* قوله: (فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ: تُضَمُّ الفَوَائِدُ فَضْلًا عَنِ الأَرْبَاحِ إِلَى الأُصُولِ، وَأَنْ يُعْتَبَرَ النِّصَابُ فِي طَرَفَي الحَوْلِ، مَاشِيَةٌ تَجِبُ فِيهَا الزَّكاةُ، ثُمَّ بَاعَهَا وَأَبْدَلَهَا فِي آخِرِ الْحَوْلِ بِمَاشِيَةٍ مِنْ نَوْعِهَا أَنَّهَا تَجِبُ فِيهَا الزَّكاةُ، فَكَأَنَّهُ اعْتَبَرَ أَيْضًا طَرَفَي الْحَوْلِ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَخَذَ أَيْضًا مَا اعْتَمَدَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي فَائِدَةِ النَّاضِّ الْقِيَاسَ عَلَى فَائِدَةِ الْمَاشِيَةِ عَلَى مَا قُلْنَاهُ).
هذا هو تعليل المؤلف.
لكن نحن يظهر لنا أن مذهب الجمهور هو الأرجح؛ لأنه -كما ذكرنا مِرارًا، وكما هو معلوم في الشريعة الإسلامية- مراعاة الجانبين، فهي تراعي جانب الفقير ولا تغفل أيضًا حق المالك، وكذلك المال الذي يجب أن يُزكى ينبغي أن يكون النِّصاب متوفرًا فيه، أما أن يطرأ عليه خللٌ فينقص فهذا ما استوفى العام، ولا يطلق عليه بأنه قد مضى عليه حول وهو نِصاب، وإنما طرأ عليه النقص فوجد فيه خللٌ وهذا الخلل يتطلب أن يُستأنف باعتبار الحول.
* قوله: (وَلِذَلِكَ رَأَى مَالِكٌ: أَنَّ مَنْ كانَ عِنْدَهُ فِي أَوَّلِ الحَوْلِ مَاشِيَةٌ تَجِبُ فِيهَا الزَّكاةُ ثُمَّ بَاعَهَا وَأَبْدَلَهَا فِي آخِرِ الحَوْلِ بِمَاشِيَةٍ مِنْ نَوْعِهَا أَنَّهَا تجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ) (١).
هذه مسائل أُخرى تكلم عنها العلماء؛ فلو أن إنسانًا كانت عنده ماشية، ثم باعها فأبدلها بماشية أخرى؛ فإنها تجب فيها الزكاة.
стр. 3467
* قوله: (فَكَأَنَّهُ اعْتَبَرَ أَيْضًا طَرَفَي الحَوْلِ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَخَذَ أَيْضًا مَا اعْتَمَدَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي فَائِدَةِ النَّاضِّ القِيَاسَ عَلَى فَائِدَةِ المَاشِيَةِ عَلَى مَا قُلْنَاهُ) (١).
وعلى هذا؛ فلقد وافق المالكية مذهب الأحناف فيما ذهبوا إليه من اعتبار الطرفين، ولا عبرة بالنقص في أثناء الحول.
* قوله:
[الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعةُ]
(وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَهِيَ اعْتِبَارُ حَوْلِ الدَّيْنِ، إِذَا قُلْنَا: إِنَّ فِيهِ الزَّكَاةَ).
مراد المؤلف ﵀ بعبارة (حَوْلِ الدَّيْنِ إِذَا قُلْنَا: إِنَّ فِيهِ الزَّكَاةَ):
يُفهَم من هذا أن هناك مَن لا يرى أن فيه زكاةً. فقد عرَفْنا أن هذا مذهبٌ لـ:
(١) الشافعية في القديم (٢).
стр. 3468
(٢) وهو المنسوب لعائشةَ ﵂.
(٣) وإلى عكرمةَ.
(٤) وإلى غير هؤلاء.
(٥) وبعضهم نَسَبه إلى عبدِ اللَّه بنِ عمرَ (١). فهؤلاء جميعًا لا يَرَون فيه زكاةً.
وعليه: فالقَيدُ الذي ذكرَه المؤلفُ ﵀ وهو اعْتِبَارُ حَوْلِ الدَّيْنِ- هو فقط على قولِ مَن يقول: فيه زكاةٌ.
* قوله: (فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِيهِ مِنْ أَوَّلِ مَا كَانَ دَيْنًا يُزَكِّيهِ لِعِدَّةِ ذَلِكَ).
مراد المؤلف ﵀ بعبارة (لِعِدَّةِ ذَلِكَ)، يعني: مهما مَكَثَ من السِّنين، فإنه يُزكَّى عن تلك السِّنين.
* قوله: (إِنْ كَانَ حَوْلًا فَحَوْلٌ. وَإِنْ كَانَ أَحْوَالًا فَأَحْوَالٌ، أَعْنِي: أَنَّهُ إِنْ كَانَ حَوْلًا، تَجِبُ فِيهِ زَكَاةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ أَحْوَالًا وَجَبَتَ فِيهِ الزَّكَاةُ لِعِدَّةِ تِلْكَ الْأَحْوَالِ).
هذا القولُ لم يَنسِبْه المؤلف ﵀ إلى قائل.
مع أنه قول الإمامين؛ أبي حنيفةَ (٢)،. . . . . .
стр. 3469
وأحمد (١). ونضيف هنا بأن الإمامين اشترطا ما يلي:
الشرط الأول: أن يكون هذا الدَّينُ الذي له عند شخص قد بلغ نِصابًا، كما هو معلوم.
وهذا مُشترَطٌ في جميع أموال الزكاة التي يُشترط فيها النِّصابُ.
الشرط الثاني: أن تكون زكاتُه له بعد قَبْضه، لا أثناءَ وجوده عند المَدِين.
وهذا القول قال به الشافعيةُ في القديم، ونُسِب أيضًا لبعض الصحابة، ولبعض التابعين، كما سبق.
* قوله: (وَقَوْمٌ قَالُوا: يُزَكِّيهِ لِعَامٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ أَقَامَ الدَّيْنَ أَحْوَالًا عِنْدَ الَّذِي عِنْدَهُ الدَّيْنُ).
هذا مذهب الإِمَامِ مالك (٢). وقال به أيضًا:
(١) سعيدُ بن المُسيَّب من التابعين.
стр. 3470
(٢) وهو أيضًا مَرْويٌّ عن عطاءِ بن أبي رباح.
(٣) وعن عطاء الخُرَساني (١).
* قوله: (وَقَوْمٌ قَالُوا: يُسْتَقْبَلُ بِهِ الْحَوْلُ).
وهذا هو الذي أشَرْنا إليه سابقًا بأنه قول الشافعي في القديم، وليس الجديد (٢).
وهو أيضًا ما نقل عن عائشة (٣) ﵂، وعن عِكرمةَ (٤).
* قوله: ([وَأَمَّا مَنْ قَالَ: يُسْتَقْبَلُ بالدَّيْنِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ قُبِضَ، فَلَمْ يَقُلْ بِإِيجَابِ الزَّكاةِ فِي الدَّيْنِ] (٥). وَمَنْ قَالَ: فِيهِ الزَّكاةُ بِعَدَدِ الْأَحْوَالِ الَّتِي أَقَامَ، فَمَصِيرًا إِلَى تَشْبِيهِ الدَّيْنِ بِالْمَالِ الْحَاضِرِ).
المالُ الحاضِر يُزكَّى، كما هو معلوم.
ولو أن إنسانًا فوَّت عامًا دون أن يُخرِج زكاته، فإنها لا تَسقط عنه، ويلزمُه أن يؤدِّيها.
стр. 3471
فكذلك أيضًا المال الذي عند المَدِين.
* قوله: (وَأَمَّا مَنْ قَالَ: الزَّكاةُ فِيهِ لِحَوْلٍ وَاحِدٍ وَإِنْ أَقَامَ أَحْوَالًا، فَلَا أَعْرِفُ لَهُ مُسْتَنَدًا فِي وَقْتِي هَذَا).
كذلك أيضًا نحن نرى العلماء يسرُدون هذا القول، ولا ينسبونه لأحد. لكن يبدو أن الملاحظة فيه هي التيسير، فهذا مالٌ ليس فيه نَماء، فمن باب التيسير يُقتصَر على عامٍ واحد. فلعله لوحِظ في ذلك جانبُ المصلحة التي يراعيها المالِكيَّة كما عرَفتم.
وكما مرت بنا في مسائلَ كثيرة، فإنهم كثيرًا ما يُعْنَوْنَ بالمسائل ذاتِ العَلاقة بالمصالح المُرْسَلَة (١).
* قوله: (لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مَا دَامَ دَيْنًا أَنْ يَقُولَ: إِنْ فِيهِ زَكاةً، أَوْ لَا يَقُولُ ذَلِكَ).
المؤلف ﵀ وهو مالكي المذهب- يردُّ على المالكية.
وسبق أن رأيناه في عِدَّة مسائل ينقُد مذهبهم.
وهذا يدل -كلما قلنا سابقًا- على أن لا تعصُّبَ عنده.
فهو هنا يضعهم بين أمرين:
الأمر الأول: إما أن يقولوا بأن هذا المال لا زكاةَ فيه؛ لأنه لا نماءَ له.
الأمر الثاني: أو يقولوا بإخراج زكاته عن كل الأعوام.
ولكن: ما الدليل على القَصْرِ على زكاةٍ واحدة؟
والجواب: لعلهم راعوا جانب المصلحة؛ فهذا مالٌ لا نماءَ له، فأرادوا تحقيقَ أمرين:
стр. 3472
الأمر الأول: ألا يُضيعوا حقَّ الفقراء والمساكين في هذا المال.
الأمر الثاني: ألا يُرهِقوا الغنيَّ المالكَ. فتوسَّطوا في ذلك، وقالوا: يُزكَّى عامًا واحدًا فقط.
* قوله: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ زَكَاةٌ، فَلَا كَلَامَ، بَلْ يُسْتَأْنَفُ بِهِ).
المؤلف ﵀ يريد أن يقول: إن قلتم: لا زكاة في هذا المال، بل يُستأنف به العامَ الجديد، فلا نقاشَ؛ لأن هذا المالَ لا نماءَ فيه.
* قوله: (وَإِنْ كَانَ فِيهِ زَكَاةٌ: فَلَا يَخْلُو أَنْ يُشْتَرَطَ فِيهَا الْحَوْلُ، أَوْ لَا يُشْتَرَطَ ذَلِكَ، فَإِنِ اشْتَرَطْنَا: وَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ عَدَدُ الْأَحْوَالِ).
المؤلف ﵀ يريد أن يقول: إن قلتم يُزكَّى هذا المال، فلا بد من اشتراط حول، كما رأينا الإجماعَ على ذلك، وورد به الحديث الذي تُكُلِّم في صحته.
لكن إذا اشترطتم الحَولَ: فلماذا تقيدوه بحَول واحد؟
هذا ما يريد أن ينتهي إليه المؤلف ﵀.
* قوله: (إِلَّا أَنْ يَقُولَ: كُلَّمَا انْقَضَى حَوْلٌ، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ أَدَائِهِ سَقَطَ عَنْهُ ذَلِكَ الْحَقُّ اللَّازِمُ فِي ذَلِكَ الْحَوْلِ).
المؤلف ﵀ يريد أن يتلمَّس لهم حجَّة على قولهم هذا، فيقول: إلا أن يُقال: عندما ينتهي حَوْلٌ، ولم يُسلَّم هذا المال إلى صاحبه فنقول: سقطت زكاته. فإذا جاء عامٌ آخرُ، ولم يؤدِّ المَدين هذا الدَّين لصاحب الحق فتسقط زكاته أيضًا عن هذا العام.
فإذا سلَّمه مثلًا في العام الثالث، فيُزكَّى عن هذا العام وحدَه، ولا يُزكَّى عن العامَين الأول والثاني؛ لأنه قد سقطت زكاتهما؛ لعدم تسلُّمِه مالَه أصلًا.
فهذا هو تعليل المؤلف وجوابه عن هذا القول.
стр. 3473
وظاهر من هذا أنهم قد راعوا المصلحة، فهذا المال توقف وتعطلت منافعه، فما أرادوا أن يضيعوا حق الفقير فيه، ولا أرادوا أيضًا أن يرهقوا كاهِلَ الغَنيِّ، فتوسطوا؛ فقالوا هذا القول.
* قوله: (فَإِنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ بِشَرْطَيْنِ: حُضُورِ عَيْنِ الْمَالِ، وَحُلُولِ الْحَوْلِ؛ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا حَقُّ الْعَامِ الْأَخِيرِ).
الزكاة تجب بشرطين:
الشرط الأول: حُضورُ الْمَالِ؛ أي: وجوده وقد بلغ نِصابًا.
والمقصود بالحضور هنا: أن يُستلَم؛ أي: يُقبَض من المَدِين.
الشرط الثاني: مرور حول -أي: عام هجري- على هذا المال بعد قَبْضه.
* قوله: (وَهَذَا يُشَبِّهُهُ مَالِكٌ بِالْعُرُوضِ الَّتِي لِلتِّجَارَةِ؛ فَإِنَّهَا لَا تَجِبُ عِنْدَهُ فِيهَا زَكاةٌ، إِلَّا إِذَا بَاعَهَا - وَإِنْ أَقَامَتْ عِنْدَهُ أَحْوَالًا كَثِيرَةً).
لعلكم تذكرون أن الإمام مالكًا (١) ﵀ خالف جمهور الفقهاء (٢) في
стр. 3474
هذه المسألة، فهو يرى أن عُروض التجارة (١) لا تجب فيها الزكاة إلا إذا بِيعت.
وجمهور العلماء يرون أنها تُقوَّم في كل عام، وتُزكَّى.
وهذا قد أخذناه في مطلع مباحث عُروض التجارة، عندما تكلمنا عن ذلك، وأورد ذلك أيضًا المؤلف.
ورأينا أن التجار ينقسمون إلى قسمين:
القسم الأول: تاجر متربِّص (٢)، يتحيَّن الفرصة لبيع بضاعته.
القسم الثاني: تاجر مُدير؛ لأنه يحرك بضاعته فيبيع ويشتري فيها.
فالإمام مالك يرى أن عروض التجارة كالدَّين تمامًا لا تجب فيها الزكاة إلا إذا بيعت. فكما أن الدَّين لا زكاة فيه إلا إذا قُبض كذلك عُروض التجارة لا زكاةَ فيها إلا إذا بيعت.
أما جمهور العلماء (٣) فيقولون: لا، بل إذا مضى على عروض
стр. 3475
التجارة عامٌ فإنها تُقوَّم، وتُخرَجُ زكاتها؛ من النقدين، رُبع العُشْر، كما يُزكَّى النقدان؛ الذهب والفضة.
وقد أشرنا إلى مسألة لم يَعْرِض لها المؤلف.
وهي أن بعض العلماء يشترط أيضًا أن تُخرَج الزكاة من عُروض التجارة مما فيه مصلحة للمساكين؛ فإن كان الأصلح للمساكين إخراجَها من الذهب يُخرِجه، وان كان الأصلح لهم إخراجَها من الفضة أُخرِجت فضة (١).
стр. 3476
وهؤلاء أيضًا يراعون السائد في السوق، يعني: أيهما الذي يُتعامَل به في السوق؛ أهي الفضة، أو الذهب؟
فالذي درَج التعامل به هو الذي تُخرَج به الزكاة.
أما إذا استوت العملتان في ذلك فلا فرق بين أن يُخرجها ذهبًا، أو فِضة.
* قوله: (وَفِيهِ: شَبَهٌ مَا بِالْمَاشِيَةِ الَّتِي لَا يَأْتِي السَّاعِي).
يذكر المؤلف ﵀ أن هذه المسألة تشبه الْمَاشيَة الَّتِي لَا يَأْتِي السَّاعِي أَعْوَامًا إِلَيْهَا.
فهو يُشير إلى مسألة الخَرْصِ (١) التي مرت بنا (٢).
стр. 3477
فالساعي هو الذي يأخذ الصدقة -أي: الزكاة- من أصحاب الأموال، ومن أصحاب الماشية، ومن أصحاب الحبوب، والثمار.
فهل بتأخُّر الساعي سنةً أو سنتين عن أصحاب الأموال تسقط زكاةُ أموالهم التي بلغت ثمارُها، أو حبوبُها، أو ماشيتُها نِصابًا؟ أو لا تسقط الزكاة عنهم؟
نقول: هذا حقٌّ أوجبه اللَّه على الغنيِّ؛ فلا يسقط بعدم وجود الساعي.
وسيعرض المؤلف أيضًا لمسألة مهمة وهي: ربط إخراج الزكاة بالإمام. فهل يلزم أن تُسلَّم الزكاة للإمام -على أن هذا هو الأصل- أو لا يلزم ذلك؟
وكذلك مسألة: لو أُخِذت منه الزكاة قهرًا؛ فهل يُعتبر مؤدِّيًا لها، أو لا؟
لأنه -كما أشرت فيما مضى- وُجِد في بعض العصور الإسلامية فِرقٌ خرجت على المسلمين، واستولت على بعض بلادهم، فأخذوا مثل هذه الزكاة؛ فهل نقول: إن الذي أُخذت منه الزكاة قَسرًا وقهرًا يُطالَب بها مرة أخرى، أو لا؟
стр. 3478
والجواب: أن الزكاة قد سقطت عنه على الرأي الصحيح.
* قوله: (أَعْوَامًا إِلَيْهَا).
يعني المؤلف ﵀ بذلك أنه لو وُجد إنسان عنده ماشية، وقد حال عليها الحولُ، ووجبت فيها الزكاةُ، ولكن لم يأتِ الساعي إليه هذا العام، وتكرر ذلك كله في العام الذي يليه، تم جاء الساعي في العام الثالث، فهل نقول لصاحب الإبل والبقر والغنم: لا زكاةَ عليك في الأعوام السابقة؛ لأن الساعي لم يأتِ؟
وبعبارة أخرى: هل عدم وجود الساعي يُسقِط فرض الزكاة في العامَين الأولين؟
الجواب: لا يُسقطها.
* قوله: (ثُمَّ يَأْتِي، فَيَجِدُهَا قَدِ انْقَضَتْ: فَإِنَّهُ يُزَكِّي).
هذا عند من يرى أنها لا تُسلَّم إلى الساعي.
بخلاف من ينظر إلى أنها واجبة، وبجب إخراجها كالخرص (١)، بحيث إذا لم يأتِ الخارص فيلزم صاحب المال أن يخرص الثمر أو الحَبَّ ويترك لنفسه الثلث أو الربع، وهذا أمر بينه وبين اللَّه، فَإِنَّهُ يُزَكِّي.
* قوله: (عَلَى مَذْهَبِ مَالَكٍ: الَّذِي وُجِدَ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ).
وبهذا يتبين أن الإمام مالكً ﵀ راعَى جانب اليسر والتخفيف على الناس، وعدم إلحاق المشقة بهم. فالزكاة لم تُفرَض على الأغنياء لتكون تشديدًا عليهم، وإنما فُرِضت تطهيرًا لأموالهم، وتزكيةً لنفوسهم. وفيها إعزاز للفقراء، ورفعٌ لأحوالهم، وسدٌّ للخَلّة التي تنشأ عن الفقر، والمسكنة.
стр. 3479
* قوله: (فِيمَا تَقَدَّمَ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ؛ إِذْ كَانَ مَجِيءُ السَّاعِي شَرْطًا عِنْدَهُ فِي إِخْرَاجِهَا، مَعَ حُلُولِ الْحَوْلِ سَقَطَ عَنْهُ حَقُّ ذَلِكَ الْحَوْلِ الْحَاضِرِ، وَحُوسِبَ بِهِ فِي الْأَعْوَامِ السَّالِفَةِ، كَانَ الْوَاجِبُ فِيهَا أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ، إِذَا كَانَتْ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ).
المؤلف ﵀ لم يفصِّل هذه المسألة؛ وإنما ذكرها عرضًا. وهذا رأي الإمام مالك (١).
أما غيره من الفقهاء (٢) فيرون عدم سقوط الزكاة بتأخُّر الساعي.
* قوله: (وَهُوَ شَيْءٌ يَجْرِي عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَإِنَّمَا اعْتَبَرَ مَالِكٌ فِيهِ الْعَمَلَ).
يصرح المؤلف ﵀ هنا بأن هذا المسلك الذي سلكه الإمام مالك ومن وافقه من المالكية لا يجري على نَسقِ القياس.
стр. 3480
وإنما اعتمدوا في ذلك على عملٍ وجدوه فعملوا على ضوئه. فالقياس (١) يُسعف جمهور العلماء هنا دون المالكية؛ لأننا بين أمرين:
الأمر الأول: إما أن نقول بوجوب الزكاة فيلزم أن نعمم ذلك على جميع الأحوال.
الأمر الثاني: وإما أن نقول بعدم وجوب الزكاة فلا مفرَّ من أن نستقبل بالمال عامًا جديدًا، وحينئذٍ لا زكاةَ فيما مضى من أعوام.
* قوله: (وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَيَرَاهُ ضَامِنًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَجِيءُ السَّاعِي شَرْطًا عِنْدَهُ فِي الْوُجُوبِ).
قد وافق الإمامُ أحمد (٢) الإِمَامَ الشافعي (٣) في هذه المسألة، وأعتقد أيضًا أن الحنفية (٤) معهما.
* قوله: (وَعَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ رَأَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاةَ مَالِهِ، إِلَّا بِأَنْ يَدْفَعَهَا إِلَى الْإِمَامِ، فَعُدِمَ الْإِمَامُ، أَوْ عُدِمَ الْإِمَامُ الْعَادِلُ - إِنْ كانَ مِمَّنْ شَرَطَ الْعَدَالَةَ فِي ذَلِكَ).
هذا الرأي: فيه تشديد على الناس، ونتعرض هنا لاشتراط الإمام العادل، فنقول: كأنَّ هذا ممن يريد أن يوجد إمام عادل بصفات متعددة. ولا شك أن العدل قد وُجد -بحمد اللَّه- في بعض أئمة المسلمين.
والعدل قد يختلف فيه الناس:
(١) فهناك من يرى أن هذا عدْل في أحكامه، ومنهجه.
стр. 3481
(٢) وقد يأتي إنسان انحرف عن الطريق السوي، وتنكَّب طريق الغواية، وتبعَ فرقةً من الفرق فيرى أن هذا الإمام ليس عادلًا.
فنقول: هذا الأخير ليس مقياسًا.
ولو قُدِّر أن الإمام فاسق فإنه يُطاع في هذه الأمور. ودليل ذلك:
أولًا: من الكتاب:
أن اللَّه يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].
ثانيًا: من السنة:
أن رسول اللَّه ﷺ قد أرشدنا إلى طاعة أولي الأمر، وذلك في أحاديث كثيرة، وحض الإنسان على ذلك، حتى وإن ضُرب، أو أُخذ ماله فعليه أن يسمع، ويطيع (١).
أما وجود مثل هذه الأمور فهذه قد تؤدي إلى الخلاف أكثر، مما قد تؤدي إلى الوفاق.
فلا يلزم تحقق عدل الإمام لتدفع له الزكاة، وإنما المهم أن يأخذ الزكاة ويصرفها في مصارفها.
ومصارف الزكاة تولى اللَّه بيانَها بنفسه -كما سيأتي ذلك- ولم يترك ذلك لنبيٍّ، ولا لغيره.
فقد حدد اللَّه تعالى مَن تُصرف لهم الزكاة ونص على أنهم ثمانية -
стр. 3482
وسيأتي الكلام عنهم في باب مستقل في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة: ٦٠].
فهؤلاء هم الذين تدفع إليهم الزكاة على خلاف بين العلماء في بعض تعريفات بعضهم.
وفي المؤلفة قلوبهم خلاف لأهل العلم أيضًا، كما سيأتي، وكذا لهم خلاف في كلٍّ من الغارِم، وابن السبيل، كما سيأتي.
* قوله: (أَنَّهُ إِنْ هَلَكَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَوْلِ، وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ دَفْعِهَا إِلَى الْإِمَامِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ).
خطورة فقد الإمام، لا شك في أنه لو عاش الناس يومًا بلا إمام لحصل فساد عظيم.
فاللَّه عندما أنزل آدم ﵇ قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]. فاللَّه خَلق الخلْق لعبادته، ولعمارة هذا الكون.
لا يَصْلُحُ الناسُ فَوضى لا سَراةَ لَهُم … وَلا سَراةَ إِذا جُهَّالُهُم سادُوا (١)
وعليه: فلا بد من وجود حاكم لما يلي:
(١) ليقودَ الناس، ويوجههم.
(٢) وليأخذ على يدي الظالم فيأطره على الحق أطرًا، ويأخذ منه حق الضعيف.
وقد رأينا ذلك في:
(١) خطب رسول اللَّه ﷺ .
стр. 3483
(٢) وكذا في خطبة أبي بكر ﵁ عندما تولى بعد رسول اللَّه ﷺ .
فخلو الزمان -ولو كان يسيرًا- من إمام للمسلمين يُوجِدُ بلا شك فسادًا عريضًا. فوجود أئمة للمسلمين أمرٌ لازم ومتعين.
وهذا ما فعله رسول اللَّه ﷺ فقد أقام أولى دولة في الإسلام، وكان ﷺ المسؤول الأول عنها.
ولما توفِّي رسول اللَّه ﷺ التَقى أصحاب رسول اللَّه ﷺ على أبي بكر ﵁:
(١) والذي قال اللَّه عنه: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠].
(٢) والذي اختاره ﷺ وقدَّمه في الصلاة (١). فقالوا: كيف يختارك رسول اللَّه لأمر دينِنا، ولا نختارك لأمر دنيانا؟! ثم يرشِّح أبو بكر عمرَ ﵁ بعده للخلافة (٢). ولقد أصاب ﵁ في ذلك، ثم جعلها عمر ﵁ شُورى من بعده (٣). وهكذا مرَّ هذا النسق في البلاد الإسلامية.
стр. 3484
وسيأتي -إن شاء اللَّه تعالى- الكلام عن الحاكم تفصيلًا، وسنعرف هناك في مباحثه حقوق الحاكم، وحقوق الرعية إلى غير ذلك مما يتعلق بهذه المسائل.
أما المسألة التي أشار إليها المؤلف ﵀ هنا وهي عدل الإمام، فهذه فقضية لا يمكن أن تقومها فئة من الناس، وإنما إذا وُجد إمام فإنه يُطاع حتى ولو كان فاسقًا؛ لأن الرسول ﷺ قال: "اسمَعُوا وأطيعوا، وإنْ تَأمَّر عليكم عبدٌ حبَشيٌّ، كأنَّ رأسَه زَبيبةٌ" (١).
وقال رسول اللَّه ﷺ : "صلُّوا خلْفَ من قال: لا إله إلا اللَّه، وعلى من قال: لا إله إلا اللَّه" (٢).
وقال ﷺ أيضًا: "الصلاةُ واجبة عليكم خلفَ كلِّ إمام -برًّا كان أو فاجرًا- والجهاد واجب عليكم خلف كل إمام - برًّا كان، أو فاجرًا" (٣).
فما ذكره المؤلف هنا ذكره عرضًا لا مُسلَّمًا، ولو دخلنا في تفصيل ذلك لطال بنا المقام.
стр. 3485
* قوله: (وَمَالِكٌ (١): تَنْقَسِمُ عِنْدَهُ الدُّيُونِ لِهَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ - أَعْنِي: أَنَّ مِنَ الدُّيُونِ عِنْدَهُ مَا يُزَكى لِعَامٍ وَاحِدٍ فَقَطْ، مِثْلُ دُيُونِ التِّجَارَةِ).
يقصد المؤلف ﵀ أنه مِثْلُ ديون عُروض التجارة، وكذلك الدَّين الذي رأينا.
* قوله: (وَمِنْهَا: مَا يُسْتَقْبَلُ بِهَا الْحَوْلُ، مِثْلُ: دُيُونِ الْمَوَارِيثِ).
توضيح المراد بديون المواريث:
يعني إذا ورث أناسٌ ميراثًا ما؛ فالإمام مالك يرى بأنهم يُزكون عما مضى، وأما غيره من الأئمة؛ فمنهم من وافقه على ذلك، ومنهم من خالفه.
مثال: لو كان عند إنسانٍ مال فمضى جزء من الحَول، ثم مات هذا الشخص فهل تسقط الزكاة فيه؟
وبعبارة أخرى: هل يُستأنَف به الحول باعتبار أنه انتقل إلى غير المالك الأول بالإرث؟
стр. 3486
* قوله: (وَالثَّالِثُ: دَيْنُ الْمُدِيرِ، وَتَحْصِيلُ قَوْلِهِ فِي الدُّيُونِ: لَيْسَ بِغَرَضِنَا).
دَيْنُ الْمُدِيرِ: مر بنا الكلام عنه في أوائل عروض التجارة (١).
قوله: [الْمَسْأَلَةُ الخَامِسَة]:
تعليق يسير على هذه الْمَسْأَلَة الخَامِسَة:
نقول -قبل أن نبدأ في هذه المسألة-: إن الدَّين أمره عظيم. فمن ساعد أخاه المسلم في إقراضه مالًا فلا شك أنه سيجد ثواب ذلك عند اللَّه ؛ لأن هذا من تخفيف الكربات، ومن التيسير على الناس.
стр. 3487
وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "ومَن فرَّجَ عن مسلم كُرْبةً من كُرَب الدنيا، فرَّجَ اللَّه عنه كُربةً من كُربِ يوم القيامة" (١).
وأما الدَّائن الذي أخذ حقَّ غيره فيجب عليه إذا وَجد ما يوفي حق الغير أن يرده إلى صاحبه؛ لأن الدَّين من أخطر الأمور.
وقد حصل فيه تساهلٌ في زماننا هذا من كثير من المسلمين؛ لكونهم وجدوا إخوانهم قد تسامحوا معهم وأعانوهم وأقرضوهم الأموال، حتى أصبح صاحب المال لا يستطيع أن يصل إلى حقه!
وقد حذَّر رسول اللَّه ﷺ من المُماطلة، فقال ﷺ : "مَطْلُ الغنِيِّ ظُلْمٌ" (٢). وبيَّن رسول اللَّه ﷺ أن الشهيدَ يُغفَر له كلُّ شيء، إلا مَن عليه دَينٌ (٣). ولم يَستَثْنِ إلا شهيدَ البحر، فإن اللَّه يُرضي غريمَ ذلك المَدِين حتى يَرضى (٤).
وعليه: فالدَّين ليس الأمر اليسير. وعلى كلٍّ: فنعود للتعليق على مسألتنا فنقول: اختلف العلماء في إخراج زكاة الدَّين (٥):
стр. 3488
(١) فمنهم من قال: أن مَن قَبضَ الدَّين يُزكِّي عن جميع الأعوام.
(٢) ومنهم من قال: يُزكِّي لعام واحد.
(٣) ومنهم من قال: يُستقبَل به عامٌ جديد.
ونحن -في نظرنا- لو أردنا أن نربط بين ذلك، وبين رُوح الشريعة لوجدنا أن أيسر هذه المذاهب، وأقربها إلى الصواب هو القول الثالث. وهذا القول الأخير نُسِب إلى أم المؤمنين عائشةَ ﵂ وإلى عِكرمةَ، وأَخذ به الشافعي.
وأما سبب استقبال عام جديد بهذا المال؛ فلأنه مال موقوف لا نماءَ فيه. وإذا كنا نراعي أحوال الفقراء في كثير من الأمور، ونسعى لأن يكون الحظ في جانبهم فينبغي أيضًا ألا نغفل الجانب الآخر ألا وهم المُلَّاك، وأصحابُ الحق، فهذا ما يظهر لي، واللَّه أعلم.
* قوله: (الْمَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: وَهِيَ: حَوْلُ الْعُرُوضِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهَا عِنْدَ الْقَوْلِ: فِي نِصَابِ الْعُرُوضِ).
مسألة الْعُرُوضِ هي عروض التجارة، وهي بضم العَين. وقد سبق الكلام عنها، وعرفنا الخلاف فيها بين مالك، وبين غيره من الفقهاء؛ فالإمام مالك يرى بأنها لا تُزكَّى إلا إذا بيعت. والجمهور يرون أنها تُقوَّم في آخر العام إذا حال عليها الحول، وبلغت نِصابًا، ثم تُزكَّى (١).
стр. 3489
* قوله: (وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: وَهِيَ: فَوَائِدُ الْمَاشِيَةِ).
عاد المؤلف ﵀ مرة أُخرى إلى الفوائد، وكنا قد تكلمنا عن الرِّبْح، وعن الفوائد، ونَزيد الأمر توضيحا هنا فنقول: المقصود بالربح: هو نَماء المال، سواء كانت ماشية، أو عُروض تجارة، أو غيرها، فهو ما يحصل من نماء هذا المال.
والمقصود بالفوائد: هي المال الذي يُردُّ إليك من طرق أُخرى غير المال الذي بيدك. فإذا استفدت إلى جانب المال الذي بيدك مالًا آخر غيره، فهو المراد بالفوائد.
مثال توضيحي:
كما ذكرتُ لكم أنه لو كان عند إنسان مال يبلغ نِصابًا، فمات له إنسان يرثه فورث منه نِصابًا، ثم أَهْدى إليه قريب أيضًا مالًا يبلغ نِصابًا، فقد حصل له نصابان آخران غير النصاب الأول.
وقد تكلمنا عن هذا، وبيَّنا أنه لا يُضم بعضها إلى بعض.
* قوله: (فَإِنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ (١) فِيهَا).
الماشية -كما نعلم- تتوالد، وعليه: فإن لها فوائد، وهذا التوالد فيه
стр. 3490
ربح؛ لأن الماشية قليلة، ثم لا تلبث أن تتوالد شيئًا فشيئًا، حتى تكثر فتصير قطيعًا من الغنم، أو من البقر، أو من الإبل. فهي بتكاثرها تكون قد حصلت هذه الفوائد، وهذا نسميه نماءً.
* قوله: (خِلَافُ مَذْهَبِهِ فِي فَوَائِدِ النَّاضِّ).
النَّاضُّ (١) مرَّ بنا كثيرًا، وهو المال الذي تَحصل عليه من متاع.
مثال توضيحي:
لو كانت عندك عروض تجارة، وبِعتَها، وحصلت على نقد من هذه العُروض، فإننا نسمي هذا ناضًّا؛ لأنه نضَّ بعد أن كان متاعًا؛ أي: أصبح نقدًا.
* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ يَبْنِي الْفَائِدَةَ عَلَى الْأَصْلِ).
قد خالف الإمام مالك هنا رأيه في الرِّبح، الذي مرَّ بنا هناك. وهنا بالنسبة للماشية فإنه يبني الفائدة أو النَّماء على الأصل، فيربط بين ما نَمَا، وبين الأصل الموجود. فقول الإمام مالك ليس على نَسقٍ واحد.
بخلاف الإمامين؛ أبي حنيفة، وأحمد فقولهما متناسق في هذه المسائل.
وكذا الإمام الشافعي (٢) أيضًا: فلو أخذنا أَحدَ أقواله لكان مع الإمامين؛ أبي حنيفة، وأحمد.
стр. 3491
لكن الشافعية يفصلون تفصيلًا كثيرًا.
* قوله: (إِذَا كَانَ الْأَصْلُ نِصَابًا).
سبب بناء الإمام مالك الفائِدَةَ عَلَى الأَصْل، أن أصل هذا النماء هو الأصل الموجود عنده، فهذا النماء إنما خرج من هذا الأصل، فهو مرتبط به، فيُعطى حكمُه.
* قوله: (كَمَا يَفْعَلُ أَبُو حَنِيفَةَ (١) فِي فَائِدَةِ الدَّرَاهِمِ، وَفِي: فَائِدَةِ الْمَاشِيَةِ).
قد وافق الإمامُ أحمد الإِمَامَ أبا حنيفة أيضًا فِي فَائِدَةِ الدَّرَاهِمِ وَفِي فَائِدَةِ الْمَاشِيَةِ، كما عرفنا في النماء.
* قوله: (فَأَبُو حَنِيفَةَ مَذْهَبُهُ فِي الْفَوَائِدِ حُكْمٌ وَاحِدٌ).
بالإضافة لكون مَذْهب أبي حَنِيفَةَ فِى الفوائِدِ حُكْمًا وَاحِدًا، فإن فيه تيسيرًا وتقريبًا أيضًا.
* قوله: (أَعْنِي أَنَّهَا تُبْنَى عَلَى الْأَصْلِ -إِذَا كَانَتْ نِصَابًا- كَانَتْ فَائِدةَ غَنَمٍ، أَوْ فَائِدةَ نَاضٍّ، وَالْأَرْبَاحُ عِنْدَهُ وَالنَّسْلُ كَالْفَوَائِدِ. وَأَمَّا مَالِكٌ فَالرِّبْحُ، وَالنَّسْلُ عِنْدَهُ حُكْمُهُمَا وَاحِدٌ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَ فَوَائِدِ النَّاضِّ، وَفَوَائِدِ الْمَاشِيَةِ (٢)).
مراد المؤلف ﵀ بذلك:
أنه لا فرقَ بين النَّاضِّ، وبين فوائد الماشية، فكلها تربط بأصلها وتُزكَّى.
стр. 3492
فإذا كان الأصل نِصابًا زُكِّيَت هذه تبعًا للنِصاب، وانتهى الأمر.
* قوله: (وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَالْأَرْبَاحُ وَالْفَوَائِدُ عِنْدَهُ حُكْمُهُمَا وَاحِدٌ، بِاعْتِبَارِ حَوْلِهِمَا بِأَنْفُسِهِمَا، وَفَوَائِدُ الْمَاشِيَةِ، وَنَسْلُهَا وَاحِدٌ، باعْتِبَارِ حَوْلِهِمَا بِالْأَصْلِ، إِذَا كَانَ نِصَابًا. فَهَذَا هُوَ حَصِيلُ مَذَاهِبِ هَؤُلَاءِ الْفُقَهَاءِ الثَّلاثَةِ).
هذا بالنسبة للفوائد عند الإمام الشافعي. أما غير الفوائد ففيه تفصيل في المذهب، وهو أيضًا مذهب الإمام أحمد بالنسبة للفوائد، وهو بذلك يلتقي أيضًا مع أبي حنيفة، لكن في جزئية، وليس في كل المسائل.
* قوله: (وَكأَنَّهُ إِنَّمَا فَرَّقَ مَالِكٌ بَيْنَ الْمَاشِيَةِ وَالنَّاضِّ اتِّبَاعًا لِعُمَرَ، وإِلَّا فَالْقِيَاسُ فِيهِمَا وَاحِدٌ، أَعْنِي: أَنَّ الرِّبْحَ شَبِيهٌ بِالنَّسْلِ، وَالْفَائِدَةَ بِالْفَائِدَةِ).
توضيح قول المؤلف ﵀: (اتِّبَاعًا لِعُمَرَ):
نقول: الذي نُقل عن عمر ﵁ مُحتمَل؛ لأنه قال: "في السِّخَال نعدُّها عليهم، ولا نأخذها" (١).
فالإمام مالك فهم من هذا الأثر ما فَهم وأخذ به. وأما الجمهور فقد فهموا فهمًا آخر لعبارة: "نعدُّها عليهم"، فإنها تحتمل أمرين:
الأمر الأول: أن يكون عدُّها بمعنى: إكمال نِصاب الأصل بها.
стр. 3493
الأمر الثاني: أن يكون عدُّها مرتبطًا بشرط؛ وهو أن يكون الأصل قد بلغ نِصابًا.
وقد مرت بنا هذه المسألة أيضًا.
* قوله: (وَحَدِيثُ عُمَرَ هَذَا هُوَ أَنَّهُ أَمَرَ أَنْ يَعُدَّ عَلَيْهِمْ بِالسِّخَالِ، وَلَا يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي بَابِ النِّصَابِ).
تصحيح عبارة ضمن كلام المؤلف ﵀:
أظن أن صواب هذه العبارة (أَنْ يَعُدَّ عَلَيْهِم بِالسِّخَالِ): أن يُعتدَّ عَلَيْهِمْ بِالسِّخَالِ؛ حتى تكون مستقيمة؛ لأنه قال: نعدُّها عليهم.
ومراد عمر ﵁ بذلك: أننا سنحسبها في النِّصاب، لكننا لن نأخذها في القدر الواجب في الزكاة؛ لأنها ناقصة.
* قوله: [الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ]:
(وَهِيَ: اعْتِبَارُ حَوْلِ نَسْلِ الْغَنَمِ).
مسألة اعْتِبَار حَوْلِ نَسْلِ الْغَنَمِ مرت الإشارة إلى هذه المسألة أيضًا.
* قوله: (فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: حَوْلُ النَّسْلِ هُوَ حَوْلُ الْأُمَّهَاتِ) (١).
مراده بقوله: (حَوْلُ النَّسْلِ هُوَ حَوْلُ الْأُمَّهَاتِ): هو أن حَول نسل الغنم -يعني: السِّخَال- التي تتوالد عنها، أو التي تتوالد أيضًا من الإبل، أو من البقر، فيكون حولُها هو حول أمهاتها.
стр. 3494
* قوله: (نِصَابًا، أَوْ لَمْ تَكُنْ).
مِن هنا يأتي الفرق، فالأمر لا يخلو من حالتين:
الحالة الأولى: إذا بلغت الأمهات نِصابًا.
الحالة الثانية: إذا لم تبلغ الأمهات نِصابًا. فهنا يحصل الخلاف بين الإمام مالك وبين الجمهور.
* قوله: (كَمَا قَالَ فِي رِبْحِ النَّاضِّ).
قول الإمام مالك فِي رِبْحِ النَّاضِّ. عرفنا قوله -كما مر بنا- في ربح الناض، والذي هو ربح التجارة، وذلك أنه لا يُشترط عنده أن يكون الأصل نِصابًا.
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَأَبُو ثَوْرٍ (٣): لَا يَكُونُ حَوْلُ النَّسْلِ حَوْلَ الْأُمَّهَاتِ).
стр. 3495
قد وافق الإمام أحمد (١) هؤلاء في هذه المسألة. وعليه: فالأئمة الثلاثة متفقون فيها، بخلاف الإمام مالك.
* قوله: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْأُمَّهَاتُ نِصَابًا).
بيان هذا الشرط:
يعني: إذا كانت الْأُمَّهَاتُ نِصَابًا، فحينئذ يكون حَوْلُ النَّسْلِ حَوْلَ الْأُمَّهَاتِ.
وإلا فلا، كالحال بالنسبة للربح هناك.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ بِعَيْنِهِ سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي رِبْحِ الْمَالِ).
مرَّ بنا الخلاف هناك، ومنه يتضح: أن سَبَب اخْتِلَافِهِمْ في المسألتين واحد؛ ولذا فإن من العلماء من يربط بين هذه المسألة، فيجمعها في زمرة واحدة، بدل أن يُجزِّئها؛ لأن توزيع هذه المسائل مع التقاء بعضها في الحكم قد يُشتت الذهن. ولكن بجَمْعها معًا تقرَّب المسائل، ويَسهُل فهمها.
هذه المسألة لو نقلت إلى الأرباح، أو أُجِّلت تلك إلى هنا لكان الكلام فيهما واحد، ويُجزَّأ إلى جزأين، وهذا ما يفعله بعض الفقهاء.
* قوله: [الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ]:
هذه الْمَسْأَلَةُ هي آخر المسائل التي عدها المؤلف ﵀.
стр. 3496
* قوله: (وَهِيَ جَوَازُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ).
هل يجوز للتاجر الغني الذي يملك نصابًا من الزكاة أن يُعجِّل زكاته؟ ثم هل هناك فائدة؟
أولًا: هذا الذي يريد أن يُعجِّل زكاته ينبغي أن يكون عنده نصاب.
وجماهير العلماء (١) يرون أن ذلك جائز. وأما الإمام مالك (٢) فقد مَنَعَ ذلك.
стр. 3497
وقد اتضح لنا كثرة خلاف الإمام مالك مع الجمهور في هذه المسائل؛ فالأئمة الثلاثة آراؤهم متقاربة في هذه المسائل.
فالجمهور يرون أنه لا مانع من تعجيل الزكاة؛ لأن العباس بن عبد المطلب عم رسول اللَّه ﷺ قد سأل رسول اللَّه ﷺ أن يرخِّصَ له في تعجيلِ صدَقته.
وفي رواية: في تعجيل زكاة ماله. فرخَّص له رسول اللَّه ﷺ .
وهذا الحديث أخرجه أبو داود (١)، والترمذي (٢)، وابن ماجه (٣)، والبيهقي (٤)، والدارقطني (٥)، والإمام أحمد في المسند (٦)، وغير هؤلاء
стр. 3498
الكثير (١)، وإسناده حسن (٢).
فهذا الحديث -كما يقول الأصوليون- نصٌّ في المدعى. وقد اشترط الجمهور لجواز تعجيل الزكاة قبل وقتها أن يكون المعجِّل قد ملكَ نصابَه.
أما عند الحنفية (٣) -كما عرفتم- فلا بد من توفر طرفين: وهو أن يكون النصاب قد وُجد في أول المُدَّة، وفي آخرها أيضًا. ولا مانع أن يحصل نقصٌ في وسط المدة.
وأما الحنابلة (٤) والشافعية (٥) فيرون أن النصاب لا بد أن يكون ساريًا كاملًا في كل العام. فلماذا يخالف المالكية في هذه المسألة، وقد ورد نصٌّ فيها؟!
لقد استدلوا بحديثٍ أيضًا وهو قول النبي ﷺ : "لا زكاةَ في مالٍ، حتى يَحُولَ عليه الحَوْلُ" (٦).
وقد رواه البيهقي في السنن الكبرى (٧).
فالزكاة تجب في المال إذا حال عليه الحولُ. ومفهوم (٨) هذا أن المال إذا لم يَحُلْ عليه الحول فلا تجب الزكاة فيه.
стр. 3499
ومع القول بعدم وجوب الزكاة فيه إذا لم يَحُلْ عليه الحول: فهل يجوز إخراجها؟ ذهب الجمهور إلى جواز إخراجها، وأجابوا عن الحديث الذي استدل به الإمام مالك بأنه على فرض التسليم بصحته، ففيه: أنه لا تجب الزكاة في المال إلا إذا حال عليه الحول، لكن ليس فيه دلالة على أنه لا تُعجَّل زكاته، وإنما يدل فقط على وجوب الزكاة بعد حلول الحول، فإذا ما أراد إنسانٌ تقديم زكاته كما فعل العباس فلا مانع.
ففي قصة عمر ﵁ عندما سأل رسول اللَّه ﷺ وقال: منع فلانٌ، وفلان. قال: "أما العباس فهي عليَّ ومثلُها" (١). فالعباس ﵁ قدَّمها لرسول اللَّه ﷺ فظُنَّ أنه لم يُخرجها، فهذا نصٌّ في هذه المسألة.
* قوله: (فَإِنَّ مَالِكًا (٢) مَنَعَ ذَلِكَ، وَجَوَّزَهُ: أَبُو حَنِيفَةَ (٣)، وَالشَّافِعِيُّ (٤)).
جوَّزه الأئمة؛ أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد (٥) أيضًا. وهذا مذهب الجمهور.
* قوله: (وَسَبَبُ الْخِلَافِ: هَلْ هِيَ عِبَادَةٌ، أَوْ حَقٌّ وَاجِبٌ لِلْمَسَاكِينِ؟ فَمَنْ قَالَ: عِبَادَةٌ) (٦).
стр. 3500
كرر المؤلف -عفا اللَّه عنا وعنه- هذه العبارة: (هَلْ هِيَ عِبَادَةٌ، أَوْ حَقٌّ؟!) والواقع أنه لا خلاف في أنها عبادة. لكن: هل هي عبادةٌ مؤقتة، أو لا؟
فالمؤلف يقيسها على الصلاة، والصلاة لا يمكن أن تُقدم على وقتها؛ لأن اللَّه يقول: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
فقوله: ﴿مَّوْقُوتًا﴾: أي مفروضة في الأوقات.
وفي الحديث: أنه لما صلَّى جبريل ﵇ برسول اللَّه ﷺ عند البيت مرتين؛ صلى به صلاة الظهر عندما زالت الشمس، وفي اليوم الثاني صلاها عندما صار ظلُّ كل شيء مثله. وصلى به العصر في اليوم الأول عندما صار ظلُّ كل شيءٍ مثله، وفي الثاني عند المِثْلين. وصلى به المغرب عندما غربت الشمس. وصلى به العشاء بعد أن غاب الشفق الأحمر. وصلى به الفجر بعد أن طلع. ثم قال جبريل ﵇ لرسول اللَّه ﷺ : الوقت ما بين هذين (١).
стр. 3501
وفي الحديث الصحيح يقول رسول اللَّه ﷺ : "لا يدخلُ وقتُ صلاة، حتى يخرجَ وقتُ الأخرى" (١).
وعليه: فالصلوات محددٌ أوقاتها، لا يجوز لمسلمٍ أن يؤدي صلاةً في غير وقتها، إلا ما استُثْنِي من ذلك، كما جاء في الحديث الذي قال فيه النبي ﷺ : "من نام عن صلاةٍ أو نسيها، فليُصلِّها متى ذكرها؛ فإنه لا كفارةَ لها إلا ذلك" (٢).
وهناك حالة أخرى: كمن يجوز له الجمع بين الصلاتين، فله أن يُقدِّم العصر إلى وقت الظهر، والعشاء إلى وقت المغرب، أو يؤخِّر الظهر إلى وقت العصر، والمغرب إلى وقت العشاء.
وكذلك أهل الأعذار: فلو أن امرأةً حائضًا أو نُفَساءَ طَهُرت قبل المغرب، فإنها تؤدي الصلاتين، فتصلي الظهر في وقت العصر.
وبناءً على ما سبق، فإن الصلاة أوقاتها محددة. وأما الزكاة: فلها حول، يعني: أن بعض أنواع الزكاة يُشترط فيها الحول، وهذا الحول قُدِّر لمصلحة المُزكِّي، ولمصلحة آخذِ الزكاة.
لكن التوقيت فيها ليس توقيتًا مرتبطًا بالصحة وعدمها في بعض الأمور، ففيه توسعة. كذلك صوم رمضان هو ظرفٌ مضيَّق، فلا يجوز للإنسان أن يصوم في رمضان غير رمضان، وإنما يتعيَّن عليه أن يصوم رمضان.
إذًا فالصورة مختلفة، وليست المسألة كما قال المؤلف: "عبادة، أو غير عبادة"، بل الصواب أن نقول بدل ذلك: هل هي عبادةٌ مؤقتةٌ بزمن لا يجوز أن تُقدَّم عليها، أو لا؟ فالصلاة لا يجوز أن نقدمها عن وقتها، أو
стр. 3502
أن نؤخرها، إلا لمن سبق ذِكرُه، كأهل الأعذار، وفي حالة الجمع بين الصلاتين. . . إلخ.
أما الزكاة فقد حصلت من سيد البشر رسول اللَّه ﷺ وممن أخذَها مِن عمه العباس ﵁ (١)، وهو من الأغنياء في زمن رسول اللَّه ﷺ .
وعندما خطب رسول اللَّه ﷺ خطبته المشهورة في الحج قال: "وإنَّ أولَ ربًا أضعُه إنما هو ربا العباس" (٢). فهنا وُجد الدليل على أن رسول اللَّه ﷺ أخذ الزكاة من عمه العباس ﵁ معجَّلةً قبل وقتها.
* قوله: (وَشَبَّهَهَا بِالصَّلَاةِ، لَمْ يُجِزْ إِخْرَاجَهَا قَبْلَ الْوَقْتِ).
نحن نقول: هذا تشبيهٌ مع الفارق؛ لأن الصلاة لا يجوز أن تؤدَّى في غير وقتها؛ إلا فيما ورد النص باستثنائه، كما سبق. أما الزكاة فقد ثبت أن أُدِّيت قبل حلول الحول، والحول إنما اشتُرط في الإيجاب، لا في الجواز. ولننظر إلى المصلحة العامة:
فلو فرضنا أن الإمام احتاج إلى مصارف الزكاة - وقد مرت بالدولة الإسلامية ظرفٌ من الظروف، واحتاج الإمام إلى أن تُقدَّم له زكاة هذا المال معجَّلةً؛ لينفقَها في بعض المصارف: فلماذا نمنع ذلك؟!
فقد ينزل بالناس قحط مثلًا، ويحتاج الفقراء والمساكين إلى الزكاة قبل وقتها.
وقد يحتاج الإمام الزكاة قبل وقتها؛ ليجهِّز الغزاة والمجاهدين. وقد يخلو بيت مال المسلمين قبل وقت جمع الزكاة من مال، أو يقلُّ المال فيه عن حاجة الناس.
الشاهد: أنه قد تظهر أي حاجة تستدعي تقديم الزكاة قبل وقتها: فلماذا نُضيِّق واسعًا لو منعنا ذلك؟!
стр. 3503
* قوله: (وَمَنْ شَبَّهَهَا بِالْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ الْمُؤَجَّلَةِ أَجَازَ إِخْرَاجَهَا قَبْلَ الْأَجَلِ عَلَى جِهَةِ التَّطَوُّعِ).
هذا القول في الحقيقة هو الأَولى والأيسر، وهو -في نظرنا- الأقربُ لرُوح الشريعة، وهو الذي أخذ به جماهير العلماء، ولا شك أنهم ما أخذوا به عَفْوًا، وإنما عن روَّية وتمعُّنٍ، وإدراكٍ منهم للمصلحة.
والمصلحة تقتضي -وبلا شك- القولَ بجواز تقديم الزكاة، فقد تمر أوقات بالمسلمين يحتاجون فيها إلى تقديم الزكاة، كما أشرنا إلى ذلك بالأمثلة.
* قوله: (وَقَدِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ (١) لِرَأْيهِ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ (٢)).
نقول: احتج الإمام الشافعي، وغيره أيضًا كالإمام أبي حنيفة (٣) والإمام أحمد (٤).
فقد احتجوا بحديث عليٍّ ﵁ الذي ذكرناه سابقًا: أن العباس بن عبد المطلب ﵁ سأل رسول اللَّه ﷺ أن يُرخِّص له في تقديم صدقة ماله، فرخَّص له في ذلك (٥).
стр. 3504
* قوله: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ صَدَقَةَ الْعَبَّاسِ قَبْلَ مَحَلِّهَا (١)).
قد فاتنا سابقًا ما ورد في بعض الروايات: أن الرسول ﷺ اسْتَسْلَفَ (٢). وهذا يدل: على أنه قد احتيج إلى ذلك. وهذا أيضًا يؤكد المعنى الذي أشرنا إليه، وهو أن الوالي قد يحتاج إلى الزكاة قبل وقتها، فيطلبها من الأغنياء مقدَّمَةً؛ لأنه قد تمر بالدولة حاجة، ولو لم يأخذ الزكاة مقدمة؛ لفاتت بذلك مصلحة.
[الْجُمْلَةُ الْخَامِسَةُ فِيمَنْ تَجِبُ لَهُ الصَّدَقَةُ]
[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي عَدَدِ الْأَصْنَافِ الَّذِينَ تَجِبُ لَهُمُ الزَّكَاةُ]
[والكلام في هذا الباب في ثلاثة فصول: الْأَوَّلُ فِي عَدَدِ الْأَصْنَافِ الَّذِينَ تَجِبُ لَهُمُ الزَّكَاةُ]
قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: (الجملة الخامسة: فِيمَنْ تَجِبُ لَهُ الصَّدَقَةُ).
стр. 3505
هذه المسائل التي سيعرضها المؤلف ﵀ مهمة جدًّا.
فاللَّه في كتابه العزيز تولى قسمة المواريث؛ فجُلُّ مسائل تقسيم التركات إنما جاءت في كتاب اللَّه ، ومن يقرأ سورة النساء الكبرى يجد ذلك مفصلًّا فيها. كذلك نجد أيضًا أن اللَّه حدَّد الذين تُصرف فيهم الزكاة؛ أي: الذين يُعطون الزكاة، وتُسلَّم لهم؛ أي: الذين يحق لهم أن يأخذوا من الزكاة، وذلك في قول اللَّه : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠]. وسيأتي بيان من هم هؤلاء. ثم قال تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٠]. فهل هم من المسلمين فقط، أو يدخل في ذلك أيضًا غير المسلمين؟ وهل لا يزال هذا الحكم قائمًا بعد زمن رسول اللَّه ﷺ ؟ أو أنه لما قويت شوكة المسلمين، وقامت دولتهم على ساقَيها واشتد عودها أصبح لا حاجة لأن يُعطى المؤلفة؟
وبعبارة أخرى: هل هذا حكمٌ ثابتٌ أنزله اللَّه في كتابه، ومات رسول اللَّه ﷺ ولم يُنسخ ولم يُبدّل؛ فيبقى؟ أو أنهم لا يُعطَوْن؟
ثم قال تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾. فهل هم المكاتَبون؟ أو أن الآية تشمل غيرهم؟ ثم قال تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾. والغارم: هو من يغرَم دَيْنًا؛ ليُصلِح ذات البَيْنِ. ولا تخفى أهمية الصلح ومكانته في هذه الشريعة الإسلامية، ومع أن الكذب -كما نعلم- من الكبائر، إلا أنه من المواضع الثلاثة التي يجوز أن يكذب فيه المرء هي عندما يريد أن يُصلح بين متخاصمَين. ثم قال تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وهم: الغزاة. ثم قال تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. وهو المسافر الذي هو بحاجةٍ إلى المال.
ولا شك أن هذه القسمة عادلة؛ وذلك لأن اللَّه مدبِّر هذا الكون، ويعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين.
فكان هو الذي قسّم هذه الصدقات، وهو الذي بيّن من تجب لهم الصدقات، فلا يجوز لأحدٍ أن يغير أو أن يبدل في حكم اللَّه ، فلا يُقبل في ذلك حكم بشرٍ مهما كان؛ لأن هذا حكم اللَّه؛ وقد قال اللَّه : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].