← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

عند أحمد وعند غيره من أصحاب كتب الحديث، فصح عن عمر أنه كان يأخذ منها، هذا أيضًا ليس على الإطلاق، هذا ينبغي أن يبيّن، يعني لا ينبغي أن يمر عليه مرور الكرام، القضية أنه جاء أقوام من الشام إلى عمر ﵁، وهم جاؤوا يشكرون اللَّه على ما أنعم عليهم؛ لأنهم حصلوا على خيلٍ وعلى رقيق، يعني أنعم اللَّه عليهم بأن وهبهم خيلًا ورقيقًا، والخيل هي التي نتكلم عنها، والرقيق: هم المملوكون-، فعرضوا على عمر ﵁ أن يقدموا زكاة الخيل، فقال عمر ﵁ وهو المُلهم: لا آخذها، إنما أفعل كما فعل صاحباي، يعني محمد بن عبد اللَّه ﷺ ، وأبا بكر ﵁. إذن عمر ﵁ توقف في هذه المسألة، قال: لا أفعل إلا كما فعل صاحباي، رسول اللَّه ﷺ ، وكذلك أبو بكر، وهما لم يأخذا زكاة الخيل، لم يُنقل من طريقٍ صحيح أنهما أخذا شيئًا في زكاة الخيل، هذا فيما أعلم أنا. إذن عمر توقف؛ لأنه قيّد الأمر بأنه لا يفعل ما لم يفعله صاحباه، لو كانت زكاة الخيل واجبة لما توقف عمر؛ لأن الزكاة واجبة، وأخذها حقٌّ للمسلمين؛ فكان يجب على عمر ﵁ أن يأخذها فيدفعها في مصارفها، يعني يدفعها في الأمور التي وُزّعت وأُعدت لها. إذن عمر قال: لا أفعل إلا كما فعل صاحباي، توقف فلم يأخذ الزكاة، فلو كانت زكاة الخيل واجبة لما توقف عمر ﵁، ولما جاز له أن يتوقف؛ لأنها زكاة، والزكاة واجبة، ولا يجوز لإمام المسلمين ألا يأخذ زكاةً تجب على الأغنياء فتُرد إلى الفقراء. دليلٌ آخر: أن عمر ﵁ قد استشار الصحابة ﵃، فأشار عليه علي بن أبي طالب بأن لا مانع أن يأخذها، على ألا تكون جزيةً لمن جاء بعده، يعني أشار عليه ما دام أولئك جاؤوا بها، فلا يرى عليٌّ ﵁ ما يمنع من أن يأخذها على ألا تكون جزيةً يأخذها من يأتي بعده. انظر إلى فقه علي ﵁، كأن عليًّا ﵁ يقول: هؤلاء أُناس جاؤوا

стр. 3222

يقدمون مالًا طابت به أنفسهم، أرادوا أن يقدموه شكرًا للَّه على ما أنعم عليهم مما وهبهم وأعطاهم ومنحهم، فينبغي أن تأخذ ذلك، لكن لا ينبغي أن يكون ذلك حكمًا شرعيًّا مقررًا، ولا ينبغي أن يُفهم أن هذا الذي تأخذه يجعله من يأتي بعدك جزيةً. وهذا فيه دليلٌ على أن أخذها ليس بواجب، وأن عليًّا ﵁ قال: حتى لا يعدها من يأتي بعدك جزيةً، على أنه لم يفهم الصحابة ﵃ أن في الخيل زكاةً، هذه من الأدلة أيضًا التي نتلمّسها فيما فعله عمرُ ﵁، ونحن وجدنا عدة أدلة نستنتجها مما حصل في هذا الأثر، فهم تبرعوا. دليلٌ آخر يُضاف إلى ذلك: أن عمر ﵁ عندما أقدم على أخذها منهم كان ينفق على عبيدهم، إذن هذه مقابل هذه، وتلك مقابل تلك، إذن عمر أخذ منهم هذا الذي جادت به أنفسهم، وتبرعوا به، لكنه مقابل ذلك كان ينفق على عبيد أولئك الرجال الذين جاؤوا، فأرادوا أن يقدموا شيئًا من أموالهم. وبهذا نتبين عن طريق هذا العرض، والمناقشة، والتعليل، والبيان، أنه ليس فيما فعله عمر ﵁ ما يدل على وجوب زكاة الخيل، بل الفقيه الحصيف يدرك أن ما فعله عمر دليل على عدم وجوبها، وبهذا يكون ما احتج به الفريق الثاني مما فعله عمر ﵁ حُجّةً عليهم وليس حُجّة لهم؛ لأن عمر ﵁ توقف، وربط توقفه بأن رسول اللَّه ﷺ وأبا بكر لم يفعلاه، واستشار الصحابة، ولو كانت الزكاة واجبة لما احتاج أن يستشيرهم في أمرٍ معلوم، ولمَّا استشارهم أيضًا أشار عليه عليّ ﵁، وقيّد ذلك بألا يُعتبر جزيةً؛ فلم يكن للزكاة بينهم حديث في ذلك وكان عمر ﵁ ينفق على عبيدهم. * قوله: (وَأَمَّا مَا اخْتَلَفُوا فِي صِنْفِهِ: فَهِيَ السَّائِمَةُ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ مِنْ غَيْرِ السَّائِمَةِ مِنْهَا). المؤلف هنا بدأ الحديث عما يتعلق بالسائمة؛ أي: في سائمة بهيمة

стр. 3223

الأنعام التي هي الإبل والبقر والغنم، ولم تكن بداية حديثه تفصيلًا هنا فيما سيتكلم عنه، لكنه أوردها عندما قسّم ما تجب فيه الزكاة إلى قسمين، فتكلم عن النوع، ثم الآن يتكلم عن الصنف إجماعًا، لكنه سيعود بعد ذلك ليتحدث عن زكاة الإبل والبقر والغنم تفصيلًا. ومراده هنا أن يُبيّن أن ما تجب فيه الزكاة من الإبل والبقر والغنم إنما هو السائمة ومعنى السائمة: الراعية، أي التي تركها صاحبها ترعى في المراعي، والقصد من ذلك غير المعلوفة، فقد ترعى في أماكن مباحة، والقصد أن صاحبها لم ينفق عليها، كذلك أيضًا يدخل فيما لا تجب فيه الزكاة، العوامل؛ كالبقر التي تُستعمل في الحرث، وكذلك الإبل التي تُستعمل في النضح؛ أي: في حمل الماء، إلى غير ذلك مما تُستخدم فيه هذه الحيوانات. ومعنى سائمة مِن سامت تسوم، إذا رعت. ومن ذلك قول اللَّه : ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠]: أي ترعوْن. إذًا المراد بالسائمة هنا: إنما هي التي ترعى، والسائمة هنا تُخرج المعلوفة. إذًا معنى هذا أن السائمة خلاف المعلوفة من حيث الحكم؛ فإذا كان عند إنسان إبلٌ، أو بقر أو غنم سائمة، فإنه تجب فيها الزكاة -وسيأتي بيان ذلك مفصلًا في موضعه-. أما إن كانت معلوفةً: أي يقوم صاحبها على الإنفاق عليها فإنها لا تجب فيها الزكاة، وكذلك أيضًا إذا كان هذا الحيوان سائمًا، إذا كان هذا الحيوان من بهيمة الأنعام عوامل: أي يستخدمها صاحبها في أعمالٍ؛ كأن يحمل عليها حطبًا، أو كذلك يسقي عليها، أو يحمل عليها بضاعته، أو يتنقل عليها في شؤونه؛ ففي هذه الحالة لا زكاة فيها. هذا هو مراد المؤلف، وهو المعروف أيضًا وهو ما سيأتي الحديث عنه في الأحاديث. * قوله: (فَإِنَّ قَوْمًا أَوْجَبُوا الزَّكَاةَ فِي هَذِهِ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ سَائِمَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ سَائِمَةٍ). هذا قول قلة من العلماء، ومنهم الإمام مالك ﵀، وهؤلاء أخذوا بعموم الأدلة؛ كحديث (في أربعين شاةٍ شاة)، وكذلك ما يتعلق في

стр. 3224

الإبل في سائمة الإبل (فى كل خمسين شاة)، فقالوا: هذه أحاديث مطلقة فينبغي أن تعم كل نوع من أنواع بهيمة الأنعام، ولا يرى فرقًا بين أن تكون سائمة راعية، وبين أن تكون من العوامل أو المعلوفة. وخالفهم في ذلك جماهير العلماء ومنهم الأئمة: أبو حنيفة والشافعي وأحمد؛ فقالوا: إن الزكاة تجب في السائمة دون غيرها. * قوله: (وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ (١)، وَمَالِكٌ (٢)). والليث كما هو معلوم هو إمام مصر قبل الشافعي، وهو الإمام المشهور الذي دارت بينه وبين الإمام مالك رسائل، وله رسالته المشهورة التي وجهها إلى الإمام مالك، والتي أيضًا أرسل الإمام مالك أيضًا رسالةً إليه. * قوله: (وَقَالَ سَائِرُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ (٣): لَا زَكَاةَ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ مِنْ هَذِهِ الأَنْوَاع). سائر فقهاء الأمصار منهم الأئمة الثلاثة المعروفون، الأئمة الأربعة عدا مالك.

стр. 3225

* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ الْمُطْلَقِ لِلْمُقَيّدِ). المؤلف دائمًا بعد أن يعرض الأقوال يذكر أسباب الخلاف، فهل سبب الخلاف -كما ذكر المؤلف- هو معارضة المطلق للمقيد؟ ويقصد بالمطلق: الأحاديث التي تحدثت عن الزكاة دون أن تقيدها بسائمة، دون أن يرد فيها هذا الوصف الكاشف الذي هو سائمة؛ فمن رأى أن أغلب الأحاديث المطلقة عمّم الزكاة، ومن رأى أن لهذا القيد معنى، وأنه مقصود، وأن الرسول ﷺ عندما نطق به رتّب وترتب عليه حكم من الأحكام. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ الْمُطْلَقِ لِلْمُقَيّدِ، وَمُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِعُمُومِ اللَّفْظِ). قصده بالمطلق: هو الأدلة التي تأتي مطلقةً، التي يدخل تحتها كل ما يندرج من أحكام، والمقيد: هو ما يُمثّل جزءًا من ذلك المطلق، لا شك أن المطلق أعمُّ؛ لأنه يشمل أحكامًا عامة، والمقيد قيّد هذا المطلق؛ فأيهما أولى؛ أن يؤخذ بالمطلق أو أن يؤخذ بالمقيد؟ لا شك أن المشهور هو أن القيد معتبر، وأن التقييد مقدم على الإطلاق، وخالف في ذلك ابن حزم، وهي مسألة أصولية معروفة. * قوله: (أَمَّا الْمُطْلَقُ: فَقَوْلُهُ ﵊: "فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ" (١)). في أربعين شاةً شاةٌ، هذا مطلق، إذن رسول اللَّه ﷺ بيّن أنه فى أربعين شاةً شاة، هكذا لم يذكر وصفًا يقيده به. * قوله: (وَأَمَّا الْمُقَيّدُ: فَقَوْلُهُ ﵊: "فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ" (٢)).

стр. 3226

هذا حقيقة عبارة يذكرها الفقهاء في عامة كتبهم، أخذوها من الحديث، والمؤلف لم يأتِ بنص واحد من الأحاديث فيما أعلم، فأنا لا أعرف أن هذا لفظ حديث، ولكن هذا دائمًا يُكثر من ذكره الأصوليون؛ فيذكرون دائمًا عندما يتكلمون عن دليل الخطاب: أي الذي يُعرف بمفهوم المخالفة، يذكرون هذه العبارة، فيقولون: لحديث: "في الغنم السائمة زكاة"، لكن الحديث الذي ورد في البخاري وفي غيره يختلف لفظه عن هذا؛ فالذي في البخاري: "وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة، وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة"، وفي رواية أبي داود: "وفي سائمة الغنم إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة"، هذا هو الأصل، وكذلك ورد "في كل سائمة الإبل"، هذا الذي ورد في الأحاديث، وأما عدا الذي ذكره المؤلف فليس نص حديث، وإنما هو يؤدي معنى الأحاديث. * قوله: (فَمَنْ غَلَّبَ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ). المطلق هو الحديث الذي أورده (في أربعينَ شاةً شاة)، وكذلك: (في خمسٍ من الإبل صدقة)، والأحاديث المطلقة كثيرة في هذا الباب، وستأتي إن شاء اللَّه في مواضعها في زكاة النقدين، وكذلك في موضوعها الخاص، ألا وهو: زكاة بهيمة الأنعام. * قوله: (فَمَنْ غَلَّبَ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ قَالَ: الزَّكَاةُ فِي السَّائِمَةِ وَغَيْرِ السَّائِمَةِ). قصده من (غلّب المطلق على المقيد) أي: قدّم المطلق على المقيد حكمًا؛ أي: أنه أخذ بالمطلق ولم يعمل بالمقيد، قال: لأن المطلق يشتمل على زيادة حكم؛ فما دام يشتمل على زيادة حكم فينبغي أن يكون

стр. 3227

هو المعمول به، لكننا نقول إن القيد معروف في أدلة كتاب اللَّه ، وسنة رسول اللَّه ﷺ ؛ فكم من الآيات جاءت مطلقة فقُيدّت، وكذلك كثير من الأحاديث وردت مطلقةً فقُيّدت، وجاءت آياتٌ عامة، وأحاديث عامة، فجاء أيضًا ما يخصصها. * قوله: (وَمَنْ غَلَّبَ الْمُقَيَّدَ قَالَ: الزَّكَاةُ فِي السَّائِمَةِ مِنْهَا فَقَطْ). إذن من غلّب المقيد؛ أي: من أخذ بالمقيد فإنه يقول إن الزكاة إنما تجب في بهيمة الأنعام السائمة، وهذا هو الرأي الصحيح. * قوله: (وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ مِنْ سَبَبِ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا مُعَارَضَةَ دَلِيلِ الْخِطَابِ لِلْعُمُومِ). يريد المؤلف أن يقول: ويمكن أن يقال بأن هناك سببًا آخر للخلاف، ما هو هذا السبب؟ * قوله: (إِنَّ مِنْ سَبَبِ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا مُعَارَضَةَ دَلِيلِ الْخِطَابِ لِلْعُمُومِ). دليل الخطاب هو الذي يُعرف بمفهوم المخالفة، وهذا من أصرح أدلته في سائمة الغنم، إذن هذا الحديث له منطوقٌ وله مفهوم؛ فمنطوقه، أي: الذي نطق به النص أن في الغنم السائمة زكاة، ومفهومه المخالف الذي يعبر عنه المؤلف كثيرًا بدليل الخطاب؛ أي: ما يُفهم من دليل الخطاب الذي هو مفهوم المخالفة، يدل على أن غير السائمة لا زكاة فيها. لكن العلماء لم يستدلوا بهذا لضعفه؛ لأن دليل الخطاب له عدة تقسيمات؛ بعضها مُسلّم، وبعضها غير مُسلّم، وهي محل نزاع بين العلماء، لكننا نحن عندما نستدل نقول: هناك أدلة قيدت، وهناك أدلة أطلقت، ونحن نأخذ بالمقيد؛ لأنه معتبر، وقد ورد فيها أحاديث صحيحة، ورسول اللَّه ﷺ لم يذكر السائمة إلا لفائدة، هذه الفائدة أن السائمة هي التي تختص بوجوب إخراج الزكاة فيها.

стр. 3228

* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ دَلِيلَ الْخِطَابِ فِي قَوْلِهِ ﵊: "فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ" يَقْتَضِي أَنْ لَا زَكَاةَ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ، وَعُمُومُ قَوْلِهِ ﵊: "فِي كل أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ" يَقْتَضِي أَنَّ السَّائِمَةَ فِي هَذَا بِمَنْزِلَة غَيْرِ السَّائِمَةِ، لَكِنَّ العُمُومَ أَقْوَى مِنْ دَلِيلِ الْخِطَابِ، كَمَا أَنَّ تَغْلِيبَ الْمُقَيَّدِ عَلَى الْمُطْلَقِ أَشْهَرُ مِنْ تَغْلِيبِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ). تغليب المطلق على المقيد هو رأي ابن حزم صاحب كتاب "المحلى" المعروف، وهو حقيقةً من الكتب القيمة في الفقه الإسلامي؛ لأن مؤلفه عُني بأحاديث رسول اللَّه ﷺ ، فيندر أن يذكر حكمًا إلا ومعه دليل، لكن يؤخذ عليه ﵀ وعفا عنا وعنه- أن عباراته قوية، وربما كان فيها تحامل على العلماء، وربما كان فيها أيضًا قسوة على بعض العلماء الأعلام، الذين أجمع العلماء على تزكيتهم، وفضلهم، ومواقفهم العظيمة في خدمة الإسلام. هذا حقيقةً مما جعل طلاب العلم أو بعضهم ينشر عنه، ولذلك هذا الكتاب لا يقرأ فيه إلا إنسان قد تمكن من معرفة الفقه، وأدرك حقيقة الأمر؛ لأن مؤلفه لديه بلاغة، أو ربما يستدل ببعض الأمور، وربما يقع الإنسان في بعض الأمور التي يذكرها، فله مثلًا مسائل شاذة، يعني هو يرى مثلًا أن الإنسان إذا صلى في البيت ركعتي الفجر فلا بد أن يستلقي، أن ينام قليلًا، ولو لم يفعل ذلك لا يصح منه، وهذا حقيقةً رأي شاذ، وفي الكتاب آراء كثيرة شاذة، لكن الكتاب لا شك أنه قيم، وفيه ثروة فقهية عظيمة، وثروة حديثية، وهو أيضًا إلى جانب الاستدلال يُعنى بسند الحديث، لكن من يريد أن يقرأ في هذا الكتاب وفي أمثاله، ينبغي أن يكون على علمٍ به، وكما قيل: قبل الرماء تُملأ الكنائن؛ فالإنسان يعرف اتجاه الكتاب، وغايته، ومنهجه، ثم بعد ذلك يمكن أن يقرأ فيه.

стр. 3229

* قوله: (وَذَهَبَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ (١) إِلَى أَنَّ الْمُطْلَقَ يَقْضِي عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَأَنَّ فِي الْغَنَمِ سَائِمَة وَغَيْرِ سَائِمَةٍ الزَّكَاةَ، وَكَذَلِكَ فِي الْإِبِلِ لِقَوْلِهِ ﵊: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ ذَوْدٍ مِنَ الْإِبِلِ صَدَقَةٌ" (٢). وَأَنَّ الْبَقَرَ لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ فِيهَا أَثَرٌ وَجَبَ أَنْ يُتَمَسَّكَ فِيهَا بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ أَنَّ الزَّكَاةَ فِي السَّائِمَةِ مِنْهَا فَقَطْ، فَتَكُونُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْبَقْرِ وَغَيْرِهَا قَوْلًا ثَالِثًا). هذا في الحقيقة قول غير مُسلّم، ولا شك أن الحق -فيما يظهر لنا وهو الواضح كما دلت الأدلة- مع جماهير العلماء الذين قصروا وجوب الزكاة في هذه الحيوانات على سائمتها. ونحن منذ أن بدأنا في الزكاة، ونحن نجد أنه كثيرًا ما يمر بنا كلمة النماء، والأصل أنه إنما فُرضت الزكاة في أي أمرٍ من الأمور؛ سواءٌ كان هذا الذي فُرضت فيه الزكاة نقدًا؛ من ذهبٍ، أو فضة، أو كان أيضًا من بهيمة الأنعام، أو كان مما يخرج من الأرض، فإن الشريعة راعت فيه النماء؛ لأن الإنسان عندما يريد أن يعمل عملًا من الأعمال؛ فالإنسان الذي يغرس الغرس ويبذر البذر، إنما هو يريد أن تنبت مزرعته، وهو يريد أن يستفيد منها؛ ليأكل هو، وليبيع ما زاد من ذلك، وهو أيضًا يريد الكسب في ذلك في الغالب، كذلك الذي يترك ماشيته ترعى في البراري وفي الصحراء، يتتبع مواقع القطر، وكذلك العشب والكلأ، إنما هو يريد

стр. 3230

التجارة أيضًا، إذن هو يسعى إلى نمائها وإلى الربح فيها، فهذا مقصوده، وغير السائمة لا يظهر فيها هذا المعنى، فمثلًا إنسان عنده إبل يُخرج الماء بها من البئر، أو ليحمل عليها الماء من بئرٍ آخر، أو ليسقي، أو ليحمل عليها بضاعته أو نحو ذلك، فهذه حقيقة لم يُقصد بها النماء، وما قُصد به النماء وهو مُراعى، فإنه تجب فيه الزكاة، وهذا ظاهرٌ في السائمة دون غير السائمة. * قوله: (وَأَمَّا الْقِيَاسُ الْمُعَارِضُ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵊ فِيهَا: "فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ" فَهُوَ أَنَّ السَّائِمَةَ هِيَ الَّتِي الْمَقْصُودُ مِنْهَا النَّمَاءُ وَالرِّبْحُ). عاد المؤلف فذكر هذا، وهذه فعلًا يُقصد بها النماء والربح؛ لأن الإنسان إذا نشر ماشيته، ومعلوم أن كثيرًا من الناس وخصوصًا البادية الذين يتنقلون من مكان إلى مكان، فتجدهم رُحَّلًا من موضع إلى موضع يتتبَّعون الأماكن التي فيها المطر والكلأ؛ حتى يشربوا وتشرب أنعامهم، وكذلك ترعى أنعامهم ودوابُّهم، فهم يسعون في ذلك إلى تسمين هذه الغنم، وتوالدها وتكاثرها، فقصدهم بذلك النماء، وكذلك يقصدون أيضًا الربح، لكن الذي يستخدم هذا الحيوان فإنه يعلفه، وربما يكون ما يُنفق عليه من علف يفوق ما يستفيده منه، فهو يُنفق عليه مقابل الاستفادة من خدمته، لكنه إذا كان يعيش في المراعي فإنه لا يُنفق عليه شيئًا، وإنما يأكل من الكلأ، ويشرب من الماء الذي يجده في الغالب. * قوله: (وَهُوَ الْمَوْجُودُ فِيهَا أَكْثَرُ ذَلِكَ، وَالزَّكاةُ إِنَّمَا هِيَ فَضَلَاتُ الْأَمْوَالِ، وَالْفَضَلَاتُ إِنَّمَا تُوجَدُ أَكْثَرَ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ السَّائِمَةِ). يقصد المؤلف ﵀ بـ "الفضلة" الزائد؛ أي: المال الزائد على النِّصاب، فما دام قد بلغ النصاب؛ فإنه تجب فيه الزكاة، والمعنى: ما زاد عن حاجة الإنسان، بأن توفَّر عنده شيء من المال أو الماشية، فإذا وصلت إلى الحد بشروط الزكاة، فإن الزكاة تُؤدَّى في ذلك.

стр. 3231

* قوله: (وَلِذَلِكَ اشْتُرِطَ فِيه الْحَوْلُ؛ فَمَنْ خَصَّصَ بِهَذَا الْقِيَاسِ ذَلِكَ الْعُمُومَ لَمْ يُوجِبِ الزَّكَاةَ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ). لأن اشتراط الحول فيه مراعاة أيضًا لحال أصحاب هذه الأموال؛ لأن هذه المدَّة التى حدَّدها رسول اللَّه ﷺ لا شكَّ أن فيها مصلحةً لصاحب هذا المال، فالشريعة قد راعت جانبين؛ جانب المزكِّي، وجانب الذي يأخذ الزكاة. * قوله: (وَمَنْ لَمْ يُخَصِّصْ ذَلِكَ وَرَأَى أَنَّ الْعُمُومَ أَقْوَى؛ أَوْجَبَ ذَلِكَ فِي الصِّنْفَيْنِ جَمِيعًا. فَهَذَا هُوَ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَيَوَانِ الَّذي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ). قبل فترة ظهرت دعوة في مكانٍ ما في بلد إسلامي تطالب بأن ما قُرِّر في الزكاة غير كافٍ، وأنه ينبغي أن تُرفَع الزكاة؛ لأن الأموال قد كثُرت وتنوعت، وأُنشئت المصانع الكبيرة، وكذلك أيضًا المزارع التي تُنتج الألبان والأجبان وغير ذلك، ونسِيَ هؤلاء أن الدولة الإسلامية مرَّت بفترات بلغت فيها غايةَ مُناها، وأَوْجَ مجْدِها، ومرَّت أيضًا بفترات أُخرى دبَّ إليها فيها الضعفُ، ومع ذلك لم نجدْ أحدًا من العلماء قال بزيادة الزكاة؛ لأنَّ هذه أمورٌ قدَّرها اللَّهُ ، وقدَّرها رسول اللَّه ﷺ ؛ فهي شرعٌ توقيفي ليس لأحد أن يزيد فيها، كما أنه ليس لأحدٍ أن يُنقِصَها. ولا شكَّ أن مَن قال هذه القولة، هبَّ العلماء في بلده الذي كان فيه، فأنكروا عليه ذلك، وأبطلوا مقالته وأخمدوها، وهي دعوة قديمة. * قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا يَخْرُجُ مِنَ الْحَيَوَانِ زَكَاةٌ إِلَّا الْعَسَلُ). شرع المؤلف في مسألة أخرى، ومعلومٌ أن العسلَ نِعمة من نِعَم اللَّه ، وهو طيبة من الطيبات؛ ففيه غذاء وشفاء للناس، وهو كذلك بمنزلة فاكهة من ألذِّ الفواكه؛ فالإنسان يتغدَّى به، وكذلك يستشفي به،

стр. 3232

وكذلك أيضًا يتفكَّه به؛ ولذلك نجد أنَّ اللَّه ذكره في موضعين، بل إنه يوجد في القرآن سورةٌ باسم سورة النحل، يقول اللَّه : ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)﴾ [النحل: ٦٨ - ٦٩]. فهذه نعمة من نِعم اللَّه التي لا تُعدُّ حصرًا، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]؛ فلو أن إنسانًا وقف طيلة حياته -مهما تقدَّم به العمر وطال- يعد نِعَم اللَّه حتى في نفسه ما استطاع؛ فنعم اللَّه على عباده كثيرة، ولا شكَّ أن هذه النِّعم تقتضي الشكر. ومن نِعَم اللَّه أن يسَّر هذا الحيوان الصغير الذي يخرج منه هذا السائل العظيم الكريم، الذي جعله اللَّه شفاءً للأبدان وغذاءً للأبدان، وجعل فيه فوائد عظيمة جدًّا. والسؤال هل في هذا الذي يخرج من الحيوان زكاة؟ فنجد أن اللَّبن يخرج من الحيوان ولا زكاة فيه، فلماذا اختلف العلماء هنا ولم يختلفوا في زكاة اللبن؟ هل هناك فرق بينهما؟ ولو ألقينا نظرة فاحصةً ودقيقةً لوجدنا أن اللَّبن يخرج من حيوان يُزكَّى أصلُه، وهذا لا يُزكَّى أصلُه، فهذا فرقٌ سريعٌ نذكره. نأتي إلى الحكم الشرعي: هل في العسل زكاة أو لا؟ اختلف العلماء في ذلك وانقسموا إلى فريقين؛ فريق منهم يرى أن في العسل زكاةً، وفريقٌ منهم يرى أن العسل لا زكاة فيه، والذين قالوا بأن العسلَ لا زكاة فيه: هم المالكية والشافعية، والذين قالوا بوجوب زكاته: هم الحنفية والحنابلة، ولعلَّ من الملاحظ دائمًا أنه لا يوجد إمامٌ يتفق مع إمام دائمًا؛ فليس هناك اتفاقٌ بين الأئمة على أن توافقني وأوافقك؛ لأنهم يريدون الوصول إلى الحقِّ، ويريدون أن يأخذوا الحكم من دليله؛ فالمالكية والشافعية يقولون: لا زكاة في العسل، والحنفية والحنابلة يقولون: تجب الزكاة في العسل، ولا شكَّ أن سبب الخلاف في ذلك إنما

стр. 3233

هو ورود الأدلة، وهذه الأدلة التي اختلف العلماء بسببها هي أحاديث عن رسول اللَّه ﷺ ، وقد اختلفوا فيها؛ لأن هذه الأحاديث صحَّ بعضها عند جماعة، ولم تصحَّ عند جماعةٍ أخرى؛ فالذين رأوا أن في هذه الأحاديث -مع تعددها وكثرتها- أحاديثَ لا تقلُّ عن درجة الحسن، وأن مُرسلَها إذا عُضد بمسندها؛ فإنه يرتفع إلى درجة الاستدلال به، وفريق يرى أن هذه الأحاديث كلَّها ضعيفةٌ، وأن الإجماع قد قام على خلاف ذلك، ونحن لا نريد أن نستقصي الأدلَّة؛ فأكثر الأدلة التي وردت في زكاة العسل أدلةٌ ضعيفة، لكن نذكر دليلين نرى أن سند كلِّ واحدٍ منهما حسن، واحدٌ سنده حسنٌ بمتابعته؛ يعني: عن طريق سند لا يحتاج إلى تقوية، والآخر سنده يكون حسنًا بالشواهد؛ أي: إذا أُخذت له شواهد، وأول هذين الحديثين حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه، قال: (جاء إلى النبي ﷺ هلال أحد بني مُتعة، ومعه عُشور نَحلِه). أي: جاء إلى رسول اللَّه ﷺ بعشور نحله، (وكان سأل رسول اللَّه ﷺ ). يعني: قبل ذلك، (أن يحمي له واديًا يُعرف)؛ أي: يُسمى هذا الوادي (سَلَبَة، وكان) هذا السائل، هذا الرجل؛ أي: هلال أحَد بني مُتعة قد سأل النبي ﷺ أن يحمي له واديًا يُسمَّى: سلبة، (فحماه له رسول اللَّه ﷺ ، فلمَّا آلت الخلافة إلى عمر ﵁)؛ أي: لمَّا كان زمن عمر ﵁، وأصبح الخليفة (كتب إليه معاوية بن وهب يسأله عن هذا الأمر، فكتب إليه عمر ﵁: إنْ أتى لك بما كان يعطي رسول اللَّه ﷺ من عشور نحلِه، فاحم له سلبة)، يعني: هذا المكان الذي اسمه سلبة (وإن لم يفعلْ؛ فإنما هو ذبابُ غيثٍ يأكله من يشاء). وهذا حديث أخرجه أبو داود في سُننه، وإسناده حسَن، فهو صالحٌ للاحتجاج به، وبيان هذا الحديث أن رجلًا اسمه هلال، جاء إلى رسول اللَّه ﷺ بعشور نحْلِه؛ أي: بما يجب في النَّحْل وهو العُشر، فأعطاه رسول اللَّه ﷺ ، لكنه قبل ذلك كان قد طلب من رسول اللَّه- ﷺ أن يحمي له ذلك المكان، فكان يدفع زكاة ذلك النَّحل فيأتي به بين يدي رسول اللَّه، فلمَّا آلت الخلافة إلى عمر ﵁ بعد رسول اللَّه وأبي بكر، كتب إليه عامله

стр. 3234

معاوية بن وهب يسأله عن حكم ذلك؛ هل يحمي له ذلك؟ فأقرَّه عمر، أو طلب منه أن يحمي له ذلك على أن يدفع صدقة نحْلِه كما كان يدفعها إلى رسول اللَّه ﷺ (إن أتاك بعشور نحْلِه كما كان يأتي بذلك رسول اللَّه ﷺ فاحمِ له سلبة، وإن لم يكن فإنما هو ذباب). هذا حيوان طائر يأكله مَن يشاء، فمن وجد هذا العسل فهو أحقُّ به. الشاهد: أن هذا الحديث فيه دلالة على أن العسل أُخرج في زمن رسول اللَّه ﷺ ، وفي زمن عمر ﵁. وفي حديث عمرو بن شعيب أيضًا عن أبيه عن جدِّه، وقد أخرجه أيضًا ابن ماجه وغيره: "أنَّ رسول اللَّه ﷺ أخذ في العسل العُشر"، وهذا الحديث الثاني حسنٌ بالشواهد؛ أي: إذا ضُمَّت له الشواهد الأُخرى يرتفع إلى درجة الاستدلال به. إذًا هذان حديثان صالحان للاستدلال بهما، فبذلك يكونان حُجَّة للقائلين بوجوب زكاة العسل. نأتي بعد ذلك إلى القائلين -من أهل العلم- بعدم وجوب زكاة العسل، وهم المالكية والشافعية، يقولون: لم يصحَّ في ذلك حديث عن رسول اللَّه ﷺ ، وكذلك قالوا: لم يقم إجماعٌ على وجوب إخراج زكاة العسل. إذن لا حديث صحيح ولا إجماع، فلا زكاة في العسل، ثمَّ يستدلون من جانب القياس، فيقولون: هذا سائلٌ يَخْرج من حيوان، فلم تجب فيه الزكاة، قياسًا على اللبن الخارج من الحيوان، إذن ألحقوا حيوانًا بحيوان بجامعِ السيلان في كلٍّ؛ هذا سائل خرج من حيوان، وذاك سائلٌ خرج من حيوان، فلمَّا كان اللَّبن لا تجب فيه الزكاة، فكذلك أيضًا العسل لا تجب فيه الزكاة. ومعلوم: أن القياس هو إلحاق فرعٍ بأصل في حكمٍ؛ لِعلة تجمع بينهما، فالعلة هي السيلان في كلٍّ، وأنه خروجٌ من حيوان، وقد ردَّ الفريق الأول ذلك، فقالوا: هذا قياس مع الفارق؛ لأن القياس على الحيوان

стр. 3235

الذي قستم عليه يختلف عن حال الحيوان المقيس؛ فالمقيس لا تجب الزكاة في أصله، وهذا تجب الزكاة في أصله، فبطل القياس في هذه الحال، ونحن نرى أن هناك أدلَّة، والأحاديث في ذلك كثيرة جدًّا، لكن منها المنقطع، ومنها الضعيف، ومنها المتروك، وأحسن ما في ذلك هو ما أوردناه، وهذا الذي أوردناه كافٍ وصالح للاحتجاج به في زكاة العسل. هل كلُّ عسل يُزكَّى؟ وهل هناك مقدار معيَّن تجب فيه الزكاة؟ الرسول ﵊ يقول في الحَبِّ والثمر: "ليسَ فيما دون خمسة أوسق صدقة"، والوَسْقُ: سِتُّون صاعًا، إذن يكون ثلاثمائة صاع، يعني: ما تجب فيه الزكاة ثلاثمائة صاع، والصاع يساوي خمسة أرطال وثُلُثًا بالرَّطل البغدادي؛ فيكون في ألفٍ وستمائة رَطل، وهذا سنأتي -إن شاء اللَّه- إلى بيانه في محلِّه، لكن هذه مقدمة. إذن قد اختلفَ العلماء؛ فأبو حنيفةَ يرى أنَّ الزكاة تجب في العسل مطلقًا، قليلًا كان أو كثيرًا، لكنه قيَّد وجوب زكاة العسل بشرط ألَّا يكون في أرض خراجية، فقال: "إن كان في أرض خراجية فلا زكاة فيه حتى لا يجتمع على الأرض زكاتان"، يعني: لا يجتمع على الأرض خراجٌ وزكاة، يعني: لا يوضع على الأرض أمران: خراج وزكاة، وهذا هو محلُّ الخلاف بينه وبين الإمام أحمد، وصاحباه مع الإمام أحمد، أمَّا فيما عدا ذلك فهو مع الإمام أحمد. أما الإمام أحمد فلم يُفرِّق بين أرض عشرية وبين أرضٍ خراجية وغيرها، ما دام العسل قد وُجِدَ، سواء كان في جبل أو في سهل أو في أيِّ مكان، فإنه تجب فيه الزكاة، ولا تفصيل في ذلك. يرى أبو حنيفة أنَّ الزكاة تجب في العسل؛ قليلًا كان أو كثيرًا، واختلف صاحباه في ذلك؛ فأبو يوسف يقول: "تجب الزكاة في العسل إذا بلغ خمسة أوسق"، ومحمد مرةً قال: "خمسة أفراق"، ومرة قال: "عشرة"، والإمام أحمد قال: "في عشرة أفراق"، والفَرَقُ يساوي ستة عشر رطلًا، أي: في مائة وستين رطلًا.

стр. 3236

من هذا نتبيَّن أن العلماء الذين قالوا بوجوب زكاة العسل اختلفوا أيضًا فيما تجب فيه الزكاة؛ فبعضهم قال: تجب في قليله وكثيره، وبعضهم فصَّل القول في ذلك، فقال: تجب الزكاة فيه إذا بلغ خمسة أوسق، وبعضهم قال دون ذلك. ويهمنا هنا أن القول الراجح في هذه المسألة هو وجوب الزكاة في العسل، وهناك تعليل يذكره مَن قال من أهل العلم بوجوب زكاة العسل، ويشبِّهونه بالخارج من الأرض؛ فيقولون: هذا قد خَرَج من حيوان، وما خرج من الأرض من ثمرٍ وحبٍّ تجب فيه الزكاة، والحبُّ والثمر المشقة في إخراجهما أشدُّ؛ أي: الكُلفة فيهما أكبر من الكلفة في إخراج العسل؛ فالعسل تضع له منحلة، وترتِّبُ له أمورًا وتتابعها؛ فمشقتها محدودة، لكنَّ الحبَّ تحتاج معه إلى أن تحرث الأرض، وتنظفها، وتتعهَّدها بالسَّقي والرعاية والمتابعة، وبعد ذلك ما خرج منها من زرع فإنك أيضًا تحصده، وتقطف الثمر، ثم تنقِّيه وتنظِّفه، إلى آخر ذلك. إذن المشقَّة فيما يخرج من الأرض أكبر من المشقة في إخراج العسل، فإذا كان الخارج من الأرض تجب فيه الزكاة -مع ما فيه من مشقة-، فأولى أن تجب فيما يخرج من النحل. * قوله: (فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَالْجُمْهُورُ (١) عَلَى أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فيه). اختلفوا في العسل خاصَّة؛ لورود تلك الأدلَّة السابقة الذكر.

стр. 3237

* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ (١): "فِيهِ الزَّكَاةُ"). سمَّى المؤلِّف أولئك القوم الجمهور، نعم، وهم أكثر لو تتبَّعنا الفقهاء، لكن عندما ننظر إلى الأئمة الأربعة نجدهم منقسمين إلى قسمين؛ مالك والشافعي في جانب، وأبو حنيفة وأحمد في جانب، فبين الأئمة الأربعة توازن في الآراء، لكن الذين قالوا بعدم الوجوب أكثر، يعني: عندما ننظر إلى مَن هم خارج المذاهب الأربعة. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُهُمْ فِي تَصْحِيحِ الْأَثَرِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ). من المآخذ التي تؤخَذ على هذا الكتاب -ونحن عندما نقول: مآخذ، لا نُغمِض ما فيه من حسنات وفوائد كثيرة- هو أنه يقصِّر في جانب الحديث؛ فهو هنا لم يورد إلا الحديث الضعيف في هذا، أو لم يورد إلا حديثًا من الأحاديث الضعيفة. * قوله: (وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: "فِي كُلِّ عَشْرَةِ أَزِقٍّ زِقٌّ" خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ (٢)). المراد بالزِّقِّ: الوعاء من الجلد، وهو نوع من القِرب الصغيرة، ونوع من الأسقية، يعني: وعاء من الجلد معروف يستخدمه الذين يشتغلون بالعسل فيضعون العسل فيه.

стр. 3238

ولا يفوتني هنا أن أنبِّه إلى أن الحديث الأول الذي قلنا: إنه حسن، ورد في بعض رواياته: "في كلِّ عشر قِرَبٍ قِرْبةٌ"، يعني: إذا كانت عَشر قِرَب، والفقهاء يقدِّرون القِربة بمائة رَطلٍ، إذن هذا اختلاف في تقدير النِّصاب؛ فبعضهم يرى أن الواجب ليس العشر، يعني: الرأي المشهور هو أن الواجب هو العشر، هذا هو الرأي في إخراج الزكاة عند مَن يُوجِب زكاة العسل، وبعضهم -وهذا رأي ليس براجح- يرى أنَّ في كلِّ عشر قِرَب قِرْبةٌ. هذا الحديث الذي ذكره المؤلف ضعيف، ولا يصلح أن يكون حجَّة. * قوله: (وَأَمَّا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ النَّبَاتِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى الْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا). تكلَّم المؤلف قبل صفحات وربما قبل أبواب عمَّا تجب فيه الزكاة في النقدين، وكذلك ما يخرج من الأرض، وكما ذكر المؤلِّف هناك أمور أربعة مجمَعٌ عليها؛ فتجب الزكاة فيما يخرج من الأرض؛ في الحبوب من حنطة وشعير، وهذا أمر مجمَعٌ عليه، وفي الثِّمار أيضًا؛ في التمر والزبيب (الذي هو العنب)؛ لأن الزكاة تخرج -كما هو معلوم- إذا جفَّ، ولذلك يشترطون في زكاة ما يخرج من الأرض أن يُكال وأن يُدَّخَر، وبعضهم يضيف إليه أن ييبس، فلا يكون رُطبًا. فما يخرج من الأرض فيه أصناف أربعة هي محلُّ إجماع بين العلماء، لا خلاف بينهم فيها، ومن العلماء مَن وقف عند هذا الحدِّ فقال: لا تجب الزكاة إلا في الحنطة والشعير والتمر والزبيب. وهذا حقيقةً -كما ترى- وُقوف عند ظاهر النصوص، وإلا فنحن حقيقةً لا نرى فرقًا الآن بين القمح والأرز، بل ربَّما أقبل الناس على الأرز وأصبح هو من المأكولات المقدَّمة على القمح، ويستخدم أكثر منه، وكذلك أيضًا نجد السد (وهو نوع من الشعير)، وكذلك الذرة؛ فهذه كلها

стр. 3239

أنواع من الحبوب، وهناك من أنواع القطنيات، ولا أقصد بالقطنيات القطن، وإنما هي أنواع من النبات تسمَّى قطنيات من باب قَطَن بالمكان، أي: أقام به؛ لأنها تقيم في المكان، مثل الحِمَّص، والفول، والعدس، وبعض العلماء يضيف إليها أشياء أُخرى من البذور وغيرها، فهناك تفصيلات، بل إن من العلماء مَن يرى أنَّ كُلَّ ما تُخْرجُه الأرض -كما سيذكر المؤلف- فيه الزكاة. * قوله: (فَهُوَ جِنْسُ النَّباتِ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ). لا يرى هؤلاء أنَّ الأرز فيه زكاة، ولا كذلك أيضًا الأصناف الكثيرة التي تتفرَّع أو تدخل تحت مسمى الحبوب، وما أكثر أنواع الحبوب في عصرنا الحاضر، ونحن نعلم أن شريعة اللَّه لا تقف. . .، هذه الشريعة المحمدية شريعة جاءت لتشمل جميع حاجات الناس، تسير معهم في كلِّ زمان ومكان، إلى أن يرث اللَّه الأرض ومَن عليها، فهي تستوعب كلَّ مشكلة تقع أو حادثة تجِدُّ، ففي هذه الشريعة الحلُّ لكلِّ مشكلة والجواب عن كلِّ معضلة، مهما تعددت المسائل وتنوعت الوقائع، فلا تعجز هذه الشريعة عن الإجابة عنها، وإن حصل تقصير فهو من المنتسبين إليها، وليس من هذه الشريعة؛ لأن الشريعةَ شاملةٌ كاملة خالدة لا يتطرق إليها نقص ولا عيب ولا خلل. * قوله: (فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَرَ الزَّكَاةَ إِلَّا فِي تِلْكَ الْأَرْبَعِ فَقَطْ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ (١)). ابن أبي ليلى من التابعين، وسفيان الثوري من الفقهاء ممن عاصروا الأئمَّة، أو بعض الأئمة الأربعة.

стр. 3240

* قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: "الزَّكَاةُ فِي جَمِيعِ الْمُدَّخَرِ الْمُقْتَاتِ مِنَ النَّبَاتِ" (١)). انظر، عندما تجد الحديث في أبواب الرِّبا يذكر الفقهاء: يُكال ويُدَّخر، وهل العلَّة في إلحاق هذا بهذا الكيل أم الاقتيات أم الادِّخار؟ الجواب: أمَّا ما كان يكال؛ فالحبوب التي ذكرنا كلها تكال، وكلها تدخر، وبعض أهل العلم يضيف شرطًا ثالثًا، يقول: تيبس، ولذلك يقولون: الفواكه لا زكاة فيها، نعم، قد تجفف الآن عن طريق إحداث بعض الأمور، لكن الأصل في الفاكهة أنك إذا تركتها فإنها تتعفن والخضروات أيضًا لا تجب فيها الزكاة، لكن الحبوب تتركها فتجف، والتمر يجف، فيحافظ على ماهيته وفائدته. * قوله: (وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ (٢)، وَالشَّافِعِيِّ (٣)). وكذلك أحمد، لكن أحمد توسَّع أكثر من الإمامين مالك والشافعي؛ فأدخل في ذلك البذور، يعني: عند أحمد وفي مذهب الحنابلة يُدخِلون في ذلك أيضًا أنواع القطنيات، (التي هي من: قطن في المكان)، فيُدخِلون في ذلك الفول، والترمس، والحمص والفاصوليا ونحو ذلك، ويُدخِلون في

стр. 3241

ذلك أيضًا بعض البذور كالكمون ونحوه، فيتوسَّعون في هذا، لكنهم -مع الإمامين- لا يوجبان الزكاة في الفواكه، ولا الخضروات. * قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: "الزَّكَاةُ فِي كُلِّ مَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ مَا عَدَا الْحَشِيشَ وَالْحَطَبَ وَالْقَصَبَ"). "الحشيش" هو النبط المعروف، وهو الحطب، وهو الذي يستخرج من الأشجار. * قوله: (وَهُوَ أَبُو حَنِيفَةَ (١)). إذن أبو حنيفة توسَّع؛ لأنه يستدلُّ بحديث: "فيما سقت السماء العُشر"، يقول: فحديث رسول اللَّه ﷺ مطلق، فكلُّ ما سقته السماء فأنبت؛ فإنه يجب فيه العُشر، وهذا الذي يَنبُت قد يكون حبًّا، وقد يكون ثمرًا، وقد يكون أيضًا فاكهة، وقد يكون بذرًا من البذور، إلا أصنافًا لا زكاة فيها؛ لأن الناس يحتاجون إليها (الناس شركاء في ثلاثة؛ في الماء والكلأ والملح)؛ فالناس شركاء في الماء، ولذلك حذَّر رسول اللَّه ﷺ من الثلاثة الذين لا ينظر اللَّه إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم؛ رجل على ماء في فلاة فمنعه رجلًا يستحقُّه، أو منعه ابن السبيل، كذلك الملح المشترك، وكذلك الكلأ، لا كما كان يدَّعي الذين نادوا بالاشتراكية فترة من الزمن واستدلُّوا بهذا الحديث. وها هي الاشتراكية قد انهارت؛ لأنها خرجت عن منهج اللَّه، وتعارضت مع ما جاء في كتاب اللَّه قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣)﴾ [الزخرف: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي

стр. 3242

الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ [الزخرف: ٣٢]. فاللَّه هو الذي خلق الخلق، وجعل فيهم الغني والفقير، وقد يكون من الخير لهذا الإنسان أن يكون فقيرًا؛ لأنه عندما يكون فقيرًا يشكر اللَّه ويعرف نعمه، ويحسن ظنه باللَّه ، ويتعلق به رجاؤه، ويسأل اللَّه أن يعوِّضه عن هذه الدنيا بدار الآخرة، فهي حقيقة دار القرار، وهي التي فيها الفوز وفيها الفلاح. ومن الناس مَن لو أُفقِر لجزع وخرج عن حدود اللَّه، وربما صدرت منه كلمات تضرُّه، فاللَّه يعطيه الغنى؛ فليس الغنى دليلًا على صلاح المرء، وليس الفقر فى ليلًا على صلاح المرء، ولو كانت الدنيا تساوي عند اللَّه جناح بعوضة ما سقى منها الكافر شَربة ماء. والرسول ﷺ قد اختار أن يكون عبدًا رسولًا، وأثنى اللَّه عليه بقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١]، ولو دخلنا في هذه المسألة لطال بنا المقام، لكنَّ الفقر والغنى ابتلاء واختبار من اللَّه لعباده، فإذا أعطى اللَّه الإنسان الغنى، فشكر هذه النعمة وأدى ما عليه من حقوق، وأحسن أيضًا؛ فسيجد جزاء ذلك، وكذلك أيضًا الفقير إذا ما صبر واحتسب وآمن بأن هذا هو نصيبه من هذه الحياة، وأن هذا هو رزقه الذي كتبه اللَّه له في هذه الدنيا فآمن بقلبه ولسانه وصدقت ذلك جوارحه، فإنه أيضًا سيثاب على صبره واحتسابه، وعلى حسن ظنه باللَّه أنه سيعوضه على أن كان فقيرًا في هذه الحياة، فإنه من أوَّل مَن يدخل الجنة، وذلك إذا ما عرف حكمة اللَّه وحاول أن يدرك نعم اللَّه عليه. * قوله: (وَسَبَبُ الْخِلَافِ: إِمَّا بَيْنَ مَنْ قَصَرَ الزَّكَاةَ عَلَى الْأَصْنَافِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا، وَبَيْنَ مَنْ عَدَّاهَا إِلَى الْمُدَّخَرِ الْمُقْتَاتِ، فَهُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي تَعَلُّقِ الزَّكاةِ بِهَذهِ الْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ). نحن نورد الأدلَّة أولًا، ثم بعد ذلك نَدْخل في تفصيل المسألة؛

стр. 3243

فحديث: "فيما سقت السماء العشر" قد جاء في المتفق عليه، "فيما سقت السماء والعيون وما كان عثريًّا العشر". (ما سقت السماء)؛ أي: ما سقاه المطر، و (العيون) هي التي تنبع بالماء، (وما كان عثريًّا) هذا موجود في بلاد الحجاز، هو ما كان مثل البطيخ يوضع في مكان فيخرج دون سقي؛ لأن عروقه قريبة من الماء، فعروقه تمتدُّ فتصل إلى رطوبة، أو إلى شيء من الماء فتَنبُت، فهذا لا كلفة فيه، فهو يلحق بما سقت السماء، وبما سقته العيون. لكن ما سُقِي بالنضح فيه نصف العشر؛ أي: الذي يسقيه الإنسان، فهذا فيه نصف العشر. وكلُّ هذا -إن شاء اللَّه- سنتكلم عنه تفصيلًا في موضعه؛ فهذه مقدمات جاء بها المؤلف. والرسول ﷺ قال لمعاذ: "خذ الحبَّ من الحبِّ"، إذن هذا نصٌّ على الحبِّ، وفي حديث آخر: "ليس في حبٍّ ولا ثمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق". فالذين قالوا بأن الزكاة تقتصر على الحبِّ مطلقًا استدلُّوا بحديث: "خذ الحبَّ من الحبِّ"، وهذا قد أخرجه أبو داود بإسناد صحيح. الحديث الثاني في "الصحيحين" أو في أحدهما، أن الرسول ﷺ قال: "ليس في حبٍّ ولا ثمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق"، فنصَّ على الحبِّ، فهذا تنازع فيه القائلون من العلماء بالحبِّ؛ فبعضهم اقتصر على ما كان موضع إجماع، فقال: لا نتجاوز الأربع، وبعضهم قال: لا، كلُّ ما يشمله اسم حب فيدخل فيه، وما يشمله اسم ثمر فيدخل فيه، فندخل في ذلك أيضًا الزيتون إلى جانب العنب، وكذلك التمر وما يشبه ذلك. ومن هنا -كما سيأتي- اختلف المالكية في وجوب زكاة التين من عدم وجوبه. و"المدَّخر": يصلح لأن تدَّخره، وقد كان الناس فيما مضى يبنون بناءً

стр. 3244

معروفًا مغطًّى، ثم يكنِزُون فيه التمر، والآن يضعونه في أكياس نايلون كبيرة، فقد تغيرت الأحوال والنعم كثرت بحمد اللَّه، والوسائل قد تيسَّرت، لكن التَّمر يكنز، وكذلك القمح، والشعير، وكذلك العنب يجفف فيصير زبيبًا فيُدَّخر. والزيتون كذلك يدخَّر، لكن الزيتون رطب، وسيأتي الكلام عنه، فلا نسبق الكلام قبل محله. * قوله: (هَلْ هُوَ لِعَيْنِهَا أَوْ لِعِلَّةٍ فِيهَا -وَهِيَ الِاقْتِيَاتُ-: فَمَنْ قَالَ لِعَيْنِهَا قَصَرَ هَلْ هُوَ لِعَيْنِهَا أَوْ لِعِلَّةٍ فِيهَا -وَهِيَ الِاقْتِيَاتُ-: فَمَنْ قَالَ لِعَيْنِهَا قَصَرَ الْوُجُوبَ عَلَيْهَا، وَمَنْ قَالَ لِعِلَّةِ الِاقْتِيَاتِ عَدَّى الْوُجُوبَ لِجَمِيعِ الْمُقْتَاتِ. وَسَبَبُ الْخِلَافِ بَيْنَ مَنْ قَصَرَ الْوُجُوبَ عَلَى الْمُقْتَاتِ وَبَيْنَ مَنْ عَدَّاهُ إِلَى جَمِيعِ مَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ إِلَّا مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ مِنَ الْحَشِيشِ وَالْحَطَبِ وَالْقَصَبِ هُوَ مُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِعُمُومِ اللَّفْظِ. أَمَّا اللَّفْظُ الَّذِي يَقْتَضِي العُمُومَ فَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرَ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ" (١). وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٤١] الْآيَةَ. إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. وَأَمَّا الْقِيَاسُ: فَهُوَ أَنَّ الزَّكَاةَ إِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهَا سَدُّ الْخَلَّةِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ غَالِبًا إِلَّا فِيمَا هُوَ قُوتٌ، فَمَنْ خَصَّصَ الْعُمُومَ بِهَذَا الْقِيَاسِ أَسْقَطَ الزَّكَاةَ مِمَّا عَدَا الْمُقْتَاتِ، وَمَنْ غَلَّبَ الْعُمُومَ أَوْجَبَهَا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ، إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ الْإِجْمَاعُ، وَالَّذِينَ اتَّفَقُوا عَلَى الْمُقْتَاتِ اخْتَلَفُوا فِي أَشْيَاءَ مِنْ قِبَلِ اخْتِلَافِهِمْ فِيهَا، هَلْ هِيَ مُقْتَاتَةٌ أَمْ لَيْسَتْ بِمُقْتَاتَةٍ؟ وَهَلْ يُقَاسُ عَلَى مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَوْ لَيْسَ يُقَاسُ؟ مِثْلُ اخْتِلَافِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي الزَّيْتُونِ،

стр. 3245

فَإِنَّ مَالِكًا (١) ذَهَبَ إِلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ، وَمَنَعَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ (٢) فِي قَوْلِهِ الْأَخِيرِ بِمِصْرَ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ هُوَ قُوتٌ أَمْ لَيْسَ بِقُوتٍ؟ وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي إِيجَابِ الزَّكَاةِ فِي التِّينِ أَوْ

стр. 3246

لَا إِيجَابِهَا. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي الثِّمَارِ دُونَ الْخُضَرِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ (١) لِقَوْلِهِ -سُبْحَانَهُ-: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٤١] الْآيَةَ، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الثِّمَارِ وَالزَّيْتُونَ فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ إِلَّا وَجْهٌ ضَعِيفٌ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ لَا زَكَاةَ فِي الْعُرُوضِ الَّتِي لَمْ يُقْصَدْ بِهَا التِّجَارَةُ (٢)، وَاخْتَلَفُوا فِي إيجاب الزَّكَاة فِيمَا اتُّخِذَ مِنْهَا لِلتِّجَارَةِ، فَذَهَبَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ إِلَى وُجُوبِ ذَلِكَ (٣)، وَمَنَعَ ذَلِكَ أَهْلُ الظَّاهِرِ (٤). وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُهُمْ

стр. 3247

فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ بِالْقِيَاسِ، وَاخْتِلَافَهُمْ فِي تَصْحِيحِ حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّهُ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الزَّكَاةَ مِمَّا نُعِدُّهُ لِلْبَيْعِ" (١). وفيمَا رُوِيَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: "أَدِّ زَكَاةَ الْبُرِّ". وَأَمَّا الْقِيَاسُ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الْجُمْهُورُ: فَهُوَ أَنَّ الْعُرُوضَ الْمُتَّخَذَةَ لِلتِّجَارَةِ مَالٌ مَقْصُودٌ بِهِ التَّنْمِيَةُ، فَأَشْبَهَ الْأَجْنَاسَ الثلاثة الَّتِي فِيهَا الزَّكَاةُ باتِّفَاقٍ -أَعْنِي: الْحَرْثَ وَالْمَاشِيَةَ وَالذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ-. وَزَعَمَ الطَّحَاوِيُّ (٢) أَنَّ زَكَاةَ الْعُرُوضِ ثَابِتَةٌ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَبَعْضُهُمْ يَرَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا هُوَ إِجْمَاعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ -أَعْنِي: إِذَا نُقِلَ عَنْ وَاحِدٍ قَوْلٌ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ غَيْرِهِ خِلَافُهُ-، وَفِيهِ ضَعْفٌ). يعني مراد المؤلف: هذه الأمور الأربعة والأصناف الأربعة التي هي الحنطة والشعير والزبيب وكذلك التمر، هل وجوب الزكاة فيها لعينها؟ أي: يجب في عين هذه الأشياء، أو لوجود علَّة قائمة بها وهي الاقتيات، فإن قلنا: لعينها فلا اجتهاد، وإن قلنا: لعلَّة قائمة بها. . .

стр. 3248

[الْجُمْلَةُ الثَّالِثَةُ فِي مَعْرِفَةُ نصابِ الزكاة] قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: (الْجُمْلَةُ الثَّالِثَةُ وَأَمَّا مَعْرِفَةُ النِّصَابِ فِي وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِن هَذِهِ الْأَمْوَالِ الْمُزَكَّاةِ، وَهُوَ الْمِقْدَارُ الَّذِي فِيهِ تَجِبُ الزَّكاةُ فِيمَا لَهُ مِنْهَا نِصَابٌ، وَمَعْرِفَةُ الْوَاجِبِ مِنْ ذَلِكَ -أَعْنِي: فِي عَيْنِهِ وَقَدْرِهِ- فَإِنَّا نَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ فِي جِنْسٍ جِنْسٍ مِنْ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا، وَالْمُخْتَلَفِ فِيهَا عِنْدَ الَّذِينَ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَلْنَجْعَلِ هذا الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ فِي فُصُولٍ: الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. الثَّانِي: فِي الْإِبِلِ. الثَّالِثُ: فِي الْغَنَمِ. الرَّابعُ: فِي الْبَقَرِ. الْخَامِسُ: فِي النَّبَاتِ. السَّادِسُ: فِي الْعُرُوضِ). قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: (الفَصْلُ الأَوَّلُ: في الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ أَمَّا الْمِقْدَارُ الَّذِي تجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنَ الْفِضَّةِ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ خَمْسُ أَوَاقٍ (١)).

стр. 3249

خمس أواق، وكلُّ أوقية تساوي أربعين درهمًا؛ فإذا ضُربت في خمسة بلغت: مائتي درهم، وقد جاءت أحاديث عدَّة، منها ما بُيِّنَ فيها أن الزكاة في الفضة لا تجب إلا في خمس أواق، كقوله ﷺ : "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ"، في الرّقة: ربع العُشر، وفي بعضها جاء التنصيص على مائتي درهم، كقوله ﷺ : "ليس في أقلِّ من عشرين دينارًا، ولا في أقل من مائتي درهم صدقة". ولا شكَّ أن زكاة أو نصاب الفضةِ ليس فيها خلاف بين العلماء كما سيأتي؛ لأنه قد وردت أحاديث صحيحة في ذلك، وإنما الخلاف في تحديد نصاب الذهب؛ ففيه بعض الخلاف اليسير -كما سيأتي إن شاء اللَّه-. * قوله: (لِقَوْلِهِ ﵊ الثَّابِتُ: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ" (١)). لقد وضع المؤلِّف مصطلحًا في مقدمة كتابه، يقول: إذا قلتُ: الحديث المشهور أو الثابت، فأعني به ما ثبت في "الصحيحين" أو أحدهما، وهذا حديثٌ متفق عليه: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ"، والمقصود بالصدقة هنا: الزكاة، وفي بعض الروايات جاء: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ"؛ أي: من الفِضَّة. * قوله: (مَا عَدَا الْمَعْدِنَ مِنَ الْفِضَّةِ). زكاة المعادن سيأتي الكلام عنها -إن شاء اللَّه-، وإنما حديثنا هنا عن الفضة الخالصة؛ سواءٌ كانت مضروبة، وهي الدراهم، أو غير مضروبة، وهي الفضةُ الخالصة. * قوله: (فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ النِّصَابِ مِنْهُ). أولًا: بالنسبة لنصاب الفضَّة فالوارد في الحديث أنها خمس أواق، وفي أحاديث أنها مائتا درهم، هذا فيما مضى، وقد تكلَّمنا عن الدرهم في

стр. 3250

عهد رسول اللَّه ﷺ ، وكيف كانوا يتعاملون في هذا المجتمع، وما طرأ عليهم من تطور في أيَّام الدولة الأموية، عندما ضُرب الدرهم في زمن عبد الملك بن مروان، عندما جمع بين الدرهمين الكبير والصغير، فسوَّى بينهما، فجعلهما درهمين متساويين، كلُّ درهم يبلغ ستة دوانيق. ولا شكَّ أن ما يهمُّ الطلاب هو أن يعرفوا مقدار الزكاة في وقتنا الحاضر، ولذلك قُدِّرت بعد تجارب أنه في كلِّ ستةٍ وخمسين ريالًا سعوديًّا تجب الزكاة، لكن ليس الكلام هنا عن الريالات السعودية التي هي الورق، وإنما الكلام عن الفضة؛ أي: في كل ستةٍ وخمسين ريالًا سعوديًّا من الفضة، يعني: مَن ملك ستةً وخمسين ريالًا من الفضة، فإنه تجب عليه الزكاة. أما كم تبلغ من الورِق؟ فهذا يرجع إلى السوق، فعلى الإنسان أن يتأكد من ذلك، وأن يسأل أهل الخبرة الذين يشتغلون بهذه الأمور، ولتنظر كم من الريالات الورِق يعادل؟ هل هي أربعمائة، هل هي خمسمائة، هل هي أكثر، هل هي أقل؟ ففي هذه الحالة إذا ملك الإنسان نصابًا يساوي ستةً وخمسين ريالًا من الفضة؛ فإن الزكاة تجب عليه، ومنهم من قدَّره بمائةٍ وأربعين مثقالًا، ولا ينبغي أن نوازن بين زكاة النقديْن؛ فنجد أنه بالنسبة للذهب تجب الزكاة في عشرين مثقالًا، في عشرين دينارًا، نجد هنا أنها تجب في ستةٍ وخمسين ريالًا سعوديًّا. والدرهم فيما مضى نسبه العلماء إلى المثقال، سبعة إلى عشرة، ومعنى هذا أن مائتي درهم تساوي مائةً وأربعين مثقالًا؛ لأنها تبلغ ٧٠%؛ فسبعون وسبعون إذا جمعناهما بلغت مائةً وأربعين مثقالًا. ولا شكَّ أن هذا يتغير بتغير النقدين، وليس هذا خاصًّا بنوع من العملة؛ فيدخل في ذلك الريال السعودي، والدرهم، وكذلك الدولار، وسائر المعاملات التي يُتعامل بها، لكن إذا أراد الإنسان أن يُقدِّر واحدًا منها، فإنه يردُّ ذلك إلى المعروف شرعًا، ولا شكَّ أن المثاقيل هي أقرب ما يُقدَّر به، ولا شكَّ أن من العلماء من دقَّق في هذه المسألة وبحثها،

стр. 3251

وانتهى إلى الأمر الذي أشرنا إليه، وقد قلت فيما مضى: إنه صدر كتابٌ منذ فترة طويلة في رسالة ماجستير في جامعة الأزهر، عُني فيه مؤلفه بمثل هذه الأمور؛ يعني بما تجب فيه الزكاة، وكذلك في الأطوال، وفي المسافات التي تُقصر فيها الصلاة، والمسافة التي يجوز أو لا يجوز للمرأة أن تسافر فيها، كذلك أيضًا المقاييس التي تُستعمل، هذه كلها حقيقةً تكلَّم عنها وفصَّل القول فيها. وهو بلا شكَّ من أجود الكتب التي أُلِّفت في هذا الزمان؛ لأنه دار حول كثير من المسائل، وكل طالب أو مدرس يشتغل بعلم الفقه فيما يتعلق بالمقادير أو المقاييس أو المسافات، عندما يمرُّ بمثل هذه الأحكام يحتاج إلى مثل هذا الكتاب، وإلى غيره. * قوله: (وَفِي الْمِقْدَارِ الْوَاجِبِ فِيهِ). جاء في الحديث: "الميزان ميزان مكَّة والمكيال مكيال المدينة"، ومكيال المدينة: هو المكيال الذي كان معروفًا في زمن رسول اللَّه ﷺ ، وهو الذي أدركه العلماء، ومنهم الإمام مالك. وأما الميزان؛ فإن مكَّة عُرفت بالوزن، ولذلك جاء في الحديث: "الميزان ميزان مكَّة"، وهذا قد أومأنا إليه من قبلُ، عندما تكلمنا عن الدينار والدرهم، وأنهم ما كانوا في الجاهلية ولا عندما بُعث رسول اللَّه ﷺ يتعاملون بذلك نقدًا، وإنما عن طريق الوزن، يعني: كانوا يتعاملون بهما وزنًا، قيل: لأنها لم تكن متساوية؛ فهناك درهمٌ كبير، وهناك درهمٌ صغير، ثقيل، خفيف، إلى غير ذلك. وبينَّا أن تلك الدراهم لم تكن مصنوعةً عندهم، أو مسبوكةً، وإنما كانت تأتيهم من بلاد الروم، ومن بلاد فارس، وكانوا يتعاملون بها، ومعلوم أنَّ أهلَ مكَّة ممن اشتغلوا بالتجارة، واشتهروا بذلك وعُرفوا، ولهم رحلاتٌ معروفة، بل إن رسول اللَّه ﷺ عندما شبَّ عن الطوق، سافر مع عمِّه، وكان صغيرًا، -وأظنه كان في سن الثالثة عشرة- سافر مع عمِّه أبي طالب إلى بلاد الشام، ثمَّ بعد ذلك سافر في تجارة -وهي

стр. 3252

المعروفة بالمضاربة- لخديجة بنت خويلد، التي أصبحت زوجته الأولى بعد ذلك. فهذه معاملات كانت معروفة، لكنها اختلفت في وقتنا الحاضر، وبحمد اللَّه وُجِد من اشتغل بهذا الموضوع، وحقّق الأمر فيه وبيَّنه، وما على الإنسان إذا أراد أن يتأكد إلا أن يرجع إلى أحد الصوَّاغ الثقات، ويسأله عن مثل هذه الأمور، وبحول اللَّه سيعرف ما يجب عليه أن يُزكِّيه. * قوله: (فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي ذَلِكَ هُوَ رُبُعُ الْعُشْرِ). هذا أيضًا لا خلاف فيه، ربع العشر، وهو ما يُعرف الآن باثنين ونصف المائة؛ فلو قُدِّر أن إنسانًا عنده مائتا ريالٍ سعودي من الفضة، يُخرج منها ريالين ونصفًا، هذا يُعرف بربع العُشر؛ لأن عُشر المائة عشرة، وربع العُشر اثنان ونصف، إذن هذا مقدار ما يُخرج. وهذا قدرٌ يسير، ليس فيه إرهاقٌ ولا تشديدٌ على المُزكِّي، وقد عرفنا عن طريق تلك الأدلَّة، وأقوال العلماء التي مرت بنا، أن الشريعة الإسلامية تحضُّ على الاشتغال بالمال، والمتاجرة فيه، وعدم تركه مكنوزًا؛ حتى لا تأكله الصدقات، وإنما ينبغي للإنسان أن يتاجرَ فيه، وأن يحاول أن ينمي هذا المال، وأن يضرب في الأرض، يعني: يسافر هنا وهناك، ولذلك قسَّم العلماء الذين يشتغلون بالتجارة إلى مدير -أي: الذي يُدوِّر ماله-، وذكروا قسمًا آخر هو الذي يُوقف ماله ولا يشتغل به، إنما هو يتحيَّن الفرص؛ يعني: يأتي بمالٍ فيكنزه، يبقيه عنده، فإذا ما ارتفعت الأسعار أو تحرك السوق، فإنه حينئذٍ يعرضه، وهناك مدير يدير أمواله يومًا بعد يوم؛ كالذين يشتغلون في التجارات المستمرة. ومن هذا نتبيَّن أن الواجب في الذهب والفضة إنما هو ربع العُشر، زاد المال أو قلَّ؛ فإذا ما بلغ نصابًا أخرج الإنسان رُبع العُشر، ولا يختلف، فلو كان عنده مليون فإنه يُخرج خمسةً وعشرين ألفًا؛ لأن عُشر المليون مائة ألف، وربعها خمسةٌ وعشرون ألفًا، وهكذا، والأمر ميسور.

стр. 3253

وتثور الإشكالات ربما، وتأتي المسائل الدقيقة فيمن يشتغلون بأنواعٍ من التجارة؛ كأصحاب العمائر والسيارات والمصانع وغيرها، فهناك مسائل كثيرة وبخاصَّة في زمننا هذا فقد جدَّت وتنوعت؛ فهي حقيقةً تحتاج من المسلم أن يتحرى في ذلك، وأن يعرف ما يجب وما لا يجب؛ حتى لا يُقصِّر في حقِّ اللَّه ، وفي حقوق الذين تجب لهم الزكاة، وربَّما مثل هذه المسائل تأتي الإجابة عليها في مناسبات تجرُّنا إلى الكلام عنها. * قوله: (أَعْنِي: فِي الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ مَعًا - مَا لَمْ يَكُونَا خَرَجَا مِنْ مَعْدِنٍ). لأنهما إذا خرجا من معدن؛ فإن الأمر يختلف، بمعنى: أنها لا تكون صافية، وهنا يتكلَّم العلماء أيضًا عن الذهب والفضة المغشوشين، والمختلطين بغيرهما، فما معنى هذا؟ هل يُقدِّر الإنسان أو يصفِّيه؟ لا شكَّ أن الأولى تصفيته، وفي قصَّة القلادة التي جاءت في "صحيح مسلم"، والتي أراد رجل أن يشتريها، فمنعه رسول اللَّه ﷺ ؛ لأن ذلك يجرُّ إلى الرِّبا، وقد جاء في بعض الروايات أنه بعد أن أخرج ما فيها من خرز، وصُفّي ما فيها، تبيَّن أنه أكثر من القدر الذي ستُشترى به، ومن هنا نجد أن الشريعة الإسلامية تحرص دائمًا على ألَّا يقع المسلم في أمرٍ محظور، وإنما هي تنبِّهُه، وإنما حُرِّم الربا لما فيه من الظلم، ولما فيه من استغلال الآخرين، ولما فيه من التعدِّي على حقوقهم، واللَّه أحل البيع؛ لما فيه من المصلحةَ المتبادَلة، ولأن الناس يحتاجون إليه ولا يستغنون عنه، قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، مع أن الرِّبا نوعٌ من البيع، لكنه نوعٌ محرَّم، وذاك هو الأصل الذي أحلَّه اللَّه . * قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي مَوَاضِعَ خَمْسَةٍ). سيتكلم المؤلف هنا عن مسائل خمس داخلة في هذا الباب، والباب هنا إنما هو ما يتعلَّق بزكاتي الذهب والفضة، هل الذهب والفضة شيء واحد أو لا؟ لو قُدِّر أن إنسانًا عنده جزءٌ من نصاب من فضَّة، وجزء آخر

стр. 3254

من نصاب من ذهب، فلو ضمَّهما إلى بعض بلغت النصاب، فهل يجب عليه أن يضمهما، ويخرج الزكاة؛ لأنه إذا ضمهما إلى بعض بلغا النصاب أو ربما أكثر، كذلك لو نقص قليلًا؛ يعني: لو نقص نصاب الذهب أو الفضة قليلًا فهل تجب على الإنسان الزكاة أو لا تجب؟ لو زاد نصاب الذهب أو نصاب الفضة، وهو ما يُعرف بالأوقاص: أي الأجزاء، هل تجب الزكاة فيما زاد، أو لا تجب بالنسبة للدراهم حتى تبلغ أربعين درهمًا؟ هذا كلُّه اختلف فيه العلماء، والعلماء عندما اختلفوا في مثل هذه المسائل فإن قصدهم هو التحري والوصول إلى الحقِّ من أقرب طريقٍ وأهداه؛ فلم تكن غايتهم الخلاف؛ وإنما أرادوا أن يحرروا المسائل، وأن يدقِّقوا فيها؛ علَّهم يصلون أو يقربون إلى ما أراده اللَّه في معرفة أحكام هذه المسائل. * قوله: (أَحَدُهَا: فِي نِصَابِ الذَّهَبِ). في نصاب الذهب، ولم يقل هنا: اختلفوا في نصاب الفضة؛ لأن نصاب الفضة مُجمعٌ عليه، وقد وردت في ذلك أحاديث في "الصحيحين" وفي غيرهما؛ كقوله ﷺ : "ليس فيما دون خمسِ أواقٍ صدقة"، إذن قطعت جهيزة قول كلِّ خطيب؛ فهذا حديث رسول اللَّه ﷺ ، وغيره من الأحاديث الصحيحة قد نصَّت على أن زكاة الفضة هي مائتا درهم؛ أي: تجب الزكاة في مائتي درهم؛ فإذا ما ملك الإنسان هذا القدر -وهو ما قلنا إنه يعادله ستةٌ وخمسون ريالًا فضةً من الريال السعودي- فإن الزكاة تجب عليه. لكن لو كان أقلَّ من ذلك بقليل، وأراد أن يتبرع فهذا أمر راجعٌ إليه؛ لأنه كما جاء في الحديث الصحيح: "في الرقة ربع العُشر، فإن لم يكن إلا تسعين ومائة فليس فيها شيء إلا أن يشاء"، هذا حديث رسول اللَّه ﷺ ، وسنعود لهذا الحديث؛ "فإن لم يكن"، يعني: عنده "إلا تسعين ومائة"، يعني: لم تبلغ مائتي درهم؛ فليس فيها زكاة، فليس عليه فيها شيء إلا أن يشاء، والإنسان له أن يتصدَّق، والصدقة أبوابها مفتوحة، ومعلوم أن "الصدقَة تُطْفِئُ الخطيئةَ كما يُطْفِىُء الماءُ النارَ" صححه الألباني.

стр. 3255

* قوله: (الثَّانِي: هَلْ فِيهِمَا أَوْقَاصٌ أَمْ لَا؟). يعني: ما زاد على مائتي درهم، وعلى عشرين مثقالًا: هل يجب إخراج الزكاة فيه، أو لا؟ يجب إلا إذا وصل إلى قدرٍ معيَّن؟ مثلًا في عشرين دينارًا إلى أن تصل إلى أربعين، في مائتي درهم إلى أن تزيد عشرين درهمًا، أو أنه يجب أن يُخرج عن كلِّ زيادة بقدرِ ربع العُشر؟ * قوله: (أَعْنِي: هَلْ فَوْقَ النِّصَابِ قَدْرٌ لَا تَزِيدُ الزَّكَاةُ بِزِيَادَتِهِ؟). فسّر المؤلف ذلك؛ هل لما زاد على النصاب قدرٌ تُخرَح فيه الزكاة، أو أن هذا الوقص: يعني الذي يأتي بين الواجبين هل هو معفوٌّ عنه؟ * قوله: (وَالثَّالِثُ: هَلْ يُضَمُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فِي الزَّكَاةِ). كما قلنا: هل تُضَمُّ الفضة إلى الذهب، أو الذهب إلى الفضة؟ المعروف بالنسبة لعروض التجارة إذا قُوّمت تُضَمُّ إلى أحدهما، لكن هل يُضمُّ الذهب إلى الفضة أو لا يُضمُّ؟ بعض العلماء قال: يُضم وتُخرج الزكاة، وبعضهم قال: لا يُضم؛ لأن هذه أجناس؛ هذا جنس وهذا جنس وان اتَّحدا في المنفعة؛ كالحال بالنسبة للماشية؛ فلا تُضم الغنم إلى الإبل، ولا الإبل إلى البقر، ولا البقر إلى الغنم، وكذلك هاهنا، والمسألة فيها خلاف، وهناك مَن يستدلُّ بأدلة، وهناك أيضًا من يستدلُّ بأدلةٍ أخرى، ولكلٍّ وجهةٌ هو يأخذ بها في هذا المقام. * قوله: (فَيُعَدَّانِ كَصِنْفٍ وَاحِدٍ؟). ثم يختلف العلماء، بل حصل اضطراب، هل هو التقدير بالأجزاء، أو أن التقدير إنما هو بغير الأجزاء: يعني بالقيمة؟ وهل يُنظر إلى صرفهما أو لا يُنظر؟ أو أن الأصل أيضًا في ذلك هو الدراهم؛ لأنها محلّ إجماع؟ هذه كلها أيضًا اختلف فيها العلماء في حالتي الضم.

стр. 3256

* قوله: (-أَعْنِي: عِنْدَ إِقَامَةِ النِّصَابِ-، أَمْ هُمَا صِنْفَان مُخْتَلِفَانِ؟). يعني: مثلًا لو أن إنسانًا عنده مائةُ درهم وعشرة دنانير، ومعلوم: أن الزكاة تجب في عشرين دينارًا، وفي مائتي درهم، عنده نصف زكاة الدراهم (مائة درهم)، وعنده نصف زكاة الذهب (عشرةُ دينارات)، فهل العشرةُ دينارات ننظر فيها إلى القيمة؟ إن نظرنا إلى القيمة فقد تكون العشرة زائدة على المائة درهم، وفي هذه الحالة يُزكّي، وقد تنقص عنها فلا يُزكّي، فهل العبرة بالأجزاء أو القيمة؟ بعضهم قال: بالأجزاء - وهذا سنفصله إن شاء اللَّه. * قوله: (وَالرَّابِعُ: هَلْ مِنْ شَرْطِ النِّصَابِ أَنْ يَكُونَ الْمَالِكُ وَاحِدًا لَا اثْنَيْنِ؟ الْخَامِسُ: فِي اعْتِبَارِ نِصَابِ الْمَعْدِنِ وَحَوْلِهِ وَقَدْرِ الْوَاجِبِ فِيهِ). هذه ما تُعرف بالخُلطة؛ يعني: خلط مالينِ، اثنان اشتركا في مال، والعلماء يضعون شروطًا دقيقةً، والخُلطة قد تكون في الماشية؛ يعني: يشتركان في الماشية؛ في إبل أو بقر أو غنم، وقد يشتركان أيضًا في عروض التجارة؛ فيبيعان ويشتريان، هل هناك شرطٌ فيما يتعلق بالتجارة؟ هل يكون هناك صندوقٌ واحدٌ يجمع مالهما؟ وبالنسبة للماشية: هل لا بد أن يكون هناك مكانٌ للمراح، يعني: تجتمع فيه الماشية، وأن تشربا من موضعٍ واحد، ولهما راعٍ واحد وهكذا أو لا؟ بعض العلماء يضع قيودًا، ولا شكَّ من حيثُ الجملة أن المذهبين (الشافعي والحنبلي) شبه متفقين في هذا، والمالكي والحنفي متقاربان. * قوله: (أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الأُولَى). عاد المؤلِّف بعد أن أجمل ببعض البسط، وهي المسائل الخمس السالف ذكرها، فأولها:

стр. 3257

* قوله: (وَهِيَ اخْتِلَافُهُمْ فِي نِصَابِ الذَّهَبِ). اختلفوا في نصاب الذهب، ونصاب الذهب وردت فيه أحاديث، ومنها الحديث الذي ذكره -حديث عمارة-، ومنها أيضًا حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ليس في أقلَّ من عشرينَ مثقالًا من الذهب، ولا في أقلَّ من مائتَي درهمٍ من الفضة" في بعض الروايات، وفي بعضَها: "من مائتي درهم صدقة"، لكن هذا الحديث فيه كلام. أيضًا جاء عن عائشة وعبد اللَّه بن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ كان يأخذ الزكاة من كلِّ عشرين دينارًا نصف دينار، وكان يأخذ ﵊ من مائتي درهم خمسة دراهم، فهذه وردت فيها أحاديث وآثار، لكن الأحاديث التي وردت في نصاب الذهب مختَلف فيها صحةً وضعفًا، وأكثر العلماء يضعِّفها، ومن هنا ورد الخلاف، ومع ذلك كان هناك اتفاق بين العلماء، ولم يخالف في هذه المسألة إلا الحسن بن أبي الحسن البصري -كما سيذكر المؤلف ذلك-. وأما جماهير العلماء وفيهم الأئمة الأربعة، فلا خلاف بينهم؛ لأن زكاة الذهب إنما تجب في عشرين دينارًا. * قوله: (فَإِنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ تجِبُ فِي عِشْرِينَ دِينَارًا وَزْنًا). في عشرين دينارًا وزنًا، نعم. * قوله: (كَمَا تَجِبُ فِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ). يعني: كما أنها تجب في مائتي درهم، كذلك تجب أيضًا في عشرين دينارًا، يعني: عند جماهير العلماء لا فرق بين وجوبها في مائتي درهم، وبين وجوبها في عشرين دينارًا؛ فعندهم الحال متساوية، وإن قيل في الأحاديث ما قيل، فإنهم يرون أن هذه المسألة يُستدلُّ لها بهذه الأحاديث المتعددة.

стр. 3258

* قوله: (هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِمْ وَأَحْمَدَ). وأحمد وأصحابه وكافة العلماء. * قوله: (وَجَمَاعَةِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ (١). وَقَالَتْ طَائِفَةٌ (٢) مِنْهُمُ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ: "لَيْسَ فِي الذَّهَبِ شَيْءٌ حَتَّى يَبْلُغَ أَرْبَعِينَ دِينَارًا"). لأنه جاء في بعض الروايات: "وفي أريعين دينارًا دينارٌ"، وهذا لا يدلُّ على أن القدر أو النصاب لا يجب إلا في الأربعين، ولكنه جاء في بعض الروايات أن الأربعين فيها دينار، والعشرين فيها نصف دينار، فهذا لم يكن حقيقةً حدًّا أدنى لوجوب الزكاة، وإنما الحدُّ الأدنى الذي تجب فيه الزكاة: هو عشرون دينارًا. * قوله: (حَتَّى يَبْلُغَ أَرْبَعِينَ دِينَارًا، فَفِيهَا رُبُعُ عُشْرِهَا دِينَارٌ وَاحِدٌ). يعني: ربما تكون وجهة هذا القول أو يُعلّل له بأن العشرين مُختلَف

стр. 3259

فيها، والأربعين مُجمَع عليها؛ فيؤخذ بمحلِّ الإجماع، لكن الخلاف في العشرين ليس خلافًا معتبرًا، وإنما القول بوجوب الزكاة في عشرين دينارًا هو القول المعتبر. * قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ (١): "لَيْسَ فِي الذَّهَبِ زَكَاةٌ حَتَّى يَبْلُغَ صَرْفُهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ أَوْ قِيمَتِهَا"). يعني: لو أن إنسانًا عنده عشرون دينارًا فذهب ليصرفها، فوجدنا أن صرفها يعادل مائتي درهم، ففي هذه الحالة تجب فيها الزكاة، فلو كانت أقلَّ من ذلك وهي عشرون دينارًا فلا زكاة فيها، هذا قول بعض التابعين؛ كعطاء وطاووس والزُهري، وسليمان بن حرب أيضًا، وغير هؤلاء. وهؤلاء ذهبوا إلى هذا المذهب؛ لأنهم قالوا: إن المعتبر في ذلك هو نصاب الفضَّة؛ لأنه مجمَع عليه، وقد وردت الأحاديث الصحيحة فيه، فنرد نصاب الذهب إليه؛ فإذا ما ملك إنسانٌ عشرين دينارًا، وكان صرفُها (يعني: لو أراد أن يصرفها فوصلت مائتي درهم أو زادت على ذلك) ففي هذه الحالة تجب الزكاة، فإن كانت أقلَّ فلا زكاة فيها؛ لأن العبرة إنما هي بزكاة الفضة التي هي مائتا درهم؛ لأنها هي المجمَع عليها والمتفق عليها، والتي جاء التنصيص عليها في أحاديث صحيحة.

стр. 3260

والخلاصة: إذا صرفها أخذ فيها مائتي درهم، ولو عرضها فقيمتها تساوي مائتي درهم، فهي في كلتا الحالين سواءٌ كان صرفها يبلغ مائتين أو قيمتها تساوي مائتين، فهي بذلك بلغت مائتي درهم؛ فوجبت الزكاة فيها؛ لأنها وصلت وبلغت نصاب الفضة، فتجب الزكاة فيها؛ لأنها وصلت إلى القدر الذي تجب فيه الزكاة في نصاب الفضة، فكأنهم اعتبروا أن الفضَّة أصل بالنسبة لإخراج الزكاة، واعتبروا أن الذهب فرع عنها، وقالوا: لأن هذه وردت فيها نصوص، وأُجمع عليها، وتلك وردت فيها أحاديث ضعيفة، فوقع الخلاف فيها، فندع موضع الخلاف إلى محلِّ الإجماع والاتِّفاق. * قوله: (فَإِذَا بَلَغَتْ فَفِيهَا رُبُعُ عُشْرِهَا، كَانَ وَزْنُ ذَلِكَ مِنَ الذَّهَبِ عِشْرِينَ دِينَارًا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، هَذَا فِيمَا كَانَ مِنْهَا دُونَ الْأَرْبَعِينَ دِينَارًا، فَإِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ دِينَارًا كَانَ الِاعْتِبَارُ بِهَا نَفْسه لَا بِالدَّرَاهِمِ لَا صَرْفًا وَلَا قِيمَةً). إذا بلغت أربعين دينارًا زال الإشكال؛ لأن هذا موضع مجمع عليه، فلا خلاف فيه؛ فليس محلًّا للنقاش ولا الجدال، ولم ينازع فيه أحد؛ لأنهم في هذه الحالة ينضم أيضًا إليهم الحسن البصري، ويرتفع الإشكال، ويزول الخلاف، وأيضًا ارتفع النصاب إلى هذا القدر فزال الإشكال. ولو نظرنا لرأينا المسألة ليست فقط بالتقدير؛ لأننا لو جئنا لنقدِّر الأمر، كأن قلنا: إن الواجب في الفضَّة مائتا درهم، فأنا لا أستطيع أن أحددها بالدراهم، فنردها إلى الريالات السعودية ستة وخمسين ريالًا، لكن عندما نريد أن نُخرج نصاب الذهب كم هي؟ أحد عشر جنيهًا وثلاثة أسباع الجنيهات، هذه أكثر بكثير من نصاب الفضة، ومعلوم أن الجنيه فيما مضى قبل فترة طويلة كان يساوي أربعين ريالًا، والآن اللَّه أعلم كم يساوي، لقد ارتفع كثيرًا، فليست القضية قضية مخالفة، يعني: هذا أكثر أو أقل؛ لأنه لا مناسبة عند الموازنة.
следующие страницы →