← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

([الْمَسْأَلَةٌ الخَامِسَةٌ]) [اختلافهم في اعتبار النصاب في المعدن] * قوله: (وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ - وَهِيَ اخْتِلَافُهُمْ فِي اعْتِبَارِ النِّصَابِ فِي الْمَعْدِنِ). هذه المسألة مهمَّة، ونحن عندما تكلمنا عن زكاة النقدين؛ الذهب والفضة، لم نفصل القول فيها؛ لأن أنواع الأموال التي تجب فيها الزكاة أربعة، فهناك المعادن وهي (ما يُخرج من الأرض)، وهناك أيضًا الحبوب والثمار، أو الزروع والثمار بتعبير آخر، وهناك السائمة، يعني: بهيمة الأنعام بشرط أن تكون سائمةً، وهناك عروض التجارة. هذه أنواع أربعة إذا بلغ كلُّ واحد منها نصابًا وجبت فيه الزكاة، يعني: لكلِّ واحد منها نصاب معين؛ فالنقدان لهما نصاب، وكذلك ما يُخرج من الأرض من زروع وثمار، وكذلك أيضًا عروض التجارة تقوم ويخرج ربع العشر من قيمتها؛ وهكذا الحال بالنسبة للمعادن؛ فالمعادن أشمل من كلمة ذهب وفضة؛ لأنه عندما يطلق المعدن يتوسع الأمر في ذلك، فالمؤلف بدأ في زكاة النقدين، ثم عاد فبين المسائل المتعلقة بالمعادن. والمعادن جمع معدن، يقال: عدن يعدن بالمكان إذا أقام به، فالمقصود بالمعادن: وجودها في مكان معين كأنها مقيمة فيه؛ ومن هنا سميت الجنة جنة عدن؛ لأنها دار إقامة وخلود، "يا أهل الجنة خلود ولا موت"، فالذي يدخل جنة نعيم -ونسأل اللَّه أن نكون جميعًا من أهلها- فإنه سيبقى فيها خالدًا، ولا يموت فيها. فـ "عدن" يعني: المكان المقيم، والمعادن كما يعرفها العلماء: ما خرج من الأرض مما يُخلق فيها من غير جنسها.

стр. 3292

والآن نوضح هذه العبارة: هذه المعادن كالذهب، وكذلك الفضة، والحديد، والنحاس، والصفر، والرصاص، والنفط (الآن)، والكبريت، والعقيق، وهي أنواع كثيرة جدًّا، وقد تنوعت في عصرنا هذا، وأصبحت معروفة أكثر من ذي قبل، وإن كان كثير منها أيضًا معروفًا فيما مضى؛ وتكلَّم الفقهاء حتى عن النفط، وعن الكبريت، وقسموا هذه المعادن إلى سائلة وغير سائلة، لكن المعادن كثيرة. فأصل هذه المعادن ما يخرج من الأرض؛ سواء كان ذهبًا، أو فضةً، أو حديدًا، أو نحاسًا، أو رصاصًا، أو غير ذلك مما يُخلق فيها. وقد جاء في حديث أنه سُئل رسول اللَّه ﷺ عن الركاز، فقال: "الركاز ما كان من الذهب والفضة"، قيل: ما الركاز؟ قال: "الذهب والفضة مخلوقان في الأرض يوم خلق اللَّه السموات والأرض"، وهذا الحديث فيه كلام لبعض العلماء، وجاء في حديث آخر متفق عليه: "وفي الركاز الخمس". هل الركاز ما وجد بعد الكفار من دفن الجاهلية؟ هذا فيه خلاف بين الجمهور وبين الحنفية، لكن المراد هنا ما يخرج من الأرض مما يُخلق فيها، يعني: ليس داخلًا فيها، وإنما هو موجود في الأرض، لكنه ليس من جنسها، فقيده العلماء، فبعضهم قال: من غيرها، وبعضهم دقق أكثر فقال: من غير جنسها، فالذهب ليس من جنس التراب، والحديد ليس من جنس الحجارة، إذن هي مختلفة، فهذا هو المعدن، فالمعدن إذا أطلق فهو أشمل من الذهب والفضة، فما تكلمنا عنه فيما مضى هو الذهب والفضة، وزكاتهما معروفة. يبقى بعد ذلك وهو: هل هناك زكاة في بقية المعادن أو لا زكاة فيها؟ لو أن إنسانًا استخرج حديدًا أو نحاسًا، أو صُفرًا، أو رصاصًا، أو عقيقًا، أو غير ذلك من الأشياء المتعلقة بالمعدن، هل فيها زكاة أو ليس فيها زكاة؟ اختلف العلماء في ذلك:

стр. 3293

فمنهم من قال: زكاة المعادن مقصورة على نوعين؛ الذهب والفضة فقط. ومنهم من قال: تجب الزكاة في النقدين في (الذهب والفضة)، وفي ما ينطبع أيضًا من المعادن. ومعنى ينطبع، يعني: ما يمكن صياغته، فأنت تأتي بقطعة حديد، فتصوغ منها سيفًا، وتأتي بقطعة نحاس، فتصوغ منها آلة من الآلات، فمعنى ينطبع: يُصاغ أو يعمل، وهذا هو مذهب الحنفية، دون دخول في التفصيل. ومالك والشافعي يريان أن زكاة المعادن مقصورة على نوعين؛ الذهب والفضة؛ أي: أن الزكاة لا تجب إلا فى الذهب وفى الفضة؛ وعند الحنابلة تجب الزكاة في كلِّ أنواع المعادن. والحنفية فصلوا القول في ذلك، فوافقوا الحنابلة في كثير مما قالوا، لكنهم قيدوا ما عدا الذهب والفضة بأن يكون منطبعًا، وبذلك تكون الأقوال ثلاثة: - أضيقها قول المالكية والشافعية، وهو أن الزكاة لا تجب إلا في الذهب والفضة. - أوسعها مذهب الحنابلة في المشهور عنهم: أن الزكاة تجب في كلِّ معدن مما يخرج من الأرض من غير جنسها. - الحنفية وافقوا الحنابلة لكنهم قيَّدوا ما عدا الذهب والفضة بما ينطبع منها؛ أي: ما يصاغ؛ أي: أن يكون صالحًا أن يصاغ منه غيره. هذا من حيث الجملة، فلماذا اختلف الفقهاء في هذه المسألة؟ المؤلف في الحقيقة لم يوفِّ المسألة حقَّها، ولم يبيِّنها، فلننظر إلى ما فيه، ولنحاول أيضًا أن نبيِّن، أو أن نضيف إلى ما ذكرنا. ثم هذه المسألة بعد ذلك يختلف العلماء فيها: هل هذه أيضًا تسمى

стр. 3294

زكاةً إذا وجدت أو فَيْئًا؟ يعني: هل هي تدخل في مصارف الزكاة، أو في مصارف الفَيْء، ومتى تجب؟ هل مجرد أن يجدها الإنسان يخرج زكاتها كالركاز؟ وهل هذه المعادن تضم إلى الركاز مطلقًا أو أنها منفصلة؟ الحنفية يرون أنها جزء من الركاز، والحنابلة يخالفونهم ويفرقون بينهما، فالمسألة فيها خلاف مشهور ومتنوع. * قوله: (وَقَدْرِ الْوَاجِبِ فِيهِ-: فَإِنَّ مَالِكًا (١) وَالشَّافِعِيَّ (٢) رَاعَيَا النِّصَابَ فِي الْمَعْدِنِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَالِكًا لَمْ يَشْتَرِطِ الحَوْلَ (٣)، وَاشْتَرَطَهُ الشَّافِعِيُّ (٤)). المؤلف هنا دخل في مسألة أخرى، يعني: الأئمة كلُّهم متَّفقون على أنه يجب في النقدين (ربع العشر)، لكن هل يشترط الحول أو لا يشترط؟ أكثر العلماء اشترطوا الحول، وبعضهم لم يشترط الحول، لكن بالنسبة لغير الذهب والفضة هل يشترط الحول؟ هذا هو الذي يجب أن نتكلم فيه.

стр. 3295

حصل خلاف بين العلماء في هذا أيضًا، فبعضهم اشترط الحول، وبعضهم لم يشترط الحول، والذين قالوا بعدم اشتراط الحول، قالوا: إن هذا بمثابة الركاز؛ فالإنسان عندما يجد دخلًا يحصل عليه، لا يحتاج لأن يحول عليه الحول، وقاسوا ذلك على الزروع والثمار، فهي لا تحتاج إلى حول، قالوا: وهذه أيضًا لا يلحق الإنسان بها مشقة ولا عناء، فهو أخرجها من الأرض، فهو بمجرد أن يقف عليها تجب فيها الزكاة. ومن قالوا: لا زكاة فيها هناك فإن ثمَّة أدلَّة يستدلون بها، فالذين قالوا مثلًا هي ركاز يستدلون بحديث: "ما لم يكن في طريق مأتي ولا في قرية عامرة ففيه وفي الركاز الخمس" فالحنفية يرون أن ما يوجد من المعادن من غير الذهب والفضة فيه الخمس. والحنابلة يرون أنه يجب فيه ربع العشر، فهم يرونه زكاةً، وأولئك يرونه من الفيء. كذلك اشترط الحنابلة الحول بالنسبة للذهب والفضة كما هو معلوم. فإذا كان قصده الحول بالنسبة للنقدين فنَعم، وإلا فلا، وإذا كان يقصد حولان الحول بالنسبة لبقية المعادن، فالحنابلة لا يشترطون أيضًا فيها حولًا. * قوله: (عَلَى مَا سَنَقُولُ بَعْدُ فِي الْجُمْلَةِ الرَّابِعَةِ. وَكَذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُمَا إِنَّ الْوَاجِبَ فِيمَا يُخْرَجُ مِنْهُ هُوَ رُبُعُ الْعُشْرِ). يعني: ما يُخرج منهما هو ربع العشر، لكنه -يعني: المعدن الذي يخرج من الأرض عند المالكية والشافعية- خصوه بالنقدين، فما يخرج من الأرض من نقدين من ذهب أو فضة، يجب فيه ربع العشر، وهذا لا خلاف فيه بين الأئمة، لكنَّهم لا يوافقون الحنفية والحنابلة فيما يتعلق ببقية المعادن.

стр. 3296

* قوله: (وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَلَمْ يَرَ فِيهِ نِصَابًا وَلَا حَوْلًا، وَقَالَ: "الْوَاجِبُ هُوَ الْخُمُسُ"). لأن أبا حنيفة اعتبره من الركاز، وقد أوردت فيما سبق دليلين، والحنابلة قالوا: يجب فيه ربع العشر، وصفته أنه زكاة، وليس ركازًا، ولا من الفيء، وإنما هو قدر من المال، يعني: قدرًا من المعادن استخرجه الإنسان، فتجب فيه الزكاة. ولذلك نجد أن الحنابلة يقولون: لو أن إنسانا غنم شيئًا من المعادن، ألا تجب عليه فيها الزكاة؟ فيُقال: نعم، فيقولون: ما الفرق بين ما يغنمه الإنسان فتجب فيه الزكاة، وبين ما يخرجه من الأرض فيُقال: لا تجب فيه الزكاة؟ لا نرى بينهما فرقًا. يعني: لو أن إنسانًا غَنِم معدنًا من المعادن غير النقدين، قالوا: تجب فيه الزكاة، فكذلك هنا تجب فيه الزكاة. وهذا الكلام فيما لم يعد للتجارة، أمَّا إذا أعدَّ الحديد وغيره للتجارة فأيَّ نوع أعدَّ للتجارة فإن الزكاة تجب فيه، وهذا أمر معروف، وكلامنا الآن عن وجوب الزكاة في أصله فيما لا يعدُّ للتجارة، كما لو حفر إنسان في منطقة ما فوجد فيها حديدًا، أو وجد فيها رصاصًا، أو غير ذلك، وبلغت قيمته النصاب، ففي هذه الحالة عند بعض العلماء يزكى، وعند بعضهم لا يزكى؛ أيضًا نجد أن العلماء في هذه المناسبة يختلفون فيما يُخرج من البحر، يعني: ما يخرج من البحر قد تكون له أثمان، وأثمانه قد تكون مرتفعةً وغاليةً؛ كاللؤلؤ والمرجان، وكذلك العطبة، فهل تجب فيه زكاة؟ أو لا تجب فيه زكاة؟ أكثر العلماء -جماهير العلماء- يرون أنه لا زكاة فيما يخرج من البحر من أيِّ نوع كان، وبعض العلماء يوجب الزكاة في اللؤلؤ والمرجان والعطبة، والذين يقولون من أهل العلم بأنه لا زكاة في ذلك يستدلون بحديث: "ليس في العنبر زكاة"، والعنبر ما يُخرج من البحر.

стр. 3297

والذين يوجبون الزكاة من العلماء يستدلُّون بما أُثر عن عبد اللَّه بن عباس في ذلك "إن في العنبر الزكاة"، وأيضًا نُقل عن عبد اللَّه بن عباس أنه "لا زكاة في العنبر"، ونقل عن عمر ابن عبد العزيز أنه لا زكاة فيه، ونقل أنه أخذ الخمس. "ليس في العنبر زكاة"، هذا جاء عن عبد اللَّه بن عباس، ومعنى هذا: أنه ليس فيه زكاة. وهناك مَن قال من أهل العلم: فيه الزكاة؛ لأن عمر بن عبد العزيز أخذ الخمس فيه، مع أنه صح عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: "لا زكاة في العنبر". فالذين قالوا من أهل العلم بوجوب الزكاة فيه، قالوا: هو مقيس على ما هو في البَرِّ، والذين قالوا: لا زكاة فيه، قالو: لأن هذا شيء لفظه البحر، فلم تلحق الإنسان مشقة فيه، فلا يزكى؛ ففرقوا بين ما هو في البر وما هو في البحر، أمَّا ما يخرجه الإنسان من المعادن، فإنه تلحقه مشقة كبيرة في إخراجه، ففرقوا بينهما. * قوله: (وَسَبَبُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ: هَلِ اسْمُ الرِّكَازِ يَتَنَاوَلُ الْمَعْدِنَ أَمْ لَا يَتَنَاوَلُهُ؟). هذا يرجع إلى تعريف الركاز، هل هو ما وجد من دفن المشركين؟ أو هل الركاز يشمل أكثر من ذلك، فيشمل كُلَّ ما أُخرِج من الأرض؟ الحنفية يقولون: هو شامل، فكلُّ ما أُخرِج من الأرض يدخل في الركاز، بدليل أن الرسول ﷺ لما قال: "وفي الركاز الخمس" جاء في رواية أنه سئل عن الركاز فقال: "الذهب والفضة مخلوقان في الأرض، عندما خلق اللَّه السموات والأرض". لكن هذا الحديث فيه كلام للعلماء، ولو صحَّ هذا الحديث لكان صريحًا في هذا المقام. هل الركاز ما وُجِد من دفن الجاهلية؟ يعني: ما وجد من أقوام مشركين؟ أو هو كل ما يوجد في الأرض مما يخرج منها؟

стр. 3298

الحنفيه يرون أنَّ كلَّ ما يخرج من الأرض من معادن فهو ركاز؛ وغيرهم يخالفهم في ذلك. * قوله: (لِأَنَّهُ قَالَ ﵊: "وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ" (١)). نقول إنَّ الركاز نوع من المعدن، ولا يشمل كل أنواع المعادن؛ لأن الركاز شيء مدفون، أما ذاك فموجود أصلًا في الأرض، ومتخلق فيها، وقد يكون هذا الركاز هو أصلًا مخرج من الأرض لكنَّه دفن فيها، أما ذاك فغير مدفون، بل يستخرج منها، ففرق بينهما؛ هذا وجد مدفونًا، وذاك استخرج من الأرض أصلًا. * قوله: (وَرَوَى أَشْهَبُ (٢) عَنْ مَالِكٍ).

стр. 3299

أشهب من أصحاب الإمام مالك. * قوله: (أَنَّ الْمَعْدِنَ الَّذِي يُوجَدُ بِغَيْرِ عَمَلٍ أَنَّهُ رِكَازٌ وَفِيهِ الْخُمسُ). هذا أيضًا تعليل جيِّد، وقصده هنا أن المعدن الذي يوجد بغير عناء، فيوجد مدفونًا، فهذا فيه الخمس؛ لأنه لا عناء فيه، أما أن يستخرج المعدن من الأرض، وتلحق الإنسان مشقة في استخراجه وفي تصفيته، فهذا في الحقيقة يختلف عما يوجد صافيًا نقيًّا مهيَّأً مدفونًا. * قوله: (فَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذَا هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي دَلَالَةِ اللَّفْظِ، وَهُوَ أَحَدُ أَسْبَابِ الِاخْتِلَافَاتِ الْعَامَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا). يعني: ما يدل عليه اللفظ. قال المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى-: (الْفَصْلُ الثَّانِي فِي نِصَابِ (١) الْإِبِلِ وَالْوَاجِبِ فِيهِ). (وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ فِي كُلِّ خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ شَاةً) (٢).

стр. 3300

ودليل هذا الإجماع سنة رسول ﷺ التي منها حديث: " (ليس فيما دون خمس ذود (١) من الإبل صدقة) (٢) "، والذود يطلق ويراد به: ما بين الثلاثة إلى الخمسة؛ والمراد هنا (الخمس)، وجاء في حديث الصدقة الذي في صحيح البخاري (٣) وغيره (٤): " (في كل خمس شاة) "، وجاء في بعض تفاصيل الحديث: " (وليس فيما دون ذلك شيءُ) " (٥). فالإجماع -استنادًا إلى هذه الأحاديث الصحيحة- قائمٌ على أنه لا زكاة فيما دون خمسٍ من الإبل؛ ولكن لو أراد صاحب الإبل أن يتصدق بشيءٍ فإنَّ له ذلك. * قوله: (إِلَى أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ). إذا جئنا إلى عمدة الأحكام المتعلقة بزكاة الإبل وهي -كما ذكر المؤلف- مجمع عليها من حيث الوصول، إلا أن هناك خلافًا في مسائل جزئية تتخللها؛ فحديث الصدقة الذي جاء هو الكتاب الذي أرسله أبو بكر إلى أنس بن مالك ﵄ عندما وجهه إلى البحرين، وجاء فيه: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم" (٦) وكل كلام لا يبدأ فيه بحمد اللَّه (٧)، وفي روايات أخرى: بـ (بسم اللَّه) (٨)، فهو أبتر ممحوق البوكة، وهذا

стр. 3301

الكتاب بدئ فيه بـ "بسم اللَّه الرحمن الرحيم" وكثيرًا ما نجد كتب رسول اللَّه ﷺ وكتب خلفائه والأئمة وغيرهم (١)، تبدأ فيها بـ "الحمد للَّه" أو بـ "بسم اللَّه الرحمن الرحيم". وبعد البسملة جاء في الكتاب: "هذه فريضة الصدقة، التي فرضها رسول اللَّه ﷺ على المسلمين، والتي أمر اللَّه بها رسوله ﷺ فمن سألها على وجهها من المسلمين فليعطها؛ ومن سأل فوقها فلا يعط" أو "لم يعط". هذه هي فريضة الصدقة، والمراد بالفريضة: الفريضة المقدرة، والمراد بالصدقة: الزكاة المفروضة التي فرضها رسول اللَّه ﷺ على المسلمين أي: قدرها، وهي مبينة في هذا الكتاب، ومعنى (من سألها) أي: من طُلبت منه الزكاة من المسلمين على وجهها دون أن يكون في ذلك تعدٍّ أو ظلم فليس على الإنسان إلا أن يستجيب؛ لأنَّ المؤمنين إذا

стр. 3302

دعوا إلى اللَّه ورسوله قالوا سمعنا وأطعنا، أمَّا "من سأل فوقها فلا يعط"؛ أي: لا يدفع ما زاد على النصاب ثم قال بعد ذلك: " (في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم في كل خمس شاة) ". وهذا نصٌّ، ثم شرع بعد هذا يبيِّن بقية الأنصبة. والإبل التي تجب فيها الزكاة، هي الإبل السائمة (١) كما أشرنا في مقدمة كتاب الزكاة، والسائمة مشتقٌّ من سامت - تسوم إذا رعت، فالسائمة إذن هي: الراعية، أما إذا كانت الإبل معلوفة، أو ناضحة (٢) تعمل لصاحبها، فيستخدمها في السقيا أو غير ذلك، فهذه لا زكاة فيها، إلا أن يعدها للتجارة؛ فإنْ أعدها للتجارة فتجب فيها زكاة التجارة المعروفة، وخالف الإمام مالك (٣) في هذا فرأى وجوب الزكاة في السائمة وغير السائمة؛ أي: يرى الزكاة في المعلوفة والناضحة أيضًا. والخلاف في هذا القيد -الوصف-: (في كل سائمة في كل أربعين بنت لبون) وهو نصٌّ بلا شك، ولكنَّ العلماء اختلفوا في كون هذا الوصف (سائمة) مرادًا أو غير مراد. فذهب جمهور العلماء (٤) إلى أنه مراد، وورد مثل ذلك في الغنم:

стр. 3303

" (في سائمة الغنم الزكاة) (١) " فألحق البقر بها؛ لأنه لم يرد نص في كونها سائمة أو غير سائمة؛ ولكنَّ المعروف والمشهور أنَّ التي تسوم وترعى في الخارج أكثر، إنما هي الإبل والغنم، فجاء النص فيها. إذًا الإبل السائمة هي التي تجب فيها الزكاة؛ فإذا بلغت خمسًا، ففيها شاة؛ فإذا بلغت عشرًا، ففيها شاتان؛ إلى خمس عشرة ففيها ثلاث شياة؛ إلى عشرين، أربع شياه؛ إلى أربع وعشرين؛ فإذا بلغت خمسًا وعشرين، تغير الفرض، وأخذ من نوعها، وهذا من لطف اللَّه بعباده، وتخفيفه على أصحاب الأموال؛ لأنه لو أخذ من الإبل الخمس واحدة من نوعها نقصت وتضرر صاحبها، بخلاف لو أخذ من خمس وعشرين واحدة من نوعها؛ فالشريعة لا تلقي شططًا (٢) على المالك، ولا على الفقير، بل

стр. 3304

تراعي الجانبين فتؤتي كل ذي حقٍّ حقه، فراعت المالك في القليل فأمرته بالشاة والشاتين وبالأربع شياه، كما راعت الفقير والمسكين حين كثرت الإبل وبلغت خمسًا وعشرين فأعطته بنت مخاض (١) وهي التي بلغت من الإبل سنة ودخلت في الثانية، وسميت (بنت مخاض)؛ لأنَّ أمها حامل؛ فالمخاض في الغالب هو الحمل، قال تعالى: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٣]. ذلك أنَّ الشريعة قامت على أصولٍ وأسس في مقدمتها العدالة التي منها مراعاة حق الغني والفقير، فلم ترهق الغني أكثر مما يستطيع؛ ولم تضيِّع حق الفقير، فجاءت الشريعة وسطًا، وجاءت هذه الأمة وسطا، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. فهي شريعة كاملةٌ تامةٌ من لدن حكيم عليم، وهي باقية إلى أن يرث اللَّه الأرض ومن عليها. * قوله: (فَإِذَا كَانَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ فَفِيهَا ابْنَةُ مَخَاضٍ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ). إذا صارت الإبل خمسًا وعشرين، فبنت مخاض؛ وهي التي أكملت سنة ودخلت في الثانية؛ وسميت بنت مخاض، نسبة إلى أمها الحامل. * قوله: (فَإِنْ لَمْ تَكُنِ ابْنَةُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ (٢) ذَكَرٌ). وهذا قد ورد أيضًا في حديث الصدقة؛ أي: إن لم توجد بنت مخاض، فيؤخذ بدلًا عنها ابن لبون ذكر.

стр. 3305

* قوله: (فَإِذَا كَانَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونِ). وبنت لبون: هي التي أكملت سنتين ودخلت في الثالثة، ومن آثار دقَّة هذه الشريعة وحكمتها هنا، هذه المراعاة المتناهية في التقدير: - ففي الخمس شاة تدرجًا إلى أربع وعشرين. - وفي خمس وعشرين: انتقل الفرض إلى النوع فكان أكبر من الأول بنت مخاض لها سنة ودخلت في الثانية، وإن لم توجد فابن لبون ذكر. - وفي ست وثلاثين: انتقل الفرض إلى ما هو أكبر من الثاني بنت لبون، لها سنتان، ودخلت في الثالثة. وسميت بنت لبون: لأنَّ أمها قد وضعت حملها وأصبحت مرضعة فلها لبن؛ هذا معنى (بنت لبون). - وفي ست وأربعين: ينتقل إلى أكبر فيكون فيها حِقَّة (١) وهي التي دخلت في الرابعة. - وفي واحد ستين: جذعة (٢) وهي: التي دخلت في الخامسة، وهكذا. . . .

стр. 3306

* قوله: (فَإِنْ لَمْ تَكُنِ ابْنَةُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونِ ذَكَرٌ، فَإِذَا كَانَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، فَإِذَا كَانَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ إِلَى سِتِّينَ). فإلى خمس وأربعين يبقى الحال كما كان بنت لبون؛ فإذا وصلت إلى ست وأربعين، انتقلنا إلى فرض آخر، فيجب فيها حقة؛ وهي التي أكملت ثلاث سنوات، ودخلت في الرابعة، وسميت بذلك لأنها استحقت أن يطرقها الفحل (١). * قوله: (فَإِذَا كَانَتْ وَاحِدًا وَسِتِّينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ). والجذعة: هي التي بلغت أربع سنوات ودخلت في الخامسة، وسميت بذلك لأنها أصبحت تجذع أسنانها؛ أي: في أسنانها جذع. يقول الفقهاء (٢): وله أن يخرج ثنية (٣) بدلًا عنها، وهي: التي أكملت خمس سنين، ودخلت في السادسة.

стр. 3307

* قوله: (فَإِذَا كَانَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ فَفِيهَا ابْنَتَا لَبُونٍ إِلَى تِسْعِينَ). فإذا كانت ستًا وسبعين ففيها بنتا لبون؛ لأن العدد بدأ يتضاعف، وكلما زاد العدد، زاد الفرض. * قوله: (فَإِذَا كَانَتْ وَاحِدًا وَتِسْعِينَ فَفِيهَا حِقَّتَانِ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ). ففيها حقتان لتضاعف العدد؛ وهاتان الحقتان تستمران إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة على هذا العدد -بأن كان مائةً وواحدًا وعشرين- فقد وقع خلاف (١) بين أهل العلم في كونه ينتقل إلى ثلاث بنات لبون أو ينتظر حتى يبلغ العدد إلى ثلاثين ومائة فيكون فيها حقة وبنتا لبون. * قوله: (لِثُبُوتِ هَذَا كُلِّهِ فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ). وهو الكتاب الذي أشرنا إليه في بداية حديثنا، وورد أنَّ رسول اللَّه ﷺ كتبه، ونفذه أبو بكر ﵁ عندما بعث به إلى أنس بن مالك ﵁ عندما بعثه إلى البحرين. وورد أيضًا أنَّ لهذا الكتاب نسخة عند أهل عمر، وأنَّ الزهري تلقاها مشافهة عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر ﵃ أجمعين (٢).

стр. 3308

* قوله: (لِثُبُوتِ هَذَا كُلِّهِ فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ). وكتاب الصدقة صحيح فهو موجود في صحيح البخاري (١)، وعند أصحاب السنن (٢)، وعند أحمد (٣)، وعند غير هؤلاء (٤)، وهو كتاب طويلٌ. * قوله: (الَّذِي أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَمِلَ بِهِ بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَر، وَاخْتَلَفُوا مِنْهَا فِي مَوَاضِعَ). وزكاة الإبل من خمس إلى مائة وعشرين محلُّ إجماع بين العلماء (٥) (فإذا بلغت عشرين ومائة، ثم زادت واحدة)، هنا يبدأ الخلاف، فهناك خلاف بين العلماء في مسائل جزئية قليلة في زكاة الإبل، ذكر المؤلف أهمها: * قوله: (مِنْهَا: فِيمَا زَادَ عَلَى الْعِشْرِينَ وَالْمِائَةِ). أي: من مواضع الخلاف في زكاة الإبل ما زادت على مائة وعشرين. * قوله: (وَمِنْهَا: إِذَا عَدِمَ السِّنَّ الْوَاجِبَةَ عَلَيْهِ، وَعِنْدَهُ السِّنُّ الَّذِي فَوْقَهُ أَوِ الَّذِي تَحْتَهُ مَا حُكْمُهُ؟). انعدام السن الواجبة، كأن وجب على الإنسان أن يخرج بنت مخاض، فلم تكن عنده، ولكن عنده بنت لبون، وهي أغلى بلا شك؛

стр. 3309

لأنها ذات سنتين، وتلك لها سنة واحدة، أو يكون العكس فيكون وجب عليه بنت لبون ولكن عنده بنت مخاض، ففي الحالة الأولى يتضرر الغني، وفي الحالة الثانية يتضرر الفقير. * قوله: (وَمِنْهَا: هَلْ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي صِغَارِ الْإِبِلِ؟ وَإنْ وَجَبَتْ فَمَا الْوَاجِبُ؟ وَعِنْدَهُ السِّنُّ الَّذِي فَوْقَهُ أَوِ الَّذِي تَحْتَهُ مَا حُكْمُهُ؟). صغار الإبل، ورد في زكاتها خلاف أيضًا، فرأى وجوبها مطلقًا، ورأى آخرون عدم وجوبها، في حين ذهب آخرون إلى التفصيل. يقول المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى-: (فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الأولَى - وَهِيَ اخْتِلَافُهُمْ فِيمَا زَادَ علَى الْمِائَةِ وَعِشْرِينَ). ما زاد على مائة وعشرين وقع الخلاف في عدة مسائل، فرأى بعض العلماء (١) أنها إذا زادت واحدة يجب فيها ثلاث بنات لبون، ويرى آخرون: إلا أن تصل إلى مائة وثلاثين فيكون فيها ابنة لبون وحقة. وهناك من يرى أنَّ الفرض يستأنف، إذا بلغت مائة وعشرين وزادت واحدة أي: نعود للأول كما كان، وهذا هو مذهب أبي حنيفة (٢)، ونُقِلَ عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ (٣).

стр. 3310

* قوله: (فَإِنَّ مَالِكًا (١) قَالَ: إِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ وَاحِدَة، فَالْمُصَّدِّقُ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَخَذَ ثَلَاثَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ حِقَّتَيْنِ إِلَى أَنْ تَبْلُغَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً فَيَكُونُ فِيهَا حِقَّةٌ وَابْنَتَا لَبُونٍ). فالإمام مالك خيّر الذي يُرسَل من قِبَلِ الوالي بين أمرين، إما أنْ يأخذ ثلاث بنات لبون، أو يأخذ حِقَّةً وبنتي لبون. * قوله: (إِنْ شَاءَ أَخَذَ ثَلَاثَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ حِقَّتَيْنِ). وهذه رواية عند الحنابلة (٢) أيضًا أي: أنها إذا زادت عن المائة والعشرين واحدة يأخذ ثلاث بنات لبون، ولهم رواية أخرى (٣) يتفقون فيها مع الشافعية إلى أن تصل مائة وثلاثين ففيها حقة وبنتا لبون، وهي إحدى الروايتين عن مالكٍ (٤).

стр. 3311

* قوله: (وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ حِقَّتَيْنِ إِلَى أَنْ تَبْلُغَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً فَيَكُونُ فِيهَا حِقَّةٌ وَابْنَتَا لَبُونٍ). ولا خلاف بين الشافعية (١) والمالكية في البالغ ثلاثين ومائة التي ففيها حقة وابنتا لبون. * قوله: (وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ حِقَّتَيْنِ إِلَى أَنْ تَبْلُغَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً فَيَكُونُ فِيهَا حِقَّةٌ وَابْنَتَا لَبُونٍ). لماذا يكون فيها حقة؟ لأنَّ الحقة عن خمسين، وابنتا لبون عن ثمانين، فإذا أضفت خمسين إلى ثمانين بلغت مائة وثلاثين، وفي هذا التقسيم دقة، وستسير الأنصبة على هذا النسق، عدا الحنفية الذين خالفوا في ذلك. * قوله: (وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ أَصْحَابِهِ، بلْ يَأْخُذُ ثَلَاثَ بَنَاتِ لَبُونٍ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ إِلَى أَنْ تَبْلُغَ ثَمَانِينَ وَمِائَةً فَتَكُونُ فِيهَا حِقَّةٌ وَابْنَتَا لَبُونٍ، وَبِهَذَا الْقَوْلِ قَالَ الشَّافِعِيُّ) (٢). (٣). وَابْنُ الْقَاسِمِ هو من أشهر أصحاب مالك، وله اليد الطولى في مدونة الإمام مالك، فما لم يجب عنه الإمام مالك من المسائل كان ابن القاسم هو المجيب.

стр. 3312

وثلاث بنات لبون هذا عند المائة وواحد عشرين هو قول الحنابلة (١)، إلى أن تبلغ ثَلاثين وَمِائَةً. وأما الرواية الأُخرى عن الإمام أحمد (٢) فأكثر الفقهاء قالوا بهذا القول إلى أن تصل مائة وثلاثين ففيها حقة وبنتا لبون. * قوله: (وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُون مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ: بَلْ يَأْخُذُ السَّاعِي حِقَّتَيْنِ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ إِلَى أَنْ تَبْلُغَ مِائَةً وَثَلَاثِينَ) (٣). عبد الملك بن الماجشون هو من العلماء المشهورين في مذهب الإمام مالك. * قوله: (وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: - أَبُو حَنِيفَةَ (٤) وَأَصْحَابُهُ (٥) وَالثَّوْرِيُّ) (٦).

стр. 3313

إذا أُطلِق الكوفيون فيأتي في مقدمتهم إبراهيم النخعي شيخ الإمام أبي حنيفة وكذلك الإمام أبو حنيفة وأصحابه. * قوله: (إِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ عَادَتِ الْفَرِيضَةُ عَلَى أَوَّلهَا - وَمَعْنَى عَوْدهَا: أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ فِي كُلِّ خَمْسِة ذود شَاةٌ). نقول: إنَّ في الخمس بعد العشرين شاة، وفي الثلاثين شاتين، وفي الخمس والثلاثين ثلاث شياه، وفي الأربعين أربع شياه، إلى خمس وأربعين بنت مخاض، فإذا وصلت خمسين حينئذ فيها ثلاث حقق. * قوله: (وَمَعْنَى عَوْدهَا: أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ فِي كُلِّ خَمْسِة ذود شَاةٌ). الذود: هو ما بين ثلاث إلى عشر، لكنَّ المقصود هنا بالنسبة للإبل هي الخمس. * قوله: (فَإِذَا كَانَتِ الْإِبِلُ مِائَةً وَخَمْسًا وَعِشْرِينَ كَانَ فِيهَا حِقَّتَانِ وَشَاةٌ). إذا كانت الإبل مائة وعشرين فزكاتها حقتان، أما إذا كانت مائة وخمسًا وعشرين وبطريقة الاستئناف أو العود على الأول فزكاتها حقتان وشاة، كما ورد في الأول. على أنه ينبغي أن تكون الأوصاف المطلوبة في الإبل مطلوبة كذلك في ما يؤخذ من الشياة، بحيث تكون الشاة سمينةً كبيرة سليمةً كريمةً. وقد أشار بعض أهل العلم (١) إلى أنَّ كلمة "الشاة" مقصودة بمعنى لو

стр. 3314

أخرج من غيرها كالضأن لا يجزئ بينما، رأى بعض العلماء (١) بإجزاء غيرها معلِّلين أنَّ الشاة ذكرت للأغلبية، والقائلون بأنها مقصودة يقولون: إنها تلد ففيها ما ليس في الذكر. * قوله: (الْحِقَّتَان لِلْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ، وَالشَّاةُ: لِلْخَمْسِ-، فَإِذَا بَلَغَتْ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا حِقَّتَانِ وَشَاتَانِ). هذا أيضًا لا يتبادر إلى الذهن أنَّ الحنفية ومن معهم قالوا ذلك تشهيًا ولم يستدلوا بدليل، لكن الموازنة بين دليلين، بين الحديث الذي أخذ به الجمهور وهو كتاب أبي بكر لأنس وهو في صحيح البخاري وغيره، وبين الحديث الآخر الذي اختلِف في صحته. * قوله: (فَإِذَا كَانَتْ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا حِقَّتَان وَثَلَاثُ شِيَاهٍ إِلَى أَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، فَفِيهَا حِقَّتَان وَأَرْبَعُ شِيَاهٍ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا حِقَّتَان وَابْنَةُ مَخَاضٍ - الْحِقَّتَانِ: لِلْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ). الحقتان على المائة والعشرين، فإذا فصلنا الخمسة وعشرين عن مائة وخمس وأربعين بقيت خمسة وعشرين وحدها ومائة وعشرون وحدها فكأنها الأولى التي وجبت فيها بنت مخاض، هذا هو قول هؤلاء. * قوله: (وَابْنَةُ الْمَخَاضِ: لِلْخَمْسِ وَعِشْرِينَ - كَمَا كَانَتْ فِي الْفَرْضِ الْأَوَّلِ إِلَى خَمْسِينَ وَمِائَةٍ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا ثَلَاثُ حِقَاقٍ).

стр. 3315

لا شكَّ أنَّ مذهب الجمهور أقوى وأيسر؛ لأن الحديث (١) نصَّ بعد أن وصل إلى مائة وعشرين ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة، وقد يلتقي الفرضان معًا كما لو بلغت مائتين، فهو بالخيار بين أن يُخرج أربع حقق، وله أن يُخرج خمس بنات لبون؛ لأنَّ خمسًا في أربعين مائتين، وأربعة في خمسين مائتين، وهذا من التيسير. * قوله: (فَإِذَا زَادَتْ عَلَى الْخَمْسِينَ وَمِائَةٍ اسْتُقْبِلَ بِهَا الْفَرِيضَةُ الْأُولَى إِلَى أَنْ تَبْلُغَ مِائَتَيْنِ، فَيَكُونُ فِيهَا أَرْبَعُ حِقَاقٍ). أي: عاد واستأنف وهكذا، هذا هو مذهب هؤلاء، وهذا المذهب قد يكون فيه شيء من عدم الوضوح أو الصعوبة، لكنَّ مذهب الجمهور واضحٌ جدًّا، حدَّد لنا بعد المائة وعشرين في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حِقَّة، وهذا فيه يُسر وسهولة، وأيضًا يُفهم من غير تكلفٍ ومشقةٍ. * قوله: (ثُمَّ يُسْتَقْبَلُ بِهَا الْفَرِيضَةُ، وَأَمَّا عَدَا الْكُوفِيِّينَ (٢) مِنَ الْفُقَهَاءِ (٣): فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْمِائَةِ وَالثَّلَاثِينَ، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ).

стр. 3316

ويمكن أن يكون فيها خمس بنات لبون؛ لأنه على أساس أنه في كل أربعين بنت لبون. "يستقبل بها الفريضة" يعني: يعود بها كما كانت، وهذا لا خلاف فيه، ويقصد بـ "وأما ما عدا الكوفيين" مالكًا والشافعي وأحمد، بل هو مذهب عامة العلماء. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي عَوْدَةِ الْفَرْضِ أَوْ لَا عَوْدَتِهِ، اختِلَافُ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ). عاد المؤلف ﵀ ليُبين الخلاف، وانفراد الحنفية عن جمهور العلماء فقالوا باستئناف الفريضة بعد أن تتجاوز المائة والعشرين، وبعد أن تتجاوز المائة والخمسين، ولا شكَّ أنه مبني على دليل. * قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ). وهو كتاب أبي بكر ﵁ إلى أنسٍ عندما بعثه إلى البحرين، ونسخة منه كانت محفوظةً عند آل عمر بن الخطاب. * قوله: (أَنَّهُ قَالَ ﵊: "فَمَا زَادَ عَلَى الْعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ") (١). هذا نصٌّ ثبت عن رسول اللَّه ﷺ في حديث صحيح لا يتطرق إليه أي احتمال.

стр. 3317

* قوله: (وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ كَتَبَ كتَابَ الصَّدَقَةِ وَفِيهِ: "إِذَا زَادَتِ الْإِبِلُ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ اسْتَوْفَتِ الْفَرِيضَةُ"). فإن الرواية لا تروى إلا مرسلة خرجها أبو داود في المراسيل قال: ورجاله ثقات، قال: وأخرجها إسحاق ابن راهويه في مسنده، والطحاوي في شرح معاني الآثار، وابن حزم في المُحلى، والبيهقي في السنن الكبرى (١)، لكنه ليس في منزلة الحديث الآخر فهو حديث مرسل. "استؤنفت" يعني: تعود من الأول، وهذا الذي يقول به الحنفية ومن معهم، فالحنفية تمسكوا بنصٍّ، لكنَّ الحديث الأول حديث صحيح لا يحتاج أن نناقشه؛ لأنه يكفي أنه في صحيح البخاري. والذي ذكره المؤلف ذكره أبو داود في المراسيل (٢)، وذكره الطحاوي في معاني الآثار (٣). . . . .

стр. 3318

وفي مشكل الآثار (١)، وذكره ابن حزم في المُحلَّى (٢)، إذًا هو مُرسَل فلا يمكن أن نأتي بحديث مُرسَل فنقارن به حديثًا آخر أو كتابًا كتبه رسول اللَّه ﷺ ونفذه أبو بكر، لا شكَّ أنَّ الأول يُقدَّم على ذلك من حيث

стр. 3319

الصحة، والأرجح هو مذهب جمهور العلماء، وهو أيسر على الناس وأوضح وأقرب إلى الأذهان. * قوله: (فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى تَرْجِيحِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ إِذْ هُوَ أَثْبَتَ). هو أثبت لأنَّ المؤلف له منهج خَططه لنفسه قال: الحديث الثابت يعني به ما في الصحيحين أو في إحداهما، وهذا في صحيح البخاري. إذًا هو حديث ثابت، وهو أيضًا في السُنَن وعند أحمد وغيره. * قوله: (وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى تَرْجِيحِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ لِأَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ هَذَا مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ (١) وَابْنِ مَسْعُودٍ) (٢). يعني قوَّوا ذلك من قول علي وابن مسعود ونسب إلى بعض التابعين (٣). * قوله: (قَالُوا: وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِثْلُ هَذَا إِلَّا تَوْقِيفًا إِذْ كَانَ مِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ بِالْقِيَاسِ). قصده هذا الأثر المرسل الذي ذكره أبو داود في مراسيله. * قوله: (وَأَمَّا سَبَبُ اخْتِلَافِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَالشَّافِعِيِّ فِيمَا زَادَ عَلَى الْمِائَةِ وَعِشْرِينَ إِلَى الثَلَاثِينَ). سبب الخلاف بين الجمهور وبين الحنفية ومن معهم: هو وجود

стр. 3320

حديثين أحدهما في البخاري وفي غيره، والآخر حديث مُرسل تمت الإشارة إليه، فقلنا أنَّ الأولى تقديم مذهب الجمهور لقوة دليلهم. والآن نعود للخلاف بين الجمهور؛ لأنَّ الحنابلة عندهم إذا بلغت مائة وعشرين فزادت واحدة، في رواية فيها ثلاث بنات لبون، وفي الرواية الأُخرى إلى أن تصل مائة وثلاثين ففيها حقة وبنت لبون، وبذلك يلتقوا مع إحدى الروايتين عند المالكية وهو مذهب الشافعية. * قوله: (فَلِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَقِمْ لَهُمْ حِسَابُ الْأَرْبَعِيناتِ وَلَا الْخَمْسِيناتِ). لأنه إلى مائة وعشرين زادت واحدة، فاعتبار هذا الواحد هو عدم الاستقامة؛ لأننا نقول هنا ثلاث بنات لبون لكن زاد العدد. * قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّ مَا بَيْنَ الْمِائَةِ وَعِشْرِينَ إِلَى أَنْ يَسْتَقِيمَ الْحِسَابُ وَقْصٌ) (١). يعني: إلى مائة وثلاثين هنا يستقيم الحساب فتُخرِج حقة وبنتي لبون، فكل بنت لبون عن أربعين ثمانون وتلك عن خمسين مائة، إذًا استقام الحساب، وهذا الكسر الذي بين الفريضتين يُسمَّى وقصًا. * قوله: (قَالَ: لَيْسَ فِيمَا زَادَ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ الثَّابِتِ شَيْءٌ ظَاهِرٌ حَتَّى يَبْلُغَ مِائَةً وَثَلَاثِينَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْقَاسِمِ (٢): فَإِنَّمَا ذَهَبَا إِلَى أَنَّ فِيهَا ثَلَاثَ بَنَاتِ لَبُونٍ، لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ: "أَنَّهَا إِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةً

стр. 3321

فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ وَحِقَّةٌ") (١). ولذلك نجد الحنابلة لهم رواية في هذا، ورواية أُخرى في هذا (٢). * قوله: (فَسَبَبُ اخْتِلَافِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ (٣) وَابْنِ الْقَاسِمِ؛ هُوَ مُعَارَضَةُ ظَاهِرِ الْأَثَرِ الثَّابِتِ لِلتَّفْسِيرِ الَّذِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ). المؤلِّف خالف منهجه السابق فدخل في تفصيلات مذهب مالكٍ، فصار يذكر بعض أصحاب مالك. * قوله: (فابْن الْمَاجِشُونِ رَجَّحَ ظَاهِرَ الْأَثَرِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى ثُبُوتِهِ، وَابْنُ الْقَاسِمِ وَالشَّافِعِيُّ حَمَلَا الْمُجْمَلَ عَلَى الْمُفَصَّلِ الْمُفَسِّرِ، وَأَمَّا تَخْيِيرُ مَالِكٍ السَّاعِي، فَكَأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْأَثَرَيْنِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-). يعني: الإمام مالك أراد أن يجمع بين القولين، وهما روايتان للإمام أحمد. * قوله: (وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ - وَهُوَ إِذَا عَدِمَ السِّنَّ الْوَاجِبَ مِنَ الْإِبِلِ الْوَاجِبَةِ، وَعِنْدَهُ السِّنُّ الَّذِي فَوْقَ هَذَا السِّنِّ أَوْ تَحْتَهُ).

стр. 3322

يعني: لو أنَّ إنسانًا الواجب عليه بنت لبون فلم تكن عنده، وعنده بنت مخاض، وهي أقل، فما الذي سيدفعه لآخذ الزكاة؟ ولو كان العكس الواجب عليه بنت لبون وعنده حقة، إذًا تُدفع له الزيادة، فما الذي تُدفَع في هذه الحالة؟ * قوله: (فَإِنَّ مَالِكًا (١) قَالَ: يُكَلَّفُ شِرَاءَ ذَلِكَ السِّنِّ). يقول مالك: يكلف شراء السن الواجب، وليس له أن يدفع النقص، أو أن يُدفَع له الزائد، وخالف في ذلك الجمهور فقالوا: قد يكون ما عنده أعلى فيُعطَى الفرق، وقد يكون أدنى فَيُعطي الفرق. الآن خالف مالك الجمهور (٢)، هنا الجمهور يرون أنه يُدفَع الفرق إما له أو عليه. * قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ يُعْطِي السِّنَّ الَّذِي عِنْدَهُ وَزِيَادَةَ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، إِنْ كَانَ السِّنُّ الَّذِي عِنْدَهُ أَحَطَّ أَوْ شَاتَيْنِ).

стр. 3323

الآن العشرون درهمًا لا تساوي شيئًا فهو يدفع شاتين. * قوله: (وَإِنْ كَانَ أَعْلَى دَفَعَ إِلَيْهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ). وإن كان الذي عنده أعلى من الواجب، فنفس الذي يأخذ الصدقة يدفع له الفرق، وهو رسول الإمام الذي يأخذ الصدقة؛ لأنه "لا ضرر ولا ضرار" (١)، فلو أخذ منه الأعلى تضرر، لكن لا مانع أن يدفع هو الأعلى إذا طابت نفسه بذلك، ومما يدل على أن للإنسان أن يدفع الأعلى إذا طابت نفسه بذلك قصة أبي بن كعب، عندما أرسله رسول اللَّه ﷺ ليأخذ الصدقة، فَمَرَّ بصاحب إبل ليأخذ الصدقة، فأخبره أنَّ الذي وجب عليه هو بنت مخاض، فأخبره الرجل بأنه لا يوجد بين إبله ذات لبن ولا ظهر، فاختار له إبلًا سمينًا جدًّا ودفعه له، فتوقف أبي بن كعب ﵁، وطلب من الرجل أن يذهب لرسول اللَّه ﷺ وقال له: إنَّ رسول اللَّه ﷺ : ليس ببعيدٍ عنك فاذهب إليه، فذهبا معًا إلى الرسول ﷺ فقصَّ الرجل على الرسول ﷺ قصة ما دار بينه وبينه فأخبره الرسول ﷺ أنَّ ما وجب عليه هي بنت مخاض، وهي التي ذكرها له أبي بن كعب، لكنه طابت نفسه ورضيت أن يدفع ما قدمه هو، وكان البعير سمينًا من أجود ما عنده، فقدمه إلى رسول اللَّه ﷺ ، فدعا له رسول اللَّه ﷺ بالخير والبركة (٢).

стр. 3324

وهذا فيه فائدة أن أُبيًّا الذي قال فيه رسول اللَّه: (أقرؤكم أبي) (١) لمَّا لم يعرف الحكم توقَّف. فإذا جادت نفس الرجل بما هو أعلى، فلا مانع، لكننا إن أردنا أن نطبق حكمًا فلا يُلزم الإنسان بأكثر مما يجب عليه، وليس له أن يُقَصر فيما وجب عليه، بل يؤدي الواجب ولا يُكلَّف فوق طاقته. ولذلك قال رسول اللَّه ﷺ عندما أرسل معاذ إلى اليمن: "وإياك وكرائم أموالهم" (٢). * قوله: (وَهَذَا ثَابِتٌ فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ، فَلَا مَعْنَى لِلْمُنَازَعَةِ فِيهِ). أحسَن المؤلف بقوله: "وهذا ثابت في كتاب الصدقة"، ومن مزايا هذا الكتاب أنَّ مؤلفه مع أنه مالكي المذهب، غير أنه لا يتعصب لمذهبه، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه طالب العلم، ونحق نعرف أنَّ المؤلف عليه مآخذ (٣) في أمور أُخرى نسأل اللَّه أن يعفو عنا وعنه، لكن في أمور الفقه نجده منصفًا فهو مالكي ويردُّ على مالك.

стр. 3325

فيقول: لماذا نسلك هذا المسلك وننحى هذا المنحى، وكتاب الصدقة منقول إلينا بسندٍ صحيح، نراه ونقرؤه في صحيح البخاري وفي غيره، فينبغي أن نأخذ به. * قوله: (وَلَعَلَّ مَالِكًا لَمْ يَبْلُغْهُ هَذَا الْحَدِيثُ). وهذه صفة حسنةٌ أُخرى تُسَجَّل للمؤلف، وهكذا طالب العلم عندما يقف لاجتهاد لإمام خالف فيه الدليل، أو ظهر له أنه خالف الدليل، ولا شك أن الإمام لم يكن الإمام قصد الخلاف ولا تعمده، بل الإمام مالك كانت تضرب إليه الإبل من مشارق الدنيا ومغاربها، ومواقفه في الدفاع عن كتاب اللَّه، وعن سُنَّة رسول اللَّه ﷺ وعن العقيدة الإسلامية الصافية معروفة، وقد تخرج على يديه جيل من العلماء يأتي في مقدمتهم الإمام الشافعي (١). فالإمام مالك اجتهد في هذه المسألة، والمؤلف بيّن أن الحق مع غيره؛ لأن حديث الصدقة، في صحيح البخاري وهو واضح جلي، فينبغي الأخذ به، ومالك لم يأخذ به لعله لم يبلغه، أو أنه بلغه واجتهد أيضًا في أمر آخر. وهكذا دائمًا طالب العلم ينبغي أن ينزل العلماء منزلتهم فلا يتجرأ عليهم بقول، وإنما ينصفهم في هذا المقام. دراسة الفقه ملكة تقوي الإنسان: ولذلك نجد أن دراسة الفقه ينتقل الإنسان فيها من مكان إلى مكان، وهذا الخلاف الذي نراه ليس كما يظن البعض أنه خلاف يُشتت الأذهان ويفرقها، أو كثرة الآراء قد تغير طالب العلم، بالعكس هي تنمي ملكة دارس الفقه وتقويها فتشحذ ذهنه فيتعود

стр. 3326

على دراسة المسائل وعرض أدلتها ومناقشتها والترجيح، وعندما يتعود على هذا الأمر يُصبح أمرًا ميسورًا سهلًا عنده، لكن إذا تعود أن يأخذ الأمور ببساطة فيصعب عليه أن يتعمق في دراسة الفقه. ولذلك نجد أنَّ العلماء شغلوا أنفسهم بدراسة كتاب اللَّه وسُنّة رسول اللَّه ﷺ بعمقٍ فاستخرجوا الأحكام منهما، وجاء الذين من بعدهم فخرجوا وهكذا، فاجتمعت عندنا هذه الثروة العظيمة، وهذا الكنز الكبير الذي يشتمل على كثير من المجلَّدات. * قوله: (وَبِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ). وأحمد أيضًا وهذا هو مذهب جمهور العلماء. * قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْوَاجِبُ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ؛ عَلَى أَصْلِهِ فِي إِخْرَاجِ الْقِيَمِ فِي الزَّكَاةِ) (١). وهذا قول غير مُسَلم به؛ لأنَّ النص قد ورد في ذلك. * قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ يُعْطِي السِّنَّ الَّذِي عِنْدَهُ، وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْقِيمَةِ). والراجح عندنا: هو ما أخذ به الجمهور ومنهم الشافعية (٢) والحنابلة (٣).

стр. 3327

* قوله: (وَأَمَّا المَسْأَلَةُ والثَّالِثَةُ وَهِيَ هَلْ تَجِبُ فِي صِغَارِ الْإِبِلِ، وَإِنْ وَجَبَتْ فَمَاذَا يُكَلَّفُ؟). هذه المسألة تتعلق بصغار الإبل، والإبل فيها الصغير والكبير، والصغير ليس خاصًّا بالإبل، وسيأتي ربما يَعرِض له المؤلف أيضًا بالبقر ففيها العجل، وكذلك الغنم ففيها السخال التي هي حب. والصِّغَار أحوالها تختلف، قد توجد الصِّغَار مع الكبار، وقد توجد منفردة. فهذه كلها مسائل تكلم فيها العلماء؛ فمنهم من أطلق ومنهم من عَمَّم، وسبب الخلاف: أنه وردت أحاديث لم يُصححها بعض العلماء، فاجتهدوا فيما يتعلق بهذه المسألة. * قوله: (فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ). أبو حنيفة (١) له عدة روايات منها: أنها تجب فيها الزكاة. والقول الآخر على خلاف ذلك: لا تجب فيها الزكاة. * قوله: (وَقَوْمٌ قَالُوا: لَا تَجِبُ). وهذه رواية لأبي حنيفة ونُقِل عن مالك (٢) وعن بعض التابعين منهم:

стр. 3328

كالحسن البصري، وإبراهيم النَّخعي (١)، والإمام الشَعبي (٢) وهو من التابعين، وعن داود الظاهري إمام الظاهرية (٣). وعند المالكية (٤) يرون: أنها تُضَم الصِّغَار إلى أمهاتها الكِبار، وإذا وجِدَت أمهاتها وَجبت الزكاة في الكل. وعند الشافعية (٥) يرون: أنها تُضَم إلى أمهاتها، لكنهم يشترطون أن تكون متولدة من النصاب وأن تكون قبل أن تحول عليها الحول. ومذهب الحنابلة (٦) قريب من ذلك، ولا شك أنه هو أقرب المذاهب في نظرنا.

стр. 3329

* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ يَتَنَاوَلُ اسْمُ الْجِنْسِ الصِّغَارَ أَوْ لَا يَتَنَاوَلُهُ؟). الإبل: اسم جنس، فهل يدخل فيه الصغير والكبير؟ أو أن هذا يقتصر على الكبير فقط؟ على القول أنه يقتصر على الكبير، يحتاج إلى ما يُحدِّد ذلك ويُخصِّصه. * قوله: (وَالَّذِينَ قَالُوا: لَا تَجِبُ فِيهَا زَكَاةٌ هُوَ أَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ). هذا رأي لأبي حنيفة في رواية لا تجب عنه، لكن له رواية تجب، ورواية ثالثة له ولصاحبيه (١) فيها تفصيل أيضًا؛ لأنَّ هناك من العلماء من يرى: أنه إذا وُجدَت عنده كِبار تجب فيها الزكاة فكانت الصِّغَار زائدة عن

стр. 3330

النصاب فحينئذ تجب فيها الزكاة، لكن إن كانت الكبار دون ذلك فلا يُكَمّل بها النصاب. * قوله: (وَقَدِ احْتَجُّوا بِحَدِيثِ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَتَانَا مُصَدِّقُ النَّبِيِّ ﵊). أي: الذي يأخذ الصدقة. وهذا الحديث أخرجه أصحاب السُّنَن منهم أبي داود (١) والنسائي (٢) وابن ماجه (٣)، وأخرجه الإمام أحمد (٤)، والدارقطني (٥) والبيهقي (٦) وغير هؤلاء (٧). * قوله: (فَأَتَيْتُهُ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ فِي عَهْدِي أَنْ لَا آخُذَ مِنْ رَاضِعِ لَبَنٍ). وفي بعض الروايات: (لا تأخذْ من راضع لبنٍ) (٨) بصيغة النهي. * قوله: (وَلَا أَجْمَعَ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا نُفَرِّقَ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ). خشية الصدقة، يعني: ليَفِرَّ من الصدقة أو لتقليل الصدقة، فليس له ذلك؛ لأنَّ هذا فرضٌ متعينٌ عليه، فواجبه أن يؤدي الفرض فيلقى اللَّه بنفس طيبة ولا ذنب عليه، لكن أن يترك الفريضة فلا. وقد مرّتْ أحاديث كثيرة فيما يتعلق بأولئك الذين يُقصِّرون في أداء
следующие страницы →