وفي الحديث الصحيح يقول رسول اللَّه ﷺ : "لا يدخلُ وقتُ صلاة، حتى يخرجَ وقتُ الأخرى" (١).
وعليه: فالصلوات محددٌ أوقاتها، لا يجوز لمسلمٍ أن يؤدي صلاةً في غير وقتها، إلا ما استُثْنِي من ذلك، كما جاء في الحديث الذي قال فيه النبي ﷺ : "من نام عن صلاةٍ أو نسيها، فليُصلِّها متى ذكرها؛ فإنه لا كفارةَ لها إلا ذلك" (٢).
وهناك حالة أخرى: كمن يجوز له الجمع بين الصلاتين، فله أن يُقدِّم العصر إلى وقت الظهر، والعشاء إلى وقت المغرب، أو يؤخِّر الظهر إلى وقت العصر، والمغرب إلى وقت العشاء.
وكذلك أهل الأعذار: فلو أن امرأةً حائضًا أو نُفَساءَ طَهُرت قبل المغرب، فإنها تؤدي الصلاتين، فتصلي الظهر في وقت العصر.
وبناءً على ما سبق، فإن الصلاة أوقاتها محددة. وأما الزكاة: فلها حول، يعني: أن بعض أنواع الزكاة يُشترط فيها الحول، وهذا الحول قُدِّر لمصلحة المُزكِّي، ولمصلحة آخذِ الزكاة.
لكن التوقيت فيها ليس توقيتًا مرتبطًا بالصحة وعدمها في بعض الأمور، ففيه توسعة. كذلك صوم رمضان هو ظرفٌ مضيَّق، فلا يجوز للإنسان أن يصوم في رمضان غير رمضان، وإنما يتعيَّن عليه أن يصوم رمضان.
إذًا فالصورة مختلفة، وليست المسألة كما قال المؤلف: "عبادة، أو غير عبادة"، بل الصواب أن نقول بدل ذلك: هل هي عبادةٌ مؤقتةٌ بزمن لا يجوز أن تُقدَّم عليها، أو لا؟ فالصلاة لا يجوز أن نقدمها عن وقتها، أو
стр. 3502
أن نؤخرها، إلا لمن سبق ذِكرُه، كأهل الأعذار، وفي حالة الجمع بين الصلاتين. . . إلخ.
أما الزكاة فقد حصلت من سيد البشر رسول اللَّه ﷺ وممن أخذَها مِن عمه العباس ﵁ (١)، وهو من الأغنياء في زمن رسول اللَّه ﷺ .
وعندما خطب رسول اللَّه ﷺ خطبته المشهورة في الحج قال: "وإنَّ أولَ ربًا أضعُه إنما هو ربا العباس" (٢). فهنا وُجد الدليل على أن رسول اللَّه ﷺ أخذ الزكاة من عمه العباس ﵁ معجَّلةً قبل وقتها.
* قوله: (وَشَبَّهَهَا بِالصَّلَاةِ، لَمْ يُجِزْ إِخْرَاجَهَا قَبْلَ الْوَقْتِ).
نحن نقول: هذا تشبيهٌ مع الفارق؛ لأن الصلاة لا يجوز أن تؤدَّى في غير وقتها؛ إلا فيما ورد النص باستثنائه، كما سبق. أما الزكاة فقد ثبت أن أُدِّيت قبل حلول الحول، والحول إنما اشتُرط في الإيجاب، لا في الجواز. ولننظر إلى المصلحة العامة:
فلو فرضنا أن الإمام احتاج إلى مصارف الزكاة - وقد مرت بالدولة الإسلامية ظرفٌ من الظروف، واحتاج الإمام إلى أن تُقدَّم له زكاة هذا المال معجَّلةً؛ لينفقَها في بعض المصارف: فلماذا نمنع ذلك؟!
فقد ينزل بالناس قحط مثلًا، ويحتاج الفقراء والمساكين إلى الزكاة قبل وقتها.
وقد يحتاج الإمام الزكاة قبل وقتها؛ ليجهِّز الغزاة والمجاهدين. وقد يخلو بيت مال المسلمين قبل وقت جمع الزكاة من مال، أو يقلُّ المال فيه عن حاجة الناس.
الشاهد: أنه قد تظهر أي حاجة تستدعي تقديم الزكاة قبل وقتها: فلماذا نُضيِّق واسعًا لو منعنا ذلك؟!
стр. 3503
* قوله: (وَمَنْ شَبَّهَهَا بِالْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ الْمُؤَجَّلَةِ أَجَازَ إِخْرَاجَهَا قَبْلَ الْأَجَلِ عَلَى جِهَةِ التَّطَوُّعِ).
هذا القول في الحقيقة هو الأَولى والأيسر، وهو -في نظرنا- الأقربُ لرُوح الشريعة، وهو الذي أخذ به جماهير العلماء، ولا شك أنهم ما أخذوا به عَفْوًا، وإنما عن روَّية وتمعُّنٍ، وإدراكٍ منهم للمصلحة.
والمصلحة تقتضي -وبلا شك- القولَ بجواز تقديم الزكاة، فقد تمر أوقات بالمسلمين يحتاجون فيها إلى تقديم الزكاة، كما أشرنا إلى ذلك بالأمثلة.
* قوله: (وَقَدِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ (١) لِرَأْيهِ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ (٢)).
نقول: احتج الإمام الشافعي، وغيره أيضًا كالإمام أبي حنيفة (٣) والإمام أحمد (٤).
فقد احتجوا بحديث عليٍّ ﵁ الذي ذكرناه سابقًا: أن العباس بن عبد المطلب ﵁ سأل رسول اللَّه ﷺ أن يُرخِّص له في تقديم صدقة ماله، فرخَّص له في ذلك (٥).
стр. 3504
* قوله: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ صَدَقَةَ الْعَبَّاسِ قَبْلَ مَحَلِّهَا (١)).
قد فاتنا سابقًا ما ورد في بعض الروايات: أن الرسول ﷺ اسْتَسْلَفَ (٢). وهذا يدل: على أنه قد احتيج إلى ذلك. وهذا أيضًا يؤكد المعنى الذي أشرنا إليه، وهو أن الوالي قد يحتاج إلى الزكاة قبل وقتها، فيطلبها من الأغنياء مقدَّمَةً؛ لأنه قد تمر بالدولة حاجة، ولو لم يأخذ الزكاة مقدمة؛ لفاتت بذلك مصلحة.
[الْجُمْلَةُ الْخَامِسَةُ فِيمَنْ تَجِبُ لَهُ الصَّدَقَةُ]
[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي عَدَدِ الْأَصْنَافِ الَّذِينَ تَجِبُ لَهُمُ الزَّكَاةُ]
[والكلام في هذا الباب في ثلاثة فصول: الْأَوَّلُ فِي عَدَدِ الْأَصْنَافِ الَّذِينَ تَجِبُ لَهُمُ الزَّكَاةُ]
قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: (الجملة الخامسة: فِيمَنْ تَجِبُ لَهُ الصَّدَقَةُ).
стр. 3505
هذه المسائل التي سيعرضها المؤلف ﵀ مهمة جدًّا.
فاللَّه في كتابه العزيز تولى قسمة المواريث؛ فجُلُّ مسائل تقسيم التركات إنما جاءت في كتاب اللَّه ، ومن يقرأ سورة النساء الكبرى يجد ذلك مفصلًّا فيها. كذلك نجد أيضًا أن اللَّه حدَّد الذين تُصرف فيهم الزكاة؛ أي: الذين يُعطون الزكاة، وتُسلَّم لهم؛ أي: الذين يحق لهم أن يأخذوا من الزكاة، وذلك في قول اللَّه : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠]. وسيأتي بيان من هم هؤلاء. ثم قال تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٠]. فهل هم من المسلمين فقط، أو يدخل في ذلك أيضًا غير المسلمين؟ وهل لا يزال هذا الحكم قائمًا بعد زمن رسول اللَّه ﷺ ؟ أو أنه لما قويت شوكة المسلمين، وقامت دولتهم على ساقَيها واشتد عودها أصبح لا حاجة لأن يُعطى المؤلفة؟
وبعبارة أخرى: هل هذا حكمٌ ثابتٌ أنزله اللَّه في كتابه، ومات رسول اللَّه ﷺ ولم يُنسخ ولم يُبدّل؛ فيبقى؟ أو أنهم لا يُعطَوْن؟
ثم قال تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾. فهل هم المكاتَبون؟ أو أن الآية تشمل غيرهم؟ ثم قال تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾. والغارم: هو من يغرَم دَيْنًا؛ ليُصلِح ذات البَيْنِ. ولا تخفى أهمية الصلح ومكانته في هذه الشريعة الإسلامية، ومع أن الكذب -كما نعلم- من الكبائر، إلا أنه من المواضع الثلاثة التي يجوز أن يكذب فيه المرء هي عندما يريد أن يُصلح بين متخاصمَين. ثم قال تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وهم: الغزاة. ثم قال تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. وهو المسافر الذي هو بحاجةٍ إلى المال.
ولا شك أن هذه القسمة عادلة؛ وذلك لأن اللَّه مدبِّر هذا الكون، ويعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين.
فكان هو الذي قسّم هذه الصدقات، وهو الذي بيّن من تجب لهم الصدقات، فلا يجوز لأحدٍ أن يغير أو أن يبدل في حكم اللَّه ، فلا يُقبل في ذلك حكم بشرٍ مهما كان؛ لأن هذا حكم اللَّه؛ وقد قال اللَّه : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].
стр. 3506
* قوله: (وَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ فِي ثَلَاثَةِ فُصُولٍ: الْأَوَّلُ: فِي عَدَدِ الْأَصْنَافِ الَّذِينَ تَجِبُ لَهُمْ).
الأصناف: ثمانية بيّنهم اللَّه في كتابه؛ فلا يحتاج الأمر إلى اجتهاد.
* قوله: (الثَّانِي: فِي صِفَتِهِمُ الَّتِي تَقْتَضِي ذَلِكَ).
مثال يوضح المراد بصِفَتِهِم: حد الفقر، وبيان من هم الفقراء؟
* قوله: (الثَّالِثُ: كَمْ يَجِبُ لَهُمْ؟).
فهل هناك قدرٌ معين لكل منهم، أو لا؟ بمعنى: هل لا بد أن نوزعها على الثمانية؛ فكل واحدٍ يأخذ نصيبه؟ أو يجوز أن تُعطى لصنفٍ واحد منهم فقط؟ سنرى أن الذي سيخالف الجمهور في هذه المسألة هو الإمام الشافعي، وليس الإمام مالك. وننبه أن خلاف العلماء دائمًا يُبنى على دليل، أو على وجهة نظر.
* قوله: (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي عَدَدِ الْأَصْنَافِ الَّذِينَ تَجِبُ لَهُمُ الزَّكَاةُ).
الفصل الأول في عدد الأصناف:
هم كما جاء في الآيه الكريمة التي أشرنا إليها سابقًا؛ وهي قول اللَّه : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠]. فهم ثمانية؛ قد بيّنهم اللَّه . فمن هو الفقير؟ ومن هو المسكين؟ وهل الفقير هو المسكين؟ أو أن المسكين يختلف عن الفقير؟ (١) وإذا قلنا: إنهما مختلفان، فأيهما أكثر حاجة؟ وهل هما من الأسماء التي إذا اجتمعت
стр. 3507
اختلفت (١)، وإذا ما جاء أحدها اكتُفي به عن الآخر؟
وقد مر بنا مصطلح الإيمان والإسلام، وقد عرفنا أن الإسلام والإيمان إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا.
فكذلك هنا المسكين والفقير إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا؛ لأن اللَّه لا يذكر صنفين لغير حكمة، فهذا القرآن كما اشتمل على الأحكام فهو مشتملٌ أيضًا على الحِكم، والمعاني، والأسرار، والبلاغة.
وعليه: فالفقراء غير المساكين. وقد اختلف الفقهاء أيضًا في أيهم أشدهم حاجة؛ الفقير، أو المسكين؟ فنبدأ بالفقير؛ فقد بدأ اللَّه به. وهنا نسأل: هل لهذه البداية مغزى؟ فالآية الكريمة عندما افتتحت بذكر هؤلاء الثمانية بدأت أول ما بدأت بالفقراء، والمعروف لكل مَن درس لغة العرب وتتبعها أن من عادتهم أنهم إذا كان الأمر ذا أهميةٍ فإنهم يقدِّمونه، فالعرب لا تقدِّم أمرًا من الأمور عبثًا، وإنما لغايةٍ وسببٍ من الأسباب، وهذه الغاية تتمثل في أهمية هذا الأمر، والعناية به.
وهذا القرآن -كما نعلم- نزل بلسانٍ عربي مبين، وقد أنزله اللَّه بلغة العرب، وهو يخاطب العرب، وآيات القرآن فيها أدلة كثيرة تؤكد ذلك وتؤيده.
وعليه: فقد ذهب الشافعية (٢) والحنابلة (٣) إلى أن الفقير أشد حاجةً من المسكين.
стр. 3508
وحجتهم في ذلك: أن اللَّه ابتدأ به، والعرب -كما أشرنا- لا تقدّم عادةً الشيء إلا لأهميته.
وقالوا: وجدنا أن رسول اللَّه ﷺ استعاذ من عدة أمور، كما في الحديث المتفق عليه، ومما استعاذ منه الفقر (١).
ولا يخفى أن الفقر له أضرار جمة، لكنه لو قُدّر أن إنسانًا ابتُلي به فعليه أن يصبر وأن يحتسب، وهذا هو أمر المؤمن: "إن أصابته ضرَّاءُ
стр. 3509
صبر، فكان خيرًا له" (١)، كما جاء في الحديث. ولا شك أن الفقر من الضراء، فإن أُصِبت بالفقر، ورضيت بقضاء اللَّه وبقدره، وعلمت بأن اللَّه هو الذي قدَّر لك هذا الأمر، وأنك لم تُقصِّر في طلب المعيشة، وفي البحث عن سبل الرزق والوصول إليه، بل قُدِّر لك أن تكون فقيرًا فارْضَ بما قدَّره اللَّه لك؛ ليجازيك اللَّه على صبرك.
* قوله: (فَأَمَّا عَدَدُهُمْ: فَهُمُ الثَّمَانِيَةُ، الَّذِينَ نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] الْآيَةَ).
عدد الأصناف: قد عدّهم اللَّه وبيّنهم في كتابه؛ فلا يُزاد عليهم.
ونعلم أن لفظة "إِنَّمَا" هي من أدوات حصر، فقد حصرهم اللَّه في هذه الأصناف الثمانية.
والسؤال: هل يجوز أن تُعطَى الزكاة لغير هؤلاء، كأن تُبنى بها المساجد، والقناطر، والمدارس، وغير ذلك من الأمور؟ أو أن ذلك خاصٌّ بهذه الثمانية؟
الجواب: بل تُقصر الزكاة على هؤلاء الثمانية فقط؛ لأن اللَّه بيَّن أمرهم، ولم يترك بيان ذلك لغيره .
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنَ الْعَدَدِ فِي مَسْأَلَتَيْنِ).
الحقيقة: أنه لم يكن الخلاف في مسألتين فقط، وإنما في مسائل كثيرة.
ولكن المؤلف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى يُعنى -كما نعلم- بأمهات المسائل، ويقتصر على أظهرها وأقربها من منطوق النص، أو مفهومه.
* قوله: (إِحْدَاهُمَا: هَلْ يَجُوزُ أَنْ تُصْرَفَ جَمِيعُ الصَّدَقَةِ، إِلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَصْنَافِ؟).
يعني المؤلف ﵀ بذلك أنه: هل يجوز أن يُقتصر في الزكاة على
стр. 3510
صنفٍ واحد؛ كأن تُعطى للفقراء وحدهم؟ أو للمساكين وحدهم؟ أو للغارمين وحدهم؟ أو للمؤلفة قلوبهم وحدهم؟ أو لابن السبيل وحده إلى غير ذلك؟ أو أنه لا بد من تجزئتها؛ فيأخذ كل صنف من هذه الأصناف الثمانية نصيبًا منها، وقدْرًا محددًا؟
* قوله: (أَمْ هُمْ شُرَكَاءُ فِي الصَّدَقَةِ؛ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ مِنْهُمْ صِنْفٌ، دُونَ صِنْفٍ؟).
نعلم أن الآية الكريمة وزَّعت الزكاة، فجعلتها في مصارف ثمانية. فهل ندفع الزكاة لهؤلاء الثمانية جميعًا؛ أخذًا بظاهر النص، وامتناعًا عن تجاوزه؟ أو أنه يجوز لنا أن نصرفها في صنف واحد فقط، دون بقية الأصناف؟ وهل يجوز أيضًا أن تُصرف في فردٍ من أفراد هذا الصنف؟
بمعنى: إذا قلنا: يجوز أن تُصرف جميعها للفقواء وحدهم، فهل يجوز أن تُدفع إلى فقيرٍ واحد؟ شريطة ألا يصل إلى الحد الذي يكون به غنيًّا؛ لأن المراد من إعطائه أن يصل إلى حد الكفاية والكفاية، كما سيأتي الكلام عنها: هل هي لمدة عام؟ أو على الدوام؟ أو حتى يجد ما يكفيه؟
* قوله: (فَذَهَبَ مَالِكٌ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢)).
стр. 3511
نقول: بل ذهب الأئمة؛ مالكٌ، وأبو حنيفة، وأحمد (١)، وجماهير العلماء إلى أنه يجوز أن تُصرف في صنفٍ واحد.
* قوله: (إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَصْرِفَهَا فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ؛ إِذَا رَأَى ذَلِكَ، بِحَسَبِ الْحَاجَةِ).
هذا القول هو قول جماهير العلماء -كما رأينا- ولم يُخالف في هذه المسألة إلا الإمام الشافعي.
وحجة الجمهور في ذلك:
قد استدل الجمهور على قولهم هذا بأدلة، وليست فقط -كما قال المؤلف ﵀ متعلقة بالمعنى فحسب، وإنما قد استدلوا بنص حديث جاء عن رسول اللَّه ﷺ .
فقد جاء في حديث معاذ ﵁ المتفق عليه، عندما أرسله رسول اللَّه ﷺ إلى اليمن، وقال له: "إنك ستأتي قومًا أهلَ كتاب؛ فليكن أولَّ ما تدعوهم إليه شهادةُ أن لا إله إلا اللَّه".
ثم بعد ذلك قال: "فإن هم أطاعوك -بعد أن ذكر الصلاة- فأَعْلِمهم أن اللَّه قد افترض عليهم صدقةً، تُؤخذ من أغنيائهم، فتُرد في فقرائهم" (٢).
стр. 3512
ونعلم أن رسول اللَّه ﷺ هو المُبيِّن لما أُجمِل في كتاب اللَّه والموضِّح لذلك، وقد قال هنا لمعاذ ﵁: "فأَخْبِرهم أن اللَّه قد افترض عليهم صدقة، تُؤخَذ من أغنيائهم فتُرد في فقرائهم".
فرسول اللَّه ﷺ أرسل رسوله معاذًا ﵁ في مهمة، وهذه المهمة تتعلق بأركان الإسلام، والمقام مقام بيان، ولو كان لا يجوز قصر صرف الزكاة على صنفٍ واحد فقط، لبيَّن رسول اللَّه ﷺ ذلك لمعاذ ﵁؛ ولأَمَره أن يصرفَها في الفقراء شريطة ألَّا يجد غيرهم.
فقوله ﷺ : "تؤخَذ من أغنيائهم، فتُرد في فقرائهم": نصٌّ يتعلق بهذه المسألة، وقد اقتصر رسول اللَّه ﷺ فيه على الفقراء وحدهم.
ولو نظرنا إلى فعل رسول اللَّه ﷺ فسنجد أنه مرةً أعطى الفقراء، ومرةً أعطى المؤلَّفة قلوبهم، وأعطى غير هؤلاء. فكما أن السنة القولية التي جاءت عن رسول اللَّه ﷺ تدل على جواز الاقتصار على صنف واحد، فكذلك السنة الفعلية التي جاءت عن رسول اللَّه ﷺ تدل أيضًا على جواز ذلك.
فجماهير العلماء يرون أن سنة رسول اللَّه ﷺ القولية والفعلية بيَّنت ما في الآية؛ فقالوا: إن المراد من قول اللَّه : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] إلى آخر الآية. إنما المراد من ذلك والمفهوم: هو أن هذه الزكاة لا تُصرف لغير هؤلاء، بل تكون في هذه المصارف، ولا يُتجاوز بها إلى غيرها، وليس معنى الآية أنه لا يجوز أن تُصرف في صنفٍ، أو أكثر.
стр. 3513
وأما الإمام الشافعي فقد أخذ بظاهر الآية، وبحديث زياد بن الحارث الصدائي -كما سيأتي- وهو حديثٌ مُتكلَّمٌ فيه.
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١): لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ بَلْ يُقَسِّمُ عَلَى الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، كَمَا سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى).
قد يسأل سائل فيقول: أليس إخراج الزكاة للأصناف الثمانية حالة وجودها أولى من قصرها على صنف واحد؟
والجواب: نعم، ذلك أولى، فلا شك أننا لو أعطيناهم جميعًا نكون قد خرجنا من خلاف العلماء في هذه المسألة، والخروج من الخلاف مستحب (٢).
وننبه هنا إلى أمر مهم: وهو أن جمهور العلماء لم يقولوا: لا يجوز أن تُوزَّع الزكاة على الأصناف الثمانية، بل أجازوا قصر إخراجها في صنف واحد، وفَرْق بين الأمرين.
فالأصل أن تُوزَّع الزكاة على الأصناف كلها لو توفرت، ثم في الموجود من هذه الأصناف.
مثال توضيحي:
العامل الذي يجمع الزكاة جعله اللَّه من الأصناف المستحقة لأخذ الزكاة، فهو يأخذها مقابل عمله، لكن قد يكون هذا العامل الذي يوزِّع
стр. 3514
الصدقة هو الإمام، فلا يأخذها؛ لإغناء اللَّه إياه عن ذلك. وقد يكون صاحب الزكاة هو من يقوم بنفسه بجمعها وإخراجها، فلا يأخذ زكاة مقابل ذلك. ففي هاتين الحالتين لا نجد عاملًا نعطيه الزكاة، فتصبح الأصناف سبعة بدل ثمانية.
مثال آخر:
المؤلَّفة قلوبهم قد لا تكون هناك حاجة لإعطائهم؛ فلا يُعطَوْن، وإنما نعطي بقية الأصناف.
فجمهور العلماء لم يمانعوا من إعطاء الأصناف الثمانية جميعها لو وجدت، ولا من إعطاء ما وجد منها، ومع ذلك أجاوزا قصرها على صنف واحد.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى، فَإِنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي الْقِسْمَةَ بَيْنَ جَمِيعِهِمْ، وَالْمَعْنَى يَقْتَضِي أَنْ يُؤْثَرَ بِهَا أَهْلُ الْحَاجَةِ؛ إِذْ كانَ الْمَقْصُودُ بِهِ سَدَّ الْخَلَّةِ).
مراد المؤلف ﵀ بذلك:
أن من مقاصد الزكاة وأهدافها: سد الخَلَّة (١) -بفتح الخاء- يعني النقص الذي يكون عند الفقير.
أما الخُلَّة -بضم الخاء- فهي الصداقة (٢)، ولا نريدها هنا.
فالإنسان الذي يوجد عنده عجزٌ، فلا يستطيع أن يُنفق على نفسه ولا على أولاده، فإنه يستحق الأخذ من الزكاة؛ لسد هذا العجز. وينبغي ألا يفهم البعض من قول العلماء في الفقير مثلًا بأنه هو الذي لا مال له، أو
стр. 3515
ليس له كسب، أو الذي يجد مالًا لا يقع موقعه من كفايته، أو من لا يجد خمسين درهمًا أنه الذي لا شيء عنده بتاتًا! كلَّا، بل المراد أنه المحتاج.
فالفقير قد يسكن بيتًا، وبه أثاث، وقد تكون عنده دابة أو سيارة في الوقت الحاضر ولكنه مضطرٌّ إليها، ولا يستغني عنها، ومع ذلك فهو فقير محتاج؛ فيعطى من الزكاة لسد حاجاته الضرورية الأُخرى المتبقية والتي يعجر عن تحصيلها.
مثال: قد يكون هناك طالب علم عنده مجموعة كبيرة من الكتب -ولكنه محتاج إليها- ومع ذلك ليس عنده ما يكفيه لنفقته، أو لنفقه أولاده؛ فهل نمنع هذا من الزكاة؟! كلَّا.
فليس معنى الفقير هو ألا يجد الإنسان شيئًا أصلًا، بل القصد هنا أن يكون مُحتاجًا.
* قوله: (فَكَأَنَّ تَعْدِيدَهُمْ فِي الْآيَةِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا وَرَدَ لِتَمْيِيزِ الْجِنْسِ -أَعْنِي: أَهْلَ الصَّدَقَاتِ- لَا تَشْرِيكِهِمْ فِي الصَّدَقَةِ. فَالأَوَّلُ أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ، وَهَذَا أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى).
سبق أن ذكرنا في الحديث أن الرسول ﷺ قال عن الزكاة: "تُؤخَذ من أغنيائهم، فتُرد في فقرائهم".
فها هو قد اقتصر على أول صنف من الأصناف الثمانية، وهذا دليلٌ على الجواز، خاصة أنه قد لا توجد هذه الأصناف كلها، فقد يكون أصحاب صنف ليسوا بحاجة للزكاة.
ونشير هنا إلى أن العامل على الزكاة لا يُشترط أن يكون فقيرًا ليأخذ من الزكاة، فهو إنما يأخذها مقابل عملِه، فلا يُنظر إلى كونه غنيًّا أو غير غني، وإن خالف بعض العلماء في ذلك. لكن الأَولى أن يوزِّعها الإنسان على الأصناف الثمانية كلها، فهذا ما يتفق مع نص الآية.
стр. 3516
* قوله: (وَمِنَ الْحُجَّةِ لِلشَّافِعِيِّ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١)، عَنِ الصُّدَائِيِّ).
هذا الحديث رواه أبو داود، وابن ماجه (٢)، وأحمد (٣)، وغير هؤلاء (٤). وهو من رواية زياد بن الحارث الصُّدائي، لكن في سند هذا الحديث (عبدُ الرحمن بن زيادٍ الأفريقي)، وهو مُتكلَّم فيه (٥)، كما نعلم، فقد يَهِمُ، مع أنه صالحٌ صاحب خير وتُقًى.
ولذلك اختُلف فيما يرويه صحةً وضعفًا، فكثيرٌ من العلماء يرى أن رواياتِه ضعيفة لا يُعتَمد عليها. وعلى كلِّ حال، فحديث الصُّدائي هذا -كما سيذكره المؤلف- هو شاهدٌ في ظاهره أيضًا لمذهب الشافعي.
* قوله: (أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنَ الصَّدَقَةِ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ).
المؤلف ﵀ جاء بالجزء الأخير من هذا الحديث فقط. وإليك نص الحديث -كما جاء في رواية زياد بن الحارث الصُّدائي- حيث قال: أمَّرني رسول اللَّه ﷺ على قومي، فطلبتُ منه أن يعطيَني من الصدقة، فأعطاني. فهذا أول الحديث وقد أغفله المؤلف ﵀. وأما تكملته فهو
стр. 3517
قوله: فجاء رجل، فقال: يا رسول اللَّه، أعطني من الصدقة. . . الحديث.
* قوله: ("إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ، وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ، حَتَّى حَكَمَ فِيهَا، فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ؛ أَعْطَيْتُكَ حَقَّكَ").
لا شك أنه لا ينبغي لغني أن يسأل من الزكاة؛ ففي الحديث: أن رجلين جاءا إلى رسول اللَّه ﷺ في حجَّةِ الوداع، وهو يُقسِّم الصدقة، فطلبا من رسول اللَّه ﷺ أن يُعطيَهما. فصوَّب ﷺ نظرَه فيهما، ثم وضعَه -يعني: خَفَضه- فرآهما جَلْدَين -يعني: قَوِيَّيْن- ثم قال: "إن شئتم أعطيتُكما، لكنه لا حظَّ فيها لغنيٍّ، ولا لقويٍّ مكتسِب" (١). فالغني: لا يجوز له أن يأخذ من الزكاة شيئًا. وقد يكون الإنسان ليس غنيًّا، ولا مال عنده، لكنه صاحب صنعة، كأن يشتغِل في مصنع، أو يكون نجارًا، أو حدَّادًا، أو قائد سيارة، المهم يعمل في عملٍ من الأعمال، أو في حرفةٍ من الحِرَف؛ فإنه في هذه الحالة يحصل على ما يُنفق به على نفسه، وعلى أولاده، ومَن تلزمه مؤونتهم ونفقتهم. فمثل هذا لا يُقال بأنه فقير؛ لأن الإنسان الذي يستطيع أن يعمل ويكسب فإنه يُعتبر غنيًّا حقيقة، فليس له أن يأخذ من الصدقة.
ولذلك لما رأى رسول اللَّه ﷺ القوة في الرجلين، كما جاء في الحديث: "رجلين جلدين"، يعني: قويين، فنظر فيهما، يعني: صوَّبهما بنظره، ينظر، ثم خفض بصره ﷺ .
وقوله ﷺ في الحديث: "إن شئتُما أعطيتُكما": فتكونان حينئذٍ مسؤولين أمام اللَّه بأَخْذِكما صدقةً لا تجوز لكما.
стр. 3518
فهذا منه ﷺ تَبْيِين للحكم في هذه المسألة؛ حيث قال لهما: "إن شئتُما أعطيتكما، وإن شئتُما لم أُعطِكما -وسكت- لكنه لا حظَّ فيها لغنيٍّ، ولا قويٍّ مكتسِب".
وهما قويان يستطيعان العمل في أي عملٍ من الأعمال والكسب ولو بالاحتطاب؛ فنبههما الرسول ﷺ إلى هذا.
وهذا هو الذي يبنغي أن يكون عليه كل إنسانٍ، داعية أو غيره، أن يبيِّن الحكم في وقته للناس.
* قوله: (وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فَهَلِ الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ حَقُّهُمْ بَاقٍ إِلَى الْيَوْمِ، أَمْ لَا؟).
المؤلفة قلوبهم ينقسمون إلى قسمين:
القسم الأول: أن يكونوا من المسلمين.
القسم الثاني: أن يكونوا من غير المسلمين.
المراد بالمؤلفة قلوبهم: هم الذي يُعطَوْن من الزكاة؛ تأليفًا لهم للدخول في الإسلام، أو لاتِّقاء شرورهم (١). فهذا الذي يُعطى -كما قلنا- لا يخلو أن يكون مؤمنًا، أو كافرًا؛ فإن كان كافرًا، فيُعطى لأحد سببين:
السبب الأول: ترغيبًا له وحضًّا له على الدخول في الإسلام؛ فيكون هذا رجاء خيرِه ونفعِه للإسلام والمسلمين؛ أو ليدافعَ عن الإسلام والمسلمين.
السبب الثاني: وإما أن يُعطى ليُتقَّى شرَّه ويُدفَع ضرره عن الإسلام والمسلمين.
стр. 3519
وإن كان من نريد تأليف قلبه من المسلمين، فإن هؤلاء قد تكون لهم قوةٌ وشوكةٌ في قومهم، فيُعطَون من الزكاة؛ ليكون حافزًا لهم وترغيبًا لهم في الثبات على الإسلام، وليقتدي بهم نظراؤهم بالدخول في الإسلام والثبات عليه، فلقد ورد في الحديث: أن رسول اللَّه ﷺ أعطى الزبرقان بن بدرٍ، وأعطى عدِيَّ بنَ حاتمٍ (١). وهما مسلمان؛ وذلك لمكانتهما وشوكتهما في قومهم، فأراد رسول اللَّه ﷺ أن يتأثر بهما غيرُهما من رؤساء القبائل، لعل ذلك ألن يكون دافعًا وحافزًا لهم للدخول في الإسلام.
وقد جاء في الحديث: أن رسول اللَّه ﷺ عندما أعطى صفوانَ بن أُميَّة، قال: واللَّه لقد كان محمدٌ ﷺ أبغضَ مَن على وجه هذه الأرض إليَّ! فما زال يمنَحُني حتى صار أحبَّ الناسِ إليَّ! (٢).
فالناس صنفان:
الصنف الأول: منهم من تُؤثر فيه الكلمة الطيبة؛ حيث تنفذ إلى قلبه، وتسكن في سُوَيْدائه، فيتأثر بالنصيحة والموعظة، ويُقبل على الخير.
الصنف الثاني: ومنهم من لا تُجْدي معه الكلمة الطيبة نفعًا؛ لما فيه غلظة وقسوة، فلا يُلينه إلا المال، فهذا المال يتألف الإمام به قلوب هؤلاء؛ فلذا أُعطوا من الزكاة؛ لما يُرجى من إعطائهم الخير للإسلام ودفاعهم عنه، أو لدفع شرهم عن المسلمين، أو اتقاء لأذاهم.
وقد كان من سياسة معاوية ﵁: أنه كان إذا رأى إنسانًا يأمر بقطع لسانه (٣). يعني: بالعطايا.
стр. 3520
كذلك من يُعطَى من المؤلفة قلوبهم، وهم من المسلمين -كما قلنا- فلذلك لأنه قد تكودن لهم مكانة وهَيْمَنة وعزَّة ومجد في أقوامهم فيُعطَوْن؛ ليتأثر بهم غيرهم من أقوامهم، ويسلك مسلكهم بالدخول في الإسلام والذود عنه. وقد يوجد من المؤمنين من هو ضعيف الإيمان فيُعطى؛ ليقوَى إيمانه.
وقد جاء في الحديث: أن رسول اللَّه ﷺ قد أعطى أمثال هؤلاء؛ حيث أعطى أبا سفيان بن حرب ﵁، وأعطى عيينةَ بن حصن، وأعطى الأقرعَ، وأعطى غير هؤلاء (١).
ونعرض الآن للمسألة التي ذكرها المؤلف ﵀ هنا، وهي: هلِ الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ حَقُّهُمْ بَاقٍ إِلَى الْيَوْمِ، أو أنه قد انتهى؟
نعلم أن الإسلام أول ما بدأ كان أهله ضعفاء، ثم لا زال الإيمان يقوى، حتى انتشر - بحمد للَّه فعمَّ جزيرة العرب، ثم بعد ذلك امتد شرقًا وغربًا، وجنوبًا وشمالًا، وأخذ الناس يدخلون في دين اللَّه أفواجًا.
فحال المسلمين الأوائل في مكة لا يخفى على أحد، ونعلم ما حصل لهم من حرب من أعداء الإسلام، وما كان يحل بهم من أذًى وقرح ونصب من المشركين، إلى أن أَذِن اللَّه بالهجرة إلى المدينة.
فأسس رسول اللَّه ﷺ أول دولةٍ إسلامية، في هذه البلدة الطاهرة؛ طيبة الطيبة، فبدأت دولة الإسلام تقوى شوكتها، ويشتد عودها، وأخذ دين اللَّه ينتشر، وأخذ المسلمون يفتحون البلاد، وينشرون دين اللَّه في كل مكان، فقويت شوكةُ هذه الدولة في عهد رسول اللَّه ﷺ . ثم أخذت تقوى أيضًا شيئًا
стр. 3521
فشيئًا في عهد الخلفاء الراشدين، وهكذا مرت العصور، إلى أن وصلت غايةَ مجدها وأَوْجها في أوائل الدولة العباسية، كما نعلم؛ فقد امتد نطاقها، ودخلت بلاد الأندلس ضِمن رقعة الدولة الإسلامية، وأصبح نداء (اللَّه أكبر) يُسمع في كل مكان، وفي كل بقعةٍ من بقاع الأرض، بالفعل هذا حصل.
وانتشر نور الإيمان في كل مكان، والإيمان -كما هو معلوم- يسري بين الناس؛ لأنه دين الفطرة، ولأنه الدين الحق، فإن كل من عرف هذا الإسلام على حقيقته فلا شك أنه - إن لم يكن مكابرًا معاندًا، سيتأثر به، ويدخل فيه.
حتى إن المشركين -مع ما كانوا عليه من وقوفٍ في وجه الإسلام، ومن عناد، ومن حقدٍ على الإسلام- كانوا يتسللون لِوَاذًا فيأتون؛ ليسمعوا القرآن يُتلى من أبي بكرٍ (١)، ومن غيره في مكة (٢).
стр. 3522
والسؤال: هل نقول -بعد أن ظهر الإسلام، وقوي المسلمون-: لا حاجة لإعطاء صنف المؤلفة قلوبهم من الزكاة؛ فقد قويت الدولة الإسلامية، وانقطع هذا الأمر أو لا؟
نقول: إن العلماء الذين تكلموا في هذه المسألة، سواءٌ كان الإمام أبو حنيفة، أو الإمام مالك، أو الإمام الشافعي، أو الإمام أحمد، كلهم كانوا في وقت قوة الدولة الإسلامية وعزتها. فهل الإسلام بقي في كل مراحله على حالته الأولى؟ لا، بل لقد مر الإسلام بنكبات؛ إما:
(١) من أبنائه الذين خرجوا فرقًا وشيعًا وأحزابًا؛ فأخذوا يضربون في جسم الأمة الإسلامية، حتى تركوا آثارًا سيئة.
(٢) أو من أعداء الإسلام الذين جاؤوا من كل حدبٍ وصوب.
فنحن نجد أن الإسلام يقوى ويضعف، ثم تعود قوته، كما رأينا في عهد صلاح الدين، ثم بعد ذلك دبَّ الضعف، وجاء أيضًا -كما نعلم- التتار وحصل منهم ما حصل، ثم عادت للمسلمين قوتهم عندما عادوا إلى كتاب اللَّه ، وإلى سنة نبيه ﷺ ، ونبذوا ما بينهم من خلاف، وحاربوا ما كان مُنتشرًا بينهم من معاصي، فنصرهم اللَّه ، وعادت لهم العزة، والمجد، فأصبحوا مرةً أُخرى سادة العالم وقادته، وهكذا.
стр. 3523
فالإسلام ودولته لم يبقيا على حالٍ واحد: فهل المؤلفة قلوبهم يُعطَوْن من الزكاة في كل حال؟ أو في حال دون حال؟
لقد أُثر عن عمر ﵁ أنه قال: لا نُعطِي على الإسلام شيئًا، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر (١).
ونُقل عن الإمام مالكٍ أنه قال: لا يُعطَى المؤلَّفة اليوم (٢).
أما الإمام أحمد فقد انفرد من بين الأئمة الأربعة، فقال: يُعطى المؤلفة قلوبهم (٣).
نعود مرةً أُخرى لنناقش هذه المسألة مناقشة علمية، ثم نحاول أن نطبق ذلك على عصرنا الحاضر، وكلنا -بحمد اللَّه- يعلم الآن ما يواجهه المسلمون في كثيرٍ من البلاد. نحن في هذه البلاد - كما نرى نعيش في أمن، وفي أمان، وفي رغد، وفي خير، فالإنسان يخرج إلى بيت اللَّه لا يسأل، ويدعو إلى الخير، وإلى الصلاح.
стр. 3524
وربما بعض من لم يسافر لا يُدرك ما يدور في كثير من البلاد الإسلامية، وما يحل بالمسلمين.
ونأتي إلى حكم إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة الآن:
فنقول: لقد قال اللَّه : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٠].
فاللَّه ذكَرَ المؤلفة قلوبهم ضمن هذه الأصناف الثمانية، ولم يرد نصٌّ ينسخ هذه الآية، لا في كتاب اللَّه ، ولا في سنة رسول اللَّه ﷺ ، بل إن رسول اللَّه ﷺ قد التقى بالرفيق الأعلى، ولم يُنقل عنه نصٌّ ينسخ ذلك. ولا يخفى أن دعوى النسخ تحتاج إلى دليلٍ وإثبات، وهنا في هذه المسألة: لا دليل على ذلك، ودعوة أن العلة قد زالت فليس هذا على الإطلاق، بل إننا نقول: لا يُعطَى المؤلفة قلوبهم إذا لم نكن بحاجة إليهم، لكننا نُعطيهم إذا كنا بحاجة إلى أن يدخل أُناس في الإسلام، أو لنتقي شرهم، أو لندفع أذاهم عن المؤمنين.
فالقول الحق في نظري هنا هو أن حكم المؤلفة قلوبهم باقٍ إلى يوم القيامة، وأن هذا حكمٌ لم يُنسخ؛ لأن النسخ يحتاج إلى دليل، ولا دليل على نسخه؛ ولذلك لما ذكر ذلك للإمام الزهري (١) -ونعلم أنه من أئمة الحديث وجهابذته- قال: لم يَرِد ما يمنع إعطاءَ المؤلفة قلوبهم.
وهذا هو رأي الإمام أحمد (٢) أيضًا، وهو قول في مذهب الإمام الشافعي كذلك (٣)، وقال به أئمة في مذهب الإمام
стр. 3525
مالك (١). فلو راجعنا مذهب الإمام مالك لوجدنا من قال بهذا القول، كالإمام ابن حبيب (٢)، وغيره أيضًا من أئمة المالكية.
وننبه هنا: إلى أن هذا القول في المذهب الشافعي ليس بضعيف، وإن كان القول المصحَّح عندهم هو الموافق لقول الإمامين؛ أبي حنيفة (٣)، ومالك (٤).
وعليه: فهذا القول موجودٌ في كل المذاهب، وبالنظر إلى حال المسلمين الآن، نجد أن الإسلام يُحارَب في كل مكانٍ من قِبَل أعدائه، بل إنه يوجد ممن ينتسب إلى الإسلام من له مواقف يحارب بها الإسلام. ونجد ما يُعرف الآن بالتنصير، وما يُعرف بالتبشير، وقد أُقيمت لهذا المدارسُ، والمراكز، ودُفعت الأموال، وأُعطيت الإغراءات من أموال،
стр. 3526
وعلاج؛ وغير ذلك؛ واستُغلت قضية الفقر أيضًا؛ ووجدنا أن أموالًا طائلة رُصدت لأجل ذلك.
والسؤال: أليس في إعطاء هؤلاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة خير للإسلام؛ ليمثل هؤلاء سدًّا منيعًا ويقفوا في وجه أولئك الذين يحاولون أن يحرفوا هؤلاء عن الطريق السويِّ؛ ويلقون بهم في أحضان الكفر؟
ثم أليس إعطاؤهم من الزكاة هو حصنًا متينًا لأولئك الذين تُوجَّه إليهم سهام أعداء الإسلام عن طريق التعرض للإسلام بزعم أن الإسلام لم يعالج مشاكلهم؛ ولم يغنهم من فقرهم؛ زاعمين لهم أنهم لو دخلوا في الدين الفلاني؛ أو انضموا إلى كذا؛ لكان في ذلك نصرًا لهم؛ ورفعًا لمعنوياتهم؛ إلى غير ذلك مما هو معروف؟
فكثيرة هي البلاد الإسلامية التي عمل التنصير فيها؛ ففي أفريقيا؛ وفي غيرها نماذج كثيرة موجودة.
نقول: بل نعطيهم لأجل دفع كل هذا؛ ولا مانع من أن يُعطى الضعفاء من المسلمين؛ ليتمكن الإسلام في قلوبهم؛ ولا مانع أيضًا من أن يُعطى من لهم قوة وشوكة؛ تمكينًا وترغيبًا وإعانةً لهم للبقاء على الإسلام والثبات عليه ونشره بين الناس؛ وربما يكون ذلك جذبًا لمن لم يسلموا؛ لعلّهم أن يدخلوا في الإسلام.
فرسول اللَّه ﷺ قد أعطى المؤلفة قلوبهم، واستهواهم فدخلوا في الإسلام، وأعطى أيضًا من دخل في الإسلام ممن لم يستقر الإيمان في قلبه غاية الاستقرار.
وقد قال اللَّه : ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤].
فنحن بذلك نقتدي برسول اللَّه ﷺ ؛ وبما فَعَله، فقد أعطى المؤلفة قلوبهم على اختلاف أنواعهم.
فلا مانع أيضًا أن يُعطَى المؤلفة قلوبهم من المسلمين ومن غيرهم من
стр. 3527
أموال الزكاة -إن لم يعطوا من الصدقات غير الواجبة- إن وُجدوا في أي عصرٍ، وفي أي وقت، وفي أي مكان.
* قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: لَا مُؤَلَّفَةَ الْيَوْمَ) (١).
الإمام مالكٌ لما قال هذا القول: (لا مؤلفة اليوم) فإنما قصد عصره الذي عاش فيه. ونحن نعلم أن الإمام مالكًا عاش في عصر أبي جعفر المنصور، ومكث بعد ذلك إلى عصر الرشيد، وهو الوقت الذي وصل فيه الأمر إلى أن الرشيد كان ينظر إلى السحابة ويقول: أنَّى كنتِ فسوف يأتيني خراجُكِ! (٢).
فالإمام مالكٌ عاش في وقتٍ كان الإسلام في أَوْج مجده وقوته وعزته.
فلذا حُقَّ له أن يقول: لا مؤلفة اليوم. فالقوة وقته كانت للإسلام وللمسلمين: فكيف يُعطى الكفار عبر إخراج الزكاة للمؤلفة قلوبهم؟ فما كان المسلمون في وقته بحاجة لأن يعطوا غيرهم من الكفار.
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٤): بَلْ حَقُّ الْمُؤَلَّفَةِ بَاقٍ إِلَى الْيَوْمِ؛ إِذَا رَأَى الْإِمَامُ ذَلِكَ).
هذه المسألة تحتاج في الحقيقة إلى تحليل، وقد عرضها المؤلف ﵀ كما رأينا.
ولذا فإننا نعرض أقوال الأئمة فيها على هذا النحو التالي:
(١) الإمام أبو حنيفة (٥): يرى قولًا واحدًا؛ وهو أن المؤلفة قلوبهم لا يُعطون من الزكاة مطلقًا.
стр. 3528
(٢) والإمام أحمد (١): وجدنا في مذهبه قولًا واحدًا؛ وهو أنهم يعطون مطلقًا.
فهذان القولان من الإمامين؛ أبي حنيفة وأحمد متقابلان.
(٣) وأما الإمام مالك: فقد قَالَ -كما حكى المؤلف ﵀: لَا مُؤَلَّفَةَ الْيَوْمَ. (٢) لكنَّ عددًا من أصحابه يرون أنهم يُعطون.
(٤) وأما الإمام الشافعي: فله في ذلك قولان (٣):
القول الأقوى: أنهم لا يُعطَون.
والقول الآخر: أنهم يُعطَون. وهو أيضًا قولٌ لبعض الشافعية.
فقول الإمام أحمد: لم ينفرد به في الحقيقة، وإنما هو قولٌ لكثيرٍ من العلماء داخل المذاهب الأربعة، وخارجها.
* قوله: (وَهُمُ الَّذِينَ يَتَأَلَّفُهُمُ الْإِمَامُ عَلَى الْإِسْلَامِ).
هناك أمر فاتنا ذكره فيما يتعلق بإعطاء الزكاة لصنف واحد من الأصناف الثمانية.
فقد أُثر عن حذيفة وعن عبد اللَّه بن عباس ﵄ أنهما قالا: تُصرَف في صنفٍ واحد (٤).
وهذا القول قد صح عنهما، ولم يُنقل مخالف لهما من الصحابة؛ فهذا دليلٌ قوي بالنسبة لهذه المسألة السابقة.
стр. 3529
فالإمام أبو حنيفة لا يرى إعطاء المؤلفة مطلقًا؛ إما لأن الحكم منسوخ، أو لأن علته قد زالت.
وللرد على ذلك نقول:
(١) أما حجته الأولى: فلا نسلم بها؛ لأن النسخ -كما علمنا- يحتاج إلى دليل، ولا دليل هنا؛ فلا نسخ إذًا.
(٢) أما حجته الثانية: فالقاعدة الفقهية المعروفة -وهي أن الحكم يزول بزوال علته وجودًا وعدمًا (١) - ليست مُسلَّمة، ولا تنطبق عند التطبيق على كل الأحكام، بل على بعضها فقط.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ ؟).
نقول: دعوى التخصيص تحتاج إلى دليل، ولا دليل يدل على أن ذلك خاصٌّ برسول اللَّه ﷺ . ولو كان الأمر يخصه لبيَّنه النبي ﷺ ؛ لأن هذا حكم اللَّه وشرعه، وشرع اللَّه يجب أن يُبيَّن، فقد قال اللَّه لنبيه ﷺ : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وقال اللَّه لنبيه ﷺ -أيضًا: ﴿لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ٦٤]. فرسول اللَّه ﷺ قد بيَّن ما في آية أصناف الزكاة، وطبَّقه تطبيقًا عمليًّا، وما يصدر عن رسول اللَّه ﷺ فهو حكمٌ عام، وما يخصه فلا بد أن يأتي دليلٌ يخصه.
* قوله: (أَوْ عَامٌّ لَهُ، وَلِسَائِرِ الْأُمَّةِ؟ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ عَامٌّ) (٢).
نحن نقول: هو بالفعل عام، كما قال المؤلف ﵀. وهذا في
стр. 3530
الحقيقة مسلكٌ جيد من المؤلف ﵀. ويعجبني منه أنه لا يتحيَّز لمذهبٍ، ولا يتعصب في أي مسألة من المسائل، وهذا هو شأن طالب العلم أينما كان، وفي أي وقت، وفي كل مكان.
* قوله: (وَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْإِمَامِ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ، أَوْ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ؟ أَعْنِي: فِي حَالِ الضَّعْفِ، لَا فِي حَالِ الْقُوَّةِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: لَا حَاجَةَ إِلَى الْمُؤَلَّفَةِ الْآنَ؛ لِقُوَّةِ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا كَمَا قُلْنَا: الْتِفَاتٌ مِنْهُ إِلَى الْمَصَالِحِ).
وهذا الفهم من المؤلف ﵀ جيد. فالأئمة؛ أبو حنيفة ومالك والشافعي (١) لما ذهبوا إلى أنه لا حاجة لإعطاء المؤلفة قلوبهم، فلأن ذلك -كما قلنا- كان في وقت قوة الإسلام وهيمنة دولته وغلبتها.
وأما الإمام أحمد (٢): فمع أنه عاش في وقمت قوة الدولة الإسلامية -أيام الدولة العباسية- إلا أنه رأى جواز إعطاء المؤلفة قلوبهم؛ لأنه لم يجد ما ينسخ ذلك، أو يُغيِّر حكمه.
[الفَصْلُ الثَّانِي فِي صِفَات أهل الزكاة الَّتِي يَسْتَوْجِبُونَ بِهَا الصَّدَقَةَ]
قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى:
стр. 3531
(الْفَصْلُ الثَّانِي فِي الصِّفَةِ الَّتِي تَقْتَضِي صَرْفَهَا إِلَيْهِمْ).
السؤال هنا: هل لأهل الزكاة صفات معينة متى ما توفرت فيهم صرفت لهم؟ أو يعطَون من الزكاة مطلقًا في كل الأحوال؟ وهذا يتطلب أن نعرف: من هو الفقير؟ ومن هو المسكين؟ ومن هم المؤلفة قلوبهم؟ وقد تكلمنا عن هؤلاء؛ لأن المؤلف ﵀ قدَّم ذكرهم.
* قوله: (وَأَمَّا صِفَاتُهُمُ الَّتِي يَسْتَوْجِبُونَ بِهَا الصَّدَقَةَ، وَيَمْنَعُونَ مِنْهَا بِأَضْدَادِهَا؛ فَأَحَدُهَا: الْفَقْرُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْغِنَى).
معنى الفقر: هو ضد الغِنى. وقد قال اللَّه : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠].
فالغني -والذي هو ضد الفقير- لا يأخذ من الزكاة. فهل الغني هو من يملك نِصابًا -يعني: مائتي درهم، أو ما يقابلها- لأنه بهذا تجب عليه الزكاة، كما عرفنا؟
فالذي يملك أربعين شاة قد لا تكفيه هذه الشِياة لقُوتِه، وربما لا يجد ما يأكله! فهل نعتبر هذا غنيًّا؛ لأنه ملك النِّصاب ولا نربط ذلك بالحاجة؟ أو نقول: هو محتاج؟ وعليه: فالغني: هو الذي يجد كفايته. والفقير: هو الذي لا يجد ما يكفيه، ويكفي من هم تحت مؤنته.
* قوله: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠]).
هذا نصٌّ من اللَّه .
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الْغَنِيِّ الَّذِي تَجُوزُ لَهُ الصَّدَقَةُ مِنَ الَّذِي لَا تَجُوزُ؟ وَمَا مِقْدَارُ الْغِنَى الْمُحَرِّمِ لِلصَّدَقَةِ؟
العامل: معروف، كما جاء في الآية الكريمة.
* قوله: (أَوْ لِغَارِمٍ).
علة أخذ الغَارِم من الزكاة: يأخذ منها؛ إما لإصلاح نفسه، أو لإصلاح غيره.
مثال على الحالتين:
فهو قد يتحمل دَينًا لحاجة نفسه، وقد يتحمل دَينًا لإصلاح ذات البين بين مُتَخاصمَين.
* قوله: (أَوْ لِرَجُلٍ لَهُ جَازٌ مِسْكِينٌ).
لقد ترك المؤلف ﵀ الخامس، فأسقطه، وهو: "أو لرجلٍ اشتراها بمالِه".
يعني: رجل وجد زكاة تُباع فاشتراها بماله. فهي لغازٍ في سبيل اللَّه، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجلٍ اشتراها بماله، أَوْ لِرَجُلٍ لَهُ جَازٌ مِسْكِينٌ، فأعطاه من الصدقة، فأهدى الفقير للغني.
مسألة: لو أن إنسانا أعطى آخر من زكاته، فطبخ طعامًا، فأهدى للغني فلا مانع أن يأكل الغني من ذلك، فهذا الحديث يدل على جواز ذلك.
* قوله: (فَتَصَدَّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ، فَأَهْدَى الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ").
هذا الحديث رواه أبو داود (١)، والترمذي (٢)، وأحمد (٣)، وابن ماجه (٤)،
стр. 3534
والبيهقي (١)، وغير هؤلاء (٢). وله عِدَّة طرق، وقد صححه جمعٌ من العلماء، ورأَوا أنه صالحٌ للاحتجاج به (٣).
وقد سمى لنا رسول اللَّه ﷺ في هذا الحديث من يُعطَى من الزكاة وهو غني.
* قوله: (وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ).
ابن القاسم هذا: هو صاحب الإمام مالك، وهو إمام معروف.
* قوله: (أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ لِغَنِيٍّ أَصْلًا؛ مُجَاهِدًا كَانَ، أَوْ عَامِلًا) (٤).
هذا الكلام: غير مسلَّم في حقيقة الأمر؛ لأن العامل قد يكون غنيًّا، ومع ذلك يجوز أن يأخذ من الزكاة، وكذلك الغازي: قد يكون غنيًا، ومع ذلك يجوز أن يأخذ من الزكاة؛ وذلك لأن رسول اللَّه ﷺ سمى هؤلاء وأجاز إعطاءهم من الزكاة في قوله: "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيِّ، إِلَّا لِخَمْسَةٍ".
ثم بيَّنهم فقال: لِغَازٍ فِي يسَبِيلِ اللَّهِ، أو لِغَارِمٍ، أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أو لرجلٍ اشتراها بماله.
* قوله: (وَالَّذِينَ أَجَازُوهَا لِلْعَامِلِ -وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا- أَجَازُوهَا: لِلْقُضَاةِ).
العامل إنما يأخذ الزكاة مقابل عمله. والعاملون على الزكاة: هم
стр. 3535
السُّعاة الذين يذهبون لجمع الزكاة وأخذها، كمن يذهب للخَرْص، وقد مر بنا قريبًا ذِكره. ويدخل في ذلك أيضًا كاتب الزكاة الذي يرشد الساعي إلى مواضع الصدقة. ويدخل في ذلك أيضًا الذي يخدم أعمال الصدقة. ويدخل في ذلك أيضًا السائق الذي يحمل السُّعاة والكاتبين، ويحمل الزكاة. فكل هؤلاء الذي يعملون في مجال الزكاة يستحقون الأخذ منها؛ لدخولهم في مسمى العاملين عليها.
أما إذا كان هذا العامل أو الساعي يُعطى من بيت المال فلا يأخذ من الزكاة، وذلك إذا كان له راتب قد خصص له -كما نجد ذلك في عصرنا هذا- فلا يجوز لهم الأخذ من الزكاة في هذه الحالة. وسيأتي ذلك أيضًا بالنسبة لصنف (في سبيل اللَّه) فهذا الذي خرج يغزو في سبيل اللَّه إذا كان مسجلًا في ديوان الجند ويُعطَى راتبًا كما نرى وله مكافآت، فلا يحل له الأخذ من الزكاة في هذه الحالة. فالذي يحل له الأخذ من الزكاة هو من ليس له شيء في بيت المال.
* قوله: (وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ).
هذا القياس الذي ذكره المؤلف ﵀، وذكره غيره من العلماء قد لوحظت فيه المنفعة.
باعتبار أن القضاة قد حبسوا أنفسهم -كما هو معلوم- في خدمة الإسلام؛ ولفصل المنازعات بين الناس، وللقضاء بينهم، ولنشر العدل، ولإقامة الحق، ودرء الفساد، والحكم في الحدود وفي القصاص، وغير ذلك، فهم قد فرغوا أنفسهم لذلك. وكذلك أيضًا مَن يشتغلون بالعلم الشرعي، ومن يشتغل بالأذان، ونحو هذا. فهل يأخذ هؤلاء من الزكاة؟
نقول: كل من رصدت لهم أرزاق، أو مرتبات تكفيهم فلا يحل لهم الأخذ من الزكاة، ولا يعطون منها.
стр. 3536
* قوله: (مِمَّنِ الْمَنْفَعَةُ بِهِمْ عَامَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ).
أمثلة توضح مراد المؤلف ﵀ بقوله: (مِمَّنِ الْمَنْفَعَةُ بِهِمْ عَامَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ):
يدخل في هؤلاء القضاة، والذين يشتغلون في الحِسْبة، والذين يشتغلون في خدمة الحجاج، وأمثال ذلك. فإذا لم يصرف لهؤلاء مرتب ينفقون منه على أنفسهم ويقتاتون منه ويكفيهم، فيجوز إعطاؤهم من الزكاة.
أما الأغنياء منهم غير المحتاجين، فلا يأخذون من الزكاة.
* قوله: (وَمَنْ لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ فَقِيَاسُ ذَلِكَ عِنْدَهُ: هُوَ أَنْ لَا تَجُوزَ لِغَنِيِّ أَصْلًا. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ هَلِ الْعِلَّةُ فِي إِيجَابِ الصَّدَقَةِ لِلْأَصْنَافِ الْمَذْكُورِينَ هُوَ الْحَاجَةُ فَقَطْ، أَوِ الْحَاجَةُ وَالْمَنْفَعَةُ الْعَامَّةُ؟ فَمَنِ اعْتَبَرَ ذَلِكَ بِأَهْلِ الْحَاجَةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِمْ فِي الْآيَةِ، قَالَ: الْحَاجَةُ فَقَطْ. وَمَنْ قَالَ: الْحَاجَةُ وَالْمَنْفَعَةُ العَامَّةُ تُوجِبُ أَخْذَ الصَّدَقَةِ، اعْتَبَرَ الْمَنْفَعَةَ لِلْعَامِلِ، وَالْحَاجَةَ بِسَائِرِ الْأَصْنَافِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِمْ).
هذا أيضًا تعليل جيد من المؤلف ﵀. فسبب الخلاف: هل العِلَّة هي الحاجة؟ فنقول: تقصر الزكاة على المحتاجين فقط؟ والعِلة هي الحاجة والمنفعة أيضًا؟ فقد لا يكون الإنسان محتاجًا، لكن فيه منفعة كبيرة للإسلام، وأهله: فهل نعطيه من الزكاة؟ هذا الذي يريد المؤلف ﵀ توضيحه.
فمن وسع المقام، وجعل عِلَّة الإعطاء من الزكاة هي الحاجة والمنفعة أجاز إعطاء كليهما؛ صاحب الحاجة، ومن فيه منفعة. ومن ضيق وجعل عِلَّة الإعطاء من الزكاة هي الحاجة فقط قصر الإعطاء على صاحب الحاجة فقط، دون مَن فيه منفعة.
стр. 3537
* قولُه: (وَأَمَّا حَدُّ الْغِنَى الَّذِي يَمْنَعُ مِنَ الصَّدَقَةِ).
سؤال: ما هو حدُّ الغِنَى الذي يمنع عن الصدقة؟
هل ورد نصٌّ عن رسول اللَّه ﷺ يحدد لنا القَدْر الذي إذا وصل إليه الإنسان صار غنيًّا؟ وإذا كان دونه يكون فقيرًا؟ والجواب: لا شك أنه قد جاء في حديثٍ النصُّ على خَمسينَ دِرْهمًا (١). وجاء أيضًا في حديث آخر النصُّ على أُوقِيَة (٢). والأوقِيَة: أربعون درهمًا (٣). فهل نقف عند هذين الأَثَرين مع اختلافهما؟ فالأول قيَّدها بخمسين، والثاني بأربعين. قالوا: بل ننظر إلى الحاجة.
* قوله: (فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ: إِلَى أَنَّ الْمَانِعَ مِنَ الصَّدَقَةِ: هُوَ أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ (٤)).
يعني المؤلف ﵀ بذلك أن أقل ما ينطلق عليه اسم الغِنَى يمنع من الصدقة؛ فإذا قلنا: فلان غنيٌّ، يلزم أن ينطلق عليه هذا الاسم، ويصح وصفُه بالغنى. وعليه: فلا يُعطى من الزكاة. أما من لا يصح أن يُسمَّى غنيًّا فيُعطى من الزكاة. هذه هي وجهة الإمام الشافعي، أو هذا قول في مذهبه.
стр. 3538
* قوله: (وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ (١) إِلَى أَنَّ الْغَنِيَّ هُوَ مَالِكُ النِّصَابِ).
أما الإمام أبو حنيفة فقد حدد الغَنِيَّ بأنه من يملك النِّصاب؛ وهو مائتي درهم أو قيمتها من الذهب.
فمن ملك مائتي درهم وجَبت عليه الزكاة، وإذا وجبت عليه الزكاة، فمعنى هذا أنه يُعطِي غيره، وقد أصبح هو غنيًّا؛ فلا تدفع إليه الزكاة. ويستدل لذلك بالحديث الذي قال فيه رسول اللَّه ﷺ عن الزكاة: "تُؤْخَذُ من أغْنِيَائِهِم، وتُرَدُّ على فقَرائِهِمْ" (٢). وقد بيَّن رسول اللَّه ﷺ في حديث أن مَن ملك مائتي درهم، أو عشرين مِثقالًا: فإن الزكاة واجبة عليه (٣).
فمعنى هذا: أن مالك النِّصاب غنيٌّ؛ فلا يجوز أن نعطيه من الزكاة.
* قوله: (لِأَنَّهُمُ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ النَّبِيُّ ﵊ أَغْنِيَاءَ؛ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ لَهُ: "فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ" (٤)).
فقد أطلق اسم الغنيِّ على كل من ملك نِصابًا، سواء أكان في أدنى حدٍّ، أم بلغت أمواله قدْرًا كبيرًا.
стр. 3539
* قوله: (وَإِذَا كَانَ الْأَغْنِيَاءُ هُمْ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ النِّصَابِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْفُقَرَاءُ ضِدَّهُمْ).
يريد الإمام أبو حنيفة (١) أن يقول: إن حد الغنى يبدأ بملك النِصاب، وهو مائتا درهم، أو ما يقابلها، فمن ملك مائتا درهم، أو أكثر فهو غني، ومن كان دون ذلك فليس بغني، بل يكون فقيرًا أو مسكينًا.
وسيأتي التفريق بين الفقير وبين المسكين، إن شاء اللَّه.
* قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ فِي ذَلِكَ حَدٌّ).
هذا الكلام من المؤلف ﵀ غريب في حقيقة الأمر؛ ولذلك رأينا أن المالكية لا يُعوِّلون كثيرًا على هذا الكتاب، ولا يرونه مرجعًا من أمهات مراجعهم المعروفة في مذهب الإمام مالك، فالمشهور في كتب المالكية أن الإمام مالكًا ﵀ قيَّد ذلك بالحاجة (٢).
стр. 3540
فمن يملك ما يكفيه لحاجته فهو الغنيُّ، وعليه: فلا يُعطَى من الزكاة، ومن لا يملك ما يكفيه لحاجته فهو الفقير، وعليه: فيُعطى من الزكاة، وبعض الروايات قيدت ذلك في العام.
أما زَعْم المؤلف ﵀ أن الإمام مالكًا لم يجعل لذلك حدًّا، فهذا يحتاج إلى تبين، ولعله قول في المذهب (١)، واللَّه أعلم.
* قوله: (إِنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ إِلَى الِاجْتِهَادِ).
الواقع أن الإمام مالكًا حدد -كما بيَّنا- وقيد ذلك بالحاجة، فمن كانت له حاجة فيأخذ من الزكاة، ومن ليست له حاجة فلا يحل له الأخذ، فمن ملك ما يكفيه، فهذا لا يأخذ، ومن كان دون ذلك، فيأخذ.
وقد اختلف العلماء في قاعدة أن يجد ما يكفيه: فهل يلزم أن يجد ما يكفيه لعام واحد؟ أو يلزم أن يجد ما يكفيه على الدوام؟ هذا أيضًا محل خلاف بينهم:
(١) فبعضهم يقول: يأخذ ما يكفيه لعام (٢).