← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

على دراسة المسائل وعرض أدلتها ومناقشتها والترجيح، وعندما يتعود على هذا الأمر يُصبح أمرًا ميسورًا سهلًا عنده، لكن إذا تعود أن يأخذ الأمور ببساطة فيصعب عليه أن يتعمق في دراسة الفقه. ولذلك نجد أنَّ العلماء شغلوا أنفسهم بدراسة كتاب اللَّه وسُنّة رسول اللَّه ﷺ بعمقٍ فاستخرجوا الأحكام منهما، وجاء الذين من بعدهم فخرجوا وهكذا، فاجتمعت عندنا هذه الثروة العظيمة، وهذا الكنز الكبير الذي يشتمل على كثير من المجلَّدات. * قوله: (وَبِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ). وأحمد أيضًا وهذا هو مذهب جمهور العلماء. * قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْوَاجِبُ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ؛ عَلَى أَصْلِهِ فِي إِخْرَاجِ الْقِيَمِ فِي الزَّكَاةِ) (١). وهذا قول غير مُسَلم به؛ لأنَّ النص قد ورد في ذلك. * قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ يُعْطِي السِّنَّ الَّذِي عِنْدَهُ، وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْقِيمَةِ). والراجح عندنا: هو ما أخذ به الجمهور ومنهم الشافعية (٢) والحنابلة (٣).

стр. 3327

* قوله: (وَأَمَّا المَسْأَلَةُ والثَّالِثَةُ وَهِيَ هَلْ تَجِبُ فِي صِغَارِ الْإِبِلِ، وَإِنْ وَجَبَتْ فَمَاذَا يُكَلَّفُ؟). هذه المسألة تتعلق بصغار الإبل، والإبل فيها الصغير والكبير، والصغير ليس خاصًّا بالإبل، وسيأتي ربما يَعرِض له المؤلف أيضًا بالبقر ففيها العجل، وكذلك الغنم ففيها السخال التي هي حب. والصِّغَار أحوالها تختلف، قد توجد الصِّغَار مع الكبار، وقد توجد منفردة. فهذه كلها مسائل تكلم فيها العلماء؛ فمنهم من أطلق ومنهم من عَمَّم، وسبب الخلاف: أنه وردت أحاديث لم يُصححها بعض العلماء، فاجتهدوا فيما يتعلق بهذه المسألة. * قوله: (فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ). أبو حنيفة (١) له عدة روايات منها: أنها تجب فيها الزكاة. والقول الآخر على خلاف ذلك: لا تجب فيها الزكاة. * قوله: (وَقَوْمٌ قَالُوا: لَا تَجِبُ). وهذه رواية لأبي حنيفة ونُقِل عن مالك (٢) وعن بعض التابعين منهم:

стр. 3328

كالحسن البصري، وإبراهيم النَّخعي (١)، والإمام الشَعبي (٢) وهو من التابعين، وعن داود الظاهري إمام الظاهرية (٣). وعند المالكية (٤) يرون: أنها تُضَم الصِّغَار إلى أمهاتها الكِبار، وإذا وجِدَت أمهاتها وَجبت الزكاة في الكل. وعند الشافعية (٥) يرون: أنها تُضَم إلى أمهاتها، لكنهم يشترطون أن تكون متولدة من النصاب وأن تكون قبل أن تحول عليها الحول. ومذهب الحنابلة (٦) قريب من ذلك، ولا شك أنه هو أقرب المذاهب في نظرنا.

стр. 3329

* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ يَتَنَاوَلُ اسْمُ الْجِنْسِ الصِّغَارَ أَوْ لَا يَتَنَاوَلُهُ؟). الإبل: اسم جنس، فهل يدخل فيه الصغير والكبير؟ أو أن هذا يقتصر على الكبير فقط؟ على القول أنه يقتصر على الكبير، يحتاج إلى ما يُحدِّد ذلك ويُخصِّصه. * قوله: (وَالَّذِينَ قَالُوا: لَا تَجِبُ فِيهَا زَكَاةٌ هُوَ أَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ). هذا رأي لأبي حنيفة في رواية لا تجب عنه، لكن له رواية تجب، ورواية ثالثة له ولصاحبيه (١) فيها تفصيل أيضًا؛ لأنَّ هناك من العلماء من يرى: أنه إذا وُجدَت عنده كِبار تجب فيها الزكاة فكانت الصِّغَار زائدة عن

стр. 3330

النصاب فحينئذ تجب فيها الزكاة، لكن إن كانت الكبار دون ذلك فلا يُكَمّل بها النصاب. * قوله: (وَقَدِ احْتَجُّوا بِحَدِيثِ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَتَانَا مُصَدِّقُ النَّبِيِّ ﵊). أي: الذي يأخذ الصدقة. وهذا الحديث أخرجه أصحاب السُّنَن منهم أبي داود (١) والنسائي (٢) وابن ماجه (٣)، وأخرجه الإمام أحمد (٤)، والدارقطني (٥) والبيهقي (٦) وغير هؤلاء (٧). * قوله: (فَأَتَيْتُهُ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ فِي عَهْدِي أَنْ لَا آخُذَ مِنْ رَاضِعِ لَبَنٍ). وفي بعض الروايات: (لا تأخذْ من راضع لبنٍ) (٨) بصيغة النهي. * قوله: (وَلَا أَجْمَعَ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا نُفَرِّقَ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ). خشية الصدقة، يعني: ليَفِرَّ من الصدقة أو لتقليل الصدقة، فليس له ذلك؛ لأنَّ هذا فرضٌ متعينٌ عليه، فواجبه أن يؤدي الفرض فيلقى اللَّه بنفس طيبة ولا ذنب عليه، لكن أن يترك الفريضة فلا. وقد مرّتْ أحاديث كثيرة فيما يتعلق بأولئك الذين يُقصِّرون في أداء

стр. 3331

الزكاة فيمنعونها ويفرقون فيها، أو الذين يحتالون بحيَل تجعلهم لا يُخرجون الزكاة. * قوله: (قَالَ: وَأَتَاهُ رَجُلٌ بِنَاقَةٍ كَوْمَاءَ فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَهَا). أي: ناقة لها سنام عظيم، وكلما كان السنام عظيمًا كان هذا دليلًا على عِظمها، كقصة أبي بن كعب عندما ذهب ليأخذ فمرّ برجل فلم يجد بنت مخاض فقدم له ناقةً عظيمة سمينة فتوقف (١). هكذا وجدنا صحابيًا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ أخذ العلم من مشكاة النبوة، عاش مع رسول اللَّه ﷺ كغيره من الصحابة وحكم عليه رسول اللَّه ﷺ بأنه أقرأ القوم، فقال ﷺ : (أقضاكم علي، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ، وأقرأكم أبي) (٢). فرسول اللَّه ﷺ شهد له، ولما تردد ذات مرة في قراءة آية التبست عليه، ورسول اللَّه ﷺ بشر وهو قدوة لنا، فقال: "أين أُبيّ ألم يكن في القوم" (٣) يريد أن يفتح عليه، فلم يسأل إلا عن أبي، وأبي بن كعب أبى أن يفتى في المسألة من غير علم وهو صحابي جليل، ما رأى أن يأخذ من الرجل مع أنه رأى أن ما سيعطيه الرجل هو أعظم، قال له: (رسول اللَّه ﷺ قريب منك فاذهب إليه فأخبره بحالك) فرافقه فأخبر رسول اللَّه، فلما رأى رسول اللَّه ﷺ أنَّ الرجل جادت نفسه أخذ منه، ودعا له بالخير وبالبركة.

стр. 3332

نأخذ من هذا أنَّ طالب العلم إذا سُئِل عن مسألة من المسائل حتى وإن كان عالمًا فلا يمكن أن يدعي أي إنسان أنه أحاط بالحلم، فإذا كان إمام دار الهجرة الإمام مالك يُفتَى في مسائل فيقوله في كثير منها: لا أدري، والعلماء يقولون: لا أدري نصف العلم، فما هو الأفضل أن تقول: لا أدري، أو أن تُفتي عن جهل فتفتي غيرك في أمر من الأمور، ربما يكون ارتكابه محرمًا، فتكون قد أوقعت هذا المسكين في حرام، أو قد يكون واجبًا فأفتيته بعدم وجوبه فتسببت في أنه ترك واجبًا من الواجبات وما أكثر ما يحصل ذلك، فيجب على طالب العلم أنْ يتورع وأن يخشى اللَّه، قال ﷺ : "أجرأكم على الفُتية أجرأكم على النار" (١). ولا يجوز لطالب العلم غير المُتمكن أو المتمكن أن يجاوب ما لم يكن متيقنًا من الجواب، ولكن ليقل: لا أدري، أو انتظر سأبحث في المسألة، أنا متردد فيها احتاج أن أتأكد، والذي يظهر لي أن الجواب كذا، لكنني غير متأكد منه أو عليك أن تتأكد من غيري. لكن أن يأتي الإنسان فيخشى أن يُقال فلان مدرس ولا يجيب، فيجيب! هذا خطأ، ليس قصورًا في طالب العلم أن يقول: لا أدري، قد تجد طالبًا من الطلاب الصغار يعرف مسائل محددة أكثر من شيخه لأنه قد يكون قرأها قريبًا ومارسها ودرسها ومرت به وهذا ربما مرّت عن ذهنه. وأحيانًا الإنسان يسأل عن مسألة تعزب عن ذهنه، فإذا ما أخذ يفكر تعود إليه، فيطلب من هذا ألا يتعجل الإنسان في الإجابة، بل عليه أن يستجمع، وأن يتذكر ويطلب من اللَّه العون. ولذلك كان الصحابة ﵃ كل واحد منهم، والسلف كذلك يحيل كل واحد منهم إلى الآخر في الفُتيا، ليس في الفُتية أنك إذا سُئلت أفتيت

стр. 3333

ويقال أفتى فلان، لا، إنما كان كل واحد منهم يُحيل إلى الآخر، ورأيت شيخًا من أعلم مشايخنا الذي درست عليه كان يَفر من الفتوى وهو يعلم الجواب. * قوله: (وَالَّذِينَ أَوْجَبُوا الزَّكَاةَ فِيهَا مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُكَلَّفُ شِرَاءَ السِّنِّ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِم، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَأْخُذُ مِنْهَا، وَهُوَ الْأَقْيَسُ، وَبِنَحْوِ هَذَا الِاخْتِلَافِ اخْتَلَفُوا فِي صِغَارِ الْبَقَرِ وَسِخَالِ الْغَنَمِ). وجاء في ذلك حديث بالنسبة للغنم: "ليس في السخال زكاة" (١)، وكذلك الحديث العام الذي أشار إليه المؤلف: (لا تأخذ من راضع لبن) أو (لا آخذ من راضع لبنٍ)، وحديث السخال فيه كلام للعلماء. ولا شكَّ أنَّ الأولى في نظرنا هو أن تُضَم إلى أمهاتها، فإذا بلغت النصاب فإنها تُزكى، ولا تزكي مُنفردة. قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: [الْفَصلُ الثَّالِثُ فِي نِصَابِ الْبَقَرِ وَقَدْرِ الْوَاجِبِ فِي ذلِكَ] * قوله: (جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ فِي ثَلَاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ تَبِيعًا، وَفِي أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً) (٢).

стр. 3334

المؤلف دخل مباشرة في بيان الأنصبة، فهناك نِصَاب، وهناك قدرٌ واجب، فنِصَاب البقر يبدأ بثلاثين، وزكاة البقر ثبتت في السنَّة وذكرنا حديثًا في ذلك، ومثله أيضًا حديث معاذ: (قال: بعثني رسول اللَّه ﷺ إلى اليمن وأن آخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعًا أو تبيعة، جذعًا أو جذعة، ومن كل أربعين مُسِنة) (١) وسيأتي الكلام عن هذا الحديث من حيث درجته، وكلام العلماء فيه إجمالًا لا تفصيلًا. وهذا الذي بدأ به المؤلِّف إنما هو مذهب جمهور العلماء، فجماهير العلماء ومنهم الأئمة الأربعة، يرون: أنَّ الزكاة لا تجب في البقر إلا إذا بلغت ثلاثين، أما قبل ذلك فلا شيء فيها، فإذا بلغ ما يملكه المُسلم من البقر ثلاثين وجب عليه أن يُخرج تبيعًا، وهذا مما انفردت به زكاة البقر، والتبيع (٢): هو الذي له سَنَة ودخل في الثانية، وسُمي تبيعًا؛ لأنه يتبع أمَّه لأنه لا يزال صغيرًا فهو بحاجة إليها، فنجد أنه يسير في خطاها، ثم في الأربعين مُسنة: وهي التي بلغت سنتين ودخلت في الثالثة؛ وسُميت بذلك لأنَّ أسنانها بدأت في الظهور، وهناك عدة أقوال يَعرِض لها المؤلف.

стр. 3335

* قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: فِي كُلِّ عِشْرِينَ مِنَ الْبَقَرِ شَاةٌ إِلَى ثَلَاثِينَ فَفِيهَا تَبِيعٌ). المؤلِّف لم يذكر صاحب القول وإنما هو سماه طائفة، وهذا معروف أنه للإمام شهر بن حوشب هو الذي قال بذلك، ونَقَل بسَنَدِه عنه ابن أبي شيبة في مُصَنَّفِه (١)، قال: في العشر شاة وفي العشرين شاتان وفي الثلاثين تبيع، وبذلك يكون قد انفرد عن جمهور العلماء بهذا القول. * قوله: (وَقِيلَ: إِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ فَفِيهَا بَقَرَةٌ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا بَقَرَتَانِ، إِذَا جَاوَزَتْ ذَلِكَ فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَةً وَعِشْرِينَ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بَقَرَةٌ). يُشير إلى قول الزُّهري (٢)، وسعيد بن المُسيب (٣)، فمن العلماء من يرى أنَّ زكاة البقر كزكاة الإبل، وقد مرَّ فيما مضى أنه يجب في خمسٍ من الإبل شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بنت مخاض، فهؤلاء يقولون: بأنَّ زكاة البقر كزكاة الإبل، لا تختلف عنها، لكنه بالنسبة للإبل يُنظَر للسِّنِّ، أما

стр. 3336

بالنسبة للبقر فلا اعتبار بالسن، فلا يُقال بنت مخاض، ولا يقال حقة، ولا بنت لبون، وإنما يُقتصر بأنَّ في الخمس شاة وهكذا. ووجهة هؤلاء الذين قالوا بهذا القول: أنَّ البقر لا تختلف عن الإبل قياسًا على ما يحصل في الهَدي، فإنَّ البقرة تكفي عن سبعٍ كالحال بالبدنة، فهي تساويها في هذا الحكم، وقالوا: إنَّ في كتاب عُمَر ﵁ الذي كتبه في الزكاة، فيه: أن زكاة البقر كزكاة الإبل (١)، وقالوا: إن ذلك نُقِل عن جابر بن عبد اللَّه (٢). وقالوا: ولأنَّ ذلك قد نُقِلَ عن الزُهري، والزهري من أعرف الناس بالحديث وقد لَقِيَ بعض أصحاب رسول اللَّه ﷺ . أما جمهور العلماء فإنهم يقولون في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي أربعين مُسِنة إلى ستين ففيها تبيعان، وفي السبعين تبيع ومُسِنة، وفي الثمانين مسنتان، وفي التسعين ثلاث أتبعة، وفي المائة مسنة وتبيعان، وهكذا، إلى أنْ يأتي الأمر إلى أنه في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة، ويستدلون على ما ذهبوا إليه - من أنَّ نصاب البقر يبدأ بالثلاثين، وأن الواجب بداية تبيع أو تبيعة، بحديث مسروق عن معاذ قال: (بعثني رسول اللَّه ﷺ إلى اليمن، وأمرني أن آخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعًا، أو تبيعة، وفي بعض الروايات: جذعٌ، أو جذعة ومن أربعين مسنة) (٣). قالوا: فهذا نص ثابت فينبغي الوقوف عنده. ويشهد له أيضًا حديث عمرو بن حزم أو الكتاب الذي كتبه رسول اللَّه ﷺ لعمرو بن حزم "أنَّ في كل ثلاثين بقرة تبيعًا، وفي كل

стр. 3337

أربعين بقرةً بقرةٌ يعني مُسِنة" (١). الذين يقدحون في حديث معاذ يقولون: بأنَّ مسروقًا لم يلق معاذًا (٢)، وبهذا يكون الحديث منقطعًا؛ لأنه لم يسمع منه. وجمهور العلماء يقولون: أنه جاء عن طرق أُخرى عن حُميد وطاوس (٣)، واختلفوا أيضًا في سماع طاوس (٤)، لكننا نجد أنَّ أكابر العلماء كالإمام الشافعي يتكلم في ذلك، وبيَن أن ما عند مسروق علم معاذ، وأنه التقى بكثير من أصحابه وما حدث بذلك إلا بعلمه به، والحديث له عدة شواهد، وقد صحَّحه جمعٌ من العلماء منهم الحاكم (٥) والدارقطني (٦)

стр. 3338

وابن حبان (١) وابن عبد البر (٢)، وغير هؤلاء (٣). ولا شكَّ في نظرنا أنَّ الأصوب في ذلك والأرجح هو مذهب جمهور العلماء، وهو: أنَّ الزكاة لا تجب إلا في الثلاثين، ولو كانت تجب قبل ذلك لبيّن ذلك رسول اللَّه ﷺ ، كما بيّن ذلك أيضًا في زكاة الإبل؛ لأنه ﵊ مأمور ومُطَالبٌ بالبيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فإن في الكتاب الذي كتبه رسول اللَّه ﷺ وختمه ومات رسول اللَّه ﷺ قبل أن يُنفَذ ويُرسَلَ إلى عماله، وأرسله أبو بكر ﵁ إلى أنس ﵁، وقضى به عمر ﵁ وعمِل به الصحابة، وقد بيّن فيه أنصبة الإبل وكذلك الغنم، فلما كان الأمر كذلك ظهر لنا أنَّ مذهب الجمهور هو الأرجح في هذه المسألة. * قوله: (وَهَذَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ). وكذلك أيضًا عن الزهري، وعن غيره من العلماء، لكن اشتهر هذا القول عن الإمامين. * قوله: (وَاخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ فِيمَا بَيْنَ الْأَرْبَعِينَ وَالسِتِّينَ:

стр. 3339

فَذَهَبَ مَالِكٌ (١) وَالشَّافِعِيُّ (٢) وَأَحْمَدُ (٣) وَالثَّوْرِيُّ (٤) وَجَمَاعَةٌ (٥) أَنْ لَا شَيْءَ فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ حَتَّى تَبْلُغَ السِّتِّينَ). هذه مسألة أُخرى تُعتَبر من مسائل الجزئيات وهي حكم الأوقاص

стр. 3340

وهي: ما بين الأربعين والخمسين، وما بين الخمسين والستين، وما بين الستين والسبعين، وما بين السبعين والثمانين، وهذه تُعرَف عند الفقهاء بالأوقاص وهي: ما بين الفرضين. وفي حديث معاذ -الذي مرّ- لم يَعرض لذلك، وإنما بيّن أنَّ رسول اللَّه ﷺ بعثه إلى اليمن وأمره أن يأخذ من كل ثلاثين تبيعًا، ومن كل أربعين مسنة، ولم يعرض لما بينهما، وجاء أيضًا في رواية من روايات معاذ أنه عُرِض عليه ما بين الوقصين فامتنع عن ذلك فقال: حتى أسأل رسول اللَّه ﷺ ، فلما جاء وجد رسول اللَّه ﷺ قد مات (١)، ومن هنا نشأ خلاف بين العلماء. وجاء في مُسنَد الإمام أحمد (٢) في رواية: أن معاذًا أدرك رسول اللَّه ﷺ وأنه سأله عن ذلك، وبيّن له أنه لا زكاة فيما بين الأنصبة. ١ - وعلى هذا فجمهور العلماء ومنهم الأئمة مالك والشافعي

стр. 3341

وأحمد، وأبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة يرون: أن ما بين الفروض لا زكاة فيه. ٢ - وأبو حنيفة تعددت الرواية عنه (١) واضطرب فله ثلاثة أقوال: رواية يتفق فيها مع الجمهور الذي أخذ بها الصاحبان (٢). والرواية الثانية: أنها إذا زادت عن الأربعين ففيها مُسنة وربع العشر، يعني: تُجَزَّأ المُسنة إلى أربعين جزءًا، فيجب عليه في كل بقرة واحد على أربعين. والرواية الثالثة: أنها لا تجب إلا إذا وصلت خمسين، فإذا وصلت خمسين ففيها مُسنة وربع مسنة (٣). لكن القوله الأول الذي ذكرناه يلتقي مع مذهب الجمهور، ولما كان مذهب الجمهور هو الأرجح، فينبغي أن يؤخذ بهذه الرواية، وهي أيضًا التي أخذ بها الصاحبان.

стр. 3342

* قوله: (فَإِذَا بَلَغَتْ سِتِّينَ فَفِيهَا تَبِيعَانِ إِلَى سَبْعِينَ، فَفِيهَا مُسِنَّةٌ وَتَبِيعٌ إِلَى ثَمَانِينَ، فَفِيهَا مُسِنَّتَانِ إِلَى تِسْعِينَ، فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَتْبِعَةٍ إِلَى مِائَةٍ، فَفِيهَا تَبِيعَانِ وَمُسِنَّةٍ ثُمَّ هَكَذَا مَا زَادَ، فَفِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ). زكاة البقر من أبسط أنواع الزكوات؛ لأنها واضحة وسهلة، ولذلك مباحثها في كتب الفقه ليست موسعة كزكاة الإبل وزكاة الغنم. التبيع ذكر فيُجمع على أتبعة، والتبيع أنثى تُجمَع على تِباع، وزكاة البقر قد انفردت في وجود الذكر فيها، وهناك في الإبل بنت مخاض، ثم ابن لبون، ثم بعد ذلك بنت مخاض، فإن لم يكن بنت لبون، هذا إن لم تكن بنت مخاض، لكن هنا ذكر تبيعًا أو تبيعة فسوَّى بينهما، هنا يذكر الفقهاء على أنها من خصائص زكاة البقر. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي النِّصَابِ: أَنَّ حَدِيثَ مُعَاذٍ غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَى صِحَّتِهِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُخَرِّجْهُ الشَّيْخَانِ). ليس مراد المؤلف هنا أنَّ حديث معاذ ليس متفقًا على صحته، هذه العبارة يريدها على نوعين، أحيانًا يقول: ليس متفقًا على صحته؛ أي: أنه لم يتفق عليه الشيخان، وأحيانًا يقول: ليس متفقًا على صحته يعني: أن الحديث مختلف فيه صحيح أو ضعيف، وهذا هو المُراد. يريد المؤلف أن هذا الحديث اختلف فيه صحة وضعفًا، فمن العلماء -وهم الجمهور- من يأخذ به ويصححه، ومنهم من يضعفه، أو يورد عليه مآخذكما أشرنا إلى شيءٍ من ذلك. * قوله: (وَلِذَلِكَ لَمْ يُخَرِّجْهُ الشَّيْخَانِ). أولًا: هذا غير مُسَلَّم؛ لأنه ليس معنى أن الحديث لم يخرجاه الشيخان أنه غير صحيح، فهناك آلاف الأحاديث صحت، وبعضها على شرط الشيخين، ولم يخرجا في الصحيحين.

стр. 3343

فلا يلزم أن تكون كل السنة جمعت في الصحيحين، فكل إمام له شروط في التصحيح، فالبخاري له شروط، وشروطه فاقت شروط مسلم، ولذلك لا يُخرّج في كتابه إلا ما انطبقت عليه شروطه. لكنْ لا يلزم من هذا أنَّ البخاري لم تفته أحاديث، فقد فاتته أحاديث، وقد استدرك عليه الحاكم وغيره، وإن كان غالب ما استدركه الحاكم غير وارد، لكن وجدت أحاديث على شرط البخاري ليست في صحيحه، وأيضًا الإمام مسلم له شروط في تصحيح الأحاديث. ولذلك قالوا: تشاجر قوم في البخاري ومسلم … لدي وقالوا أي ذين تقدم فقلت لقد فاق البخاري صحة … كما فاق في حسن الصناعة مسلم فصناعة مسلم في ترتيبه للأحاديث وتنسيقه وفي التبويب يختلف عن البخاري، أما البخاري كما قال العلماء: شروطه أقوى وفقهه في تراجمه، فكم من الأحاديث التي لا تنطبق عليها شروطه، نجد أنه يعنون لها ويضعها عنوانًا لباب، وقد تجد أنَّ هذا العنوان حديث صحيح في صحيح مسلم، أو في السُّنن، أو عند أحمد، فهو لا يغفل هذه الأحاديث في كثير من الأحيان، وإنما يجعلها ترجمة لباب أو عنوانًا له فيذكر الحديث، وتجد أن الشُّراح وبخاصة ابن حجر ينبه على ذلك ويتكلم عنه، ويبين أن هذا حديث في مكان آخر. إذًا ظهر لنا أنه لا يلزم مما ذكر المؤلف أنَّ كل حديث صحيح يلزم إخراجه، فكم من الأحاديث التي صحت وليست في الصحيحين. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فِي الْوَقْصِ فِي الْبَقَرِ: أَنَّهُ جَاءَ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ هَذَا أَنَّهُ تَوَقَّفَ فِي الْأَوْقَاصِ وَقَالَ: حَتَّى أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﵊). معاذ ﵁ عاد بعد موت رسول اللَّه ﷺ إلى اليمن في الحديث المشهور: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ-:

стр. 3344

"إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابِ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك بذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ. وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ") (١). فرسول اللَّه ﷺ أوصاه ونبهه، وهكذا إذا أراد الوالي، أو المسؤول أن يرسل داعية في مجال الدعوة، أو في مهمة فإنه يوصيه بتقوى اللَّه ويرسم له الطريق السوي الذي يسير فيه، والذي يجعل الناس يتقبلون دعوته، ويقبلون عليها، ويرغبون فيها، ولأنه لما كان سيذهب إلى أهل كتاب، ولديهم علم، وهم أهل جدل ونقاش، بيّن له رسول اللَّه ﷺ كيف يتعامل معهم، وهكذا كل داعية ينبغي في سبيل دعوته أن يكون سائرًا على منهج قويمٍ، وصراطٍ مستقيم، لا عوج فيه ولا انحراف. * قوله: (فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ قَدْ تُوُفِّيَ ﷺ ). وفي مسند أحمد (٢) أنه أدركه وأخذ عنه، وهذا الذي ذكره المؤلف موجود في موطأ الإمام مالك، وعند البيهقي ﵏ وعند غيرهم. * قوله: (فَلَمَّا لَمْ يَرِدْ فِي ذَلِكَ نَصٌّ طَلَبَ حُكْمَهُ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ). نحن نقول جاء في الحديث التنصيص على ما تجب فيه زكاة الإبل، وسُكِت عن الباقي، ورسول اللَّه ﷺ بيّن أنَّ اللَّه سكت عن أشياء رحمة بعباده (٣) فلا يسأل عنها، فإذا ما دامت الفرائض قد بُينت وسُكِت عنها،

стр. 3345

ونُصَّ على أنها غير واجبة في زكاة الإبل، وفي زكاة الغنم فلا نفرد البقر. وهؤلاء عكسوا، فقالوا: لما جاء التنصيص عليها في زكاتي الإبل والغنم، وأنها لا يجب فيها شيء اقتضى ذلك المفهوم أنَّ السكوت عن الأوقاص في زكاة البقر دليل على أنها تنفرد بحكم مستقل، وهذا غير صحيح؛ لأنَّ هذه الأوقاص لو كانت تجب لاشتهر ذلك بين الصحابة ﵃ وأيضًا لفعل ذلك معاذ، ﵁ لكنه توقف في ذلك، والرسول أرشده إلى ما يجب أن يأخذه من الناس مما يجب عليه. * قوله: (فَمَنْ قَاسَهَا عَلَى الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ لَمْ يَرَ فِي الْأَوْقَاصِ شَيْئًا). لأن تلك لا يجب في أوقاصها شيء، وهذا هو الصحيح. * قوله: (وَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَوْقَاصِ الزَّكَاةُ إِلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الدَّلِيلُ مِنْ ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَهُ فِي الْبَقْرِ وَقْصٌ إِذْ لَا دَلِيلَ هُنَالِكَ مِنْ إِجْمَاعٍ وَلَا غَيْرِهِ). نفس الفوائد الموجودة فيها موجودة في الأُخرى وإن اختلفت، فالإبل كما هو معلوم سخرها اللَّه ليركبها الإنسان، وليحمل عليها، ولينتقل فيها من بلد إلى بلد، وليستفيد بلحمها وبجلدها وبغير ذلك من الفوائد الكثيرة، كذلك البقر لها فوائد كثيرة، فنحن نجد أننا نستفيد من درها أي: لبنها، واللبن يستفاد منه فيخرج منه الزبدة والقشدة والجبن وغير ذلك، وكذلك نستفيد من نسلها فهي تتوالد، وهذا التوالد يستفاد منه، كذلك يستفاد منها في تسخيرها في حرث الأرض وفي استخراج الماء، فلها فوائد عظيمة. ودعوى أنها اختصت عن غيرها بأنها لم تجب، فبعض العلماء يقول: لم يُنص، أو لم يرد تفصيل في زكاتها؛ لأنها لا تختلف عن الإبل، فلما كانت أوقاص الإبل لا تجب فيها زكاة، فكذلك البقر أيضًا.

стр. 3346

[الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي نِصَابِ الْغَنَمِ وقَدْرِ الْوَاجِبِ مِنْ ذَلِكَ] قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: (وَأَجْمَعُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ عَلَى أَنَّ فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ إِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةً إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ) (١). الذي تجب فيه الزكاة هي السائمة، سواء كانت إبلًا أو بقرًا أو غنمًا. أما المعلوفة أو العاملة التي تعمل في حقل أو غيره، فهذه لا زكاة فيها، عند الجمهور، وخالف في ذلك مالك، ولا شكَّ أنَّ الأدلة على خلاف مذهب مالك (٢). ولو أن صاحبها علفها قليلًا لا تسقط فيها الزكاة. بعض العلماء قال: المقصود أنْ تسوم في غالب العام. بقيت جزئيات نريد أن ننبه عليها؛ لأن المؤلف لا يأتي إلا بأمهات المسائل. هنا مسألة مهمة في نظري، ولا أراها من جزئيات المسائل، لكن ربما المؤلف رأى أن الاسم يشملها، وهي الجواميس (٣)، وهي تأخذ حكم

стр. 3347

البقر في الزكاة، وهذا محل اتفاق بين العلماء، وابن المنذر قد حكى الاتفاق على ذلك (١). كذلك أيضًا بالنسبة للمعز والضأن حكمهما واحد أيضًا بالنسبة لوجوب الزكاة، وإن اختلفتا في القدر. كذلك أيضًا البخاتي في الإبل تأخذ حكم الزكاة. يبقى هناك مسائل يثيرها بعض العلماء: منها: لو تولدت بقرة أهلي، من بقرة وحشي وبقرة أهلي. فمن العلماء من أوجب الزكاة فيها مطلقًا، ومنهم من منعها مطلقًا، ومنهم من فصل فقال: إن كانت الأم أهلية وجبت الزكاة، وإلا فلا (٢). والذي يظهر لنا: أنَّ الزكاة لا تظهر في مثل هذه الحالة. وهذا الكلام يقال أيضًا في الإبل وفي الغنم، حتى إنَّ بعض الذين

стр. 3348

يقولون بأنه إذا وجد أهلي وغيره تجب الزكاة، يقولون: إن غنم مكة في أصلها كانت متولدة بين الغنم والظباء، وهذا يحتاج إلى دليل قوي، لكننا نقول: الأمر غير واضح. دليل وجوب زكاة سائمة الغنم: السنة والإجماع. وأما السنة: فقد ورد في الكتاب الذي كتبه رسول اللَّه ﷺ ونفذه أبو بكر بعد وفاة رسول اللَّه عندما بعثه إلى أنس في البحرين في: "وفي سائمة الغنم في أربعين شاة شاة"، إلى أن بين بعد ذلك: (إلى أن تصل مائة وعشرين، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة ففي كل مائة شاة للَّه" (١)، هذا سيأتي تفصيله. إذًا هذا حديث صحيح وتلقته الأمة بالقبول، وعمل به أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، ونفذه أبو بكر ﵁ وقضى به، وكذلك فعل عمر ﵁ أيضًا قضى به وعمل به، وعمل بذلك الصحابة ﵃. كذلك أيضًا الإجماع: أجمع العلماء على أنَّ الزكاة تجب في سائمة الغنم وفق الأنصبة، والواجبات التي ورد تحديدها في كتاب رسول اللَّه ﷺ الذي نفذه أبو بكر وأرسله إلى أنس في البحرين. الخلاصة: إذًا الزكاة إنما تقوم على أمرين؛ الأمر الأول: وجود نص في ذلك، والأمر الآخر: هو التوقيف. فالعبادات توقيفية، لا يزاد فيها ولا ينقص. إذًا زكاة الغنم -كزكاة الإبل- ووجوب الزكاة في سائمتها، إذا بلغت أربعين تجب فيها شاة لوجود أدلة في ذلك، منها في سائمة الغنم: (في أربعين شاة شاة)، وكذلك إجماع العلماء على وجوب الزكاة فيها.

стр. 3349

* قوله: (فَإِذَا زَادَتْ عَلَى الْعِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا شَاتَانِ إِلَى مِائَتَيْن). هنا فارق كبير، كلما تجاوز الحد خفف، يجب في أربعين شاة، إلى مائة وعشرين. يعني: الذي عنده أربعون شاة يخرج شاة واحدة، والذي عنده مائة وعشرون يخرج شاة واحدة. فإذا ما انضم وزاد على العشرين بعد المائة شاة، حينئذ يخرج شاتين. ثم يستمر الأمر إلى المائتين، وفي مائتين وواحد ثلاث شياه، ثم في كل مائة شاة، فإذا وصلت أربعمائة حينئذ وجبت أربع شياه، وهناك من يخالف في ذلك كما سيأتي. * قوله: (فَإِذَا زَادَتْ عَلَى الْمِائَتَيْنِ فَثَلَاثُ شِيَاهٍ إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ). لا شكَّ أنَّ هذه عبادات توقيفية، ولا مجال للنظر أو الاجتهاد فيها، فينبغي للمسلم أن يقف عندها ولا يتجاوزها، فهذا هو حكم اللَّه وحكم رسوله ﷺ ينبغي أن يعمل به. * قوله: (فَإِذَا زَادَتْ عَلَى الثَّلاثِمِائَةِ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ). هذا هو مذهب جمهور العلماء (١)، هذا الذي يحكيه المؤلف.

стр. 3350

* قوله: (وَذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ إِلَّا الْحَسَنَ بْنَ صَالِحٍ) (١). الحسن بن صالح: هو إمام من أئمة الفقه معروف، له رأي في ذلك، يرى أنها إذا وصلت ثلاثمائة وزادت شاة ففيها شاة، فيكون في ثلاثمائة وشاة أربع شياه، وفي الأربعمائة خمس شياه، فهو يخالف الجمهور في هذه الزيادة. * قوله: (فَإِنَّهُ قَالَ: إِذَا كَانَتِ الْغَنَمُ ثَلَاثَمِائَةِ شَاةٍ وَشَاةً وَاحِدَةً أَنَّ فِيهَا أَرْبَعَ شِيَاهٍ، وَإِذَا كَانَتْ أَرْبَعَمِائَةِ شَاةٍ وَشَاةً فَفِيهَا خَمْسُ شِيَاهٍ، وَرُوِيَ قَوْلُهُ هَذَا عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ). المقصود بـ (منصور) هنا هو منصور بن المعتمر، بـ (إبراهيم) هو إبراهيم النخعي. وإبراهيم إذا أطلق في اصطلاح الفقهاء فإنه ينصرف إلى إبراهيم بن يزيد النخعي الإمام المعروف، شيخ حماد بن سليمان الذي هو شيخ أبي حنيفة. فإذا أردت أن تعرف من هو منصور، فاعرف من هم الرواة عن إبراهيم النخعي. منصور بن المعتمر أحد التلاميذ والرواة عن إبراهيم النخعي. وهذا القول يحكيه منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي من قوله (٢).

стр. 3351

* قوله: (وَالْآثَارُ الثَّابِتَةُ الْمَرْفُوعَةُ فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ عَلَى مَا قَالَ الْجُمْهُورُ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَعْزَ تُضَمُّ مَعَ الْغَنَمِ (١)، وَاخْتَلَفُوا مِنْ أَيِّ صِنْفٍ مِنْ يَأْخُذُ الْمُصَدِّقُ، فَقَالَ مَالِكٌ (٢): يَأْخُذُ مِنَ الْأَكْثَرِ عَدَدًا، فَإِنِ اسْتَوَتْ خَيَّرَ السَّاعِيَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: بَلِ السَّاعِي يُخَيَّرُ إِذَا اخْتَلَفَتِ الْأَصْنَاف (٣). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٤): يَأْخُذُ الْوَسَطَ مِنَ الْأَصْنَافِ الْمُخْتَلِفَةِ لِقَوْلِ عُمَرَ ﵁: تَعَدُّ عَلَيْهِمُ السَّخْلَةَ يَحْمِلُهَا الرَّاعِي وَلَا نَأْخُذُهَا، وَلَا نَأْخُذُ الْأَكُولَةَ وَلَا الرُّبَّى وَلَا الْمَاخِضَ وَلَا فَحْلَ الْغَنَمِ). وهذا الذي قاله المؤلف هو الصواب. الجمهور يقولون: في أربعين شاة إلى عشرين ومائة شاة، فإذا زادت واحدة -يعني: بلغت إحدى وعشرين ومائة- ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا بلغت مائتين وواحدة ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة، ثم في كل مائة شاة، يعني: إلى أربعمئة ففيها أربع شياه. خالفهم آخرون: فأوجبوا بعد الثلاثمائة شاة، فيكون التي بعد الثلاثمائة هي الرابعة، وعند الأربعمائة هي الخامسة، فيحصل فرق بينهم وبين الجمهور بأن يزيد هؤلاء شاة بعد الثلاثمائة.

стр. 3352

وقول جمهور العلماء هو الصواب؛ لأن هذا هو الموجود في الآثار التي وردت في كتاب الصدقة، الذي أرسله أبو بكر الصديق ﵁ إلى أنس بن مالك ﵁ عندما أرسله إلى البحرين، فإن فيه هذه التقديرات، وقد جاءت نصًّا في ذلك الكتاب الذي ذكرنا. والعلماء يستنبطون وما يستخرجون من أحكام من هذه الشريعة؛ لأنها شريعة اللَّه الخالدة التي اختارها اللَّه لعباده لتبقى إلى أن يرث اللَّه الأرض ومن عليها، حتى عيسى ابن مريم إذا نزل في آخر الزمان فإنه سيحكم في هذه الشريعة. وينبغي للمسلم دائمًا ألا يقرأ أحكام الشريعة مجردة، اللَّه في كتابه العزيز أمرنا أن نتدبره، وقال : ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]، ولا شكَّ أنَّ المؤمن عندما يتدبر كتاب اللَّه ويكرر قراءته فإنه يزداد حلاوةً، وفي كل وقت من الأوقات تظهر له من الحكم والأسرار ما لم يظهر له قبل ذلك. ولذلك نجد أنَّ الإمام العظيم الجهبذ شيخ الإسلام ابن تيمية، فإنه في أخريات حياته سجن، وفي آخرها منع من كل شيء، وذكر أنه فتح اللَّه عليه في أشياء، وأن مما فتح اللَّه عليه أنه وقت على أشياء في كتاب اللَّه لم يصل إليها قبل ذلك، فالعلوم في كل وقت من الأوقات تأتي لنا بجديد، ونجد أن كتاب اللَّه قد أشار إلى ذلك. كذلك هذه العلوم التي تدرس، نجد أن هذه الشريعة لها أصل وفروع، فأصلها كتاب اللَّه وسنة رسول اللَّه ﷺ ، هذا أصل الثابت. ثم تجد أن هذا الأصل له فروع: هذه الأغصان، وهذه الأغصان إنما تتغذى من هذا الأصل، فهذه العلوم التي تدرس من حديث وتفسير وفقه، أو من علوم الحديث ومن علوم التفسير، إنما هي في الأصل استمدت من كتاب اللَّه إما نصًّا منطوقًا وإما مفهومًا مخالفًا، وإما أخذت من مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية. ومن بين هذه العلوم: علم الفقه، هذا الكنز العظيم الذي خلفه لنا

стр. 3353

العلماء، وهذا الفقه إنما هو يتكلم عن بقية أركان الإسلام الخمسة، فترون أن أعظم وأهم هذه الأركان الخمسة التي وردت في حديث جبريل وفي غيره، كحديث ابن عمر: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأنَّ محمدًا رسول اللَّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت" (١). ومن هنا نجد أنَّ بعض الفقهاء يقدم كتابه بمقدمة عن العقيدة؛ لأنها هي الأصل، هذه العقيدة التي ظل رسول اللَّه ﷺ ينافح ويدعو إليها في مكة ثلاثة عشر عامًا، حارب الشرك والأنداد، ومسه من الأذى هو وأصحابه ما اللَّه به عليم، وأذن لهم بالهجرة إلى الحبشة، ثم بعد ذلك فتح اللَّه عليه فأتى إلى المدينة الطيبة. نعود مرة أُخرى ونقول: حبذا لو أنَّ المسلمين في كل مكان تعمقوا في دراسة فقه الزكاة، وأدركوا لبها وغاصوا في عمقها، لوجدوا أنَّ فيها الحل لكثير من مشكلات هذا العصر، ففيها الحل لمشكلة الفقر. هذه المشكلة التي تتكلم عنها كثير من المجتمعات، وعدد من المجتمعات استغل بعض أصحاب الفكر الهدام والمقاصد السيئة فرأوا عدم وجود عدل بين المجتمعات، فهناك طبقات عالية ودون ذلك، فهم يريدوا أن يكون الناس كلهم سويًّا، وهم بذلك يريدون أن يخالفوا حكم اللَّه، ونسوا أن اللَّه هو القائل: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢]، ومع ذلك نجد أن اللَّه أوجب الزكاة وحض على الصدقات، قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]، وقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]. هذه الزكاة التي انفردت بها هذه الشريعة الإسلامية الخالدة، عندما

стр. 3354

تطبق تجد أن الفقر يختفي من المجتمعات، وإن وجد فهو قليل، فلو أن الأغنياء جادت أنفسهم بأداء هذه الزكاة، لكان -واللَّه- ذلك كما أشار إلى ذلك رسول اللَّه ﷺ ؛ حفظًا لأموالهم وصيانة لها. فأداء الزكاة إلى جانب كونه فرضًا من فروض الإسلام، طاعة للَّه ، واللَّه -تعالى- يقول: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]. واللَّه -تعالى- هو الذي أوجب الزكاة، والذي حدد فرائضها وبينها رسول اللَّه ﷺ ، واللَّه -تعالى- يقول: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. واللَّه لا يأمر إلا بمعروف ولا ينهى إلا عن منكر، لا يأمر إلا بما فيه خير للناس، ولا ينهاهم إلا عما فيه فسادهم وانحراف أمورهم وعدم استقامتها. ليحذر الإخوة الذين وهبهم اللَّه مالًا، فيجب عليهم أن يشكروه ويتذكروا ما حصل لقارون، قال تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]، قال في النهاية: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]، فخسف اللَّه به وبداره الأرض: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (٨٢) تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ [القصص: ٨٢، ٨٣]. فالغني إذا أدى زكاته أطاع اللَّه ، وهو عندما ينزل عند حكم اللَّه لا يريد علوًّا في الأرض، وإنما هو استجاب لربه ولحكم رسوله ﷺ ، وسيجد العاقبة الطيبة في الآخرة.

стр. 3355

هذه الزكاة ستحفظ لك مالك؛ لأنك أديت حق اللَّه ، أطعت ربك، وما دمت قد أطعت ربك فاللَّه سيتولى حفظ مالك، سيصونه لك، سيجعل هذه الزكاة بمثابة سياج يطوقه ويحفظه من كل سوء. كذلك هذا المال الذي تزكيه يحفظه اللَّه لك، نفسك تعودها على البذل؛ لأنك إذا أديت هذه الزكاة وإن كانت واجبة تعودت على البذل والسخاء، والجود، وزالت عنك صفة الشح والبخل، وصفة الشح والبخل إنما هما ذميمتان، والكرم والجود إنما هي من الصفات الحميدة التي أثنت الشريعة الإسلامية على أصحابها، والرسول اللَّه ﷺ كان أجود من الريح. كذلك فيها حفظ لنفسك أيها المؤمن، تبقى نفسك إلى جانب ذلك مطمئنة؛ لأنك إذا أديت ما وجب عليك تجد أن نفسك مرتاحة، وإذا أردت أن تعرف حقيقة الأمر فانظر إلى نفسك: متى ما أتيت إلى صلاة الفجر بخشوع وبذل وانقياد وأدركت الفريضة مع الجماعة، وبين وقت تتخلف فيها عن الجماعة، انظر إلى حالك في ذلك اليوم، ستجد أنك في ذلك اليوم الذي حافظت على الصلاة فيه وأديتها في وقتها ومع جماعة مطمئن النفس مرتاح الفؤاد منشرح الصدر، وتجد أن ذلك بالعكس عندما لو حصل تقصير، ولقد أدرك الصحابة والسلف الصالح ﵃ جميعًا ذلك. كذلك أيها المسلم، ألست تريد أن تعيش في مجتمع متآلف متحاب تسوده الأخوة، واللَّه يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، ورسول اللَّه ﷺ يقول: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" (١). وبيَّن الرسول ﷺ أن "المومن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" (٢).

стр. 3356

فإذا أحسست بحال أخيك الفقير، فقدمت له أمرًا واجبًا عليك بنفسٍ راضية وبنفس مرتاحة، فهذا سيبث في نفسه أيضًا الود والمحبة لك، وسيجعله يحس بأنه يعيش في مجتمع تنتشر فيه الرحمة ويخيم عليه الود وتطوقه السعادة، مجتمع هذا حاله يحصل فيه تعاون بين الغني والفقير، بين القوي والضعيف، بين الكبير والصغير، هذا هو المجتمع الذي نشره الإسلام. واللَّه هو الذي قسم الناس إلى أصناف: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣)﴾ [الزخرف: ٣٣]. وله في ذلك حكمة، فربما لو أغنى هذا الفقير لكان الغنى ضررًا له، وربما لو أفقر هذا الغني لكان هذا الفقر سببًا في ضجره وجزعه وعدم صبره، وربما لو أغني هذا الفقير لتمادى وتجاوز وطغى كما كان من حال قارون. فاللَّه -تعالى- هو الذي يعطي المال، ولا يدري الإنسان، قد يكون هذا المال سببًا في ضرر المرء، فإن أعطيت المال فأديت حق اللَّه فيه وتصدقت، وهذا المال عارية مستردة، فإنك ستجد ذلك محفوظًا ومدونًا لك في صحائفك يوم القيامة، وأنت من أشد الناس إليها، وأنت في وقت أشد ما تكون للحسنة الواحدة. وإن استخدم الإنسان ماله في معاصي اللَّه فإنه أيضًا سيجد ذلك في كتاب: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩]، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]. * قوله: (وَنَأْخُذُ الْجَذَعَةَ وَالثَّنِيَّةَ). الجذعة: هي التي لها سنة، والثنية: هي التي لها سنتان. والجذعة التي تؤخذ من الضأن وهو: ما له ستة أشهر، والثنية من المعز: هو ما له سنة.

стр. 3357

* قوله: (وَذَلِكَ عَدْلٌ بَيْنَ خِيَارِ الْمَالِ وَوَسَطِهِ) لأن هذه الجذعة تساوي الثنية، وبالنسبة للضأن جودته أكثر من جودة المعز. * قوله: (وَكَذَلِكَ اتَّفَقَ جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ تَيْسٌ وَلَا هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَوارٍ) (١). التيس أجاب العلماء عنه بجوابين: إما أن يكون هذا الفحل خصص على الغنم، فلا ينبغي أن يؤخذ فيكون في ذلك ضرر على صاحبه، أو لأنَّ لحمه أقل من لحم غيره من الضأن، ففيه ضعف ودناءة. فلا يؤخذ التيس لدناءة لحمه، فمن هنا مراعاة حال صاحب المال، الشريعة الإسلامية كفتان متوازيتان فلم تغفل جانب الفقير، فلا يعطى تيسًا؛ لأن التيس لحمه ليس كلحم الضأن فيه دناءة، إنما يؤخذ غير التيس. كذلك (ولا هرمة)، لا يأتي صاحب المال إلى شاة هرمة كبيرة تساقطت أسنانها ثم تؤخذ فتعطى للفقراء؛ لأن هذا فيه ضرر على الفقراء، وفي الحديث "لا ضرر ولا ضرار" (٢)، فكما أنَّ الشريعة أيها الغني لم تظلمك حقك ولم تغمطك (٣) إياه ولم تتجاوز ما وجب عليك، عليك كذلك أيضًا أن تؤدي للفقير حقه مستوفى، فلا تقدم له تيسًا، ولا شاة هرمة تجاوز بها السن فتساقطت أسنانها فساء لحمها. (ولا ذات عوار)؛ أي: التي فيها عيب؛ لأن ذات العيب فيها نقص، والنقص غير مطلوب في هذا.

стр. 3358

الخلاصة: فينبغي أن المصدِّق أي: الذي يختاره الإمام أو الوالي ليأخذ زكاة الماشية إبلًا كانت أو بقرًا أو غنمًا، عليه أن يكون عادلًا في ذلك؛ لأن المقسطين على منابر من نور يوم القيامة (١)، ولذلك تجدون أنَّ في السبعة الذين يظلهم اللَّه ظله يوم لا ظل إلا ظله، بدأهم بإمام عادل (٢). وهذه الأصناف لا تؤخذ؛ لأنها غير مناسبة في أن تؤدى في هذه العبادة. * قوله: (لِثُبُوتِ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ). كتاب الصدقة هو الذي كتبه رسول اللَّه ﷺ ونفذه أبو بكر بعد مماته ﵊، فعمل به حينما أرسله إلى البحرين، وكذلك عمل به عمر ﵁، وبقية الصحابة ﵃ أجمعين، وهو كتاب صحيح معروف ومشهور، واشتمل على جملة كبيرة من أحكام الزكاة تتعلق بزكاة الإبل والبقر والغنم والنقدين. * قوله: (إِلَّا أَنْ يَرَى الْمُصَدِّقُ أَنَّ ذَلِكَ خَيْر لِلْمَسَاكِينِ) قد يرى المصدق أن في التيس مصلحة للمساكين، فربما يأخذه.

стр. 3359

* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَمْيَاءِ وَذَاتِ الْعِلَّةِ هَلْ تُعَدُّ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ أَمْ لَا؟ فَرَأَى مَالِكٌ (١) وَالشَّافِعِيُّ (٢) أَنْ تُعَدَّ). وهذا هو مذهب جماهير العلماء، والمصلحة في ذلك تعود إلى الفقراء. قد يكون الموجود لا يصل إلي النصاب فإذا عدت بلغ النصاب، لكن لا ينبغي للمسلم أن يخرج ما فيه عيب وإنما يختار الطيب، فكما أنه لا يؤخذ من المزكي الربى ولا الآكلة؛ أي: الشاة التي تركها الإنسان فيبيته فيشرب هو وأولاده من لبنها، أوالتي تربي ولدها؛ لانَّ في هذا حيفًا على دافع الصدقة، كذلك هو لا ينبغي أيضًا أن يقصر فيقدم ما فيه عيب. * قوله: (وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا لا تُعَدُّ) (٣). ووجهته: أن هذه فيها عيب، فلا تدخل في الطيب، فينبغي ألا يعتد بها (٤).

стр. 3360

* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ مُطْلَقُ الِاسْمِ يَتَنَاوَلُ الْأَصِحَّاءَ وَالْمَرْضَى أَمْ لَا يَتَنَاوَلُهُمَا؟). لا شكَّ أنَّ الاسم عند الإطلاق يشمل الكل، وهذا ما يتفق مع مذهب الجمهور. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي نَسْلِ الأُمَّهَاتِ هَلْ تُعَدُّ مَعَ الْأُمَّهَاتِ فيَكْمُلُ النِّصَابُ بِهَا إِذَا لَمْ تَبْلُغُ نِصَابًا؟). يعني: السخال التي تكون مع الغنم الكبيرة التي حال عليها الحول ووصلت القدر الذي تجب فيه الزكاة، بأن كانت مثلًا من المعز مضى لها سنة، ومن الضأن ستة أشهر، من الضأن جذعة، ومن المعز ثنية، فإذا بلغ ذلك فتسمى كبيرة، لكنَّ السخال الصغار، نقل عن عمر ﵁ أنه قال: "نعدها عليهم ولا نأخذها منهم"، ومن هنا وقع الخلاف في هذه المسألة: فبعض العلماء: يرى أنها تعد وتعتبر في النصاب، وتخرج أيضًا فيها الزكاة. وبعضهم قال: يكمل بها النصاب لكنها لا تخرج. وبعضهم قال: إن كانت الأمهات قد بلغت نصابًا اعتد بها وإلا لا. وهذا هو أرجحها في النظر، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، وهذا هو القريب من قول عمر ﵁: "نعدها عليهم ولا نأخذها". * قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (١): يُعْتَدُّ بِهَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢)

стр. 3361

وَأَبُو حَنِيفَةَ (١) وَأَبُو ثَوْرٍ (٢): لَا يُعْتَدُّ بِالسِّخَالِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْأُمَّهَاتُ نِصَابًا، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمُ: احْتِمَالُ قَوْلِ عُمَرَ ﵁ إِذْ أَمَرَ أَنْ تُعْتَدَّ عَلَيْهِمْ بِالسِّخَالِ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا شَيْءٌ (٣)، فَإِنَّ قَوْمًا فَهِمُوا مِنْ هَذَا إِذَا كَانَتْ نِصابًا، وَقَوْمٌ فَهِمُوا هَذَا مُطْلَقًا، وَأَحْسَبُ أَنَّ أَهْلَ الظَّاهِرِ (٤) لَا يُوجِبُونَ فِي السِّخَالِ شَيْئًا، وَلَا يَعُدُّونَ بِهِ لَوْ كَانَتِ الْأُمَّهَاتُ نِصَابًا وَلَوْ لَمْ تَكُنْ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا عِنْدَهُمْ).

стр. 3362

مالك أوسع المذاهب في هذه المسألة، يرى أنه يعتد بها وتخرج، أما الشافعية والحنابلة (١) فيقولون: يعتد بها إذا أكملت الأمهات التي حال عليها الحول نصابًا، فإن لم تكن فلا يعتد بها، وإنما يكمل بها النصاب عند الحنابلة، لكنها لا تخرج أيضًا عندهم. * قوله: (وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ لِلْخُلْطَةِ (٢) تَأْثِيرًا فِي قَدْرِ الْوَاجِبِ مِنَ الزَّكَاةِ). الخلطة: هي أن يجعل مال الرجلين كمال رجل واحد. وعمدة ذلك هو حديث: "لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية". يعني: لو قدر أنَّ المصدق الذي يأخذ الزكاة الذي أرسله الوالي أو الإمام، لو أخذ من حق هذا يرجع على صاحبه بالسوية، ليس هناك شطط ولا ظلم ولا تعدي. وسيأتي اختلاف العلماء في تفسير: (لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع). والخلطة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: خلطة أعيان، وتعرف بخلطة الاشتراك أو خلطة الشيوع. القسم الثاني: خلطة أوصاف، وتعرف أيضًا بخلطة الجوار. القسم الأول: خلطة الأعيان: هي خلطة مال مشترك بين اثنين، كمال ورثاه، أو عن طريق البيع، أو عن طريق الهبة، أو الوصية، أو غير

стр. 3363

ذلك، المهم أن هذا المال انتقل إلى هؤلاء عن طريق مباح، فأصبح ملكًا لهما، هذه تعرف بخلطة الأعيان؛ لأنَّ كل واحد منهم يملك جزءًا أو أجزاء من هذه العين، لكن هذا الذي يملكه مشاع، ليس متميزًا، ولا محددًا، فسميت خلطة شيوع أو مشاعة؛ لأنَّ ما يملكه كل واحد من هؤلاء لا يعرفه بعينه، فليس متميزًا، فحقه مشترك مع غيره، وشيوع لأن حق كل واحد منهم أو منهما مشاع في هذا القدر من المال. وتسمى بالأموال المشتركة؛ لأنهم يشتركون في المال سواء، وهذه ليس فيها خلاف؛ لأن المال يزكى زكاة المال الواحد. القسم الثاني: خلطة الأوصاف، يعني: يكون لكل واحد من الخليطين أو الخلطاء نصيب مقدر معروف متميز عن غيره، كأنْ توجد أربعون شاة يملك زيد منها عشرين ويملك عمر منها عشرين، فهذا له عشرون وهذا له عشرون. ومال هذا متميز ومال هذا متميز. وسميت خلطة جوار؛ لأن مال كل واحد منهما جاور الآخر في مراحه: أي في المكان الذي تبيت فيه، وفي المرعى: المكان الذي ترعى فيه وهو المسرح، وفي المحلب: المكان الذي تحلب فيه، وكذلك في المشرب: المكان الذي تشرب فيه، وكذلك أيضًا في الفحل فهو واحد. فمتى ما توفرت هذه الشروط، حينئذ تصبح هذه الخلطة خلطة صحيحة، لكن فيها تفصيلٌ. وقد اختلف فيها العلماء: ١ - فالحنفية (١): لا يرون هذه الخلطة مطلقًا، فيقولون: إن كان نصيب كل واحد منهما دون نصاب فلا يجب عليه زكاة؛ لأنَّ الزكاة تجب إذا ملك الإنسان نصابًا، وكذلك إن كان كل واحد منهما ملك نصابًا، فمثلًا: لو أنَّ اثنين ملكا أربعين شاة، فهذه الأربعون فيها زكاة، لكن عند

стр. 3364

أبي حنيفة لا زكاة فيها؛ لأنَّ كل واحد منهما يملك عشرين وهي لا تبلغ نصابًا، فلا تجب الزكاة؛ لأن الزكاة تجب فيما بلغ النصاب، يقول الرسول ﷺ : (في أربعين شاة شاة) (١). ولو كان كل واحد منهما يبلغ ثمانين فعلى القول بالخلطة تخرج فيها زكاة واحدة، أبو حنيفة يقول: لا، تفصل ويخرج فيها شاتان كل واحد منهما تلزمه شاة. ٢ - الشافعية (٢) والحنابلة (٣) يقولون بالخلطة، بالشروط التي ذكرناها. ٣ - ومالك (٤) يرى جواز الخلطة، لكنْ بشرط أن يكون ما يملكه كل واحد من الخليطين قد بلغ نصابًا، أما إذا كان دون نصاب فليست بخلطة. * قوله: (وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِذَلِكَ، هَلْ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي قَدْرِ النِّصَابِ أَمْ لَا؟). مالك (٥) يرى لها تأثيرًا، والشافعي (٦) وأحمد (٧) يريان أنَّ المال لو

стр. 3365

اجتمع فصار نصابًا -وإن كان عند الانفراد لا يبلغ نصابًا- فإنَّ الزكاة في هذه الحال تجب. * قوله: (وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فَلَمْ يَرَوْا لِلْخُلْطَةِ تَأْثِيرًا، لَا فِي قَدْرِ الْوَاجِبِ وَلَا فِي قَدْرِ النِّصَابِ، وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ: أَنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ وَأَكْثَرَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْخُلَطَاءَ يُزَكُّونَ زَكَاةَ الْمَالِكِ الْوَاحِدِ). وأحمد أيضًا معهم. مثال ذلك: لو قدر أنَّ اثنين عند أحدهما عشرون شاة والآخر مثلها، يخرجان معًا شاة واحدة، ولو قدر أنَّ ثلاثة أشخاص عند كل واحد منهم أربعون شاة، وتوفرت فيهم شروط الخلطة، فإنهم يخرجون شاةً واحدة في الزكاة، لكن لو فرق مالهم، فيخرج كل واحد منهم شاة، فتكون ثلاث شياة. إذًا هنا كانت المصلحة للخلطاء، ولو فرق الأربعون لكانت للخلطاء. وأحيانًا يكون جمع المال في مصلحة الفقير، والفائدة تعود بالخليطين بالنفع؛ لأنهما إن كانا اثنين سيوفران أشياء كثيرة: ١ - سيكون الراعي واحدًا بدل أن يكون لكل واحد منهم راع. ٢ - والمسرح الذي ترعى فيه هذه الماشية واحد. ٣ - والمحلب الذي تحلب فيه واحد. ٤ - والمكان الذي يخصص للمبيت واحد. ٥ - والمشرب واحد. فكأن في ذلك نوعًا من التعاون، وفيه مصلحة، ولا يتعارض مع هذه الشريعة، والشريعة أجازت ذلك وأباحته.
следующие страницы →