← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

وثانيًا: من ولي الأمر، فينبغي أن يُكافئه على هذا العمل، ولا أقلَّ من أن يرد له ما تحمَّله من أجل هذا الإصلاح، وأن يُعطى مقابل ما دفعه. ومرتبة الإصلاح هذه مرتبة عالية، لا يقدم عليها إلا من وفقهم اللَّه لمِثْل هذه المواقف الكريمة، وبحمد اللَّه تعالى لا يخلو زمن من الأزمان إلا ويوجد أمثال هؤلاء. وكل واحد منا لو قلب صفحات التاريخ، وقرأ أيضًا في هذه الشريعة لوجد نماذج كثيرة من هذه النوع، وهم في عصرنا الحاضر أيضًا -بحمد اللَّه تعالى- حيث يوجد عدد منهم. فكم من أناس يسعون في أفعال الخير، فتجد أن أحدهم يتحمل شيئًا؛ ليصلح بين جماعة من أفراد هذا المجتمع. ونرى -بحمد اللَّه تعالى- الآن أيضًا أناسًا وقفوا أنفسهم لتسديد الديون، أو لجَمْعِها من الأغنياء؛ لتسديدها عن أولئك المعسرين، ويقومون بالإشراف على الجمعيات، ولا يريدون بذلك شهرةً، ولا مغنمًا، ولا مكسبًا، وإنما يمضون أوقاتًا طويلة في خدمة ذلك فلا شك أن هذه أعمال خيِّرة. وأولئك أيضًا الذين يوفقهم اللَّه فيقيمون أعمالًا جليلة، يخدمون بها طلاب العلم والمحتاجين، هؤلاء أيضًا ممن يعملون أعمالًا حسنة، يستحقون عليها الثناء من اللَّه ، والثناء من الناس؛ لأن "مَن لا يشكر الناسَ لا يشكر اللَّه" (١). فهؤلاء الغارمون هم الذين تحمَّلوا ديونًا؛ ليصلحوا خلافًا وقع في المجتمع، وليسدوا خللًا وقع في بنيان هذه الأمة. فهم بذلك ينالون الثواب، وينبغي أن يعطوا من الزكاة. الحالة الثانية: أن يأخذ دَينًا لإصلاح نفسه؛ أي: ذاته، فقد يكون هذا الغارم استدان هذا الدَّين؛ لينفق على أهله. فقد تكون له عائلة، ومِن

стр. 3572

بين هذه العائلة أبوان كبيران يقوم على رعايتهما، ويقوم بالإنفاق عليهما، وربما تكون عنايته لوالديه ما حجزه من أن يضرب في الأرض ويسعى في طلب الرزق، يسعى أيضًا لتسديد ما عليه من ديون. وقد يكون له أطفال صِغار؛ فهو ينفق عليهم، وتكون له زوجة ينفق عليها. وقد قال رسول اللَّه ﷺ في الحديث: "إنك لن تنفقَ نفقة تبتغي بها وجهَ اللَّه إلا أُجرْتَ عليها، حتى اللقمة تضعُها فِي فِيِّ امرأتك" (١). فاللَّه يثيب المسلم على ذلك. وفي الحديث يقول النبي ﷺ : "إنما الأعمالُ بالنياتِ" (٢). فمن ينفق نفقة ينوي بها وجه اللَّه ، والدار الآخرة فهو بلا شك سيُثاب حتى على هذه الأعمال التي ليست قُرَبًا، كالبيع والشراء، وكذلك النكاح. فمن يتزوج يريد بذلك أن يُعفَّ نفسه، وأن ينجب أولادًا يخدمون دِين اللَّه والمجتمع، ويجاهدون في سبيل اللَّه ، ويبينون الحق، ويرفعون الظلام والضلال عن الناس، فهذا يُثاب على ذلك. فهذا الرجل الذي استدان دَينًا: (١) فهو إما أن ينفق منه على أولاده، وآبائه، وإخوانه ومن يدخلون تحت عائلته ومسؤوليته، ويكون هو الذين يمونهم، ويستدين لذلك دَينًا، ويكون بحاجة إليه، وهو لا يسرف في النفقة، ولا يبالغ فيها، ولا يقصد من وراء ذلك شهرة ولا غيرها، ثم يعجز عن أداء هذا الدين، أو يستطيع أن يسدده بعد فترة ربما تكون طويلة. (٢) وإما أن يصلح به بين متخاصِمَين. ففي هاتين الحالتين، يجوز أن يعطى من الزكاة ما يسد به دينه.

стр. 3573

* قوله: (وَفِي غَيْرِ سَرَفٍ). الذي يستدين لإصلاح نفسه، أو إصلاح ذات البين، فإنه يعطى من الزكاة ما يسد به دينه. أمَّا من يستدين؛ ليعصي اللَّه ، أو ليفسد في أرض اللَّه تعالى، فيأخذ الديون؛ ليرتكب بها ذلك: (١) فيوجد قول في المذاهب -لكنه قول ضعيف ولا يرجع إليه- أنه يعطى أيضًا من الزكاة (١). (٢) لكن القول الصحيح في ذلك أنه لا ينبغي أن يخفف عنه، بل هذا الذي قال فيه رسول اللَّه ﷺ في الحديث بأنه يُؤخذ على يدَيه؛ لأنه سفيهٌ، ويُأطر على الحق أطرًا (٢). * قوله: (بَلْ فِي أَمْرٍ ضَرُورِيٍّ). قد نجد إنسانًا متوسط الحال، ومع ذلك يتكلف الكرم، فالكرم طيب، فقد بيَّن رسول اللَّه ﷺ منزلة الكرم، وكان ﷺ أجودَ من الريح (٣)،

стр. 3574

وحضَّ على الكرم (١)، ورغَّب فيه، وهي صفة حميدة. لكن لا ينبغي أن يتجاوز الإنسان الحد؛ فيذهب إلى درجة الرياء، حتى يقال عنه: فلان كريم، وكذا في الشجاعة، حتى يقال: فلان شجاع! فإن من أول من تسعر بهم النار -كما نعلم- الذي يجاهد؛ ليقال: فلان شجاع. أو الذي يقرأ القرآن؛ ليقال: فلان يقرأ القرآن. وأمثال هؤلاء (٢). فلا ينبغي للإنسان أن يسر، وهذا الأمر لا شك أنه يُرجع فيه إلى العادة. مع أن الذي يكون عنده شيء من الإسراف لا يصل إلى درجة من يستدين لمعصية اللَّه .

стр. 3575

* قوله: (وَكَذَلِكَ ابْنُ السَّبِيلِ يُعْطَى مَا يَحْمِلُهُ). ابن السبيل: هو إنسان مر بمكان ما، فانقطع، ونعلم أن الإنسان عُرضة في هذه الحياة -حتى في زمننا هذا- لمثل هذا، فقد يذهب الإنسان إلى بلد ما، وهو غريب فيها، فربما يفقد نفقته، أو تنتهي، وربما تسرق منه، فهذا كله محتمل. وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، كمَثِلِ الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائرُ الجسد بالحمَّى والسهر" (١). وكذلك قال ﷺ -أيضًا: "المؤمن للمؤمنِ كالبنيان، يشدُّ بعضُه بعضًا" (٢). فإن وجد ابن السبيل من يعطه متبرعًا، فبها ونِعْمَت، وجزى اللَّه خيرًا هذا المتبرع. ولكن: لو وجد إنسانًا يقرضه: فهل يلزمه أن يأخذ القرض؟ أو يحل له أن يأخذ من هذا المتبرع؟ هذه المسألة: لم يعرضها المؤلف، وقد جاءت الآن في ذهني، وهي مهمة جدًا، وقد تكلم عنها الفقهاء؛ لأن ربما يمر أحدنا بمثل هذه الحاجة فيجد إنسانًا يقرضه فيقول له مثلًا: خذ مائة ريال، أو خمسمائة ريال، أو ألف ريال حسب الحاجة، ومتى ما يسر اللَّه عليك؛ فردَّها عليَّ. ولو قدر أنك عجزت عن ذلك فأنا أتنازل عن ذلك، وأسامحك فيه؛ حتى لا يعلَّق الدَّين في عنقك. فإن من أخطر ما يدعه الإنسان بعد حياته هو الدَّين. فهل يلزمه -وهو في هذه الحالة- أن يأخذ القرض؟ أو يأخذ من الصدقة؟

стр. 3576

الصحيح: أنه يأخذ من الزكاة؛ لأن اللَّه أباحها له، ونص عليه ضمن الأصناف الثمانية؛ حيث قال تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠]. ولم يقيد اللَّه ذلك في كتابه، ولم يقيد ذلك رسول اللَّه ﷺ ؛ فيبقى الأمر على الإطلاق. لكن إن وجد من يقرضه، وأراد أن يتعفف، وأن يترفع عن الزكاة -فالزكاة كما سماها رسول اللَّه ﷺ (أوساخ الناس) - فله في هذه الحالة أن يأخذ القرض بدل الزكاة. وفرْق بين الزكاة الواجبة، والصدقة الواجبة، وبين الصدقة المستحبة غير الواجبة. والقرض كما يستفيد به من يأخذه، فإنه -كما نعلم- يُثاب صاحبه المقرض؛ ولذا قال اللَّه : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]. * قوله: (إِلَى بَلَدِهِ). فابن السبيل يعطى من الزكاة نفقة توصله إلى بلده. وقد يتفرع عن هذه المسألة مسألة الغازي إذا أعطي، وعاد إلى بلده وانتهى من الغزو. وهنا مسألة متعلقة بابن السبيل أيضًا وهي: إذا زاد شيء من الزكاة عن حاجته هل يرده؟ أو يأخذه ويتصرف فيه؟ وهذه المسألة فيها كلام للفقهاء، ولم يعرض لها المؤلف؛ لأنه يراها من جزئيات المسائل. والأولى له أن يرد ذلك لبيت المال؛ خروجًا من الخلاف، وها هو الأحوط له في دِينه؛ وذلك لأن رسول اللَّه ﷺ قال في الحديث: "دَع ما يَريبك إلى ما لا يَريبك" (١). * قوله: (وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَا يَحْمِلُهُ إِلَى مَغْزَاهُ عِنْدَ مَنْ جَعَلَ ابْنَ السَّبِيلِ الْغَازِيَ). هناك من العلماء من فسر ابن السبيل بأنه الغازي (٢)، لكن الظاهر -كما هو معلوم- أنه المسافر.

стр. 3577

وقد غاير اللَّه بينهما بقوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠]. ومما يؤكد أن صِنف ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠]. يراد به الغازي قول اللَّه : ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١]. وقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ [الصف: ٤]. أما ابن السبيل فالمراد به هو المسافر الذي انقطع به الطريق، وانتهت نفقته، أو ماتت دابته، أو تعطلت سيارته في مكان ما. فإذا وجدت أخاك المسلم قد تعطلت سيارته فعليك أن تقف له، وتسعفه في ذلك، وتعينه، وتحمله إلى أقرب مركز، أو إلى أقرب مكان فيأخذ حاجته، وترده، وإن لم ترده فجزاك اللَّه خيرًا أنك حملته معك، فأوصله إلى مكان ما يأمن به، ويأخذ حاجته، ويعود، فهذا أيضًا مما تعين به ابن السبيل. وهذا يدخل في قول اللَّه : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ مَا يُعْطَى الْمِسْكِينُ الْوَاحِدُ مِنَ الصَّدَقَةِ). اختلف العلماء في ذلك: (١) فبعض العلماء قال: يُعطَى المسكين من الزكاة ما يغنيه؛ فإن كان صاحب صنعة، فتشترى له الآلة التي يعرف العمل بها وتعينه في صنعته، أو يعطى مبلغ من المال فيضرب في الأرض يتاجر فيه. وهذا القول هو مذهب الشافعية (١)، ومعهم أيضًا الحنابلة، لكنهم يختلفون معهم

стр. 3578

في جزئية؛ فالشافعية قالوا: يُعطى حتى ولو كان غنيًا. والحنابلة (١) قالوا: يُعطى إلى حدِّ الغِنى. فهناك خلاف فرعي بين المذهبين، أما من حيث الجملة فالمذهبان متفقان؛ فكلاهما -من حيث الجملة- يرى أن يعطى هذا المسكين أو الفقير ما يحتاج إليه. (٢) وبعضهم قال: يعطى المسكين من الزكاة مؤنته لمدة سنة. وهذا القول: هو مذهب المالكية (٢). والفرق بين مذهبهم ومذهب الشافعية، أن الشافعية قالوا: يُعطى ما يغنيه ويكفيه مدة حياته. ومتوسط الحياة عندهم: أربع -أو ثلاث- وستون سنة.

стр. 3579

* قوله: (فَلَمْ يَحُدَّ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ حَدًّا، وَصَرَفَهُ إِلَى الِاجْتِهَادِ) (١). هذا الكلام -في حقيقة الأمر- ليس بدقيق من المؤلف مع أنه مالكي المذهب! وإنما المشهور في مذهب المالكية أنه يجوز أن يعطى الفقير والمسكين من الزكاة ما يسد حاجته، وما يحتاج إليه في ذلك، وقد يصل ذلك إلى حد النِصاب عندهم، وقد لا يصل، فهم لا يشترطون ذلك. بخلاف الحنفية، فأجازوا أن يعطى الفقير والمسكين من الزكاة، شريطة أن يصل إلى أول قدر النِّصاب ولا يتجاوزه. * قوله: (وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٢)؛ قَالَ: وَسَوَاءٌ كَانَ مَا يُعْطَى مِنْ ذَلِكَ نِصَابًا، أَوْ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ. وَكَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣) أَنْ يُعْطَى أَحَدٌ مِنَ الْمَسَاكِينِ مِقْدَارَ نِصَابٍ مِنَ الصَّدَقَةِ). إن سبب كراهة الإمام أبي حنيفة إعطاء المسكين مقدار نِصاب؛ لأنه سيصير بذلك غنيًّا، فلا ينبغي أن يرفع إلى درجة الغِنى وذلك لأن رسول اللَّه ﷺ قال في الحديث: "صدقة تؤخذ من أغنيائهم؛ فترد في فقرائهم" (٤). فإذا أعطي هذا القدر صار غنيًّا. لكن بقية الفقهاء قد نظروا نظرة أبعد؛ فأجازوا أن يعطى الفقير والمسكين من مال الزكاة؛ حتى يرفع عن نفسه الفقر والمسكنة، وإن وصل ذلك إلى حد النِّصاب، أو زاد عنه؛

стр. 3580

وذلك لأن القصد من ذلك هو رفع هذه الخَلَّة، وهذا النقص الذي حصل له؛ لأن من أسرار وحكم ومقاصد الزكاة سد خلة الفقراء، ورفع العجز عنهم. * قوله: (وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: لَا يُعْطَى أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ دِرْهَمًا) (١). هذه الرواية -كما نعلم- هي إحدى الروايتين عن الإمام أحمد (٢). لكن الحنابلة يرون ذلك مع الكفاية؛ فالإمام أحمد لما سُئل عن شخصٍ له عيال -قد يكون في بيته عشرة من الأنفس مثلًا- فهل يُعطى هذا الرجل خمسين درهمًا؟ قال: لا، بل يعطى خمسين، وابنه خمسين، وهكذا (٣). فمعنى هذا أنها زادت على النِّصاب؛ ولذا جاءت الرواية الأُخرى لتتفق أيضًا مع مفهوم هذه الرواية. فالقصد من ذلك هو رفع الحاجة. وهذا هو الأظهر، وهو الذي يتفق مع روح هذه الشريعة، فينبغي أن ينقل هذا الفقير والمسكين إلى أن يصبح عضوًا عاملًا. فهذا رسول اللَّه ﷺ قد استعاذ من الفقر (٤). وليس الفقر ذِلَّة للإنسان، ولا ينقص من قدره، فهذا ابتلاء من اللَّه ، وتقسيم منه للرزق بين عباده. وفي الحديث يقول رسول اللَّه ﷺ : "رُبَّ أشعثَ أغبرَ لو تمنَّى على اللَّه لأبرَّه" (٥).

стр. 3581

فقد نجد فقيرًا، مسكينًا، رثَّ الثياب، ربما لو رفع يديه إلى السماء فقال: يا رب، يا رب. لاستجاب اللَّه دعائه! وربما نجد إنسانًا خزائنه مملوءة بالأموال، وله مظهر حسن، وجمال، وغير ذلك، ولا ينظر اللَّه إليه، فيرفع يديه إلى السماء ويقول: يا رب، يا رب. ولكن حاله -كما في الحديث- "مطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنَّى يُستجاب لذلك؟ "! (١). فهذه الأمور تخضع بشيء واحد؛ وهو التقوى، كما قال اللَّه : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. * قوله: (وَقَالَ اللَّيْثُ: يُعْطَى مَا يَبْتَاعُ بِهِ خَادِمًا - إِذَا كَانَ ذَا عِيَالٍ، وَكَانَتِ الزَّكَاةُ كَثِيرَةً) (٢). هذه -في حقيقة الأمر- تفصيلات عند بعض العلماء؛ فبعضهم يقول: لو احتاج إلى خادم فيعطى من الزكاة، ولو احتاج أيضًا لشراء مسكنٍ، فيعطى؛ ليستكف به، ويحفظ نفسه، وأولاده فيه. * قوله: (وَكَأَنَّ أَكْثَرَهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ أَنْ يُعْطَى عَطِيَّةً، يَصِيرُ بِهَا مِنَ الْغِنَى فِي مَرْتَبَةِ مَنْ لَا تَجُوزُ لَهُ الصَّدَقَةُ؛ لِأَنَّ مَا حَصَلَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ، فَوْقَ الْقَدْرِ الَّذِي هُوَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ:

стр. 3582

صَارَ فِي أَوَّلِ مَرَاتِبِ الْغِنَى؛ فَهُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ (١). وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ؛ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي هَذَا الْقَدْرِ، فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كأَنَّهَا تُبْنَى عَلَى مَعْرِفَةِ أَوَّلِ مَرَاتِبِ الْغِنَى). نفهم من تعبير المؤلف ﵀ بقوله: (وَكَأَنَّ أَكْثَرَهُمْ مُجْمِعُونَ) أنه ليس متأكدًا من هذا الإجماع؛ لأنه -كما حكيت لكم- فإن مذهب الشافعية أنهم يرون أنه يُعطى حتى ولو وصل إلى درجة الغِنى؛ فلا ينبغي أن يكون حد النِّصاب فاصلًا. * قوله: (وَأَمَّا الْعَامِلُ عَلَيْهَا فَلَا خِلَافَ عِنْدِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ إِنَّمَا يَأْخُذُ بِقَدْرِ عَمَلِهِ) (٢).

стр. 3583

العامل يأخذ بقدر عمله، فإن كان يأخذ أجرة من بيت المال، فلا يعطى من الزكاة، وكذلك الغازي فإذا كان هذا الجندي له راتب معين مسجل، فلا يعطى من الزكاة. * قوله: (فَهَذَا مَا رَأَيْنَا أَنْ نُثْبِتَهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَإِنْ تَذَكَّرْنَا شَيْئًا مِمَّا يُشَاكِلُ غَرَضَنَا: أَلْحَقْنَاهُ بِهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى). على كل حال فهذا الذي ذكره المؤلف فِي كتاب الزكاة هَذَا ليس كل المسائل التي وردت فيه. وقد بقيت مسألة مهمة، وقد جرت عادة الفقهاء -في الحقيقة- أن يعقدوا لها فصلًا خاصًّا بها، بعد الانتهاء من الصدقة المفروضة -وهي الزكاة- ألا وهي الصدقة المستحبة. ولكن المؤلف قد أعرض عن ذلك؛ لأنه سينتقل بعد الزكاة المفروضة، إلى زكاة الفطر مباشرة، وكان الأولى في مثل هذا أن يذكر الصدقة المستحبة، كما هو شأن الفقهاء. ولكون الحاجة إلى الكلام على هذه الصدقة ماسَّة؛ فإننا سنشير إلى جزئية يسيرة فقط متعلقة ذلك. فهذه الصدقة غير الواجبة، بل هي مستحبة، ولو أننا تتبعنا

стр. 3584

كتاب اللَّه وأمعنَّا النظر فيه، لوجدنا آيات كثيرة جدًّا تتحدث عن الحض على الإنفاق، والترغيب فيه، والأخذ بأيدي المسلمين إلى أن يتسارعوا إلى ذلك. ولو اقتصرنا على سورة البقرة وحدها، لوجدنا عددًا من الآيات تتحدث عن ذلك. قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى:

стр. 3585

(كتاب زكاة الفطر [بسم اللَّه الرحمن الرحيم] والكلام في هذه الزكاة يتعلق بفصول خمسة: أحدها: في معرفة حكمها. والثاني: في معرفة من تجب عليه، وعمن تجب؟ والثالث: كم تجب عليه، ومماذا تجب عليه؟ والرابع: متى تجب عليه؟ والخامس: من تجوز له؟ الفَصْلُ الأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِهَا فَأَمَّا زَكَاةُ الفِطْرِ، فَإِنَّ الجُمْهُورَ عَلَى أَنَّهَا فَرْضٌ) (١).

стр. 3586

وأضيفت الزكاة إلى الفطر هنا؛ لأنها تعقب رمضان، فتجب بعد إفطار شهر رمضان المبارك؛ أي: بعد انتهائه، وسيأتي كلام العلماء في الوَقْت الَّذي تَجب فِيهِ، هَلْ تجب بطلوع فجر يوم العيد، أو بغُرُوب شمس ليلة العيد، ومتى تخرج؟ وما هو الوقت الأفضل في إخراجها؟ هذا كله سنتكلم عنه إن شاء اللَّه. حكم زكاة الفطر: زكاة الفطر فرضٌ على كل مسلم كما أشرنا، لا فرق بين كبير وصغير، ولا بين ذكرٍ وأنثى، ولا بين حرٍّ وعبدٍ، فإنها تلزم هؤلاء جميعًا، ودليل ذلك من السُّنة المطهرة ما جَاءَ من أحاديث عن رسول اللَّه ﷺ من طَريق عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: "فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زكَاة الفِطْرِ علَى الناس من رمضان صاعًا من تمرٍ، أو صَاعًا من شَعِيرٍ على كل حرٍّ أو عَبْدٍ، ذكرٍ أو أنثى" (١). وفي لفظٍ: "أو صغيرٍ أو كبيرٍ من المُسْلمين. . . " (٢).

стр. 3587

فَقيَّدها: "من المسلمين"، وهذه اللفظة (من المسلمين) لَمْ ترد في جميع الروايات، لَكنَّها وَرَدتْ في بعض الروايات، ولها مفهوم سيأتي الكلام عنه. إذًا، قَوْل عبد اللَّه بن عمر: فَرضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَذَلك حديث ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قالَ: "فرضَ رسولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الفطرِ طُهرةً للصَّائمِ منَ اللَّغوِ والرَّفثِ، وطعمةً للمساكينِ" (١). وشُرعَت -كما أشرنا سابقًا- لمواساة الفقراء والمساكين؛ لأنهم في ذلك اليوم يحتاجون إلى أن يكونوا في سعادةٍ كآحَاد إخوانهم الذين يجدون المال، فإذا ما دُفعَت لهم هذه الزكاة من قوت بلدهم، أو من غالبه، فإنهم كذلك يعيشون كما يعيش بقية إخوانهم الذين أعْطَاهم اللَّه المال، وحَضَّهم على أن يُنْفقوه في سبيله سبحانه. * قوله: (وَذَهَبَ بَعْضُ المُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ إِلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ العِرَاقِ) (٢). وَالمَوْصوف بأنَّه من أصحاب مالكٍ هو ابن الماجشون (٣)، وَوَافقه

стр. 3588

أيضًا ابن اللبان من الشافعية (١)، بَلْ إنَّ من العلماء مَنْ حكى الإجماع على فرضية زكاة الفطر، وممن حكى الإجماع ابن المنذر (٢)، لكن الخلاف موجود، وهو يعتبر خلافًا ضعيفًا، وسيأتي أيضًا من يرى أنها منسوخة كما سيبين المؤلف. * قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِالزَّكَاةِ). فقَوْلهم: "منسوخة بالزكاة"، أيْ: بفرض زكاة المال، وَسَبق أن تكلمنا عن زكاة المال، وأنها تجب في أنواع أربعة، وأن ثلاثة أنواع منها يُشْتَرط لها الحول عدا ما يتعلق بالحبوب والثمار، فإن الزَّكَاةَ تجب في الحَبِّ إذا اشتدَّ، وفي الثمر إذا بدَا صلاحه، أَيْ: إذا احمر، أو اصفر. إذًا، إذَا بدا صلاحُهُ، أما بالنسبة لزكاة النقدين وعروض التجارة وبهيمة الأنعام، فإنها يُشْترط فيها حَوَلان الحول، ويُشْترط فيها كذلك أن تبلغ نِصَابًا، فهل هذا الشرط موجود في زكاة الفطر؟ زكاة الفطر على الرأي الصحيح لا يُشْترط لها نِصاب، إذًا الذين قالوا: بأنها منسوخة (٣) هو إبراهيم بن عُلية، وكذلك أبو بكر الأصم (٤)،

стр. 3589

وهذان دائمًا قولهما ضعيف لا يعتدُّ بِهِما في مسألة الإجماع والخلاف (١)، ولذَلكَ حكَى ابن المنذر الإجماعَ على أن زكاةَ الفطر واجبة (٢)؛ لأنه ممَّن يرى أنَّه لا يُعْتد بخلاف هذين الرجلين (٣). * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: تَعَارُضُ الآثَارِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ بِأَنَّهُ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ). ولا شكَّ أن الأحاديث والآثار الصحيحة نصت على أن رسول اللَّه ﷺ فرض زكاة الفطر كَمَا في حديث عبد اللَّه بن عمر (٤)، وَفِي حديث عبد اللَّه بن عَبَّاس (٥) ﵄، وَكَذَلك أيضًا ما جَاءَ في حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ الذي ذكر فيه قال: "كنَّا نخرج زكاة الفطر على عَهْد رسول اللَّه ﷺ " (٦). وَفِي رِوَايةٍ: وفينا رَسُولُ اللَّه ﷺ صاعًا من طعام (٧). وبعض العلماء فسره بالبُرِّ، وبعضهم (٨) أطلق: صاعًا من طعام، أو صاعًا من تمرٍ،

стр. 3590

أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من أقطٍ، أو صاعًا من زبيب (١). وَهُوَ أيضًا حديث متفق عليه كحديث عبد اللَّه بن عمر، ولابن عمر أيضًا حديث آخر جاء فيه أن رَسُولَ اللَّه ﷺ أَمَر بصدقة الفطر صَاعًا من تَمْرٍ، أَوْ صاعًا من شعيرٍ، وأمر أن تُؤدَّى قبل خروج النَّاس للصَّلاة (٢)، ولذلك هو وقت فضيلتها كما سيأتي. إذًا، الأَحَاديثُ الَّتي وَرَدتْ في ذَلكَ ليست على درجةٍ واحدةٍ، فالأَحَاديث الصحيحة الكثيرة المسلمة تدلُّ على وجوب زَكَاة الفطر، وقَدْ ورد في ذلك حَديثٌ سيشير إليه المؤلف يُفْهَم منه أن الناس كانوا يخرجون زكاة الفطر، فلمَّا نزل الأمر بوجوب الزكاة، لم يرد نهيٌ ولا أمرٌ بإخراجها، بمَعْنى أنه سكت عنها، وسنُنبِّه على ذلك عند الكَلام على الحديث إن شاء اللَّه.

стр. 3591

* قوله: (أَنَّهُ قَالَ: "فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ). وَالفَرض فيه معنى الحز والقطع، وفيه معنى القوة (١)، إذن أوجب رسول اللَّه ﷺ زكاة الفطر، وقَدْ رأينا أن الَّذين قَالُوا بفرضيَّتها منهم مَنْ قال: بأنها فرضٌ على مَعْنى الفرض، ومنهم مَنْ قال: بأنها وَاجبةٌ، وَجُمْهورُ العُلَماء -كَما أَشرنَا- لَا يُفرِّقون بين الفرض والواجب، ومنهم الأئمَّة الثَّلاثة (٢)، والحنفيَّة هم الَّذين يُفرِّقون بينهما، ويخصُّون الفرضَ بما ثَبتَ بدليلٍ قطعيٍّ، والواجب ما ثبت بدليل ظني كأخبار الآحاد (٣). * قوله: (. . . زَكَاةَ الفِطْرِ عَلَى النَّاسِ مِنْ رَمَضَانَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ). إذًا، زكاة الفطر أشار رسول اللَّه ﷺ إلى أنه تخرج صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، والتمر معروف، أَوْ مِنْ شَعِير، وهو أيضًا معروف، وفي أحاديث أُخرى أضاف الطعام، وفي بعضها بُرٌّ، وسيأتي الخلاف في البُرِّ أيضًا، هل يلزم أن يُخرج صاعًا كاملًا، أو أن البُرَّ له مِيزة ينفرد بها عن غيره؟ فيقتصر على نصف صاعٍ، وسنعرض -إِنْ شَاءَ اللَّه- لحديث أبي سعيد، ولقصة معاوية ﵄ حينما قدم معاوية المدينة (٤) وكَلَّم الناس في ذلك عندما نصل إلى هذه المسألة.

стр. 3592

وكذلك أيضًا ورد في الأقط، والأقط: النماء الذي من اللبن المخيض الذي يطبخ (١)، ثم يستخرج هذا الأقط، وهو معروفٌ أيضًا ويَكْثر عند أهل البادية، وأَصْبحَ الآن معروفًا منتشرًا في المُدُن، وَكَذلك الزبيب، والزبيب: الذي هو أصله العنب. * قوله: (عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنَ المُسْلِمِينَ"). وَفِي رِوَايةٍ أُخرى للبخاريِّ: "وَعَلى الصغير والكبير" (٢). إذًا، هَذَا نصٌّ بأنَّ زكاةَ الفطر فُرضَتْ على الصغير والكبير، وعلى الذكر والأنثى، وعلى الحر والعبد دون تفريقٍ، ثم قيد ذلك بقوله: "من المسلمين"، فهل لهذا القيد مدلول؟ نَعمْ، جمهور العلماء يتمسَّكون بذلك، ويقولون: إنَّ زكاة الفطر لا تَجب على الكافر (٣)، وبعضهم لا يرى أنَّ هَذَا القيد ملزمٌ، كما سيأتي

стр. 3593

أيضًا بأن هذا القيد لم يَرِدْ في جميع روايات نافعٍ عن ابن عمر، وكذلك أيضًا جاء أثر عبد اللَّه بن عمر أنه كان يخرج الزكاة عن عَبيدِهِ الكفار (١). * قوله: (وَظَاهِرُ هَذَا يَقْتَضِي الوُجُوبَ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُقَلِّدُ الصَّاحِبَ فِي فَهْمِ الوُجُوبِ أَوِ النَّدْبِ مِنْ أَمْرِهِ ﵊ إِذَا لَمْ يُعَدَّ لَنَا لَفْظَهُ). وهَذِهِ العبارة أراها تُشْكل على كثير من المعلقين، فبعضهم يعلق ويرى هذه العبارة محيرةً، وأنها لا تفهم، وهي حقيقةً ليست محيرة؛ لأن القصد بالصاحب هنا هو صاحب رسول اللَّه ﷺ ، والمراد هنا أن ابن عمر قال: فرض رسول اللَّه ﷺ ، لم يقل مثلًا: قال رسول اللَّه ﷺ ، فعندما نجد في حديث: "صوموا لرؤيتِهِ، وأفطروا لرؤيته" (٢)، إلى غير ذلك كَمَا في حديث: "الطهور شطر الإيمان" (٣)، "إنما بُعِثْتُ لأُتمِّم مكارم الأخلاق" (٤) إلى آخره، فَكأنَّهم يَرَوْن أنَّ هذا من لفظ الصاحب أي: الصحابي، فالصحابي إذا أورد الحديث بالمعنى هكذا، هل يكون ذلك كما لو أورده بلفظ رسول اللَّه ﷺ ؟ (٥) بمعنى آخر: هل يقتضي أن يكون الحكم واجبًا أو لا؟

стр. 3594

الجواب: نعم؛ لأن عبد اللَّه بن عمر عندما قال: "فرض رسول اللَّه"، وكذلك أيضًا ابن عباس، وأيضًا كذلك أبو سعيد عندما قال: "كنا نخرجها على عهد رسول اللَّه ﷺ "، هؤلاء إنما فَهمُوا من ذَلكَ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أَوْجَبها، وألزم الناس بها، وإلَّا لَوْ لم تكن واجبةً، لما قال: "فرض رَسُولُ اللَّه ﷺ "، وبَعْضهم أشكل عليه هل هي يحد أو يعد، أو نحو ذلك، والصحيح أنها لم يحد؛ أي: لم ينقل لنا لفظ رسول اللَّه ﷺ . والجواب في ذلك: أن هذا الحديث صريحٌ في فرضها، فهذا دليلٌ على أن ابن عمر نقل ما فهم عن رسول اللَّه ﷺ ، وكَذَلك نقل ابن عباس وغيرهما من الصحابة، وهذا صريحٌ في أنَّ زكاة الفطر واجبة. * قوله: (وَثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي حَدِيثِ الأَعْرَابِيِّ المَشْهُورِ: "وَذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ" (١). وهذا الحديث مرَّ بنا في الصلاة والحج، والذي جاء فيه الأعرابي

стр. 3595

من قِبَلِ نجد إلى رسول اللَّه ﷺ ، وسأله: ماذا أوجب اللَّه عليَّ من الإسلام؟ فأخبره عن الصلاة والزكاة، فقال: هل عليَّ غيرها؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطوَّعَ"، لما ذكر له الواجبات. وفي بعض الروايات لم يذكر الحج (١). ويَقُولُ العلماء: إن الحج بعد لم يُفْرض يعني: كان سؤاله قبل ذلك (٢)، إذًا هذا هو مراد المؤلف، وهو الإشارة إلى ذاك الحديث المتفق عليه. * قوله: (فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الزَّكَاةَ دَاخِلَةٌ تَحْتَ الزَّكَاةِ المَفْرُوضَةِ، وَذَهَبَ الغَيْرُ إِلَى أَنَّهَا غَيْرُ دَاخِلَةٍ). وَذَهَبَ الغَيْرُ الَّذين قلنا لا يعتدُّ بخلافهم وهو إبراهيم بن عُلية وأبو بكر بن كيسان الأصم إلى أنها غير دَاخِلَةٍ (٣). * قوله: (وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادَةَ أَنَّهُ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا بِهَا قَبْلَ نُزُولِ الزَّكَاةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ آيةُ الزَّكَاةِ، لَمْ نُؤْمَرْ بِهَا، وَلَمْ نُنْهَ عَنْهَا، وَنَحْنُ نَفْعَلُهُ") (٤).

стр. 3596

إذًا، قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ﵁ يَقُولُ: كنا نُؤْمر بها، أو نُخْرجها قبل نُزُول آية الزَّكاة؛ كالآيات الَّتي وَرَدتْ في إيجاب الزكاة ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣]، فَقَال: لم نُؤْمر، ولم نُنْه، هذا الحديث أخرجه النسائي، وكذلك ابن ماجه والدارقطني، وغير هؤلاء (١)، وهذا الحديث اختلف فيه صحةً وضعفًا (٢)، فهناك مَنْ يرى أن فيه راويًا مجهولًا، فيضعفه من طريقه، وبعضهم يرى أن هذا الراوي ليس مجهولًا، وأن هناك مَنْ وَثَّقَه. نقول: على كلا الحالين لو سلَّمنا صحة الحديث، فهذا الحديث لا يَقْوى على معارضة الأحاديث الكثيرة التي هي أقوَى منه صحةً، وأصرح دلالةً. الأمر الآخر: أن هذا الحديث يُحْمل على السكوت؛ أي: أن الأمر يترك على ما كان فهم، فكأنهم كانوا يعرفون أن زكاة الفطر واجبة، فنزل ما يتعلق بزكاة المال، فأمروا بها، أما زكاة الفطر فإنَّها قَد استقرت في أَذْهَانهم ونفذوها وطبقوها، وعرفوا حكمها، فلم يحتج إلى أن يكرر الحكم، ولَوْ كانت زكاة الفطر قد نُسخَتْ كما يدَّعي أولئك، لَبيَّن رَسُولُ اللَّه ﷺ ذلك؛ لأنَّ تأخيرَ البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ورَسُولُ اللَّه ﷺ وظيفته البيان ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]، فَرَسُولُ اللَّه ﷺ لَمْ يأمر، ولم ينه، فيَبْقى الحكم على أصلِهِ، ولا يلزم أنه إذا نزل أمرٌ في مسألةٍ أن يكون ذلك الأمر مغيرًا، أو ناسخًا، أو رافعًا لحكم مسألة أخرى.

стр. 3597

نَخْلص من ذلك بأن زكاةَ الفطر فرضٌ، وأنها تجب على الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والحر والعبد، وسيأتي الكلام أيضًا في التفصيل في الصغير، فهناك فرقٌ بين الصغير الذي يملك مالًا، والَّذي لا يملك مالًا، وهَلْ إيجابها على الصَّغير مجمعٌ عليه أو فيه خلاف؟ وما يتعلق أيضًا بالعبد هل الزكاة تجب عليه؟ وإن قلنا بوجوبها عليه مطلقًا، فهل تجب على سيده؟ لأن هناك خلافًا في العبد أهو يملك أو لا يملك، هذا كله سنتكلم عنه -إن شاء اللَّه- بالتفصيل. قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: الفَصْلُ الثَّانِي فِي مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ، وَعَمَّنْ تَجِبُ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ المُسْلِمِينَ مُخَاطَبُونَ بِهَا ذُكْرَانًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا، صِغَارًا أَوْ كبَارًا، عَبِيدًا أَوْ أَحْرَارًا). هذا مما نبَّهنا عليه، وهذا ممَّا نقله ابن المنذر، وأجمعوا على أن المسلمين مخاطبون بها (١)؛ لأن رسول اللَّه ﷺ فرض زكاة الفطر على الناس من رمضان، إلى أن قال في آخرها: "من المسلمين" (٢). * قوله: (لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ المُتَقَدِّمِ). الذي أشرنا إليه، والذي ورد فيه: "صاعًا من تمرٍ أو صاعًا من شعيرٍ" (٣).

стр. 3598

* قوله: (إِلَّا مَا شَذَّ فِيهِ اللَّيثُ). هَذَا من المؤلف ﵀ حقيقةً؛ فلم يقل بذلك الليث، وإنما الذي قال بذلك - كما هو معروفٌ ونقل عنه مَنْ يوثق بنقله ثلاثة، وهُمْ: عطاء بن أبي رباح التابعي، والإمام الزهري، وربيعة شيخ الإمام مالك (١)، أما الليث بن سعد، فلا يُعْرف عنه أنه قال ذلك (٢). * قوله: (فَقَالَ: لَيْسَ عَلَى أَهْلِ العَمُودِ زَكَاةُ الفِطْرِ). مَنْ هم أهل العمود؟ هذه مِنَ الألفاظ التي قد تأتي في هذا الكتاب، فتحتاج إلى بيان. أولًا "العمود": مفرد أعمدة وعمد، والمراد بأهل العمود هم أهل البادية، هل تجب الزكاة على أهل البادية أو لا تجب؟ وسموا أهل العمود؛ لأن بيوتهم تقوم على الأعمدة؛ أي: ينصبونها وتُقَام عليها، وُيعْرَفون بأهل الأخبية -جمع خِبَاءٍ- يعني: الناس الَّذين يسكنون في الأخبية، أَيْ: فِي الخيام التي تكون في الصحراء وهم البدو، فأهل البادية يُطْلق عليهم أهل العمود، واشتهر ذلك (٣). وقد كان المؤلفون السابقون يعنون بمثل هذه الألفاظ، فهو بدلًا من

стр. 3599

أن يقول: أهل البادية، يختار هذه اللفظة التي يكون فيها كناية، وهو يرى أن فيها بلاغةً أقوى من أن يقول: من أهل البادية، فيقول: "أهل العمود" كناية عن البادية. إذًا، المراد بـ "أهل العمود"، هُمْ أهل البادية، وليس هذا -كما قلنا- هو قول الليث، وَإنَّما هو قول الثَّلاثة الَّذين أشرنا إليهم. * قوله: (وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى أَهْلِ القُرَى، وَلَا حُجَّةَ لَهُ) (١). وَلَكن هَذَا قولٌ مردودٌ وغير مُسلَّمٍ؛ لأنه في حديث عبد اللَّه بن عمر قال: فَرَض رسولُ اللَّه ﷺ زكَاة الفطر على الناس من رمضان (٢). وَفِي رِوَايةٍ: من رمضان على الناس صاعًا من تمرٍ أو صاعًا من شعيرٍ على كل حرٍّ أو عَبْدٍ، ذكرٍ أو أنثى (٣). وَعند البخاريِّ: "وعلى الصغير والكبير من المسلمين" (٤)، فأهل البادية يَدْخلون في عموم لفظ المسلمين، فيشملهم الحكم، فَتَجب عليهم كما تَجب على غيرهم (٥). ولا ننسى أيضًا أنه ورد في حديث أبي سعيدٍ الخدري أيضًا المتفق عليه أنه ذكر: صاعًا من طعامٍ، أو صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعيرٍ، أو صاعًا من زَبِيبٍ أو صاعًا من أقط (٦)، والأقط إنَّما هو ينتشر بين أهل البادية.

стр. 3600

إذًا، هَذَا رأيٌ ضعيفٌ لا يُلْتفت إليه، والرأي الصحيح إنما هو رأي جمهور العلماء الذين يوجبون زكاة الفطر على كل مسلمٍ (١)، سواء كان يَسْكن في البادية أو في القرية، أو كان أيضًا يسكن في المدن، أو كان يسكن في هِجْرةٍ من الهجر، حتى وإن كان يعيش في غير بلاد المسلمين، فإنَّ الزكاة تجب عليه ما دام مسلمًا. * قوله: (وَمَا شَذَّ أَيْضًا مِنْ قَوْلِ مَنْ لَمْ يُوجِبْهَا عَلَى اليَتِيمِ). المراد بـ (اليتيم) هنا هو الصَّغير، يَعْني: تعلمون أن اليتيمَ في الأصل هو الذي مات والده ولم يبلغ، أمَّا مَنْ ماتت أمه ولم يبلغ، وَأَبوه موجودٌ حيٌّ، لا يُسمَّى يتيمًا؛ لأنَّ الإنسان ينتسب إلى والدِهِ (٢). إذًا، مَنْ مات أبوه وهو صغير لم يبلغ الحلم، فإنه يُسمَّى يتيمًا، والمراد هنا ليس فقط اليتيم الذي مات أبوه، بل القصد هنا باليتيم الصغير، والذي يرى أن الزكاة لا تجب على الصغير هو محمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة (٣)، وقَدْ خالف في ذلك جماهير العلماء، بما فيهم إمامه أبو حنيفة، وأيضًا زميله أبو يوسف؛ لذلك يعتبر رأيه شاذًّا. * قوله: (وَأَمَّا عَمَّنْ تَجِبُ؟ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى المَرْءِ فِي نَفْسِهِ، وَأَنَّهَا زَكاةُ بَدَنٍ لَا زَكاةُ مَالٍ). "تجب على المرء في نفسه"، وكما جاء فى حديث ابن عمر وغيره: فَرضَ رَسُولُ اللَّه ﷺ زكاة الفطر على الناس من رمضان، صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعيرٍ، على كل حرٍّ أو عبدٍ، ذكرٍ أو أنثى (٤).

стр. 3601

وَفِي الرِّواية الأخرى: صغيرًا أو كبيرًا (١). إذن، نَقُول هنا بأنَّ زكاة الفطر فرضٌ على كل مسلمٍ، صغيرًا كان أو كبيرًا، ذكرًا كان أو أنثى، حرًّا كان أو عبدًا، فَيَجب علَى الإنسَان المكلف أن يخرج عن نفسه، وأن يخرج عن أولاده ممَّن تلزمه نفقته، أمَّا أولاده الكبار الذين أصبحوا رجالًا، وخرجوا وتزوجوا، وأصبحوا يملكون الأموال، فانتهى أمرهم. إذن، تَجب نفقتُهُ على نفسه؛ ولذلك كان عبد اللَّه بن عمر ﵄ يُخْرج زكاة الفطر عن أهله جميعهم؛ صغيرهم وكبيرهم، وحُرِّهم وعبدهم، كما كان يخرجها عن رقيقِهِ، وعن رقيق زوجاتِهِ (٢). وَسَيأتِي الخلاف أيضًا: هل زكاة الفطر بالنِّسبة للزوجة تجب على زوجها أو أنها تلزمها بنفسها؟ فمذهب الجمهور أنها تجب على الزوج (٣)؛ لأنه مسؤولٌ عنها، ومسؤولٌ عن الإنفاق عليها، فهي داخلةٌ في النفقات الواجبة عليها، فيلزمه إخراج الزكاة عنها، والحنفية يخالفون في ذلك (٤)، وهذا سيأتي الكلام عنه إن شاء اللَّه.

стр. 3602

* قوله: (وَأَنَّهَا تَجِبُ فِي وَلَدِهِ الصِّغَارِ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَالٌ). بل بعض العلماء يرى أنها تجب عليه فى أولاده الصغار وَإِنْ كان لهم مالٌ (١). * قوله: (وَكَذَلِكَ فِي عَبِيدِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَالٌ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ). أمَّا بالنسبة للعبيد، فهناك خلاف معروفٌ بين العلماء في العبد: هل هو يملك أو لا يملك؟ والعَبْدُ أنواعٌ: القن (٢)، وهو كامل الرق، ثمَّ هناك المكاتب، وهناك المبعض (٣)، فالمبعض هو الذي بعضُهُ حرٌّ وبعضه مملوك، والمكاتب هو الذي كاتب سيده على نجوم متعددة على أن يدفع له مالًا على أقساط مقابل حريته، فإن التزم واستطاع أن يسدد أصبح حرًّا، وإن لم يكن، فإنه في هذه الحالة يَعُودُ مملوكًا (٤). ففي الحالة التي يكون فيها مكاتبًا، فهو متردد بين الحرية والملكية، بمعنى: أنَّ فيه جانبًا من الحُرِّيَّة؛ لأنه كاتبه سيده، فهو يسدد له نجومه، ومن جانب آخر: أنه لا يزال الرق موضوعًا عليه فملكه -على القول بأنه يملك- ناقص؛ لأن حرِّيته ناقصة. هل العبد من حيث الجملة يملك المال أو لا يملك المال؟

стр. 3603

هذه مَسْألةٌ فيها خلافٌ بين العلماء: من العلماء مَنْ يرى أن العبد لا يملك شيئًا، ومنهم مَنْ يرى أنه يملك (١)، وسبب الخلاف في ذلك الحديث الصحيح، والذي جاء فيه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مَنْ بَاع عبدًا له مال، فمالُهُ لسيِّده الذي بَاعه إلا أن يشترطه المبتاع" (٢)؛ أي: المشتري، فإن اشْتَرطه المشتري، فَحِينَئذٍ يكون له. . . مَعْنى هذا أن الأصلَ أن مال العبد لسيِّده، وإذا كان مال العبد في الأصل لسيِّده، فمعنى ذلك أن العبدَ لا يملك (٣)، حتى إنَّ العلماءَ يتكلَّمون فيما لو باع السيد عبده، وعليه ثيابٌ

стр. 3604

غاليةٌ ذات قيمة، كمشلح له قيمة كبيرة، ونحو ذلك، فهل تدخل في البيع أو لا؟ بعضهم يرى أنها لا تدخل، وإنما يدخل في ذلك الثياب المعتادة التي تُبَاع معه، وهذا يتكلَّم عنه العلماء في القواعد الفقهية عندما يفرعون على قاعدة: أيملك العبد أو لا يملك؟ (١). * قوله: (وَتَلْخِيصُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ). فَالمُؤلِّف بما أنه مالكيٌّ يريد أن يلخص مذهب مالك، لكن مذهب مالك الذي سيُلخِّصه لنا المؤلف هو ذاته يتفق معه العلماء في شطرين، فبَعْضهم معه في الشطر الأول، وبعضهم معه في الشطر الثاني. * قوله: (أَنَّهَا تَلْزَمُ الرَّجُلَ عَمَّنْ أَلْزَمَهُ الشَّرْعُ النَّفَقَةَ عَلَيْهِ). وَهَذا هو القول الأول: أنها تَلْزم الرجل في حقِّ كل مَنْ وجبت نفقته عليه، فكما أنه يجب عليه أن ينفق على زوجته، ويجب عليه أن ينفق على أولاده الصغار، كذلك أيضًا تجب عليه زكاة الفطر عن الزوجة والأولاد الصغار أيضًا، وعن الرقيق أيضًا (٢)؛ لأن نَفقتَهم واجبة عليه، ولذلك يتكلم العلماء فيما لو قصَّر إنسانٌ في الإنفاق على عبيده، بل يتكلَّمون أكثر من ذلك فيما لو امتنَعَ عن الإنفاق على ما عنده من دواب، أَيْ: حَيَوانات. * قوله: (وَوَافَقَهُ فِي ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ). "وَوَافَقَهُ فِي ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ"، في الشطر الأول وأحمد (٣).

стр. 3605

* قوله: (وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ مِنْ قِبَلِ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَنْ تَلْزَمُ المَرْءَ نَفَقَتُهُ إِذَا كَانَ مُعْسِرًا، وَمَنْ لَيْسَ تَلْزَمُهُ). يَعْني: الخلاف بين المذاهب الثلاثة في الجزئيات، أمَّا في الكليات فهم مُتَّفقون على أن كل مَنْ وجبت عليه نفقته، فإنه تجب عليه أيضًا إخراج زكاة الفطر عنهم. * قوله: (وَخَالَفَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الزَّوْجَةِ، وَقَالَ: تُؤَدِّي عَنْ نَفْسِهَا) (١). لمَاذا خالف أبو حنيفة في الزوجة؟ أَوَّلًا: الأئمَّة ﵏ عندما يخالف أحدهم في مسألةٍ ما، لا يخالف تشهيًا، ولا ليقال بأن فلانًا خالف؛ لأنه أعلم؛ لا، وإنما يخالف أحدهم غيره إما لأن لدى الآخرين دليلًا أو أدلة لم تبلغ هذا الإمام، أو ربما أن هذه الأدلة بلغته ولم تصح عنده، أو ربما أنها بلغته وصحت عنده، ولكنه تأولها، أو ربما أنها بلغته وصحت عنده لكن عنده دليل آخر أو فهم لدليل آخر يرى أنه يعارض أصحاب القول الآخر (٢). فَالجُمْهورُ هنا في كفة، وأبو حنيفة في كفة، فجمهور العلماء -وفيهم الأئمَّة: مالك والشافعي وأحمد- يَقُولُون: يجب على الزوج أن يخرج زكاة الفطر عن زوجتِهِ (٣)، وأبو حنيفة يَرَى أنها لا تجب عليه (٤)، وَسَببُ الخلاف هنا يدور في فَهْمه لحديث عبد اللَّه بن عمر؛ لأن حديث عبد اللَّه بن عمر فيه: "على الذكر والأنثى، والحر والعبد، والصغير والكبير" (٥)،

стр. 3606

والزوجة داخلة في الأنثى، فالجمهور فهموا فهمًا، وأبو حنيفة فهم فهمًا آخر، فالجمهور فهموا من "والأنثى" على أن الأنثى تجب عليها، لكن مَن الذي يُخْرجها عنها؟ الزوج هو الذي تجب عليه نفقتها، وأبو حنيفة فَهِمَ فهمًا آخر: أنه لما قال عَبْدُ اللَّه بن عمر: "على الذَّكر والأنثى"؛ أي: أنها تجب على الأنثى بنفسها، كَمَا أنها تجب على الذكر بنفسه. إذًا، كل واحدٍ من أصحاب القولين وَجَّه الحديث، واعتبر أنه حجة له. فَلْنعلَم أن تلكم الخلافات التي تقع بين الأئمة وبين غَيْرهم من العُلَماء العاملين المخلصين الذين وَقَفوا حياتهم خدمةً لهذه الشريعة، وخدمةً لكتاب اللَّه ، ولسنة رسوله ﷺ إنما هو خلافٌ يَنْتهي إلى وِفَاقٍ، لأن مَردَّ الجميع هو كتاب اللَّه ، وسُنَّة رَسُوله ﷺ ، وهم يُدْركون غاية الإدراك، هم والأئمة الأعلام، والَّذين استنبطوا لنا كثيرًا من الأحكام من كتاب اللَّه ومن سنة رسوله ﷺ يُدْركون معنى قول اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]، ولا شك أن الرد إلى اللَّه إنما هو الرَّدُّ إلى كتابه، والرد إلى رسول اللَّه ﷺ إنما هو الرجوع إليه في وقت حياته، وإلى ما صحَّ من سنته ﵊ بعد مماته، هذا هو المنهج الذي رسمه لنا رسول اللَّه ﷺ ، وسار في ضوئه أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، وَكَذلك اقْتدَى بهم التابعون الأئمة الأعلام، ثمَّ جاء بعدهم أئمة المذاهب وأمثالهم الذين جَعَلوا حياتهم وقفًا لخدمة هذا الدين، والوُصُول به إلى نفوس الناس صافيًا نقيًّا كما تَلقَّوه ممن قبلهم، وما فهموه من كتاب اللَّه ، ومن سنة رسول اللَّه ﷺ . ولَوْ أردنا أن نعرضَ أقوالهم، لَوَجدنا أنهم كلهم كان يُحَارب التعصُّب، فأبو حنيفة ﵀ كان لما سُئِلَ عن مَسْألةٍ، فقيل: أهذا هو الحقُّ الذي لا شك فيه؟ قال: لا أدري، لعلَّه الباطل الذي لا شك فيه.

стр. 3607

وَكَانَ يقول: إذا جَاءَ الأمر عن اللَّه، فَعَلى العين والرأس، وإذا جاء عن رَسُول اللَّه، فعلى العين والرأس، وإذا اجتمع الصحابة على أمرٍ أخذنا به، وإذا اختلفوا تخيرنا من أقوالهم، وإذا جاء عن غيرهم فنحن رجالٌ وهم رجالٌ، يقصد عن التابعين (١). وكان الإمام مالك (إمام دار الهجرة) التي تضرب إليه أكباد الإبل من مشارق الأرض ومغاربها إمامًا، هذا الإمام الذي عاش فترة طويلة يعلم الناس في مسجد رسول اللَّه ﷺ ، يُبيِّن لهم ما جَاء في كتابه ، وَمَا ورد في سُنَّته ﷺ ، كان يقول للناس: ما منا إلا رادٌّ ومردودٌ عليه إلا صاحب هذا القبر، وَيُشِيرُ إلى قَبْر رسول اللَّه ﷺ (٢)، لماذا لا يُرَدُّ على رسول اللَّه؟ لأنه لا ﴿. . . يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ٣ - ٥]، أما غيره فيجتهد، فإن أصاب فله أَجْرَان، وإن أخطأ فلَه أجرٌ واحدٌ، كما بَيَّن ذلك رسول اللَّه ﷺ في قوله: "إذَا اجْتهَد الحَاكم فأصَاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجرٌ واحدٌ" (٣). وكان الإمام الشافعي يقول: إذا صحَّ الحديث، فهو مذهبي (٤).

стр. 3608

معنى هذا: أن الإمام الشافعي لو قال قولًا، ووجدنا أن هذا القول يخالفه حديث صحيح عن رسول اللَّه ﷺ ، فنقول: إن هذا القول الذي يوافق حديث رسول اللَّه هو قول الإمام الشافعي؛ لأنه تَبَرأ عن كلِّ قَوْلٍ قاله يخالف قول رسول اللَّه ﷺ . وَكَانَ الإمام أحمد ﵀ يَقُول: "لا تُقلِّدوني، ولا تُقلِّدوا مالكًا، ولا الأوزاعي، ولكن خذوا من حيث أخذوا" (١). لكن مَن الذي يأخُذُ من حيث أخذوا؟ هُوَ الذي لَدَيه القدرة، يعني: تَجمَّعت لديه أدلة الاجتهاد: معرفته بالكتاب والسُّنَّة، بالناسخ والمنسوخ، بالمطلق والمقيد، أيضًا بما يتعلق بالمسائل الضرورية في اللغة العربية، يعرف أيضًا بعض أهم مسائل مصطلح الحديث، وعلوم القرآن، وهذه هي التي نبَّه إليها الإمام الشافعي ﵀ في كتابه "الرسالة" (٢). الخلاصة: أنَّ هذه الخلافات، وتشعُّب المسائل التي نراها في كتب الفقه، والتي ربما تضيق فيه صدور بعض طلاب العلم، هي في الحقيقة إنما وَصَلَ إليها العلماء نتيجة اجتهادٍ، ونتيجة حرصهم -رحمهم اللَّه تعالى جميعًا- علَى الوُصُول إلى الحق من أقرب طريقٍ وأداةٍ، فرحمهم اللَّه تعالى جميعًا. * قوله: (وَخَالَفَهُمْ أَبُو ثَوْرٍ فِي العَبْدِ إِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ، فَقَالَ: إِذَا كَانَ لَهُ، زَكَّى عَنْ نَفْسِهِ، وَلَمْ يُزَكِّ عَنْهُ سَيِّدُهُ (٣)، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ (٤)).

стр. 3609

هَذَا الخلاف الذي ذَكَره عن أبي ثورٍ خالف فيه الجمهور (١)، وأهل الظاهر أيضًا وافقوه في ذلك، بل أهل الظاهر يتوسعون في ذلك، ويَرَون أكثر مما رأى. * قوله: (وَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَى المَرْءِ فِي أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ إِذَا كَانَ لَهُمْ مَالٌ - زَكَاةُ فِطْرٍ). يريد المؤلف أن يقول: جمهور العلماء يَرَون أن الأب إذا كان عنده أولاد صغار يملكون مالًا، هذا المال قَدْ يكون ورثوه من أُمِّهم، أو تَكُون لهم أموالٌ جَاءَتهم عن طريق الهدايا ونحوها، فَالإنسَان يملك، قد يَمْلك وهو صغيرٌ، إما عن طريق الميراث، أَوْ عن طريق غيره، وقد يوجد من الصغار مَنْ عنده من الكياسة والدراية والفطنة ما يجعله يماكس في الأسواق، ويكسب مالًا، وربما يَكُون في سن السادسة أو السابعة، وقد تجد كبيرًا لا يُحْسن ذلك، كما في قصة الرجل الذي كان في زمن رسول اللَّه ﷺ الذي يُخْدع في البيع (٢)، ولذلك المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، نعم الغالب أن الكبير يدرك الأمور؛ لأنه نضج وأصبح رجلًا

стр. 3610

سويًّا، لكن تجد من الصغار مَنْ عنده من القدرة والخبرة والذكاء والفطنة ما يُؤهِّله لأن يبيع ويشتري ويكتسب. وربما يأتيه هذا المال عن طريق هدية، أَوْ عن طريق تبَرع، أو عن طريق إرث، إلى غير ذلك، فهذا الذي له مال هل يلزم وليه أن يخرج عنه؟ وإن كان له مال محافظة على ماله، أو أنه يجب عليه في ماله؟ جمهور العلماء يرون أن مَنْ له مال، لا يجب على وليه، وبعضهم يرى أنه يلزم الولي أن يخرج عنه وإن كان عنده مال (١). * قوله: (وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ). فَهَذا وجهٌ في مذهب الشافعية وإنْ كان هو المشهور، لَكن يوجد وجة آخر، والوَجْه هو الذي يخرجه الأصحاب على الإمام. يعني: كل إمامٍ من الأئمة له قواعد وأسس وضعها لمذهبه، هذه القَوَاعدُ لمَّا اجتمعت مَسَائلُ الفقهاء، تَحرَّى الذين جَاؤوا بعد التَّلاميذ فَصَاروا يَبْحثون عن عِلَلِ الأحكام، ثمَّ بعد ذلك استطاعوا أن يسبروا تلكم الأحكام، وأن يَعْرفوا الأصول التي بنى عليها الأئمة آرَاءَهم، فَصَاروا يخرجون على هذه الأصول.
следующие страницы →