أنَّ الحد في ذلك هو القلتين، ودليلهم في ذلك قال: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث". وفي رواية: "لم ينجس".
قالوا: فهذا نصّ في أنَّ الماء إذا بلغ قلتين لا تلحقه النجاسة.
ويرد عليهم بعض العلماء بعدة ردود ويقولون: إذا كنتم تقولون بأنه إذا بلغ الماء قلتين لا ينجس، فمعنى هذا أنه حتى إذا غير أحد أوصافه لا ينجس.
يقولون: لا، هذا مخصوص؛ لأنَّ الإجماع قد خصّ هذا الحديث، يعني: إذا وصل الماء قلتين لا ينجسه شيء إلا الذي يغير اللون أو الطعم والريح، فاعتبروا حديثهم هذا عامًّا يخصّصه هذا الحديث.
إذًا، هم يقولون: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه" فهم يرون: أن حديثهم يُخَصِّص حديث بئر بضاعة الذي سيأتي.
وحديث بئر بضاعة عندما سئل الرسول ﵊ أنتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يُرمى فيها لحومْ الكِلَابِ والحَيْضِ والنَّتنْ، فقال: "الماء طهور لا ينجسه شيء".
وهذا الحديث سنرى أنه عمدة الفريق الأول الذين قالوا: لا يتأثر لأنَّ: "الماء طهور لا ينجسه شيء"، وهذا يتعارض مع حديث القلتين، ويتعارض مع حديث: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم"، ويتعارض أيضًا مع حديث: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء"، وقد يعارضه في الظاهر أيضًا حديث الأعرابي: "صبوا على بول الأعرابي ذنوبًا من الماء".
وهذه الأحاديث كلُّها ظاهرها التعارض، لكنَّها تحتاج إلى أن يُجمعَ بينها، فكل فريقٍ حاول أن يصرف بعض الأدلة لقوله، وأن يدعم بها رأيه.
الخلاصة:
الفريق الأول: وهي رواية للإمام مالك التي صدّر بها المؤلف كلامه، ورواية غير مشهورة للإمام أحمد، وأخذ بها بعض الحنابلة ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وأخذ بها بعض علماء الشافعية، بل لو قرأتم في كتب النووي تجدون أنه يقول: وهذه أصح الأقوال بعد مذهبنا، يعني هو يقدم القول الأول في القلتين، ويجعل هذا القول الثاني هو الصحيح، لكن هذا رأي له بلا شك، وقد يأتي غيره ويخالفه.
أما الذين قالوا: بأن الماء إذا خالطته نجاسة فاستحالت فيه ولم تغيره يستدلون أولًا:
- بحديث بئر بضاعة، يقولون: هذه بئرٌ ذُكِرَ للرسول ﵊ حتى بعضهم يقرأها، أنتوضأ، أتتوضأ، وورد في بعض ألفاظه: "يا رسول الله أنه يُسْتَقَى لك من بئر بضاعة وهي بئر يُلْقَى فيها لحوم الكلاب والحيض يعني: الخرق التي يمسح فيها دم الحيض، والنتن يعني: الشيء العفن يلقى فيها". لكن هنا يرد سؤالًا أيضًا، هل هذه الأمور تُلْقَى في هذه البئر، ويعرف أنه يستقى منها؟
أجاب العلماء عن ذلك وقالوا: هي كانت تقع في مكانٍ منحدرٍ، وكانتْ إذا جاءت السيول نقلت هذه الأمور فنزلت فيها.
وبعضهم يقول: كانت إذا جفت هذه الخرق تأتي العواصف فتنقلها فتطرحها فيها.
* فائدة:
وبئر بضاعة هذه تكلم عنها العلماء، وكلمة بضاعة هل هي اسم لصاحبها أو للبئر نفسه، منهم من قال: بضاعة هي اسم للبئر، ومنهم من قال: هي اسمٌ لصاحبها، وهذا لا يؤثر.
بئر بضاعة هذه سيحصل النزاع فيها، وهي من أقوى الأدلة التي يعارض بها مذهب الحنفية، أي: يأتي العلماء الآخرون فيبطلون بهذا
стр. 354
الحديث مذهب الحنفية، ويقولون: هذا الحديث نصٌّ في أن هذه البئر تُلقى فيها لحوم الكلاب، ويلقى فيها خرق الحيض، وكذلك النتن، كل هذا يُجمع فيها، وهذه أمور لا شك أنها نجسة، فكيف تقولون بقولكم، والحديث يقول: ولما سئل الرسول عن ذلك قال: "الماء طهورٌ لا ينجسه شيء"، أول الحديث أنها يُستقى لك من بئر بضاعة، وفي رواية وهي بئر يلقى فيها الحيض … قال: "الماء طهورٌ لا ينجسه شيء".
إذًا، هذا نصٌّ في أنَّ الماء طهورٌ لا ينجِّسه شيء، والنبي ﷺ لم يذكر في هذه البئر هل ماؤها كثيرٌ أو غير كثير، غير أنه بعد المعاينة تبين أن هذه البئر ليس مائها بكثيرٍ؛ لأنَّ أبا داود المحدث من العلماء الذين اهتموا بذلك وقال: إنه ذهب إلى قيِّمها وسأله أن ينزلَ فيها، وقد وجد أنَّ عرضها ستةُ أذرعٍ وأنّ عمقها إذا زاد ماؤها تصل إلى العانة، وإذا نقص دون العورة، فهي بهذا القدر لا تتجاوز ما يقرب من قلتين أو تزيد قليلًا أو تنقص.
إذًا، ماؤها ليس كما يقول الحنفية ماء كثير يشبه المستبحر، وهذا الحديث دليلٌ يُعارَض به مذهب الحنفية، فاضطر الحنفية إلى القول بأن البئر كانت جاريةً.
ما دليلكم على ما ذهبتم إليه؟
قالوا: لأنَّ الواقديَّ المؤرخَ المعروفَ قال: كانت تُسْقى منها البساتين والمزارع المجاورة لها، وفهموا من هذا أنَّها كانتْ جاريةً.
وقد رُدّ عليهم: بأنَّه لا مانعَ أن يُسقى منها البساتينُ والمزارعُ المجاورةُ، كعادةِ العرب إلى وقتٍ قريبٍ، فإنهم يخرجون الماء إما بالدَّلو أو عن طريق الناضحةَ، وهذا أمر معروف إذا كانت هناك مكائن تخرج الماء.
ولكن قال عدد من العلماء: بأنَّ المدينة في عصر الرسول ﵊ لم تكن فيها عيونٌ جاريةٌ، فالعين الزرقاء بعده ﷺ ،
стр. 355
وكذلك العيون التي في حمزة هذه، قالوا: لم تكن جاريةً وإنما نبعتْ بعد ذلك.
والذي دعا الحنفية بأن يقولوا بأنَّها جارية حتى يقوُّوا مذهبهم، لأنَّ هذا أقوى دليلِ يعارضهم، وهو أيضًا أقوى دليلِ يعارض مذهب الشافعية والحنابلة في رأَيهم المشهور.
إذًا؛ هذا الحديث نصٌّ في أنَّ: "الماء طهورٌ لا ينجِّسُه شيءٌ"، ويؤيده أيضًا إطلاقُ الماءِ، فإنَّ اللهَ تعالى عندما نقلنا من الوضوء إلى التيمم قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: ٦]، وماءٌ نكرةٌ، ولم يقيد هذا الماء بنوع من المياه، فإنما يُخرج من ذلك الماء المجمع عليه وهو النجاسة، وبذلك أكون أعطيتكم جزءًا مبسَّطًا من دليلِ واحتجاجِ الفَريقِ الأوَّلِ.
من ناحية أُخرى، العلماء ردُّوا على الحنفية وقالوا: إن الواقديَّ ضعيفٌ فيما يرفعه، فما بالك بما يُرسله، وإذا كان ذلك قولٌ خاص له فهو أضعف كذلك، ولذلك ضعَّفوا هذا القول.
وهذه عبارة أنا أعطيتك إياها مجملة، لأنها غير موجودة في الكتاب.
الذين قالوا بحديث القلتين قالوا: حديثنا مخصص لحديث: "الماء طهور لا ينجسه شيء"، قالوا: ذاك عامٌ مخصوص، الذي خصَّصه هو حديث القلتين؟ وهو حديثٌ صحيح، فنسمي هذا الحديث عائم مخصوص بحديث القلتين، هكذا يقولون.
لكنِ الآخرون لهم أيضًا اعتراضات عليهم كثير في هذا القول.
* قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَحُدَّ فِي ذَلِكَ حَدًّا، وَلَكِنْ قَالَ: إِنَّ النَّجَاسَةَ تُفْسِدُ قَلِيلَ المَاءِ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ أَحَدَ أَوْصَافِهِ، وَهَذَا أيضًا مَرْوِيّ عَنْ مَالِكٍ، وَقَدْ رُوِيَ أيضًا أَنَّ هَذَا المَاءَ مَكْرُوة. فَيَتَحَصَّلُ عَنْ مَالِكٍ فِي المَاءِ اليَسِيرِ تَحُلُّهُ النَّجَاسَةُ اليَسِيرَةُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: قَوْذ إِنَّ النَّجَاسَةَ تُفْسِدُهُ، وَقَوْلٌ إِنَّهَا لَا تُفْسِدُهُ).
стр. 356
(قَوْلٌ إِنَّ النَّجَاسَةَ تُفْسِدُهُ) هذا القول عن مالك.
(وَقَوْلٌ إِنَّهَا لَا تُفْسِدُهُ) وهو القول المشهور عن مالك، وهو الذي علّق عليه أصحابه وأيَّده جمع من العلماء، وهي الرواية الأُخرى للحنابلة، وهي أقوال في مذهب الشافعي، ومن أكابر الشافعية الذين أخذوا بهذا القول الإمام النووي، بل هو من محقّقي علماء الشافعية.
قوله: (وإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ).
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ هُوَ تَعَارُضُ ظَوَاهِرِ الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ المُتَقَدِّمَ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: "إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ … " (١) الحَدِيثَ، يُفْهَمُ مِنْ ظَاهِرِهِ أَنَّ قَلِيلَ النَّجَاسَةِ يُنَجِّسُ قَلِيلَ المَاءِ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الثَّابِتُ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ" (٢)، فَإِنَّهُ يُوهِمُ بِظَاهِرِهِ أَيْضًا أَنَّ قَلِيلَ النَّجَاسَةِ يُنَجِّسُ قَلِيلَ المَاءِ، وَكَذَلِكَ لِمَا وَرَدَ مِنَ النَّهْي عَنِ اغْتِسَالِ الجُنُبِ فِي المَاءِ الدَّائِمِ (٣). وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ الثَّابِتُ: "أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ المَسْجِدِ، فَبَالَ فِيهَا، فَصَاحَ بِهِ النَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : دَعُوهُ، فَلَمَّا فَرَغَ، أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَنُوبِ مَاءٍ، فَصُبَّ عَلَى بَوْلِهِ " (٤)، فَظَاهِرُهُ أَنَّ قَلِيلَ النَّجَاسَةِ لَا يُفْسِدُ قَلِيلَ المَاءِ، إِذْ مَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ المَوْضِعَ
стр. 357
قَدْ طُهِّرَ مِنَ الذَّنُوبِ. وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ كذَلِكَ أَيْضًا خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَالُ لَهُ: إِنَّهُ يُستَقَى مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ، وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا لُحُومُ الكِلَابِ وَالمَحَائِضُ وَعَفَرَةُ النَّاسِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﵊: "إِنَّ المَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ" (١)).
القول الأول دليلهم: حديث بئر بضاعة، وهي بئر تُلقى فيه الكلاب، وفيه الخرق التي فيها دم الحيض، وفيها النتن بمعنى: أن الأوساخ النجسة تُلقى في هذه البئر، ومع ذلك لم نجد أنّ الرسول ﵊ استفصل، ولا قال: هل حصل أو يحصل، إنما جاءنا إجماعٌ على أنه إذا تغير الطعم أو اللون أو الريح، معنا هذا، وقال أيضًا: "الماء طهور لا ينجسه شيء"، فلو كان شرط ذلك القلتان لبيَّنه، والعلماء يقولون: تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، والذين سألوا الرسول قالوا: يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة؟ فقال: "الماء طهور لا ينجسه شيء"، وقيل له في السؤال في الرواية الأخرى: إنه يُستقى لك من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها كذا وكذا فقال: "الماء طهورٌ لا ينجِّسه شيءٌ"، وهذا هو أقوى دليل للفريق الأول.
وأيضا من أدلتهم إطلاق الماء في الآيات وفي الأحاديث، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾.
وجوابهم عن حديث القلتين كثيرٌ جدًّا سيأتي أثناء المناقشات.
وجوابهم عن حديث: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا" الرواية المتفق عليها، ورواية مسلم: "فلا يغمس يده في الإناء".
من العلماء من يقول: إن العلة هنا غيرُ معقولة المعنى، لأنَّ هذا أمرٌ تعبدي.
стр. 358
ومنهم من يقول: العلة معقولة المعنى؛ لأنَّ الإنسان إذا نام قد تطوف يده في جسمه، وقد يكون نامَ مستجمرًا، ومع العرق يسيل شيءٌ من محل النجو، الذي استنجى فيه وقد تمسه يده، فتكون يده وقعت على نجاسة، ولذلك عليه أن يغسلها، وهذا ما علَّل به الشافعي وبعض العلماء.
لكنَّ هذا الحديث -كما تعلمون- لا يصلح دليلًا للشافعية ولا للحنفية ولا للمالكية، وإن كان المالكية في هذه الرواية يرون أن الماء لا يتأثر، وإنما هو يصلح دليلٌ للحنابلة الذين سبق -أن رأيتم- في رواية أنهم قالوا: إنه لا تدخل اليدان في الماء قبل أن تُغسلا خارج الماء.
إذًا، إما لأنها عبادة معقولة المعنى، وإما لأنَّ النجاسة مظنونة، أي: ليست متيقنة هنا، قالوا: والنجاسة هنا مظنونة فهي غير متيقنة، أي: أن النجاسة مشكوكٌ فيها.
قالوا: فلا نأتي بهذا الحديث فنعارض به الأدلة الصريحة، وهذا الحديث يحتمل أنه غير معقول المعنى، وهناك احتمال آخر: أن النجاسةَ قد تكون مظنونة، وهناك احتمال ثالث: أنه كما ورد في الخياشيم للاستنشاق والاستنثار: "فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ" (١)، فيقول: لا مانع أن يكون التعليل كذلك.
إذًا، هناك ثلاث عِلَل توجه إلى هذا الحديث، قالوا: فلا يعارض به الحديث الصريح في هذا المقام: "الماء طهور لا ينجسه شيء". هذه من أدلتهم.
أما أدلة حديث القلتين ففيه كلامٌ كثير، فهناك كلامٌ في أنَّ سنده مضطرب، وهذا الكلام حقيقةً غير مُسَلّم لأن سنده قد صحّ.
الأمر الآخر، أنه ورد فيه: قلتان، وورد فيه: ثلاث قلال، وهذه محل نزاع مما يُضعّف به الاحتجاج على الشافعية والحنابلة في هذا.
стр. 359
فيه آخر: أنه ورد أربعون قلة، ولكن هؤلاء أجابوا بأنهم قالوا: هذا قول لعبد الله بن عمر، هو الذي قال: أربعون قلة، وهناك من قال بأنها: أربعون دلوًا. وهذا قول لعبد الله بن عمرو، وهناك من قال بأن القول بأن قوله: (إذا بلغ الماء قلتين) هو موقوفٌ على عبد الله بن عمر راوي الحديث.
إذًا هناك تعليلٌ آخر: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث".
هنا الاستدلال بمفهوم المخالفة، ومفهوم المخالفة محل خلاف بين العلماء، وإن كان الذين استدلوا بالحديث يأخذون به، وهنا جاءت المناسبة أن نُذَكِّر الإخوة الذين سألوا عن دليل الخطاب، وقالوا: ما معنى دليل الخطاب؟ تعلمون عندما يأتي النص يكون له منطوقٌ ومفهوم، فمنطوقه هو لفظ هذه الآية والحديث، فمثلًا الله يقول بالنسبة لحق الوالدين: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] هذا منطوق، وله مفهوم، المفهوم نوعان: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة.
مفهوم الموافقة قد يكون مفهوم أولى، يعني: أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به كما في هذه الآية: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ فلا يجوز ضرب الوالدين؛ لأنه إذا كان لا يجوز أن يُقال لهما: أُفٍّ فما بالك بالضرب وغيره.
إذًا؛ هذا لا يجوز من باب أولى، وهذا يسمونه مفهوم موافقة أولى، وشمميه الأصوليون بفحوى الخطاب.
هناك مفهومٌ مساوٍ: الله حرم أكل أموال اليتامى فقال : ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠].
* قول: (فَرَامَ العُلَمَاءُ الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الأَحَادِيثِ، وَاخْتَلَفُوا فِي طَرِيقِ الجَمْعِ، فَاخْتَلَفَتْ لِذَلِكَ مَذَاهِبُهُمْ، فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى القَوْلِ بِظَاهِرِ حَدِيثِ الأعْرَابِيِّ وَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: إِنَّ حَدِيثَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ غَيْرُ مَعْقُولَيِ المَعْنَى، وَامْتِثَالُ مَا تَضَمَّنَاهُ عِبَادَةٌ، لَا لِأَنَّ ذَلِكَ المَاءَ يَنْجُسُ، حَتَّى إِنَّ الظَّاهِرِيَّةَ أَفْرَطَتْ فِي ذَلِكَ، فَقَالَتْ: لَوْ صَبَّ البَوْلَ إِنْسَانٌ فِي
المَحَلِّ نِسْبَةُ المَاءِ الكَثِيرِ إِلَى النَّجَاسَةِ القَلِيلَةِ، وَإِنْ كانَ يُعْجَبُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأَخِّرِينَ، فَإِنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ المَاءَ الكَثِيرَ لَا تُفْسِدُهُ النَّجَاسَةُ القَلِيلَةُ، فَإِذَا تَابَعَ الغَاسِلُ صَبَّ المَاءِ عَلَى المَكَان النَّجِسِ أَوِ العُضْوِ النَّجِسِ).
المؤلف يتحدث عن النجاسة إذا صُبَّ عليها الماء وليس النجاسة إذا وقعت فيه، لذلك انتهينا منه وشرحناه وقرأناه.
* قول: (فَيُحِيلُ المَاءُ ضَرُورَةً عَيْنَ النَّجَاسَةِ بِكَثْرَتِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ المَاءِ الكَثِيرِ أَنْ يَرِدَ عَلَى النَّجَاسَةِ الوَاحِدَةِ بِعَيْنِهَا دُفْعَةً، أَوْ يَرِدَ عَلَيْهَا جُزْءًا بَعْدَ جُزْءٍ، فَإِذَنْ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا احْتَجُّوا بِمَوْضِعِ الإِجْمَاعِ عَلَى مَوْضِعِ الخِلَافِ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَشْعُرُوا بِذَلِكَ، وَالمَوْضِعَانِ فِي كَايَةِ التَّبَايُنِ، فَهَذَا مَا ظَهَرَ لَنَا فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ مِنْ سَبَب اخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهَا، وَتَرْجِيحِ أَقْوَالِهِمْ فِيهَا، وَلَوَدِدْنَا لَوْ سَلَكْنَا فِي كُلًّ مَسْأَلَةٍ هَذَا المَسْلَكَ، لَكِنْ رَأَيْنَا أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي طُولًا، وَرُبَّمَا عَاقَ الزَّمَانُ عَنْهُ، وَأَنَّ الأحْوَطَ هُوَ أَنْ نَؤُمَّ الغَرَضَ الأَوَّلَ الَّذِي قَصَدْنَاهُ، فَإِنْ يَسَّرَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ وَكَانَ لَنَا انْفِسَاحٌ مِنَ العُمُرِ، فَسَيَتِمُّ هَذَا الغَرَضُ).
يقول المؤلف: نودُّ أننا في كل مسألة نبسط القول ونفصّل ونذكر آراء العلماء، وهو كما ترون مع بسطه وتفصيله لم يتناول كل الذي ورد في المسألة، لأنَّ مسائل الفقه موسَّعة، والخلاف فيها منتشر ودقيق ومبسوط، لكنه هو من حيث الجملة لا شك أنه استوفى هذه المسألة الكبرى.
* قول: (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: المَاءُ الَّذِي خَالَطَهُ زَعْفَرَانٌ).
الماء الذي خالطه زعفران، أو وَرْدٌ أو قرنفل أو ماءُ باقلاء أو حمص أو غير ذلك من الأمور، هذه الأشياء إذا خالطت الماء لا يخلو الحال من أمورٍ؛ لأنه إمَّا أن يكون اختلاط هذه الأشياء الطاهرة اختلاطٌ
стр. 363
يسير، بحيث أنه لا يؤثر على أوصاف الماء الثلاثة التي هي الطعم أو الريح أو اللون، وهذا محل اتفاقٍ بين العلماء أنه باقٍ على طهوريته، لكنَّ الكلام هنا عن الماء إذا خالطه طاهرٌ فغيَّر صفةً من صفاته، إما غير طعمه، فإذا شرب الإنسانُ أحسَّ بتغيّر الطعم، أو غيَّر لونَهُ، فتغير من لون الماء الأبيض إلى غيره، أصبح داكنًا أو غير ذلك، أو غيَّر طعمه، بأن تغير إذا شرب الإنسان أحس بتغيّر الطعم، أو تغيرت رائحته بأن خرجت فيه رائحة بيّنة، مع أن قضية الرائحة محل خلاف بين العلماء، لكن الخلافَ فيها يسيرٌ في المذاهب، فهم يدخلونها ضمن الصفات الثلاث.
هذا هو الماء الطاهر، وهذا الذي يتحدث عنه إذا خالطه طاهرٌ مما ينفك عنه غالبًا، لأنه قد يأتي طاهرٌ لا ينفك عن الماء غالبًا إمَّا لمجاورته، أو لأنَّه يعيش في وسط الماء، فهذا لا تأثيرَ له لأنَّه معفوٌّ عنه.
* قول: (أَوْ غَيْرُهُ مِنَ الأَشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ الَّتِي تَنْفَكُّ مِنْهُ غَالِبًا مَتَى غَيَّرَتْ أَحَدَ أَوْصَافِهِ).
يعني بقوله: "التي تنفك منه غالبًا"، أي: التي يمكن الاحتراز منها، لكن التي لا تنفك منه غالبًا مثل الطحلب الذي يخرج في الماء، وكذلك الأوراق التي تنبت فيه أو تتساقط، وكذلك مما يكون في مجاورة الماء من الأشياء ذات الروائح كالعنبر والكافور والعود، وكذلك شجر الأدهان هذه قد تؤثر على رائحة الماء أو على طعمه، لكنَّها لا تسلبه الطهورية؛ لأنها أثَّرت عليه بالمجاورة لا بالاختلاط.
وهنا نعطي تفصيلًا يسيرًا: الطاهرات أنواعٌ: فهناك ما يُعرف بالطاهر المُعْتَصَر، أي: الذي يُعْتَصَرُ من الأشجارِ، وما يُعْرَفُ بماء الورد، أو كذلك الذي يُعتصَر من الفواكه، هذه كلُّها لا تُطهّر، يعني: هذه ليست محلًّا للطهارة، هذه التي تعصر من الأشجار أو من بعض النباتات أو الورود أو من الفواكه التي ترون، أو غيرها، هذه لا أثر لها في الطهارة، كذلك الماء إذا خالطته غيره من الطاهراتِ فسلبته اسمه، بمعنى: غُيِّر الاسم، فصار يُسمّى ماء الورد، أو ماء الزعفران، أو ماءَ القرنفل، أو ماءَ
стр. 364
الباقلاء والحمّصِ أو غير ذلك حينئذٍ هذا لا يُطهّر، إلا خلاف شاذّ في ماء الباقلاء، وهو وجهٌ ضعيف عند بعض علماء الشافعية، وكذلك نُقِلَ أيضًا عن ابن أبي ليلى والأصَمِّ أنهما قالا: بأنّ ما اعْتُصِرَ من النبات فإنه يُطهِّر، وهذه كلها آراءٌ شاذَّةٌ.
إذًا رأينا من هذا أن ما يُعْتَصرُ من نباتٍ أو شجرٍ، فإنه لا يُطهِّر قولًا واحدًا، كذلك ما خالط الماء فغيَّره لا يطهِّر أيضًا.
كذلك ما طُبِخَ في الماء من الطَّاهرات -كما ترون- في أنواع المرق من الكوسة والبامية وغير ذلك، والباقلاء والفول وغير ذلك، فهذه لا تُطهّر، وهذا هو النوعُ الأوَّلُ.
يأتي بعد ذلك قسمٌ آخر وهو يتنوعُ: أنواع الذي لا يؤثر على الماء، وهو الذي لا ينفكُّ عنه غالبًا كالطحلب وغيره مما يخرج في الماء، أو مما يجاور الماء من أشجار العنبر والعود وغير ذلك من التي تؤثر في ريحه.
كذلك أيضًا مما لا تأثير له في الماء مما يشرك الماء في صفة الطهورية والتطهير وهو التراب، إلَّا أن يكثر التراب بحيث يتحول الماء إلى طينٍ، فإنه حينئذٍ لا يصلح للطهارةِ به.
المحل الذي هو موضع خلاف هو الذي ذكره المؤلف، وهو الذي فيه تفصيل، الماء إذا خالطه زعفرانٌ أو ماء ورد أو قرنفل أو حمص أو باقلاء أو صابون أو أشنان أو غير ذلك من الطاهرات، فغيرت صفةً من صفاتِهِ، سيذكر المؤلف أن العلماء قد انقسموا إلى قسمين:
- جمهور الفقهاء: وهم المالكية والشافعية، وهي الرواية المشهورة عند الحنابلة، أنه يبقى طاهرًا وليس مطهِّرًا.
- القول الثاني: أنَّ هذه الأشياء التي خالطت الماءَ من الطَّاهرات فغيَّرت صفةً أو أكثر من صفاته، لا تسلبه صفة الطهورية، بل يبقى طهورًا يُتطَهَّر به كغيره، وهو مذهب الحنفية والرواية الأُخرى عن الحنابلة.
стр. 365
وهذه هي التي يدعمها كثيرٌ من العلماء.
* قول: (فَإِنَّهُ طَاهِرٌ عِنْدَ جَمِيعِ العُلَمَاءِ غَيْرُ مُطَهِّرٍ عِنْدَ مَالِكٍ (١) وَالشَّافِعِيِّ) (٢).
انظروا هنا المؤلف كيف عبَّر، قال: "فإنه طاهر عند جميع العلماء"، وهذا لا خلاف فيه، يريد المؤلف أن يقول: هذه الطاهرات إذا اختلطت بالماء فغيرت صفةً أو أكثرَ من صفاته، يظل هذا الماء طاهرًا إجماعًا، لكن هل يبقى طهورًا كما كان كالحال في الماء المطلق أو لا، هذا هو محل الخلاف.
* قوله: (وَمُطَهِّرٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) (٣).
ومطهر عند أبي حنيفة، وهي الرواية الأُخرى عند الإمام أحمد.
* قوله: (مَا لَمْ يَكُنِ التَّغَيُّرُ عَنْ طَبْخٍ).
فإن كان التغير عن طبخ انضم إلى الثلاثة التي هي المعتصرات من
стр. 366
النبات أو الشجر، أو الذي يطبخ في الماء، أو الذي خالط الماء فسلبه اسمه، فصار لا يُسمّى ماءً، وإنما يُسمَّى غير الماء ماء ورد أو نحو ذلك.
* قول: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ خَفَاءُ تَنَاوُلِ اسْمِ المَاءِ المُطْلَقِ لِلْمَاءِ الَّذِي خَالَطَهُ أَمْثَالُ هَذِهِ الأَشْيَاءِ، أَعْنِي: هَلْ يَتَنَاوَلُهُ أَوْ لَا يَتَنَاوَلُهُ؟).
المؤلف هنا ذكر سبب الخلاف: وهو هل الماء المطلق يتناول هذا الماء الذي خالطه زعفران أو غيره من الطاهرات؟ وهل يظلُّ هذا الماءُ يحمل اسم الماء المطلق أو لا؟
إن قلنا: هو يحملُ اسمَ الماء المطلق فهو لم يتغيّر، فينبغي أن يكونَ طهورًا.
وإن قلنا: لا يحمله، لأنه تغير بهذه المخالطة، وأصبح غير ماءٍ مطلقٍ فينبغي أن لا يكون مُطَهِّرًا.
والذين يقولون بأنه لا يزال طهورًا يستدلون:
١ - بقول الله في آخر آية الوضوء: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ [المائدة: ٦] فيقولون: (ماءً) نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم.
٢ - والله أباح التيمم في حالة عدم وجود الماء، وهذا ماءٌ طاهرٌ فينبغي أن يُتَطَهّر به، لأنَّه وإن خالطه غيره فهو ماء، والاية أُطلقت ولم تفرق بين الماءِ المطلق وبين ما يُضاف إليه؛ لأنه ما دام يحمل اسم الماء فهو ماء، ولا ينبغي أن نفرِّق بينه وبين غيره، لأننا نسميه ماء، ولا نسميه ماء ورد ولا ماء زعفران ولا ماء باقلاء ولا حمص ولا نسميه مثلًا من أنواع الغازات، الآن الأشربة الغازية التي تشرب، هذه كلها خارجة عنها.
قالوا: ما دمنا نسميه ماءً فينبغي أن يبقى على حالته الأولى، والرسول ﵊ قال: "التراب كافيك ما لم تجد الماء"،
стр. 367
وقال ﵊: "الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين ".
قالوا: وهذا واجد للماء، إذًا الماء موجود.
٣ - قالوا: ولأنَّ هذا الطاهر لا يحمل نجاسة فلا تأثير له في الماء فيبقى طهورًا. هذه وجهة هؤلاء.
يقولون الآخرون: هذا الذي خالطه سلبه صفة الماء المطلق فتغيّر، فأصبح غير صالحٍ لأن يكون طهورًا.
* قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ المَاءِ المُطْلَقِ، وَإِنَّمَا يُضَافُ إِلَى الشَّيْءِ الَّذِي خَالَطَهُ، فَيُقَالُ مَاءُ كذَا لَا مَاءٌ مُطْلَقٌ، لَمْ يُجِزِ الوُضُوءَ بِهِ، إِذْ كانَ الوُضُوءُ إِنَّمَا يَكُونُ بِالمَاءِ المُطْلَقِ).
هو يريد أن يقول، لكن نحن لا نقول: ماء الورد.
إذا زاد الاختلاط خرج إلى الصفات الأولى، لكن إذا خالطه وهو لا
يزال يحمل اسم الماء، أما إذا أضيف إلى الشيء الاخر بكثرة المخالطة
تغيّر الأمر.
والخلاف كله هنا يسير في هذه المسألة ويدور حول قضية واحدة، هل هذا الماء الذي خالطه طاهز فغيّر صفةً من صفاته هل هو ماء مطلق أو لا؟
إن قلنا: هو ما: مطلق، لأنه داخلٌ في عموم الآية: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ فينبغي أن يُتَطَهّر به، وهو حجة الذين قالوا بأنه طهور.
وإن قلنا: سُلِبَ عنه اسم المطلق أصبح ماءً طاهرًا لا ينبغي أن يُتَطَهّر به.
كل هذه المسألة تدور حول هذه القضية، والمؤلف لم يذكر الآياتِ ولا الأحاديثَ، لكنَّ كلامَه هو خلاصة ذلك.
стр. 368
* قوله: (وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ المَاءِ المُطْلَقِ، أَجَازَ بِهِ الوُضُوءَ، وَلظُهُورِ عَدَمِ تَنَاوُلِ اسْمِ المَاءِ لِلْمَاءِ المَطْبُوخِ مَعَ شَيْءٍ طَاهِرٍ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الوُضُوءُ بِهِ).
الآن عندما يغلي الماء وتضع فيه الشاي فإنه لا يُسمى ماء، وإنما يُسمَّى شايًا، وعندما تطبخ فيه أيَّ نوعٍ من الخضروات تسميه باسمه تقول: البامية، والفاصوليا، أو الكوسة، أو الفول، أو غير ذلك.
إذًا؛ تغيّر ونُقل من اسمه المعروف إلى اسمٍ آخر، وتغير حتى شكله، كالماء مثلًا لو جئت به فوضعت به الحبر أو الصبغة أو غير ذلك فغيّرته فأصبح يُسمى حبرًا أو يُسمَّى صبغًا، فلا يسميه أحدٌ ماءً، وهذا يدخل في النوع الأول الذي لا يُتَطَهّر به.
* قوله: (وَكَذَلِكَ فِي مِيَاهِ النَّبَّاتِ المُسْتَخْرَجَةِ مِنْهُ).
يقولون: الشجرة إذا قُصَّت يكون فيها رطوبة، قد يُعتصر منها، وأنتم ترون أنه يوجد من الأشجار ما يُعتصر منه، والفاكهة أيضًا تُعتصر، إذًا هناك أنواع الفواكه كالتفاح والبرتقال وغير ذلك يُستخرج منها العصير.
* قوله: (إِلَّا مَا فِي كِتَابِ ابْنِ شَعْبَانَ مِنْ إِجَازَةِ طُهْرِ الجُمُعَةِ بِمَاءِ الوَرْدِ، وَالحَقُّ أَنَّ الاخْتِلَاطَ يَخْتَلِفُ بِالكَثْرَةِ وَالقِلَّةِ، فَقَدْ يَبْلُغُ مِنَ الكَثْرَةِ إِلَى حَدٍّ لَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ المَاءِ المُطْلَقِ، مِثْلَ مَا يُقَالُ: مَاءُ الغُسْلِ، وَقَدْ لَا يَبْلُغُ إِلَى ذَلِكَ الحَدِّ).
أنا لا أدري وجهة الذين أجازوه، لأنهم يرون أنه ماء، ولكن خصّ به طهر الجمعة، لعله نظر إلى الرائحة ونحو ذلك.
* فائدة:
أما ابن شعبانَ فهو من علماء المالكية المشهورين في القرن الرابع الهجريِّ: اسمه: محمد بن القاسم بن شعبان بن محمد بن ربيعة،
стр. 369
المصري، الفقيه، الأخباري، المتفنن، المعروف بابن القرطي، وبابن شعبان.
وفاته: توفي لأربع عشرة بقيت من جمادى الأُولى سنة خمس وخمسين وثلاثمئة، وقد جاوز الثمانين سنة.
* قوله: (وَبِخَاصَّةٍ مَتَى تَغَيَّرَتْ مِنْهُ الرِّيحُ فَقَطْ، وَلذَلِكَ لَمْ يَعْتَبِرِ الرِّيحَ قَوْمٌ مِمَّنْ مَنَعُوا المَاءَ المُضَافَ).
الذين لم يعتبروا الريح لأنهم يقولون: توجد أحيانًا أشياء بجوار الماء فتغير ريحه، كَعُود الطيب، لو نبت بجوار الماء، وكذلك العنبر، وبعض الأدهان، هذه كلها لها روائح، ما دامت منفكة عن الماء فلا تأثير لها، وإن غيَّرت حتى أثرت في رائحة هذا الماء.
وأما من قال: إنَّ بعض العلماء لا يعتبرون تغيُّر الرائحة، وهذا قول ضعيف في بعض المذاهب، وهو قول في مذهب الحنابلة لكنه ضعيف، وأظنُّه في مذهب الشافعية أيضًا.
* قوله: (وَقَدْ قَالَ ﵊ لِأُمِّ عَطِيَّةَ عِنْدَ أَمْرِهِ إِيَّاهَا بِغَسْلِ ابْنَتِهِ: "اغْسِلْنَهَا بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الأَخِيرَةِ كافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كافُورٍ" (١)، فَهَذَا مَاءٌ مُخْتَلِطٌ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ مِنْ الاخْتِلَاطِ بِحَيْثُ يُسْلَبُ عَنْهُ اسْمُ المَاءِ المُطْلَقِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ اعْتِبَارُ الكَثْرَةِ فِي المُخَالَطَةِ وَالقِلَّةِ، وَالفَرْقِ بَيْنَهُمَا، فَأَجَازَهُ مَعَ القِلَّةِ وَإِنْ ظَهَرَتِ الأَوْصَافُ، وَلَمْ يُجِزْهُ مَعَ الكَثْرَةِ) (٢).
===
(١) أخرجه البخاري (١٢٥٣)، ومسلم (٩٣٩).
(٢) يُنظر: "مواهب الجليل" للحطاب (١/ ٥٩)؛ حيث قال: "ظاهر كلام المصنف: أنه إذا تغير أحد أوصاف الماء بما ينفك عنه سلبه ذلك التغير الطهورية؛ سواء كان التغير ظاهرًا أو خفيًّا، وهذا هو المعروف في المذهب إلا ما نبه المصنف على أنه إنما=
стр. 370
يستدلُّ الذين يقولون: بأنه لا يتأثر بحديث أم عطية؛ لأنَّه عندما يوضع في الماء كافورٌ أو سدرٌ لا شكَّ أنه سيُؤثِّر عليه، ومع ذلك فالرسول ﵊ قال لأم عطية في الحديث المتفق عليه: ("اغْسِلْنَهَا بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَاجْعَلْنَ فِي الأخِيرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ").
وكذلك يغسل المحرم بماءٍ وسدر، وكذلك الذي أسلم أيضًا. إذًا؛ هذا كله ورد.
هناك تعليلات لبعض الفقهاء يقولون: فرقٌ بين أن يوضعَ الشيء في الماء ويؤثِّر عليه، وبين أن يوضعَ على الوضوء فيدلكَ عليه ثم يُتْبَعَ بالماء.
وفي نظري أنَّ وجهة الذين يقولون: بأنَّ هذه الطاهرات إذا خالطت الماءَ ولم تسلبه اسمه المعروف يعني: ظلّ يُسمَّى ماءً، فأنا أرى قوَّة هذا المذهب.
(المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: المَاءُ المُسْتَعْمَلُ فِي الطَّهَارَةِ)
الماء المستعمل هو الماء المتساقط من الأعضاء بعد غسلها، وهو بهذا المعنى يختلف عن مسألة أُخرى مشابهة لهذه المسألة، وتُسمَّى سؤرًا (١)، وقد جرت عادة جل الفقهاء على إدراجهما في مسألة واحدة إلا أن المؤلف هنا فصل بينهما.
* قول: (اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ).
وهذا الماء المستعمل المتساقط من الأعضاء إما أن المتطهر استعملهُ في الوضوء عُضْوًا فعُضوًا، أو أنه اغتسلَ فيه، واختلفَ العُلَماء فِيهِ على ثلاثة أقوالٍ:
стр. 371
* قوله: (فَقَوْمٌ لَمْ يُجِيزُوا الطَّهَارَةَ بِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ (١)، وَأَبِي حَنِيفَةَ) (٢).
ومالك في روايةٍ (٣)، وكذلك أحمد في رواية (٤).
стр. 372
قال: "فَقَوْمٌ لَمْ يُجِيزُوا الطَّهَارَةَ بِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ".
بمَعْنى أنَّ هذا الماءَ المتساقط من الأعضاء المستعمل لا يرفع الحدث؛ سواء أكان الحدث أصغر أم أكبر.
* قول: (وَقَوْمٌ كَرِهُوهُ، وَلَمْ يُجِيزُوا التَّيَمُّمَ مَعَ وُجُودِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ (١)، وَقَوْمٌ لَمْ يَرَوْا بَيْنَهُ وَبَيْنَ المَاءِ المُطْلَقِ فَرْقًا، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ (٢)، وَدَاوُدُ، وَأَصْحَابُهُ (٣)).
قوله: (وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ)، ونُقِلَ هَذَا كمَا ذكر العلماء عن الإمام علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وأبي أمامة ﵃ (٤)،
стр. 373
وعن جمع من التابعين (١)، وهي رواية في المذاهب الثلاثة؛ المالكي (٢)، والشافعي (٣)، والحنبلي (٤) أيضًا.
وهَذَا القولُ الثالثُ القائل ببقاء هذا النوع من الماء في طُهُورّيَته يقابل القول الأول القاضي بسلب طُهُورَّية هذا النوع من الماء.
* قول: (وَشَذَّ أَبُو يُوسُفَ، فَقَالَ: إِنَّهُ نَجِسٌ) (٥).
فَمن العُلَماء مَنْ يرَى أنه طَاهرٌ فقط، وذَهَب إلى هذا جمعٌ كثيرٌ من
стр. 374
العلماء، منهم أبو حنيفة في روايةٍ (١)، وكذلك مالك والشافعي وأحمد، ومنهم مَنْ يرى أنه نجس، وبه قال أبو يوسف، ويُقَال: إنها روايةٌ أيضًا عن أبي حنيفة، ومنهم مَنْ يرى أنه طهورٌ، وهي رواية للمذاهب الثلاثة: (المالكي (٢)، والشافعي (٣)، والحنبلي) (٤).
إذًا، هناك مَنْ يقول بأنه طاهر، وهناك مَنْ يقول بأنه طهور، وهناك مَنْ يقول بأنه نجس، ولكلٍّ منهم أدلَّته التي يَسْتند إليها.
أ- أدلَّة القائلين بأنه نجس:
* أن الرسول ﵊ قال: "لا يبولن أحدُكم في الماء الدائم، ولا يَغْتسل فيه من جنابةٍ" (٥)، والحديث ذُو شَطْرَين في النهي، الشطر الأول: يَنْهى عن البول في المَاء الدَّائم، والثاني: يَنْهى الجنب عن الاغتسال فيه.
ووَجْه الاستدلال أن الحديث سوَّى بين البول وبين غسل الجنب فيه، ولم يفرق بينهما، فدل ذلك على أنه ينجس بغسل الجنب فيه، وإذا كان ذلك كذلك، فهو نجسٌ.
ب- أدلة القائلين بأنه طاهر:
* حديث جابر بن عبد الله عندما قال: كنت مريضًا، فَعَادَنِي رسول الله ﷺ ، وكُنْتُ لا أعقل، فتوضأ وصبَّ وضوءه عليَّ. أي: ما خرج
стр. 375
من أعضاء وضوئِهِ … وهذا حديثٌ متفقٌ عليه (١).
* حديث المِسْوَر بن مَخْرمة الذي ذكر فيه أنهم كادوا يقتتلون إذا توضَّأ رسول الله ﷺ ، كادوا يقتتلون على وضوئه (٢) … وهذا الحديث في "صحيح مسلم ".
* كَوْن هَذَا الماء تَسَاقَط من بدنٍ طاهرٍ؛ ذلك أن جسم الإنسان المؤمن طاهرٌ، وهذا الماء الذي مرَّ بأعضائه لا يتغير لمُرُوره بأعضاءٍ طاهرة، وَعَليه فهو طاهرٌ، ولا ينجس.
وتقريرًا لهذه القاعدة أُتِيَ بحديث أبي هُرَيرة عندما كان يمشي، فقابله رسول الله ﷺ قال: فانخنست (٣) - وفي بعض الروايات: فَانْسَللت (٤) - فَذَهب إلى رَحْلٍ، فاغتسل، ثم جاء فوجد رسول الله ﷺ قاعدًا، فسأله: "أَيْنَ كنتَ يا أبا هُرَيرة؟ "، قال: كنت جنبًا فاغتسلت (٥) - وفي بعض الرِّوايات: كرهتُ أن أجلسَ معك أو أن أقعد معك -فقال الرسول عليه
стр. 376
الصلاة والسلام: "سُبْحَان الله! إن المؤمنَ لا ينجس" (١)، قالوا: هذا نصّ على أن المؤمن لا ينجس، وأبو هريرة كان جُنبًا، ونفى الرسول نجاسته.
وأما دعوى: "لَا يبولنَّ أحدُكُم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من جنابةٍ" (٢)، فالموازنة هنا غير قائمة، وإنما نُهِيَ عن ذلك صيانةً للماء، وحفاظًا عليه، واحترامًا له، وليس معنى ذلك أنه ينجس من جسم الجنب؛ لأنه قام مرةً في هذا الحديث وغيره.
أمَّا الذين يقولون بأن الماء بقي طهورًا، وأنه لم يتأثر، فإنَّهم يقولون: انفصل من أعضاءٍ طاهرةٍ، فلا تأثير لها، وليس هناك ما يخرجه من الماء المطلق.
وَالَّذينَ يَقُولُون بأنه لا يُتَطهَّر به، وإنما هو طاهرٌ، يقولون: كَانَ الرَّسُولُ ﵊ وأصحابه يُسَافرون، ومع قلَّة الماء وشحِّه ما عُرِفَ أنَّهمْ كانوا يجمعون ما بَقِيَ من وضوئهم، ثم يعودون فيتوضَّؤون به، فلَوْ كان ذلك طهورًا، لَفَعلَ ذَلكَ الصَّحابة خُصُوصًا وهُمْ في أشد الحاجة إلى الماء (٣).
وعَلَى كل حَال، فَهَذا الدليلُ ليس نصًّا، وإنَّما هو تَلَمس، وأمَّا الَّذين يَقُولُون بأنَّه طاهرٌ وطهورٌ، فحُجَّتهم: بقاؤه على طهورّيَته، وعلى إطلاقه، فما المانع؟
كَمَا كَان الرسول ﵊ يتوضأ ويغتسل هو
стр. 377
وأزواجه من إناءٍ واحدٍ (١)، ولو كان ما يَتسَاقط من الأعضاء يُؤثر، لَمَا فعل ذلك الرسول ﵊، وكان الصَّحابة أيضًا يتوضؤون مع رسول الله (٢)، وكان يتوضأ بعضهم مع بعضٍ (٣)، وكان ذلك منتشرًا ومعروفًا بينهم، ولا يعرفون تأثيرًا لذلك.
وهذا دليلٌ على أنه طهورٌ، ولم يتأثر باستخدام الأعضاء له.
* قول: (وَسَبَبُ الخِلَافِ فِي هَذَا أيضًا مَا يُظَنُّ مِنْ أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ المَاءِ المُطْلَقِ حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ غَلَا، فَظَنَّ أَنَّ اسْمَ الغُسَالَةِ (٤) أَحَقُّ بِهِ مِنِ اسْمِ المَاءِ).
يَعْني أنَّ البعضَ غلَا، فَرَأى أن اسمَ ماء الغسالة أحقُّ بِهَذَا الماء المُتَساقط من الأعضاء من اسم الماء، وَهَذا رأيٌ ضعيفٌ.
* قوله: (وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ أَصْحَابُهُ يَقْتَتِلُونَ عَلَى فَضْلِ وَضُوئِهِ).
يشير إلى حديث المِسْوَر بن مخرمة الذي أخرجه البخاري (٥)، وكذلك حديث جابر السابق ذكره، والدليل العقلي الذي أشير إليه أيضًا.
стр. 378
* قول: (وَلَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ مِنَ المَاءِ المُسْتَعْمَلِ فِي الإِنَاءِ الَّذِي بَقِيَ فِيهِ الفَضْلُ، وَبِالجُمْلَةِ فَهُوَ مَاءٌ مُطْلَقٌ).
ومن الأدلة التي يذكرها العلماء: أن الماء إذا خالطته بعض الطاهرات، فإنه لا يتأثر، مستدلين بأن أسقية النبي ﷺ وصحبه الكرام كانت من الأدم (الجلد) (١)، ومما لا شك فيه أن التدبيغ له تأثيرٌ بحيث يَتْرك أثرًا في الماء، خُصُوصًا إذا كَانت القِرْبَةُ جديدةً، وَمَع ذلك قالوا: ما عُرِفَ عنهم قوذ بنجاسة الماء بسبب هذا التأثير الذي أحْدَثه التدبيغ، والغالبُ أنَّ المياه لا تَسْلم من ذلك التغيُّر، وهذا كله يُؤيِّدون به ما يقال من أن الماء إذا خالطه طاهرٌ، يبقى على طهورَّيته.
* قول: (لِأَنَّهُ فِي الأَغْلَبِ ليْسَ يَنْتَهِي إِلَى أَنْ يَتَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ بِدَنَسِ الأَعْضَاءِ الَّتِي تُغْسَلُ بِهِ).
وَتَعْليل المؤلف في محلِّه، يعني: هو لا يتغيَّر بالأعضاء.
* قول: (فَإِنِ انْتَهَى إِلَى ذَلِكَ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ المَاءِ الَّذِي تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ بِشَيْءٍ طَاهِرٍ، وَإِنْ كانَ هَذَا تَعَافُهُ النُّفُوسُ أَكْثَرَ، وَهَذَا لَحْظُ مَنْ كَرِهَهُ، وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ نَجِش، فَلَا دَلِيلَ مَعَهُ).
لَه دليلٌ، وهو حديثٌ صحيحٌ في "صحيح مسلم" وغيره "لا يبولن أحدُكُم في الماء الدَّائم، ولا يَغْتسل فِيهِ وهُوَ جنابةٌ" (٢)، ولكن الاستدلال به ضعيفٌ، حيث إنَّ النهيَ عن اغتسال الجُنُب ليسَ لأنَّ الجُنُبَ ينجسه، وَالرَّسُول ﷺ قَالَ: "سُبْحانَ الله! إنَّ المؤمنَ لا يَنْجس " (٣).
стр. 379
قال المصنف رحمه الله تعالى: (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ).
هَذِهِ من المسائل التي تحتاج إلى وقفاتٍ متأنيةٍ.
* قوله: (اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى طَهَارَةِ أَسْآرِ المُسْلِمِينَ (١)، وَبَهِيمَةِ الأَنْعَامِ) (٢).
" الأساَر" جمع سؤرٍ (٣)، والسُّؤر هو ما يبقيه الشارب بعد شربه،
стр. 380
أو الآكل بعد أكلِهِ، ونجد عادةًا لفقهاء ما يقولون: السؤر طاهر أو نجس؟ ويقصدون بالسؤر ما يبقى من لعاب (١) الحيوان، ورطوبة فمه، فيَقُولُون: هَلْ هذا اللُّعاب الذي يصدر أو هذه الرطوبة التي تَبْقَى في الإناء أو اللعاب، هل هو طاهر أو نجس؟ فهذا هو مرادهم، وأما قضية السؤر أو الأسآر، فهي جمع سؤر، والسؤر ما يبقى بعد شرب الشارب أو ما أكل الآكل.
وهنا قال: (اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى طَهَارَةِ أَسْآرِ المُسْلِمِينَ) إلا أنه نُقِلَ عن النخعي أنه يكره سؤر الحائض (٢)، وهذا محجوجٌ حقيقةً بأدلة كثيرة، ومنها الحديث الصحيح الذي ثبت فيه أن الرَّسُولَ ﵊ شرب من الموضع الذي شربت منه عائشة وهي حائض (٣)، وكذلك قال: "نَاوِليني الخصرة (٤) " (٥)، يعني: السجادة، وكانت تسرح شعره، وتعرفوق ذلك ألاختلاط بالحائض.
ففي الحقيقة هذه دعوى بدون دَلِيلٍ، فالحائض كالحال في الجنب، هي باقيةٌ، ولا تتأثَّر بذلك، وإنما هناك أمورٌ تُمْنع الحَائض من أدائها؛ مثلها كالجنب في ذلك، كالصَّلاة (٦)، وقراءة
стр. 381
القرآن (١)، والطواف (٢) … إلى غير ذلك (٣)، وإن كان هناك خلاف في الأخير.
أقرب المذاهب الذي لا يحتاج إلى عناءٍ في هذه المسألة هو مذهب الشافعي؛ ذلك أن الشافعية يقولون: إن كل الأسآر طاهرة (٤) - وهذا رأي كثير من العلماء- إلا سؤر الكلب والخنزير (٥).
стр. 382
وسؤرُ الحيوان يختلف حكمُهُ بالنظر إلى نوعية الحيوان حيث إن منه ما هو مأكول اللحم، وغير مأكول اللحم، وغير مأكول اللحم إما أن يكون من سباع الدواب (البهائم)، وإما أن يكون من سباع الطير، وإما أن يكون من الحيوانات غير المأكولة المشكوك في طهارتها؛ كالحمار والبغل، ولذلك تجد العلماء مختلفين في تقسيمهم للحيوان؛ فالحنفيةُ يُقَسِّمون الحيوان إلى أربعةِ أقسامٍ (١)، والحنابلة إلى قسمين (٢)، وكل قسم يندرج تحته أقسام، أما الشافعية فإنهم اقتصروا فقط على الكلب والخنزير (٣).
* قول: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ اخْتِلَافًا كثِيرًا).
فمثلًا الهرة يراها الشافعية طاهرةً (٤)، وكذلك الحنابلة (٥)، في حين
стр. 383
أن من العلماء مَنْ يقول بكراهة سؤرها كالحنفية (١)، وهذا القول نسب إلى علماء آخرين كابن سيرين (٢) وسعيد بن المسيب (٣)، ومنهم مَنْ يقول بغسل سؤر الهرة مرة (٤)، ومنهم من يقول: مرتين (٥)، ومنهم مَنْ يقول: سبعًا (٦).
* قول: (فَمِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّ كُلَّ حَيَوَانِ طَاهِر السُّؤْرِ)، وهذا
стр. 384
القول رواية لمالك (١)، ولداود، وللأوزاعي (٢)، فهؤلاء قالوا: كل الأسآر طاهرة، ولا فرق بين إنسانٍ وحيوانٍ، بين مأكول اللحم وغير مأكول اللحم، بين سباع الدواب وسباع الطير، بين السباع وغير السباع، كل أولئك أسآرها طاهرة، ومنهم من استثنى الخنزير فقط، وَهَذا القول رواية لمالكٍ (٣)، ومنهم مَنْ وقف في ذلك عند الكلب والخنزير، ومنهم مَنْ أضَاف إلى ذلك المشرك (٤).
* قول: (وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الخِنْزِيرَ فَقَطْ، وَهَذَان القَوْلَان مَرْوِيَّانِ عَنْ مَالِكٍ) (٥).
إذًا، فلِمَالِكٍ في هذه المسألة روايتان؛ رواية تقول بأن جميع الأسآر
стр. 385
طاهرة، وأُخرى أنه يُسْتثنَى من ذلك الخنزير، أما المذهب المالكي فلا يرى نجاسة الكلب (١)، وهو يستدل بآية المائدة: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤].
والخنزير المشار إليه في الأصناف الثلاثة المذكورة في قول الله : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، قد وَقَع خلافٌ في كلمة "رجس"، مثلما وقع في كلمة "نجس" في آية: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ﴾ [التوبة: ٢٨].
* قول: (وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الخِنْزِيرَ وَالكَلْبَ).
وَمَذاهبُ الفقهاء على النحو التالي:
المالكية يرون في روايةٍ أن جميع الأسآر طاهرة (٢)، وفي روايةٍ أُخرى: أنه يُسْتثنَى من ذلك الخنزير، فهو نجس (٣)، وما عدا ذلك فهو طاهر.
والشافعية يرون نجاسةَ الكلب (٤)، لحديث الولوغ: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم" (٥)، والخنزيرِ" لقوَل الله ": ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾، وما عدا ذلك من السباع وغيرها، فكلها طاهرةٌ.
стр. 386
والحنفية (١) يُقَسِّمون الحيوان أربعة أقسام:
١ - مأكول اللحم، فسؤره طاهر، وهذا لا خلاف فيه.
٢ - أسآر السباع من الدواب؛ كالأسد والذئب، فهذه نجسة.
٣ - أسآر السباع من الطيور؛ كالصقر والبازي، ليست نجسةً، لكنها متُكْره تَوقيًا، ولا ينبغي أن يُتَوضَّأ بسؤرها، يعني: لا ينبغي أن يتطهَّر بسؤرها.
٤ - أَسْآر البَغل والحمار، وهُمَا مَشْكوكٌ في طهارة سؤرهما، يقولون: لا نحكم بطهارته، ولا بنجاسته، ولكن ينبغي ألا يُتَطهر به. مع اختلاف المذهب في الفرس (٢)، وبعض الحيوانات الأُخرى.
أمَّا الحنابلَة، فإنَّهم يُقَسِّمون الحيوان إلى قسمين (٣):
١ - طاهر، فيرون أن الإنسان سؤره طاهر، وكذلك الحيوان مأكول
стр. 387
اللحم سؤره طاهر، وكذلك السنور (القطة) وما دونه خلقةً كالفأرة والعقرب وغيرها من الحيوانات الصغيرة إلا أن لهم كلامًا في الهرة فيما لَوْ أكلت نجاسةً.
٢ - نجس، وينقسم إلى نوعين:
النوع الأول: نجسٌ قولًا واحدًا، وهُوَ الكلب والخنزير، فيَلْتقون مع الشافعية في الكلب والخنزير.
النَّوع الآخر: مُخْتلفٌ فيه، وهي السباع التي ذَكَرها الحنفية سباع الطير، وَكَذلك سباع الدواب، فهَذ يرون أنها نجسةٌ، وهَذا هو المشهور المعروف في المذهب، ولكن هناك رواية أو فهم فهمه علماء المذهب، وهو عدَم نَجَاستها.
* قول: (وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ السِّبَاع عَامَّةً، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ القَاسِمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الأَسْآرَ تَابِعَة لِلُّحُومِ).
يشير المُؤلِّف من طرفٍ خفيٍّ إلى مذهب الحنفية حين قسموا الحيوان إلى أربعةٍ سَبَق ذكرها (١).
* قول: (فَإِنْ كَانَتِ اللُّحُومُ مُحَرَّمَةً، فَالأَسْآرُ نَجِسَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ مَكْرُوهَةً، فَالأَسْآرُ مَكْرُوهَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ مُبَاحَةً، فَالأَسْآرُ طَاهِرَةٌ، وَأَمَّا سُؤْرُ المُشْرِكِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ نَجِسٌ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مَكْرُوهٌ إِذَا كَانَ يَشْرَبُ الخَمْرَ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ القَاسِمِ).
هَذَا ذكَرَه عن ابن القاسم، وسؤرُ المُشْرك ليس فقط عند ابن القاسم، وإنَّما موجودٌ في المذاهب الأُخرى، فَحتَّى الحنابلة القائلون بطهارة سؤر الإنسان سواء أكان مسلمًا أم كافرًا، فإنَّ لهم روايةً في
стр. 388
المذهب أن سؤر الكافر غير طاهرٍ (١)، استنادًا إلى قوله : ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾.
* قول: (وَكَذَلِكَ عِنْدَهُ جَمِيعُ أَسْآرِ الحَيَوَانَاتِ الَّتِي لَا تَتَوَقَّى النَّجَاسَةَ غَالِبًا مِثْلَ الدَّجَاجِ المُخَلَّاةِ، وَالإِبِلِ الجَلَّالَةِ، وَالكِلَابِ المُخَلَّاةِ (٢).
الإبل الجلالة (٣)؛ يقصد بها التي تأكُلُ الجلَّة (الدمن أو الروث)، وكذلك بعض الدجاج يأكل النجاسات، وكذلك بعض الحيوانات الأخرى.
* قول: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ هُوَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ).
يَعْني: الخلاف لم يكن بسببٍ واحدٍ، وإنما هي بسبب أمورٍ ثلاثةٍ:
* قوله: (أَحَدُهَا: مُعَارَضَةُ القِيَاسِ لِظَاهِرِ الكِتَابِ. وَالثَّانِي: مُعَارَضَتُهُ لِظَاهِرِ الآثَارِ. وَالثَّالِثُ: مُعَارَضَةُ الآثَارِ بَعْضِهَا بَعْضًا).
كَمَا يَقُول المؤلف هناك تَعارضٌ، ونحن هنا لا نريد أن نوازنَ بين قياس وكتاب، ولكننا نسير مع المؤلف، وحين يذكر مذهب الحنفية (٤)
стр. 389
ومذهبهم في أخبار الآحاد معروف (١) فإنه يشير إلى هذا قصدًا.
ومعارضة القياس الكتاب المتحدث عنها هنا يقصد بها أن دلالة الكتاب ليست نصيَّة" لأنه ذكر ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ بالنسبة للخنزير، وفي الكلب: ﴿مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، ولم يأمر بغسله، ولكن بعض العلماء يقولون بأن الرَّسُولَ، ﷺ أمَرَ بغسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب، وحتى لو لم يأمر بغسلِهِ، فإنه معفوٌّ عنه؛ لأنَّه ممَّا تعمُّ به البلوى (٢).
والمالكية يرون أن الأمر بغسل الإناء منه إنما هو أمرٌ تعبديٌّ (٣)، ولكننا في هذا الزمن الذي شهد التطور الطبي الهائل أظهر العلة، وبين أنه يوجد في لعاب الكلب مادة لا يزيلها إلا التُّراب، وإذا كان الفقهاء قديمًا اختلفوا في مسألة قيام الصابون مقام التراب إلا أن ما توصل إليه الطب الحديث يجعلنا نتمسك أكثر بالتراب المأمور به، واللهُ أَعْلَم.
стр. 390
* قول: (أَمَّا القِيَاسُ، فَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ المَوْتُ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ).
قوله: (المَوْتُ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ)، يُرِيدُ أَنْ يجعلَ سببَ النجاسة وسرَّها الموت حتف الأنف، فإذا مات حيوانٌ، فهو نجسٌ، وقصَّة شاة ميمونة عندما مرَّ بها معروفة. وقيل: إنها مَيِّتة، فَقَال: "هلا أخذتُموها فَانْتفَعتم بجِلْدِهَا" (١).
إذًا، الذكاة هي سبب الطهارة، فإذا مات الحيوان من غير تذكية، أو أُمِيتَ من غير أن يُذكَّى الذكاة الشرعية، فَهَذا هُوَ القياس الَّذي يَقْصده المؤلف.
* قوله: (هُوَ سَبَبَ نَجَاسَةِ عَيْنِ الحَيَوَانِ بِالشَّرْعِ).
سواء كان الميتة (٢)، أو المنخنقة (٣)، أو الموقوذة (٤)، أو المُتَردية (٥)، أو النطيحة (٦)، أو مَا أكل السَّبُع إلا ما ذكَّيتم، فَهَذهِ كلُّها دَاخلة ضمن المحرَّم، ولذلك تجد العلماء الَّذين يبحثون في الآية التي في سورة المائدة التي ذكرت أشياء عشرةً ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]، والتي في سورة الأنعام: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا