كُلَّمَا اتَّفَقَتْ مَنَافِعُهَا، فَهِيَ صِنْفٌ وَاحِدٌ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهَا، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرُومُ أَنْ يُقَرِّرَ قَاعِدَتَهُ بِاسْتِقْرَاءِ الشَّرْعِ).
أراد المؤلف هنا: أن يتلمَّس العِلة في ذلك؛ فإن كان المقصود هي المنفعة فلا ينبغي أن يختلف حنطةٌ عن شعير، عن سُلت، وكذلك الحال في القطنيات، وإذا كانت الأسماء لها تأثير فلا ينبغي أن تُضم حنطةٌ إلى شعير؛ لأن الحنطة تُسمى حنطة أو قمحًا، وذاك يُسمى: شعيرًا، وهذا يُسمَّى سُلتًا، وهذا حِمِّصًا، وهذا مثلًا فول، وهذا عدس، وهذا لوبيا، إذن الأسماء فرَّقت بينها؛ فما دامت الأسماء فرَّقت بينها فينبغي أن نُفرِّق بين هذه الحبوب.
فقد نجد مسألتين يختلف الاسم بينهما، ونجد أن الحكم واحدًا، وقد نجد اسمين متفقين ويختلف حكمهما.
* قوله: (أَعْنِي: أَنَّ أَحَدَهُمَا يَحْتَجُّ لِمَذْهَبِهِ بِالأَشْيَاءِ الَّتِي اعْتَبَرَ فِيهَا الشَّرْعُ الأَسْمَاءَ، وَالآخَرُ بِالأَشْيَاءِ الَّتِي اعْتَبَرَ الشَّرْعُ فِيهَا المَنَافِعَ).
لا شك أنه عندما تُضم هذه الأشياء بعضها إلى بحض فهي في مصلحة الفقير، فإذا ضُمت هذه الأشياء وبخاصة إذا كانت دون النصاب، فإذا ما ضُم بعضها إلى بعض ارتفعت؛ فكان في ذلك مصلحة للفقير الذي يُمضي عامه ويتطلع إلى هذه الحبوب، وإلى هذه الثمار متى يأتي وقت الجذاذ، ومتى يأتي وقت الحصاد؛ حتى يأخذ شيئًا من هذه الحبوب، أو يأخذ نصيبه من هذه الحبوب ومن هذه الثمار؛ لأن نفسه معلقةٌ بها.
* قوله: (وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ شَهَادَةُ الشَّرْعِ لِلأَسْمَاءِ فِي الزَّكَاةِ أَكْثَرَ مِنْ شَهَادَتِهِ لِلْمَنَافِعِ، وَإِنْ كَانَ كِلَا الِاعْتِبَارَيْنِ مَوْجُودًا فِي الشَّرْعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ).
لكننا في هذا المقام دائمًا ننظر إلى الأصلح؛ والأصلح وهو الجانب الذي ينبغي أن يُغلَّب في هذا المقام: ألا وهو جانب الفقير.
стр. 3397
* قوله: (وَأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ، وَهِيَ تَقْدِيرُ النِّصَابِ بِالخَرْصِ (١)، وَاعْتِبَارُهُ بِهِ دُونَ الكَيْلِ).
الخرص هو: التخمين والظن؛ قالوا: خرص فلان شيئًا: بمعنى قدَّره ظنًّا وتخمينًا.
والعلماء مختلفون فيها؛ فجمهور العلماء يقولون: بأن الخرص ثابت، وقد جاء ذلك في سنة رسول اللَّه ﷺ .
والحنفية يعارضون في هذا المقام، ويقولون: إن الأدلة التي وردت في ذلك إنما هي أدلةٌ ضعيفة.
ثم يقوَّي الحنفية ما ذهبوا إليه بالتعليل التالي: يقولون: إن الخرص إنما هو ظنٌّ وتخمين؛ والظن والتخمين لا ينبغي أن يُقرَّر عن طريقهما حكم، وإنما الخرص ليكون ذلك رادعًا للأُجْرَاء؛ أي: الحراس الذين يشتغلون، يأتي الخارص فيخرص الثمار عند بُدُوِّ صلاحها حتى لا يُتصرف فيها من الذين يشتغلون في المزارع، فربما تقوم خيانة فيسطون عليها فيأخذوها. قالوا: فقُصد من الخرص من ذلك: إنما هو عدم التعدِّي، وإلا الخرص ظن وتخمين، والظن لا يغني من الحق شيئًا.
أما جمهور العلماء: فإنهم يقولون بالخرص، وقد استدلوا بذلك بعدة أدلة؛ استوفى أكثرها المؤلف، ولم يذكر حديثًا في ذلك، وهو حديث صحيح في قصة المرأة التي كانت تقيم في وادي القرى؛ فإن الرسول خرص عليها حديقتها (٢). وهذا حديثٌ صحيحٌ باتفاق.
أورد المؤلف عدة أدلة منها:
- حديث: "إذا خرَصْتُم فدعوا الثُّلثَ فإن لم تدَعوا الثُّلثَ فدعوا
стр. 3398
الرُّبعَ" (١)، ولا شك أن في هذا الحديث مع الاختلاف فيه من حيث الصحة والضعف، وإن كنا نرى أنه حديث صالح للاحتجاج به، له دلالة؛ لأنك تجد أن الشريعة راعت حالة المالك؛ فالرسول ﷺ قال في حديث آخر: "خففوا في الخرص" (٢)، وقال: "إذا خرَصْتُم فدعوا الثُّلثَ فإن لم تدَعوا الثُّلثَ فدعوا الرُّبعَ".
ولهذا يقول بعض العلماء (٣): لو أن خارصًا خرص فلم يدع لرب المِلكِ شيئًا فإن له أن يأكل إلى الثلثِ أو إلى الربع.
إذن "إذا خرصتم فدعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع"؛ لأن الإنسان قد يهب شيئًا من مزرعته إلى أخِ له، وهذا أيضًا تمر به السابلة الذين يمرون فيطرقون هذه الحديقة والمزرعة فيأكلون منها، وأيضًا هو يحتاج إلى أن يأكل هو وأولاده، والطير أيضًا يأكل منها، والرياح تهز الأشجار فيتساقط شيءٌ منها، ثم تأتي الزكاة فتأخذ.
فالشريعة راعت هذا الجانب؛ فقررت أنه يُترك شيءٌ من ذلك.
أما دعوى: أن الخرص تخمين -كما يقول الحنفية أو بعض الحنفية- إنه تخمينٌ وظن، والتخمين والظن لا ينبغي أن يُرتَّب عليه حكم من الأحكام.
стр. 3399
فالجواب: بأن هذا اجتهاد، يجتهد فيه الخارص الذي يُرسله، لكن هذا الاجتهاد ينبغي أن يصحبه معرفةٌ بالخارص، فليس كل إنسان يصلح أن يكون خارصًا، وإنما يُختار لذلك الإنسان العارف المدرك لذلك، ثم ليس القصد بالخرص أن يأتي الإنسان إلى النخل فيُقدِّر واحدًا أو عشرًا ثم يمشي، بل هو يمر بكل نخلة فيما يتعلق بالأجناس المتفقة فيقدِّر ما فيها؛ فإن اختلفت الأجناس فإنه يقدِّر كل جنسٍ على حدة.
إذن؛ الخرص إنما هو اجتهاد؛ ولذلك يقول جمهور العلماء (١): هذا الاجتهاد مبنيٌّ على معايير ومقادير، هذه المعايير وهذه المقادير هي الخبرةُ التي اكتسبها الخارص، فإنه إذا وقف عند هذه -يعني أصحاب الخبرة- قد يأتي الإنسان منهم فيقف الإنسان عند كومة النخل أو شعير فيقدرها، تجد أنه لا يأتي إلا فرق يسير وهذا متجاوز عنه؛ إذن هذا بخبرته ومعرفته وكياسته إذا وقف عند هذه النخلة فقدَّرها لا تجد إلا فرقًا يسيرًا إن وُجد الفرق؛ فهناك خبرة.
إذن يقول جمهور العلماء: هذا الاجتهاد قام على معايير دقيقة، أو قريبة من الدقة، وقام أيضًا على تقديراتٍ معتبرة شرعًا؛ فهذا جائز كالحال بالنسبة لقيم المتلفات؛ فقيم المتلفات هذه مسألةٌ متفقٌ عليها، ويوافق عليها الحنفية، وهي لا تأتي طبقًا لما قُدِّر، قد يحصل فيها أيضًا اختلافٌ في التقدير، ومع ذلك الشرع اعتبرها.
ونعلم بأن الشرع تجاوز عن بعض الأحكام -كما سيأتي بالنسبة
стр. 3400
للخرص نفسه، وكما سيتكلم المؤلف-؛ لأنه يأتي الخارص فيخرص الرطب، والزكاةُ تُخرج بعد ذلك؛ إذن هنا فيه نسيئة، تأخير، والذي سيُخرج غير النوع الموجود على النخل؛ لأن الموجود إنما هو رُطب، وهو يُخرج الزكاة تمرًا. كذلك أيضًا يخرص العنب وهو هذا الثمر في أشجاره، ويُخرج من ذلك زبيبًا بعد أن يجف؛ فهنا فيه تأخير، وفيه مفاضلة، ومع ذلك نجد أن الشريعة جاوزت عن هذه القضايا التي قد ورد فيها النهي عنها كما سيذكر ذلك المؤلف إن شاء اللَّه.
* قوله: (فَإِنَّ جُمْهُورَ العُلَمَاءِ (١) عَلَى إِجَازَةِ الخَرْصِ فِي النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ حِينَ يَبْدُو صَلَاحُهَا لِضَرُورَةِ أَنْ يُخَلَّى بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَهْلِهَا رُطَبًا. وَقَالَ دَاوُدُ: لَا خَرْصَ إِلَّا فِي النَّخِيلِ فَقَطْ) (٢).
يعني: يأتي فيخرص، فيترك النخل، عُرف الآن القدر الذي تجب فيه الزكاة، أو القدر الواجب في الزكاة، وأهلها يأكلون منه رطبًا ليتمتعوا بها.
стр. 3401
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ (١): الخَرْصُ بَاطِلٌ، وَعَلَى رَبِّ المَالِ أَنْ يُؤَدِّيَ عُشْرَ مَا تَحَصَّلَ يَدُهُ، زَادَ الخَرْصُ أَوْ نَقَصَ مِنْهُ).
قالوا: بأن الخرص باطل؛ لأن أحكام الشريعة الإسلامية إنما تقوم على اليقين، أما الخرص فيه تخمينٌ وظن، وهذا التخمين والظن لا ينبغي أن يترتب عليه حكم من الأحكام، ولا أن يتقرر حكمٌ من أحكام هذه الشريعة.
وعلى هذا إذا سُئل الحنفية لماذا جاء الخرص؟ قالوا: الخرص الذي ورد في ذلك قُصد به النماء وردع الأجراء؛ أي: الذين يشتغلون في المزارع؛ لأنه ربما لو لم يأتِ الخارص فيخرص عليهم ربما يتصرفون بشيءٍ من الثمار والحبوب، فيخفونها، فجاء الخارص ليقدر ذلك تقريبًا، لكن لا ينبغي أن يترتب عليه حكم.
والخرص ليس واجبًا وإنما هو جائز، وإنما الخلاف في جوازه؛ هل يترتب عليه حكمٌ أم لا؟
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي جَوَازِ الخَرْصِ: مُعَارَضَةُ الأُصُولِ لِلْأَثَرِ الوَارِدِ فِي ذَلِكَ؛ أَمَّا الأَثَرُ الوَارِدُ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ الَّذِي تَمَسَّكَ بِهِ الجُمْهُورُ).
إذن ورد في ذلك عدة آثار (٢)، والمؤلف يتجاوز فيُطلق على الحديث الأثر وهذا جائز.
стр. 3402
* قوله: (فَهُوَ مَا رُوِيَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُرْسِلُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ وَغَيْرَهُ إِلَى خَيْبَرَ، فَيَخْرُصُ عَلَيْهِمُ النَّخْلَ") (١).
الرسول ﷺ كان يُرسل عبد اللَّه بن رواحة، وجاء هذا في عدة روايات من حديث عائشة وغيرها إلى يهود خيبر، واتفق معهم رسول اللَّه ﷺ أن يترك ما بأيديهم من المزارع على أن يقوموا بزرعها، والقيام عليها مقابل النصف.
وهذه مسألة ينازع فيها الحنفية (٢)، وبقولون: إن هذا الخرص لم يكن للمسلمين، وإنما كان لغير المسلمين، إذن الخرص هنا لا لأجل الزكاة؛ وإنما لأخذ القدر الذي هو النصف؛ ولذلك كان عبد اللَّه بن رواحة يُخيِّرهم بين ما يقسم.
* قوله: (وَأَمَّا الأُصُولُ الَّتِي تُعَارِضُهُ: فَلِأَنَّهُ مِنْ بَابِ المُزَابَنَةِ (٣)
стр. 3403
المَنْهِيِّ عَنْهَا - وَهُوَ بَيْعُ الثَّمَرِ فِي رُؤُوسِ النَّخْلِ بِالثَّمَرِ كَيْلًا).
المزابنة هي: أن تبيع الثمر في رؤوس النخل فيما يقابله تمرًا.
* قوله: (وَلِأَنَّهُ أَيْضًا مِنْ بَابِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ نَسِيئَةً).
لأنه رطب، وتأخذ بعد ذلك ما يقابله تمرًا؛ فاختلف النوع؛ هذا رطب وهذا تمر، وتأخذه متأخرًا.
* قوله: (فَيَدْخُلُهُ المَنْعُ مِنَ التَّفَاضُلِ، وَمِنَ النَّسِيئَةِ، وَكِلَاهُمَا مِنْ أُصُولِ الرِّبَا).
لكن هذا استثنته الشريعة الإسلامية، وكثيرٌ من الأحكام نجد أن الشريعة الإسلامية تجاوزت عنها للمصلحة؛ فالشريعةُ الإسلامية قد تجيز الحكم ضرورةً، وقد تجيزه للحاجة، وكما جاء في الحديث: "لا ضررَ ولا ضرارَ" (١)، ووضع العلماء القاعدة المعروفة: "الضرر يُزال" (٢)، ووضعوا القاعدة الأخرى: "الحاجة تُنزَّل منزلة الضرورة عامةً كانت أو خاصة" (٣)، وهذه حاجة فراعتها الشريعة الإسلامية.
والشريعة ما جاءت لتضيق على الناس، وإنما جاءت لتيسر عليهم، وهذا من التيسير الذي جاءت به هذه الشريعة، وإلا لا ينطبق على الأصول؛ لأنك تدفع إلى إنسانٍ مالًا مقدَّمًا، ثم يعطيك بعد ذلك ما يقابله، كذلك أيضًا تستأجر دارًا فتدفع الأجرة وأنت لا تستوفي منفعتها إلا بعد عامٍ أو بعد أشهر حسب الاتفاق، ومع ذلك دفعت الأجرة مقدمًا. هذه أمورٌ تجاوزت عنها الشريعة الإسلامية؛ بمعنى يسَّرت فيها.
стр. 3404
* قوله: (فَلَمَّا رَأَى الكُوفِيُّونَ هَذَا مَعَ أَنَّ الخَرْصَ الَّذِي كانَ يُخْرَصُ عَلَى أَهلِ خَيْبَرَ لَمْ يَكُنْ لِلزَّكَاةِ؛ إِذْ كَانُوا لَيْسُوا بِأَهْلِ زَكَاةٍ، قَالُوا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَخْمِينًا لِيُعْلَمَ مَا بِأَيْدِي كُلِّ قَوْمٍ مِنَ الثِّمَارِ. قَالَ القَاضِي: أَمَّا بِحَسَبِ خَبَرِ مَالِكٍ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ فِي القِسْمَةِ).
القاضي: هو ابن رشد صاحب كتاب "بداية المجتهد"، نفسه المؤلف، يُلقِّب نفسه بالقاضي.
قال: "خبر مالك" الذي هو حديث عبد اللَّه بن رواحة الآتي، وهو قد رُوي عند مالك (١)، وعند غيره (٢).
* قوله: (لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الخَرْصِ قَالَ: إِنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَلِي، أَعْنِي: فِي قِسْمَةِ الثِّمَارِ لَا فِي قِسْمَةِ الحَبِّ. وَأَمَّا بِحَسَبِ حَدِيثِ عَائِشَةَ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٣): فَإِنَّمَا الخَرْصُ لمَوْضِعِ النَّصِيبِ الوَاجِبِ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ، وَالحَدِيثُ هُوَ: أَنَّهَا قَالَتْ وَهِيَ تَذْكرُ شَأْنَ خَيْبَرَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ، فَيَخْرُصُ عَلَيْهِمُ النَّخْلَ حِينَ يَطِيبُ قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ"، وَخَرْصُ الثِّمَارِ لَمْ يُخَرِّجْهُ الشَّيْخَانِ).
فالرسول ﷺ كان يُرسل عبد اللَّه بن رواحة فيخرص عليهم الثمار، يقسمها، ثم بعد ذلك يأخذ النصف ويترك لهم الشطر الآخر.
* قوله: (وَكَيْفَمَا كَانَ، فَالخَرْصُ مُسْتَثْنًى مِنْ تِلْكَ الأُصُولِ).
وهو كما ذكر المؤلف.
стр. 3405
* قوله: (هَذَا إِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ كانَ مِنْهُ ﵊ حُكْمًا مِنْهُ عَلَى المُسْلِمِينَ، فَإِنَّ الحُكْمَ لَوْ ثَبَتَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ، لَيْسَ أَنْ يَكُونَ حُكْمًا عَامًّا عَلَى المُسْلِمِينَ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ).
ثبت عن الرسول ﷺ : "أنه خرص حديقة امرأة" (١).
ومن أصرح الأدلة في ذلك: حديث عتَّاب بن أَسيد: "أن رسول اللَّه ﷺ أمر أن يُخرص العنب كما يُخرص النخل، فتؤخذ زكاته زبيبًا كما تؤخذ زكاةُ النخلِ تمرًا" (٢). هذا فيه خلاف؛ لأنه من رواية سعيد بن المسيب؛ وسعيد بن المسيب إنما هو من التابعين لم يسمع من عتاب بن أسيد (٣).
"يُخرص العنب"، وفي بعض الروايات: "الكَرْم" (٤): وهو العنب،
стр. 3406
وقضية تسمية العنب بالكَرْم فيه كلامٌ معروف، وتكلم عنه العلماء (١)؛ لأنه جاء في الحديث الصحيح المتفق عليه أن الكَرْم هو المسلم (٢)، وكذلك أن قلب المؤمن هو الكرْم، والعلماء قد أجابوا بأجوبة جمعوا فيها بين الأحاديث، وليس هذا هو مقامها؛ لكن الذي يهمنا هنا وهو ما يرتبط بدرسنا: هو ما يتعلق بحديث عتاب:
فالجمهور: أخذوا بهذا الحديث، واعتبروه حُجَّة إلى جانبِ الأدلة الأخرى؛ أي: ليس هذا هو الحديث فقط الذي ورد في الخرص، وإنما ورد فيه غيره؛ كحديث: "إذا خرَصْتُم فدعوا الثُّلثَ فإن لم تدَعوا الثُّلثَ فدعوا الرُّبعَ" (٣)، وقصة الرجل الذي جاء يشكو أبا حثمة إلى رسول ﷺ ويقول: إنه زاد عليه في الخرص، فرسول اللَّه ﷺ لم يرد الرجل، وإنما سأل أبا حثمة فبيَّن له أنه ترك له كذا وكذا، فأخبره الرسول ﷺ وهو الحاكم العدل- بيَّن له أن أبا حثمة قد أنصفه، وأنه زاده أيضًا -كما سيأتي في الحديث ونعلق عليه إن شاء اللَّه-.
стр. 3407
* قوله: (وَلَوْ صَحَّ حَدِيثُ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ لَكَانَ جَوَازُ الخَرْصِ بَيِّنًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحَدِيثُ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ هُوَ أَنَّهُ قَالَ: "أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَخْرُصَ العِنَبَ، وَآخُذَ زَكَاتَهُ زَبِيبًا، كَمَا تُؤْخَذُ زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا" (١)، وَحَدِيثُ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ طُعِنَ فِيهِ، لِأَنَّ رَاوِيه عَنْهُ هُوَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وَهُوَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُجِزْ دَاوُدُ (٢) خَرْصَ العِنَبِ).
لم يسمع منه؛ لأنه ما أدركه، تُوفي قبل أن يولد هذا، ولكن -كما تعلمون- سعيد بن المسيب ثقة.
* قوله: (وَاخْتَلَفَ مَنْ أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي الزَّيْتُون فِي جَوَازِ خَرْصِهِ، وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ اخْتِلَافُهُمْ فِي قِيَاسِهِ فِي ذَلِكَ عَلَى النَّخْلِ وَالعِنَبِ).
مسألة الزيتون: سبق أن مرت؛ في أوائل كتاب الزكاة، تعرّض لها المؤلف، وتكلمنا عنها، وبعض العلماء لا يرى فيها وجوب الزكاة.
* أولًا عند من يقول: بأن الزكاة تجب في الزيتون لا تجب خرصًا، وإنما يجب فيه العُشر، كالحال بالنسبة للحبوب والثمار العشر أو نصف العُشر.
* لكن المالكية (٣) يرون: وجوب الزكاة في الزيتون، وهي أيضًا رواية مشهورة للإمام أحمد (٤)، والشافعية (٥).
стр. 3408
إلا الشافعي في مذهبه القديم (١)، والمعمول به هو المذهب الجديد.
لكن العلماء يفرِّعون على هذه مسائل في: ما الذي يؤخذ من الزيتون؟ هل تؤخذ الزكاة من الحب أم من الزيت؟ الزكاة تؤخذ من زيت الزيتون، لكن قد لا يكون للزيتونِ زيتًا، فما الذي يؤخذ؟ بعض العلماء قال: تؤخذ الزكاة من حبه، وبعضهم قال: من قيمته؛ أي: تُستخرج القيمة فتُزكَّى.
* قوله: (وَالمُخْرَجُ عِنْدَ الجَمِيعِ مِنَ النَّخْلِ فِي الزَّكَاةِ هُوَ التَّمْرُ لَا الرُّطَبُ).
الذي يُخرج إنما هو التمر؛ ولذلك نجد أن العلماء بعضهم يقول: كل ما يُكال ويُدَّخر ويُقتات فيه زكاة؛ لكن ليس كل ما يُكال تجب فيه الزكاة.
فمثلًا: تجد شرط الكيل يُذكر أحيانًا عند الحنابلة (٢)، لكن ليس ذلك على الإطلاق؛ فمثلًا: ورق السدر لا تجب فيها الزكاة مع أنها تُكال.
إذن، ما يُدَّخر ويُقتات؛ يعني: ما يصلح أن يكون قوتًا ويُدَّخر: بمعنى أنه ييبس، فإذا جف لا يتعفَّن، وإنما يبقى كالحال بالعنب يكون زبيبًا، وكذلك أيضًا بالنسبة للحب، وكذلك أيضًا الرطب يكون تمرًا، وهكذا، وكذلك الأشياء الذي تُجفف؛ كالعدس والفول وغير ذلك.
* قوله: (وَكَذَلِكَ الزَّبِببُ مِنَ العِنَبِ لَا العِنَبُ نَفْسُهُ).
يريد أن يقول: لا تُخرج الزكاة من الرطب، ولا من العنب؛ وإنما الزكاة تجب في التمر، وفي الزبيب.
стр. 3409
* قوله: (وَكَذَلِكَ عِنْدَ القَائِلِينَ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الزَّيْتُونِ هُوَ الزَّيْتُ لَا الحَبُّ قِيَاسًا عَلَى التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ. وَقَالَ مَالِكٌ (١) فِي العِنَبِ الَّذِي لَا يَتَزَبَّبُ، وَالزَّيْتُونِ الَّذِي لَا يُعْتَصَرُ: أَرَى أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ حَبًّا).
أي: العنب الذي لا يكون له زبيب؛ يؤخذ منه حبًّا، وبعض العلماء قال: القيمة.
(وَأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فَإِنَّ مَالِكًا (٢) وَأَبَا حَنِيفَةَ (٣) قَالَا: يُحْسَبُ عَلَى الرَّجُلِ مَا أَكَلَ مِنْ ثَمَرِهِ وَزَرْعِهِ قَبْلَ الحَصَادِ فِي النِّصَابِ).
بالنسبة لهذه المسألة: هل يجوز للإنسان أن يأكل من الثمر ومن الحبوب إذا أثمرت الثمار واشتد الحب أم لا يجوز له ذلك؟ أو ينتظر حتى يأتي الخارص فيخرص ثم يبين القدر الذي يتركه له من ذلك فيأكل منه؟
هذه المسألة فيها خلاف:
لأن الشافعية (٤): يتشددون في هذه المسألة ويقولون: لا يجوز
стр. 3410
للإنسان أن يأكل من الثمر أو من الحب بعد الاشتداد وبدو الصلاح. ويقولون: إن فعل ذلك فإنه يُغرم، ثم يفرقون بين أن يكون عالمًا بالتحريم بمعنى أنه لا يجوز أن يأكل منه، وبين ألَّا يعلم الحكم، فقالوا: إن كان عالمًا بالتحريم فإنه يُغرم ويُعزر، وإن كان جاهلًا بالحكم فإن عليه غرامة ولا يُعزر.
أما الذي ذكره المؤلف: فهو مذهب (أحمد) (١)، وليس هو مذهب الشافعي إلا إن قصد المذهب القديم وهو قول في مذهب الشافعي، وقالوا: إنه المذهب القديم وبعض الشافعية في رواية ضعيفة نسبوها إليه، لكن مذهب الشافعي الذي نص عليه المحققون عند الشافعي هو ما ذكرته، وليس له أن يأكل فإن أكل فإنه يُغرم وإن كان عالمًا بعدم الجواز يُعزر أيضًا.
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢): لَا يُحْسَبُ علَيْهِ، وَيَتْرُكُ الخَارِصُ لِرَبِّ المَالِ مَا يَأْكُلُ هُوَ وَأَهْلُهُ).
هذا هو مذهب أحمد وليس مذهب الشافعي، أما هذا فهو قوله في القديم؛ فلو قيده بالقديم لم يكن مخطئًا، ومذهب الشافعي هنا يحتاج إلى تحرير في هذه المسألة، فالشافعية لا يرون ذلك، يرون أنه لا يجوز للمالكِ أن يأكل شيئًا فإن أكل فإنه يغرم ذلك، وإن كان عالمًا بالمنع فإنه يُعزر؛ لأنه تعدى فأكل محرمًا.
وهناك رواية ذكرها الماوردي: أنه نُقل عن الشافعي قوله: "يترك الخارص للمالك نخلًا" (٣). وفي قول آخر: أنه يترك له الثلث والربع (٤)؛
стр. 3411
لكن مذهب الشافعية المحقق هو الذي ذكرته لكم، وهو المعتبر.
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: مَا يُعَارِضُ الآثَارَ فِي ذَلِكَ مِنَ الكِتَابِ وَالقِيَاسِ، أَمَّا السُّنَّةُ فِي ذَلِكَ: فَمَا رَوَاهُ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ أَبَا حَثْمَةَ خَارِصًا، فَجَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا حَثْمَةَ قَدْ زَادَ عَلَيَّ. . .) (١).
هذا رجل جاء يشكو إلى رسول اللَّه ﷺ من أن رسوله الذي أرسله ﷺ ليخرص نخل هذا الرجل رأى أنه قد تجاوز الحد فزاد عليه، فرسول اللَّه ﷺ لم ينهر الرجل وإنما تركه فسأل أبا حثمة عن ذلك.
* قوله: (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ ابْنَ عَمِّكَ يَزْعُمُ أَنَّكَ زِدْتَ عَلَيْهِ"، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ تَرَكْتُ لَهُ قَدْرَ عَرِيَّةِ أَهْلِهِ، وَمَا يُطْعِمُهُ المَسَاكِينَ، وَمَا تُسْقِطُهُ الرِّيحُ، فَقَالَ: "قَدْ زَادَكَ ابْنُ عَمِّكَ وَأَنْصَفَكَ").
انظروا إلى الحكم الدقيق من رسول اللَّه ﷺ ، والذي ينبغي أن يكون نبراسًا (٢) وقدوة لنا؛ لأن اللَّه يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١]، جاءه رجل يشكو إليه ذلك الخارصَ الذي أرسله ﷺ وهو السائل، فرسول اللَّه ﷺ لم يكذِّب الرجل ولم يصدقه فيما قال، وإنما بنى كلامه على الأصل، فلما جاء رسوله الذي أرسله بيَّن له أن هذا الرجل يزعم أنه قد ظلمه، وأنه قد تجاوز الحد في ذلك فسأل رسول اللَّه ﷺ ليصدِر الحكم عن بينة؛ فأخبره بأنه لم يزد عليه وإنما ترك له ما يأكل أهله، وترك له العرية، وترك له ما
стр. 3412
يحتاج إليه السائل، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "لقد أنصفك (١) وزادك".
إذن؛ هذا السائل الذي جاء إليك ليخرص لم يتجاوز الحد ولم يظلمك في حكمه، وإنما أعطاك حقك وتجاوز؛ أي: تسامح معك.
وهكذا أيُّ حكم من الأحكام لا ينبغي أن يصدره المسلم على أخٍ له دون أن يعلم حقيقة الأمر.
ولنفرض: أنه جاء إلى إنسان رجل فقال: فلان فعل كذا وكذا، لا ينبغي أن تأخذ كلامه مسلمًا مهما كان هذا الرجل صادقًا ومعروفًا بين الناس حتى تسمع أيضًا إلى خصمه وإلى الشخص الآخر فترى الحقيقة؛ ولذلك رسول اللَّه ﷺ وهو الذي ينزل عليه الوحي بيَّن أنه يأتيه الرجلان؛ فربما يكون أحدهما ألحن بحجته من الآخر فيقضي على نحو مما أسمع لكنه بيَّن بقوله: "فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فإنما أقطع له قطعة من نار فليأخذها أو فليدعها! " (٢).
"ولما جاء رجل إلى علي بن أبي طالب ﵁ فيقول فلان: فقأ عيني؛ فيقول: لا أحكم لك، لا أدري لعلك فقأت عينيه" (٣).
إذن؛ الحكم دائمًا إنما يصدر بعد أن تستجمع الأدلة.
وهكذا رسول اللَّه ﷺ لما جاءه الشاكي لم يكذبه، لكنه لم يأخذ قوله مسلَّمًا حتى سمع من الآخر، فحينئذٍ بين الرسول ﷺ الحق في ذلك، وأن
стр. 3413
الساعي لم يظلم الرجل فقال: "إِنَّ ابْنَ عَمِّكَ يَزْعُمُ أَنَّكَ زِدْتَ عَلَيْهِ" فأخبره ما فعله فبيَّن الرسول ﷺ أنه ما ظلمه وإنما أعطاه حقه وزاد على ذلك.
* قوله: (وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا خَرَصْتُمْ، فَدَعُوا الثُّلُثَ، فَإِن لمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ، فَدَعُوا الرُّبُعَ").
هذه أيضًا من حكم هذه الشريعة العظيمة: "إِذَا خَرَصْتُمْ فَدَعُوا الثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبُعَ" (١)؛ ولذلك قال بعض العلماء (٢) ممن يرون الترك خلافًا للشافعية: لو جاء الخارص فخرص جميع النخل أو جميع أشجار العنب؛ فإن للمالك أن يأكل إلى حد الربع أو الثلث.
لماذا حض الرسول ﷺ على هذا: "إِذَا خَرَصْتُمْ فَدَعُوا الثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبُعَ"؟
لأن هذا البستان فيه حقوق متعددة، فالرجل بحاجة هو وأهله أن يأكلوا، وربما يأتيه صديق له فيعريه نخلة من النخيل أو أكثر فيتمتع بها، وربما يطرقه الضيوف، والضيف -كما تعلمون- له حق، والطير له حق، والإنسان الذي يمر به أيضًا له حق، وهذه الرياح التي تهز الأشجار فتسقط شيئًا منها تذهب عليه شيئًا ثم تأتي الزكاة بعد ذلك، فهذه الشريعة العظيمة نجد أنها دائمًا تُراعي حقوق الناس؛ فهي لا تُرهق (٣) الغني ولا تهضم (٤) حق الفقير، بل هي دائمًا دين وسط كما أن هذه الأمة هي أمة وسط.
وجاء في بعض الروايات: "إذا خرصتم فخذوا" (٥)؛ أي: خذوا
стр. 3414
نصيب الزكاة، ثم قال: "فَدَعُوا الثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبُعَ".
* قوله: (وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خَفِّفُوا فِي الخَرْصِ، فَإِنَّ المَالَ العَرِيَّةُ (١) وَالآكِلَةُ (٢) وَالوَصِيَّةُ (٣) وَالعَامِلُ وَالنَّوَائِبُ (٤) وَمَا وَجَبَ فِي التَّمْرِ مِنَ الحَقِّ" (٥)).
"العَرِيَّةُ": وهي النخلة التي يهديها إنسان لآخر في مزرعته يتمتع فيها أثناء العام؛ أي: يأكل طلعها.
"وَالآكِلَةُ": وهم أصحاب هذه المزرعة من القائم عليها، وأهله، وأبناؤه الذين يأكلون منها.
"وَالوَصِيَّةُ": كأن يوصي صاحب هذه المزرعة بشيء منها لغيره.
"وَالعَامِلُ": وهم الذين يشتغلون في هذه المزارع، وفي بعض الروايات "الوطية" (٦) الذين يمرون وهم السائلين الذين يمرون فيأكلون (٧).
стр. 3415
"وَالنَّوَائِبُ": والنوائب رياح تأتي وأمطار. . . إلى غير ذلك؛ فهذه الجوائح التي تنزل في المزارع يحدث فيها نقص وربما تفنيها.
"وَمَا وَجَبَ فِي التَّمْرِ مِنَ الحَقِّ": وهذا ما يعرف بالنسبة للنوائب يسميه القانونيين بـ (نظرية الظروف الطارئة) ويقولون: بعضهم يدعي أن الشريعة الإسلامية ليست فيها نظريات، وهذا كلام غير صحيح؛ فإن ما يُعرف بالجوائح قد اشتهر في الشريعة الإسلامية ما يُعرف بالجائحة والرسول ﷺ قال: "بم يأكل أحدكم مال أخيه بغير حق" (١)؛ فهذه الجوائح هي التي يسمونها بـ (نظرية الظروف الطارئة)، والإسلام دائمًا أسبق إلى مثل هذه الأحكام.
* قوله: (وَأَمَّا الكِتَابُ (٢) المُعَارِضُ لِهَذِهِ الآثَارِ وَالقِيَاسُ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]).
الآية أطلقت: فأباحت للمُلَّاك أن يأكلوا وأن عليهم مقابل ذلك أن يؤدوا الزكاة عندما يأتي وقت الحصاد أو وقت الجذاذ.
* قوله: (وَأَمَّا القِيَاسُ: فَلِأَنَّهُ مَالٌ، فَوَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَالوَاجِب مِنْهُ فِي هَذِهِ الأَجْنَاسِ الثَّلاثَةِ الَّتِي الزَّكاةُ مُخْرَجَةٌ مِنْ أَعْيَانِهَا).
إذن؛ المؤلف يريد أن يقول بعد أن عرض عدة مسائل وانتهينا من دراستها ومن بيان ما يحتاج إلى بيان، بيَّن أن ما مر إنما هو فيما يتعلق بالأعيان، وأن الزكاة تُؤدى من العين، وقد عرفنا عندما درسنا زكاة الإبل، وأنه في الخمس شاة وفي العشر شاتان. . . إلى آخره، وفي خمس وعشرين بنت مخاض. . . إلى آخره، وفي البقر في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي الغنم في أربعين شاةٌ إلى مائة وعشرين، فإذا زادت واحدة
стр. 3416
ففيها شاتان. . . هذا كله مر بنا وهذا أخذ من الأعيان (١).
سينتقل المؤلف إلى مسألة أُخرى تتعلق بـ: هل يجوز أن تُخرج القيمة بدل العين أم لا؟
* قوله: (لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهَا إِذَا خَرَجَتْ مِنَ الأَعْيَانِ أَنْفُسِهَا أَنَّهَا مُجْزِئَةٌ) (٢).
المقصود بعين الشيء: ذاته؛ أي: نفسه، فعين هذا الكتاب ذاته، وعين هذه البقرة هي ذاتها، وهكذا الجبل ونحو ذلك؛ فعين الشيء ذاته.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يَجُوزُ فِيهَا أَنْ يُخْرِجَ بَدَلَ العَيْنِ القِيمَةَ أَوْ لَا يَجُوزُ؟).
هذا من مزايا هذا الكتاب وهو -حقيقة- فيه عمق؛ فقد مهد المؤلف لهذه المسألة بعد أن تكلم عن عدة مسائل بيَّن أنها كلها تنخرط (٣) في سلك واحد، وأن الكلام فيها والحكم يتعلق بالإخراج من العين، وهنا أراد أن يبين هل يجوز أن تخرج الزكاة قيمةً بدل العين بمعنى هل تُباع هذه العين وتزكى قيمتها أو لا؟
هذا لا خلاف فيه في عروض التجارة (٤)؛ تُقوم وتخرج الزكاة من
стр. 3417
النقدين؛ لكن الكلام فيما عدا ذلك؛ فكلام المؤلف ليس خاصًّا بزكاة العروض، وإنما هو عام.
* قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (١) وَالشَّافِعِيُّ (٢): لَا يَجُوزُ إِخْرَاجُ القِيَمِ فِي الزَّكَوَاتِ بَدَلَ المَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الزَّكَوَاتِ).
وأحمد (٣) كذلك، وهو مذهب جماهير العلماء؛ أي: الأئمة الثلاثة كلهم يرون: أنه لا يجوز أن تُخرج القيم بدل العين، فلا يجوز أن يُخرج بدل الشاة قيمتها ولا بدل بنت مخاض قيمتها. . . وهكذا.
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤): يَجُوزُ، سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى المَنْصُوصِ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ).
ومع ذلك قال أبو حنيفة بالجواز؛ فإنه لا يقيد ذلك في حالة العجز عن إخراج العين، وإنما يكون ذلك جائزًا مطلقًا، فلو أن إنسانًا قدر على أن يخرج العين فله كذلك أيضًا أن يخرج القيمة، وخالفه الجمهور في ذلك.
وجط الخلاف في ذلك:
- يستدل أبو حنيفة ومن معه: بحديث أورده البخاري تعليقًا (٥) بصيغة
стр. 3418
الجزم، وهذا الحديث يتعلق بقصة معاذ عندما أرسله رسول اللَّه ﷺ إلى اليمن؛ فإن معاذًا عرض على أولئك الأقوام أن يعطوه بدل الشعير والذرة ثيابًا؛ أي: عرضًا من عروض التجارة؛ فبيَّن أن ذلك أهون عليهم وأنه خير لأصحاب رسول اللَّه ﷺ .
ومعاذ أرسله رسول اللَّه ﷺ لأخذ الزكاة ولغيرها؛ لأن معاذًا ذهب إلى اليمن داعيًا وموجهًا، ولما طلب أن يأخذ الزكاة إذ قال له الرسول ﷺ : "فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن اللَّه قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم" (١)، وأيضًا يأخذ منهم ما يتعلق بالجزية كما جاء في الحديث: "من كل حالم دينار" (٢) وورد أيضًا أنه يأخذ البدل.
فهذا الأثر يقول الحنفية: فيه دلالة على أنه يجوز للساعي أن يأخذ القيمة بدل العين؛ لأن معاذًا عرض على أولئك الأقوام أن يعطوه بدل الشعير والذرة ثيابًا وأن ذلك أهون عليهم؛ لأنه أيسر لهم وفي نفس الوقت أيضًا خير لأصحاب رسول اللَّه ﷺ لأنهم بحاجة إليه.
وقالوا أيضًا: أنتم تقولون في عروض التجارة وتوافقوننا بأنها تقوَّم وتخرج القيمة وهي نوع من أنواع الزكاة فلماذا منعتم ذلك في سائر الزكوات؟
أما جمهور العلماء يقولون: إن الزكاة قربة للَّه وهي حق من حقوقه، فلا يجوز الانتقال مما فرضه اللَّه تعالى إلى غيره، وتعلمون أن الحقوق أنواع:
- فهناك حق للَّه خاص به ألا وهو العبادة له وحده.
- وحق يخص المخلوق في تصرفه في ملكه الخاص.
стр. 3419
- وحق مشترك كما نرى ذلك في بعض الحدود وغيرها، فالإنسان الذي يُعتدى عليه بالقذف هناك حقان، حق للَّه وحق للمخلوق، وكذلك السرقة إقامة الحق فيه حق لمن سرق منه، وكذلك حق للَّه ؛ لأن السارق تعدى على حدود اللَّه وانتهك حرماته.
فالحنفية استدلوا به، والجمهور يقولون: هذا حق للَّه تعالى وقربة له، فما دام هذا حقًّا للَّه وقربة فلا يجوز أن يُنتقل مما شرعه اللَّه تعالى في شريعته إلى غيره، وقد مر أن في خمس من الإبل شاة، وفي عشر شاتين، وأن في خمس وعشرين بنت مخاض، وفي ست وثلاثين بنت لبون. . . إلى آخره، وما ورد وأن في البقر في ثلاثين تبيع أو تبيعة وعرفنا ما مر في زكاة الغنم. فهذا إخراج من العين.
وقالوا أيضًا: هذه أمور توقيفية، حق للَّه ، قربة له، لا يجوز أن ينتقل من هذا الأصل إلى غيره إلا بدليل.
ثم قاسوا ذلك على الأضحية فقالوا للحنفية: أنتم توافقوننا بأنه لا يجوز للمضحي أن يخرج قيمة الشاة وإنما يضحي بالشاة؛ إذن ما الفرق بين هذا وهذا؟ وتوافقوننا في الكفارات؛ إذن كذلك هنا.
وأجابوا عن الأثر الذي استدل به الحنفية: بأن ذلك إنما هو فيما يتعلق بالجزية، وليس ذلك في الزكاة بدليل أن معاذًا ﵁ كان ممن لا يرى أن الزكاة تنقل من بلد إلى بلد آخر إلا في حالة عدم وجود من يستحقها في ذلك البلد.
هذه المسألة خرجتُ عما ذكر المؤلف فيها؛ لأنه في نظري لم يستوفه.
إذن؛ الخلاف بين الجمهور وبين الحنفية هو أن الحنفية استدلوا -كما رأيتم- بالأثر وبالقياس، والجمهور استدلوا بالأدلة التي ورد فيها إخراج العين ولم تخرج القيمة وبالقياس على الأضحية.
стр. 3420
والراجح: ولا شك وهو الأقرب إلى روح الشريعة هو ما أخذه الجمهور وهو أحوط في هذه المسألة؛ يقول: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (١).
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلِ الزَّكَاةُ عِبَادَةٌ أَوْ حَقٌّ وَاجِبٌ لِلْمَسَاكِينِ؟).
قوله: "هَلِ الزَّكَاةُ عِبَادَةٌ أَوْ حَقٌّ" لا خلاف في أن الزكاة عبادة؛ لكن هل هي عبادة معلَّلة أم غير معللة؟ لا شك أن الزكاة عبادة معللة؛ لأن اللَّه هو الذي تولى بيان مصارفها؛ أي: الذين تُصرف فيهم ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] إلى آخر الآية؛ فهي عبادة، لكنها عبادة فيها حق للَّه وحق للمساكين، وهي قربة، فينبغي أن نقف فيما ورد به الشرع فيما يتعلق بها، وليس الأمر كما ذكر المؤلف أهي عبادة أم غير عبادة، فلا يقول أحد بأن الزكاة ليست بعبادة؛ لأن الزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام، وهي التي تلي الصلاة؛ أي: الفرع الثاني من فروع هذه الشريعة.
* قوله: (فَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا عِبَادَةٌ، قَالَ: إِنْ أَخْرَجَ مِنْ غَيْرِ تِلْكَ الأَعْيَان لَمْ يَجُزْ).
أما إن أراد هل هي عبادة محضة أو غير ذلك: فربما يلتمس له، وعبادة محضة بمعنى أنها خالصة للَّه ليس فيها حق لغيره فربما نتأول كلام المؤلف على ذلك، وكان ينبغي أن تقيد بـ (محضة)، نقول: إنها عبادة فيها حق للمخلوق، وهي عبادة للَّه.
ولذلك مما يدل على أنها عبادة وأنها محل اتفاق وهذا أمر
стр. 3421
لا خلاف فيه أصلًا، ولا أظن المؤلف يقصد ذلك وإنما ربما فيه تقصير في العبارة أو ربما له تأول يتأوله؛ إذ يشترط العلماء فيها النية، فمن يريد أن يزكي يشترط النية (١)، إلا في حالة يقول العلماء: يجوز إذا أخذها الإمام منه قسرًا؛ أي: إذا أخذت منه بالقوة (٢)، وتعلم أنه مر في تاريخ الإسلام فِرق ظهرت وكانت لها سلطة فأخذت الزكوات وغيرها بقوة فلا يستطيع صاحب المال أن يمنعها، وأجاز العلماء ذلك، ورأوا أنها كافية؛ فعندما تؤخذ منه بالقوة يقول العلماء: تسقط عنه النية، لكن أن يخرجها برغبة منه فالنية شرط فيها؛ لأنها عبادة من العبادات، والرسول ﷺ يقول في الحديث الصحيح: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (٣).
والزكاة أيضًا صدقة: والصدقة إما صدقة مفروضة، وهي هذه الزكاة، وإما صدقة مفروضة أخرى، وهي زكاة الفطر، وإما صدقة سنة ومستحبة ألا وهي الزكاة غير الواجبة، فالذي يميز هذه العبادات هي النية، كما تكلمنا هنا في مباحث الطهارة وفي مباحث الصلاة بأنه إنما شُرعت النية لتمييز العبادات عن العادات ولتمييز العبادات بعضها عن بعض فنميز الفرض عن غير الفرض.
стр. 3422
* قوله: (لِأَنَّهُ إِذَا أَتَى بِالعِبَادَةِ عَلَى غَيْرِ الجِهَةِ المَأْمُورِ بِهَا، فَهِيَ فَاسِدَةٌ).
لعل المؤلف يريد أن يقول: عبادة أو غير عبادة: إن العين ورد التنصيص عليها، وهذا دليل على أنها قربة، فهي عبادة.
فمن يقول: بأنها قربة خالصة؛ يقول: لا يجوز أن تخرج القيمة.
ومن يقول: ننظر إلى حق المساكين فيها؛ فالحق هنا مشترك؛ فلذلك نقول: تجوز القيمة، وقد يكون الأصلح للفقير إنما هي القيمة، وهذا الكلام سيتكرر أيضًا في زكاة الفطر.
* قوله: (وَمَنْ قَالَ: هِيَ حَقٌّ لِلْمَسَاكِينِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ القِيمَةِ وَالعَيْنِ عِنْدَهُ).
يريد أن يورد مناقشة اعتراض، أو تسليم فيه اعتراض.
* قوله: (وَقَدْ قَالَتِ الشَّافِعِيَّةُ: لنَا أَنْ نَقُولَ -وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهَا حَقٌّ لِلْمَسَاكِينِ: إِنَّ الشَّارِعَ إِنَّمَا عَلَّقَ الحَقَّ بِالعَيْنِ تَصْدُرُ مِنْهُ لِتَشْرِيَكِ الفُقَرَاءِ مَعَ الأَغْنِيَاءِ فِي أَعْيَانِ الأَمْوَالِ).
يقولون: لو سلمنا -أيها الحنفية- بقولكم: إنها حق للمساكين، ومعروف أن الزكاة هي حق للمساكين وقلنا: هي جمعت بين الحقين، لكن الشارع علَّق الحكم بالعين ولم يعلقه بالقيمة؛ لأن هذه قربة من القرب جاءت بها الشريعة، فليس لنا أن ننتقل إلى غيرها إلا بدليل، ولا دليل في هذه المسألة فنبقى على الأصل.
فأنت لو أعطيته قيمة الشاة لا يكون عنده شاة، لكن أنت تملك شياهًا فأعط الفقير شاة؛ فتكونون قد تساويتم في أن كلًّا منكم يملك شيئًا منه، لكن أنت تملك الكثير وهذا يملك القليل، لكن المهم أنكم قد تساويتم في ذلك.
стр. 3423
فالشافعية: لاحظوا في ذلك ملحظًا جيدًا: وهو تنزيل الفقراء منزلة الشركاء بالنسبة للأغنياء في الزكاة؛ فإذا نزَّلناهم منزلة الشركاء يأخذون من نفس العين لا من نفس القيمة.
* قوله: (وَالحَنَفِيَّةُ (١) تَقُولُ: إِنَّمَا خُصَّتْ بِالذِّكْرِ أَعْيَانُ الأَمْوَالِ تَسْهِيلًا عَلَى أَرْبَابِ الأَمْوَالِ).
يقول الحنفية: خُصت الأعين، حتى يُقصد بذلك التيسير على الملاك بدل أن يذهب ويبيع أشياء ثم يخرج القيمة؛ فهو يعطيه من هذه الشياه فهذا فيه تيسير على الأغنياء.
* قوله: (لِأَنَّ كُلَّ ذِي مَالٍ إِنَّمَا يَسْهُلُ عَلَيْهِ الإِخْرَاجُ مِنْ نَوْعِ المَالِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي بَعْضِ الأَثَرِ: أَنَّهُ جَعَلَ فِي الدِّيَةِ عَلَى أَهْلِ الحُلَلِ حُلَلًا (٢) عَلَى مَا يَأْتِي فِي كِتَابِ الحُدُودِ).
سيأتي الكلام في ذلك كما تكلم المؤلف: لكن نحن الآن نعيش مع أمور وردت فيها نصوص، وهي أمور قُصد بها التقرب إلى اللَّه فينبغي أن نقف إلا أن يرد نص صريح فننتقل بعد ذلك إلى ما يقول الحنفية، لكن لا دليل صريح في ذلك، فما أوردوه يحتمل التأويل وقد أجاب عنه الجمهور.
стр. 3424
[الفَصْلُ السَّادِسُ فِي نِصَابِ العُرُوضِ]
قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: (وَالنِّصَابُ فِي العُرُوضِ عَلَى مَذْهَبِ القَائِلِينَ بِذَلِكَ (١) إِنَّمَا هُوَ فِيمَا اتُّخِذَ مِنْهَا لِلْبَيْعِ خَاصَّةً).
انتقل المؤلف إلى فصلٍ آخر يتعلق بعروض التجارة وهو مرتبط
وعروض التجارة: جمع عرْض -بتسكين الراء-، والعروض هو: ما يُعرض من السلع ومن المتاع للمشتري إظهارًا له إن أراد شراءه.
فأنت عندما تمر بحانوت (٢) من الحوانيت، أو متجر من المتاجر أو دكان من الدكاكين، أو مؤسسة من المؤسسات ترى أن البضائع معروضة فيها، هذه البضائع قالوا عنها معروضة؛ لأن القصد منها أن يراها الزبائن؛ يمر بها المشتري فيشترون منها؛ إذن عروض التجارة سميت عُروضًا بضم العين؛ لأنها تُعرض للتجارة بغية إظهارها لمن يريد أن يشتري منها.
وعروض التجارة أمرها واسع، وقد مر بنا مسائل تزكى أو لا تزكى؛ فما مر بنا ما يتعلق ببعض ما يُستخرج من البحر ورأينا أن العلماء لا يرون الزكاة فيه (٣)، ورأينا كذلك أن جمهور العلماء لا يرون زكاة الخيل (٤). . .
стр. 3425
وغير ذلك، لكن هذه الأمور وغيرها إذا ما اتخذت عُروضًا للتجارة فإنها تُزكى زكاة عروض التجارة.
وزكاة عروض التجارة إذا حال عليها الحول تُقَوَّم هذه السلع الموجودة من أي نوع كان، سواءٌ كان هذا المكان فيه أدوات منزلية، أو مكان لبيع البز (١)، أو مكالن لبيع أدوات السباكة، وكذلك السيارات، أو بيع الثلاجات، أو غيرها. . . هذه كلها التي أعدت للتجارة تُقوَّم في آخر العام وتزكَّى.
لكن عروض التجارة يزُكى ما أعد للتجارة، لكن ما يدخره الإنسان، وما يحتاج إليه من ملابسه، ومن فرش منزله، وأدواته المنزلية، وسيارته التي يركبها، أو دابته التي يركبها، أو حيوانه الذي يعمل عليه، هذه لا زكاة فيها؛ وإنما الزكاة فيما أعد منها للتجارة.
كذلك صاحب المتجر لو جئت إلى صاحب المتجر تجد أنه ربما يشتمل على بعض الأدوات الكهربية، والأدوات الحاسبة، وتجد فيه الرفوف والدواليب، وأشياء كثيرة، هذه أشياء ثابتة لا تزكى؛ فهذه مما يحتاج إليه هذا المكان، وإنما الذي يُزكى هي هذه الأموال التي تدار فيبيع فيها ويشتري.
وسيأتي الكلام أيضًا عن أن الذين يبيعون ويشترون على نوعين:
- فهناك نوعٌ من التجار يُسمَّى بالمدير.
وهو الذي يدير أعماله فهو من الإدارة ليس معنى مدير أنه يكون رئيسًا عليها، بل القصد بذلك أن هذه الأموال تُدار في التجارة فيبيع ويشتري طوال العام، كالبقالات التي نراها، وكما ذكرنا قبل قليل الأماكن التي أعدت مثلًا للأدوات المنزلية، أو للأساس، أو لغير ذلك.
стр. 3426
- وهناك أيضًا نوع من التجار يعرف بالمحتكر (١).
وهو الذي يحفظ هذه البضائع إلى أن يأتي وقت ترتفع فيه، فربما يشتري بضائع فيضعها في مخزن أو في مستودع لأنه لا يرى أن الوقت مناسب لبيعها؛ وإنما يتحين الفرص وهذا يعرف بالتاجر المتربص (٢)، أو المحتكر؛ يعني: المتربص الذي ينتظر الوقت الذي يناسبه ليبيع فيه. . . هذا كله سيتعرض المؤلف للكلام فيه، لكن كلامه فيه نوع من الإجمال والتداخل.
لماذا قال: "عَلَى مَذْهَبِ القَائِلِينَ بِذَلِكَ"؟ فهل هناك من العلماء من لا يرى وجوب الزكاة في العروض؟
الجواب: نعم. وهي رواية للإمام مالك (٣)، وهذا مما ينبغي أن ننتبه له؛ فقد يمر بكم ربما بعد قليل ما ترونه خلطًا وتناقضًا من المؤلف، والواقع أنه ليس تناقضًا من المؤلف، وإنما هو يحتاج إلى وقفة ودقة لندرك ما أراده المؤلف.
* قوله: (عَلَى مَا يُقَدَّرُ قَبْلُ).
أي: ما يدخر للبيع، أما ما عندك في بيتك من ملابسك وألحفة وفرش وأدوات منزلية وثلاجات وغسالات تستخدمها وسيارة هذه لا زكاة فيها، فهذه معدة للاستعمال لا للتجارة، وكذلك ما عندك من خدم، لو عند الإنسان مماليك يستخدمهم فرق بين أن تكون للتجارة وبين أن تكون لغير التجارة.
стр. 3427
* قوله: (وَالنِّصَابُ فِيهَا عَلَى مَذْهَبِهِمْ هُوَ النِّصَابُ فِي العَيْنِ).
كثير من طلاب العلم يرون الزكاة من المسائل الدقيقة، وهي حقيقة أهم ما فيها أن تضبط أصولها؛ فإذا عرفت أصولها تبين لك أن الأمر ليس فيه صعوبة، لكن القضية أننا أصبحنا لا نحاول أن نمعن (١) أفكارنا، وأن نتعمق في دراسة المسائل؛ وإنما بدأنا نحب أن نقرأ المسائل على ما نحن نعيشه اليوم تقريبًا، مسائل يسيرة نضعها في المذكرات، نفر من الكتب القديمة التي فيها عمق وفيها أساليب قوية، وفيها حقيقةً غوص في المعاني؛ فأصبحنا نرى هذه صعبة، والحقيقة أنها ليست بصعبة.
ويقصد بالعين هنا: الذهب والفضة؛ بمعنى: أن هذه العروض تُقوَّم وإذا ما قُومت عُرفت قيمتها ذهبًا وفضة فأُخرجت زكاتها إما ذهبًا أو فضة، وتعلمون الآن أن الأوراق النقدية أحلت محل الذهب والفضة.
* قوله: (إِذْ كَانَتْ هَذِهِ هِيَ قِيَمُ المُتْلَفَاتِ وَرُؤُوسُ الأَمْوَالِ).
هذه قضية وأراد خلالها أن يعيدنا إلى قضية سابقة، كأنه يريد أن يقول: ربما سائل يسأل فيقول: لماذا عروض التجارة تخرجون الزكاة من قيمتها لا من نفس العين؟ أي: تخرجون ذلك من العين التي هي الذهب والفضة لا العين التي هي السلعة الموجودة التي هي رأس مال.
قال: لأن هذه العين التي هي الذهب والفضة هي رؤوس الأموال وهي أيضًا قيم متلفات، فتعلمون أن الناس في هذه الحياة إنما يتنافسون للحصول على الذهب والفضة، لكنهم يختلفون في مسالكهم.
- فهناك من يوفقه اللَّه إلى الخير، ولا يردع أن يبذل كل جهده في جمع المال، لكن يجمعه من طريق حلال ويؤدي ما أوجب اللَّه عليه من حقوق ويتصدق من هذا المال؛ فيكون ذلك قربة يتقرب بها إلى اللَّه فيجد ثمرة ذلك في الدنيا وثوابه في الآخرة.
стр. 3428
- وآخر يسلك طرقًا ملتوية؛ لا يهمه أن يجمع المال من أي مكان ومن أي طريقٍ كان وفي أي حالةٍ من الأحوال، المهم أن يجمع الذهب والفضة؛ سواء جمعه بطريقٍ حرام أو بطريق حلال، وربما قد يجمعه من حلال لكنه لا يؤدي ما وجب عليه فيه من زكاة، ولا يؤدي نفقة من تلزمه نفقاتهم، وربما يتعالى ويتعاظم بهذا المال، فيكون وبالًا عليه وخسارة؛ قد يظن أنه قد تنعم به في هذه الحياة الدنيا، لكنه سيجد ذلك حسرةً وندامة يوم القيامة، وقد مر بنا قول اللَّه تعالى: ﴿. . . وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾ [التوبة: ٣٤، ٣٥].
إذن في هذا المال الذهب والفضة تنافس المتنافسون وتسابق المتسابقون وضرب الناس في الأرض بحثًا عن جمع هذا المال، هذا يسافر وهذا يعمل، لكن من وفقه اللَّه إلى جمع المال فيكون فيمن قال فيهم رسول اللَّه ﷺ أو قيل له: "ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي ويتصدقون بفضول أموالهم" (١) فبيَّن الرسول ﷺ أن ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء.
وما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا! لكن أن يكون المال سببًا في ضلال الإنسان وفي انشغاله عن طاعة اللَّه فهذا لا شك أن المال لا يكون خيرًا له.
* وقوله: (وَكَذَلِكَ الحَوْلُ فِي العُرُوضِ عِنْدَ الَّذِينَ أَوْجَبُوا الزَّكَاةَ فِي العُرُوضِ).
стр. 3429
الحول ليس محل إجماع بين العلماء؛ فالأئمة الأربعة (١) عدا الشافعية في رواية (٢) يشترطون الحول، والحول مُشترط عند عامة العلماء، فمر بنا الإجماع لكن سيأتي الكلام في زكاة المال، وهو الذي فيه الخلاف كما سيذكره المؤلف؛ فهذا ليس محل اتفاق بين العلماء، أما ما عداه فيشترط فيما يشترط في زكاة النقدين وكذلك الماشية.
لكن هناك أشياء لا يشترط فيها الحول كما مر بنا فيما تخرجه الأرض من الحبوب والزروع، ومن الحبوب والثمار، فترون الزروع وكذلك الثمار لا يشترط له الحول لأنْ تجب فيها الزكاة؛ ففي الثمار إذا بدا، صلاحها وفي الحبوب إذا اشتدت.
وهناك مسائل يختلف فيها العلماء هل يشترط فيها حول أو لا؟ لكن عروض التجارة يشترط فيها على الرأي الصحيح الحول.
* قوله: (فَإِنَّ مَالِكًا (٣) قَالَ: إِذَا بَاعَ العُرُوضَ، زَكَّاهُ لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ كَالحَالِ فِي الدَّيْنِ، وَذَلِكَ عِنْدَ فِي التَّاجِرِ).
يرى الإمام مالك: أنه إذا باع العروض زكاها بحولٍ واحد، وهذا تقديمٌ لخلاف ربما يعرض له المؤَلف عن مالك، فلو قُدر أنه ما زكى العروض سنوات عند مالك يزكيها سنة واحدة، وعند الجمهور يزكيها لكل
стр. 3430
عام، وهذا سيأتي أيضًا في الدين (١).
"كالحال في الدين"؛ أي: قياسًا على الدين؛ لأن الإمام مالكًا يرى أن مَن كان له دين عند مدين وبقي عنده فترة فهل الدين تجب فيه الزكاة أم لا؟ إذا كان إنسانٌ له مبلغٌ أزال به آخر؛ يعني: هو دين عند آخر وهو يبلغ النصاب وحال عليه الحول فهل يزكى أم لا؟
تكلمنا عن هذه المسألة، وقسمنا الأموال إلى قسمين: أموال ظاهرة، وأموال غير ظاهرة (٢) وبيَّنا أن الأموال الظاهرة كالماشية، وأن غير الظاهرة كالنقدين؛ لأن النقدين لا ترى كم عند زيد، لكن الماشية تراها بعينك وتعدها، هذه سبق أن تكلمنا عنها.
والدين رأينا الخلاف فيه (٣):
стр. 3431
- فمنهم: مَن لا يرى أن في الدين شيئًا، وهذا رأي ضعيف.
- ومنهم: مَن يفرق بين أن يكون هذا الدين الذي له عند آخر مقابلَ دين عليه أم لا.
لكن الكلام هنا في الدين إذا كان عند مدين وأراد قبضه فأقبضه إياه: هل تجب فيه الزكاة؟
فمالك يخالف الجمهور ويرى أنه يزكى لعام واحد، والجمهور يرون: أنه يزكى عن الأعوام الفائتة.
* قوله: (الَّذِي تُضْبَطُ لَهُ أَوْقَاتُ شِرَاءِ عُرُوضِهِ).
التاجر الذي تُضبط له أوقات عروضه: هو الذي نسميه بـ (المتربص)، يشتري بضاعة بمبلغ معين فيضعها في مستودعه، هذا عرف بضاعته وقيمتها، وينتظر الوقت المناسب لبيع هذه السلع، وربما تكون السلع من الأقمشة ما يناسب بيعه في الشتاء كالأقمشة الشتوية كالصوف، وبعضها يناسب بيعها في الصيف، وهناك تجد بضائع تباع في الربيع، وتجد في موسم الحج هناك بضائع يحصل عليها؛ إذن هذا يتربص الوقت المناسب لبيع هذه السلع وبسعرٍ مناسبٍ يربح فيه؛ لأنه اشتراها ليربح؛ فهذا تنضبط تجارته، أما الذي لا تنضبط تجارته فسيأتي الكلام عليه.
* قوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ لَا يَنْضَبِطُ لَهُمْ وَقْتُ مَا يَبِيعُونَهُ وَلَا يَشْتَرُونَهُ، وَهُمُ الَّذِينَ يُخَصُّونَ بِاسْمِ المُدِيرِ).
هذا حاله لا ينضبط؛ لأنه لو أن إنسانًا عنده بِقالة ترون أن البضائع
стр. 3432
ترددت عليه، هذه يبيعها وهذه يشتريها وهذه تخرج من مكانه، وهذه تدخل وهكذا، ومن يشتغل بالأقمشة وغيرها كذلك.
إذن؛ بضائع ترد وبضائع تذهب، هذا يُسمَّى بـ (المدير)؛ لأن أعماله تدار لا تتوقف، وذاك سمي (متربصًا)؛ لأنه يتحين الفرص وبعضهم يسميه (محتكرًا)؛ أي: منتظرًا للوقت المناسب يبيع فيه بضائعه؛ ففرق بين هذا وذاك عند مالك بالنسبة للزكاة ولا فرق بينهما عند الجمهور كما سيأتي.
* قوله: (فَحُكْمُ هَؤُلَاءِ عِنْدَ مَالِكٍ إِذَا حَالَ عَلَيْهِمُ الحَوْلُ مِنْ يَوْمِ ابْتِدَاءِ تِجَارَتِهِمْ أَنْ يُقَوَّمَ مَا بِيَدِهِ مِنَ العُرُوضِ).
نفرض: لو أن إنسانًا فتح متجرًا من المتاجر بمائة ألف، فصار يبيع ويشتري، فإذا جاء آخر العام يُقوِّم هذه السلعة المعروضة ومعه أيضًا ما نضَّ في يده، من النقدين اللذين ينتقلان إلى النقدين من متاع، تبيع المتاع بذهب أو فضة، ونحن الآن عندنا هنا بالدراهم؛ إذن هذا يُسمَّى مال نض؛ نض المال؛ أي: أنك حولته من سلعة إلى نقد هذا هو النض؛ فعنده مال نض وقوم هذه السلعة؛ هذا هو مراد المالكية في ذلك؛ فيجمع هذا مع هذا فيخرج زكاة الكل.
* قوله: (ثُمَّ يَضُمَّ إِلَى ذَلِكَ مَا بِيَدِهِ مِنَ العَيْنِ، وَمَا لَهُ مِنَ الدَّيْنِ الَّذِي يُرْتَجَى قَبْضُهُ).
ونعلم أن أصحاب المحلات بعضهم يبيع بالدين؛ فليس كل الناس لديهم عملة سائلة؛ أي: ليس جميع الناس دائمًا معهم أموال، فتجد الموظف ربما ينتهي راتبه قبل نهاية الشهر فهو أيضًا يأتي إلى هذا فيُسجل عليه في سجله؛ إذن له دين على أشخاص، وبعض الناس ربما يتأخر مدة، فهناك سلعًا باعها وقبض ثمنها نقدًا، فهي موجودة عنده نقد هذا المال في يده، وسلع لا تزال موجودة في محله، وسلعٌ باعها لكنها ديون عند آخرين فيجمع هذه الثلاثة؛ فإذا ما اجتمعت كلها أخرج زكاتها.
стр. 3433
* قوله: (إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مِثْلُهُ).
فلو كان مثلًا له دين عشرة آلاف وعليه دين يساويه فهذا يقابل هذا، مع أن بعض العلماء يرى أنه يزكي، لكن الصحيح أنه لا يزكي؛ لأن له دينًا وعليه ما يقابله.
* قوله: (وَذَلِكَ بِخِلَافِ قَوْلِهِ فِي دَيْنِ غَيْرِ المُدِيرِ).
مالك يفرق بين المدير وبين المتربص.
* قوله: (فَإِذَا بَلَغَ مَا اجْتَمَعَ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ نِصَابًا، أَدَّى زَكَاتَهُ، وَسَوَاءٌ نَضَّ لَهُ فِي عَامِهِ شَيْءٌ مِنَ العَيْنِ، أَوْ لَمْ يَنِضَّ).
أي: سواء باع من هذه السلع فأصبح في يده نقد أو لم يكن.
* قوله: (بَلَغَ نِصَابًا أَوْ لَمْ يَبْلُغْ نِصَابًا).
ومن هنا يحصل الخلاف بين مالك وبين الجمهور: وهو الذي ربما يظهر للبعض ويتوارى له أن المؤلف خلط في ذلك فأخطأ في نسبة مذهب الجمهور، إما أن عبارته فيها سقط، أو أنه أغلق العبارة؛ لكن قصد المؤلف معروف وهذا سيأتي إن شاء اللَّه.
* قوله: (وَهَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ المَاجِشُونِ (١) عَنْ مَالِكٍ، وَرَوَى ابْنُ القَاسِمِ (٢) عَنْهُ: إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نَاضٌّ، وَكَانَ يَتَّجِرُ بِالعُرُوضِ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي العُرُوضِ شَيْءٌ، فَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَبَرَ فِيهِ النِّصَابَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَعْتَبِرْ ذَلِكَ).
стр. 3434
ابن الماجشون من أصحاب مالك وأيضًا ابن القاسم وهو الذي كان يروي عن مالك إما مسجلًا أو مدونًا المدونة فهو صح كما هو معلوم، وابن القاسم يسأل الإمام مالكًا وأحيانًا عندما يجد الإمام مالكًا يتوقف يجيب هو، فتجد بأن "المدونة" تجمع بين أقوال مالك وابن القاسم.
* قوله: (وَقَالَ المُزَنِيُّ: زَكَاةُ العُرُوضِ تَكُونُ مِنْ أَعْيَانِهَا لَا مِنْ أَثْمَانِهَا).
فالمزني يرى أنَّه إذا كان صاحب بَزٍّ (١)، ونُسمِّيه صاحبَ (القماش) يقوَّم ما عنده ثم يُخرج ما عنده، إذا كان مثلًا إنسان عنده مفصلة يخرج ملابس مفصلة وهكذا؛ إذن هو لا يرى أنها تخرج من الثمن وإنما تخرج من العين.
* قوله: (وَقَالَ الجُمْهُورُ؛ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَالثَّوْرِيُّ وَالأَوْزَاعِيُّ (٢) وَغَيْرُهُمْ: المُدِيرُ وَغَيْرُ المُدِيرِ حُكْمُهُ وَاحِدٌ، وَأَنَّهُ مَنِ اشْتَرَى عَرَضًا لِلتِّجَارَةِ، فَحَالَ عَلَيْهِ الحَوْلُ، قَوَّمَهُ وَزَكَّاهُ).
المؤلف ذكر الإمام أحمد هنا، وهذا ربما أشكل على بعض الناس، فهو أحيانًا يذكر وأحيانًا لا يذكر، وابن رشد ليس كما يُقال أو يدعي البعض أنه لا يرى أن أحمدَ فقيهًا وإنما يراه محدثًا، يقال عن بعض العلماء -كابن عبد البر والطبري- أنهم لا يرونه فقيهًا، وليس معنى أنهم لا يرونه فقيهًا يرون أن الحديث غلب عليه، وهذا كلام كله غير صحيح، فابن رشد ينقل من كتاب "الاستذكار" لابن عبد البر، فإن وجده ذكر أحمد ذكره
стр. 3435
وإلا فلا، وهذا الكتاب كان مفقودًا والحمد للَّه قد وُجد جزء منه قبل فترة ثم وجد كاملًا وطبع وهو بين أيدينا محقق.
فالجمهور خالفوا مالكًا في رواية أخرى: فهم لا يفرقون بين التاجرين سواء كان هذا التاجر متربصًا -وهو الذي يحفظ بضاعته إلى أن يأتي وقت البيع-، أو الذي يدير بضاعته فيبيع بيعًا مستمرًّا وهو المدير، حكمهم واحد في إخراج الزكاة، وأنهما متى ما كان عندهما من العُرُوض بعد التقويم يساوي النصاب وقد حال عليه الحول؛ فإنه يزكي سواءٌ قد وضع هذا في متجره وأغلق عليه؛ لأنه عندما اشترى هذه البضائع وهو المتربص يريد بها التجارة، فالنية قائمة وما اشتراها ليستخدمها أصلًا نوى أنها للتجارة فهو تاجر، فمتى ما حال عليها الحول يزكيها سواء باع فيها واشترى أم لم يبع.
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ يُزَكِّي ثَمَنَهُ الَّذِي ابْتَاعَهُ بِهِ لَا قِيمَتَهُ).
هذا كلام ذكره المؤلف لم ينسبه إلى أحد، ولعله نقله عن أهل الظاهر فيما يظهر.
انتبهوا! هنا ترون الآن ظاهر كلامه التناقض فانتبهوا لهذا، وأنا لا أراه تناقضًا.
* قوله: (وَإِنَّمَا لَمْ يُوجِبِ الجُمْهُورُ عَلَى المُدِيرِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الحَوْلَ إِنَّمَا يُشْتَرَطُ فِي عَيْنِ المَالِ، لَا فِي نَوْعِهِ).
في إيجاب الزكاة، لا فرق بينهم فلماذا فرق هنا؟ قصد المؤلف هنا ﵀ أن الجمهور لا يرون على المدير شيئًا إذا لم تكن عُرُوضه التي عنده لم تبلغ نصابًا فهم يخالفون مالكًا في ذلك؛ إذ عين المال لم يبلغ نصابًا، فكيف نوجبه عليه؟! فما عنده لم يصل إلى حد النصاب فلا زكاة عليه، وعين المال الذي عنده لا يبلغ نصابًا.
فالجمهور: يشترطون النصاب في العين؛ أي: في عين هذه السلعة الموجودة عنده وعين هذه السلعة الموجودة عنده لم تصل إلى حد النصاب