والزوجة داخلة في الأنثى، فالجمهور فهموا فهمًا، وأبو حنيفة فهم فهمًا آخر، فالجمهور فهموا من "والأنثى" على أن الأنثى تجب عليها، لكن مَن الذي يُخْرجها عنها؟ الزوج هو الذي تجب عليه نفقتها، وأبو حنيفة فَهِمَ فهمًا آخر: أنه لما قال عَبْدُ اللَّه بن عمر: "على الذَّكر والأنثى"؛ أي: أنها تجب على الأنثى بنفسها، كَمَا أنها تجب على الذكر بنفسه.
إذًا، كل واحدٍ من أصحاب القولين وَجَّه الحديث، واعتبر أنه حجة له.
فَلْنعلَم أن تلكم الخلافات التي تقع بين الأئمة وبين غَيْرهم من العُلَماء العاملين المخلصين الذين وَقَفوا حياتهم خدمةً لهذه الشريعة، وخدمةً لكتاب اللَّه ، ولسنة رسوله ﷺ إنما هو خلافٌ يَنْتهي إلى وِفَاقٍ، لأن مَردَّ الجميع هو كتاب اللَّه ، وسُنَّة رَسُوله ﷺ ، وهم يُدْركون غاية الإدراك، هم والأئمة الأعلام، والَّذين استنبطوا لنا كثيرًا من الأحكام من كتاب اللَّه ومن سنة رسوله ﷺ يُدْركون معنى قول اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]، ولا شك أن الرد إلى اللَّه إنما هو الرَّدُّ إلى كتابه، والرد إلى رسول اللَّه ﷺ إنما هو الرجوع إليه في وقت حياته، وإلى ما صحَّ من سنته ﵊ بعد مماته، هذا هو المنهج الذي رسمه لنا رسول اللَّه ﷺ ، وسار في ضوئه أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، وَكَذلك اقْتدَى بهم التابعون الأئمة الأعلام، ثمَّ جاء بعدهم أئمة المذاهب وأمثالهم الذين جَعَلوا حياتهم وقفًا لخدمة هذا الدين، والوُصُول به إلى نفوس الناس صافيًا نقيًّا كما تَلقَّوه ممن قبلهم، وما فهموه من كتاب اللَّه ، ومن سنة رسول اللَّه ﷺ .
ولَوْ أردنا أن نعرضَ أقوالهم، لَوَجدنا أنهم كلهم كان يُحَارب التعصُّب، فأبو حنيفة ﵀ كان لما سُئِلَ عن مَسْألةٍ، فقيل: أهذا هو الحقُّ الذي لا شك فيه؟ قال: لا أدري، لعلَّه الباطل الذي لا شك فيه.
стр. 3607
وَكَانَ يقول: إذا جَاءَ الأمر عن اللَّه، فَعَلى العين والرأس، وإذا جاء عن رَسُول اللَّه، فعلى العين والرأس، وإذا اجتمع الصحابة على أمرٍ أخذنا به، وإذا اختلفوا تخيرنا من أقوالهم، وإذا جاء عن غيرهم فنحن رجالٌ وهم رجالٌ، يقصد عن التابعين (١).
وكان الإمام مالك (إمام دار الهجرة) التي تضرب إليه أكباد الإبل من مشارق الأرض ومغاربها إمامًا، هذا الإمام الذي عاش فترة طويلة يعلم الناس في مسجد رسول اللَّه ﷺ ، يُبيِّن لهم ما جَاء في كتابه ، وَمَا ورد في سُنَّته ﷺ ، كان يقول للناس: ما منا إلا رادٌّ ومردودٌ عليه إلا صاحب هذا القبر، وَيُشِيرُ إلى قَبْر رسول اللَّه ﷺ (٢)، لماذا لا يُرَدُّ على رسول اللَّه؟ لأنه لا ﴿. . . يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ٣ - ٥]، أما غيره فيجتهد، فإن أصاب فله أَجْرَان، وإن أخطأ فلَه أجرٌ واحدٌ، كما بَيَّن ذلك رسول اللَّه ﷺ في قوله: "إذَا اجْتهَد الحَاكم فأصَاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجرٌ واحدٌ" (٣).
وكان الإمام الشافعي يقول: إذا صحَّ الحديث، فهو مذهبي (٤).
стр. 3608
معنى هذا: أن الإمام الشافعي لو قال قولًا، ووجدنا أن هذا القول يخالفه حديث صحيح عن رسول اللَّه ﷺ ، فنقول: إن هذا القول الذي يوافق حديث رسول اللَّه هو قول الإمام الشافعي؛ لأنه تَبَرأ عن كلِّ قَوْلٍ قاله يخالف قول رسول اللَّه ﷺ .
وَكَانَ الإمام أحمد ﵀ يَقُول: "لا تُقلِّدوني، ولا تُقلِّدوا مالكًا، ولا الأوزاعي، ولكن خذوا من حيث أخذوا" (١).
لكن مَن الذي يأخُذُ من حيث أخذوا؟
هُوَ الذي لَدَيه القدرة، يعني: تَجمَّعت لديه أدلة الاجتهاد: معرفته بالكتاب والسُّنَّة، بالناسخ والمنسوخ، بالمطلق والمقيد، أيضًا بما يتعلق بالمسائل الضرورية في اللغة العربية، يعرف أيضًا بعض أهم مسائل مصطلح الحديث، وعلوم القرآن، وهذه هي التي نبَّه إليها الإمام الشافعي ﵀ في كتابه "الرسالة" (٢).
الخلاصة: أنَّ هذه الخلافات، وتشعُّب المسائل التي نراها في كتب الفقه، والتي ربما تضيق فيه صدور بعض طلاب العلم، هي في الحقيقة إنما وَصَلَ إليها العلماء نتيجة اجتهادٍ، ونتيجة حرصهم -رحمهم اللَّه تعالى جميعًا- علَى الوُصُول إلى الحق من أقرب طريقٍ وأداةٍ، فرحمهم اللَّه تعالى جميعًا.
* قوله: (وَخَالَفَهُمْ أَبُو ثَوْرٍ فِي العَبْدِ إِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ، فَقَالَ: إِذَا كَانَ لَهُ، زَكَّى عَنْ نَفْسِهِ، وَلَمْ يُزَكِّ عَنْهُ سَيِّدُهُ (٣)، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ (٤)).
стр. 3609
هَذَا الخلاف الذي ذَكَره عن أبي ثورٍ خالف فيه الجمهور (١)، وأهل الظاهر أيضًا وافقوه في ذلك، بل أهل الظاهر يتوسعون في ذلك، ويَرَون أكثر مما رأى.
* قوله: (وَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَى المَرْءِ فِي أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ إِذَا كَانَ لَهُمْ مَالٌ - زَكَاةُ فِطْرٍ).
يريد المؤلف أن يقول: جمهور العلماء يَرَون أن الأب إذا كان عنده أولاد صغار يملكون مالًا، هذا المال قَدْ يكون ورثوه من أُمِّهم، أو تَكُون لهم أموالٌ جَاءَتهم عن طريق الهدايا ونحوها، فَالإنسَان يملك، قد يَمْلك وهو صغيرٌ، إما عن طريق الميراث، أَوْ عن طريق غيره، وقد يوجد من الصغار مَنْ عنده من الكياسة والدراية والفطنة ما يجعله يماكس في الأسواق، ويكسب مالًا، وربما يَكُون في سن السادسة أو السابعة، وقد تجد كبيرًا لا يُحْسن ذلك، كما في قصة الرجل الذي كان في زمن رسول اللَّه ﷺ الذي يُخْدع في البيع (٢)، ولذلك المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، نعم الغالب أن الكبير يدرك الأمور؛ لأنه نضج وأصبح رجلًا
стр. 3610
سويًّا، لكن تجد من الصغار مَنْ عنده من القدرة والخبرة والذكاء والفطنة ما يُؤهِّله لأن يبيع ويشتري ويكتسب.
وربما يأتيه هذا المال عن طريق هدية، أَوْ عن طريق تبَرع، أو عن طريق إرث، إلى غير ذلك، فهذا الذي له مال هل يلزم وليه أن يخرج عنه؟ وإن كان له مال محافظة على ماله، أو أنه يجب عليه في ماله؟
جمهور العلماء يرون أن مَنْ له مال، لا يجب على وليه، وبعضهم يرى أنه يلزم الولي أن يخرج عنه وإن كان عنده مال (١).
* قوله: (وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ).
فَهَذا وجهٌ في مذهب الشافعية وإنْ كان هو المشهور، لَكن يوجد وجة آخر، والوَجْه هو الذي يخرجه الأصحاب على الإمام. يعني: كل إمامٍ من الأئمة له قواعد وأسس وضعها لمذهبه، هذه القَوَاعدُ لمَّا اجتمعت مَسَائلُ الفقهاء، تَحرَّى الذين جَاؤوا بعد التَّلاميذ فَصَاروا يَبْحثون عن عِلَلِ الأحكام، ثمَّ بعد ذلك استطاعوا أن يسبروا تلكم الأحكام، وأن يَعْرفوا الأصول التي بنى عليها الأئمة آرَاءَهم، فَصَاروا يخرجون على هذه الأصول.
стр. 3611
إذًا، هناك تخريجان في مذهب الشافعي:
الأوَّل: هو الذي ذكره المؤلف، وهو أشهر (١).
والآخر: يرى أنها تجب أيضًا على الأب (الولى) وإنْ كان من هو تحت ولايته يملك مالًا (٢)، وهو أيضًا مذهب أحمد (٣).
* قوله: (وَأَبُو حَنِيفَةَ (٤) وَمَالِكٌ (٥)، وَقَالَ الحَسَنُ: هِيَ عَلَى الأَبِ (٦)).
* قوله: (الحسن) يُقْصد به الحسن البصري الإمام التابعي الجليل الزاهد.
* قوله: (وَإِنْ أَعْطَاهَا مِنْ مَالِ الِابْنِ، فَهُوَ ضَامِنٌ).
فالحسن البصري يرى أنه لو أخرجها الأب من مال الابن الذي يملك مالًا، فإنه يكون ضامنًا؛ لأنه هو والٍ على الابن، فينبغي أن يحافظ
стр. 3612
عليه، فكما أنَّ زكاة الأموال حُضَّ أولياء الأيتام ألا يتركوا أموالهم تأكلها الزكاة، وإنما حضوا على أن يضربوا لها في الأسواق، كذلك هنا وجهة هؤلاء أن الصغير إنما هو أمانةٌ في عنق والده، أو أمانةٌ في يد من وليٍّ عليه؛ لأنه قد يكون وليُّ أمره ليس والده؛ لأنه قد يكون يتيمًا، وهذا الوليُّ قَدْ يكون قريبًا، وقَدْ يكون وصيًّا وصَّاه، وقد يكون الولي هو القاضي أو أمين القاضي، وقَدْ يكون القاضي هو الَّذي وضعه وليًّا لذلك.
الخلاصة: أن وليَّ أمر الصغير عند أكثر العلماء إنما هو يخرج من ماله؛ لأنه يملك مالًا، والزكاة تجب على الصغير كما تجب على الكبير، والآخرون قالوا: لا، هي تَجب على الصغير، لكن المسؤول عنه يُخْرج عنه.
بقيت أيضًا الخادمة، فالآن جدَّت أمورٌ، فغالب البيوت تجد فيها خادمةً، تجد فيها سائقًا، تجد فيها أكثر من خادمة، فهؤلاء زكاة الفطر تجب على مَنْ؟ هل هي تجب على المسؤول عنه الذي استقدم هذا الشخص، أَوْ لم يستقدمه لكنه عاملٌ عنده كأن يكون في متجره أو في منزله، أو سائقًا أو عاملًا في مزرعته أو مصنعه، إلى آخره، فَزَكاة الفطر تجب عليه، لكن مَنْ يخرجها؟
يُخْرجها الخادم نفسه إلا أن يشترط ذلك على المسؤول عنه، أو أن يَتبَرع بها المسؤول عنه، فإن تبَرع بها، فَهو جائزٌ، أو إن اشترطها عليه فهو جائزٌ؛ لأن المؤمنين عند شروطهم إلا شرطًا حرم حلالًا، أو أحل حرامًا، فَالأصلُ أنَّ الإنسان يُخْرجها عن نفسه.
* قوله: (وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ هَذِهِ الزَّكَاةِ الغِنَى عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ، وَلَا نِصَابٌ).
فَزَكاة الأموال تجب إذا بلغت نصابًا، والنصابُ بالنسبة للدراهم أن تبلغ مائتي درهم، وقلنا: إنها تُقدَّر في زمننا الحاضر بالريال السعودي، الفضة بستة وخمسين ريالًا، فمَنْ ملك ستةً وخمسين ريالًا من الفضة،
стр. 3613
وجبت عليه الزكاة، أو ملك عشرين مثقالًا (أي: عشرين دينارًا)، وَيَجب فيها ربع العشر، أَيْ: اثنان ونصف في المائة.
هل يُشْتَرط النصاب في زكاة الفطر؟
عند جماهير العلماء: لا يُشْترط فيها النصاب.
هل يُشْتَرط فيها الغنى؟
عند جماهير العلماء: لا يُشْترط فيها الغنى، فأيُّ إنسانٍ ملك قُوتَه، يعني: ما يقتات به؛ أي: ما يجده يأكله ليلة العيد ويوم العيد، ومَنْ هم تحت مسؤوليته، ما زاد عن ذلك يخرج زكاته (١).
فَلَوْ أن إنسانًا عندما غربت الشمس ليلة العيد، كان يملك مثلًا صاعين، هنا يحتاج ليقتات هو ومَنْ عنده صاع في هذه الفترة، وهذا الصاع زائد عن قوتِهِ وقوت عيالِهِ، فيخرجه عن نفسه، فإن كان عنده صاع آخر، أخرجه عن الآخر، وهكذا.
إذًا، المهم هنا أن الإنسانَ يملك في يوم العيد وليلته ما يزيد عن قُوتِهِ وقوت عيالِهِ؛ أي: ما يقتاته هو ومَنْ هم تحت يده؛ أي: ما يحتاجون إليه في أَكْله، فما زاد عن ذلك يخرجه، وهو إذا أخرجه، فإن اللَّه سيتكفل بتعويضه عن ذلك إن شاء اللَّه؛ لأن النفقة لا تنقص المالَ، بل تزيده، ولذلك جاء في الحديث: "أنفق ننفق عليك" (٢).
стр. 3614
وكُلَّما كان الإنسان مبسوط اليد، باذلًا للمعروف، منفقًا في سبيل اللَّه، وكلما كان حريصًا على أن تكون نفقته في السر أكثر من العلانية، فاللَّه لن يضيع أجره، سيحفظ له ذلك في ميزان حسناته، وسيبارك اللَّه له بمالِهِ الذي عنده.
واللَّه وَعَد المنفقين في كتابه، فقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥].
﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] في صدقة السر.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾، ولا يقف عند هذا الحد ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١].
إذًا، هذا هو شأن المُنْفقين في سبيل اللَّه، ولذلك يقول اللَّه في وَصْف عباده المؤمنين المتقين الذين يسارعون إلى فعل الخيرات: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣، ١٣٤].
* قوله: (وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ هَذِهِ الزَّكَاةِ الغِنَى عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ، وَلَا نِصَابٌ).
جَماهيرُ العلماء وَمنهم الأئمة (١) عدا أبي حنيفة (٢) لا يشترطون الغنى، فهو كَمَا ذكرنا، وهذا هو الرأي الصحيح: مَنْ ملك ما يزيد عن قوتِهِ وقوت عياله الذين تلزمه نفقتهم، فإنه يخرج زكاة الفطر.
стр. 3615
* قوله: (بَلْ أَنْ تَكُونَ فَضْلًا عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ).
"فضلًا" يعني: زائدة.
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: لَا تَجِبُ عَلَى مَنْ تَجُوزُ لَهُ الصَّدَقَةُ (١)).
وهذه مسألةٌ أخرى، قد يقال: لماذا خالف أبو حنيفة الجمهور؟
* قوله: (لِأَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ أَنْ تَجُوزَ لَهُ، وَأَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ).
فلو قُدِّر أن إنسانًا عنده قليلٌ من القمح أو من التمر، هو ما مَلَك نصابًا؛ لأنه متى يملك الإنسان نصابًا؟ إذا ملك ثلاث مائة صاعٍ التي هي خمسة أوسق، والوسق: ستون صاعًا، فأبو حنيفة يَقُول: كيف نطالبه بإخراج الزكاة، ثمَّ في نفس الوقت نَدْفع له الزَّكاة من جَانِبٍ آخَرَ؟
نَقُولُ في الجَوَاب في ذَلكَ: نحن نُطَالبه بزكاة الفطر؛ لأن هذه زكاة عن بدنِهِ، وهي تطهير لبدنه، فلا يشترط فيها النصاب، وتلك زكاة لماله، فلا نطالبه إلا بما زاد عن النصاب إذا بلغت نصابًا؛ لأن الإنسان لو أخذ منه قبل أن يبلغ نصابًا لشقَّ عليه، ولذلك نحن نجد أن الشَّريعَة الإسلاميَّة -كما بينَّا ذلك عندما كنا نتكلم عن وجوب الزكاة في بهيمة الأنعام، وكذلك في النقدين، وقلنا: إنها حددت بهذه المقادير لحِكْمةٍ- إنَّما هي تَشْتمل على حِكَمٍ وأسرارٍ؛ لأنها أنزلت من لدن حكيمٍ خبيرٍ: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤]؟ بلى؛ لأنَّه هَو الذي خلَق هذا الكونَ، هو الذي خَلَق هذه الخليقة، هو الَّذي خلق الإنسان وسَوَّاه في أحسن تقويمٍ، فَهُو الذي يعلم ما يصلح شؤون الناس، وما تَسْتقيم به أمورُهُم،
стр. 3616
وما فيه حياتهم واستقامتهم، حياة أبدانهم وحياة أرواحهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤].
فإذا كانت الأبدان تحيا بالماء والطعام؛ لأن البدنَ لا يمكن أن يعيش بدون الماء، فَكَذلك الأرواح لا تعيش بدون الدِّين: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، فَالأَرْضُ التي يُزْرع فيها تحيا بالماء، والخليقة إنما تَحْيا أبدانها بالماء، كذلك أيضًا هذه الأرواح إنما تحيا بهذه الشريعة العظيمة، أما تِلْكم القوانين والشرائع التي من وضع الناس، ومن زُبَد أفكارهم، فهي آراء أناس يدخلها النقص والتعديل والتبديل، ولذلك تتغير، أما شريعة اللَّه فهي باقيةٌ خالدةٌ إلى أن تقوم الساعة؛ لأنها شريعة اللَّه علَّام الغيوب الذي جعلها خاتمة الشرائع: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩].
* قوله: (وَذَلِكَ بَيِّنٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَإِنَّمَا اتَّفَقَ الجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الزَّكَاةَ لَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ لِمُكَلَّفٍ مُكَلَّفٍ فِي ذَاتِهِ فَقَطْ كَالحَالِ فِي سَائِرِ العِبَادَاتِ، بَلْ وَمِنْ قِبَلِ غَيْرِهِ).
إذًا، مراد المؤلف هنا أن الأصلَ في المكلف ألَّا يكلَّف إلا بما يخصُّه، فَهَل الإنسان يكلف بالصلاة عن غيره؟ لا، كَذَلك أيضًا صيام رمضان يجب على الإنسان بنفسه، لكنَّه لا يجب عليه بغيره، لكن قضية أن يصوم عن إنسانٍ ميتٍ، أو يحجَّ عن إنسان ميت، فهذا أمر آخر، لكن يَجب على الإنسان في نفسه أن يحج عن نفسه، وأن يصوم عن نفسه، وأن يؤدي الصلاة عن نفسه، ولا يؤديها عن غيره، هذا هو الأصل.
إذًا، الإنْسَانُ في الأصل مكلفٌ أنه يؤدي العبادات عن نفسه، فكيف هنا يُؤدِّيها عن غيره؟ هذا هو الذي أشار إليه المؤلف، هَذَا هو الأصل، نَعمْ نقول هنا: يُؤدِّيها عن غيره؛ لأنَّ هذِهِ زَكاةُ أبدانٍ، وأنت مسؤولٌ عن هذه الأبدان التي وكل اللَّه إليك حفظها ورعايتها، وأرشدك إلى ذلك
стр. 3617
رسول اللَّه ﷺ بقوله: "كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيته" (١)، فأنتَ مسئولٌ عن هؤلاء، وأنت مسئولٌ عن إيجاب النفقة عليهم؛ لأنهم عيال اللَّه: "النَّاس عيال اللَّه" (٢)، فأنتَ مسئولٌ عن رعاية هؤلاء الناس الَّذين تحت سلطتك، من هنا وَجَب على المكلف -زيادةً على ما يجب عليه نفسه- أن يخرج نفقة هؤلاء، هذا هو الذي يريد أن يُشير إليه المؤلف، أو الذي أومأ إليه.
* قوله: (وَإِنَّمَا اتَّفَقَ الجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الزَّكَاةَ لَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ لِمُكَلَّفٍ مُكَلَّفٍ فِي ذَاتِهِ فَقَطْ؛ كَالحَالِ فِي سَائِرِ العِبَادَاتِ) (٣).
"لمُكلَّف" أكدها بـ "مكلف في ذاته"، والأصل أن الإنسان يكلف عن نفسه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ [المدثر: ٣٨]، لكن هنا أُضيفَت إليك تَكاليفُ أخرى، لماذا؟ لأن هؤلاء تحت سلطتك، وتحت رعايتك، وأنت المسؤول عنهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ [التحريم: ٦].
* قوله: (بَلْ وَمِنْ قِبَلِ غَيْرِهِ لِإِيجَابِهَا عَلَى الصَّغِيرِ وَالعَبِيدِ).
لأنَّ زكاة الفطر تختلف عن غيرها، فالمعروف في العبادات أن الإنسانَ يُؤدِّيها عن نفسه، فهو يُصلَي عن نفسه، لا عن غيره، ويحج عن نفسه، لكن إِنْ حجَّ عن غيره، فليس ذلك بلازمٍ عليه، وكذلك أيضًا الحال في زكاة الأموال، لَكن في زكاة الفطر يختلف الأمر: فإن المكلف الذي يملك قُوتَه وقوتَ مَنْ هم تحت نفقته ليلة العيد ويومه، يلزمه أن يقدم الفطرة عن نفسه، وعمَّن هم تحت نفقته من رقيقٍ ونساءٍ وصغارٍ أيضًا،
стр. 3618
ممن لا مال لهم بالنسبة للصغار، أما الذين لهم مالٌ، ففيهم خلاف (١).
من هنا نجد أن زكاة الفطر تختلف عن غيرها؛ لأن زكاةَ الفطر إنما هي تَطهيرٌ لبدن الإنسان؛ لأنها "طهرة للصائم" (٢) بعد صيامه عن اللغو والرفث، "وطعمة للمساكين" (٣) أَيْ: فيها مواساةٌ للمساكين في هذا اليوم الذي يَنْبغي أن يكونوا فيه سعداء؛ كغيرهم من القادرين.
* قوله: (فَمَنْ فَهِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ عِلَّةَ الحُكْمِ الوِلَايَةُ، قَالَ: الوَلِيُّ يَلْزَمُهُ إِخْرَاجُ الصَّدَقَةِ عَنْ كُلِّ مَنْ يَلِيهِ، وَمَنْ فَهِمَ مِنْ هَذِهِ النَّفَقَةِ قَالَ: المُنْفِقُ يَجِبُ أَنْ يُخْرِجَ الزَّكَاةَ عَنْ كُلِّ مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ بِالشَّرْعِ) (٤).
ما هي العلة؟ وما هو السبب في كونه يُزكِّي عن غيره؟ هل السبب هو كونه مسؤولًا عن مؤنة هؤلاء (أَيْ: عن نفقتهم)؟ أو لأنَّ له الولاية عليهم؛ أي: أن اللَّه جعل له الولاية عليهم؟
من هنا يختلف الأمر، فهناك مَنْ يقول بأن مَنْ تجب نفقتهم عليه يلزمه أن يؤدي عنه، ومَنْ نظر إلى الولاية أيضًا قال: إن العلة في ذلك هي الولاية.
* قوله: (عَنْ كُلِّ مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ بِالشَّرْعِ).
فالإنسان (أَيْ: المكلف) ينفق على زوجته، وَإنْ كان عنده أكثر من زوجةٍ، فتلزمه النفقة عليهن، والمنفق ينفق على قَدْر حاله: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فإذا كان الإنسان غنيًّا، فينفق على قَدْر حاله، وإذا كان متوسطًا، فَكَذلك، وإذا كان دون ذلك، فحسب استطاعتِهِ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، لَكن النَّفقة
стр. 3619
لازمة بالنسبة للزوجة، وبالنسبة للأولاد الصغار الذين لا مال لهم، وكذلك بالنسبة للأبوين اللَّذين يحتاج إلى الإنفاق عليهما.
* قوله: (وَإِنَّمَا عَرَضَ هَذَا الِاخْتِلَافُ؛ لِأَنَّهُ اتُّفِقَ فِي الصَّغِيرِ وَالعَبْدِ، وَهُمَا اللَّذَان نَبَّهَا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الزَّكَاةَ لَيْسَتْ مُعَلَّقَةً بِذَاتِ المُكَلَّفِ فَقَطْ).
وَمُرَادُهُ: أن الخلافَ قد عرضَ؛ لأنه جاء التنبيه على الصغير والمملوك، كَمَا في حديث عبد اللَّه بن عُمَر (١)، وأيضًا في رِوَاياتٍ أخرى: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أمر بذلك، ومثله أيضًا حديث أبي سعيدٍ (٢) وابن عباس (٣)، وغيرها من الأحاديث المتعددة التي وَرَدتْ في ذلك.
* قوله: (بَلْ وَمِنْ قِبَلِ غَيْرِهِ إِنْ وُجِدَتِ الوَلَايَةُ فِيهَا وَوُجُوبُ النَّفَقَةِ).
أي: أنَّ هذه الزكاةَ ليست قاصرةً على المكلف القادر الذي يملك قُوتَ نفسه، وقُوتَ عياله يوم العيد وليلته؛ لأن زكاة الفطر -كما نبهنا- تختلف عن الزَّكاة الواجبة، لا يُشْترط في المزكي أن يكون غنيًّا، ولا مالكًا للنصاب، ولا يُشْتَرط الحول فيها، وَمن هنا اختلفت عن زكاة المال.
* قوله: (فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ العِلَّةَ فِي ذَلِكَ وُجُوبُ النَّفَقَةِ (٤)، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ العِلَّةَ فِي ذَلِكَ الوِلَايَةُ (٥)، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي
стр. 3620
الزَّوْجَةِ (١)، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا: "أَدُّوا زَكَاةَ الفِطْرِ عَنْ كُلِّ مَنْ تَمُونُونَ" (٢)).
"مَنْ تَمُونون"، يعني: مَنْ تلزمكم نفقته ومؤنته، وهذا جزء من حديث عبد اللَّه بن عمر (٣)، وهو حديثٌ اختصرَه المؤلف، وجاء بمحل الشاهد فيه، وفيه قال: أمر رسول اللَّه ﷺ بصدقة الفطر، ثم ذكر: "على الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والحر والعبد ممن تمونون" (٤).
وَوَردَ موقوفًا أيضًا عَنْ عبد اللَّه بن عمر أنه كان يخرج صدقة الفطر عن جميع مَنْ يعولهم من صغيرٍ وكبيرٍ ممن تلزمه مؤنتهم (٥). هَذَا ووَرد أيضًا عن عبد اللَّه بن عمر أنه كان يخرج زكاة الفطر عن الصغير والكبير، والحر والعبد ممن يعول، وكان يخرج أيضًا الزكاة عن رقيقه، وعن رقيق نسائه (٦).
وَهَذَا حديثٌ مختلفٌ فيه صحةً وضعفًا، فمن العلماء مَنْ يصححه، ومنهم مَنْ يتكلم فيه، وله عدة طرق، وهو صالحٌ للاحتجاج به (٧).
* قوله: (وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مَشْهُورٍ).
بمعنى أنه ليس في "الصحيحين"، أو ليس متفقًا على صحته، بل فيه كلام.
стр. 3621
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنَ العَبِيدِ فِي مَسَائِلَ).
الآن سينتقل إلى الرقيق، فالعلماء قد اختلفوا، هل كل عبدٍ تجب زكاته على سيده؟
وَالعَبيدُ أنواع: فيهم القن والرق فيه كامل، وفيهم المكاتب، وفيهم المبعض، وهكذا، ثم هؤلاء العبيد منهم عبيد خاصون بخدمة سيدهم، وفيهم مَنْ هو معدٌّ للتجارة؛ أي: يعتبر مالكًا، والذي يعد للتجارة تجب فيه زكاة المال، فهل يضاف إلى ذلك أيضًا زكاة أُخرى التي هي زكاة البدن، وعلى القول بذلك، فَزَكاةُ العبد هَلْ تجب عليه أو على سيِّده؟ وزكاة المُكَاتب هل هي عليه أو على سيده؟ أو أن المكاتبَ لا تجب عليه زَكاةٌ أصلًا، هذا كلُّه سيعرض المؤلف لبَعْضه، وسنَتوسَّع فيه -إن شاء اللَّه- حسب الحاجة.
* قوله: (إِحْدَاهَا كَمَا قُلْنَا: وُجُوبُ زَكَاتِهِ عَلَى السَّيِّدِ إِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ، وَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ يَمْلِكُ أَوْ لَا يَمْلِكُ).
أَوَّلًا: فيما يتعلَّق بالعبد المملوك هل يملك أَوْ لا يملك؟ هذه مسألة فيها خلاف بين العلماء، بمعنى: هل يملك إذا ملكه سيده، أو هو وماله لسيده (١)؟
مفهوم هذا الحديث الصحيح والذي قال فيه رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ بَاعَ عبدًا، فمالُهُ للَّذي بَاعَه إلا أن يَشْترطه المُبْتاع" (٢)، أنَّ مال العبد لسيِّده الأصلي، وأنه إذا اشتراه إنسان وكان له مالٌ، فلا بُدَّ من أن يشترطَه، فإن سكت عنه، فإن الحكم يصدر بأن المَال للمال الأول.
إذًا، هذا يدلُّ على أنه لا يملك، فإذا كان لا يملك، فَتكون زكاة فطره على سيده (٣).
стр. 3622
* قوله: (وَالثَّانِيَةُ: فِي العَبْدِ الكَافِرِ، هَلْ يُؤَدِّي عَنْهُ زَكَاتَهُ أَمْ لَا؟).
وَهَذه أيضًا مسألة أُخرى اختلفوا فيها: إذا ملك مسلمٌ عبدًا كافرًا، فهل تلزمه زكاته أو لا تلزمه؟ هذه أيضًا فيها خلاف.
* قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (١) وَالشَّافِعِيُّ (٢) وَأَحْمَدُ (٣): لَيْسَ عَلَى السَّيِّدِ فِي العَبْدِ الكَافِرِ زَكَاةٌ. وَقَالَ الكُوفِيُّونَ (٤): عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِيهِ، وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُهُمْ فِي الزِّيَادَةِ الوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: "مِنَ المُسْلِمِينَ").
إذًا، حَديث عبد اللَّه بن عُمَر الَّذي تكرَّر ذكرُهُ معنا، جاءَ فى آخِرِه بعد أن ذكر الحر والعبد، والذكر والأنثى -وَفِي رِوَايةٍ أيضًا: والصغير والكبير- قَالَ: "من المسلمين" (٥)، فهل هذا القيد مقصود أو لا؟
هذا القَيْدُ لم يَرِدْ في جميع الروايات التي رواها نافع عن عبد اللَّه بن عمر، فإنَّ في بعض الروايات: "من المسلمين"، ولم تُذْكر هذه اللفظة في البعض الآخر، ومن هنا وقَع الخلاف.
الأَمْرُ الآخر: أنه وَرَد في حديث عبد اللَّه بن عباس الَّذي لم يورده
стр. 3623
المؤلف هنا، وهو حديث حسن، والذي قال فيه: فرض رسول اللَّه ﷺ صدقة الفطر على الصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين (١).
إذًا، هذا "فَرضَ رَسُولُ اللَّه ﷺ صَدَقة الفطر عن اللغو والرفث"، يَعْني: فيما لو صَدَر عن الصائم "وطُعْمة للمساكين"، إذًا هذا خصَّه بالصائم، والصَّائمُ إنما هو مسلمٌ.
* قوله: (فَإِنَّهُ قَدْ خُولِفَ فِيهَا نَافِعٌ بِكَوْنِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا الَّذِي هُوَ رَاوِي الحَدِيثِ. . . .).
يعني: هذه الزيادة "من المسلمين"، يقول المؤلف: إنه "خولف فيها نافع"، يعني: خالف نافعًا غيرُهُ من الرواة، فلم يذكروا "من المسلمين" في رِوَايَتِهمْ عن عبد اللَّه بن عمر.
* قوله: (. . . مِنْ مَذْهَبِهِ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ عَنِ العَبِيدِ الكُفَّارِ).
وَمِنَ المُخَالفة أيضًا أنَّ ابنَ عمر الذي رُوِيَ عنه هذا الحديث، من مذهبه أنه كان يُخْرج زكاة الفطر عن عبيد الكفار. . . هذا هو اعتراض المؤلف.
نقول: اعتراض المؤلِّف ليس في محله:
أوَّلًا: الذي روى عن عبد اللَّه بن عمر أنه كان يُخْرج الزكاة عن عبيده الكفار إنما هو نافع، فهو الذي روى ذلك كما حكاه الدارقطني وغيره (٢).
الأَمْرُ الآخَر: قوله: إنَّ الرواة خالفوا نافعًا، أيضًا هذا محل اعتراض؛ لأنَّ الَّذين رووا عن نافع انقسموا إلى قسمين، بل إن بعضهم قال: إن مالكًا هو الذي اختصَّ بذكر "من المسلمين"، وأيضًا هذا غير
стр. 3624
صحيحٍ؛ لأنه وجد عدد من الرُّواة الذين رَوَوا عن نَافِعٍ ذكروا كلمة "من المسلمين"، لكن كثيرًا من الرُّواة، بل إن بعضَ العلماء قال: إنه أكثر، لم يذكروا لفظة "من المسلمين" (١)، إذًا اعْتِرَاضُ المؤلف على نافعٍ اعتراض ليس في محله.
* قوله: (وَلِلْخِلَافِ أَيْضًا سَبَبٌ آخَرُ: وَهُوَ كَوْنُ الزّكَاةِ الوَاجِبَةِ عَلَى السَّيِّدِ فِي العَبْدِ هَلْ هِيَ لِمَكَانِ أَنَّ العَبْدَ مُكَلَّفٌ أَوْ أَنَّهُ مَالٌ؟).
يَعْني: هَلْ إِيجَابُ الزَّكاة على السيد عن عبدِهِ لكون العبد مكلفًا، أو لأنه مَالٌ من الأموال؟ لأن العبدَ -كَمَا هو معلومٌ- تجب عليه الصلاة، ويجب عليه الصيام، وتسقط عنه صلاة الجمعة، لكن الصلاة لا تسقط عنه، وَهَكَذا أيضًا بالنسبة للحج يحتاج إلى سيده، والمسألة فيها خلافٌ، وهكذا كثيرٌ من الأحكام.
كَذَلك العبيد -كَمَا هو مَعلومٌ- خفف عنهم في بَعْض الأحكام، كالحَال بالنسبة للنِّساء، خُفِّف عنهنَّ أيضًا بعض الأحكام التي اختلفنَ فيها عن الرِّجال، والتي تُعْتبر مما اختصَّ بِهَا النِّساء.
* قوله: (فَمَنْ قَالَ: لِمَكَانِ أَنَّهُ مُكَلَّفٌ اشْتَرَطَ الإِسْلَامَ، وَمَنْ قَالَ: لِمَكَانِ أَنَّهُ مَالٌ لَمْ يَشْتَرِطْهُ).
الحقيقة أنَّ سبب الخلاف البين الواضح:
أولًا: أن جمهور العلماء يقولون: إنه يلزم السيد أن يُخْرج زكاة عبده؛ لهذه اللفظة التي وردت: "من المسلمين"، فإنهم تَلقَّوها بالقبول.
ثَانيًا: حديث عبد اللَّه بن عبَّاس الذي أَشَرنا إليه، والَّذي قال فيه: فَرضَ رَسُولُ اللَّه ﷺ زكاة الفطر طهرةً للصائم عن اللغو والرفث، وطعمةً للمساكين، فمَنْ أدَّاها قبل الصلاة، فَهي زكاةٌ مقبولةٌ، ومَنْ أدَّاها بعد الصلاة، فهي صدقةٌ من الصدقات.
стр. 3625
إذًا، هَذَا هو مذهب الجمهور، أخذوا بلفظة: "من المسلمين"، وقالوا: هذه ثبتت في "الصحيحين" من طرق مُسلَّمة، فهذا القيد له معنى، إذن نأخذ به "من المسلمين" بالنسبة للكافر.
أيضًا حديث عبد اللَّه بن عباس أيضًا أنه قال: فرض رسول اللَّه ﷺ . . . ثمَّ ذكر: "طُهْرةً للصائم من اللغو والرفث، وَطعمةً للمَسَاكين"، فكونه للصائم دليل على أنها تشرع في حقِّ المسلم. . . هذا فيما يتعلَّق بالنسبة للعبد الكافر، أما بالنِّسبة لغيره مطلقًا، فَأَيْضًا الجمهورُ يَرَون وجوبَ الزكاة أيضًا على السيد عن عبدِهِ مطلقًا (١).
* قوله: (قَالُوا: وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ إِجْمَاعُ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ العَبْدَ إِذَا أُعْتِقَ وَلَمْ يُخْرِجْ عَنْهُ مَوْلَاهُ زَكَاةَ الفِطْرِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إِخْرَاجُهَا عَنْ نَفْسِهِ (٢) بِخِلَافِ الكَفَّارَاتِ).
نعم، الكفارات تختلف؛ لأنها لازمةٌ له، أما صدقة الفطر فلا.
стр. 3626
* قوله: (وَالثَّالِثَةُ: فِي المُكَاتَبِ).
"المُكاتَب" و"المكاتِب"، صحيحان.
مَنْ هُوَ المُكَاتب؟
هُوَ الَّذي كَاتَبه سيدُهُ على العتق شريطة أن يسدِّد ما عليه من أَقْسَاطٍ نجومًا، يعني: يتَّفق معه على العتق على أن يدفع له مالًا معينًا، يعني: مبالغ مقسطة، فمتى ما سدَّدها أصبح حرًّا، وفي هذه الحالة التي يكون فيها مكاتبًا هو بين الحرِّ والعبد، فملكه ناقص، يعني: حُرِّيته ناقصة؛ لأنه لو لم يسدد لعاد الرقُّ عليه مرةً أخرى (١).
هَذَا هو سببُ الخلَاف فيه، فَالعُلَماءُ مختلفون في المكاتب: فبَعْضهم يرى أن المكاتبَ تجب زكاته على سيده، وبعضهم يرى أنها لا تجب.
* قوله: (فَإِنَّ مَالِكًا (٢) وَأَبَا ثَوْرٍ (٣) قَالَا: يُؤَدِّي عَنْهُ سَيِّدُهُ زَكَاةَ الفِطْرِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٤) وَأَبُو حَنِيفَةَ (٥) وَأَحْمَدُ (٦): لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ).
إذًا، مَالكٌ يَرَى أن السيدَ ملزمٌ بإخراج زكاة الفطر عن المكاتب؛ لأنَّ حريَّته ناقصة، هَذَا هو السبب. . . جُمْهورُ العُلَماء: الحنفية والشافعية
стр. 3627
والحنابلة، يقولون: لا يُخْرج عنه سيده. . . ثم يقع الخلاف بين الأئمة الثلاثة الذي لم يعرض له المؤلف، وكان ينبغي أن ننبه عليه.
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: تَرَدُّدُ المَكَاتَبِ بَيْنَ الحُرِّ وَالعَبْدِ).
هنا قال: "لا زَكَاة عليه فيه"، لكن هل عليه زكاة أو لا؟ هنا يأتي الخلاف.
الحنابلة (١) يرون أن زكاتَه تجب عليه. وَالحنفية (٢) والشافعية (٣) يَرَون أن الزكاة تسقط عنه في هذه الحالة؛ لأن ملكه ناقص، هذه واحدة، وقياسًا على زكاة الأموال، فكَما أن زَكَاةَ الأموال لا تجب على العبد، فكذلك زَكَاة الفطر لا تجب عليه.
والحنابلة يوجبون عليه الزكاة (٤)، ويستدلُّون بعدة أدلة، منها ما جاء في حديث عبد اللَّه بن عمر: "على الحر والعبد" (٥)، فهو لا يزال داخلًا تحت كلمة العبد؛ لأنه لم يتحرر بعد، وهو أيضًا داخل تحت لفظة الذكر والأنثى؛ لأنها عامةٌ تشمله؛ لأنَّ المكاتبَ أيضًا لا يخلو من أن يكون ذكرًا أو أنثى.
стр. 3628
ويقولون أيضًا: ولأن نفقتَه واجبة عليه، بخلاف العبد الآخر الذي ليس مكاتبًا، فَتَجب عليه أيضًا زكاة فطرٍ.
قالوا: وأما القياس، يعني: قياس زكاة الفطر على المال التي أخذ بها الشنافعية والحنفية، قالوا: هذا قياس مع الفارق؛ لأنَّ زكاة المال إنما يُشْترط فيها: الغنى (ملك النصاب)، والحول، وزكاة الفطر لا يُشْتَرط فيها شيءٌ من الأشياء، فَاخْتلَفت عنها.
ولا شكَّ أنَّ مذهبَ الحنابلة أقرب في نظري من غيره، وهو أيضًا أحوط بالنسبة للمكاتب أن يخرج زكاة ماله.
إذن، عَرَفنا من هذا أن العلماءَ بالنسبة للمكاتب انقسموا إلى قسمين: ففريق يرى أن زكاتَه على سيده (مالك ومَنْ معه)، والجمهور يرون أن زكاته لا تجب على سيده، وهم الأئمة الثلاثة (١).
ثمَّ انْقَسموا إلى قسمين: فَالحنفية والشافعية يَقُولون: لا زكاة عليه أصلًا؛ لأن ملكَه غير تَامٍّ، فَيُقَاس على العبد؛ لأنَّ حريَّته ليست كَاملةً، وملكه للمال ليس ملكًا تامًّا، وقياسًا على زكاة المال فَكَما أن زَكَاة المَال لا تجب عليه، كذلك زكاة الفطر لا تجب عليه (٢).
وَالحنابلةُ يُوجِبُونَ زكاة الفطر عليه، كما أن نفقتَه واجبة عليه (٣).
وفرَّقوا أيضًا بين زكاة الفطر وبين زكاة المال؛ لأن زكاة المال لها شروطٌ لا تُشْترط في زكاة الفطر، أضف إلى ذلك عموم الأدلة التي أطلقت كلمة العبد والذكر والأنثى.
* قوله: (وَالرَّابِعَةُ: فِي عَبِيدِ التِّجَارَةِ).
إذن، قَسَّم المؤلف العبيد كغيره من الفقهاء إلى قسمين: عبيد قصد
стр. 3629
بهم الخدمة؛ أي: الَّذين يخدمون سيدهم؛ أي: يشغلهم في خدمته كأن يشتغلوا في منزله، في مزرعته، في أعماله، في مصنعه، إلى غير ذلك من الأعمال، وهو يملكهم، فهؤلاء تجب زكاته عليهم اتفاقًا لا خلاف فيها (١).
يبقى بعد ذلك عبيد التجارة الذين خصهم للتجارة، هل تجب زكاة فطرهم على السيد أو لا؟
بعض العلماء لم يوجب ذلك، وهم قلة، والجمهور أوجبوا ذلك، والَّذين لم يوجبوا ذلك -وهم الحنفية (٢) - قالوا: لأننا لو أوجبنا عليهم زكاة الفطر، لَجَمعنا زكاتين في شخصٍ واحدٍ، يعني: يُزكَّى عن مالهم، ويُزكَّى عن أبدانهم، فاجتمعت زَكَاتان في شخصٍ واحدٍ، يعني في مالٍ واحدٍ. . . هكذا يَقُولُون.
أمَّا بالنسبة للجمهور (٣)، فإنهم يقولون: إن الزكاة تجب عليهم؛ لأن الحديث لم يُفرِّق، فذكر العبيد، ولم يُفرِّق بين عبيد التجارة وغيرهم.
* قوله: (ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ إِلَى أَنَّ عَلَى السَّيِّدِ فِيهِمْ
стр. 3630
زَكَاةَ الفِطْرِ (١). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢) وَغَيْرُهُ (٣): لَيْسَ فِي عَبِيدِ التِّجَارَةِ صَدَقَةٌ، وَسَبَبُ الخِلَافِ: مُعَارَضَةُ القِيَاسِ لِلْعُمُومِ، وَذَلِكَ أَنَّ عُمُومَ اسمِ العَبْدِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الزَّكاةِ فِي عَبِيدِ التِّجَارَةِ وَغَيْرِهِمْ).
يعني كلمة "العبد" التي وردت في الحديث: "على الحر والعبد"، لم تُفرِّق بين عبيد التجارة وبين غيرهم، فجمعت وأطلقت، ولو كان هناك فرق بائن لبينه رسول اللَّه ﷺ ؛ لأن تأخيرَ البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، لكنَّه لم يبين ذلك، فبقي الحكم على أصلِهِ، وهو عدَم التفريق بين النوعين.
* قوله: (وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ هَذَا العُمُومَ مُخَصَّصٌ بِالقِيَاسِ، وَذَلِكَ هُوَ اجْتِمَاعُ زَكَاتَيْنِ فِي مَالٍ وَاحِدٍ (٤)).
يَعْني: وُجُودها في شخصٍ واحدٍ، أو في مالٍ واحدٍ لا يمنع؛ لأنَّ ذَلكَ لو كان ممنوعًا، لبيَّنه رسول اللَّه ﷺ ، أو قيده ما لم يكن للتجارة.
* قوله: (وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي عَبِيدِ العَبِيدِ).
يَعْني: عبيد العبيد، من يخرج زكاتهم؟ وهل تجب زكاتهم على العبد نفسه الذي يملكهم؟ هذه أيضًا مرتبطة بمسألة: هل يملك العبد أو لا يملك؟ لأنه إذا قيل بأن العبد يملك، يعني: يكون له عبيد وغير عبيد. وعلى القول بأنه لا يملك يكون هو وعبيده تبعًا لسيده، فهل تجب الزكاة على السيد؟
الجَوَابُ: نَعَمْ، على قول مَنْ يقول بأن العبد لا يملك، تجب الزكاة
стр. 3631
على السيد؛ لأن عبد اللَّه بن عمر ﵄ كَمَا ذَكَرنا في الأثر- كان يُخْرج الزكاة عمَّن يعول من الصغار والكبار، وعن رقيقِهِ ورقيق زوجاتِهِ (١)، كذلك هنا أيضًا عن رقيق رقيقِهِ (٢).
* قوله: (وَفُرُوعُ هَذَا البَابِ كَثِيرَةٌ).
لا شك أن زكاة الفطر فيها مسائل متعددة، والمؤلف إنما عرض لأهمِّها.
قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى:
(الفَصْلُ الثَّالِثُ مِمَّا تَجِبُ زَكَاةُ الفِطْرِ)
وَحَديث أبي سعيدٍ الخدري ﵁ ذكر لنا الأصناف، وحديث عبد اللَّه بن عمر (٣) ذكر لنا صنفين، ذكر التمر والشعير، وَذكر أنَّ الزكاةَ تُخْرج صاعًا من الصنفين.
стр. 3632
حديث أبي سعيد الخدري ﵁ ذكر لنا أصنافًا خمسةً كما جاء في حديثه، قال: "كنَّا نُخْرج زكاة الفطر" (١) وفي رواية: "وفينا رسول اللَّه ﷺ : صاعًا من طعامٍ أو صاعًا من شعير أو صاعًا من تمرٍ أو صاعًا من أقطٍ أو صاعًا من زبيب" (٢)، وفي بعض الرِّوايات قُدِّم الزبيب على الأقط (٣).
هذه أمورٌ خمسةٌ وَرَد النَّصُّ فيها، فهَلْ وُجُوبُ زكاة الفطر فيها لعينها أو لأنها أقوات معروفةٌ؟ ترتب على هذه المسألة خلافٌ بين العلماء، والآن هناك أقوات متعددة بعضها كان موجودًا في زمن رسول اللَّه ﷺ ، لكنه لم يكن في المدينة، فهناك الذرة موجودة، كذلك الآن وُجِدَ الأرز، واشتهر وأصبح من أشهر القوت المعروف، بل أصبح الآن من أغلب قوت البلاد، أو في كثيرٍ من البلَاد.
إذًا، هل العلة هنا فِي أنَّ الزكاة تجب في هذه الأنواع نفسها؟ على القول بأنه لا يجوز العدول عنها إلا عند عدم وجودها، يعني: إذا لم يجد الإنسان برًّا أو تمرًا أو شعيرًا أو زبيبًا حِينَئذٍ ينتقل إلى غيره كالأرز والذرة، وكذلك أيضًا غيرها مما يدخل في الأقوات أيضًا، ويختلفون أيضًا في الدقيق، والخبزُ الخلافُ فيه أكثر، وان كان الدقيق هو من القمح.
هَذِهِ أُمُورٌ نصَّ عليها، فهل نقف عند مَوْرد النَّصِّ فلا نتجاوزه، فنقول: لا تُخْرج الزكاة إلا من هذه الأنواع الخمسة، أو أننا نأخذ بكلمة قوت؛ لأن رسول اللَّه ﷺ لم يَشْرط في ذلك شرطًا، وإنما جاء في الأثر: "كنا نُخرج زكاة الفطر وفينا رسول اللَّه ﷺ صاعًا من طعام"، بعضهم فسره بالقمح كما سيأتي، وذكر التمر والشعير والزبيب والأقط، ولم يقل الرسول ﷺ : "ولا يجوز من غير ذلك" أو قال: "يُقْتصر عليها"، إنما ذكر هذه الأقوات؛ لأنها هي المعروفة المشهورة عندهم، فهل معنى ذلك أن
стр. 3633
نقفَ عندها ولا نتجاوزها، أو نقول: لا، إن المقصود هنا غالب القوت أو ما يكون قوتًا للبلد، فَتُخرج الزكاة منه؟
قال بعض العلماء: إن المقصود بذلك القوت فإذا اشتهر قوت من الأقوات، أو ربما لم يشتهر، وإنما يَقْتاته الناس، ففي هذه الحالة تخرج الزكاة منه كما قلنا: من الأرز، وكذلك الذرة، والدُّخن، وأمثال ذلك من النباتات التي تدخل ضمن هذه الأشياء، كذلك السُّلت الذي يُلْحق بالشعير (١).
* قوله: (وَأَمَّا مِمَّاذَا تَجِبُ، فَإِنَّ قَوْمًا ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهَا تَجِبُ إِمَّا مِنَ البُرِّ أَوِ التَّمْرِ أَوِ الشَّعِيرِ أَوِ الزَّبِيبِ أَوِ الأَقِطِ، وَأَنَّ ذَلِكَ عَلَى التَّخْيِيرِ لِلَّذِي تَجِبُ عَلَيْهِ، وَقَوْمٌ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الوَاجِبَ عَلَيْهِ هُوَ غَالِبُ قُوتِ البَلَدِ).
هنا مسألة أُخْرَى: هل هذه الخمسة أيضًا على الترتيب أَوْ على التخيير؟ بمعنى أن الإنسان مُخيَّر، يعني: لو اجتمعت هذه الأصناف الخمسة عند شخصِ، فكان عنده قمح، وعنده تمر، وعنده شعير، وعنده زبيب، وعنده أقط، هل يُخيَّر في الإخراج، أو يُقَال له مثلًا: ابدأ بالتمر؛ لأنه المشهور عند الحنابلة (٢)، وهو أفضل، أو ابدأ بالبُر؛ لأنه الأفضل عند الشافعية (٣)، يعني رتب كما جاء في الحديث، أو أن لك الخيار. . . هذه مسألة.
стр. 3634
المسألة الأخرى: الانتقال إلى غير هذه الأصناف الخمسة، هل هو مُقيَّدٌ بعدَم وجودها، أَوْ يجوز أن ننتقل مثلًا إلى الأرز مع وجود هذه الخمسة؟ هذا كلُّه يَدْخل مبنى الخلاف.
* قوله: (أَوْ قُوتُ المُكَلَّفِ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى قُوتِ البَلَدِ).
وَهَذا في نظري هو الأقرب لروح الشريعة، فنحن عندما ننظر إلى شريعتنا الخالدة الغرة التي بُنيَت على أُسسٍ منها: العدالة، ومُرَاعاة مصالح الناس، ومُراعاة التيسير على الناس، لا شك أن في ملاحظة القوت فيه تيسيرًا على الناس، وأيضًا تطبيقٌ للركن الآخر من مقاصد هذه الشريعة: مُرَاعاة مصَالح الناس.
فَبَعْضُ الناس لو أعطيته الأقط ربما لا يأكله أو لا يعرفه؛ لأن هذا مُشْتهرٌ في البادية، حتى إنَّ بعض العلماء يرَى أن الأقط يختصُّ بالبادية، يقول: الأقطُ تُخْرجه البادية، لكن الصحيح أنه عامٌّ تُخرجه البادية وغيرها (١).
والأقط هو هذا الذي يُخْرج من اللبن المخيض، ويُطْبخ هذا النوع من اللبن، ثم يُجفَّف، فيُخرج منه الأقط، وهو الآن أصبح معروفًا مشهورًا.
إذًا، مُرَاعاة قوت البلد مُرَاعاةٌ تلتقي مع روح الشريعة الإسلامية، ومع شُمُولها، ومع مقاصدها العظيمة؛ لأنك إذا راعيتَ قوت البلد،
стр. 3635
فبعض الناس يُحبُّ الأرز، وربما لا يأكل غيره من هذه الأنواع، وبعض الناس تميل نفسُهُ إلى التمر، وبعض الناس أيضًا إلى الشعير، وبعضهم إلى الذرة، إلى الدُّخن، إلى غير ذلك، فلماذا نُضيِّق على الناس، والقصدُ من ذلك هو إخراج زَكَاةٍ من طعامٍ القصدُ فيها تطهير النفس، وأيضًا مُراعاة أحوال المساكين، ومواساتهم في هذه الأيام التي ينبغي أن يكونوا فيها سعداء.
* قوله: (وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ عَبْدُ الوَهَّابِ (١) عَنِ المَذْهَبِ).
قَصْده بالمَذْهب: مذهب مالكٍ (٢)، وهو رأيٌ وجيهٌ ومقبولٌ.
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِم: اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: "كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ).
"صَاعًا من طَعَامٍ"، هذا اخْتُلِفَ فيه، بعضهم فسَّره بالبُرِّ، وإذا فسَّرناه بالبُرِّ، سيزول الإشكالَ عن مسألةٍ قادمةٍ، وهي: قضية هل يُكْتفى بإخراج مُدَّين يعني: نصف صاعٍ من القمح أو لا؟ لو فُسِّر الطعام بالقمح (٣)، نقول: هذا نصٌّ في حديثٍ متفقٍ عليه، فينبغي أن نقف عنده، وسيأتي الخلاف فيِ هذه المسألة، وأنه وَرَدتْ أحَاديثُ فيها نصفُ صَاعٍ، وَوَرد فيها صاعٌ، نَتْرك ذلك لمحلِّه إنْ شاء اللَّه.
* قوله: (أَوْ صَاعًا مَنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مَنْ تَمْرٍ).
стр. 3636
وفي روايةٍ أخرى: "أو زبيب" أيضًا، وهي في "الصحيحين" (١) والمؤلف جاء بهذه الأمور الأربعة، وترك الزبيب.
* قوله: (فَمَنْ فَهِمَ مِنْ هَذَا الحَدِيثِ التَّخْيِيرَ، قَالَ: أَيًّا أَخْرَجَ مِنْ هَذَا، أَجْزَأَ عَنْهُ).
إذًا، هَذه المَسْألةُ هل ذكرت هَذِهِ الخمسة على التخيير أو على الترتيب؟ الجواب: على التخيير (٢). انتهينا.
مَسْألةٌ أخرى: هل إخراج هذه الخمسة خاصٌّ بها، ولا يجوز أن يتعداها الإنسان إلى غيرها أو لا؟
هناك مَنْ يرى أنه لا يتعداها إلى غيرها إلا في حالة عدم وُجُودها، وبعضهم يلحظ كما رأيتم في مذهب المالكية قوت البلد (٣)، وغالب قوت البلد، فالآن ترون أن غالبَ قوت الناس هنا إنما هو الأرز، هل نُغْفل الأرز ونقول: لا يُخْرج منه؛ لأنه ما كان معروفًا في ذاك الوقت؟
إذن نقول: نعم، تُخْرج زكاة الفطر من الأرز؛ لأنه من قوت البلد، بَلْ إن لم يكن أشهر قوت البلد.
стр. 3637
* قوله: (وَمَنْ فَهِمَ مِنْهُ أَنَّ اخْتِلَافَ المُخْرَجِ لَيْسَ سَبَبُهُ الإِبَاحَةَ، وَإِنَّمَا سَبَبُهُ اعْتِبَارُ قُوتِ المُخْرِجِ أَوْ قُوتُ غَالِبِ البَلَدِ قَالَ بِالقَوْلِ الثَّانِي).
يعني: هناك مُلَاحظة المخرَج الذي هو القوت، والمُخرِج الذي يُخْرج الزكاة، فالمُخرَج نُلَاحظ فيه الأقوات، وقوت المُخرِج الإنسان الذي يعيش، فمثلًا يشتهر عندنا القمح، وكذلك الأرز، ويأتي بعدها ربما في مناطق الدُّخن والشعير والذرة، لكن أشهر شيءٍ تجده في كل بلد، في كل قرية، في كل هجرة، عند البادية والحاضرة: الأرز، ويأتي بعده أيضًا القمح.
إذًا، هذا مُشتهرٌ هنا، فهل نُلاحظ قوت المُخرِج الشخص أو المُخرَج يعني: الذي يُخْرج من هذه الأصناف؟
إذًا، هَذِهِ المَسْألة نَميل فيها إلى قول الَّذين يَقُولون بإخراج ما كان من قوت البلد، وإنْ لم يكن من هذه الخمسة، وهذا هو الظاهر، ونحن أيضًا عندما نتعمق في هذه المسألة، ونُدقق النظر فيها، ونحاول أن نطبقها على أصول وقواعد هذه الشريعة، نَرَى أنها تَلْتقي معها تمامًا؛ لأن هذه الشريعة عندما شرعت الأحكام إنما شرعتها لعلل ولأسباب، ومن بين هذه الأسباب والعلل: تلكم الأصول التي قامت عليها هذه الشريعة: مُرَاعاة مصالح الناس، والتيسير عليهم، وفي ذلك تيسيرٌ ومُرَاعاةٌ لمَصَالحهم.
إذًا، نَحْن بهذا لم نخرج عن روح الشريعة ولُبِّها، ولا عن مَقَاصدها، ولا عن أهدافها الحكيمة العظيمة (١).
* قوله: (وَأَمَّا كَمْ يَجِبُ؟ فَإِنَّ العُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤَدَّى فِي زَكَاةِ الفِطْرِ مِنَ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ أَقَلُّ مِنْ صَاعٍ (٢)).
стр. 3638
إذًا، هناك تمرٌ، وهناك شعيرٌ، وهناك زبيبٌ، وهناك أقط، هذا يؤدى فيه صاع، بل إنَّ الزبيب فيه خلافٌ، بعضهم يرى أنه يؤدَّى فيه نصف صاع (١)، لكن الخلاف الأكبر والأشهر إنَّما هو في القمح، فبَعْض العلماء يرى أن القمحَ يُكْتفى فيه بمُدَّين أي: بنصف صاع، وما عداه يُخرج صاعٌ كامل.
* قوله: (لِثُبُوتِ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ (٢)).
وَجَاءَ ذلك في حديث أبي سَعِيدٍ أيضًا (٣)، فذكر صَاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شَعِيرٍ.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِ مَا يُؤَدَّى مِنَ القَمْحِ).
القَمحُ الَّذي هو البُرُّ، فبَعْضُ الناس يُسمِّيه بُرًّا، وهذا هو اسمه، وبعضهم يسمِّيه قمحًا، إذًا هذا كله يدخل في ذلك، وحِنطة أيضًا، وهي الحب الأحمر أو الأبيض.
والمؤلف حقيقةً لم يعرض لحديث أبي سعيد مُفصلًا، ولا للقصة التي وقعت في ذلك، وحديث أبي سعيد الذي أشار إليه المؤلف هو حديثٌ طويل جاء فيه أنه قال: "كُنا نُخْرِجُ زَكَاة الفطر وَفينا رَسُولُ اللَّه ﷺ صاعًا من طَعَامٍ"، بعض العلماء فَسَّر الطعام بالبُر (٤)، وسيأتي أنَّ هذَا هو مفهوم أبي سعيَدٍ راوي الحديث "صَاعًا من طعامٍ، أو صاعًا من شعيرٍ، أو صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من أقطٍ، أو صاعًا من زبيب، ولا نَزَال نُخْرِجُهُ"، يعني: لا نزال نُخرِج الصاع من البُرِّ "حتى قدم معاوية إلى
стр. 3639
المدينة، فتكلم، فكان ممَّا كلم الناس فيه أنه يرى أن مُدَّين من سمراء الشام تعدل صاعًا من تمر، فأخذ الناس بذلك"، ثم قال أبو سعيدٍ: "ولكن لا أزال أُخرجه"؛ أي: كما كنت أُخرِجه في عهد رَسُولِ اللَّه ﷺ .
انْظُرُوا حَديثَ أَبي سَعِيدٍ جاء مُفصلًا ومُبينًا، "كانوا يخرجون زكاة الفطر على عهد رسول اللَّه ﷺ صاعًا من طعامِ"، وفُسِّر بالقمح "أو صَاعًا من شَعِيرٍ، أو صاعًا من تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا من زبِيبٍ، أو صاعًا من أقط"، قال: "ولا نَزَال نُخْرجها"؛ أي: ظلَّ الناس يخرجون (حتى قدم مُعَاوية المدينة)، هذه البلد التي نعيش فيها، (فكلَّم الناس، فكان مما تكلَّم فيه أنه يرى أن مُدَّين) يعني: نصف صاعٍ (أن مُدَّين من سمراء الشام)، يَعْني: من بُرِّ الشام (تعدل صاعًا من تَمْرٍ)، يعني: نصف صَاعٍ من البُرِّ يُسَاوي صَاعًا من التمر، قال: (فأَخَذ الناس بذلك)، يعني: أخذوا برأي معاوية ﵁، لكنَّه قيد الكلام، قال: (وأنا لا أزال أُخْرجه)، أي: لا أزال أُخْرج صاعًا من البُرِّ كما كنت أُخْرجه في زمن رَسُول اللَّه ﷺ .
يُؤيِّده أيضًا حديث عبد اللَّه بن عمر المتفق عليه أنه قال: "أَمَرَ رسول اللَّه ﷺ بصدقة الفطر صاعًا من تمرٍ أو صاعًا من شعير"، قال: (فَعَدَل النَّاس عن ذلك إلى نصف صَاعٍ من بُرٍّ) (١).
فقَوْله: "فَعَدَل النَّاس"، فِي حديث ابن عمر يدُلُّ على أن الناس هُمُ الَّذين عدلوا. . . وَحَديث أبي سَعِيدٍ يُبيِّن سببَ عدول الناس.
وتأتي أحاديث أُخرى فيها أن صاعًا من بُرٍّ يُخرج عن اثنين، وأن صاعًا من تمرٍ أو شعير عن واحد (٢) كما سيأتي، لكن هذه الأحاديث فيها اختلافٌ في متنها وسندها، ولها طُرقٌ متعددة جدًّا كلها لا تخلو من مقال، وانتهى العلماء المحققون إلى أن هذه الأحاديث إنما جاءت بعد
стр. 3640
رسول اللَّه ﷺ ، وحديث أبي سَعِيدٍ إنما يتكلم عن زمن رسول اللَّه ﷺ (١)، ولا شكَّ أن ما أخذ به أبو سَعِيدٍ إنَّما هو أحوط في أقل ما يُقَال فيه، فالأَوْلَى بالمسلم والأحوط أن يُخْرج صاعًا من بُرٍّ، فإن لم يُخرِجْ، فليُخْرِجْ من تمرٍ أو شعيرٍ.
* قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (٢) وَالشَّافِعِيُّ (٣): لَا يُجْزِئُ مِنْهُ أَقَلُّ مِنْ صَاعٍ).
وَكَذَلك أَحْمَدُ أيضًا (٤).
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: يُجْزِئُ مِنَ البُرِّ نِصْفُ صَاعٍ (٥). وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: تَعَارُضُ الآثَارِ).
وَالحَنابلة يَرَوْن أن التمرَ أفضلُ من البُرِّ (٦)، والشافعيَّة يَروْن أن البُرَّ أفضل (٧)، فَتَرون أيضًا أن فيه مُفَاضلةً بين البُرِّ والتَّمر، ومن الناس مَنْ يميل إلى التمر، ومنهم مَنْ يميل إلى البُرِّ، لكن ربما لو خيرت كثيرًا من الناس لاختار الأرز.
стр. 3641
* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: "كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مَنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مَنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ" (١)).
وَالمُؤلِّف قَدْ أضَاف كلمة "زبيب" التي أسقطها في الرواية الأولى.
* قوله: (وَظَاهِر أَنَّهُ أَرَادَ بِالطَّعَامِ القَمْحَ).
"وظاهره"؛ لأنه ليس نصًّا في القمح؛ لأنه لو كان نصًّا في القمح، لَبَقي الأمرُ مُسَلَّمًا؛ لأنَّ تلكَ الأَحَاديث لا تَقْوى معارضَته.
* قوله: (وَرَوَى الزُّهْرِيُّ أَيْضًا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "فِي صَدَقَةِ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ بُرِّ بَيْنَ اثْنَيْنِ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ"، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ) (٢).
إذًا، هذا يُبيِّن أن الصَّاع من البُرِّ يكفي لاثنين، لكن هذا الحديث فيه كلامٌ، وإذا مرَّ بنا أشرنا إليه.
* قوله: (وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ).
يَعْني: عَنْ سعيد بن المسيب.
* قوله: ("كَانَتْ صَدَقَةُ الفِطْرِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نصْفَ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ" (٣)).
стр. 3642
لكن هذا مُرسل، أرسله سعيد بن المسيب، وهو مُرْسلٌ صَحيحٌ كَمَا ذكر ذَلكَ ابن عبد الهادي (١)، لكن الحديث الأول الذي قال: "نصف صاعٍ" "بَيْن اثنين من بُرٍّ"، هذا اختُلِفَ فيه سندًا ومتنًا، أما بالنسبة للسند، فقد رُوِيَ مُرسلًا، وجاء مُنْقطعًا، وفيه كلامٌ كثيرٌ في سنده، ولَا يَخْلو من مَقَالٍ (٢).
وَبالنِّسْبة للمتن، مرةً ورد "صاع"، ومرةً ورد "نصف صاع"، وإن كان الأكثر "نصف صَاعٍ"، لكنه وَرَد فيما لا يقل عن روايتين (صاع من بُرٍّ)، إذًا هذه التقت مِع حديث أبي سَعِيدٍ أيضًا، فالأَوْلَى أن يُؤْخذَ بها؛ ولذَلكَ أخذ الجمهور بذلكَ (٣).
* قوله: (فَمَنْ أَخَذَ بِهَذهِ الأَحَادِيثِ قَالَ: نِصْفُ صَاعٍ مِنَ البُرِّ، وَمَنْ أَخَذَ بِظَاهِرِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَقَاسَ البُرَّ فِي ذَلِكَ عَلَى الشَّعِيرِ، سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الوُجُوبِ).
وَالمَسْألةُ ليست في الحقيقة مسألةَ قياسٍ، وإنما فيها إخبارٌ عن أبي سعيدٍ بما كان في عهد رسول اللَّه ﷺ "إذا كان فينا رسول اللَّه"، وفي روايةٍ: "على عهد رسول اللَّه"، وبيَّن أنهم كانوا يخرجون صاعًا من طعامٍ، وأيضًا أبو سعيد يقصد بالطعام القمح؛ لأنه عندما تكلم عن قضية معاوية أنه عندما قَدِمَ إلى المدينة وكلَّم الناس، وأنه كان مما تكلم فيه "أن مُدَّين من سمراء الشام" أي: من حِنطة الشام تعدل "صاعًا من تمرٍ"، قال: "فأخذ الناس بذلك"، لكنه لا يزال يُخرِجه كما كان يُخرجه في عهد رسول اللَّه ﷺ ، فالأخذ بما نُقِلَ عن أبي سَعِيدٍ أَوْلَى؛ لأنه نسب ذلك إلى عهد رسول اللَّه ﷺ ، وَمَا نُقِلَ عن معاوية وغيره إنما هو اجتهادٌ منه، وربما
стр. 3643
أنه تمسَّك بهذه الأدلة، لكننا نقول: الأحوط هنا للمسلم أن يُخرِج صاعًا من حِنْطَةٍ لا نصف صاعٍ.
قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى:
(الفَصْلُ الرَّابِعُ مَتَّى تَجِبُ زَكَاةُ الفِطْرِ
وَأَمَّا مَتَى يَجِبُ إِخْرَاجُ زَكَاةِ الفِطْرِ؟).
هل يجوز إخراجها في أوَّل العام؟ يَعْني: تُقدَّم كالحال بالنسبة لزَكَاة الأموال، وتَعْلَمون أنَّ زكاةَ الأموال يجوز تَقْديمها عن وقت وُجُوبها، وحَصَل ذلك في زمن رسول اللَّه ﷺ .
وقوله عن العباس: "عليَّ ومثلها" (١)، وكذلك أيضًا يجوز في أول رمضان أو في آخره قبل ليلة العيد بيومين يعني: اليوم الثامن والعشرين أو يوم التاسع والعشرين.
ولا شك أن أفضل وَقْتٍ تُخرج فيه هو ما قبل صلاة الفجر، يعني: ما بين صلاة الصبح إلى ما بعد صلاة الفجر، يعني: ما بين صَلَاتي الفجر وصلاة العيد، يعني: الأفضل أن يُخْرجها الإنسان قبل أن يذهبَ إلى صَلَاة العيد، هذَا هو أفضل أوقاتها كَمَا جَاء في حديث عبد اللَّه بن عَبَّاسٍ وغيره أن رسولَ اللَّه ﷺ "فَرَض صدقةَ الفطر إلى أَنْ قال: فمَنْ أخرجها قبل الصلاة، فهي زكاةٌ مقبولةٌ، ومَنْ أخرجها بعد الصلاة، فَهي صدقةٌ من الصدقات".
لَكن بعض العلماء تكلَّم في هذه المسألة، وقالوا: لو أخرجها بعد
стр. 3644
الصلاة ولَمْ يكن مُفرطًا، فإنها أيضًا مقبولةٌ إِنْ شَاء اللَّه، وتُعْتبر أيضًا زكاةً، ويُثاب على ذلك.
* قوله: (فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا تَجِبُ فِي آخِرِ رَمَضَانَ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: "فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ"، وَاخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدِ الوَقْتِ، فَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ القَاسِمِ عَنْهُ: تَجِبُ بِطُلُوعِ الفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الفِطْرِ).
أَيْ: تَجب بدُخُول اليوم الأوَّل من أيام الفطر الذي هو يوم العيد، هذه هي الرِّواية عن مالك (١).
* قوله: (وَرَوَى أَشْهَبُ أَنَّهَا تَجِبُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ يَوْمِ رَمَضَانَ (٢)).
وَهَذا هو رأي جمهور العلماء، ومَعَه في هذا الشافعي (٣) وأحمد (٤) أيضًا، أنها تجب بغُرُوب الشمس، يعني: بغُرُوب شمس ليلة يوم العيد.
* قوله: (وَبِالأَوَّلِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٥)، وَبِالثَّانِي قَالَ الشَّافِعِيُّ).
يعني: الرواية الأولى التي تجب بطلوع فجر يوم العيد، هذا هو رأي
стр. 3645
أبو حنيفة مع الرواية الأولى، والقول أنها تجب بغروب الشمس من ليلة العيد هو مذهب الجمهور (١).
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ هِيَ عِبَادَة مُتَعَلِّقَة بِيَوْمِ العِيدِ، أَوْ بِخُرُوجِ شَهْرِ رَمَضَانَ؟).
لا شك أن الرسول ﷺ قال: "هي طُهرةٌ للصائم من اللغو والرفث، وطُعمةٌ للمساكين" (٢) أي: مساواة لهم.
وفي حديث عبد اللَّه بن عمر: "من رمضان" (٣)، فذكر أنها تجب بالفطر من رمضان.
* قوله: (لِأَنَّ لَيْلَةَ العِيدِ لَيْسَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَفَائِدَةُ هَذَا الِاخْتِلَافِ فِي المَوْلُودِ يُولَدُ قَبْلَ الفَجْرِ مِنْ يَوْمِ العِيدِ وَبَعْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ هَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟).
يَعْني: عند مَنْ يقول: بأنَّه تجب بفجر يوم العيد، معنى ذلك أنَّ مَنْ يولد قبل ذلك، تجب عليه، أما مَنْ يولد بعده، فلا تجب عليه.
ومَنْ يقول: بغروب الشمس، فلَوْ وُلِدَ إنسانٌ بعده في نفس الليلة، تجب عليه الزكاة، يعني: يجب على وليِّه أن يُخرج عنه الزكاة.
وهناك من المسائل التي ذكر المؤلف أنها جزئياتٌ لم يعرض لها: الجنين الذي في بطن أمه هل تُخْرج زكاته؟ أكثر العلماء يرى أنها لا تجب (٤)، ولكن بعضهم يستحبُّ ذلك (٥)، ونُقِلَ ذلك عن عثمان ﵁ أي: