات، يُعنى بأمهات المسائل لا بفروعها، فله منهج سار عليه، ولا نعتبر ذلك تقصيرًا، لكن فيه حقيقةً من الفوائد ومن الأسرار، الأشياء الكثيرة، فهو يعطي إشارات قيمة تنبّه من يدرّس هذا الكتاب، وقد يغفل عن أمر من الأمور فيتذكره، فيشير وشبه.
* قوله: (وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ مِنْهَا الصَّدَقَةَ).
يقول: صح عن عمر، وهو كما قال المؤلف، صح عن عمر
стр. 3221
عند أحمد وعند غيره من أصحاب كتب الحديث، فصح عن عمر أنه كان يأخذ منها، هذا أيضًا ليس على الإطلاق، هذا ينبغي أن يبيّن، يعني لا ينبغي أن يمر عليه مرور الكرام، القضية أنه جاء أقوام من الشام إلى عمر ﵁، وهم جاؤوا يشكرون اللَّه على ما أنعم عليهم؛ لأنهم حصلوا على خيلٍ وعلى رقيق، يعني أنعم اللَّه عليهم بأن وهبهم خيلًا ورقيقًا، والخيل هي التي نتكلم عنها، والرقيق: هم المملوكون-، فعرضوا على عمر ﵁ أن يقدموا زكاة الخيل، فقال عمر ﵁ وهو المُلهم: لا آخذها، إنما أفعل كما فعل صاحباي، يعني محمد بن عبد اللَّه ﷺ ، وأبا بكر ﵁.
إذن عمر ﵁ توقف في هذه المسألة، قال: لا أفعل إلا كما فعل صاحباي، رسول اللَّه ﷺ ، وكذلك أبو بكر، وهما لم يأخذا زكاة الخيل، لم يُنقل من طريقٍ صحيح أنهما أخذا شيئًا في زكاة الخيل، هذا فيما أعلم أنا.
إذن عمر توقف؛ لأنه قيّد الأمر بأنه لا يفعل ما لم يفعله صاحباه، لو كانت زكاة الخيل واجبة لما توقف عمر؛ لأن الزكاة واجبة، وأخذها حقٌّ للمسلمين؛ فكان يجب على عمر ﵁ أن يأخذها فيدفعها في مصارفها، يعني يدفعها في الأمور التي وُزّعت وأُعدت لها.
إذن عمر قال: لا أفعل إلا كما فعل صاحباي، توقف فلم يأخذ الزكاة، فلو كانت زكاة الخيل واجبة لما توقف عمر ﵁، ولما جاز له أن يتوقف؛ لأنها زكاة، والزكاة واجبة، ولا يجوز لإمام المسلمين ألا يأخذ زكاةً تجب على الأغنياء فتُرد إلى الفقراء.
دليلٌ آخر: أن عمر ﵁ قد استشار الصحابة ﵃، فأشار عليه علي بن أبي طالب بأن لا مانع أن يأخذها، على ألا تكون جزيةً لمن جاء بعده، يعني أشار عليه ما دام أولئك جاؤوا بها، فلا يرى عليٌّ ﵁ ما يمنع من أن يأخذها على ألا تكون جزيةً يأخذها من يأتي بعده.
انظر إلى فقه علي ﵁، كأن عليًّا ﵁ يقول: هؤلاء أُناس جاؤوا
стр. 3222
يقدمون مالًا طابت به أنفسهم، أرادوا أن يقدموه شكرًا للَّه على ما أنعم عليهم مما وهبهم وأعطاهم ومنحهم، فينبغي أن تأخذ ذلك، لكن لا ينبغي أن يكون ذلك حكمًا شرعيًّا مقررًا، ولا ينبغي أن يُفهم أن هذا الذي تأخذه يجعله من يأتي بعدك جزيةً.
وهذا فيه دليلٌ على أن أخذها ليس بواجب، وأن عليًّا ﵁ قال: حتى لا يعدها من يأتي بعدك جزيةً، على أنه لم يفهم الصحابة ﵃ أن في الخيل زكاةً، هذه من الأدلة أيضًا التي نتلمّسها فيما فعله عمرُ ﵁، ونحن وجدنا عدة أدلة نستنتجها مما حصل في هذا الأثر، فهم تبرعوا.
دليلٌ آخر يُضاف إلى ذلك: أن عمر ﵁ عندما أقدم على أخذها منهم كان ينفق على عبيدهم، إذن هذه مقابل هذه، وتلك مقابل تلك، إذن عمر أخذ منهم هذا الذي جادت به أنفسهم، وتبرعوا به، لكنه مقابل ذلك كان ينفق على عبيد أولئك الرجال الذين جاؤوا، فأرادوا أن يقدموا شيئًا من أموالهم.
وبهذا نتبين عن طريق هذا العرض، والمناقشة، والتعليل، والبيان، أنه ليس فيما فعله عمر ﵁ ما يدل على وجوب زكاة الخيل، بل الفقيه الحصيف يدرك أن ما فعله عمر دليل على عدم وجوبها، وبهذا يكون ما احتج به الفريق الثاني مما فعله عمر ﵁ حُجّةً عليهم وليس حُجّة لهم؛ لأن عمر ﵁ توقف، وربط توقفه بأن رسول اللَّه ﷺ وأبا بكر لم يفعلاه، واستشار الصحابة، ولو كانت الزكاة واجبة لما احتاج أن يستشيرهم في أمرٍ معلوم، ولمَّا استشارهم أيضًا أشار عليه عليّ ﵁، وقيّد ذلك بألا يُعتبر جزيةً؛ فلم يكن للزكاة بينهم حديث في ذلك وكان عمر ﵁ ينفق على عبيدهم.
* قوله: (وَأَمَّا مَا اخْتَلَفُوا فِي صِنْفِهِ: فَهِيَ السَّائِمَةُ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ مِنْ غَيْرِ السَّائِمَةِ مِنْهَا).
المؤلف هنا بدأ الحديث عما يتعلق بالسائمة؛ أي: في سائمة بهيمة
стр. 3223
الأنعام التي هي الإبل والبقر والغنم، ولم تكن بداية حديثه تفصيلًا هنا فيما سيتكلم عنه، لكنه أوردها عندما قسّم ما تجب فيه الزكاة إلى قسمين، فتكلم عن النوع، ثم الآن يتكلم عن الصنف إجماعًا، لكنه سيعود بعد ذلك ليتحدث عن زكاة الإبل والبقر والغنم تفصيلًا.
ومراده هنا أن يُبيّن أن ما تجب فيه الزكاة من الإبل والبقر والغنم إنما هو السائمة ومعنى السائمة: الراعية، أي التي تركها صاحبها ترعى في المراعي، والقصد من ذلك غير المعلوفة، فقد ترعى في أماكن مباحة، والقصد أن صاحبها لم ينفق عليها، كذلك أيضًا يدخل فيما لا تجب فيه الزكاة، العوامل؛ كالبقر التي تُستعمل في الحرث، وكذلك الإبل التي تُستعمل في النضح؛ أي: في حمل الماء، إلى غير ذلك مما تُستخدم فيه هذه الحيوانات. ومعنى سائمة مِن سامت تسوم، إذا رعت. ومن ذلك قول اللَّه : ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠]: أي ترعوْن.
إذًا المراد بالسائمة هنا: إنما هي التي ترعى، والسائمة هنا تُخرج المعلوفة. إذًا معنى هذا أن السائمة خلاف المعلوفة من حيث الحكم؛ فإذا كان عند إنسان إبلٌ، أو بقر أو غنم سائمة، فإنه تجب فيها الزكاة -وسيأتي بيان ذلك مفصلًا في موضعه-. أما إن كانت معلوفةً: أي يقوم صاحبها على الإنفاق عليها فإنها لا تجب فيها الزكاة، وكذلك أيضًا إذا كان هذا الحيوان سائمًا، إذا كان هذا الحيوان من بهيمة الأنعام عوامل: أي يستخدمها صاحبها في أعمالٍ؛ كأن يحمل عليها حطبًا، أو كذلك يسقي عليها، أو يحمل عليها بضاعته، أو يتنقل عليها في شؤونه؛ ففي هذه الحالة لا زكاة فيها. هذا هو مراد المؤلف، وهو المعروف أيضًا وهو ما سيأتي الحديث عنه في الأحاديث.
* قوله: (فَإِنَّ قَوْمًا أَوْجَبُوا الزَّكَاةَ فِي هَذِهِ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ سَائِمَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ سَائِمَةٍ).
هذا قول قلة من العلماء، ومنهم الإمام مالك ﵀، وهؤلاء أخذوا بعموم الأدلة؛ كحديث (في أربعين شاةٍ شاة)، وكذلك ما يتعلق في
стр. 3224
الإبل في سائمة الإبل (فى كل خمسين شاة)، فقالوا: هذه أحاديث مطلقة فينبغي أن تعم كل نوع من أنواع بهيمة الأنعام، ولا يرى فرقًا بين أن تكون سائمة راعية، وبين أن تكون من العوامل أو المعلوفة. وخالفهم في ذلك جماهير العلماء ومنهم الأئمة: أبو حنيفة والشافعي وأحمد؛ فقالوا: إن الزكاة تجب في السائمة دون غيرها.
* قوله: (وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ (١)، وَمَالِكٌ (٢)).
والليث كما هو معلوم هو إمام مصر قبل الشافعي، وهو الإمام المشهور الذي دارت بينه وبين الإمام مالك رسائل، وله رسالته المشهورة التي وجهها إلى الإمام مالك، والتي أيضًا أرسل الإمام مالك أيضًا رسالةً إليه.
* قوله: (وَقَالَ سَائِرُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ (٣): لَا زَكَاةَ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ مِنْ هَذِهِ الأَنْوَاع).
سائر فقهاء الأمصار منهم الأئمة الثلاثة المعروفون، الأئمة الأربعة عدا مالك.
стр. 3225
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ الْمُطْلَقِ لِلْمُقَيّدِ).
المؤلف دائمًا بعد أن يعرض الأقوال يذكر أسباب الخلاف، فهل سبب الخلاف -كما ذكر المؤلف- هو معارضة المطلق للمقيد؟ ويقصد بالمطلق: الأحاديث التي تحدثت عن الزكاة دون أن تقيدها بسائمة، دون أن يرد فيها هذا الوصف الكاشف الذي هو سائمة؛ فمن رأى أن أغلب الأحاديث المطلقة عمّم الزكاة، ومن رأى أن لهذا القيد معنى، وأنه مقصود، وأن الرسول ﷺ عندما نطق به رتّب وترتب عليه حكم من الأحكام.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ الْمُطْلَقِ لِلْمُقَيّدِ، وَمُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِعُمُومِ اللَّفْظِ).
قصده بالمطلق: هو الأدلة التي تأتي مطلقةً، التي يدخل تحتها كل ما يندرج من أحكام، والمقيد: هو ما يُمثّل جزءًا من ذلك المطلق، لا شك أن المطلق أعمُّ؛ لأنه يشمل أحكامًا عامة، والمقيد قيّد هذا المطلق؛ فأيهما أولى؛ أن يؤخذ بالمطلق أو أن يؤخذ بالمقيد؟ لا شك أن المشهور هو أن القيد معتبر، وأن التقييد مقدم على الإطلاق، وخالف في ذلك ابن حزم، وهي مسألة أصولية معروفة.
* قوله: (أَمَّا الْمُطْلَقُ: فَقَوْلُهُ ﵊: "فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ" (١)).
في أربعين شاةً شاةٌ، هذا مطلق، إذن رسول اللَّه ﷺ بيّن أنه فى أربعين شاةً شاة، هكذا لم يذكر وصفًا يقيده به.
* قوله: (وَأَمَّا الْمُقَيّدُ: فَقَوْلُهُ ﵊: "فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ" (٢)).