← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

وَأَبُو حَنِيفَةَ (١) وَأَبُو ثَوْرٍ (٢): لَا يُعْتَدُّ بِالسِّخَالِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْأُمَّهَاتُ نِصَابًا، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمُ: احْتِمَالُ قَوْلِ عُمَرَ ﵁ إِذْ أَمَرَ أَنْ تُعْتَدَّ عَلَيْهِمْ بِالسِّخَالِ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا شَيْءٌ (٣)، فَإِنَّ قَوْمًا فَهِمُوا مِنْ هَذَا إِذَا كَانَتْ نِصابًا، وَقَوْمٌ فَهِمُوا هَذَا مُطْلَقًا، وَأَحْسَبُ أَنَّ أَهْلَ الظَّاهِرِ (٤) لَا يُوجِبُونَ فِي السِّخَالِ شَيْئًا، وَلَا يَعُدُّونَ بِهِ لَوْ كَانَتِ الْأُمَّهَاتُ نِصَابًا وَلَوْ لَمْ تَكُنْ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا عِنْدَهُمْ).

стр. 3362

مالك أوسع المذاهب في هذه المسألة، يرى أنه يعتد بها وتخرج، أما الشافعية والحنابلة (١) فيقولون: يعتد بها إذا أكملت الأمهات التي حال عليها الحول نصابًا، فإن لم تكن فلا يعتد بها، وإنما يكمل بها النصاب عند الحنابلة، لكنها لا تخرج أيضًا عندهم. * قوله: (وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ لِلْخُلْطَةِ (٢) تَأْثِيرًا فِي قَدْرِ الْوَاجِبِ مِنَ الزَّكَاةِ). الخلطة: هي أن يجعل مال الرجلين كمال رجل واحد. وعمدة ذلك هو حديث: "لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية". يعني: لو قدر أنَّ المصدق الذي يأخذ الزكاة الذي أرسله الوالي أو الإمام، لو أخذ من حق هذا يرجع على صاحبه بالسوية، ليس هناك شطط ولا ظلم ولا تعدي. وسيأتي اختلاف العلماء في تفسير: (لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع). والخلطة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: خلطة أعيان، وتعرف بخلطة الاشتراك أو خلطة الشيوع. القسم الثاني: خلطة أوصاف، وتعرف أيضًا بخلطة الجوار. القسم الأول: خلطة الأعيان: هي خلطة مال مشترك بين اثنين، كمال ورثاه، أو عن طريق البيع، أو عن طريق الهبة، أو الوصية، أو غير

стр. 3363

ذلك، المهم أن هذا المال انتقل إلى هؤلاء عن طريق مباح، فأصبح ملكًا لهما، هذه تعرف بخلطة الأعيان؛ لأنَّ كل واحد منهم يملك جزءًا أو أجزاء من هذه العين، لكن هذا الذي يملكه مشاع، ليس متميزًا، ولا محددًا، فسميت خلطة شيوع أو مشاعة؛ لأنَّ ما يملكه كل واحد من هؤلاء لا يعرفه بعينه، فليس متميزًا، فحقه مشترك مع غيره، وشيوع لأن حق كل واحد منهم أو منهما مشاع في هذا القدر من المال. وتسمى بالأموال المشتركة؛ لأنهم يشتركون في المال سواء، وهذه ليس فيها خلاف؛ لأن المال يزكى زكاة المال الواحد. القسم الثاني: خلطة الأوصاف، يعني: يكون لكل واحد من الخليطين أو الخلطاء نصيب مقدر معروف متميز عن غيره، كأنْ توجد أربعون شاة يملك زيد منها عشرين ويملك عمر منها عشرين، فهذا له عشرون وهذا له عشرون. ومال هذا متميز ومال هذا متميز. وسميت خلطة جوار؛ لأن مال كل واحد منهما جاور الآخر في مراحه: أي في المكان الذي تبيت فيه، وفي المرعى: المكان الذي ترعى فيه وهو المسرح، وفي المحلب: المكان الذي تحلب فيه، وكذلك في المشرب: المكان الذي تشرب فيه، وكذلك أيضًا في الفحل فهو واحد. فمتى ما توفرت هذه الشروط، حينئذ تصبح هذه الخلطة خلطة صحيحة، لكن فيها تفصيلٌ. وقد اختلف فيها العلماء: ١ - فالحنفية (١): لا يرون هذه الخلطة مطلقًا، فيقولون: إن كان نصيب كل واحد منهما دون نصاب فلا يجب عليه زكاة؛ لأنَّ الزكاة تجب إذا ملك الإنسان نصابًا، وكذلك إن كان كل واحد منهما ملك نصابًا، فمثلًا: لو أنَّ اثنين ملكا أربعين شاة، فهذه الأربعون فيها زكاة، لكن عند

стр. 3364

أبي حنيفة لا زكاة فيها؛ لأنَّ كل واحد منهما يملك عشرين وهي لا تبلغ نصابًا، فلا تجب الزكاة؛ لأن الزكاة تجب فيما بلغ النصاب، يقول الرسول ﷺ : (في أربعين شاة شاة) (١). ولو كان كل واحد منهما يبلغ ثمانين فعلى القول بالخلطة تخرج فيها زكاة واحدة، أبو حنيفة يقول: لا، تفصل ويخرج فيها شاتان كل واحد منهما تلزمه شاة. ٢ - الشافعية (٢) والحنابلة (٣) يقولون بالخلطة، بالشروط التي ذكرناها. ٣ - ومالك (٤) يرى جواز الخلطة، لكنْ بشرط أن يكون ما يملكه كل واحد من الخليطين قد بلغ نصابًا، أما إذا كان دون نصاب فليست بخلطة. * قوله: (وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِذَلِكَ، هَلْ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي قَدْرِ النِّصَابِ أَمْ لَا؟). مالك (٥) يرى لها تأثيرًا، والشافعي (٦) وأحمد (٧) يريان أنَّ المال لو

стр. 3365

اجتمع فصار نصابًا -وإن كان عند الانفراد لا يبلغ نصابًا- فإنَّ الزكاة في هذه الحال تجب. * قوله: (وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فَلَمْ يَرَوْا لِلْخُلْطَةِ تَأْثِيرًا، لَا فِي قَدْرِ الْوَاجِبِ وَلَا فِي قَدْرِ النِّصَابِ، وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ: أَنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ وَأَكْثَرَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْخُلَطَاءَ يُزَكُّونَ زَكَاةَ الْمَالِكِ الْوَاحِدِ). وأحمد أيضًا معهم. مثال ذلك: لو قدر أنَّ اثنين عند أحدهما عشرون شاة والآخر مثلها، يخرجان معًا شاة واحدة، ولو قدر أنَّ ثلاثة أشخاص عند كل واحد منهم أربعون شاة، وتوفرت فيهم شروط الخلطة، فإنهم يخرجون شاةً واحدة في الزكاة، لكن لو فرق مالهم، فيخرج كل واحد منهم شاة، فتكون ثلاث شياة. إذًا هنا كانت المصلحة للخلطاء، ولو فرق الأربعون لكانت للخلطاء. وأحيانًا يكون جمع المال في مصلحة الفقير، والفائدة تعود بالخليطين بالنفع؛ لأنهما إن كانا اثنين سيوفران أشياء كثيرة: ١ - سيكون الراعي واحدًا بدل أن يكون لكل واحد منهم راع. ٢ - والمسرح الذي ترعى فيه هذه الماشية واحد. ٣ - والمحلب الذي تحلب فيه واحد. ٤ - والمكان الذي يخصص للمبيت واحد. ٥ - والمشرب واحد. فكأن في ذلك نوعًا من التعاون، وفيه مصلحة، ولا يتعارض مع هذه الشريعة، والشريعة أجازت ذلك وأباحته.

стр. 3366

* قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَوْضِعَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا؛ فِي نِصَابِ الْخُلَطَاءِ هَلْ يُعَدُّ نِصَابَ مَالِكٍ وَاحِدٍ، سَوَاءً كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصَابٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ؟ أَمْ إِنَّمَا يُزَكُّونَ زَكَاةَ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ إِذَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصَابٌ؟ وَالثَّانِي: فِي صِفَةِ الْخُلْطَةِ الَّتِي لَهَا تَأْثِيرٌ فِي ذَلِكَ). الآن دخل المؤلف في الخلاف بين مالك وبين الشافعية والحنابلة. لكن ينبغي ألا تتخذ الخلطة حيلة في الجمع ولا في التفريق. قد يكون مثلًا شخصان اجتمعا في ماشية بلغت أربعين، فإذا حال الحول عليهما وجاء الساعي، فرقا ذلك، وأخذ كل منهما نصيبًا، وقالا: الزكاة لا تجب، فهذا كان فرارًا من الزكاة الواجبة واحتيالًا، فهذا محرم لا يجوز، وإنما يجبا عليهما أن يتقيا اللَّه، وأن يخرجا شاة واحدة، ثم بعد ذلك يتراجعان فيما بينهما. العكس كذلك: لا يجوز للساعي الذي يسعى في جمع الصدقة أن يأتي إلى اثنين كل واحد منهما ماله عشرون، فيقول: ضما المال مع بعض، ويأخذ منهما الزكاة. كما أنه لا يجوز التفريق، كذلك لا يجوز الجمع، فالخلطة ينبغي أن تكون عن تراض، وأن تتوفر فيها الشروط التي أشرنا إليها. * قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ أَوَّلًا فِي هَلْ لِلْخُلْطَةِ تَأْثِيرٌ فِي النِّصَابِ وَفِي الْوَاجِبِ أَوْ لَيْسَ لَهَا تَأْثِير). قصد المؤلف بـ (النصاب) يعني الحد الذي تجب فيه الزكاة وهو أربعون شاة، وفي الواجب القدر المخرج في أربعين شاة شاة وهذا يكرره كثيرًا. * قوله: (فَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ مَا ثَبَتَ فِي كِتَابِ

стр. 3367

الصَّدَقَةِ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: "لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ") (١). الفقهاء يقولون: التفريق قد يكون من صاحبي الملك، وقد يكون من الساعي على الصدقة. مثال ذلك: لو كان اثنان اختلطا في ماشية فبلغا أربعين شاة، فلما حال عليها الحول، وأدركا أنَّ الساعي قد وصل ليأخذ، ففصل كل واحد منهما نصيبه وقال: لا تجب علينا الزكاة. هذا تفريق من المالكين. قد يكون التفريق من الساعي، مثلًا: لو كانوا ثلاثة، يملك كل واحد منهم أربعين شاة، فإنها تبلغ مائة وعشرين، فليس للساعي أن يأتي فيفرق هذا المال، فيقول: مال كل منكم أربعون فينبغي أن تفصل وتأخذ ثلاث شياه، فما دامت شروط الخلطة متوفرة فلا يأخذ شاة واحدة، نصيب كل واحد منهم ثلث شاة. فالشريعة راعت جانبي الفقير والمزكي، وهذا هو منهج الشريعة، هي شريعة قامت على العدل، وقد تكلمنا عن ذلك كثيرًا. * قوله: (وَمَا كانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَان بِالسَّوِيَّةِ). يعني: لو أخذ من غنم هذا يرجع الآخر إليه بحقه. * قوله: (فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ أَنْزَلَ مَفْهُومَ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى اعْتِقَادِهِ). أعتقد أنني وضحت المسألة قبل أن نستوفي كلام المؤلف، فهي أصبحت واضحة؛ لأن المؤلف جاء بها إجمالًا.

стр. 3368

* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ رَأَوْا لِلْخُلْطَةِ تَأْثِيرًا مَا فِي النِّصَابِ وَالْقَدْرِ الْوَاجِبِ أَوْ فِي الْقَدْرِ الْوَاجِبِ فَقَطْ قَالُوا: إِنَّ قَوْلَهُ ﵊: "وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَان بِالسَّوِيَّةِ" (١) وَقَوْلَهُ: "لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ"، يَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّ مِلْكَ الْخَلِيطَيْنِ كَمِلْكِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ هَذَا الْأَثَرَ مُخَصِّصٌ لِقَوْلِهِ ﵊: "لَيْس فِيمَا دُونَ خمسِ ذَوْدٍ مِنَ الْإِبِلِ صَدَقَةٌ") (٢). الـ (ذود) هو: من الثلاث إلى العشر، والمقصود هنا الخمس؛ لأنَّ الزكاة تجب في خمس من الإبل. * قوله: (إِمَّا فِي الزَّكاةِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ -أَعْنِي: فِي قَدْرِ الْوَاجِبِ- وَإِمَّا فِي الزَّكَاةِ وَالنِّصَابِ مَعًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ). لأن مالكًا -كما مر بنا سابقًا- يشترط أن يكون لكل واحد من الخليطين نصاب. أما الشافعي وأحمد فلا يشترطان ذلك، فإذا خلط المال فبلغ نصابًا وجبت فيه الزكاة. ولا يشترط أيضًا أن يتساويا، قد يكون واحد منهما نصيبه تسع وثلاثون شاة، والآخر نصيبه شاة واحدة، تسمى خلطة أيضًا. لا يشترط التساوي ولا التقارب في ذلك. لكن الذي يشترط هو ألا يظلم أحدهما، فإذا أخذ من هذا رجع إلى صاحبه، فيكون النصاب واحد الأربعين، هذا عليه تسعة وثلاثون جزءًا وهذا عليه جزء واحد.

стр. 3369

* قوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ لَمْ يَقُولُوا بِالْخُلْطَةِ فَقَالُوا: إِنَّ الشَّرِيكَيْنِ قَدْ يُقَالُ لَهُمَا خَلِيطَانِ). الحنفية الذين لا يرون الخلطة يفسرون معنى الخلطة بالاشتراك؛ أي: أنَّ الخليط هنا إنما هو الشريك. فخرجوا عن موضوع الخلطة، وهذا يختلف عما دل عليه الحديث، فظاهر الحديث الدلالة على أن الخلطة مقصودة، وأنه ليس المقصود الشريكين. أما الشريكان فلا يحتاج الأمر، يعني: جماعة اشتركوا في مالٍ فمعروف أنَّ هذا المال المشترك تجب فيه الزكاة كمال رجل واحد، كما في خلطة الأعيان التي تعرف بخلطة الاشتراك أو خلطة الشيوع. * قوله: (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﵊: "لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ" إِنَّمَا هُوَ نَهْيٌ لِلسُّعَاةِ أَنْ يُقَسَّمَ مِلْكُ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ قِسْمَةً تُوجِبُ عَلَيْهِ كثْرَةَ الصَّدَقَةِ مِثْلُ رَجُلٍ يَكُونُ لَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ شَاةً فَيُقَسِّمُ عَلَيْهِ إِلَى أَرْبَعِينَ ثَلَاثَ شياه، أَوْ يَجْمَعُ مِلْكَ رَجُلٍ وَاحِدٍ إِلَى مِلْكِ رَجُلٍ آخَرَ حَيْثُ يُوجِبُ الْجَمْعُ كَثْرَةَ الصَّدَقَةِ، قَالُوا: وَإِذَا كَانَ هَذَا الِاحْتِمَالُ فِوَجَبَ أَنْ لَا تُخَصَّصَ بِهِ الْأُصُولِ الثَّابِتَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا - أَعْنِي: أَنَّ النِّصَابَ وَالْحَقَّ الْوَاجِبَ فِي الزَّكاةِ يُعْتَبَرُ بِمِلْكِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ). مثال ذلك: ثلاثة اختلطوا في مائة وعشرين، يملك كل واحد منهم أربعين شاة، في الخلطة لا يجب إلا شاة واحدة، ولو وزع المال لوجب على كل واحد منهم شاة. * قوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا بِالْخُلْطَةِ، فَقَالُوا: إِنَّ لَفْظَ الْخُلْطَةِ هُوَ أَظْهَرُ فِي الْخُلْطَةِ نَفْسِهَا مِنْهُ فِي الشَّرِكَةِ).

стр. 3370

جمهور الفقهاء يقولون: إنَّ الخلطة إذا أطلقت، وبخاصة في هذا الحديث، تنطلق إلى الخلطة التي تم الحديث عنها وليست إلى الاشتراك. * قوله: (وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كذَلِكَ فَقَوْلُهُ ﵊ فِيهِمَا: "إِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَان بِالسَّوِيَّةِ" مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِمَا حُكْمُهُ حُكْمُ رَجُلٍ وَاحِدٍ). لأنَّ الشريكين لا يقال: يتراجعان بالسوية، فمال مشترك معروف. لكن يقال هذا في الخلطاء الذي تميز مال كل واحد منهما عن الآخر؛ لأن الخلطة اشتراك اثنين في مال واحد أو أكثر، فصار بمثابة مال رجل واحد، هذه هي الخلطة. إنما الاشتراك: معروف أن كل واحد منهما لا يحتاج إلى أن يقال: يتراجعان بالسوية. * قوله: (وَأَنَّ قَوْلَهُ ﵊: "أَنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بِالسَّوِيَّةِ" يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخَلِيطَيْنِ لَيْسَا بِشَرِيكَيْنِ، لِأَنَّ الشَّرِيكَيْنِ لَيْسَ يُتَصَوَّرُ بَيْنَهُمَا تَرَاجُعٌ إِذِ الْمَأْخُوذُ هُوَ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ، فَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى هَذَا الْمَفْهُومِ وَلَمْ يَقِسْ عَلَيْهِ النِّصَابَ قَالَ: الْخَلِيطَان إِنَّمَا يُزَكيَان زَكَاةَ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ إِذَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصَابٌ). هذا هو بيان مذهب مالك. * قوله: (وَمَنْ جَعَلَ حُكْمَ النِّصَابِ تَابِعًا لِحُكْمِ الْحَقِّ الْوَاجِبِ قَالَ: نِصَابُهُمَا نِصَابُ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ كَمَا أَنَّ زَكَاتَهُمَا زَكَاةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ أَنْزَلَ قَوْلَهُ ﵊: "لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ" عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ). وهذا مذهب الشافعي وأحمد.

стр. 3371

* قوله: (فَأَمَّا مَالِكٌ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فَإِنَّهُ قَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: "لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ" أَنَّ الْخَلِيطَيْنِ يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةُ شَاةٍ وَشَاةٌ، فَتَكُونُ عَلَيْهِمَا فِيهِمَا ثَلَاث شِيَاهٍ، فَإِذَا افْتَرَقَا كَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاةٌ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: "لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ" أَنْ يَكُونَ النَّفَرُ الثَّلَاثُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَرْبَعُونَ شَاةً، فَإِذَا جَمَعُوهَا كَانَ عَلَيْهِمْ شَاةٌ وَاحِدَةٌ، فَعَلَى مَذْهَبِهِ النَّهْيُ إِنَّمَا هُوَ مُتَّجِه نَحْوَ الْخُلَطَاءِ الَّذِينَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصَابٌ). مالك فسَّر الحديث بالتفسير الذي فهمه، وتفسير الشافعي وأحمد قريب منه. * قوله: (وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَقَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: "وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ" أَنْ يَكُونَ رَجُلَانِ لَهُمَا أَرْبَعُونَ شَاةً، فَإِذَا فَرَّقَا غَنَمَهُمَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمَا فِيهَا زَكَاةٌ، إِذْ كَانَ نِصَابُ الْخُلَطَاءِ عِنْدَهُ نِصَابَ مِلْك رَجُلٍ وَاحِدٍ فِي الْحُكْمِ). لأنَّ هذا فيه إضرار بالمساكين الفقراء، والشافعى وأحمد، قولهما متفق في هذه المسألة. * قوله: (وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِالْخُلْطَةِ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيمَا هِيَ الْخُلْطَةُ الْمُؤَثِّرَةُ بِالزَّكَاةِ). الآن عاد المؤلف ليختم المسألة ببيان الشروط التي يشترط أن تكون في الخليطين فأكثر، وهي الأمور الخمس التي ذكرناها: الاشتراك في المبيت، يعني المكان الذي تبيت فيه الماشية، وفي المحلب وفي المشرب وفي الرعي أو المرعى. وقد ورد بعض ذلك في حديث، وإن كان الحديث فيه مقال.

стр. 3372

* قوله: (فَأَمَّا الشَّافِعِيُّ (١) قَالَ: إِنَّ مِنْ شَرْطِ الْخُلْطَةِ أَنْ تَخْتَلِطَ مَاشِيَتُهُمَا وَتُرَاحَا لِوَاحِدٍ وَتُحْلَبَا لِوَاحِدٍ). يكون المكان الذي يستريحان فيه؛ أي: الذي نسميه المبيت. * قوله: (وَتُحْلَبَا لِوَاحِدٍ). يعني: ويكون المحلب واحدًا. * قوله: (وَتُسَرَّحَا لِوَاحِدٍ). الذي هو مكان الرعي الذي تسرح فيه الماشية واحد. * قوله: (وَتُسْقَيَا مَعًا). ويكون مكان الشرب أيضًا واحد. * قوله: (وَتَكُونَ فَحَوْلُهُمَا مُخْتَلِطَةً وَلَا فَرْقَ عِنْدَهُ بِالْجُمْلَةِ بين الخلطة وَالشَّرِكَةِ وَلِذَلِكَ يُعْتَبَرُ كَمَالُ النِّصَابِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ). ويكون الفحل واحدًا. * قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ (٢): فَالْخَلِيطَانِ عِنْدَهُ مَا اشْتَرَكَا فِي الدَّلْوِ

стр. 3373

وَالْحَوْضِ وَالْمُرَاحِ وَالرَّاعِيِ وَالْفَحْلِ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ (١) فِي مُرَاعَاةِ بَعْضِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ أَوْ جَمِيعِهَا). يريد المؤلف أن يبين أنَّ هذه الأوصاف التي ذكرت عن مالك ليست محل تسليم واتفاق بين أصحابه، أما بالنسبة للشافعية والحنابلة فهذه الخمسة عندهم متفق عليها، وقد نصَّ عليها الإمامان: الشافعي وأحمد. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمُ: اشْتِرَاكُ اسْمِ الْخُلْطَةِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَرَ قَوْمٌ تَأْثِيرَ الْخُلْطَةِ فِي الزَّكَاةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ الْأَنْدَلُسِيِّ) (٢).

стр. 3374

ابن حزم هذا صاحب المحلى المعروف، له آراء ينفرد بها، ومذهب الظاهر معروف. قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: (الفَصْلُ الخَامِسُ فِي نِصَابِ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ وَالْقَدْرِ الْوَاجِبِ فِي ذَلِكَ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْحُبُوبِ: أَمَّا مَا سُقِيَ بِالسَّمَاءِ فَالْعُشْرُ، وَأَمَّا مَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ، فَنِصْفُ الْعُشْرِ لِثُبُوتِ ذَلِكَ عَنْهُ ﷺ ) (١). سينتقل المؤلف الآن إلى باب آخر أو إلى نوعٍ ثالثٍ من الأنواع أو الأصناف التي تجب فيها الزكاة؛ فقد تم الحديث فيما مضى عن زكاة النقديْن، وبهيمة الأنعام، وننتقل الآن إلى ما تُخرجه الأرض. لكن حديث المؤلف هنا فيما يتعلق بما تُخرجه الأرض ليس على إطلاقه، إذًا في الحبوب والثمار؛ فبعض الفقهاء يقولون: فيما تخرجه الأرض؛ لأنَّ ما تُخرجه الأرض ليس حبوبًا فقط؛ لأنه قد يكون مما تُخرجه الأرض من الحبوب، مما يُقتات ويُدَّخر، وقد يكون أيضًا من المعادن. والمراد هنا بما تُخرجه الأرض: مما يُنبته الآدميون: أي مما يضعونه بذرًا في الأرض أو يغرسونه.

стр. 3375

والمقصود بذلك نوعان: الحبوب والثمار. وهذا الباب -الذي هو باب زكاة الحبوب والثمار- هذا دليله: الكتاب والسنة والإجماع. الدليل من الكتاب: فقول اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. أي: أدّوا زكاة مما أخرجنا لكم من الأرض؛ من حبوبٍ وثمار، حسبما جاءت بذلك سنة رسول اللَّه ﷺ . والإنفاق هنا المقصود به الزكاة الواجبة فيما تُخرجه الأرض مما يُنبته الآدميون، بدليل قول اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]. إذًا المقصود بالإنفاق هنا: هو إخراج الزكاة. هذا الدليل الأول من الكتاب. الدليل الثاني من الكتاب: فهو قول اللَّه في سورة الأنعام: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. فمحل الشاهد هو قوله -تعالى-: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. وفسّر ذلك ابن عباسٍ ﵄ بأنَّ "الحقَّ" هنا إنما هي الزكاة المفروضة (١)، وفسّرها مرةً أُخرى بأنَّ المقصود بها العُشر، ومرةً ثالثةً نصف العُشر (٢)، وكلها إنما هي في الزكاة المفروضة.

стр. 3376

أما سنة رسول اللَّه ﷺ فالأحاديث فيها كثيرة، ومنها: أ- الحديث الأول: وهو حديث متفق عليه، وهو قوله ﵊: "ليس فيما دون خمسةِ أوسقٍ صدقة"، وفي رواية: " (ليس فيما دون خمسة أوساق من تمرٍ أو حبٍّ صدقة" (١)، وفي روايةٍ لمسلم (٢): "ليس في حبٍّ ولا تمرٍ صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق". ٢ - الحديث الثاني: ومن السنَّة أيضًا مما يدل على وجوب إخراج زكاة هذا النوع من أصناف الزكاة، قوله ﵊: (فيما سقت السماء والعيون العُشر، وفيما سُقى بالنضح نصف العُشر) (٣). ٣ - والحديث الثالث: وهو أيضًا حديثٌ صحيح، قوله ﷺ : (فيما سقت الأنهار والغيث -يعني المطر- العُشر، وفيما سُقي بِالسَّانِيَةِ (٤) نصف العُشر)، والمقصود بالسَّانِيَةِ: البعير الذي يُستخرج عليه الماء من البئر، والذين قضوا فترة طوَيلةً في هذه الحياة أدركوا ذلك. إذًا جاء التفريق هنا بين ما نبت من المطر، وبين ما يقوم بالسقي؛ لأنَّ ما يُزرع فينزل المطر، أو تمر به الأنهار، هذا لا يلحق صاحبه عناء ولا مشقة، أقصى ما يكلفه أنه يوجّه الماء إن كان من نهر. أما صاحب السانية: فهو يحتاج إلى أن يحفر البئر؛ فكم يُمضي من الوقت، وكم يصرف من الماء، وهذه البئر تحتاج إلى معدات، وتحتاج إلى القيام عليها، ومنها ما يتعطل فيحتاج إلى أن يُبدّلها، وما يحتاج إلى إصلاح فيُصلحه، ثم يحتاج إلى عناء، ويحتاج إلى عامل، إلى غير ذلك. وحتى في وقتنا الآن في المكائن التي توازيها فيها مشقة يُحفر لها

стр. 3377

فيها هذه المواسير التي توضع في الأرض، وبعد مرور زمن تتآكل، كذلك فيها أسياخ تُعلق بها وربما تتآكل، هذه كلها يُنفق عليها الإنسان، لكن هذا ماءٌ ينزل من السماء، فمؤونته سهلة وميسورة؛ فلما راعت الشريعة هذا الجهد فالإنسان لا يتكلف كثيرًا يُخرج العُشر، وآخر تلحقه مشقة وعناء، ويدفع ماله وجَهده فهو في هذه الحالة يُقلَّل عليه في الزكاة. ومن هنا لو أنَّنا دقّقنا النطر في حكمٍ من أحكام هذه الشريعة، وأمعنا النظر وتعمقنا فيه لوجدنا أسرار هذه الشريعة تتبين في كل حكمٍ من الأحكام؛ لأن هذا من عند اللَّه ، قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤]، هو الذي خلق هذا الكون، وهو الذي خلق هذا الإنسان، وسخر له ما في هذا الكون، اللَّه أنزله في هذه الدنيا، خلقه لأمرٍ عظيم؛ ليقوم بعبادة اللَّه ؛ وليقوم بعمارة هذه الأرض، قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠]. فاللَّه -تعالى- خلق هذا الإنسان، ويسّر له كل أسباب المعيشة التي تعينه على أن يكون مطيعًا للَّه ، بيّن له طريق الخير ورغّبه فيه، وبيّن له طريق الشر وحذّره منه، قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٣]، واللَّه -تعالى- بيّن له طريق السعادة، وأمره أن يسلك هذا الطريق السوّي، ووعده بذلك جنةً عرضها السموات والأرض، وحذره من سلوك طريق الغواية، ومن الإشتراك به ، ومن ارتكاب المعاصي، وواعده وتوعّده على ذلك بجهنم وبئس المصير. فلا شكَّ أنَّ السعيد من سلك طريق السعادة، وأنَّ الشقي من سلك طريق الغواية والشقاء. وأسباب الخير -بحمد اللَّه- ميسّرة، وطرقه واضحة، وطريق اللَّه مستقيم، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، هذا هو طريق الحق وطريق الرشاد.

стр. 3378

(وَأَمَّا النِّصَابُ (١): فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا (٢) فِي وُجُوبِهِ فِي هَذَا الجِنْسِ مِنْ مَالِ الزَّكَاةِ). الزكاة تجب في الحبوب والثمار إجمالًا، لكن لو دخلنا في التفصيل لوجدنا أنَّ من الحبوب والثمار ما أجمع على وجوب الزكاة فيه وهي أربعة: الحنطة، والشعير من الحبوب، والتمر والزبيب من الثمار (٣). لكن نقتصر على هذه الأربعة لأنها جاءت في النصوص أو كل ما يمكن أن يُقتات أو أن يُدَّخر وهو صالح لليُبس تجب فيه الزكاة هذا فيه كلامٌ للعلماء؛ فمن العلماء من توسّع في ذلك فأوجب الزكاة في كل ما تُخرجه الأرض، ولم يَستثنِ من ذلك إلا الحطب والحشيش والقصب، ومنهم من توسّع لكن دون ذلك، ومنهم من وقف عند هذه الأمور الأربعة. هذه سيأتي الكلام عنها إن شاء اللَّه. الشريعة الإسلامية دائمًا تراعي جانب الاثنين، ولذلك وصّى

стр. 3379

الرسول ﷺ الذين يخرصون؛ فقال ﷺ : "إِذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا، وَدَعُوا الثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبُعَ") (١). لأن هذا المال قد يهب منه صاحبه نخلةً لأخٍ له أو لصديق، وهناك المار الذي يأكل من هذه الحيطان، وهناك الطير الذي يقف على هذه الأشجار وعلى هذه الثمار فيأكل، وأيضًا صاحب المال وأهله يحتاجون إلى الأكل، فالشريعة لم تُغفل جانب هؤلاء. والزكاة تجب عند جمهور العلماء (٢) إذا بلغت النصاب، والنصاب هو خمسة أوسق (٣). والوسق: ستون صاعًا (٤)، إذًا خمسة في ستين تساوي ثلاثمائة صاع. والصاع يساوي أربعةَ أمداد (٥)، والمدّ يساوي رطلًا وثُلثًا، فإذا

стр. 3380

ضربناها مجتمعةً وجدنا أنَّ زكاة الحبوب والثمار تجب إذا بلغت ألفًا وستمائة رطلٍ بالعراقي، وبالنسبة للمُدّ فجمهور العلماء يقولون: إنه رطل وثلث؛ لأنَّ الزكاة تجب في ألف وستمائة رطلٍ؛ لأنه مثلًا خمسة أوسق، والوسق ستون صاعًا، ثلاثمائة صاع فاضربها في خمسة وثلث فتبلغ ألفًا وستمائة، هذا معروف. لكنَّ قضية الأرطال مختلَفٌ فيها؛ لأنَّ العلماء انقسموا في ذلك إلى أقسامٍ أربعة: ١ - فمنهم من يقول: إنَّ زكاة الحبوب والثمار لا يُشترط لها نصاب. ٢ - ومنهم من يقول: إنَّ الصاع أربعةُ أمداد، والمُدّ رطلٌ وثلث. ٣ - ومنهم من يقول: الصاعُ أربعةُ أمداد، وكل مُدّ يساوي رطلين، فإذًا الصاع ثمانية أمداد. ٤ - ومن العلماء من يفصّل القول في ذلك، فيقول: فرقٌ بين الصاع في باب الطهارة، وبين الصاع في أحكام زكاة الحبوب والثمار، فالصاع الذي يبلغ أربعةَ أمداد: وهي ثمانيةُ أرطال، إنما هو الذي يُذكر في أبواب الطهارة، والذي يبلغ خمسةَ أرطالٍ وثلث إنما هو هذا الذي في كتاب زكاة الحبوب والثمار. وأرادوا من ذلك أن يجمعوا بين ما ورد في ذلك. وإذا أمكن الجمع فهو أولى. لكننا نقول مقدمةً: إنَّ الظاهر في ذلك والراجح عندنا، وهو عند جماهير العلماء: أنَّ الصاع يساوي أربعةَ أمداد، وأنَّ المُد رطلٌ وثلث، هذا هو القول الراجح الصحيح الظاهر لنا في هذه المسألة. يأتي بعد ذلك كيفية التقدير: فالعلماء أيضًا تكلموا وقالوا: هي أربع حفنات بالأيدي المتوسطة، فلا نأتي إلى رجلٍ مثلًا يداه ضخمتان فنقول أربع حفنات، ولا إلى إنسانٍ مثلًا يده صغيرة، وإنما نأتي بالمتوسط، وهذه تقارب ما بين اثنين كيلو ونصف إلى ثلاثة، فلو اقتُصر على اثنين كيلو

стр. 3381

ونصف على أن هذا هو المُدّ فهذا كاف، ولو وصّلها الإنسان إلى ثلاثة فهذا أحوطُ له. * قوله: (فَصَارَ الجُمْهُورُ إِلَى إِيجَابِ النِّصَابِ فِيهِ وَهُوَ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ، وَالوَسْقُ: سِتُّونَ صَاعًا (١) بِإِجْمَاعٍ) (٢). وورد في ذلك حديث عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "والوسق ستون صاعًا" (٣) لكن هذا الحديث ضعيف، ولذلك قال العلماء: الإجماع قائمٌ على ذلك، مع أنَّ هذا الحديث الإجماع يوافقه؛ فلا إشكال في هذه المسألة. * قوله: (وَالصَّاعُ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ (٤) بِمُدِّ النَّبِيِّ ﵊. وهو المعتبر، وهو الذي أدركه الإمام مالك. وقد اختلف العلماء في تحديد الصاع: فمنهم من قال: الصاع أربعةُ أمداد، والمُدُّ يساوي رطلين (٥)؛ إذن يكون الصاع ثمانية أمداد.

стр. 3382

القول الثاني: أن الصاع يساوي مُدَّيْن، والمُد يساوي رطلًا وثلثًا (١)؛ إذن يكون الصاع خمسة أرطال وثلثًا بالبغدادي؛ أي: بالعراقي؛ لأن هذا هو المعروف، وهذا تقريبي لكنه قريبٌ من التحديد. * وسبب الخلاف هنا: أن من العلماء من جاء بقولٍ متوسط فقال: إن الصاع الذي ورد بأنه يبلغ ثمانية أمداد هو (الصاع) في أحكام الطهارة، وأما الصاع في (الزكاة) فهو خمسةُ أرطالٍ وثُلث، هذا توسط فيه بعض العلماء ليجمعوا بين الأقوال. * قوله: (وَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ مُدَّهُ رِطْلٌ وَثُلُثٌ وَزِيَادَةٌ يَسِيرَةٌ بِالبَغْدَادِيِّ، وَإِلَيْهِ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ (٢) حِينَ نَاظَرَهُ مَالِكٌ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ العِرَاقِ لِشَهَادَةِ أَهْلِ المَدِينَةِ بِذَلِكَ). أهل العراق هم الذين نُقل عنهم، أو نُقل عن -أبي حنيفة (٣) - أن الصاع يساوي ثمانية أمداد، فلما قدم أبو يوسف صاحب أبي حنيفة والتقى بالإمام مالك -إمام دار الهجرة-، وناقشه في موضوع وجوب الزكاة وفي القدر، وبيَّن له الإمام مالك ﵀ أن الصاع المعروف في المدينة إنما هو يساوي خمسة أرطال وثلثًا، فرجع أبو يوسف إلى هذا القول (٤)؛ لأن الأمر لا يحتاج إلى نقاش، تبيَّن له الحق فرجع.

стр. 3383

وقد رجع أبو يوسف؛ لأن مالكًا ناظره بأمرٍ مشهود مُسلّم به، هذا هو صاع رسول اللَّه ﷺ ، ولا يزال يُعمل به، فما كان لأبي يوسف إلا أن يرجع، وهكذا شأن العلماء العاملين، لم يقف أبو يوسف عند رأي أبي حنيفة ويقول: هذا رأيي ورأي صاحبي أبي حنيفة، رأى أنَّ الحق مع الإمام مالك فرجع إلى قوله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، فمتى ما تبين للمؤمن الحق فإنه يجب عليه أن يرجع إلى الحق. ولذلك في الكتاب العظيم الذي كتبه عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى عندما ولّاه القضاء: "لا يمنع أن تقضي قضاءًا ليوم، فيتبيّن لك الحق في خلافه أن ترجع إلى الحق" (١). فعمر ﵁ يحثه على ذلك، وهذا هو منهج الشريعة الإسلامية. إذًا إذا

стр. 3384

تبين للإنسان أن الحق مع غيره رجع، ولذلك كان الإمام الشافعي ﵀ يقول: ما ناظرتُ أحدًا وتمنيت أن أنتصر عليه، إذا كان الحق معه، وإنما كنت أتمنى أن يُظهر اللَّه الحق على يدي أو يديه (١). فالشافعي ﵀ ما كان ينتصر لنفسه، ولا يريد أن يُقال بأنَّ الشافعي غلب خصمه أو مخالفه أو معارضه، وإنما كان يريد من النقاش ومن الحوار هو أن يصلا معًا إلى الحق؛ فإنْ كان الحق مع مخالفه أخذ به، وإن كان معه فيجب على المخالف أن يرجع إليه؛ هذا هو الشأن. ولذلك لما تقرأ سيرة أولئك العلماء الأعلام تجد أنَّ كل واحدٍ منهم يُزكّي الآخر؛ فالإمام أحمد يصف الشافعي بأنه بمثابة الشمس للإنسان وكالصحة للبدن (٢). والشافعي يصف الإمام أحمد بأنَّه ما ترك في بغداد أعلم منه (٣)، هذا هو شأن العلماء، ويأخذ بيد إسحاق بن راهويه، ويقول: تعالَ اسمع إلى هذا -إلى هذا المذهب-، وهو كان يُلقي دروسه في مكة، فالعلماء قصدهم الوصول إلى الحق. وهكذا لا ينبغي للمسلم مهما كان أنْ يأخذه التعصب، أو لأنه درس المذهب الفلاني أن يقف عنده ويقول: فلان أعلم مني، لا؛ لأن هذه لو قلنا بها لقلنا: التابعون أعلم والصحابة أعلم، لكن مرجعُنا في ذلك هو:

стр. 3385

قول اللَّه -تعالى-، وقول رسوله ﷺ ؛ لأنَّ اللَّه -تعالى- يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، والرد إلى اللَّه إنما هو ردٌ إلى كتابه، والرد إلى الرسول إليه ﵊ في زمن حياته وبعد مماته نرد ذلك إلى سنته الصحيحة ﵊. وهذا هو شأن العلماء؛ وهو أن الإنسان إذا تبيَّن له الحق يعود إليه. * قوله: (وَكانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ فِي المُدِّ: رِطْلَانِ، وَفِي الصَّاعِ: إِنَّهُ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ فِي الحُبُوبِ وَالثِّمَارِ نِصَابٌ) (١). عاد المؤلف مرةً أُخرى ليعيد المسألة التي تكلمنا عنها؛ وهي هل هناك نصابٌ محددٌ في الحبوب والثمار أم لا؟ * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ العُمُومِ لِلْخُصُوصِ. أَمَّا العُمُومُ: فَقَوْلُهُ ﵊: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ (٢) "). مسألة العموم والخصوص (٣): من المسائل المهمة في علم الأصول،

стр. 3386

والعموم والخصوص موجودٌ في كتاب اللَّه ، وفي سنة رسول اللَّه وهو من الأدلة المتفق عليها؛ فاللَّه يقول: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، فهل كل ميتة حرام؟ جاء تخصيصُ ذلك بحديث: "أُحلَّت لنا ميتتان ودمان" (١). . . وأمثلة ذلك كثيرة جدًّا. إذن؛ حديث: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ" (٢) هذا حديث مطلق عام، وحديث: "ليس فيما دون خمسةِ أوسق صدقة" (٣) هذا خاص، فأيهما يُقدَّم هنا؟ هل نخص العام بهذا الخاص أو نأخذ بالعموم؟ جماهير العلماء دائمًا يقدمون الخاص (٤)؛ لأن الخاص إنما اقتصر على بعض العمومات التي وردت في العام، فجاء هذا الحديث الثاني فخص الحديث الأول، فبيَّن أن الزكاة في الحبوب والثمار إنما تجب إذا بلغت خمسةَ أوسق. فلماذا كان قوله ﵊: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ" (٥) عامًّا؟ لأن هذا الحديث فقط بيَّن أن ما سقت السماء فيه العُشر، وما سُقي

стр. 3387

بالنضح (١) فيه نصف العُشر، ولم يبيِّن قدرًا محددًا، فهذا يشمل الكثير والقليل؛ أي: هذا جاء مطلقًا عامًّا، وجاء الحديث الآخر فخصَّص ذلك. * قوله: (أَمَّا الخُصُوصُ، فَقَوْلُهُ ﵊: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ"). انظروا إلى جوامع كلمه (٢) ﷺ ؛ فإن الرسول ﷺ دائمًا يأتي بجوامع الكلم؛ يأتي بالكلام الموجز الذي يحمل المعاني الكثيرة، وهذه واحدةٌ من المزايا والخصائص التي خصَّ اللَّه بها نبيه ﷺ التي في حديث: "نُصرت بالرعب. . . " (٣)، وفيها: "وأُعطيتُ جوامعَ الكَلِمِ". فالرسول هنا ﷺ قال: "ليس فيما دون خمسة أوسقٍ صدقة" (٤) معنى هذا: أن الخمسة أوسق فما فوق إذا كانت الخمسة أوسق تجب فيها الزكاة فمن باب أولى أن يكون ما زاد على ذلك، لكنه بيَّن ما لا تجب فيه الزكاة: وهو ما دون الخمسة أوسق، "ليس فيما دون خمسةِ أوسقٍ صدقة لا، أما إذا بلغت زكاة الحبوب أو الثمار ثلاثمائة صاع أو زادت على ذلك فإن الزكاة تجب فيها بحسب القدر الواجب؛ إما العُشر أو نصف العُشر. * قوله: (وَالحَدِيثَانِ ثَابِتَانِ). لأن كل واحدٍ منهما متفقٌ عليه، فلا مجال هنا بأن يقال: هذا يُقدَّم على هذا. هذه ناحية. والناحية الأُخرى في نظر الجمهور وفي نظرنا: أنه لا معارضة بين

стр. 3388

الحديثين؛ ذاك حديثٌ ورد لسبب، وهذا حديثٌ ورد لسبب آخر. فالأول: جاء ليبيِّن لنا القدر الذي تجب فيه الزكاة. والثاني: جاء ليبيِّن لنا الحد الذي إذا وصل إليه هذا القدر من الحبوب والثمار وجبت الزكاة. إذن؛ ذاك في بيانِ الواجب، وهذا في بيان النصاب. * قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّ الخُصُوصَ يُبْنَى عَلَى العُمُومِ قَالَ: لَا بُدَّ مِنَ النِّصَابِ، وَهُوَ المَشْهُورُ، وَمَنْ رَأَى أَنَّ العُمُومَ وَالخُصُوصَ مُتَعَارِضَانِ إِذَا جُهِلَ المُتَقَدِّمُ فِيهِمَا وَالمُتَأَخِّرُ، إِذْ كَانَ قَدْ يُنْسَخُ الخُصُوصُ بِالعُمُومِ عِنْدَهُ، وَيُنْسَخُ العُمُومُ بِالخُصُوصِ، إِذْ كُلُّ مَا وَجَبَ العَمَلُ بِهِ، جَازَ نَسْخُهُ). هذا الكلام إنما هو لابن حزم (١)، قد كرره المؤلف مرات في هذا الكتاب، وهذا حقيقة اتجاهٌ ضعيف، إنما القول الصحيح: أن الخاص يُخَص العام (٢). * قوله: (وَالنَّسْخُ قَدْ يَكُونُ لِلْبَعْضِ، وَقَدْ يَكُونُ لِلْكُلِّ. وَمَنْ رَجَّحَ العُمُومَ قَالَ: لَا نِصَابَ، وَلَكِنْ حَمْلُ الجُمْهُورِ عِنْدِي الخُصُوصَ عَلَى

стр. 3389

العُمُومِ هُوَ مِنْ بَابِ تَرْجِيحِ الخُصُوصِ عَلَى العُمُومِ فِي الجُزْءِ الَّذِي تَعَارَضَا فِيهِ؛ فَإِنَّ العُمُومَ فِيهِ ظَاهِرٌ، وَالخُصُوصَ فِيهِ نَصٌّ). ليس هناك تعارضٌ بين الحديثين: فالأول جاء لبيان حكم، والآخر جاء لبيان حكمٍ آخر: فالأول: بيَّن لنا أن الحبوب أو الثمار التي تُسقى بماء المطرِ يجب فيها العُشر، وأن ما يُسقى بالنواضح، فإن فيه نصف العشر، إذن بيَّن لنا القدر الذي تجب فيه الزكاة. أما الآخر: بيَّن لنا متى تجب الزكاة في هذه الأنواع عندما تبلغ ما حدده الحديث. * قوله: (فَتَأَمَّلْ هَذَا؛ فَإِنَّهُ السَّبَبُ الَّذِي صَيَّرَ الجُمْهُورَ إِلَى أَنْ يَكُونَ الخُصُوصُ مُتَّصِلًا بِالعُمُومِ، فَيَكُونُ اسْتِثْنَاءً، وَاحْتِجَاجُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي النِّصَابِ بِهَذَا العُمُومِ فِيهِ ضَعْفٌ؛ فَإِنَّ الحَدِيثَ إِنَّمَا خَرَجَ مَخْرَجَ تَبْيِينِ القَدْرِ الوَاجِبِ مِنْهُ). احتجاج أبي حنيفة بدليل العام هو احتجاجٌ ضعيف؛ لأن الحديث ورد في بيان القدر الواجب وليس فيما يتعلق بالنصاب أو غيره؛ فلا تعارض بينه وبين الآخر. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا البَابِ فِي النِّصَابِ فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ). انتهى المؤلف إلى أن النصاب هو الراجح، وما دامت هذا الأنواع تجب فيها الزكاة، وأن لها نصابًا محددًا فهناك مسائل تتعلق بالنصاب اختلف فيها العلماء، هي تُعتبر بمثابة أصول هذا الباب التي ذكرها المؤلف.

стр. 3390

* قوله: (المَسْأَلَةُ الأُولَى: فِي ضَمِّ الحُبُوبِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ فِي النِّصَابِ). هل يُضم الحبوبُ بعضها إلى بعض؟ الحبوب أنواع متعددة: فهناك الحنطة، وهناك الشعير، وهناك الذرة، وهناك الدُّخُن (١)، وهناك أيضًا ما يُعرف بالقطنيات التي عادةً تُطبخ وهي ذات حبوب؛ كالحِمِّص، والبازلاء، والفول، والعَدَس، وبعضها يدخل في ذلك كالأرز، واللوبيا وغير ذلك. فهل يُضم بعضها إلى بعض أم لا؟ أم هل الضم يقتصر على الحبوب؟ أو أن بعضها يُضم إلى بعض؟ وبالنسبة للقطنيات يُضم بعضها إلى بعض؟ أو أن الضم ممنوع مطلقًا؟ هذه كلها فيها أقوال للعلماء. * قوله: (الثَّانِيَةُ: فِي جَوَازِ تَقْدِيرِ النِّصَابِ فِي العِنَبِ وَالتَّمْرِ بِالخَرْصِ). عرفنا أن ما سقت السماء فيه العُشر، وما سُقي بالنضح فيه نصف العشُر، فهل يجوز أن تُقدَّر الزكاة بالخرص؟ الخرص -كما تعلمون- ليس أمرًا قطعيًّا، وإنما هو أمرٌ مظنون، فهل يجوز أن تُخرص الثمار، وكذلك أيضًا الحبوب، ويكون ذلك حكمًا مستقرًّا ومسلمًا أم لا؟ هذه المسألة فيها خلاف أيضًا. * قوله: (الثَّالِثَةُ: هَلْ يُحْسَبُ عَلَى الرَّجُلِ مَا يَأْكُلُهُ مِنْ ثَمَرِهِ وَزَرْعِهِ قَبْلَ الحَصادِ وَالجَذَاذِ فِي النِّصَابِ أَمْ لَا؟). أي: هل يجوز لصاحب الزرع أو الحب أو مالك الثمار أو الحبوب أن يأكل من مزرعته بعد الاستواء قبل أن يأتي الخارص فيخرصها ويحدد

стр. 3391

له شيئًا، وما تجب فيه الزكاة أم لا يجوز له؟ هذه أيضًا مسألة فيها خلاف بين العلماء، وسنأتي عليها بالتفصيل -إن شاء اللَّه-. * قوله: (أَمَّا المَسْأَلَةُ الأُولَى: فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الصِّنْفَ الوَاحِدَ مِنَ الحُبُوبِ وَالثَّمَرِ يُجْمَعُ جِيِّدُهُ إِلَى رَدِيئِهِ) (١). قد يُفهم من كلام المؤلف: الجمع بين شطري المسألة؛ أي: أن كليهما مجمعٌ عليها، والصحيح أن الشطر الأول مجمعٌ عليه، أما الثاني فلا؛ فلننتبه لذلك! والصنف الواحد: كأن تكون عندنا حنطة فيها جيد وفيها رديء، فنضم بعضها إلى بعض، وليس المراد بالضم أن نخلطها فنأتي بالرديء فنفرغه على الجيد، لا، ولكن المعنى أن نأتي بالجيد وبالرديء، فنقدَّر أن الجيد يبلغ مائتي صاع، وأن الرديء يبلغ مائة صاع؛ إذن وصل المجموع ثلاثمائة صاع، فوجبت فيه الزكاة، هنا إن كان يُسقى بالسماء: العُشر، وإن كان بالثانية -أي: بالنضح-: فنصف العُشر، ثم نخرج الثلثين من الجيد وثلثًا من الرديء. هذا هو المراد. هذه مسألة مجمعٌ عليها: أن نضم الرديء إلى الجيد في الصنف الواحد. كذلك لو كان شعيرًا، أو كان سُلتًا (٢): وهو نوع من الشعير، وبعضهم يقول: شعير لا قشرة له، هذه أيضًا وأمثالها الأجناس المتفق

стр. 3392

عليها؛ أي: الصنف الواحد؛ حنطة مع حنطة، شعيرٌ مع شعير، سُلت مع سُلت، أرز مع أرز، وهكذا يُضم بعضها إلى بعض، لكنه لا يُفرغ بعضها على بعض، ثم تؤخذ الزكاة بحسب النسبة، هذا مجمعٌ عليه كما ذكر المؤلف. قول: (وَتُؤْخَذُ الزَّكَاةُ عَنْ جَمِيعِهِ بِحَسَبِ قَدْرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَعْنِي: مِنَ الجَيِّدِ والرَّدِيءِ). أي: يؤخذ من هذا ما يتعلق بالقدر، ومن هذا ما يتعلق بالقدر، كما ذكر المثال في ذلك. * قوله: (فَإِنْ كَانَ الثَّمَرُ أَصْنَافًا، أُخِذَ مِنْ وَسَطِهِ). قد يُفهم من عبارة المؤلف: أن هذه الجزئية مجمعٌ عليها، كأنه يقول: فإن كان الثمر أصنافًا فقد أجمعوا على أنه يؤخذ من وسطه، وهذا غير صحيح، هذا هو قول الإمامين: مالك (١) والشافعي (٢). أما أكثر العلماء (٣) وإن خالف مالكٌ والشافعي لا يقولون بذلك، وإنما يقولون: يؤخذ من كل شيءٍ بحسبه؛ يعني: يُقدَّر. وبعضهم يقول: إن الفقراء بالنسبة للزكاة مع الأغنياء كالشركاء؛ فكما يُراعى جانب الفقير يُراعى جانب الغني أيضًا، فكما أن هذه أصنافٌ متعددة

стр. 3393

فلا يمكن أن تُجعل بمثابة صنفٍ واحد كالمثال الأول المُجمع عليه، لكنه يؤخذ من كل شيءٍ بقدره. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي ضَمِّ القَطَانِيِّ (١) بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ). القطاني أو القطنيات هذه ليس المراد بها القطن الذي تُصنع منه الملابس وغيرها، وإنما المقصود بالقطنيةِ هنا: التي تقطن المكان وتستقر به، وسُميت قطنية؛ قيل: لأنها تقطن بالمكان؛ أي: تستقر به. ويقصد بالقطنية هنا: هي الحبوب التي تُطبخ عادةً مثل: اللوبيا، وكذلك الحمص، والعدس، والفول، وأمثال ذلك من هذه الأجناس وهي أنواعٌ متعددةٌ جدًّا، فهل يُضم بعضها إلى بعض كالحال بالنسبة للقمح؟ بعض العلماء يقول: إن الحبوب يُضم بعضها إلى بعض، والقطنيات يُضم بعضها إلى بعض، لكن لا تُضم الحبوب إلى القطنيات، ولا القطنيات إلى الحبوب. وبعضهم: يمنع الضم مطلقًا. وأكثر المذاهب تشددًا في ذلك: هم الشافعية (٢). ومذهب أحمد: فيه عدة روايات (٣).

стр. 3394

واحدةٌ: يتفق فيها مع الإمام مالك (١). وثانيها: يتفق فيها مع الإمام الشافعي (٢). * قوله: (وَفي ضَمِّ الحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالسُّلْتِ). مذهب أحمد فيه رواية له: أنه لا يُضم شيء إلى شيء (٣)، وفيه أن الحبوب كلها تُضم بعضها إلى بعض (٤)، وفيه أنه تُضم الحنطة إلى الشعير وإلى السُّلت (٥)، والسلت: هو نوعٌ من الشعير يقولون له قشرة رقيقة، ويشبه الشعير لكن فيه قشرةٌ رقية ليس كالشعير. * قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: القِطْنِيَّةُ كُلُّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ). معنى هذا: يُضم بعضها إلى بعض. * قوله: (الحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ أَيْضًا). كذلك الحنطة والشعير والسُّلت شيء واحد؛ لأنها حبوب.

стр. 3395

فالإمام مالك عنده: القطنيات شيء واحد، يجوز ضم بعضها إلى بعض، والحبوب كذلك يجوز ضم بعضها إلى بعض، وهي رواية للإمام أحمد. * قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ (١) وَأَحْمَدُ وَجَمَاعَةٌ: القَطَانِيُّ كُلُّهَا أَصْنَافٌ كثِيرَةٌ بِحَسَبِ أَسْمَائِهَا، وَلَا يُضَمُّ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَى غَيْرِهِ فِي حِسَابِ النِّصَابِ). هذه رواية ثالثة عند أحمد؛ فله رواية مع الإمام مالك، وله رواية أُخرى يقتصر الجمع فيها في المذهب على الحنطة مع الشعير والسُلت. * قوله: (وَكَذَلِكَ الشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ وَالحِنْطَةُ عِنْدَهُمْ أَصْنَافٌ ثَلَاثَةٌ لَا يُضَمُّ وَاحِدٌ مِنْهَا إِلَى الآخَرِ لِتَكْمِيلِ النِّصَابِ). على كلٍّ؛ هذه الأشياء إذا ضُمت فيها مصلحةٌ للفقير؛ لأنه ربما يكون القدر الموجود من الحنطة لا يبلغ نصابًا؛ فإذا ما ضُم إليه الشعير، والضم القصد بذلك: هو أن تُضم إليه في الكيل وليس القصد أنه يُخلط معه ليفسده. فهذه الثلاثة قد تُضم ثم بعد ذلك يؤخذ من كل صنفٍ بحسبه، ثم تُضم بعضها إلى بعض، ولا تؤخذ الزكاة من الحنطة؛ لأنها أحسنها وأجودها؛ إنما يؤخذ من كل واحدٍ بحسبه العُشر. * قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ: هَلِ المُرَاعَاةُ فِي الصِّنْفِ الوَاحِدِ هُوَ اتِّفَاقُ المَنَافِعِ أَوِ اتِّفَاقُ الأَسْمَاءِ؟ فَمَنْ قَالَ: اتِّفَاقُ الأَسْمَاءِ، قَالَ: كُلَّمَا اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهَا، فَهِيَ أَصْنَافٌ كَثِيرَةٌ، وَمَنْ قَالَ: اتِّفَاقُ المَنَافِعِ، قَالَ:

стр. 3396

كُلَّمَا اتَّفَقَتْ مَنَافِعُهَا، فَهِيَ صِنْفٌ وَاحِدٌ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهَا، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرُومُ أَنْ يُقَرِّرَ قَاعِدَتَهُ بِاسْتِقْرَاءِ الشَّرْعِ). أراد المؤلف هنا: أن يتلمَّس العِلة في ذلك؛ فإن كان المقصود هي المنفعة فلا ينبغي أن يختلف حنطةٌ عن شعير، عن سُلت، وكذلك الحال في القطنيات، وإذا كانت الأسماء لها تأثير فلا ينبغي أن تُضم حنطةٌ إلى شعير؛ لأن الحنطة تُسمى حنطة أو قمحًا، وذاك يُسمى: شعيرًا، وهذا يُسمَّى سُلتًا، وهذا حِمِّصًا، وهذا مثلًا فول، وهذا عدس، وهذا لوبيا، إذن الأسماء فرَّقت بينها؛ فما دامت الأسماء فرَّقت بينها فينبغي أن نُفرِّق بين هذه الحبوب. فقد نجد مسألتين يختلف الاسم بينهما، ونجد أن الحكم واحدًا، وقد نجد اسمين متفقين ويختلف حكمهما. * قوله: (أَعْنِي: أَنَّ أَحَدَهُمَا يَحْتَجُّ لِمَذْهَبِهِ بِالأَشْيَاءِ الَّتِي اعْتَبَرَ فِيهَا الشَّرْعُ الأَسْمَاءَ، وَالآخَرُ بِالأَشْيَاءِ الَّتِي اعْتَبَرَ الشَّرْعُ فِيهَا المَنَافِعَ). لا شك أنه عندما تُضم هذه الأشياء بعضها إلى بحض فهي في مصلحة الفقير، فإذا ضُمت هذه الأشياء وبخاصة إذا كانت دون النصاب، فإذا ما ضُم بعضها إلى بعض ارتفعت؛ فكان في ذلك مصلحة للفقير الذي يُمضي عامه ويتطلع إلى هذه الحبوب، وإلى هذه الثمار متى يأتي وقت الجذاذ، ومتى يأتي وقت الحصاد؛ حتى يأخذ شيئًا من هذه الحبوب، أو يأخذ نصيبه من هذه الحبوب ومن هذه الثمار؛ لأن نفسه معلقةٌ بها. * قوله: (وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ شَهَادَةُ الشَّرْعِ لِلأَسْمَاءِ فِي الزَّكَاةِ أَكْثَرَ مِنْ شَهَادَتِهِ لِلْمَنَافِعِ، وَإِنْ كَانَ كِلَا الِاعْتِبَارَيْنِ مَوْجُودًا فِي الشَّرْعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ). لكننا في هذا المقام دائمًا ننظر إلى الأصلح؛ والأصلح وهو الجانب الذي ينبغي أن يُغلَّب في هذا المقام: ألا وهو جانب الفقير.

стр. 3397

* قوله: (وَأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ، وَهِيَ تَقْدِيرُ النِّصَابِ بِالخَرْصِ (١)، وَاعْتِبَارُهُ بِهِ دُونَ الكَيْلِ). الخرص هو: التخمين والظن؛ قالوا: خرص فلان شيئًا: بمعنى قدَّره ظنًّا وتخمينًا. والعلماء مختلفون فيها؛ فجمهور العلماء يقولون: بأن الخرص ثابت، وقد جاء ذلك في سنة رسول اللَّه ﷺ . والحنفية يعارضون في هذا المقام، ويقولون: إن الأدلة التي وردت في ذلك إنما هي أدلةٌ ضعيفة. ثم يقوَّي الحنفية ما ذهبوا إليه بالتعليل التالي: يقولون: إن الخرص إنما هو ظنٌّ وتخمين؛ والظن والتخمين لا ينبغي أن يُقرَّر عن طريقهما حكم، وإنما الخرص ليكون ذلك رادعًا للأُجْرَاء؛ أي: الحراس الذين يشتغلون، يأتي الخارص فيخرص الثمار عند بُدُوِّ صلاحها حتى لا يُتصرف فيها من الذين يشتغلون في المزارع، فربما تقوم خيانة فيسطون عليها فيأخذوها. قالوا: فقُصد من الخرص من ذلك: إنما هو عدم التعدِّي، وإلا الخرص ظن وتخمين، والظن لا يغني من الحق شيئًا. أما جمهور العلماء: فإنهم يقولون بالخرص، وقد استدلوا بذلك بعدة أدلة؛ استوفى أكثرها المؤلف، ولم يذكر حديثًا في ذلك، وهو حديث صحيح في قصة المرأة التي كانت تقيم في وادي القرى؛ فإن الرسول خرص عليها حديقتها (٢). وهذا حديثٌ صحيحٌ باتفاق. أورد المؤلف عدة أدلة منها: - حديث: "إذا خرَصْتُم فدعوا الثُّلثَ فإن لم تدَعوا الثُّلثَ فدعوا

стр. 3398

الرُّبعَ" (١)، ولا شك أن في هذا الحديث مع الاختلاف فيه من حيث الصحة والضعف، وإن كنا نرى أنه حديث صالح للاحتجاج به، له دلالة؛ لأنك تجد أن الشريعة راعت حالة المالك؛ فالرسول ﷺ قال في حديث آخر: "خففوا في الخرص" (٢)، وقال: "إذا خرَصْتُم فدعوا الثُّلثَ فإن لم تدَعوا الثُّلثَ فدعوا الرُّبعَ". ولهذا يقول بعض العلماء (٣): لو أن خارصًا خرص فلم يدع لرب المِلكِ شيئًا فإن له أن يأكل إلى الثلثِ أو إلى الربع. إذن "إذا خرصتم فدعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع"؛ لأن الإنسان قد يهب شيئًا من مزرعته إلى أخِ له، وهذا أيضًا تمر به السابلة الذين يمرون فيطرقون هذه الحديقة والمزرعة فيأكلون منها، وأيضًا هو يحتاج إلى أن يأكل هو وأولاده، والطير أيضًا يأكل منها، والرياح تهز الأشجار فيتساقط شيءٌ منها، ثم تأتي الزكاة فتأخذ. فالشريعة راعت هذا الجانب؛ فقررت أنه يُترك شيءٌ من ذلك. أما دعوى: أن الخرص تخمين -كما يقول الحنفية أو بعض الحنفية- إنه تخمينٌ وظن، والتخمين والظن لا ينبغي أن يُرتَّب عليه حكم من الأحكام.

стр. 3399

فالجواب: بأن هذا اجتهاد، يجتهد فيه الخارص الذي يُرسله، لكن هذا الاجتهاد ينبغي أن يصحبه معرفةٌ بالخارص، فليس كل إنسان يصلح أن يكون خارصًا، وإنما يُختار لذلك الإنسان العارف المدرك لذلك، ثم ليس القصد بالخرص أن يأتي الإنسان إلى النخل فيُقدِّر واحدًا أو عشرًا ثم يمشي، بل هو يمر بكل نخلة فيما يتعلق بالأجناس المتفقة فيقدِّر ما فيها؛ فإن اختلفت الأجناس فإنه يقدِّر كل جنسٍ على حدة. إذن؛ الخرص إنما هو اجتهاد؛ ولذلك يقول جمهور العلماء (١): هذا الاجتهاد مبنيٌّ على معايير ومقادير، هذه المعايير وهذه المقادير هي الخبرةُ التي اكتسبها الخارص، فإنه إذا وقف عند هذه -يعني أصحاب الخبرة- قد يأتي الإنسان منهم فيقف الإنسان عند كومة النخل أو شعير فيقدرها، تجد أنه لا يأتي إلا فرق يسير وهذا متجاوز عنه؛ إذن هذا بخبرته ومعرفته وكياسته إذا وقف عند هذه النخلة فقدَّرها لا تجد إلا فرقًا يسيرًا إن وُجد الفرق؛ فهناك خبرة. إذن يقول جمهور العلماء: هذا الاجتهاد قام على معايير دقيقة، أو قريبة من الدقة، وقام أيضًا على تقديراتٍ معتبرة شرعًا؛ فهذا جائز كالحال بالنسبة لقيم المتلفات؛ فقيم المتلفات هذه مسألةٌ متفقٌ عليها، ويوافق عليها الحنفية، وهي لا تأتي طبقًا لما قُدِّر، قد يحصل فيها أيضًا اختلافٌ في التقدير، ومع ذلك الشرع اعتبرها. ونعلم بأن الشرع تجاوز عن بعض الأحكام -كما سيأتي بالنسبة

стр. 3400

للخرص نفسه، وكما سيتكلم المؤلف-؛ لأنه يأتي الخارص فيخرص الرطب، والزكاةُ تُخرج بعد ذلك؛ إذن هنا فيه نسيئة، تأخير، والذي سيُخرج غير النوع الموجود على النخل؛ لأن الموجود إنما هو رُطب، وهو يُخرج الزكاة تمرًا. كذلك أيضًا يخرص العنب وهو هذا الثمر في أشجاره، ويُخرج من ذلك زبيبًا بعد أن يجف؛ فهنا فيه تأخير، وفيه مفاضلة، ومع ذلك نجد أن الشريعة جاوزت عن هذه القضايا التي قد ورد فيها النهي عنها كما سيذكر ذلك المؤلف إن شاء اللَّه. * قوله: (فَإِنَّ جُمْهُورَ العُلَمَاءِ (١) عَلَى إِجَازَةِ الخَرْصِ فِي النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ حِينَ يَبْدُو صَلَاحُهَا لِضَرُورَةِ أَنْ يُخَلَّى بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَهْلِهَا رُطَبًا. وَقَالَ دَاوُدُ: لَا خَرْصَ إِلَّا فِي النَّخِيلِ فَقَطْ) (٢). يعني: يأتي فيخرص، فيترك النخل، عُرف الآن القدر الذي تجب فيه الزكاة، أو القدر الواجب في الزكاة، وأهلها يأكلون منه رطبًا ليتمتعوا بها.
следующие страницы →