← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

- فمنهم: مَن لا يرى أن في الدين شيئًا، وهذا رأي ضعيف. - ومنهم: مَن يفرق بين أن يكون هذا الدين الذي له عند آخر مقابلَ دين عليه أم لا. لكن الكلام هنا في الدين إذا كان عند مدين وأراد قبضه فأقبضه إياه: هل تجب فيه الزكاة؟ فمالك يخالف الجمهور ويرى أنه يزكى لعام واحد، والجمهور يرون: أنه يزكى عن الأعوام الفائتة. * قوله: (الَّذِي تُضْبَطُ لَهُ أَوْقَاتُ شِرَاءِ عُرُوضِهِ). التاجر الذي تُضبط له أوقات عروضه: هو الذي نسميه بـ (المتربص)، يشتري بضاعة بمبلغ معين فيضعها في مستودعه، هذا عرف بضاعته وقيمتها، وينتظر الوقت المناسب لبيع هذه السلع، وربما تكون السلع من الأقمشة ما يناسب بيعه في الشتاء كالأقمشة الشتوية كالصوف، وبعضها يناسب بيعها في الصيف، وهناك تجد بضائع تباع في الربيع، وتجد في موسم الحج هناك بضائع يحصل عليها؛ إذن هذا يتربص الوقت المناسب لبيع هذه السلع وبسعرٍ مناسبٍ يربح فيه؛ لأنه اشتراها ليربح؛ فهذا تنضبط تجارته، أما الذي لا تنضبط تجارته فسيأتي الكلام عليه. * قوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ لَا يَنْضَبِطُ لَهُمْ وَقْتُ مَا يَبِيعُونَهُ وَلَا يَشْتَرُونَهُ، وَهُمُ الَّذِينَ يُخَصُّونَ بِاسْمِ المُدِيرِ). هذا حاله لا ينضبط؛ لأنه لو أن إنسانًا عنده بِقالة ترون أن البضائع

стр. 3432

ترددت عليه، هذه يبيعها وهذه يشتريها وهذه تخرج من مكانه، وهذه تدخل وهكذا، ومن يشتغل بالأقمشة وغيرها كذلك. إذن؛ بضائع ترد وبضائع تذهب، هذا يُسمَّى بـ (المدير)؛ لأن أعماله تدار لا تتوقف، وذاك سمي (متربصًا)؛ لأنه يتحين الفرص وبعضهم يسميه (محتكرًا)؛ أي: منتظرًا للوقت المناسب يبيع فيه بضائعه؛ ففرق بين هذا وذاك عند مالك بالنسبة للزكاة ولا فرق بينهما عند الجمهور كما سيأتي. * قوله: (فَحُكْمُ هَؤُلَاءِ عِنْدَ مَالِكٍ إِذَا حَالَ عَلَيْهِمُ الحَوْلُ مِنْ يَوْمِ ابْتِدَاءِ تِجَارَتِهِمْ أَنْ يُقَوَّمَ مَا بِيَدِهِ مِنَ العُرُوضِ). نفرض: لو أن إنسانًا فتح متجرًا من المتاجر بمائة ألف، فصار يبيع ويشتري، فإذا جاء آخر العام يُقوِّم هذه السلعة المعروضة ومعه أيضًا ما نضَّ في يده، من النقدين اللذين ينتقلان إلى النقدين من متاع، تبيع المتاع بذهب أو فضة، ونحن الآن عندنا هنا بالدراهم؛ إذن هذا يُسمَّى مال نض؛ نض المال؛ أي: أنك حولته من سلعة إلى نقد هذا هو النض؛ فعنده مال نض وقوم هذه السلعة؛ هذا هو مراد المالكية في ذلك؛ فيجمع هذا مع هذا فيخرج زكاة الكل. * قوله: (ثُمَّ يَضُمَّ إِلَى ذَلِكَ مَا بِيَدِهِ مِنَ العَيْنِ، وَمَا لَهُ مِنَ الدَّيْنِ الَّذِي يُرْتَجَى قَبْضُهُ). ونعلم أن أصحاب المحلات بعضهم يبيع بالدين؛ فليس كل الناس لديهم عملة سائلة؛ أي: ليس جميع الناس دائمًا معهم أموال، فتجد الموظف ربما ينتهي راتبه قبل نهاية الشهر فهو أيضًا يأتي إلى هذا فيُسجل عليه في سجله؛ إذن له دين على أشخاص، وبعض الناس ربما يتأخر مدة، فهناك سلعًا باعها وقبض ثمنها نقدًا، فهي موجودة عنده نقد هذا المال في يده، وسلع لا تزال موجودة في محله، وسلعٌ باعها لكنها ديون عند آخرين فيجمع هذه الثلاثة؛ فإذا ما اجتمعت كلها أخرج زكاتها.

стр. 3433

* قوله: (إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مِثْلُهُ). فلو كان مثلًا له دين عشرة آلاف وعليه دين يساويه فهذا يقابل هذا، مع أن بعض العلماء يرى أنه يزكي، لكن الصحيح أنه لا يزكي؛ لأن له دينًا وعليه ما يقابله. * قوله: (وَذَلِكَ بِخِلَافِ قَوْلِهِ فِي دَيْنِ غَيْرِ المُدِيرِ). مالك يفرق بين المدير وبين المتربص. * قوله: (فَإِذَا بَلَغَ مَا اجْتَمَعَ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ نِصَابًا، أَدَّى زَكَاتَهُ، وَسَوَاءٌ نَضَّ لَهُ فِي عَامِهِ شَيْءٌ مِنَ العَيْنِ، أَوْ لَمْ يَنِضَّ). أي: سواء باع من هذه السلع فأصبح في يده نقد أو لم يكن. * قوله: (بَلَغَ نِصَابًا أَوْ لَمْ يَبْلُغْ نِصَابًا). ومن هنا يحصل الخلاف بين مالك وبين الجمهور: وهو الذي ربما يظهر للبعض ويتوارى له أن المؤلف خلط في ذلك فأخطأ في نسبة مذهب الجمهور، إما أن عبارته فيها سقط، أو أنه أغلق العبارة؛ لكن قصد المؤلف معروف وهذا سيأتي إن شاء اللَّه. * قوله: (وَهَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ المَاجِشُونِ (١) عَنْ مَالِكٍ، وَرَوَى ابْنُ القَاسِمِ (٢) عَنْهُ: إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نَاضٌّ، وَكَانَ يَتَّجِرُ بِالعُرُوضِ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي العُرُوضِ شَيْءٌ، فَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَبَرَ فِيهِ النِّصَابَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَعْتَبِرْ ذَلِكَ).

стр. 3434

ابن الماجشون من أصحاب مالك وأيضًا ابن القاسم وهو الذي كان يروي عن مالك إما مسجلًا أو مدونًا المدونة فهو صح كما هو معلوم، وابن القاسم يسأل الإمام مالكًا وأحيانًا عندما يجد الإمام مالكًا يتوقف يجيب هو، فتجد بأن "المدونة" تجمع بين أقوال مالك وابن القاسم. * قوله: (وَقَالَ المُزَنِيُّ: زَكَاةُ العُرُوضِ تَكُونُ مِنْ أَعْيَانِهَا لَا مِنْ أَثْمَانِهَا). فالمزني يرى أنَّه إذا كان صاحب بَزٍّ (١)، ونُسمِّيه صاحبَ (القماش) يقوَّم ما عنده ثم يُخرج ما عنده، إذا كان مثلًا إنسان عنده مفصلة يخرج ملابس مفصلة وهكذا؛ إذن هو لا يرى أنها تخرج من الثمن وإنما تخرج من العين. * قوله: (وَقَالَ الجُمْهُورُ؛ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَالثَّوْرِيُّ وَالأَوْزَاعِيُّ (٢) وَغَيْرُهُمْ: المُدِيرُ وَغَيْرُ المُدِيرِ حُكْمُهُ وَاحِدٌ، وَأَنَّهُ مَنِ اشْتَرَى عَرَضًا لِلتِّجَارَةِ، فَحَالَ عَلَيْهِ الحَوْلُ، قَوَّمَهُ وَزَكَّاهُ). المؤلف ذكر الإمام أحمد هنا، وهذا ربما أشكل على بعض الناس، فهو أحيانًا يذكر وأحيانًا لا يذكر، وابن رشد ليس كما يُقال أو يدعي البعض أنه لا يرى أن أحمدَ فقيهًا وإنما يراه محدثًا، يقال عن بعض العلماء -كابن عبد البر والطبري- أنهم لا يرونه فقيهًا، وليس معنى أنهم لا يرونه فقيهًا يرون أن الحديث غلب عليه، وهذا كلام كله غير صحيح، فابن رشد ينقل من كتاب "الاستذكار" لابن عبد البر، فإن وجده ذكر أحمد ذكره

стр. 3435

وإلا فلا، وهذا الكتاب كان مفقودًا والحمد للَّه قد وُجد جزء منه قبل فترة ثم وجد كاملًا وطبع وهو بين أيدينا محقق. فالجمهور خالفوا مالكًا في رواية أخرى: فهم لا يفرقون بين التاجرين سواء كان هذا التاجر متربصًا -وهو الذي يحفظ بضاعته إلى أن يأتي وقت البيع-، أو الذي يدير بضاعته فيبيع بيعًا مستمرًّا وهو المدير، حكمهم واحد في إخراج الزكاة، وأنهما متى ما كان عندهما من العُرُوض بعد التقويم يساوي النصاب وقد حال عليه الحول؛ فإنه يزكي سواءٌ قد وضع هذا في متجره وأغلق عليه؛ لأنه عندما اشترى هذه البضائع وهو المتربص يريد بها التجارة، فالنية قائمة وما اشتراها ليستخدمها أصلًا نوى أنها للتجارة فهو تاجر، فمتى ما حال عليها الحول يزكيها سواء باع فيها واشترى أم لم يبع. * قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ يُزَكِّي ثَمَنَهُ الَّذِي ابْتَاعَهُ بِهِ لَا قِيمَتَهُ). هذا كلام ذكره المؤلف لم ينسبه إلى أحد، ولعله نقله عن أهل الظاهر فيما يظهر. انتبهوا! هنا ترون الآن ظاهر كلامه التناقض فانتبهوا لهذا، وأنا لا أراه تناقضًا. * قوله: (وَإِنَّمَا لَمْ يُوجِبِ الجُمْهُورُ عَلَى المُدِيرِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الحَوْلَ إِنَّمَا يُشْتَرَطُ فِي عَيْنِ المَالِ، لَا فِي نَوْعِهِ). في إيجاب الزكاة، لا فرق بينهم فلماذا فرق هنا؟ قصد المؤلف هنا ﵀ أن الجمهور لا يرون على المدير شيئًا إذا لم تكن عُرُوضه التي عنده لم تبلغ نصابًا فهم يخالفون مالكًا في ذلك؛ إذ عين المال لم يبلغ نصابًا، فكيف نوجبه عليه؟! فما عنده لم يصل إلى حد النصاب فلا زكاة عليه، وعين المال الذي عنده لا يبلغ نصابًا. فالجمهور: يشترطون النصاب في العين؛ أي: في عين هذه السلعة الموجودة عنده وعين هذه السلعة الموجودة عنده لم تصل إلى حد النصاب

стр. 3436

فلا زكاة عليه، أما مالك فيرى عليه الزكاة كما رأيتم سابقًا في إحدى الروايتين عليه، وبهذا يزول الإشكال الذي قد يظهر لنا فيه تعارض بين المذهبين وبين القولين للجمهور. * قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ فَشَبَّهَ النَّوْعَ هَاهُنَا بِالعَيْنِ؛ لِئَلَّا تَسْقُطَ الزَّكَاةُ رَأْسًا عَنِ المُدِيرِ) (١). مالك يشبه النوع بالعين، والعين هي ذات الشيء، والنوع هو ما يشتمل على أصناف، فهذه البضاعة شبهها بالعين، فكأنه لما شبه النوع بالعين قال: لا نفرق بينهم. والجمهور قال: نحن نربط ذلك بالعين والعين هنا غير وافية، فلا يجب عليه.

стр. 3437

* قوله: (وَهَذَا هُوَ أَنْ يَكُونَ شَرْعًا زَائِدًا أَشْبَهُ مِنْهُ بِأَنْ يَكُونَ شَرْعًا مُسْتَنْبَطًا مِنْ شَرْعٍ ثَابِتٍ). راعى الإمام مالك ﵀ الذي يعرف عندنا في أصول الفقه بـ (المصالح المرسلة)، ونعلم أن الأدلة الشرعية أنواع يأتي في مقدمتها الكتاب فالسنة، فهذه أدلة مجمع عليها ولا فوقها أدلة، فكتاب اللَّه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه هو المهيمن على كل شيء، وهو قطب (١) هذه الشريعة التي تدور عليه، وما صح عن رسول اللَّه ﷺ من هذه السنة التي جاءت بيانًا وتفصيلًا لكتاب اللَّه كما بيَّن اللَّه ذلك في كتابه، ثم يأتي بعد ذلك الإجماع وكذلك القياس، وأقوال الصحابة، وكذلك ما يعرف بالمصالح المرسلة. والمصالح المرسلة (٢) هي: مسائل اجتهادية؛ أي: يجتهد فيها المجتهد فيرى من المصلحة أن يقرر هذا الحكم. مثال ذلك: ترون الآن عندنا نظام المرور، هذه الإشارات الموضوعة وتقيُّد الناس بها، ألا ترون فيها مصلحة؟! ربما لو ترك الناس أصحاب السيارات لحدثت مشاكل، وربما تحصل الآن مشاكل مع وجود هذه الضوابط فما بالكم إذا لم توجد؟! فلا نقول بأن هذه خالفت الشريعة وإنما هي مصالح؛ لأن فيها مصلحة للناس. وسميت مصالح مرسلة؛ لأنها أطلقت من غير قيد، وكذلك كثير من الأنظمة التي اتخذت الآن ليس في المرور وحدها، بل أنظمة كثيرة جدًّا. فالمالكية يتوسعون أكثر من غيرهم في باب المصالح المرسلة، فمالكٌ يرى أننا نوجب الزكاة على هذا المدير؛ لأن بضاعته تتحرك وما

стр. 3438

يبقى في يديه شيء لمصلحة الفقراء؛ فرأى هذا من باب المصلحة، لكن المؤلف ﵀ نقد إمامه، وهو مالكي ومع ذلك نقد هذا الرأي في مذهب إمامه؛ لأن الإنصاف يقتضي ذلك. لا ينبغي أن يأخذني تعصبي مثلًا لأنني أنتسب إلى مذهب أحمد فأقول: هذا هو الحق في كل شيء ولا أرى الحق في غيره، ولا لأنني مالكي أقول الحق في مذهب مالك، قد يكون الحق اليوم هنا واليوم هنا في هذه المسألة، لكن لا يُقال بأن فلانًا قد عُصم من الخطأ، ولكن يقال: كل هؤلاء اجتهدوا وقصدوا الصواب وتحروا فيه، وبذلوا ذوب قلوبهم وأفنوا حياتهم في سبيل الوصول إلى الحق، وهم بحمد اللَّه أصابوا في كثير من الأمور وأخطاؤهم نادرة وهم مجتهدون، من أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر واحد وهم مأجورون على كلا الاحتمالين، إنما الذي يأثم ويصيبه الوزر هو الذي يرى الحق وشملك غيره، والذي يرى الحق في هذا الدليل ويأخذ بغيره تعصبًا أو اتباعًا لهواه، واللَّه تعالى يقول لنبيه داود ﵇: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، حاشى داود نبي اللَّه أن يتبع الهوى، لكن هذه دروس يلقيها اللَّه في كتابه لتستفيد منها الأمم ومنها هذه الأمة. إذن؛ الهوى أخطر ما يهدد الإنسان؛ فإذا اتبع الإنسان هواه أراد أن يجعل كل باطلٍ حقًّا، ويكون ما يتفق مع هواه هو الحق، بل قد يكون هذا الهوى في العقيدة كما في أصحاب الأهواء فكم حرفوا في عقيدة التوحيد؟ وكم بدَّلوا؟ وكم وضعوا من أحاديث؟ كل ذلك لأنها تتفق مع أهوائهم، أشركوا باللَّه وخرجوا عن الطريق السوي؛ لأن ما جاء في هذه العقيدة يتعارض مع أفكارهم ومع أهوائهم؛ فالهوى زيغٌ يُخرج الإنسان عن طريق الرشاد إلى طريق الغواية والضلال؛ فالمؤلف نقد المذهب وهو ينتسب إليه؛ لأنه رأى أن مذهب الجمهور هو الحق في هذه المسألة وأن التفريق هنا غير وارد.

стр. 3439

يريد أن يقول المؤلف: وإن قلتم أنها مصلحة مرسلة لكنها مردودة؛ فقد يكون قولكم بأن هذا شرع مستنبط لأنه يتفق مع المصالح المرسلة، والمصلحة لكي تكون صحيحة لا بد أن تستند إلى دليل شرعي بمعنى ألا تتعارض مع أصول الكتاب والسنة؛ فنحن نرى أن هذه قد تعارضت لأنها أشبه أن تكون أمرًا جديدًا من أن تكون مصلحة مرسلة ملتقية مع الكتاب والسنة. * قوله: (وَمِثْلُ هَذَا هُوَ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ بِالقِيَاسِ المُرْسَلِ (١)، وَهُوَ الَّذِي لَا يَسْتَنِدُ إِلَى أَصْلٍ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ فِي الشَّرْعِ إِلَّا مَا يُعْقَلُ مِنَ المَصْلَحَةِ الشَّرْعِيَّةِ فِيهِ، وَمَالِكٌ ﵀ يَعْتَبِرُ المَصَالِحَ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَنِدْ إِلَى أُصُولٍ مَنْصُوصٍ عَلَيْهَا). أو بالمصالح المرسلة، وهذا أشمل، ومعنى مرسل؛ أي: أرسل دون قيد، فقياس مرسل؛ أي: لم يقيد، وهناك قياس العلة (٢)، وقياس الشبه (٣) لكن هذا قياس أُرسل فلم نضع فيه القيود؛ لأننا تعريف القياس: إلحاق فرعٍ بأصلٍ في حكمٍ لعلة تجمع بينهما (٤)، فهذه المصالح إذا رأينا فيها مصَلحةٌ عامة لا تتعارض مع روح الشريعة ولا مع لُب الشريعة الإسلامية ولا مع أصول هذه الشريعة فنقرها.

стр. 3440

فالإمام مالك يعتبر المصالح وإن لم يعتمد على أصول يستند عليها. بعبارة أخرى: كأن المؤلف يقول: الإمام مالك توسع في المصالح المرسلة أكثر من غيرها، فهناك من أخذ بالمصالح المرسلة لكنهم قيدوها بقيود، والمالكية توسعوا فيها ما دام لم يرد نص واضح يتعارض معها، فهو يرى أن المالكية في هذا المقام وفي غيره توسعوا فتوسُّعهم هذا أوقعهم في بعض الأخطاء، ومنها هذا المأخذ الذي أخذه المؤلف عليه. وبهذا يتبين أن المؤلف مع الجمهور في هذه المسألة. ورأي المؤلف هو الصواب في هذا وإن لم يصرح بأنه مع الجمهور، لكن نقده لمذهب المالكية دليلٌ على أنه يأخذ بخلافه، وهو كما تعلمون ما سلك مسلك الترجيح إلا في أوائل مسالك الكتاب، وإنما أراد أن يترك ذلك لطالب العلم؛ لأن طالب العلم إذا جاء إلى كتاب فوجد أن كل مسألة فيه مرجحة، تعود على هذا وكسِل في هذا الأمر وبرد ذهنه وفترت عزائمه لأنه وجد غيره خدمًا، لكن إذا لم يجد الترجيح فإنه سيأخذ بأسباب الخلاف، وما يرد عليه من اعتراض ومناقشات ثم ينتهي بعد ذلك إلى ما يظهر له من الحق. إذن؛ المؤلف أعمل فكره وذهنه وجمع حواسَّه ودقق في دراسة المسائل فوصل إلى نتائج، وهذا هو تحريك الذهن، فالإنسان -كما أشرنا قبل قليل- إذا عود نفسه على أن يقرأ في مسائل دقيقة ويتمرس (١) فيها تصبح سهلة عليه إذا مر بما يشبهها، لكن إذا عودت نفسي على أنني أقرأ الأمور البسيطة وإذا وجدت مسائل تحتاج مني إلى وقفات، وإلى إمعان نظر، وإلى دقة، والى رجوع، وقد تحتاج إلى أن أرجع إلى كتب اللغة، وإلى كتب الأصول، وإلى غير ذلك؛ يحجم الإنسان عن هذه المسائل، لكن هذه المسألة إذا عودت نفسك عليها تمرست فيها، وهذا هو الحال

стр. 3441

في القواعد الفقهية نجد أنها من المسائل الصعبة لكن إذا تمرس الإنسان في دراسة القواعد الفقهية وبدأ يطبق الفروع عليها سهلت أمامه ولانت أمامه أيضًا كما لانت أمام العلماء الذين اشتغلوا فيها وعنوا بها. [الجُمْلَةُ الرَّابِعَةُ فِي وَقْتِ الزَّكَاةِ] قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: (وَأَمَّا وَقْتُ الزَّكَاةِ: فَإِنَّ جُمْهُورَ الفُقَهَاءِ (١) يَشْتَرِطُونَ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالمَاشِيَةِ الحَوْلَ؛ لِثُبُوتِ ذَلِكَ عَنِ الخُلَفَاءِ الأَرْبَعَةِ) (٢). عُرف ذلك في عروض التجارة وربما أنه لم يذكرها؛ لأنها في النهاية تعود إلى أن تُقدر بالنقدين؛ لأن الإنسان إذا كانت عنده عروض تجارة

стр. 3442

وحال عليها الحول تُقدر بالنقدين، أو ربما ترك المؤلف ذلك ليتكلم عنه مستقبلًا لكنها داخلة في ذلك. لماذا قال المؤلف: (لثبوت ذلك عن الخلفاء الأربعة) مع أنه ورد في ذلك حديث؟ ثم هل ورد ذلك فعلًا عن الخلفاء الأربعة؟ المشهور في ذلك والمعروف: أن ذلك ثبت عن أبي بكرٍ، وعن عثمان، وعن علي من الخلفاء الأربعة، ولعله أطلق الأربعة بالنسبة للغالب، وربما أنه وقف على رأي عمر ولم نقف عليه، لكن المعروف الذي روى ذلك بعدة أسانيد هو البيهقي (١) فإنه روى هذا عن هؤلاء الثلاثة. فالمؤلف حكى اتفاق الخلفاء على هذه المسألة من اشتراط الحول، ولم يورد ولم يجعل عمدة ذلك الحديث، مع أن الحديث ينبغي أن يكون أصلًا بأن الحديث ورد من عدة طرق، وهو: "لا زكاةَ في مالٍ حتى يحولَ عليه الحولُ" (٢). لكن الحديث ضعيف في جميع طرقه؛ ولذلك ذكر المؤلف اتفاق الخلفاء على هذه المسألة، هذه واحدة. * قوله: (وَلِانْتِشَارِهِ فِي الصَّحَابَةِ ﵃). ولم يُعرف في ذلك خلاف إلا ما نقله المؤلف عن الصحابيين عبد اللَّه بن عباس (٣)، ومعاوية (٤)، ويُضاف إليهما عبد اللَّه بن مسعود (٥) لكن

стр. 3443

أولئك قالوا: إذا ملك نصابًا فإنه يؤدي زكاته في الحال؛ فإذا ما حال عليه الحول زكاه زكاة أخرى؛ لا أنهم ينفون الحول لكنهم يرون أنه إذا ملك نصابًا يزكيه وبعد أن يحول عليه الحول يزكيه. هذا الخلاف كما ذكر المؤلف أو ذكر غيره كان في الصدر الأول ثم انقرض؛ فأجمع العلماء بعد ذلك على هذه المسألة، فنجد أن فقهاء المدينة السبعة متفقون (١)، ثم جاء بعد ذلك وفد الفقهاء منهم الأئمة الأربعة فكانت المسألة مجمعًا عليه وزال الخلاف بحمد اللَّه. والحاجة تقتضي ذلك؛ لأنه كما هو معلوم بمرور الحول تكون هناك فرصة للتاجر بأن ينمي زكاته؛ ولذلك سترودن بعض مسائل الخلاف في زكاة الدين، ووجهة بعض الذين لا يقولون بالزكاة لأنه مال موقوف لا ينمى بخلاف المال الذي بيد الإنسان فإنه ينميه، وتكون له فوائد وأرباح فهو يختلف عن مالٍ موقوف ثابت. * قوله: (وَلانْتِشَارِ العَمَلِ بِهِ، وَلِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الِانْتِشَارِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ). وقد ورد الحديث في ذلك وله عدة طرق لكنها لا تخلو من مقالة، والمسألة مُجمع عليها كما ذكر المؤلف. * قوله: (وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ" (٢)). ومن حديث عائشة ﵂ أيضًا (٣).

стр. 3444

و"لا" نافية للجنس و"زكاة" نكرة، والنكرة في سياق النفي تعم (١)؛ أي: أيُّ مال لا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول، يُستثنى من ذلك ما وردت فيه النصوص؛ وهي زكاة الخارج من الأرض ونقصد به الزروع والثمار، أما ما عدا ذلك من المعادن فسيأتي الكلام فيه، وقد عرفنا من المعادن النقدين، بل إن زكاة المعادن مرت بنا وتكلمنا عنها تفصيلًا لكن يبدو أن المؤلف سيعيدها. * قوله: (وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ). يقصد بفقهاء الأمصار: الأئمة الأربعة. * قوله: (وَلَيْسَ فِيهِ فِي الصَّدْرِ الأَوَّلِ خِلَافٌ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ). ويُضاف إليهم أيضًا عبد اللَّه بن مسعود ﵁. * قوله: (وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ: أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ). يقصد المؤلف دائمًا بالحديث الثابت وفق مصطلحه ما اتفق عليه الشيخان، أو ما رواه أحدهما، ولا يلزم أن الحديث إذا لم يكن في "الصحيحين" أو في أحدهما أنه ليس بصحيح، فكم من الأحاديث الكثيرة ما هو صحيح ومنها ما هو حسن وليس في "الصحيحين". * قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا البَابِ فِي مَسَائِلَ ثَمَانِيَةٍ مَشْهُورَةٍ). هناك ثمان مسائل اختلف فيها الفقهاء، بعضها سبق أن حصل الكلام عليها، وبعضها ذكرها المؤلف، وبعضها جديدة، لكن قد يُستغنى ببعضها

стр. 3445

عن بعض؛ كما نرى أنه أفرد للربح مسألة وللفوائد مسألة وبعض الفقهاء يجمع بين النوعين. * قوله: (إحْدَاهَا: هَلْ يُشْتَرَطُ الحَوْلُ فِي المَعْدِنِ (١) إِذَا قُلْنَا: إِنَّ الوَاجِبَ فِيهِ رُبُعُ العُشْرِ؟). هذا يتعلق بزكاة المال، وهذه المسألة مرَّت في أوائل كتاب الزكاة، وتكلمنا عنها تفصيلًا، ويُقصد بالمعادن: جمع معدن، وسُمي معدنًا لأنه يستقر؛ ولذلك سميت الجنة بجنة عدن لأنها جنة خلودٍ وبقاءٍ واسحقرار، كما قال اللَّه : ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤]. وقال في سورة فاطر: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾ [فاطر: ٣٣ - ٣٥]. ولا شك أنها غاية كل مؤمن وأن اللَّه أعدها للذين اتقوا في هذه الحياة الدنيا بعمل الصالحات قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]، نسأل اللَّه أن يجعلنا من أولئك. وزكاة المعادن كما يعرفها الفقهاء (٢) هي: ما يُخرج من الأرض مما يُخلق فيها من غير جنسها مما له قيمة.

стр. 3446

وما يخرج من الأرض: الذهب والفضة والحديد والنُّحاس والقصدير (١) والقار (٢) والبترول والزئبق وأمثال ذلك كثير جدًّا، وأنواع كثيرة تُستخرج من الأرض لكن هي من نوع الأرض التي خلقت فيها، وهي تختلف عنها؛ لأن الأرض تراب وحجارة، وقيَّد ما يخرج منها بالقيمة. وهذه المعادن التي تُخرج من الأرض تنقسم إلى قسمين: ١ - النقدان (الذهب والفضة). ولا بد أن تُصفى؛ فإن الذهب قبل ذلك يُسمَّى تبرًا، ثم بعد ذلك يُضرب فيدخل في ذلك فتسمى نقودًا. ٢ - وهناك المعادن الأخرى. وكلام المؤلف هنا إنما هو فيما عدا الذهب والفضة، فالذهب والفضة قد عرفناهما وأنهما أصل الأموال، وأنهما رؤوس الأموال وقيم المتلفات كما مر بنا، وأنها تزُكى وأن زكاتها ربع العشر، لكن يبقى الآن ما يتعلق بالمعادن عمومًا، مما له قيمة وبشرط أن يبلغ نصابًا، فهل يُشترط فيه الحول أم لا؟ يُشترط فيه الحول؛ لأجل ذلك ذكر المؤلف هذا بهذه المناسبة وأعاد الكلام عنها. * قوله: (الثَّانِيَةُ: فِي اعْتِبَارِ حَوْلِ رِبْحِ المَالِ. الثَّالِثَةُ: حَوْلُ الفَوَائِدِ الوَارِدَةِ عَلَى مَالٍ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ. الرَّابِعَةُ: فِي اعْتِبَارِ حَوْلِ الدَّيْنِ

стр. 3447

إِذَا قُلْنَا: إِنَّ فِيهِ الزَّكَاةَ. الخَامِسَةُ: فِي اعْتِبَارِ حَوْلِ العُرُوضِ إِذَا قُلْنَا: إِنَّ فِيهَا الزَّكَاةَ. السَّادِسَةُ: فِي حَوْلِ فَائِدَةِ الْمَاشِيَةِ). العُروض سبق أنه ينبغي أنه يُدخله زكاة في المسألة الماضية؛ لكنه أفرده وبعد ذلك سيقول: سبق وقد مرت هذه المسألة. * قوله: (السَّابِعَةُ: فِي حَوْلِ نَسْلِ الغَنَمِ إِذَا قُلْنَا: إِنَّهَا تُضَمُّ إِلَى الأُمَّهَاتِ؛ إِمَّا عَلَى رَأْيِ مَنْ يَشْتَرِطُ أَنْ تَكُونَ الأُمَّهَاتُ نِصَابًا، وَهُوَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَإِمَّا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ لَا يَشْتَرِطُ ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ). ونسل الغنم سبق أن تكلمنا عنه. * قوله: (وَالثَّامِنَةُ: فِي جَوَازِ إِخْرَاجِ الزَّكاةِ قَبْلَ الحَوْلِ). أي: هل يجوز أن تُقدم الزكاة قبل وقت وجوبها قبل انقضاء الحول؟ وهذه مسألة معروفة، وقد ورد فيها حديث، والمؤلف لم يعرض الحديث الوارد في ذلك. (أَمَّا المَسْأَلَةُ الأُولَى: وَهِيَ المَعْدِنُ). بدأ بالمعدن الذي أشرنا إلى الحديث عنه، وقد ذكر ذلك مقتضبًا موجزًا، وهذه المسألة سبق أن مرت في أوائل كتاب الزكاة، وتكلمنا عنها لكنها تحتاج إلى توضيح وتصحيح بعض الأشياء. * قوله: (فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ (١) رَاعَى فِيهِ الحَوْلَ مَعَ النِّصَابِ). ليس هو مذهب الشافعي، فالمشهور مذهب الشافعي مع الجمهور،

стр. 3448

وإنما هذا هو مذهب إسحاق بن راهويه (١) وابن المنذر (٢)، لكنها لها رواية في مذهب الشافعي (٣)، والرواية المشهورة هي مع جمهور العلماء الذين سيذكرهم بعد قليل؛ فكان ينبغي أن يذكر رأيهم معهم. * قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ (٤)، فَرَاعَى فِيهِ النِّصَابَ دُونَ الحَوْلِ). مالك وأبو حنيفة (٥) وأحمد (٦) والشافعي في المشهور عنهم يراعون النصاب ولا يراعون الحول؛ لأن العلماء يقولون بالنسبة لاشتراط الحول:

стр. 3449

إنما يُشترط الحول لتكميل النَّماء، ويُشترط الحول في تلك الأموال التي تحتاج إلى أن تُنمى، أما الأموال التي تأتي كاملة دفعة واحدة كما نرى ذلك في الحبوب والثمار، وكذلك هنا بالنسبة للمعادن؛ فإنها تُستخرج فهي لا تحتاج إلى أن تنمى؛ وإنما تخرج كاملة فتزكى فلا تحتاج إلى حول. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: تَرَدُّدُ شَبَهِهِ بَيْنَ مَا تُخْرِجُهُ الأَرْضُ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَبَيْنَ التِّبْرِ وَالفِضَّةِ المُقْتَنيَيْنِ). التردد بين أن يُلحق بما يخرج من الأرض وبين التبر والفضة وبين إلحاقه بالنقدين؛ أي: هل نلحق ذلك بالذهب وبالفضة، أم نلحق ذلك بالحبوب والثمار؟ الحبوب والثمار: بذرات تُوضع في الأرض فتحتاج إلى سقي وإلى رعاية وإلى اهتمام، ثم بعد ذلك بتوفيق اللَّه تصبح تلك البذرة حبة وتصبح تلك الغرسة ثمرًا؛ فهذه هي زكاة الحبوب؛ فزكاة الحبوب والثمار تخرج من الأرض، فهل نلحق بها المعدن بجامع أن كلًّا منهما مخرَج من الأرض؛ فنلحق ذلك بالذهب والفضة بعد أن صُفي ونُقي وأصبح خارجًا؟ هذا ما يريد أن يتكلم عنه. * قوله: (فَمَنْ شَبَّهَهُ بِمَا تُخْرِجُهُ الأَرْضُ لَمْ يَعْتَبَرِ الحَوْلَ فِيهِ). أي: من شبَّهه بزكاة الحبوب والثمار لم يشترط فيه حولًا؛ لأن تلك لا يُشترط فيها الحول وإنما تجب الزكاة فيها إذا اشتد الحب وإذا استوى؛ أي: أصبح الثمر صالحًا. * قوله: (وَمَنْ شَبَّهَهُ بِالتِّبْرِ وَالفِضَّةِ المُقْتَنَيَيْنِ، أَوْجَبَ الحَوْلَ، وَتَشْبِيهُهُ بِالتِّبْرِ وَالفِضَّةِ أَبْيَنُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ). أي: الذهب والفضة اللذَينِ لم يُضربا نقودًا فإنه اشترط فيهما الحول؛ لأن الذهب والفضة يُشترط فيهما الحول.

стр. 3450

هذا هو رأي المؤلف (١)، لكن هناك تعليل يذكره الفقهاء الآخرون وهو مشهور إذ يقولون: تشبيهه بالخارج من الأرض أولى؛ لأن تشبيهه بالتبر -كما ذكر المؤلف- أو بالذهب والفضة فيه بُعد؛ لأن تلك الأموال إنما تُنمى وهذا؛ أي: المعدن الذي استخرج جملة من الأرض خرج كاملًا فلا يحتاج إلى أن يُنمى، فلا يمكن أن نلحقه بالذهب والفضة، فالمؤلف قيَّد التِّبر والفضة بالمقتنيين؛ أي: مدخرين وهو الذي يُشتمل فيها في التجارة. * قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَأَمَّا اعْتِبَارُ حَوْلِ رِبْحِ المَالِ). أتى المؤلف بمسائل متشابهة وسيذكر مسألةً فيها الربح؛ أي: بضائع يشتغل فيها الإنسان فتربح، ويتكلم عن الفوائد أيضًا فهذا الربح هو الفائدة. ويقصد المؤلف بالربح: أي: غير الفائدة؛ أي: عند إنسان مالٌ فربح مالًا آخر. ويقصد بالفوائد: هي الفوائد التي ترد إليك من غير جنس هذا المال. فننتبه لهذا؛ لأنه ربما يقف الإنسان عند المسألة التالية فيقول: هذه مكررة؛ مع العلم أن بعض الفقهاء يجمع بينهما في مسألة؛ لكنه يفصل هذا عن هذا عند الكلام عنهما، فهناك ربحٌ وهناك فوائد. ويُقصد بالربح: هو ربح هذا المال؛ أي: ماشية تربح، وبضاعة تربح. ويقصد بالفوائد: ما يرد إلى هذا النصاب أو نُصُبٍ أُخرى متنوعة من غير جنس هذا المال الذي عنده؛ فعنده سائمة إذا ولدت هذه السائمة تعتبر من الجنس، وكذلك أيضًا ترد عليه بضائع أُخرى كأن يأتيه مال من هبة أو ميراث أو غير ذلك، فهذه أموالٌ مُستفادة دخلت عليه فما حكم هذه وما حكم هذه. . . هذه كلها سيتكلم عنها المؤلف ونحاول -إن شاء اللَّه- أن نزيد عليها.

стр. 3451

* قوله: (فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَرَأَى الشَّافِعِيُّ (١) أَنَّ حَوْلَهُ يُعْتَبَرُ مِنْ يَوْمِ اسْتُفِيدَ، سَوَاءٌ كَانَ الأَصْلُ نِصَابًا أَوْ لَمْ يَكُنْ). ربح المال هل له حول أو لا؟ المسألة فيها خلاف وفيها تفصيل عند العلماء. فقد يكون هناك نصاب وحال عليه الحول؛ تجب عليه الزكاة فإذا ربحت إليه مالًا جديدًا؛ فهل تزكي هذا مع الأصل أم أنك تنتظر حتى يحول الحول على هذا الربح فتزكيه؟ قال الشافعية: إنه لا ينبغي أن يُلحق بالأصل، وإنما ينبغي أن يفصل عنه؛ فإذا ما حال الحول على الأصل يزكى ثم بعد ذلك يأتي ما يتعلق بالربح. فينبغي أن يكون من الوقت الذي استفيد؛ فلو قُدر أن إنسانًا عنده مبلغٌ من المال تجب فيه الزكاة، ثم أثناء العام جاءت أرباحٌ دخلت على هذا المال فإذا ما تم الحول هل نُلحق الربح بأصله فنزكيهما معًا أم لا؟ فالإمام الشافعي يقول: إن زكاة الربح تبدأ من حين استفيد؛ أي: من هنا نبدأ ونعد له العدة ونقدر له الزكاة. * قوله: (وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ (٢) أَنَّهُ كَتَبَ أَلَّا يُعَرَّضَ لِأَرْبَاحِ التِّجَارَةِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الحَوْلُ). فإذا ربحتَ مالًا على مذهب الإمام الشافعي، وقد مضى على أصلك زمن فحال عليه الحول فلا ينبغي أن يزُكى الربح مع الأصل؛ لأنه ينبغي

стр. 3452

أن تستقبل وقتًا جديدًا بالنسبة للربح فيبدأ الحول أو تبدأ مدة العد للحول من الوقت الذي استفدت فيه هذا الربح، فإذا ما حال الحول حينئذٍ تجب الزكاة، هذا هو مذهب الإمام الشافعي، وهو كما ذكر المؤلف منقولٌ عن عمر بن عبد العزيز ﵁. * قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ (١): حَوْلُ الرِّبْحِ هُوَ حَوْلُ الأَصْلِ). ما دام هذا أصلًا وهذا فرعًا فينبغي أن نلحقه به، ولم يفصل مالك بين أن يكون من جنسه أو من غير جنسه -كما هو الحال بالنسبة لمذهب الحنابلة (٢) -، فيرى مالك أن الربح يتبع الأصل فيزكى معه. وسيأتي أيضًا قول أبي حنيفة (٣) ويلتقي معه أحمد في بعض أجزاء قوله ويفارقه في بعضه؛ لأن أحمد يقيد ذلك وأبو حنيفة ومَن معه يوسعون القول في هذه المسألة. * قوله: (أَيْ: إِذَا كَمُلَ لِلْأُصُولِ حَوْلٌ، زَكَّى الرِّبْحَ مَعَهُ). فإذا كان عند إنسان نصاب من الزكاة ثم بعد مرور زمن رَبِح هذا المال؛ فهذا الربح يعتبره الإمام مالك تابعًا لأصله فيُزكى معه، ولا يحتاج

стр. 3453

أن يَستأنف له وقتًا جديدًا فهو تابع للأصل، وما دام تابعًا لذاك الأصل فينبغي أن يزكى معه. وطفل قُدر أنه يملك عشرة آلاف ثم بعد ذلك ربح خمسة آلاف فإذا ما تم حول الأصل يزكي خمسة عشرة ألفًا عند الإمام مالك، وعند الشافعي يزكي عشرة آلاف وينتظر مرور الحول على الخمسة. * قوله: (سَوَاءٌ كَانَ الأَصْلُ نِصَابًا، أَوْ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ). ولا فرق عند الإمام مالك بين أن يكون الأصل نصابًا أو غير نصاب؛ لأنه قد جاء الربح فضُم إليه فنقله إن كان أقل من نصاب إلى أن أصبح نصابًا وقد تم حول الأصل وهذا فرع عنه فينبغي أن يزُكى الكل؛ لأنه ما دام اعتبر الربح فرعًا عن الأصل الذي هو أصل المال فلا فرق عنده بين أن يكون الأصل في بدايته بلغ نصابًا أو لم يبلغ. لكن ليس معنى هذا أن يفهم البعض أنه لو قُدر أن المال الذي عنده أقل من نصاب فإذا ما حال الحول يزكى عند مالك، ومالك يرى أن هذا الربح نقله من كونه دون نصاب إلى أن أصبح نصابًا، حينئذٍ تجب فيه الزكاة؛ لأنه اعتبره جزءًا منه. * قوله: (إِذَا بَلَغَ الأَصْلُ مَعَ رِبْحِهِ نِصَابًا). فصلها المؤلف وبيَّنها بيانًا شافيًا؛ فليس هناك فرق بين أن يكون الأصل نصابًا أو غير نصاب، المهم أنه عند حَوَلان الحول يكون الأصل مع ربحه قد بلغ نصابًا فتجب زكاته، وهذه رواية في مذهب مالك (١).

стр. 3454

* قوله: (قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَلَمْ يُتَابِعْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الفُقَهَاءِ إِلَّا أَصْحَابُهُ). قال أبو عبيد القاسم بن سلام صاحب كتاب "الأموال": "هذا قول انفرد به الإمام مالك فلم يوافقه أحد من الفقهاء المشهورين، وإنما أخذ بقوله أصحابه" (١). وليس حقيقةً كل أصحابه، بل وُجد من خالف في المذهب المالكي، وتعلمون أن أئمة المذاهب لا يتقيدون بقول الإمام في أي مذهبٍ من المذاهب متى ظهر لأحدهم أن القول في مذهب آخر أرجح من قوله، وهذا هو الحق الذي كثيرًا ما تكلمنا عنه. * قوله: (وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ المَالِ الحَائِلُ عَلَيْهِ الحَوْلُ نِصابًا أَوْ لَا يَكُونُ). هنا انتقل إلى قول ثالث: ١ - يرى الإمام الشافعي ﵀ (٢): أن من كان عنده نصاب ثم ربح هذا النصاب مالًا؛ فلا ينبغي أن يُزكى الربح مع النصاب بمجرد حولان الحول على الأصل بل يُستأنف الحول بالنسبة للربح فيُعد له.

стр. 3455

٢ - ويرى مالكٌ (١) العكس من ذلك: وهو أنه إذا وُجد عند إنسان مال ثم ربح هذا المال فحال الحول على الأصل فإنه يُزكى سواءٌ كان الأصل عندنا بدأ وجوده عنده حولًا أو ليس حولًا ما دام أنه قد بلغ بهذا الربح نصابًا. ٣ - الرأي الثالث: يتشعب إلى شعبتين: فهناك من يطلق، وهناك من يقيد، وهذا كما سيأتي هو مذهب الحنفية (٢) والحنابلة (٣) على تفصيلٍ في ذلك، ومعهم غيرهم من الفقهاء، وأكثر العلماء الذين يقولون بذلك. ولا نطيل التفصيل في ذلك؛ لأن هذه مسائل لا يُقام عليها أدلة؛ وإنما تحتاج إلى بيان لتُعرف. وبهذا يُفارق هذا القول قول مالك، ومالك ما اشترط أن يكون الأصل نصابًا ما دام الربح قد أتمه، وهؤلاء يقولون: نحن نخالف مالكًا، فلا بد من أن يكون الأصل الذي بدأ الحول منه نصابًا. * قوله: (فَقَالُوا: إِنْ كَانَ نِصَابًا، زَكَّى الرِّبْحَ مَعَ رَأْسِ مَالِهِ). من هنا يأتي الفرق بين الحنفية والحنابلة: فالحنفية: يطلقون ذلك إذا كان الأصل نصابًا وجاءه ربحٌ من هذا المال؛ فإنه يُزكي الكل بشرط أن يكون الأصل نصابًا. لكن الحنابلة: يقيدون ذلك بشرط أن يكون النماء من جنسه؛ أي: أن يكون هذا الربح من جنس المال، كأن تكون سائمة تلد، ونتاج السائمة هو المقصود عند الحنابلة؛ لأن هذا الربح جامعٌ للملك فينبغي كذلك أن يكون الحولُ تابعًا له، فمتى ما كان هذا النماء من جنس الأصل فحينئذٍ

стр. 3456

يُزكى هذا الربح الذي هو النماء مع الأصل؛ لأن هذا النماء تابعٌ للأصل في الملك فيتبعه في الحول، لكن لو كان من غير جنسه فلا، والحنفية لا يضعون هذا القيد. فالحنابلة مذهبهم فيه قيد، إذ يقولون: نحن نوافق الحنفية لكن بشرط أن يكون هذا الربح من نماء، وأن يكون هذا النماء من جنس الأصل، فمتى ما كان من جنسه كان تابعًا له في الملك؛ فهذه الشاة التي ولدت تتبع أمها، وهذه الناقة التي ولدت فما ولدته يتبع أيضًا أمها. إذن؛ هذا نماء من جنس أصله؛ فمتى إذا كان النماء من جنس الأصل؛ فيكون تابعًا له في الملك، وما دام قد تبعه في الملك فيلزم أن يتبعه في الحول، فحينئذٍ يزكيان معًا، أما إن كان من غير جنسه فلا، وبذلك يلتقون مع (المالكية) في هذه الجزئية في الرواية الأُخرى في مذهب مالك التي لم يعرض لها المؤلف. * قوله: (وَإِنْ لَمْ يَكُ نِصَابًا، لَمْ يُزَكِّ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا القَوْلِ: الأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ) (١). وأحمد (٢) معهم بالقيد الذي ذُكر لكم بشرط أن يكون الربح من جنس الأصل؛ أي: يكون هذا النماء من جنس الأصل كالنتاج التي تنتجه

стр. 3457

سائمة -بهيمة الأنعام-؛ لأن التبع حصل في الملك فيكون في الحول أيضًا. فأرجو أن تكون المسألة قد ظهرت؛ لأن المسألة كنت أرى كثيرًا أشكل عليهم، وقد أراها واضحة لكن أنا بينتُ فيها أكثر لتتضح، وحتى مع هذا البيان نعرف الفرق بينها وبين المسألة القادمة. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: تَرَدُّدُ الرِّبْحِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ المَالِ المُسْتَفَادِ، أَوْ حُكْمَ الأَصْلِ). هذه من المزايا التي يمتاز بها هذا الكتاب: أنه عندما يأتي ليبين سبب الخلاف نجد أنه يتعمق في هذا الأمر، ما سبب الخلاف؟ وهل سبب الخلاف هو كون هذا النماء تابعًا للأصل؟ فهل حكمه حكم المال المستفاد؟ فحينئذٍ نقول: لا يزكى مع الأصل كما سيأتي في المسألة القادمة، أو حكمه حكم الأصل فيُزكى معه؟ على اختلاف بين العلماء كما رأيتم الحنفية وممن معهم قالوا: إذا كان الأصل نصابًا فإن الربح يُزكى معه ولا فرق بين أن يكون من جنسه أو من غير جنسه، لكن الحنابلة اشترطوا أن يكون النماء من جنس الأصل وإلا فلا، وبذلك وافقوا الحنفية في جزء من قولهم فيما يتعلق بالنماء، وخالفوهم إذا لم يكن من جنسه؛ فوافقوا المالكية في الرواية الأُخرى التي لم يعرض لها المؤلف. * قوله: (فَمَنْ شَبَّهَهُ بِالمَالِ المُسْتَفَادِ ابْتِدَاءً، قَالَ: يُسْتَقْبَلُ بِهِ الحَوْلُ). أي: إذا كنت تملك مالًا، ثم وردت عليك عدة أنصبة كمال من ميراث أو من هبة، أو من كسب في بيعٍ من البيوع فتكونت عنده مجموعة من الأنصبة فهل هذه تُخلط معًا؟ لا، فكل نصاب من هذه الأنصبة نستقبله وقتًا إلا لو جاءت في وقت واحد، أما أن تأتي في أوقات متفرقة فلا؛ إذن هل نعامل هذا الربح معاملة المال المُستفاد الذي يرد إليك من غير ربحٍ أم يعامله معاملة الأصل الذي عنده؟ فالذين يقولون يُعامل معاملة

стр. 3458

الأصل، يقولون بالزكاة ومن قاسوه على المال المستفاد قالوا: لا يُزكى. * قوله: (وَمَنْ شَبَّهَهُ بِالأَصْلِ، وَهُوَ رَأْسُ المَالِ، قَالَ: حُكْمُهُ حُكْمُ رَأْسِ المَالِ). أي: بلغ نصابًا على مذهب الحنفية والحنابلة وقد عرف التفصيل آنفًا. * قوله: (إِلَّا أَنَّ مِنْ شُرُوطِ هَذَا التَّشْبِيهِ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ المَالِ قَدْ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا إِذَا كَانَ نِصَابًا). عبارات المؤلف ربما تجد أن فيها صعوبة، وإلا أرى فيها وضوحًا. "إلا أن من شروط هذا التشبيه": وهو إلحاق فرع بأصل. "أن يكون رأس المال قد وجبت فيه الزكاة": ووجوب الزكاة: أن يكون عندما ابتدأ فيه الحول أن يكون نصابًا؛ لأنه يعد الحول إذا كان المال الذي بيده قد بلغ نصابًا، وهذا هو مذهب الحنفية والحنابلة والشافعية، على اختلاف بينهم أن يزكى الربح أو لا يزكى. "وذلك لا يكون إلا إذا كان نصابًا": أما إذا لم يكن نصابًا فلا، وذلك عند الحنفية والحنابلة والمالكية كما سبق. * قوله: (وَلِذَلِكَ يَضْعُفُ قِيَاسُ الرِّبْحِ عَلَى الأَصْلِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ). يضعف لأن مالكًا لا يشترط أن يكون الأصل نصابًا، فالغاية عنده أنه عندما يقول: يحول الحول يكون بيده نصاب سواءٌ بدأ بنصاب أو أقل، هذا المال الذي كان بيدك وحال عليه الحول، وإن بدأ هنا النصاب ما دام قد لحق به مالٌ آخر ربحته وانضم إليه آخر فإذا ما تم العام يكون بيدك نصاب فحينئذٍ تزكي؛ فهذه مسألة أُخرى ضعف فيها ابن رشد مذهب مالك، كمسألة سبقت.

стр. 3459

* قوله: (وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ مَالِكٌ ﵁ فِي ذَلِكَ هُوَ تَشْبِيهُ رِبْحِ المَالِ بِنَسْلِ الغَنَمِ، لَكِنَّ نَسْلَ الغَنَمِ مُخْتَلَفٌ أَيْضًا فِيهِ). على فرض أنهم قاسوا فكيف تقيس على أمر مختلف فيه؟! فإذا أردت أن تقيس على قضية فقس على قضية مسلَّمة أما أن تقيس على قضية مختلف فيها فلا. * قوله: (وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِثْلُ قَوْلِ الجُمْهُورِ) (١). وهذا الذي أشرت إليه فقد جاء به المؤلف، ومذهب الجمهور يلتقي مع تعليل الحنابلة الذي أشرت إليه وهو: أنه إذا كان الأصل نصابًا وكان الربح من جنس ذلك النصاب إنما من جنسه كان تبعًا للأصل في الملك فتبعه في الحول، هذه هي الرواية الأخرى. إذن؛ أشار إليها المؤلف فلم يغفلها؛ لأن الحنفية والحنابلة من حيث الجملة مذهبهم واحد، لكن عند التفصيل يختلفون؛ لأن مذهب الحنفية فيه توسُّع مطلق، ومذهب الحنابلة قيدوه بأن يكون من جنسه، فكان مذهب الحنابلة أضيق من مذهب الحنفية، والمالكية في رواية أُخرى يلتقون مع الحنابلة في هذا القيد. [المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ] عندما بدأت الدولة العثمانية تختلط بدول أوروبا، وأصبحت هناك تجارة، وكان التعامل بالقوانين أرادت الدولة في ذاك الوقت أن تضع نظامًا شرعيًّا، فوكلت ذلك إلى الذين اشتغلوا بالقوانين فلم يستطيعوا، ثم

стр. 3460

اختارت نخبة من العلماء فوضعوا "مجلة الأحكام العدلية"، فاستفادوا من المذاهب اللأخرى. وتعلمون أن من العلماء الذين يُعنون بهذه المسائل شيخ الإسلام ابن تيمية، فإنه قَل أن يدرس مسألة إلا ويُحررها، وينتهي فيها إلى رأي موفق، وما نقول: بأن الرجل معصوم، لكن الرجل يبذل كل ما يستطيع، ويستحضر أدلته في هذه المسائل فينتهي فيها إلى أمرٍ رشيد. فمثلًا: قانون الأحوال الشخصية الذي يعرف في الفقه بنظام الأسرة، وأحكام النكاح، وقانون الأحوال الشخصية في مصر استمدت كثيرًا منه من رأي شيخ الإسلام ابن تيمية في أقواله. إذن؛ نجد عندما يُراد وضع أسس ضابطة يُرجع إليها ويُخرج فيها عن المذهب الذي يقيد به كما كان الحال بالنسبة لمجلة الأحكام العدلية تقيدها بمذهب أبي حنيفة. * قوله: (وَأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَهِيَ حَوْلُ الفَوَائِدِ). قد يسأل سائل ويقول: أليس الربح هو الفوائد؟ الجواب: لا، يُقصد بالربح ربح المال. ويُقصد بالفوائد أموال وردت إليك، ليست من جنس المال الذي عندك. * قوله: (فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا (١) عَلَى أَنَّ المَالَ إِذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ، وَاسْتُفِيدَ إِلَيْهِ مَالٌ مِنْ غَيْرِ رِبْحِهِ يَكْمُلُ مِنْ مَجْمُوعِهِمَا نِصَابٌ). أما لو كان أقل من النِّصاب، واستفيد إليه مال من ربحه، فالذي

стр. 3461

يرى أنه يُزكي إذا حل مالك؛ فهذا احتراز من مذهب مالك، وليس من مذهب الجمهور، فمذهب مالك على هذا يُزكى وهذه هي الدِّقة. * قوله: (أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ بِهِ الحَوْلَ مِنْ يَوْمِ كَمُلَ). ربح الفوائد: هذه جزئية مجمعٌ عليها، فمثلًا: إنسانٌ عنده مال، ولكن هذا المال لا يبلغ نِصابًا فاستفاد إليه مالًا آخر حتى ولو كان هذا المال عِدة أنصبة متتالية، فإن هذا المال لا يُزكى، وإنما يُعتبر وقته من وقت ملك النِصاب. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا اسْتَفَادَ مَالًا، وَعِنْدَهُ نِصَابُ مَالٍ آخَرَ قَدْ حَالَ عَلَيْهِ الحَوْلُ). واختلفوا إذا استفاد منه مالًا: فلو أن إنسانًا ملك نِصابًا، ثم ورث مالًا يبلغ نِصابًا، كأن أهدي إليه مال يبلغ نِصابًا، أو كسب مالًا يبلغ نِصابًا فتعددت عنده الأنصبة، فهل نقول: يضمها جميعه، ويُزكيها؟ أو أنه يضع وقتًا لكل واحد منها؟ لو جاءته دُفعةً واحدة فهذا لا خلاف فيه، بخلاف لو أتته متفرقة؛ فلو ملك مالًا يبلغ نِصابًا، ثم استفاد إليه مالًا أو أكثر يبلغ نِصابًا فما الحكم في ذلك؟ فهذه المسألة تختلف عن المسألة الأخرى، فذاك ربحٌ ربحت، وهذا مالٌ ورد عليه. * قوله: (فَقَال مَالِكٌ (١): يُزَكِّي المُسْتَفَادَ إِنْ كَانَ نِصَابًا لِحَوْلِهِ، وَلَا يُضَمُّ إِلَى المَالِ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ). هنا تغير مذهب مالك في هذه المسألة، ومن هنا نرى أن هذه غير تلك، فهناك من يُخطئ في فهم هذا الكتاب فيقول: المؤلف كرر المسألة! بل هذه مسألة تختلف عنها، وشتان بينهما.

стр. 3462

ومن هنا مذهب الإمام مالك: هو لو أن إنسانًا ملك مالًا يبلغ نِصابًا، ثم استفاد مالًا آخر، فإذا حال الحول على المال الذي عنده وبلغ نِصابًا لا يُزكي معه الآخر؛ لأن هذا مال مستفاد، ولم يكن ذلك ربحًا للمال. وهذا هو مذهب أحمد (١). * قوله: (وَبِهَذَا القَوْلِ فِي الفَوَائِدِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٢). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣) وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ (٤): الفَوَائِدُ كُلُّهَا تُزَكَّى بِحَوْلِ الأَصْلِ إِذَا كَانَ الأَصْلُ نِصَابًا، وَكَذَلِكَ الرِّبْحُ عِنْدَهُمْ). فالحنفية: لا يفرقون بين المال المستفاد وبين الربح ما دام أصل المال قد بلغ نِصابًا وربِحَ ذلك المال أو استفاد إليه مالًا آخر فإنه يُزكي، وبذلك ينفردون عن غيرهم من الأئمة. تختلف هذه المسألة عن السابقة: فهذا إنسان يملك نِصابًا فاستفاد مالًا آخر يبلغ نِصابًا، فإذا ما حال الحول على الأصل الذي عنده فهل يُزكي هذا المال المستفاد معه؟ أي هل يُعتبر تابعًا له، أم لا؟ يرى مالك: أن المال يُزكى، وإن لم يبلغ الأصل نِصابًا. أما الحنفية والحنابلة: فقد قيدوا ذلك بأن يبلغ الأصل نِصابًا، لكن الحنابلة أضافوا شرطًا -ذكرناه فيما مضى- هو النماء أن يكون هذا الربح

стр. 3463

من جنس المال الأصلي فيشتركان في الملك، فيترتب عليه الاشتراك في الحول. فهنا مالٌ استفيد إليه مالٌ آخر، فلا يُزكى المستفاد مع الأصل إذا حال عليه الحول، وقد عرفنا أن ذلك مذهب مالك، وأحمد، والشافعي، وعند أبي حنيفة يُزكى؛ إذن لا يرى الحنفية فرقًا بين ما يربحه المال، وبين ما يستفيده المالك. (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ المَالِ الوَارِدِ عَلَيْهِ؟ أَمْ حُكْمُهُ حُكْمُ مَالٍ لَمْ يَرِدْ عَلَى مَالٍ آخَرَ؟). - فإن قلنا: حكمه حكم المال الوارد عليه؛ فنزكيه معه. - وإن قلنا: حكمه حكم مالٍ آخر لم يرد عليه؛ فلا نزكيه، فكيف نزكيه مع أنه يختلف عن هذا المال الذي ورد عليه؟ (فَمَنْ قَالَ: حُكْمُهُ حُكْمُ مَالٍ لَمْ يَرِدْ عَلَى مَالٍ آخَرَ -أَعْنِي مَالًا فِيهِ زَكَاةٌ- قَالَ: لَا زَكَاةَ فِي الفَائِدَةِ). وهذا هو مذهب الجمهور. * قوله: (وَمَنْ جَعَلَ حُكْمَهُ حُكْمَ الوَارِدِ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ مَالٌ وَاحِدٌ، قَالَ: إِذَا كَانَ الوَارِدُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ بِكَوْنِهِ نِصَابًا، اعْتَبَرَ حَوْلَهُ بِحَوْلِ المَالِ الوَارِدِ عَلَيْهِ). هذا يشهد لأي القولين؟ هل يشهد للذين يقولون: بأن المستفاد يُزكى مع الأصل؛ أي: مع المال الذي عنده؛ أي: ما نعتبره أصلًا هنا، أو لا؟ لا شك أنه يشهد برأي الجمهور وهو: لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول؛ فكيف تُزكي مالًا أو توجب على إنسان أن يزكي مالًا لم يحل عليه الحول؟

стр. 3464

* قوله: (وَعُمُومُ قَوْلِهِ ﵊: "لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ"، يَقْتَضِي أَلَّا يُضَافَ مَالٌ إِلَى مَالٍ إِلَّا بِدَلِيلٍ). ولا دليل هنا فنبقى على الأصل. * قوله: (وَكَأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ اعْتَمَدَ فِي هَذَا قِيَاسَ النَّاضِّ (١) عَلَى المَاشِيَةِ). النَّاضُّ: وهو ما يُحصل عليه من بيع الأمتعة؛ أي: النقد الذي تحصل عليه من بيع المتاع. * قوله: (وَمِنْ أَصْلِهِ الَّذِي يَعْتَمِدُهُ فِي هَذَا البَابِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الحَوْلِ أَنْ يُوجَدَ المَالُ نِصَابًا فِي جَمِيعِ أَجْزَائِهِ، بَلْ أَنْ يُوجَدَ نِصَابًا فِي طَرَفَيْهِ فَقَطْ، وَبَعْضًا مِنْهُ فِي كلِّهِ، فَعِنْدَهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَالٌ فِي أَوَّلِ الحَوْلِ نِصَابًا، ثُمَّ هَلَكَ بَعْضُهُ، فَصَارَ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ، ثُمَّ اسْتَفَادَ مَالًا فِي آخِرِ الحَوْلِ صَارَ بِهِ نِصَابًا أَنَّهُ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ). وهذه هي وجهة الحنفية، وتعليلهم الأقوى. أما عند الشافعية والحنابلة: يشترطون أنه إذا وجد عند إنسان نِصاب؛ فإنه يشترط أن يستمر إلى نهاية الحول، فإن ذهب شيءٌ منه فنقص يُعتبر منقطعًا فيستأنف الحول. ومالكٌ: يعتبر النهاية؛ فلو طرأ عليه نقصٌ في أوله أو وسطه فهذا لا يؤثر المهم أنه عند النهاية يبلغ حولًا. أما أبو حنيفة يعتبر الطرفين فيقول: فلو كان هناك نِصاب، ثم طرأ

стр. 3465

عليه نقصٌ، أو هلك بعضه في أثناء العام، ثم جاء آخر العام فبلغ نِصابًا فإنه تجب زكاته؛ لسلامة الطرفين، ووجود الخلل في الوسط لا تأثير له؛ لأنه يعتمد في التقدير البداية والنهاية، أما الوسط فهذا يصعب رفضه. هذا هو تعليل الحنفية وهو الذي أشار إليه المؤلف ثانيًا. * قوله: (وَهَذَا عِنْدَهُ مَوْجُودٌ فِي هَذَا المَالِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَكْمِلِ الحَوْلَ، وَهُوَ فِي جَمِيعِ أَجْزَائِهِ مَالٌ وَاحِدٌ بِعَيْنِهِ، بَلْ زَادَ، وَلَكِنْ أُلْفِيَ فِي طَرَفَيِ الحَوْلِ نِصَابًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الحَوْلَ الَّذِي اشْتُرِطَ فِي المَالِ إِنَّمَا هُوَ فِي مَالٍ مُعَيَّنٍ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ لَا بِرِبْحٍ وَلَا بِفَائِدَةٍ، وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ؛ إِذْ كَانَ المَقْصُودُ بِالحَوْلِ هُوَ كَوْنُ المَالِ فَضْلَةً مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ مَا بَقِيَ حَوْلًا عِنْدَ المَالِكِ لَمْ يَتَغَيَّرْ عِنْدَهُ، فَلَيْسَ بِهِ حَاجَةٌ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ فِيهِ الزَّكَاةَ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ إِنَّمَا هِيَ فُضُولُ الأَمْوَالِ). إن الزكاة إنما هي في فضول الأموال؛ أي: فيما زاد. * قوله: (وَأَمَّا مَنْ رَأَى أَنَّ اشْتِرَاطَ الحَوْلِ فِي المَالِ إِنَّمَا سَبَبُهُ النَّمَاءُ). وهؤلاء هم الجمهور (١).

стр. 3466

* قوله: (فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ: تُضَمُّ الفَوَائِدُ فَضْلًا عَنِ الأَرْبَاحِ إِلَى الأُصُولِ، وَأَنْ يُعْتَبَرَ النِّصَابُ فِي طَرَفَي الحَوْلِ، مَاشِيَةٌ تَجِبُ فِيهَا الزَّكاةُ، ثُمَّ بَاعَهَا وَأَبْدَلَهَا فِي آخِرِ الْحَوْلِ بِمَاشِيَةٍ مِنْ نَوْعِهَا أَنَّهَا تَجِبُ فِيهَا الزَّكاةُ، فَكَأَنَّهُ اعْتَبَرَ أَيْضًا طَرَفَي الْحَوْلِ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَخَذَ أَيْضًا مَا اعْتَمَدَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي فَائِدَةِ النَّاضِّ الْقِيَاسَ عَلَى فَائِدَةِ الْمَاشِيَةِ عَلَى مَا قُلْنَاهُ). هذا هو تعليل المؤلف. لكن نحن يظهر لنا أن مذهب الجمهور هو الأرجح؛ لأنه -كما ذكرنا مِرارًا، وكما هو معلوم في الشريعة الإسلامية- مراعاة الجانبين، فهي تراعي جانب الفقير ولا تغفل أيضًا حق المالك، وكذلك المال الذي يجب أن يُزكى ينبغي أن يكون النِّصاب متوفرًا فيه، أما أن يطرأ عليه خللٌ فينقص فهذا ما استوفى العام، ولا يطلق عليه بأنه قد مضى عليه حول وهو نِصاب، وإنما طرأ عليه النقص فوجد فيه خللٌ وهذا الخلل يتطلب أن يُستأنف باعتبار الحول. * قوله: (وَلِذَلِكَ رَأَى مَالِكٌ: أَنَّ مَنْ كانَ عِنْدَهُ فِي أَوَّلِ الحَوْلِ مَاشِيَةٌ تَجِبُ فِيهَا الزَّكاةُ ثُمَّ بَاعَهَا وَأَبْدَلَهَا فِي آخِرِ الحَوْلِ بِمَاشِيَةٍ مِنْ نَوْعِهَا أَنَّهَا تجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ) (١). هذه مسائل أُخرى تكلم عنها العلماء؛ فلو أن إنسانًا كانت عنده ماشية، ثم باعها فأبدلها بماشية أخرى؛ فإنها تجب فيها الزكاة.

стр. 3467

* قوله: (فَكَأَنَّهُ اعْتَبَرَ أَيْضًا طَرَفَي الحَوْلِ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَخَذَ أَيْضًا مَا اعْتَمَدَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي فَائِدَةِ النَّاضِّ القِيَاسَ عَلَى فَائِدَةِ المَاشِيَةِ عَلَى مَا قُلْنَاهُ) (١). وعلى هذا؛ فلقد وافق المالكية مذهب الأحناف فيما ذهبوا إليه من اعتبار الطرفين، ولا عبرة بالنقص في أثناء الحول. * قوله: [الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعةُ] (وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَهِيَ اعْتِبَارُ حَوْلِ الدَّيْنِ، إِذَا قُلْنَا: إِنَّ فِيهِ الزَّكَاةَ). مراد المؤلف ﵀ بعبارة (حَوْلِ الدَّيْنِ إِذَا قُلْنَا: إِنَّ فِيهِ الزَّكَاةَ): يُفهَم من هذا أن هناك مَن لا يرى أن فيه زكاةً. فقد عرَفْنا أن هذا مذهبٌ لـ: (١) الشافعية في القديم (٢).

стр. 3468

(٢) وهو المنسوب لعائشةَ ﵂. (٣) وإلى عكرمةَ. (٤) وإلى غير هؤلاء. (٥) وبعضهم نَسَبه إلى عبدِ اللَّه بنِ عمرَ (١). فهؤلاء جميعًا لا يَرَون فيه زكاةً. وعليه: فالقَيدُ الذي ذكرَه المؤلفُ ﵀ وهو اعْتِبَارُ حَوْلِ الدَّيْنِ- هو فقط على قولِ مَن يقول: فيه زكاةٌ. * قوله: (فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِيهِ مِنْ أَوَّلِ مَا كَانَ دَيْنًا يُزَكِّيهِ لِعِدَّةِ ذَلِكَ). مراد المؤلف ﵀ بعبارة (لِعِدَّةِ ذَلِكَ)، يعني: مهما مَكَثَ من السِّنين، فإنه يُزكَّى عن تلك السِّنين. * قوله: (إِنْ كَانَ حَوْلًا فَحَوْلٌ. وَإِنْ كَانَ أَحْوَالًا فَأَحْوَالٌ، أَعْنِي: أَنَّهُ إِنْ كَانَ حَوْلًا، تَجِبُ فِيهِ زَكَاةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ أَحْوَالًا وَجَبَتَ فِيهِ الزَّكَاةُ لِعِدَّةِ تِلْكَ الْأَحْوَالِ). هذا القولُ لم يَنسِبْه المؤلف ﵀ إلى قائل. مع أنه قول الإمامين؛ أبي حنيفةَ (٢)،. . . . . .

стр. 3469

وأحمد (١). ونضيف هنا بأن الإمامين اشترطا ما يلي: الشرط الأول: أن يكون هذا الدَّينُ الذي له عند شخص قد بلغ نِصابًا، كما هو معلوم. وهذا مُشترَطٌ في جميع أموال الزكاة التي يُشترط فيها النِّصابُ. الشرط الثاني: أن تكون زكاتُه له بعد قَبْضه، لا أثناءَ وجوده عند المَدِين. وهذا القول قال به الشافعيةُ في القديم، ونُسِب أيضًا لبعض الصحابة، ولبعض التابعين، كما سبق. * قوله: (وَقَوْمٌ قَالُوا: يُزَكِّيهِ لِعَامٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ أَقَامَ الدَّيْنَ أَحْوَالًا عِنْدَ الَّذِي عِنْدَهُ الدَّيْنُ). هذا مذهب الإِمَامِ مالك (٢). وقال به أيضًا: (١) سعيدُ بن المُسيَّب من التابعين.

стр. 3470

(٢) وهو أيضًا مَرْويٌّ عن عطاءِ بن أبي رباح. (٣) وعن عطاء الخُرَساني (١). * قوله: (وَقَوْمٌ قَالُوا: يُسْتَقْبَلُ بِهِ الْحَوْلُ). وهذا هو الذي أشَرْنا إليه سابقًا بأنه قول الشافعي في القديم، وليس الجديد (٢). وهو أيضًا ما نقل عن عائشة (٣) ﵂، وعن عِكرمةَ (٤). * قوله: ([وَأَمَّا مَنْ قَالَ: يُسْتَقْبَلُ بالدَّيْنِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ قُبِضَ، فَلَمْ يَقُلْ بِإِيجَابِ الزَّكاةِ فِي الدَّيْنِ] (٥). وَمَنْ قَالَ: فِيهِ الزَّكاةُ بِعَدَدِ الْأَحْوَالِ الَّتِي أَقَامَ، فَمَصِيرًا إِلَى تَشْبِيهِ الدَّيْنِ بِالْمَالِ الْحَاضِرِ). المالُ الحاضِر يُزكَّى، كما هو معلوم. ولو أن إنسانًا فوَّت عامًا دون أن يُخرِج زكاته، فإنها لا تَسقط عنه، ويلزمُه أن يؤدِّيها.
следующие страницы →