* قوله: (مِمَّنِ الْمَنْفَعَةُ بِهِمْ عَامَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ).
أمثلة توضح مراد المؤلف ﵀ بقوله: (مِمَّنِ الْمَنْفَعَةُ بِهِمْ عَامَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ):
يدخل في هؤلاء القضاة، والذين يشتغلون في الحِسْبة، والذين يشتغلون في خدمة الحجاج، وأمثال ذلك. فإذا لم يصرف لهؤلاء مرتب ينفقون منه على أنفسهم ويقتاتون منه ويكفيهم، فيجوز إعطاؤهم من الزكاة.
أما الأغنياء منهم غير المحتاجين، فلا يأخذون من الزكاة.
* قوله: (وَمَنْ لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ فَقِيَاسُ ذَلِكَ عِنْدَهُ: هُوَ أَنْ لَا تَجُوزَ لِغَنِيِّ أَصْلًا. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ هَلِ الْعِلَّةُ فِي إِيجَابِ الصَّدَقَةِ لِلْأَصْنَافِ الْمَذْكُورِينَ هُوَ الْحَاجَةُ فَقَطْ، أَوِ الْحَاجَةُ وَالْمَنْفَعَةُ الْعَامَّةُ؟ فَمَنِ اعْتَبَرَ ذَلِكَ بِأَهْلِ الْحَاجَةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِمْ فِي الْآيَةِ، قَالَ: الْحَاجَةُ فَقَطْ. وَمَنْ قَالَ: الْحَاجَةُ وَالْمَنْفَعَةُ العَامَّةُ تُوجِبُ أَخْذَ الصَّدَقَةِ، اعْتَبَرَ الْمَنْفَعَةَ لِلْعَامِلِ، وَالْحَاجَةَ بِسَائِرِ الْأَصْنَافِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِمْ).
هذا أيضًا تعليل جيد من المؤلف ﵀. فسبب الخلاف: هل العِلَّة هي الحاجة؟ فنقول: تقصر الزكاة على المحتاجين فقط؟ والعِلة هي الحاجة والمنفعة أيضًا؟ فقد لا يكون الإنسان محتاجًا، لكن فيه منفعة كبيرة للإسلام، وأهله: فهل نعطيه من الزكاة؟ هذا الذي يريد المؤلف ﵀ توضيحه.
فمن وسع المقام، وجعل عِلَّة الإعطاء من الزكاة هي الحاجة والمنفعة أجاز إعطاء كليهما؛ صاحب الحاجة، ومن فيه منفعة. ومن ضيق وجعل عِلَّة الإعطاء من الزكاة هي الحاجة فقط قصر الإعطاء على صاحب الحاجة فقط، دون مَن فيه منفعة.
стр. 3537
* قولُه: (وَأَمَّا حَدُّ الْغِنَى الَّذِي يَمْنَعُ مِنَ الصَّدَقَةِ).
سؤال: ما هو حدُّ الغِنَى الذي يمنع عن الصدقة؟
هل ورد نصٌّ عن رسول اللَّه ﷺ يحدد لنا القَدْر الذي إذا وصل إليه الإنسان صار غنيًّا؟ وإذا كان دونه يكون فقيرًا؟ والجواب: لا شك أنه قد جاء في حديثٍ النصُّ على خَمسينَ دِرْهمًا (١). وجاء أيضًا في حديث آخر النصُّ على أُوقِيَة (٢). والأوقِيَة: أربعون درهمًا (٣). فهل نقف عند هذين الأَثَرين مع اختلافهما؟ فالأول قيَّدها بخمسين، والثاني بأربعين. قالوا: بل ننظر إلى الحاجة.
* قوله: (فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ: إِلَى أَنَّ الْمَانِعَ مِنَ الصَّدَقَةِ: هُوَ أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ (٤)).
يعني المؤلف ﵀ بذلك أن أقل ما ينطلق عليه اسم الغِنَى يمنع من الصدقة؛ فإذا قلنا: فلان غنيٌّ، يلزم أن ينطلق عليه هذا الاسم، ويصح وصفُه بالغنى. وعليه: فلا يُعطى من الزكاة. أما من لا يصح أن يُسمَّى غنيًّا فيُعطى من الزكاة. هذه هي وجهة الإمام الشافعي، أو هذا قول في مذهبه.
стр. 3538
* قوله: (وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ (١) إِلَى أَنَّ الْغَنِيَّ هُوَ مَالِكُ النِّصَابِ).
أما الإمام أبو حنيفة فقد حدد الغَنِيَّ بأنه من يملك النِّصاب؛ وهو مائتي درهم أو قيمتها من الذهب.
فمن ملك مائتي درهم وجَبت عليه الزكاة، وإذا وجبت عليه الزكاة، فمعنى هذا أنه يُعطِي غيره، وقد أصبح هو غنيًّا؛ فلا تدفع إليه الزكاة. ويستدل لذلك بالحديث الذي قال فيه رسول اللَّه ﷺ عن الزكاة: "تُؤْخَذُ من أغْنِيَائِهِم، وتُرَدُّ على فقَرائِهِمْ" (٢). وقد بيَّن رسول اللَّه ﷺ في حديث أن مَن ملك مائتي درهم، أو عشرين مِثقالًا: فإن الزكاة واجبة عليه (٣).
فمعنى هذا: أن مالك النِّصاب غنيٌّ؛ فلا يجوز أن نعطيه من الزكاة.
* قوله: (لِأَنَّهُمُ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ النَّبِيُّ ﵊ أَغْنِيَاءَ؛ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ لَهُ: "فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ" (٤)).
فقد أطلق اسم الغنيِّ على كل من ملك نِصابًا، سواء أكان في أدنى حدٍّ، أم بلغت أمواله قدْرًا كبيرًا.
стр. 3539
* قوله: (وَإِذَا كَانَ الْأَغْنِيَاءُ هُمْ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ النِّصَابِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْفُقَرَاءُ ضِدَّهُمْ).
يريد الإمام أبو حنيفة (١) أن يقول: إن حد الغنى يبدأ بملك النِصاب، وهو مائتا درهم، أو ما يقابلها، فمن ملك مائتا درهم، أو أكثر فهو غني، ومن كان دون ذلك فليس بغني، بل يكون فقيرًا أو مسكينًا.
وسيأتي التفريق بين الفقير وبين المسكين، إن شاء اللَّه.
* قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ فِي ذَلِكَ حَدٌّ).
هذا الكلام من المؤلف ﵀ غريب في حقيقة الأمر؛ ولذلك رأينا أن المالكية لا يُعوِّلون كثيرًا على هذا الكتاب، ولا يرونه مرجعًا من أمهات مراجعهم المعروفة في مذهب الإمام مالك، فالمشهور في كتب المالكية أن الإمام مالكًا ﵀ قيَّد ذلك بالحاجة (٢).
стр. 3540
فمن يملك ما يكفيه لحاجته فهو الغنيُّ، وعليه: فلا يُعطَى من الزكاة، ومن لا يملك ما يكفيه لحاجته فهو الفقير، وعليه: فيُعطى من الزكاة، وبعض الروايات قيدت ذلك في العام.
أما زَعْم المؤلف ﵀ أن الإمام مالكًا لم يجعل لذلك حدًّا، فهذا يحتاج إلى تبين، ولعله قول في المذهب (١)، واللَّه أعلم.
* قوله: (إِنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ إِلَى الِاجْتِهَادِ).
الواقع أن الإمام مالكًا حدد -كما بيَّنا- وقيد ذلك بالحاجة، فمن كانت له حاجة فيأخذ من الزكاة، ومن ليست له حاجة فلا يحل له الأخذ، فمن ملك ما يكفيه، فهذا لا يأخذ، ومن كان دون ذلك، فيأخذ.
وقد اختلف العلماء في قاعدة أن يجد ما يكفيه: فهل يلزم أن يجد ما يكفيه لعام واحد؟ أو يلزم أن يجد ما يكفيه على الدوام؟ هذا أيضًا محل خلاف بينهم:
(١) فبعضهم يقول: يأخذ ما يكفيه لعام (٢).
стр. 3541
(٢) وبعضهم قال: يأخذ ما يكفيه على الدوام، كالشافعية (١). فالشافعية دائمًا يقولون: يأخذ ما يكفيه على الدوام.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلِ الْغِنَى الْمَانِعُ).
لم يستوف المؤلف ﵀ أقوال المذاهب في هذا الأمر، ولم يذكر مذهب الإمام أحمد (٢).
فالإمام أحمد يرى أن من ملك خمسين درهمًا فهو غنيٌّ، ومن كان دون ذلك فليس بغنيٍّ، وله أن يأخذ من الزكاة.
وقد جاء في مذهب الإمام مالك (٣) -كما في رواية- بأن حد الغني الذي يجد ما يكفيه، وأن الفقير هو الذي لا يجد ما يكفيه؛ أي: الذي يجد شيئًا لا يقع موقعًا من كفايته، يعني يجد مالًا لكنه لا يقع موقعًا من كفايته.
* قوله: (هُوَ مَعْنًى شَرْعِيٌّ، أَمْ مَعْنًى لغَوِيٌّ؟).
يريد المؤلف ﵀ أن يقول: هل هذا المَلْحَظ الذي لوحظ في الغنى شرعيٌّ، أو لغويٌّ؟
* قوله: (فَمَنْ قَالَ: مَعْنًى شَرْعِيٌّ (٤). قَالَ: وُجُوبُ النِّصَابِ (٥) هُوَ الْغِنَى).
стр. 3542
فمن قال: هو معنًى شرعيٌّ جعل حد الغني من ملك خمسين درهمًا (١)؛ لأن هذا المقدار الغني قد ورد فيه نصٌّ كما سبق في الحديث الذي رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي، والدارقطني، والطحاوي، والحاكم، وغيرهم.
وبيَّنا أن له عِدَّة طرق، هو بمجموعها صالح للاحتجاج به، فهذا الحديث ثبت عن رسول اللَّه ﷺ ، وقد صححه العلماء، فلأَجْلِه ذهب هؤلاء إلى أن معنى الغِنَى شرعي. ومع أن المؤلف سيذكر هذا الحديث فإنه ما ذكر هذا القول، وإنما أجَّل الكلام فيه. وقد جاء حدُّ الغِنى في أثرٍ آخر بأوقية وهي أربعين درهمًا (٢).
* قوله: (وَمَنْ قَالَ: مَعْنًى لُغَوِيٌّ. اعْتَبَرَ فِي ذَلِكَ أَقَلَّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ).
من اعتبر معنى الغنى شرعي قال: نقف عند حدود الشرع؛ فهو الذي حدَّد لنا نِصابًا، وبيَّن أن من ملكه تجب عليه الزكاة، ومفهوم ذلك أنه غني، وما دون ذلك المفهوم الشرعي، فليس بغني.
ولكن إذا جئنا إلى اللغة، ونظرنا إلى مصطلح الغنى لغويًّا؛ لنعرف من الذي يُسمَّى غنيًّا، الذي لا يُسمَّى غنيًّا: فهل الغني هو الذي يجد ما يكفيه؟ أو هو الذي يجد بعض ما يكفيه؟
إذًا فهناك تعليلات عِدَّة تتعلق بالمعنى اللغوي، وهذا هو مراد المؤلف ﵀ بهذه العبارة.
* قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّ أَقَلَّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ هُوَ مَحْدُودٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَفِي كُلِّ شَخْصٍ جَعَلَ حَدَّهُ هَذَا. وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ غَيْرُ مَحْدُودٍ،
стр. 3543
وَأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْحَالَاتِ، وَالْحَاجَاتِ، وَالْأَشْخَاصِ، وَالْأَمْكِنَةِ، وَالْأَزْمِنَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، قَالَ: هُوَ غَيْرُ مَحْدُودٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى الِاجْتِهَادِ).
ذكرنا فيما سبق أنه ليس القصد بالفقير هو الذي لا يجد شيئًا مطلقًا، كما يعرفه البعض، فقد قال بعضهم: الفقير هو الذي لا يجد شيئًا، أو لا مالَ له، فلفظة (لا) هنا نافية للجنس. وبعضهم يقول: الفقير هو من لا كَسْبَ له. وقال آخرون: الفقير هو الذي لا يجد موقِعًا لكفايته، ولا يكفيه ما معه، وأن المسكين: هو الذي يجد موقعًا من كفايته، لكن لا يكفي أيضًا، فالمسكين على هذا القول أحسن حالًا من الفقير (١).
وقد اختلف العلماء في الفرق بين الفقير والمسكين:
فبعضهم قال: إذا كان الفقير يحتاج في مصروفه المتوسط -دون سرفٍ ولا تبذير- إلى عشرة ريالاتٍ مثلًا، ولا يجد إلا ريالين أو ثلاثة، فهذا نسميه فقيرًا، وإن وجد خمسة أو ستة أو سبعة، فهذا نسميه مسكينًا. فالمسكين أحسن حالًا، عند من يرى أن الفقير أشدُّ فقرًا من المسكين. وقد عكس بعض العلماء ذلك، وضرب لذلك أمثلة.
* قوله: (وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ، فِي حَدِيث الْغِنَى (٢) الَّذِي يَمْنَعُ الصَّدَقَةَ).
هذا الحديث جاء في قصة الرجل الذي كان يمنع الصدقة (٣)، فلما سُئل رسول اللَّه ﷺ عن الغِنى، قال: "خمسين درهمًا". وهذا في قصة الرجل الذي يَسأل.
стр. 3544
وكذلك أيضًا في قصة الرجل الذي له مال، ولم يدفع الصدقة، فقد جاء في آخره: أن أحد الصحابة سأل رسول اللَّه ﷺ : ما الغِنى؟ قال: "خمسون درهمًا" (١). فهذا نص عن رسول اللَّه ﷺ في بيان من هو الغني: فهل نقف عنده؟ وقد جاء في حديث آخر تحديد مقدار الغِنَى بأنه أوقية (٢)، وهي أربعون درهمًا، فهل هذا تحديد؟ أو بيان لحالة من حالات الفقر؟
وإنه -في واقع الأمر- عندما نلقي نظرة سريعة على أسرار هذه الشريعة وحِكَمها نجد أن الأقرب في ذلك هو مراعاة الحاجة، وهذا -كما ذكر المؤلف ﵀ يختلف باختلاف الناس، واختلاف أحوالهم وقضاياهم، ولذلك نقول: الإنسان الذي عنده شيء من المال، ولا يكفيه لحاجته نسميه فقيرًا، ولو كان يملك خمسين درهمًا: فماذا تفعل له في هذا الزمن؟ فهي لا تكفيه، بل ربما لا تكفيه ليوم واحد، فقد يكون صاحب عيال، وعنده جمعٌ من الناس ينفق عليهم، وعليه مسؤولية مالية عظيمة، فهل تكفيه هذه الخمسون من الدراهم؟! وليس معنى هذا في الحقيقة أننا نرد حديث رسول اللَّه ﷺ ، فحديث رسول اللَّه ﷺ على العين والرأس، وإنما الأحوال تختلف باختلاف الناس، وباختلاف الأزمنة، والأمكنة: فهل ما كان يصلح في عصر رسول اللَّه ﷺ يصلح في وقتنا الآن؟ بالطبع لا. فقد تغيرت الأمور، وعظمت المسؤوليات، وتعددت وتنوعت وارتفعت الأسعار، فكان لا بد أن نلاحظ أحوال الناس، وحاجاتهم، فاقتضى هذا الأمر أن نقدر حد الغِنى بالحاجة، فقد نجد إنسانًا يملك خمسين درهمًا، وربما أكثر من ذلك، ولا تفيده شيئًا الآن، لكن لو وجد إنسان له دخل يوميٌّ؛ بأن يكون يعمل في مصنع، أو في حرفة؛ في حِدادة، أو في نجارة، أو في حياكة، أو غير ذلك، ويحصل من خلال ذلك على مالٍ يوميًّا يصل به إلى حد الكَفاف له ولأولاده، فهذا بلا شك ليس بفقير.
стр. 3545
ونشير هنا إلى أنه قد وردت رواية عن الإمام أحمد تدل على هذا المعنى (١). فالحنابلة لهم رواية يتفقون فيها مع المالكية؛ بأنه ينبغي أن يُقدَّر ذلك بالحاجة. فالغني: هو الذي يكون عنده ما يكفيه، والفقير: هو الذي لا يجد ما يكفيه. فالذي لا يجد ما يكفيه، نعطيه من الزكاة. والناس يختلفون باختلاف أحوالهم، وليس كل الناس على نسَقٍ واحد. ولا نكون بذلك قد عارضنا ما ورد في حد الغِنى من آثار؛ لكوننا أيضًا قد نظرنا إلى رُوح الشريعة، ومراعاتها لمصالح الناس. فهذه الشريعة شريعة خالدة، وضعت لتحل مشاكل الناس في كل زمان ومكان.
* قوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّهُ مِلْكُ خَمْسِينَ دِرْهَمًا" (٢)).
فالغِنى الذي يمنع الصدقة هو الذي أشرنا إليه فيما سبق، والمؤلف ﵀ أشار إلى جزء من الحديث، ونص الحديث أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مَنْ سَأَلَ النَّاسَ، وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَسْأَلَتُهُ فِي وَجْهِهِ خُمُوشٌ، أَوْ خُدُوشٌ، أَوْ كُدُوحٌ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا يُغْنِيهِ؟ ثم سُئل رسول اللَّه ﷺ : ما الغِنى؟ فقال: "خَمْسُونَ دِرْهَمًا، أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ" (٣).
* قوله: (وَفِي أَثَرٍ آخَرَ: "أَنَّهُ مِلْكُ أُوقِيَّةٍ". وَهِيَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا).
هذه رواية الأربعين، وقد سبقت رواية الخمسين، وعليها فمن ملك خمسين درهمًا، فقد وصل إلى حد الغِنى، وبذلك قال الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه. ونقل ذلك عن الثوري، وعن النخعي، وعن بعض التابعين.
стр. 3546
* قوله: (وَأَحْسَبُ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا بِهَذِهِ الْآثَارِ فِي حَدِّ الْغِنَى).
هذا القول هو قول الإمام أحمد (١) -كما قلنا- وقال به أيضًا الثوري. وأظن أن المؤلف ﵀ أشار إليه، وكذلك النخعي.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي صِفَةِ الْفَقِيرِ، وَالْمِسْكِينِ، وَالْفَصْلِ الَّذِي بَيْنَهُمَا).
يريد المؤلف ﵀ أن يعرض لنا الفرق بين المسكين، وبين الفقير، أو هما بمعنى واحد.
فالآية الكريمة التي حددت الأصناف الثمانية التي تصرف فيها الزكاة قد ذكرت الفقير، والمسكين: فهل يجتمعان في وصف واحد؟ أو هما مختلفان؛ لتفريق الآية بينهما؟ فهل أحدهما في درجة، ويليه الآخر في درجة أخرى؟ وعلى القول بأنهما فى درجتين: فأيهما أشد حاجة؟ أهو الفقير الذي بدأ اللَّه به والمعروف من عادة العرب أنها لا تبدأ إلا بالأهم؟ أو هو المسكين؟ هذا ما سنتكلم عنه، إن شاء اللَّه.
* قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: الْفَقِيرُ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْمِسْكِينِ).
لقد قال اللَّه : ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)﴾ [البقرة: ٢٧٣]. هذه الآية -كما هو معلوم- تتحدث عن
стр. 3547
المهاجرين، الذين هجروا أوطانهم، وديارهم، وأموالهم في سبيل اللَّه وتركوا ذلك كله ابتغاء مرضاة اللَّه ، وامتثالًا لأمر رسوله ﷺ .
وهم كذلك أيضًا وقفوا أنفسهم في الجهاد في سبيل اللَّه ، وفي الدفاع عن دين اللَّه، ولذلك قال اللَّه : ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾؛ أي: إن هذه الصدقة المقصودة -وهي الزكاة- تعطَى ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾.
و ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: أنهم وضعوا أنفسهم في الجهاد في سبيل اللَّه.
﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: لا يستطيعون السفر؛ لأن الضرب في الأرض إنما هو السفر، بمعنى: أن الجهاد شغلهم عن أن يشتغلوا بالتجارة، فلا يضربون في الأرض؛ بُغْيةَ الوصول إلى المال، والحصول عليه. ومما يدل على أن الضرب في الأرض هو السفر:
١ - قول اللَّه في آية القصر: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]. فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: سافرتم.
٢ - وقول اللَّه أيضًا: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]. فالشاهد من آية سورة البقرة أن هؤلاء الفقراء الذين وضعوا أنفسهم في الجهاد في سبيل اللَّه تعالى قد انشغلوا بطاعة اللَّه فلم تكن لديهم فرصة بأن يضربوا في الأرض، كغيرهم يبتغون الفضل من اللَّه فيما يتعلق بأمور الدنيا، فهؤلاء يُعطَون من الزكاة.
﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾، يعني: من ينظر إليهم، وهو لا يعرف أحوالهم، فإنه يظنهم أغنياء؛ لما يظهر عليهم من الصفات، وذلك لما يلي:
١ - لأنهم يتعففون، ويترفعون عن المسألة.
٢ - ولو قُدِّر أنهم سألوا -عندما يضطرون إلى ذلك- فهم لا يُلحُّون في المسألة؛ ولذا قال اللَّه : ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، لما
стр. 3548
اتصفوا به من التعفف وعزة النفس، وعدم إظهار الحاجة للمخلوقين، وإنما يظهرون حاجتهم للَّه وحده.
فهذا وصف للمهاجرين الذين تركوا أموالهم، وخرجوا ابتغاء مرضات اللَّه مهاجرين في سبيله، فلا أموال لهم، فقد وصفهم اللَّه تعالى بالفقر حيث قال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾. فهذه الآية الكريمة قد استدل بها من ذهب إلى أن صفة الفقر أشد من صفة المسكنة.
وهذا هو مذهب الإمام الشافعي، والإمام أحمد، كما هو معلوم.
فالشافعية (١) والحنابلة (٢) قالوا: إن درجة الفقير أشد حاجة من درجة المسكين، وهي تسبقها.
وذلك لما يلي:
١ - لأن اللَّه بدأ بالفقراء في آية سورة التوبة وقدَّمهم على بقية الأصناف التي تصرف فيها الزكاة، والقرآن الكريم قد نزل بلغة العرب، فقد أنزله اللَّه عربي مبين، فما بدأ اللَّه تعالى بالفقراء إلا لغاية، وحكمة وهو أنهم أشد الأصناف حاجة.
٢ - واستدلوا أيضًا بالآية الكريمة في سورة البقرة، والتي وصف اللَّه فيها الفقراء بأنهم أحصروا في سبيل اللَّه. . إلخ، فهذا يدل على شدة حاجتهم، وأنهم أشد حاجة من غيرهم.
стр. 3549
٣ - واستدلوا أيضًا بأن مصطلح الفقير مأخوذ من معنى "مفقور"، كأنه فَقَدَ فقْرةً من فَقَرات ظهره، فحلَّ به العجزُ، بخلاف المسكين.
٤ - واستدلوا أيضًا بأن الفقير لا يجد شيئًا أصلًا، وإن وجد شيئًا فهو قليل لا يكفيه، ولا يقوم بمؤنته، ومؤنة أولاده. قالوا: الفقير لا يخلو من حالات:
الحالة الأولى: ألا يجد مالًا أصلًا.
الحالة الثانية: ألا يكون له كسب، ولا عمل، ولا حرفة.
الحالة الثالثة: أن يجد شيئًا، ولكن لا يقع موقعًا من كفايته.
وسبق أن ذكرنا بأن بعض العلماء مثَّل لذلك؛ فقال: إذا كانت حاجته عشرة دراهم، ووجد درهمين، أو ثلاثة فهو فقير؛ لأن هذا قليل بالنسبة لحاجته، ولكن لو وجد نصف حاجته كخمسة دراهم، أو يزيد قليلًا هذا نسميه مسكينًا، وهو بذلك درجةً من الفقير، واستدلوا على ذلك بقول اللَّه: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩]. قالوا: فاللَّه ذكر المساكين وبيَّن أن لهم سفينة، والسفينة لا شك أنها تساوي قدْرًا من المال.
وذهب آخرون -ومنهم المالكية (١)، وإن كان في مذهبهم خلاف، والحنفية (٢) - إلى أن المسكين أشد حاجةً من الفقير.
стр. 3550
واستدلوا على ذلك بما يلي:
(١) بقول اللَّه : ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ [البلد: ١٤ - ١٦].
حيث وصف اللَّه المسكين بأنه وصل إلى حد، كأنه ألصق جلده بالتراب من الحاجة؛ لذا فهو أشد حاجة من الفقير.
وقد اختلف أهل اللغة أيضًا في الفرق بين الفقير والمسكين:
(١) فبعض أهل اللغة يجعل المسكين أشد حاجة.
(٢) وبعضهم يجعل الفقير أشد.
ومهما يكن من أمر، فالفقير والمسكين قد عدَّهما اللَّه من الأصناف التي تُدفع إليها الزكاة، فسواء قِيل بأنهما صنف واحد -وهي رواية في مذهب الشافعي (١)، ورواية في مذهب مالك (٢) أيضًا- أو بأنهما مفترقان، لكن النهاية هما لفظان أو مصطلحان إذا اجتمعا افترقا. وإذا افترقا اجتمعا، كالحال بالنسبة للإسلام، والإيمان.
ففي حديث جبريل ﵇ عندما جاء إلى رسول اللَّه ﷺ في الحديث الذي رواه عمر ابن الخطاب ﵁ حيث قال: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى
стр. 3551
النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا". قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ! قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ. قَالَ: "أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ". قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ. قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ: فَإِنَّهُ يَرَاكَ". قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ. قَالَ: "مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ". قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا. قَالَ: "أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ". ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: "يَا عُمَرُ، أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ " قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "هَذَا جِبْرِيلُ، أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ" (١).
ففرَّق هنا بين الإسلام والإيمان. لكننا عندما نتتبع نصوص القرآن، والسنة نجد أن الإسلام ينوب عن الإيمان، وأن الإيمان ينوب عن الإسلام إذا افترقا.
ولا شك أن أعلى المراتب هو الإحسان؛ لأنه قال له في تعريفه: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ: فَإِنَّهُ يَرَاكَ". أما الإيمان فيأتي في المرتبة الثانية، ويأتي الإسلام في المرتبة الأولى. فكذلك هنا مع الفقير، والمسكين إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا (٢). والخلاف هنا بينهما قد لا تكون له ثمرة كبيرة. وإنما قد تظهر الثمرة أكثر في
стр. 3552
حالة لو أوصى إنسانٌ للفقراء: فهل يدخل فيهم المساكين أو لا؟
ولو أوصى للمساكين: فهل يدخل في ذلك الفقراء أو لا؟ وأما عند السعة فهذا صنف تدفع له الزكاة، وذاك صنف تدفع له الزكاة أيضًا. وما حمل العلماء على هذا التحقيق، ودفعهم إلى هذا الاختلاف إلا بغية الوصول إلى بيان أحكام هذه الشريعة، فجزاهم اللَّه خيرًا.
* قوله: (وَبِهِ قَالَ الْبَغْدَادِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ).
يفهم من قول هؤلاء بأن الفَقِير أَحْسَنُ حَالًا مِن المِسكِينِ، وأن المسكين أشد حاجة من الفقير؛ فالمسكين عند هؤلاء في الدرجة الأولى من العِوَز.
وننبه هنا على أن المالكية ليسوا كلهم متفقين على هذا القول.
* قوله: (وَقَالَ آخَرُونَ: الْمِسْكِينُ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْفَقِيرِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ (١)).
هذا حقيقةً ليس مذهب الإمام أبي حنيفة، فقد عكس المؤلف الأمر هنا؛ فالإمام أبو حنيفة مذهبه موافق لمذهب الإمام مالك، فكلاهما يرى أن الفقير أحسن حالًا من المسكين، وأهون منه، وأن المسكين أشد حاجة. وإنما هذا مذهب الإمام الشافعي، والإمام أحمد أيضًا، فكلاهما يرى أن الْمِسْكِين أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْفَقِيرِ. فالشافعية والحنابلة متفقان على هذا، إذا صرفنا النظر عن الخلاف داخل المذهبين.
* قوله: (وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ (٢)).
أما الإمام الشافعي فهذا قوله المشهور، والمعمول به في مذهبه، وهو أيضًا قول الإمام أحمد.
стр. 3553
* قوله: (وَفِي قَوْلِهِ الثَّانِي) (١).
الضمير هنا يرجع إلى الإمام الشافعي، وليس إلى الإمام أبي حنيفة، فهذا قول في المذهب الشافعي.
* قوله: (أَنَّهُمَا اسْمَانِ دَالَّانِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ).
لكن ليس هذا القول هو المعروف والمعمول به في مذهب الإمام الشافعي، وإنما القول المعمول به والمعتد به، والذي أخذ به المتقدمون والمتأخرون من الشافعية فهو أن الفقير أشد حاجةً من المسكين (٢).
* قوله: (وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ) (٣).
يعني إلى هذا القول ذهب الإمام ابن القاسم؛ وهو من علماء المالكية. وبه نعلم أن في داخل المذهب المالكي خلافًا في الفرق بين الفقير والمسكين، وأن علماء المالكية لم يلتقوا عند قولٍ واحد.
فالإمام ابن القاسم يؤيد أن الفقير والمسكين شيء واحد، وأنهما في رتبة واحدة.
* قوله: (وَهَذَا النَّظَرُ هُوَ لُغَوِيٌّ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ دَلَالَةٌ شَرْعِيَّةٌ).
لقد بينا -فيما سبق- الدلالات، والأدلة التي يستدل بها كل فريق، وللَّه الحمد.
* قوله: (وَالْأَشْبَهُ عِنْدَ اسْتِقْرَاءِ اللُّغَةِ أَنْ يَكُونَا اسْمَيْنِ دَالَّيْنِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، يَخْتَلِفُ بِالْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لَا أَنَّ هَذَا
стр. 3554
رَاتِبٌ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى قَدْرٍ غَيْرِ الْقَدْرِ الَّذِي الْآخَرُ رَاتِبٌ عَلَيْهِ).
يريد المؤلف أن يقول: إن الاختلاف في التسمية فقط، فإذا ذكرنا الفقير فيدخل المسكين ضِمْنة، وإذا ذكرنا المسكين فيدخل الفقير ضِمْنه أيضًا. فهذا الاختلاف إنما هو لغوي لا شرعي، وبين مصطلحين لغويين.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧]).
بعد أن انتهى المؤلف ﵀ مما يتعلق بالفقراء، ومما يتعلق بالمساكين أيضًا -وسيعود مرة أخرى؛ ليتكلم عما يُعطَى كل واحد من أصحاب هذه الأصناف الثمانية- انتقل هنا إلى الحديث عن صنف "الرِّقاب". فمن هم هؤلاء؟ الجواب فيما يأتي من كلام المؤلف ﵀.
* قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: هُمُ الْعَبِيدُ يُعْتِقُهُمُ الْإِمَامُ، وَيَكُونُ وَلَاؤُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ) (١).
عرَّفهم الإمام مالك بقوله: هم العبيد -يعني المملوكين- يُعْتِقُهُمُ الْإِمَامُ من هذه الأموال المخصصة للزكاة، وَيَكُونُ وَلَاؤُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ. وأما أكثر الفقهاء (٢) فعرَّفوهم بأنهم المكاتَبون.
стр. 3555
والمكاتب (١) -كما نعلم-: هو الذي يأتي إلى سيده، فيطلب منه أن يعتقه على نجوم، بمعنى: أن يوافق على عتقه على أن يدفع له قيمة عتقه، ويُقسِّط ذلك عليه أقساطًا، فهذا ما يُعرَف بالنُّجوم.
فالمكاتب: هو الذي يريد أن يعتقه سيده بمقابل. وقد حضت الشريعة الإسلامية -كما نعلم- على إعتاق الرقاب، ودفعت المسلمين إلى ذلك، حتى إن من أعتق شِقْصًا له في شخص فإن ذلك يَسْري إلى بقيته -إن كان
стр. 3556
ذا مال- كما جاء في الحديث الصحيح (١).
فأصحاب الرقاب هم العبيد يعتقهم الإمام -على قول الإمام مالك- أو هم المكاتبون، على قول أكثر الفقهاء. فهؤلاء يدفع إليهم من مال الزكاة، ليسددوا النجوم، يعني: الأقساط التي عليهم.
والسؤال: هل دَفْع مال الزكاة إلى المكاتَب خاصٌّ بحالة عجزه عن التسديد؟ أو أنه على الإطلاق؟
نقول: هذه المسألة فيها كلام للفقهاء، والصحيح: أنه يُعانُ؛ لأن في ذلك تعجيلًا لعتقه؛ أي: لكامل عتقه؛ لأنه -كما نعلم- لو عجز المكاتَب عن أن يسدد ما عليه من نجوم، فإنه يعود مملوكًا.
فإذا دُفع إليه المال في هذه الحالة فإنه سيحرره في وقت أقصر، وهذا ما تَرُومه الشريعة الإسلامية، وتسعى إليه.
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٣): هُمُ الْمُكَاتَبُونَ).
وقال بذلك أيضًا الإمامُ أحمد (٤). وقد أجاز الحنابلة أن يشتري الإنسان بهذا المال عبيدًا فيعتقهم (٥).
стр. 3557
وقال ذلك أيضًا الإمام مالكًا (١). ولكن الحنابلة خالفوا الإمام مالك، في تفسير أصحاب الرقاب.
* قوله: (وَابْنُ السَّبِيلِ هُوَ -عِنْدَهُمُ-: الْمُسَافِرُ فِي طَاعَةٍ).
قفز المؤلف إلى صنف (ابن السبيل) فتكلم عليه قبل الكلام على صنف في (سبيل اللَّه). فمن هو ابن السبيل؟ قال بعضهم: هو المسافر. وقال آخرون: بل هو المجاهد.
وعلى فرض أن المراد بـ (ابن السبيل) هو المسافر: فهل يشترط في هذا المسافر الذي يعطَى من مال الزكاة أن يكون مستمرًا في سفره؟ بحيث لو انتهت نفقته، أو ضاعت عليه، أو سرقت منه، فصار لا يجد ما ينفق على نفسه؛ فهل ابن السبيل هذا الذي هو مستمر في سفره هو الذي يعطَى من مال الزكاة؟ أو الذي يعطى من مال الزكاة هو الذي يستأنف -يعني: يبدأ- سفرًا جديدًا؟ والجواب: هذا أيضًا محل خلاف بين العلماء:
(١) بعضهم يقصره على الذي يكون في سفرٍ، فيلحقه النقص.
(٢) وبعضهم -كالشافعية (٢) - يقول: لا فرق بين أن يبدأ سفره وهو
стр. 3558
محتاج- كأن يسافر سفر طاعة، وبين أن يكون في سفرٍ، ويحصل له العجز عن النفقة.
* قوله: (يَنْفَدُ زَادُهُ).
قد عرفنا فيما مضى -عند كلامنا على ما يتعلق بقصر الصلاة- أن العلماء اختلفوا هناك في قصر الصلاة: هل هو خاص بسفر الطاعة، أو أن سفر المعصية يدخل أيضًا في ذلك؟
وبيَّنا أن جماهير العلماء (١) خصوا ذلك بسفر الطاعة؛ فقالوا: لا يجوز قصر الصلاة إلا لمن يسافر سفر طاعة، أما من يسافر سفر معصية فلا يحق له قصر الصلاة.
والخلاف هناك -كما سبق- بين الجمهور، وهم الأئمة الثلاثة، وبين أبي حنيفة (٢)؛ فالإمام أبو حنيفة يقول: إنَّ قصر الصلاة جاء مطلقًا
стр. 3559
في قول اللَّه : ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ [النساء: ١٠١].
وكذلك أيضًا الأحاديث الكثيرة التي وردت في ذلك جاءت مطلقة فتشمل كل سفر. أما جمهور العلماء فقالوا: إن لهذه الأحكام غايات، وحِكمًا، وأسرارًا، فلو رُخِّص للذي يسافر سفر معصية، وأُذِن له في قصر الصلاة، لكان في ذلك إعانة له على معصيته، وتسهيلًا له على ذلك، وهذا التسهيل قد يدفعه إلى الوصول إلى ارتكاب معصيته في وقت أسرع. وقد تكلم العلماء كذلك أيضًا عن حكم أكل المسافر المضطر للميتة: هل هو خاص بالمسافر سفر طاعة؟ أو يجوز لمن سافر سفر معصية أن يأكل منها إذا اضطر؟
فكثير من العلماء (١) قال: لا يجوز لمن سافر سفر معصية أن يأكل من الميتة ولو اضطر إليها.
стр. 3560
وعللوا ذلك بأن هذه رخصة، وقد خُصَّت بالمطيعين للَّه ، لا حقَّ للعصاة في الترخص بها.
فإذا كان يخشى على نفسه، ويريد أن يُبقي على حياته -وهو ما تحافظ عليه هذه الشريعة الإسلامية- فعليه أن يتوب من معصيته أولًا. وإلا فإذا بقي في هذه الحالة -التي يرى فيها الموت رأي العين- على معصيته: فكيف يرخَّص له في أكل الميتة حالة الاضطرار، ويسهل له في هذا الأمر؟ وإنما عليه أن ينيب إلى اللَّه ، وأن يرجع إليه، وأن يقلعَ عن معصيته، وحينئذٍ يحق له أن يأكل من هذه الميتة ما يحتاج إلى أكله، مما يدفع به الرَّمَق، ويسد به حاجته، ويدفع به عن نفسه الموت.
على كل حال نقول: هل الأخذ من الزكاة خاص بالمسافر سفر طاعة؟ أو أنه عام في كل سفر؟
(١) من العلماء من قال: هو خاص بالمسافر سفر طاعة، وكذا بمن سافر سفرًا مباحًا، كأن يكون في تجارة، فهذا يُعطى من الزكاة ما ينفق به على نفسه في سفره هذا.
(٢) وبعضهم قال: بل يجوز إعطاء المسافر سفر معصية من الزكاة.
* قوله: (فَلَا يَجِدُ مَا يُنْفِقُهُ).
ولذلك سبق أن قيد المؤلف ﵀ ذلك بسفر الطاعة؛ لأن هذا هو مذهب المالكية. وربما يكون هذا هو الذي وقف عليه. لكن لو انتقلت إلى مذهب الشافعية لوجدت إطلاقًا وقيدًا.
стр. 3561
* قوله: (وَبَعْضُهُمْ يَشْتَرِطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ ابْنُ السَّبِيلِ جَارَ الصَّدَقَةِ).
بيان المراد بعبارة (جار الصدقة)، يعني: أن يكون في البلد الذي وجبت فيه الصدقة؛ أي: الزكاة.
وتخرج فيه. وهذا الحكم متعلق بمسألة أُخرى فرعيَّة، وهي: هل يجوز أن تُخرَج الزكاة عن البلد الذي وجبت فيه، فتنقل إلى بلد آخر، وتصرف فيه؟
أو أن هذا النقل مقيد بحالة عدم وجود من يأخذ هذه الزكاة في البلد الذي وجبت فيه؟
لو نظرنا إلى قصة معاذ ﵁، وأنا متردد: هل هو المراد؟ أو أبو موسى ﵁ وإن كنت أرجح أنه معاذ، عندما أَرسل صدقته إلى عمر ﵁ فأنكر عليه عمر، وقال: أرسلناك ساعيًا، لا جابيًا.
فقد أنكر عمر ﵁ على هذا الصحابي إرساله الزكاة إلى المدينة، وبيَّن له أن هذا من فعل الجباية، وليست الزكاة جزية يأخذها فيرسلها إلى ولي الأمر، وإنما هي صدقة تُؤخَذ من الأغنياء، فترد في الفقراء، كما قال رسول اللَّه ﷺ في الحديث عن الزكاة: "تُؤخَذ من أغنيائهم، فتردُّ في فقرائهم". فرد معاذ أو أبو موسى ﵄ بأن قال لعمر ﵁: لم أجد من يأخذها في اليمن. فحينئذٍ استجاب له عمر ﵁ (١).
стр. 3562
وعليه: فإذا لم يجد الساعي الذي يجمع الزكاة من يأخذها في البلد الذي وجبت فيه، فيجوز له أن ينقلها إلى غير هذا البلد. مع أن بعض العلماء لا يُجيز إخراجها، إلى بلد آخر غير الذي وجبت فيه، مطلقًا. وهي رواية معروفة مشهورة عند الحنابلة (١)، إلا إذا لم يجد من يأخذها؛ أي: الزكاة.
وأكثر العلماء (٢) -وهم بقية الفقهاء- يجيزون نقلها إذا كانت هناك حاجة لنقلها عن البلد التي وجبت فيه.
стр. 3563
فهذا ما يتعلق بعبارة المؤلف ﵀ (وَبَعْضُهُمْ يَشْتَرِطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ ابْنُ السَّبِيلِ جَارَ الصَّدَقَةِ).
وقد قصد المؤلف ﵀ بهؤلاء الشافعية (١)، فهم الذين وضعوا هذا القيد، حيث اشترطوا لإعطاء ابْن السَّبِيلِ من الزكاة أن يكون في البلد الذي وجبت فيه الزكاة؛ ليعطى منها.
* قوله: (وَأَمَّا فِي سَبِيلِ اللَّهِ).
السؤال: من هو المراد بصنف (في سبيل اللَّه)؟
(١) فهل هو الغازي؟
(٢) أو هل هو المرابط؟
(٣) وهل يشمل الحجاج، والمعتمرين أيضًا؟
نقول: اختلف العلماء في ذلك:
(١) فمنهم: من قصره على الغزاة؛ أي: المجاهدين الذين يقاتلون.
(٢) ومنهم: من توسع في ذلك؛ وقال: يشمل من يرابط على ثَغْرٍ من ثغور الإسلام؛ لأن المرابط على ثَغْرٍ من ثغور الإسلام إنما هو في
стр. 3564
جهاد، فهو يذب عن الدولة الإسلامية، ويحمي حدودها، وبدافع عنها، ويتحمل المشقة في سبيل ذلك، فيعطى من مال الزكاة؛ لكونه في حكم الغازي.
(٣) وبعضهم توسع في ذلك أكثر، وقال: كذلك يشمل الحجاج، والمعتمرون أيضًا؛ فيجوز إعطاؤهم من الزكاة.
واستدلوا على ذلك بقصة أم معقل ﵂ وذلك عندما أوقف زوجها ﵁ بعيرًا في سبيل اللَّه، فمات، فسألت رسول اللَّه ﷺ عن الحج معه، وأخبرته أن زوجها وقف ذلك البعير -أي: تلك الناقة- على سبيل اللَّه، فأخبرها رسول اللَّه ﷺ بأن الحج في سبيل اللَّه (١).
فهذا الحديث حجة للحنابلة (٢) الذين يرون أن صنف (في سبيل اللَّه) غير مختص بالغزاة، بل يشمل الحجاج، والمعتمرون أيضًا.
(٤) ومن العلماء من قال: يجوز إعطاء من يريد أن يحج، وكذلك من يريد أن يعتمر، من الزكاة، إذا كان محتاجًا لذلك، ولا يجد ما يحج، أو يعتمر به. وبهذا القول قال بعض السلف (٣).
стр. 3565
وبمعنى آخر نقول: هل يجوز أن تدفع الزكاة لفقير فيحج بها؟ أو لفقير آخر وجبت عليه العمرة فيعتمر؟ والجواب: هذه مسألة خلافية بين العلماء، وسنعرض لها -إن شاء اللَّه تعالى- بالتفصيل عندما نبدأ في مناسك الحج.
* قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (١): سَبِيلُ اللَّهِ: مَوَاضِعُ الْجِهَادِ، وَالرِّبَاطِ. وَبِهِ قَالَ: أَبُو حَنِيفَةَ (٢).
وَقَالَ غَيْرُهُ: الْحُجَّاجُ وَالْعُمَّارُ).
فقد عمم الإمام مالك هذا الصنف -كما نرى- ولم يخصه بالغزاة المقاتلين، وهذا فهم جيد منه، فالإنسان الذي يرابط على ثغرٍ من ثغور الدولة الإسلامية هو في سبيل اللَّه أيضًا.
стр. 3566
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١): هُوَ الْغَازِي جَارُ الصَّدَقَةِ).
قد وافق الحنابلة (٢) الشافعيةَ على أن المراد بصنف (في سَبِيل اللَّهِ) هُوَ الغَازِي، لكن انفرد الشافعية بقيد (جَار الصَّدَقَةِ). وقد أدخل الحنابلة في هذا الصنف أيضًا الحجاج، والمعتمرين، واستدلوا على شمول هذا الصنف لهما بما يلي:
(١) بقصة أم معقل ﵂ كما سبق بيانه.
(٢) وبحديث آخر نص فيه رسول اللَّه ﷺ على أن الحج يدخل في سبيل اللَّه، وذلك لما سألت عائشة ﵂ رسول اللَّه ﷺ : هل على النساء من جهاد؟ قال: "عليهن جهادٌ لا قتال فيه، الحج" (٣).
стр. 3567
وفي رواية: "الحج، والعمرة" (١).
فهذا يدل على أن كلَا الحج، والعمرة جهاد؛ فمن يحج فهو في سبيل اللَّه ؛ لأنه يذهب إلى بيت اللَّه الحرام قاصدًا أداء هذا النسك، وهو أيضًا في سبيل اللَّه؛ لأنه في طاعة.
* قوله: (وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ جَارَ الصَّدَقَةِ؛ لِأَنَّ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَنْقِيلُ الصَّدَقَةِ، مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ).
هذا الإيماء من الشافعية -والذي قد ذكرناه قبل قليل- إشارة إلى الاختلاف في هذه المسألة.
وهي: هل يجوز أن تخرج الصدقة من البلد الذي وجبت فيه إلى غيره؟ وذكرنا قصة عمر ﵁ وحجَّةَ الذين منعوا إخراجها، واستدلالهم بقول رسول اللَّه ﷺ في الحديث: "تؤخذ من أغنيائهم، فتردُّ في فقرائهم".
وقد حصل خلاف بين العلماء -كما نعلم- فيما حدث من معاذ ﵁ لما عرض على أهل اليمن أن يأخذ منهم الثياب بدل الذرة، والشعير، وقال لهم: هذا أهون عليكم وأنفع -أو خير- لأصحاب رسول اللَّه ﷺ (٢).
وقد أوَّله بعض العلماء على أن هذا من الجزية، وليس من الزكاة.
стр. 3568
قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى:
الفصل الثالث [كم يجب لهم؟]
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ: قَدْرُ مَا يُعْطَى أهل الزكاة منها
كَمْ يَجِبُ لَهُمْ؟ وَأَمَّا قَدْرُ مَا يُعْطَى مِنْ ذَلِكَ).
لدينا -كما نعلم- أصناف ثمانية: فهل هناك قدر محدد يُعطى لكل واحد منهم؟ والجواب: لم يرد في الآية الكريمة -التي بينت هذه الأصناف- شيئًا من ذلك، بل قد أجملت الآية ذكرهم.
فهؤلاء الأصناف الذين تدفع إليهم الزكاة -أي: تصرف لهم الزكاة- حدث فيهم خلاف.
(١) فقد رأينا فيما سبق أن المؤلفة قلوبهم فيهم خلاف لأهل العلم.
(٢) وكذلك الغارم -إذا كان عنده مال- اختلفوا: هل يأخذ، أو لا يأخذ؟
(٣) وكذلك أيضًا الغازي فيه خلاف.
(٤) وكذلك أيضًا العامل لا يأخذ إذا كان صاحب الزكاة هو الذي يقوم بتوزيعها بنفسه، أو إذا كان يقوم بذلك الإمام.
وعليه: فيكون الأصناف بذلك سبعة فقط. وقد مر بنا فيما سبق الحديث الذي ورد فيه: أن من سأل وله ما يغنيه. . . وفي آخره: أن
стр. 3569
رسول اللَّه ﷺ سُئل: ما الغِنى؟ قال: "خَمْسُونَ دِرْهَمًا، أَوْ قِيمَتُهَا مِنْ الذَّهَبِ" (١).
إذًا فهذا حد الغنى، لكن ليس معنى هذا أن هذا هو المقدار الذي يُعطى للإنسان. فهل ورد عن رسول اللَّه ﷺ نصًّا يدل على أن الفقير يعطَى قدرًا معيَّنا؟ والجواب: لم يرد عنه ﷺ ذلك.
فنخلص إلى أنه ليس هناك حد لذلك.
* قوله: (أَمَّا الْغَارِمُ فَبِقَدْرِ مَا عَلَيْهِ إِذَا كَانَ دَيْنُهُ فِي طَاعَةٍ).
الغارم هنا هو المدين. وهنا سؤال: قد يأخذ إنسان دَينًا لمصلحة نفسه، وتتجمع عليه الديون، ولا يستطيع أن يدفعها، أو ربما يستطيع أن يدفعها على نجوم -كما عرفنا في المكاتبة- فهذا يأخذ من الزكاة أو لا يأخذ؟ وقد يأخذ إنسان دَينًا لمصلحة غيره: فهذا يأخذ هذا من الزكاة؟ أو لا يأخذ؟
فالغارم له حالتان:
الحالة الأولى: أن يأخذ دَينًا لمصلحة غيره -أي: لإصلاح ذات البين، كما هو ما معروف فقهًا بذلك- إما بين قَبِيلتين، أو بين طائفتين، أو بين شخصين. وهذا عمل جيد، ولا شك أن الإصلاح مقصد من مقاصد هذه الشريعة:
(١) فقد قال اللَّه: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨].
(٢) وقال رسول اللَّه ﷺ في الحديث: "الصلح جائز بين المسلمين، إلا صُلْحًا حرَّم حلالًا، أو حلَّ حرامًا" (٢). فالصلح الذي يُتَوصل به إلى تحريم الحلال، أو إباحة الحرام غير جائز.
стр. 3570
ونعلم أن الصلح هو أحد المواضع الثلاثة التي يجوز للمسلم أن يكذب فيها (١)؛ لأن فيه إصلاحًا بَيْنَ ذاتِ البَيْنِ.
فلو قُدِّر أن قبيلتين بينهما دماء قُتل منهم أحد، وربما تقوم الحرب على أشدها وتشتعل النار بينهم، ونعلم أن الحرب تمرُّ على الأخضر واليابس فتأكله، وندرك ما يترتب على ذلك من الأضرار! أو ربما يقع خلاف بين أسرة من الأسر، أو بين رجلين ويكون بينهما صداقة، فيدب بينهما الخلاف والنزاع، وهذا ليس غريبًا!
وربما لا يكونان بصديقين، ومع ذلك يحصل بينهما خلاف، يترتب عليه ضرر، ففي هذه الحالات: يأتي هذا الإنسان؛ ليطفِئَ تلك النار، وليخمِدَ هذه الفتنة، فيصلح ذات البَيْن، ويأخذ دَينًا، فألَا يستحق بذلك أن يُدفع له من مال الزكاة؟
لقد أقدم على هذا العمل قاصدًا الخير، حيث أراد بذلك أن يرفع إشكالًا، وأن يقيم مقام هذا الإشكال والنزاع الوِفاق والاتفاق، فهو -بلا شك- مُثاب على ذلك.
أولًا: من اللَّه في الآخرة؛ لسببين:
السبب الأول: لأنه فَعَل فِعْلًا حسنًا، واللَّه لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
السبب الثاني: لأنه فَعل خيرًا، وقد قال اللَّه : ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨].
стр. 3571
وثانيًا: من ولي الأمر، فينبغي أن يُكافئه على هذا العمل، ولا أقلَّ من أن يرد له ما تحمَّله من أجل هذا الإصلاح، وأن يُعطى مقابل ما دفعه.
ومرتبة الإصلاح هذه مرتبة عالية، لا يقدم عليها إلا من وفقهم اللَّه لمِثْل هذه المواقف الكريمة، وبحمد اللَّه تعالى لا يخلو زمن من الأزمان إلا ويوجد أمثال هؤلاء. وكل واحد منا لو قلب صفحات التاريخ، وقرأ أيضًا في هذه الشريعة لوجد نماذج كثيرة من هذه النوع، وهم في عصرنا الحاضر
أيضًا -بحمد اللَّه تعالى- حيث يوجد عدد منهم.
فكم من أناس يسعون في أفعال الخير، فتجد أن أحدهم يتحمل شيئًا؛ ليصلح بين جماعة من أفراد هذا المجتمع.
ونرى -بحمد اللَّه تعالى- الآن أيضًا أناسًا وقفوا أنفسهم لتسديد الديون، أو لجَمْعِها من الأغنياء؛ لتسديدها عن أولئك المعسرين، ويقومون بالإشراف على الجمعيات، ولا يريدون بذلك شهرةً، ولا مغنمًا، ولا مكسبًا، وإنما يمضون أوقاتًا طويلة في خدمة ذلك فلا شك أن هذه أعمال خيِّرة.
وأولئك أيضًا الذين يوفقهم اللَّه فيقيمون أعمالًا جليلة، يخدمون بها طلاب العلم والمحتاجين، هؤلاء أيضًا ممن يعملون أعمالًا حسنة، يستحقون عليها الثناء من اللَّه ، والثناء من الناس؛ لأن "مَن لا يشكر الناسَ لا يشكر اللَّه" (١). فهؤلاء الغارمون هم الذين تحمَّلوا ديونًا؛ ليصلحوا خلافًا وقع في المجتمع، وليسدوا خللًا وقع في بنيان هذه الأمة. فهم بذلك ينالون الثواب، وينبغي أن يعطوا من الزكاة.
الحالة الثانية: أن يأخذ دَينًا لإصلاح نفسه؛ أي: ذاته، فقد يكون هذا الغارم استدان هذا الدَّين؛ لينفق على أهله. فقد تكون له عائلة، ومِن
стр. 3572
بين هذه العائلة أبوان كبيران يقوم على رعايتهما، ويقوم بالإنفاق عليهما، وربما تكون عنايته لوالديه ما حجزه من أن يضرب في الأرض ويسعى في طلب الرزق، يسعى أيضًا لتسديد ما عليه من ديون. وقد يكون له أطفال صِغار؛ فهو ينفق عليهم، وتكون له زوجة ينفق عليها. وقد قال رسول اللَّه ﷺ في الحديث: "إنك لن تنفقَ نفقة تبتغي بها وجهَ اللَّه إلا أُجرْتَ عليها، حتى اللقمة تضعُها فِي فِيِّ امرأتك" (١). فاللَّه يثيب المسلم على ذلك. وفي الحديث يقول النبي ﷺ : "إنما الأعمالُ بالنياتِ" (٢). فمن ينفق نفقة ينوي بها وجه اللَّه ، والدار الآخرة فهو بلا شك سيُثاب حتى على هذه الأعمال التي ليست قُرَبًا، كالبيع والشراء، وكذلك النكاح.
فمن يتزوج يريد بذلك أن يُعفَّ نفسه، وأن ينجب أولادًا يخدمون دِين اللَّه والمجتمع، ويجاهدون في سبيل اللَّه ، ويبينون الحق، ويرفعون الظلام والضلال عن الناس، فهذا يُثاب على ذلك.
فهذا الرجل الذي استدان دَينًا:
(١) فهو إما أن ينفق منه على أولاده، وآبائه، وإخوانه ومن يدخلون تحت عائلته ومسؤوليته، ويكون هو الذين يمونهم، ويستدين لذلك دَينًا، ويكون بحاجة إليه، وهو لا يسرف في النفقة، ولا يبالغ فيها، ولا يقصد من وراء ذلك شهرة ولا غيرها، ثم يعجز عن أداء هذا الدين، أو يستطيع أن يسدده بعد فترة ربما تكون طويلة.
(٢) وإما أن يصلح به بين متخاصِمَين. ففي هاتين الحالتين، يجوز أن يعطى من الزكاة ما يسد به دينه.
стр. 3573
* قوله: (وَفِي غَيْرِ سَرَفٍ).
الذي يستدين لإصلاح نفسه، أو إصلاح ذات البين، فإنه يعطى من الزكاة ما يسد به دينه. أمَّا من يستدين؛ ليعصي اللَّه ، أو ليفسد في أرض اللَّه تعالى، فيأخذ الديون؛ ليرتكب بها ذلك:
(١) فيوجد قول في المذاهب -لكنه قول ضعيف ولا يرجع إليه- أنه يعطى أيضًا من الزكاة (١).
(٢) لكن القول الصحيح في ذلك أنه لا ينبغي أن يخفف عنه، بل هذا الذي قال فيه رسول اللَّه ﷺ في الحديث بأنه يُؤخذ على يدَيه؛ لأنه سفيهٌ، ويُأطر على الحق أطرًا (٢).
* قوله: (بَلْ فِي أَمْرٍ ضَرُورِيٍّ).
قد نجد إنسانًا متوسط الحال، ومع ذلك يتكلف الكرم، فالكرم طيب، فقد بيَّن رسول اللَّه ﷺ منزلة الكرم، وكان ﷺ أجودَ من الريح (٣)،
стр. 3574
وحضَّ على الكرم (١)، ورغَّب فيه، وهي صفة حميدة.
لكن لا ينبغي أن يتجاوز الإنسان الحد؛ فيذهب إلى درجة الرياء، حتى يقال عنه: فلان كريم، وكذا في الشجاعة، حتى يقال: فلان شجاع!
فإن من أول من تسعر بهم النار -كما نعلم- الذي يجاهد؛ ليقال: فلان شجاع. أو الذي يقرأ القرآن؛ ليقال: فلان يقرأ القرآن. وأمثال هؤلاء (٢). فلا ينبغي للإنسان أن يسر، وهذا الأمر لا شك أنه يُرجع فيه إلى العادة. مع أن الذي يكون عنده شيء من الإسراف لا يصل إلى درجة من يستدين لمعصية اللَّه .
стр. 3575
* قوله: (وَكَذَلِكَ ابْنُ السَّبِيلِ يُعْطَى مَا يَحْمِلُهُ).
ابن السبيل: هو إنسان مر بمكان ما، فانقطع، ونعلم أن الإنسان عُرضة في هذه الحياة -حتى في زمننا هذا- لمثل هذا، فقد يذهب الإنسان إلى بلد ما، وهو غريب فيها، فربما يفقد نفقته، أو تنتهي، وربما تسرق منه، فهذا كله محتمل.
وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، كمَثِلِ الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائرُ الجسد بالحمَّى والسهر" (١).
وكذلك قال ﷺ -أيضًا: "المؤمن للمؤمنِ كالبنيان، يشدُّ بعضُه بعضًا" (٢). فإن وجد ابن السبيل من يعطه متبرعًا، فبها ونِعْمَت، وجزى اللَّه خيرًا هذا المتبرع.
ولكن: لو وجد إنسانًا يقرضه: فهل يلزمه أن يأخذ القرض؟ أو يحل له أن يأخذ من هذا المتبرع؟
هذه المسألة: لم يعرضها المؤلف، وقد جاءت الآن في ذهني، وهي مهمة جدًا، وقد تكلم عنها الفقهاء؛ لأن ربما يمر أحدنا بمثل هذه الحاجة فيجد إنسانًا يقرضه فيقول له مثلًا: خذ مائة ريال، أو خمسمائة ريال، أو ألف ريال حسب الحاجة، ومتى ما يسر اللَّه عليك؛ فردَّها عليَّ. ولو قدر أنك عجزت عن ذلك فأنا أتنازل عن ذلك، وأسامحك فيه؛ حتى لا يعلَّق الدَّين في عنقك. فإن من أخطر ما يدعه الإنسان بعد حياته هو الدَّين.
فهل يلزمه -وهو في هذه الحالة- أن يأخذ القرض؟ أو يأخذ من الصدقة؟