← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: "كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مَنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مَنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ" (١)). وَالمُؤلِّف قَدْ أضَاف كلمة "زبيب" التي أسقطها في الرواية الأولى. * قوله: (وَظَاهِر أَنَّهُ أَرَادَ بِالطَّعَامِ القَمْحَ). "وظاهره"؛ لأنه ليس نصًّا في القمح؛ لأنه لو كان نصًّا في القمح، لَبَقي الأمرُ مُسَلَّمًا؛ لأنَّ تلكَ الأَحَاديث لا تَقْوى معارضَته. * قوله: (وَرَوَى الزُّهْرِيُّ أَيْضًا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "فِي صَدَقَةِ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ بُرِّ بَيْنَ اثْنَيْنِ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ"، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ) (٢). إذًا، هذا يُبيِّن أن الصَّاع من البُرِّ يكفي لاثنين، لكن هذا الحديث فيه كلامٌ، وإذا مرَّ بنا أشرنا إليه. * قوله: (وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ). يَعْني: عَنْ سعيد بن المسيب. * قوله: ("كَانَتْ صَدَقَةُ الفِطْرِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نصْفَ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ" (٣)).

стр. 3642

لكن هذا مُرسل، أرسله سعيد بن المسيب، وهو مُرْسلٌ صَحيحٌ كَمَا ذكر ذَلكَ ابن عبد الهادي (١)، لكن الحديث الأول الذي قال: "نصف صاعٍ" "بَيْن اثنين من بُرٍّ"، هذا اختُلِفَ فيه سندًا ومتنًا، أما بالنسبة للسند، فقد رُوِيَ مُرسلًا، وجاء مُنْقطعًا، وفيه كلامٌ كثيرٌ في سنده، ولَا يَخْلو من مَقَالٍ (٢). وَبالنِّسْبة للمتن، مرةً ورد "صاع"، ومرةً ورد "نصف صاع"، وإن كان الأكثر "نصف صَاعٍ"، لكنه وَرَد فيما لا يقل عن روايتين (صاع من بُرٍّ)، إذًا هذه التقت مِع حديث أبي سَعِيدٍ أيضًا، فالأَوْلَى أن يُؤْخذَ بها؛ ولذَلكَ أخذ الجمهور بذلكَ (٣). * قوله: (فَمَنْ أَخَذَ بِهَذهِ الأَحَادِيثِ قَالَ: نِصْفُ صَاعٍ مِنَ البُرِّ، وَمَنْ أَخَذَ بِظَاهِرِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَقَاسَ البُرَّ فِي ذَلِكَ عَلَى الشَّعِيرِ، سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الوُجُوبِ). وَالمَسْألةُ ليست في الحقيقة مسألةَ قياسٍ، وإنما فيها إخبارٌ عن أبي سعيدٍ بما كان في عهد رسول اللَّه ﷺ "إذا كان فينا رسول اللَّه"، وفي روايةٍ: "على عهد رسول اللَّه"، وبيَّن أنهم كانوا يخرجون صاعًا من طعامٍ، وأيضًا أبو سعيد يقصد بالطعام القمح؛ لأنه عندما تكلم عن قضية معاوية أنه عندما قَدِمَ إلى المدينة وكلَّم الناس، وأنه كان مما تكلم فيه "أن مُدَّين من سمراء الشام" أي: من حِنطة الشام تعدل "صاعًا من تمرٍ"، قال: "فأخذ الناس بذلك"، لكنه لا يزال يُخرِجه كما كان يُخرجه في عهد رسول اللَّه ﷺ ، فالأخذ بما نُقِلَ عن أبي سَعِيدٍ أَوْلَى؛ لأنه نسب ذلك إلى عهد رسول اللَّه ﷺ ، وَمَا نُقِلَ عن معاوية وغيره إنما هو اجتهادٌ منه، وربما

стр. 3643

أنه تمسَّك بهذه الأدلة، لكننا نقول: الأحوط هنا للمسلم أن يُخرِج صاعًا من حِنْطَةٍ لا نصف صاعٍ. قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: (الفَصْلُ الرَّابِعُ مَتَّى تَجِبُ زَكَاةُ الفِطْرِ وَأَمَّا مَتَى يَجِبُ إِخْرَاجُ زَكَاةِ الفِطْرِ؟). هل يجوز إخراجها في أوَّل العام؟ يَعْني: تُقدَّم كالحال بالنسبة لزَكَاة الأموال، وتَعْلَمون أنَّ زكاةَ الأموال يجوز تَقْديمها عن وقت وُجُوبها، وحَصَل ذلك في زمن رسول اللَّه ﷺ . وقوله عن العباس: "عليَّ ومثلها" (١)، وكذلك أيضًا يجوز في أول رمضان أو في آخره قبل ليلة العيد بيومين يعني: اليوم الثامن والعشرين أو يوم التاسع والعشرين. ولا شك أن أفضل وَقْتٍ تُخرج فيه هو ما قبل صلاة الفجر، يعني: ما بين صلاة الصبح إلى ما بعد صلاة الفجر، يعني: ما بين صَلَاتي الفجر وصلاة العيد، يعني: الأفضل أن يُخْرجها الإنسان قبل أن يذهبَ إلى صَلَاة العيد، هذَا هو أفضل أوقاتها كَمَا جَاء في حديث عبد اللَّه بن عَبَّاسٍ وغيره أن رسولَ اللَّه ﷺ "فَرَض صدقةَ الفطر إلى أَنْ قال: فمَنْ أخرجها قبل الصلاة، فهي زكاةٌ مقبولةٌ، ومَنْ أخرجها بعد الصلاة، فَهي صدقةٌ من الصدقات". لَكن بعض العلماء تكلَّم في هذه المسألة، وقالوا: لو أخرجها بعد

стр. 3644

الصلاة ولَمْ يكن مُفرطًا، فإنها أيضًا مقبولةٌ إِنْ شَاء اللَّه، وتُعْتبر أيضًا زكاةً، ويُثاب على ذلك. * قوله: (فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا تَجِبُ فِي آخِرِ رَمَضَانَ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: "فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ"، وَاخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدِ الوَقْتِ، فَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ القَاسِمِ عَنْهُ: تَجِبُ بِطُلُوعِ الفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الفِطْرِ). أَيْ: تَجب بدُخُول اليوم الأوَّل من أيام الفطر الذي هو يوم العيد، هذه هي الرِّواية عن مالك (١). * قوله: (وَرَوَى أَشْهَبُ أَنَّهَا تَجِبُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ يَوْمِ رَمَضَانَ (٢)). وَهَذا هو رأي جمهور العلماء، ومَعَه في هذا الشافعي (٣) وأحمد (٤) أيضًا، أنها تجب بغُرُوب الشمس، يعني: بغُرُوب شمس ليلة يوم العيد. * قوله: (وَبِالأَوَّلِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٥)، وَبِالثَّانِي قَالَ الشَّافِعِيُّ). يعني: الرواية الأولى التي تجب بطلوع فجر يوم العيد، هذا هو رأي

стр. 3645

أبو حنيفة مع الرواية الأولى، والقول أنها تجب بغروب الشمس من ليلة العيد هو مذهب الجمهور (١). * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ هِيَ عِبَادَة مُتَعَلِّقَة بِيَوْمِ العِيدِ، أَوْ بِخُرُوجِ شَهْرِ رَمَضَانَ؟). لا شك أن الرسول ﷺ قال: "هي طُهرةٌ للصائم من اللغو والرفث، وطُعمةٌ للمساكين" (٢) أي: مساواة لهم. وفي حديث عبد اللَّه بن عمر: "من رمضان" (٣)، فذكر أنها تجب بالفطر من رمضان. * قوله: (لِأَنَّ لَيْلَةَ العِيدِ لَيْسَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَفَائِدَةُ هَذَا الِاخْتِلَافِ فِي المَوْلُودِ يُولَدُ قَبْلَ الفَجْرِ مِنْ يَوْمِ العِيدِ وَبَعْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ هَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟). يَعْني: عند مَنْ يقول: بأنَّه تجب بفجر يوم العيد، معنى ذلك أنَّ مَنْ يولد قبل ذلك، تجب عليه، أما مَنْ يولد بعده، فلا تجب عليه. ومَنْ يقول: بغروب الشمس، فلَوْ وُلِدَ إنسانٌ بعده في نفس الليلة، تجب عليه الزكاة، يعني: يجب على وليِّه أن يُخرج عنه الزكاة. وهناك من المسائل التي ذكر المؤلف أنها جزئياتٌ لم يعرض لها: الجنين الذي في بطن أمه هل تُخْرج زكاته؟ أكثر العلماء يرى أنها لا تجب (٤)، ولكن بعضهم يستحبُّ ذلك (٥)، ونُقِلَ ذلك عن عثمان ﵁ أي:

стр. 3646

الجنين الذي في بطن أمه يُسْتحب أن تُخرجَ زكاة الفطر عنه. . . نُقِلَ ذلك عن عثمانَ ﵁ (١). قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: (الفصلُ الخَامسُ لمَنْ تُصْرَفُ زَكاةُ الفِطْرِ) لا شك أنها تُصْرف لمَنْ تُصْرف إليه من الزكاة، كَمَا قال اللَّه : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠]، فَهي تُصْرف للفقراء والمساكين، ويشملها كلمة زكاة ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ [التوبة: ٦٠]، ويُقْصد بالصدقة هنا الزكاة، وزكاة الفطر إنَّما هي صَدَقةٌ من الصدقات. * قوله: (وَأَمَّا لِمَنْ تُصْرَفُ: فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ تُصْرَفُ لِفُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ (٢)؛ لِقَوْلِهِ ﵊: "أَغْنُوهُمْ عَنِ السُّؤَالِ فِي هَذَا اليَوْمِ" (٣)). هذا أيضًا جزءٌ من حديثٍ لعَبْد اللَّه بن عمر أخبر فيه أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ "أمر بصدقة الفطر عن الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والحر والعبد" (٤)، وقال أيضًا: "أَغْنُوهُم عن الطواف"، يَعْني: بدل "عن

стр. 3647

السؤال"، "أغنوهم عن الطواف"، والقصد بالطواف هنا السؤال؛ لأنه يطوف حول البُيُوت والأماكن، فيسأل الناس، ويَطْلب منهم أن يعطوه، وأن يُسَاعدوه، فهو طواف؛ لأنه يتجوَّل على الناس، ويدور عليهم، لكن الذي أعرفه في لفظ الحديث كلمة: "طواف"، وربما فيه لفظة: "عن السؤال". * قوله: (وَاخْتَلَفُوا: هَلْ تَجُوزُ لِفُقَرَاءِ الذِّمَّةِ؟ وَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجُوزُ لَهُمْ (١)، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَجُوزُ لَهُمْ (٢)). يعني: فقراء الذمة الَّذين يعيشون مع المسلمين، هل يُعْطَون الزكاة؟ يقول الجمهور: لا، هذه خَاصةٌ بالمسلمين؛ لأنه وَرَد في حديث ابن عُمَر: "من المسلمين"، فتقيَّدوا بهذه اللفظة، وبعضهم يقول: نعم، تجوز لغيرهم. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ سَبَبُ جَوَازِهَا هُوَ الفَقْرُ فَقَطْ، أَوِ الفَقْرُ مَعَ الإِسْلَامِ مَعًا؟ فَمَنْ قَالَ: الفَقْرُ وَالإِسْلَامُ لَمْ يُجِزْهَا لِلذِّمِّيِّينَ. وَمَنْ قَالَ: الفَقْرُ فَقَطْ، أَجَازَهَا لَهُمْ، وَاشْتَرَطَ قَوْمٌ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ الَّذِينَ تَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَكُونُوا رُهْبَانًا). من العلماء من اشترط أن يكونوا رهبانًا؛ أي: عُبَّادًا، نُقل هذا القول

стр. 3648

عن عمرو بن شرحبيل، وكذلك أيضًا عن عمرو بن ميمون، ولعلَّه أيضًا نُقِلَ عن غَيْرهم (١) أنَّهم قيدوا ذلك بأن يكون هذا عابدًا، بمعنى: مُتَفرغ للعبادة، وَإِنْ كانت هذه العبادة غير صَحِيحةٍ، لكنه غير مُشْتغلٍ، فَهو فِي حَاجَةٍ، وَعَلى هؤلاء أن يُسَاعدوه، أمَّا الحنفية فلم يُقيِّدوا ذلك، بَلْ أَطْلَقوه. وَالَّذين قالوا: يُعْطى لهؤلاء، قالوا: وَالإسلامُ اشْتمَل على السَّماحة والتيسير، وهو يتعامل مع الآخرين من هذا المُنْطلق، وهذا الهَدف، فلا مانع أن يُعطوا أهل الذمة الذين ليس فيهم أذًى للمؤمنين، يُعْطَون من هذه الزكاة. * قوله: (وَأَجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ زَكَاةَ الأَمْوَالِ لَا تَجُوزُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: "صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ" (٢)). هَذَا إجماعٌ من العلماء كما ذكرَ المؤلف بدليل ما جَاءَ فِي حديث معاذٍ عندما بعثه رسول اللَّه ﷺ إلى اليمن قال: "إنَّك سَتَأتي قومًا أهل كِتَابٍ، فَلْيكن أوَّل ما تَدْعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأنِّي رسول اللَّه"، ثم ذكر الصلاة، ثم قال: "فَإِنْ هم أطاعوك لذلك، فأَخْبرهم أن اللَّه قد افترض عليهم صَدقةً تؤخذ من أغنيائهم، فتُرد في فقرائهم"، وهو حَديثٌ متفقٌ عليه (٣). * * *

стр. 3649

قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلى اللَّه على محمد وآله وسلم تسليمًا (كِتَابُ الصِّيَامِ [الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنَ الصَّوْم الْمَفْرُوضِ الْجُمْلَةُ الْأُولَى أَنْوَاعُ الصِّيَامِ الْوَاجِبِ]) قصده بكتاب الصِّيام؛ أي: الكتاب الذي تُذْكر فيه أحكام الصيام، فهنا أُضيف الكتاب إلى الصيام؛ أي: هذا كتاب تُذْكر فيه أحكام الصيام. * قوله: (وَهَذَا الكِتَابُ يَنْقَسِمُ أَوَّلًا قِسْمَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: فِي الصَّوْمِ الوَاجِبِ، وَالآخَرُ: فِي المَنْدُوبِ إِلَيْهِ). هَذِهِ كلها مقدماتٌ نطرقها إلى أن نَصِلَ إلى بيت القصيد الذي نبدأ منه. * قوله: (وَالنَّظَرُ فِي الصَّوْمِ الوَاجِبِ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: فِي الصَّوْمِ، وَالآخَرُ فِي الفِطْرِ). وَسَيأتِي المُؤلِّف إليه بعد ذلك تفصيلًا.

стр. 3650

* قوله: (أَمَّا القِسْمُ الأَوَّلُ وَهُوَ الصِّيَامُ، فَإِنَّهُ يَنْقَسِمُ أَوَّلًا إِلَى جُمْلَتَيْنِ؛ إِحْدَاهُمَا: مَعْرِفَةُ أَنْوَاعِ الصِّيَامِ الوَاجِبِ، وَالأُخْرَى: مَعْرِفَةُ أَرْكَانِهِ، وَأَمَّا القِسْمُ الَّذِي يَتَضَمَّنُ النَّظَرَ فِي الفِطْرِ، فَإِنَّهُ يَنْقَسِمُ إِلَى مَعْرِفَةِ المُفْطِرَاتِ، وإلَى مَعْرِفَةِ المُفْطِرِينَ وَأَحْكَامِهِمْ، فَلْنَبْدَأْ بِالقِسْمِ الأَوَّلِ مِنْ هَذَا الكِتَابِ). فَهُنَاك مُفْطراتٌ مُجْمَعٌ عَليها؛ كالأَكْل، والشُّرب، وكذلك مَا يَحْصل من جِمَاعٍ، وهذا في النهار؛ لأنَّ الصيامَ يبدأ من طلوع الفجر الصَّادق إلى مغيب الشمس، يعني: إلى غُرُوبها، وهناك مُفْطراتٌ مُختلفٌ فيها، كالحُقَن التي وجدت، وهذه الحُقَن أيضًا سبق أن تكلَّم عنها العلماء؛ لأنها معروفةٌ منذ زَمَنٍ طويلٍ، كَذَلك القطرة التي يَضعُهَا الإنسان في عينيه، أو ربما ما وضع في إحليله، وغير ذلك، هذه كلُّها سنتعرَّض لها؛ لأن الحاجة تَسْتدعي ذلك. * قوله: (وَبِالجُمْلَةِ الأُولَى مِنْهُ، وَهِيَ مَعْرِفَةُ أَنْوَاعِ الصِّيَامِ، فَنَقُولُ: إِنَّ الصَّوْمَ الشَّرْعِيَّ مِنْهُ وَاجِبٌ، وَمِنْهُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ. وَالوَاجِبُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: مِنْهُ مَا يجِبُ لِلزَّمَان نَفْسِهِ، وَهوَ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ بِعَيْنِهِ). صَوْم رمضَان -كَمَا هو مَعْلومٌ- إنما يَجب من شهر رمضان، فلو قُدر أن إنسانًا نذر أن يصوم الشهر الذي يَقدم فيه ابنه، أو الذي يشفي فيه اللَّه والدته أو والده، فيُصَادف شهر رمضان، فإنه يَصُوم فيه الصيام الواجب الذي هو ركنٌ، أمَّا النذر فإما أن يؤجله، أو يسقط عنه، المسألة فيها كلامٌ؛ لأنَّ رمضان ظرفٌ ضيق غير موسعٍ، ليس مثل الصلاة، أوقاتها موسعة، فأنت تؤدي فيها الفرض، قَدْ تؤديه في أول الوقت أو وسطه أو في آخره، ولا تكون آثمًا في شيءٍ من

стр. 3651

ذلك، لكن الخلاف: ما هو الأفضل؟ أهو أول وقت الصلاة أو آخره (١)؟ لا شك أن الأفضل هو أداء الصلاة على وقتها كما جاء في الحديث: سُئِلَ رَسُول اللَّه ﷺ : أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: "الصلاة في أول وقتها" (٢)، عدا وقت اشتداد الحر، فإن العلماء نبهوا على أنه ينبغي تأخيرها إلى وقت الإبرادح لأن الرسول ﷺ قال: "أَبْردوا للصَّلاة، فإنَّ شدَّة الحرِّ من فَيْح جهنَّم" (٣)، وكذلك الحال بالنِّسبة لصلاة العشاء، فَمن العُلَماء من يستحبُّ تأخيرها، وقد حَصَل ذلك من رسول اللَّه ﷺ (٤)، وقد مَضى الكلام في ذلك تفصيلًا. إذًا، شهر رمضان ظرفٌ ضيق، أما أوقات الصلاة فهي موسعة؛ ولذلك رمضان يؤدَّى في وقته، فلا يُصام معه غيره، وهذا أمرٌ متعذرٌ. * قوله: (وَمِنْهُ مَا يَجِبُ لِعِلَّةٍ، وَهُوَ صِيَامُ الكَفَّارَاتِ).

стр. 3652

"مَا يَجب لعِلَّةٍ"، كما لو ظَاهَر إنسانٌ، أو جَامعَ في نهار رمضان، فَهَذا شيءٌ وَجَبَ على الإنسان لعِلَّةٍ. * قوله: (وَمِنْهُ مَا يَجِبُ بِإِيجَابِ الإِنْسَان ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ صِيَامُ النَّذْرِ). وَالرَّسُولُ ﷺ لما سُئِلَ عن النذر قال: "مَنْ نذرَ أن يُطيعَ اللَّهَ فليُطِعْهُ، ومَنْ نَذرَ أن يَعْصي اللَّه فلَا يَعْصه" (١)، فلو أنَّ إنسانًا نذرَ للَّه أنه إن شفَى اللَّه مريضه، فإنه سيصوم شهرًا أو أسبوعًا، أو يُصلي عددًا من الصلوات، أو يذهب لحج التطوع، أو يُصلِّي في بيت اللَّه الحرام، هذا أمرٌ مطلوبٌ، وينبغي للإنسان أن يُوفِّي فيه، فقال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ [الإنسان: ٧]. إذًا، الوفاء بالنذر مطلوب، لكن لو أن إنسانًا نذر أن يعصي اللَّه، نذر أن يسافر ليسرقَ، أو يحدد وقتًا ليسرق فيه، فلا يجوز أن ينفذ ذلك، ولا كفارة عليه أيضًا في ذلك؛ لأنه "من نذر أن يُطيع اللَّه فليطعه، ومن نذر أن يعصي اللَّه فلا يعصه"؛ لأن النذرَ في طاعة اللَّه قربةٌ، والنذر في معصية اللَّه معصيةٌ للَّه ، وشتان بين الأمرين. * قوله: (وَالَّذِي يَتَضَمَّنُ هَذَا الكِتَابُ). لا يقصد "البداية"، وإنما يقصد كتاب الصيام. * قوله: (القَوْلَ فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ هَذِهِ الوَاجِبَاتِ هُوَ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَقَطْ). أَفْرَدَ المؤلفُ في هذا الكتاب صوم رمضان فقط؛ لأن النذرَ له بابٌ

стр. 3653

يخصُّه في الفقه، فهناك أبواب أو أحكام النذور، وكذلك بالنسبة للكفارة أيضًا لها كتابٌ يخصُّها، وسيأتي الكلام عنها -إِنْ شَاءَ اللَّه- مُفردًا. * قوله: (وَأَمَّا صَوْمُ الكَفَّارَاتِ، فَيُذْكَرُ عِنْدَ ذِكْرِ المَوَاضِعِ الَّتِي تَجِبُ مِنْهَا الكَفَّارَةُ، وَكذَلِكَ صَوْمُ النَّذْرِ، وَيُذْكَرُ فِي كِتَابِ النَّذْرِ)؛ لأنَّ بعضَ العلماء يُفْرده بِبَابٍ مستقلٍّ، وبعضهم يدخله مع الأيمان، فيقولون: كتاب الأيمان والنذور، وهذا كله -إن شاء اللَّه- سيأتي. * قوله: (فَأَمَّا صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ). هُناك كلامٌ لبعض العلماء حول: هل يقال: "جاء رمضان" أو "جاء شهر رمضان"؟ بَعْضهم يَكْره أن يُقَال: جاء رمضان، وإنما يُقَال: جاء شهر رمضان، وقَدْ جاء في ذلك حديثٌ فيه كلامٌ، لا تقولوا: جاء رمضان؛ لأن رمضان اسمٌ من أسماء اللَّه (١)، لكن بعد التحقيق تبيَّن أن ذلك غير ممنوعٍ؛ لأنه جاء في الحايث المتفق عليه: "إذا جاء رمضان، فُتحت أبوابَ الجنة" (٢)، لكن ابتعادًا عن الشُّبَه يُقال: جاء شهر رمضان. * قوله: (فَهُوَ وَاجِبٌ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِجْمَاعِ). إذن، الآن أول ما نبدأ به الكلام عن حُكْم صيام رمضان، لا شكَّ أن الأمرَ في ذلك واضحٌ وجليٌّ، لكن جَرَت العادة أنه يُبيَّن مثل ذلك في المُصنَّفات.

стр. 3654

فَكَما ذَكرَ المؤلف أنَّ صيام رمضان واجبٌ بالكتاب والسُّنة والإجماع، وهذه الأدلة الثلاثة التي نُقلت نقلًا تُسمَّى بالأدلة المنقولة، إذًا صيام شهر رمضان وَاجبٌ بالكتَاب وَالسُّنة والإجمَاع، بل هو ركنٌ من أَرْكَان الإسلام. أما الكتاب، فقَوْل اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣]. والكَتْب إنما هو الإيجاب، وهذا قد تكرر في آياتٍ كثيرةٍ من كتاب اللَّه، كقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]. إلى آخر الآية التي في سورة المائدة. والأمثلَةُ على ذلك كثيرةٌ جدًّا ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨]. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦﴾ [البقرة: ٢١٦]. إذًا، هُنَا الآيَة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣]. كَذَلك جَاءَ بَعْدهَا: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة: ١٨٥]. ثم جاء بعد ذلك مباشرةً: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].

стр. 3655

إِذَنْ، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]، فقَدْ دل الكتاب على أن صيام رمضان واجبٌ. كذلك دلَّت سُنَّة رسول اللَّه ﷺ في أحاديثَ كَثيرَةٍ على وجوب الصيام؛ أي: صيام رمضان، ومنه ذَلكَ الحَديث المُتَّفق عليه، وهو قوله ﷺ : "بُنِيَ الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان" (١)، إذًا الصِّيام ركن من هذه الأركان الخمسة، لا يَتمُّ الإسلام بدُونِهَا. كَذَلكَ جَاءَ في قصَّة الأعرابيِّ الذي جَاء إلى رسول اللَّه ﷺ ثائر الرأس، فقال لرسول اللَّه ﷺ : أخبرني ماذا فرض اللَّه عليَّ من الصيام؟ فقال له رسول اللَّه ﷺ : "شهر رمضان". قال: هل عليَّ غيره؟ قال: "لا، إلا أن تَطَّوَّع"، وسأله عن أشياء أُخرى كما مرَّ. * قوله: ("ماذا فَرضَ اللَّه عَليَّ من الصيام؟ قال: "شهر رمضان") (٢). والأَحَاديثُ في ذلك كثيرةٌ جدًّا سنمرُّ بها -إن شاء اللَّه- أثناء دراستنا للمسائل. وأَجْمَعَ العلماء دون أيِّ خلافٍ على أن صيام شهر رمضان ركنٌ من أركان الإسلام (٣). . هذا فيما يتعلَّق بوجوبه، إذًا شهر رمضان واجبٌ وركنٌ من أركان الإسلام. * قوله: (أَمَّا الكِتَابُ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا

стр. 3656

كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]. وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَفِي قَوْلِهِ ﵊: "بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ"، وَذَكَرَ فِيهَا الصَّوْمَ. وَقَوْلِهِ لِلأَعْرَابِيِّ: "وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ"، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ"، وَكَان فَرْضُ الصَّوْمِ لِشَهْرِ رَمضَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الهِجْرَةِ). وهذا الأعرابيُّ مرَّ بنا ذكره في أحكام الصلاة، وفي الزكاة؛ لأنه سأل رسول اللَّه ﷺ : مَاذا فَرَض اللَّه عليَّ من الصيام؟ قال له ﷺ : "شهر رمضان"، قال الأعرابيُّ: هل عليَّ غيره؟ قال: "لا، إلا أن تَطَّوَّع"، فلما انصرف الرجل عن رسول اللَّه ﷺ قال: "أفلحَ إِنْ صَدَق" (١)، يعني: إن التزم الرجل بما أنه لا يزيد، ولا ينقص، فإنه وَفَّى، لكن ليس معنى هذا أن الإنسان لا يتقرب إلى اللَّه بالسُّنن والنوافل، بل هذا أمرٌ مرغبٌ فيه. * قوله: (وَأَمَّا الإِجْمَاعُ (٢): فَاِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ إِلَيْنَا خِلَافٌ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ فِي ذَلِكَ). والمُؤلِّف تكلَّم عن الصيام، لكنه لم يُعرِّفه، وينبغي علينا أن نعرف ما معنى الصيام في اللُّغة والشرع؟ الصِّيام في اللُّغة: هُوَ الإمساكُ، ومعناه اللُّغوي له اتصالٌ بالمعنى الشرعي، فالصيام في اللُّغة إنما هو الإمساك، هذا هو معناه العام؛ ولذلك يَقُولُ اللَّه حكايةً عن مريم ﵍: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦]؛ أي: نذرت للرحمن صمتًا عن الكلام، فُسِّر بقوله: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦].

стр. 3657

ومن ذلك قول النابغة الذبياني أيضًا (١): خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غير صائمةٍ … تحت العجاج وأُخرى تعلك اللُّجُما "خَيل صيامٌ": يعني خيلٌ ممسكةٌ عن الصهيل، و"خيلٌ غير صائمةٍ"، أي: أصواتها مرتفعة؛ لأنَّ أصوات الخيل إنما يُعْرف بالصهيل. ثمَّ قَالَ: "تحت العجاج"، يَعْني: أنَّ هَذِهِ الخيلَ من أَجل الأُمور التي كانت تُسْتخدَم في الحُرُوب، وإذا قامت الحرب صار "العجاج" أي: الغبار، تحت العجاج "وأُخرى"؛ أي: أُخرى من هذه الخيل، "تعلك"، يعني: تمضغ (اللُّجُما)؛ أي: اللجام الذي يُوضَع في فمها أي: تُلجَم به. إذن، نَتبيَّن من هذا أن الصِّيامَ في اللُّغة إنما هو الإمساك، هَذَا هو معناه، يُقَال: فلانٌ صائمٌ عن الكلام، يعني: ممسكٌ عنه. وَأمَّا في المصطلح الشرعي: فهو إمساكٌ مخصوصٌ في وقتٍ مخصوصٍ عن شيءٍ مخصوصٍ، فالإنسان يُمْسك في شهر رمضان من طلوع الفجر الصادق إلى غُرُوب الشمس، ويُمْسك عن أشياء مخصوصة، إذًا هذا هو معنى الصيام (٢)، هذه الأشياء المخصوصة هي التي ستتبين لنا أثناء الحديث عن مسائل هذا الكتاب. * قوله: (وَأَمَّا عَلَى مَنْ يَجِبُ وُجُوبًا غَيْرَ مُخَيِّرٍ، فَهُوَ البَالِغُ العَاقِلُ الحَاضِرُ الصَّحِيحُ) (٣). "وَأَمَّا عَلَى مَنْ يَجِبُ وُجُوبًا غَيْرَ مُخَيِّرٍ"، يعني: وجوبًا لازمًا.

стр. 3658

"وَأَمَّا عَلَى مَنْ يَجِبُ وُجُوبًا غَيْرَ مُخَيِّرٍ: فَهُوَ البَالِغُ العَاقِلُ الحَاضِرُ الصَّحِيحُ": "البَالِغُ العَاقِلُ الحَاضِرُ الصَّحِيحُ"، وأيضًا قَبْله الإسلَام؛ لأنَّ الصيامَ تكليفٌ، والكافرُ غير مُكلَّفٍ، يَقُولُ اللَّهُ تَعالَى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]. ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٥٤]، فأعمالُهُم مردودةٌ. إذًا، الصيام يجب على كل مسلم، وأن يكون هذا المسلم بالغًا عاقلًا؛ لأن رسول اللَّه ﷺ قال: "رُفِعَ القلم عن ثلاثةٍ: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصغير حتى يبلغ" (١)، فهؤلاء (المجنون والصغير) غير مُكلَّفين (٢)، فلو قلنا بإيجاب الصيام عليهما، لقلنا بوضع القلم عليهما، وهذا خلاف ما أخبر به رسول اللَّه ﷺ ؛ لأن رسول اللَّه ﷺ أخبر بأن القلم قد رُفِعَ عن هؤلاء، فلو قيل بأن الصيام يجب عليهما، لكان ذلك وضعًا للقلم عليهما، وتكليفًا لهما بما لم تُكَلفهما به هذه الشريعة، لكن يحسُن أن يُعَوَّد الغُلَام الذي لم يبلغ على الصيام، وأن يُشَدد عليه في ذلك متى ما استطاع؛ لتُروَّض نفسه، ويَكُون لَدَيه الاستعداد عندما يُصْبح الصيامُ واجبًا في حقَه. إذن، يجب الصيام على كل مسلمِ بالغ عاقلِ حاضرٍ، وقيده بالحاضر؛ لأن المسافرَ لا يجب عليه الصياَم، لكن لا يَسقط عنه، وإنما يقضيه كما قال اللَّه : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤].

стр. 3659

ثمَّ بيَّن اللَّهُ الحكمةَ في ذلك، وهو التيسير على عباده، والتخفيف عنهم، وهذا عادةً أسلوب القرآن في كَثِيرٍ من الأحكام، أنه عندما يذكر الحكمَ، يذكر علَّته ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وفي آيةٍ ثانيةٍ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، وفي آيةٍ ثالثةٍ في حُكمٍ آخَرَ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وفي آيةٍ رَابعَةٍ: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. إذَنْ، خَفَّف اللَّهُ تَعالَى عن المؤمنين، والمسافر تلحقه مشقةٌ، وهذه المشقة وإنْ لم تكن متيقنةً، فإنها مشقةٌ مظنونةٌ، وَمَعَ كونها مَظْنونةً، استدعت أن يُخفَّف عن المسافر، فأُسْقِطَ عنه شطر الصلاة كما مرَّ بنا، كذلك أيضًا الفطرُ له أفضل؛ لأن رسول اللَّه ﷺ قال: "ليس من البِرِّ الصيام في السفر" (١)، وأنكر على الرجل الذي ظُلِّل عليه وهو مسافرٌ أيضًا. يقول المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: "الصَّحيح"؛ لأنَّ المريضَ أنواعٌ: هناك مريضٌ يسقط عنه الصيام مؤقتًا، بمعنى يجوز له الفطر، لَكن يَلْزمه قَضَاؤه، لكن لَوْ كان إنسانًا عنده مرضٌ مزمنٌ لا يستطيع أن يَصُوم، فهذا يَتَعذَّر عليه الصيام، لَكنه يُطْعم عن كل يومٍ مسكينًا. والمرأة الحامل والمُرضع إذا خافتا على ولديهما، أفطرتا وأطعمتا عن كل يومٍ مسكينًا. أمَّا الحائضُ والنُّفساء، فإنه لا يجوز لهما الصيام، ولا يسقط عنهما، إذًا هناك فرقٌ بين الصلاة والصيام، فكما في حديث عائشة ﵂ المتفق عليه: "كانت إحدانا تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة" (٢)؛ لأن الصلاة

стр. 3660

تتكرَّر في كل يومٍ خمس مرات، أما الصيام فإنه يأتي مرةً في العام، والحيضة في الشهر تأتيها مرة واحدة، فلَيْست علَيها مَشقة فيه، فمن هنا لا تصوم، لكنها يلزمها القضاء، ولا إثم عليها في ذلك، وهذا تخفيفٌ من اللَّه على عباده. * قوله: (إِذَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ الصِّفَةُ المَانِعَةُ مِنَ الصَّوْمِ، وَهِيَ: الحَيْضُ لِلنِّسَاءِ، هَذَا لَا خِلَافَ فيه). المُؤلِّف هنا لم يذكر النُّفساء؛ لأن عادة بعض الفقهاء أن يُلْحق أحكامها بأحكام الحائض، إذًا النفساء كذلك (١). * قوله: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]). ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وهذا فعل مضارع اقترن بلام الأمر، فهو أيضًا يدل على الأمر. قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: (الجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ فِي الأَرْكَانِ وَالأَرْكَانُ ثَلَاثَةٌ: اثْنَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَهُمَا: الزَّمَانُ، وَالإِمْسَاكُ عَنِ المُفْطِرَاتِ) (٢).

стр. 3661

[الركن الأول في الصيام هو الزمان] فهذان الركنان لا خلاف فيهما، والزمان إنما يبدأ من طلوع الفجر الصادق؛ لأن هناك فجرين: الفجر الأول: يُسمَّى الفجر الكاذب، وهو الذي يبدو فيه الضوء ثم يختفي. أما الفجر الصادق: الذي هو طلوع الفجر الثاني؛ فهو الذي يجب الإمساك بطلوعه إلى أن تغيب الشمس. * قوله: (وَالثَّالِثُ: مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَهُوَ النِّيَّةُ). ليس هناك خلافٌ بين الفقهاء في أنَّ النية شرط في صحة الصيام (١)،

стр. 3662

لكنَّ الخلاف في وقتها: هل يُشترط أن تكون من الليل بالنسبة للصيام الواجب، أو أنه لا يُشترط (١)؟ ولو نواها من النهار أو نواها في أول الشهر -كما هو رأي البعض- هل تصح أم لا؟ (٢).

стр. 3663

إذن؛ الخلاف في كيفية النية. أما النية؛ فهي مشروطةٌ في كلِّ العبادات؛ لأن رسول اللَّه ﷺ يقول في حديث عمر بن الخطاب ﵁ المتفق عليه، الذي افتتح به البخاري "صحيحه": "إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" (١)، وهو من أعظم الأحاديث التي وردت، وهو أحد الأحاديث الأربعة التي تدور عليها أحكام الشريعة، والعلماء يختلفون في تنويعها، وهذا الحديث يظل ثابتًا ضمن تلك الأحاديث الأربعة أو الثلاثة التي تدور عليها أحكام هذه الشريعة الغرَّاء.

стр. 3664

وممَّا شُرعت له النية: أنه يُميَّز بها بين الصيام الواجب وبين غيره من أنواع الصيام؛ فالصيام الواجب كصيام رمضان، وكصيام النذر، وكصيام الكفارات الواجبة. والصيام غير الواجب كصيام التطوع، بل وهناك صيامٌ غير واجب وغير صيام التطوع كأن يتخذه الإنسان عادة، فبعض الناس ربما يُمسك عن الطعام وعن الشراب حميةً (١). وهذه النيَّة تُسمَّى بالفارقة؛ لأنها تُفرِّق بين الواجب والمندوب، وبين العبادات والعادات. إذن؛ النية في الصيام واجبة؛ لأن الصيام عبادة، والعبادة لا تجوز بغير النية، واللَّه يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة: ٥]. ويقول أيضًا: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢]. * قوله: (فَأَمَّا الرُّكْنُ الأَوَّلُ الَّذِي هُوَ الزَّمَانُ، فَإِنَّهُ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: زَمَانُ الوُجُوبِ، وَهُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ). إذن؛ شهر رمضان زمان وجوب، ولا يجوز أن يُصام فيه غيره؛ لأن الشهر ظرفٌ لهذه العبادة، وهو ظرف مضيَّق؛ أي: محدد له بداية وله نهاية بحيث لا يسع إلا المظروف، وأحيانًا يكون موسعًا كأوقات الصلوات، وكذلك وقت الحج بالنسبة لمن يرى أنه ليس على الفور (٢)، أما الذين يرون: أنه على الفور فلا يكون وقته موسعًا.

стр. 3665

* قوله: (وَالآخَرُ: زَمَانُ الإِمْسَاكِ عَنِ المُفْطِرَاتِ، وَهُوَ أَيَّامُ هَذَا الشَّهْرِ دُونَ اللَّيَالِي). ولا شكَّ أن الصيام إنَّما يكون في النهار، أما الليالي فلا يصام فيها. لكن ينبغي للمسلم أن يصون نفسه وأن يحفظ لسانه، وأن يتجنب كل الأُمور التي تكون سببًا في إثمه، وستأتي أحاديث تبين مثل ذلك. * قوله: (وَيتَعَلَّقُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الزَّمَانَيْنِ مَسَائِلُ قَوَاعِدُ اخْتَلَفُوا فِيهَا). إذن المؤلف يؤسس كتابه على مسائل كُبرى، وبعض العلماء عدَّ هذا الكتاب من كتُب القواعد الفقهيَّة (١)؛ لأنَّ القاعدةَ الفقهيَّةَ حكمٌ كليٌّ ينطبق

стр. 3666

على جزئياته، أو معظمها لتُعْرَفَ أحكامُهَا منه، وكثيرٌ من القواعد لها استثناءات، والمسائل الشاذة لا تعتبر. والمؤلف إنما يذكر المسائل الكبرى ويعرض عن الفروع، لكنْ لو أخذتَ هذه المسائل وفرَّعت عليها لوجدت أن كل مسألة يندرج تحتها عددٌ من المسائل. * فائدةٌ: بعض العلماء يجعل القاعدة (١) مرادفة للمسألة والضابط (٢)، وهذا عند المتقدمين (٣) قبل أن يتطور علم القواعد ويتسع ويبلغ غاية مجده، ويصل إلى الذروة في الازدهار وفي الكمال، وقبل أن يغوصَ العلماء في أعماقه، ثم استطاعوا أن يتوصلوا -بعد دراسة وتمحيص وتدقيق- إلى وجود فارق بين القواعد، فمن القواعد ما تجد أن أحكامها منتثرة في جميع الأبواب، وبعضها تجد أحكامها في باب واحد، ففرَّقوا بينهما، وقالوا: القاعدة: هي التي تنتثر أحكامها في أبواب متعددة، والضابط هو: الذي تأتي مسائله في باب واحد. إذن؛ هذا الكتاب الذي معنا من مِيزته أنه يعطيك خلاصةً للفقه الإسلامي، يعطيك أسسًا لو ضبطتها وتمرَّسْت فيها (٤) لَسَهُل عليك أن تخرج عليه بقية المسائل بعد ذلك. * قوله: (فَلْنَبْدَأْ بِمَا يَتَعَلَّقُ مِنْ ذَلِكَ بِزَمَانِ الوُجُوبِ، وَأَوَّلُ ذَلِكَ

стр. 3667

فِي تَحْدِيدِ طَرَفَيْ هَذَا الزَّمَانِ. وَثَانِيًا: فِي مَعْرِفَةِ الطَّرِيقِ الَّتِي بِهَا يُتَوَصَّلُ إِلَى مَعْرِفَةِ العَلَامَةِ المُحَدَّدَةِ فِي حَقِّ شَخْصٍ شَخْصٍ، وَأُفُقٍ أُفُقٍ، فَأَمَّا طَرَفَا هَذَا الزَّمَانِ؛ فَإِنَّ العُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الشَّهْرَ العَرَبِيَّ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، وَيَكُونُ ثَلَاثِينَ) (١). إجماع العلماء على أن الشهر العربي يكون تسعًا وعشرين ويكون ثلاثين هذا جاء منصوصًا عليه في أحاديث رسول اللَّه ﷺ : "الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له" (٢)، وفي بعض الروايات: "فإن غبي عليكم" (٣)، و"غبي"؛ يعني: أخفي أو اختفى (٤)، وفي بعضها: "فإن غم (٥) عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين" (٦)، وفي بعض الروايات: "ثلاثين يومًا" (٧). وسيأتي خلاف الفقهاء في كلمة "فاقدروا له"، هل المعنى: قدروا شعبان ثلاثين يومًا، أو القصد: ضيِّقوا شعبان فاجعلوه تسعة وعشرين يومًا؟ كلُّ هذا سيمر عليه المؤلف (٨).

стр. 3668

إذن، الشهر تسع وعشرون، وقد يتمُّ الشهرُ فيكون ثلاثين يومًا، لكنَّ غالب الأشهر تسعة وعشرون يومًا. لكنْ أحيانًا يغمى آخر يوم في شهر شعبان، بمعنى: أنه يكون في السماء قتر أو سحابٌ، وهو الذي يعرف بصيام يوم الشك، وهذا سيأتي الكلام فيه، وسنجد أن العلماء انقسموا فيه إلى ثلاثة أقسام: الجمهور (١) لهم رأي، والحنابلة معهم في رواية (٢)، ولهم روايتان

стр. 3669

أخريتان (١) خالفوا فيها الجمهور، ووافقهم بعض العلماء في كل رواية من هذه الروايات (٢). * قوله: (وَعَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي تَحْدِيدِ شَهْرِ رَمَضَانَ إِنَّمَا هُوَ الرُّؤْيَةُ). ولا يزال المسلمون يعنون بهذا الأمر ويستعدون لدخول شهر رمضان وكذلك ذي الحجة وغيرها من الأشهر حتى يتأكدوا، وهذا أمر بيِّن بحمد اللَّه. إذن رؤية الهلال مطلوبة، فإذا ما قرب الشهر يستعد لذلك، فإذا رئي انتهى الأمر، لكن قد يراه فرد واحد ولا يراه الناس، فهل يدخل الشهر بهذا أم لا؟ فيه خلاف: بعض العلماء: يكتفي برؤية شخصٍ واحد.

стр. 3670

وبعضهم يقول: إذا لم يثقِ الناسُ برؤية هذا الشخص فهل يجب عليه أن يصوم، أو أنَّ الأمر متعلق بإمام المسلمين كما جاء في الحديث: "الصوم حين يصوم الناس والفطر حين يفطر الناس"، وفي رواية: "صوموا كما يصوم الناس وأفطروا كما يفطر الناس وضحوا كما يضحي الناس" (١) من العلماء من أوجب عليه الصيام، وسيأتي الكلام عنه -إن شاء اللَّه-. لا شك أن الافتئات (٢) على الإمام والخروج عليه أمرٌ منكرٌ ومحذَّر عنه حتى في العبادات (٣)؛ ولذلك ينصُّ العلماءُ على أنَّ الإنسان في هذه الحالة فيما لو رأى الهلال يصوم ولا يعلن ذلك حتى لا يدور الخلاف بالأمة وهي مجتمعة، وحتى لا يوجد ثَلْمٌ (٤) ولو يسير في صف الأمة الإسلامية. * قوله: (لِقَوْلِهِ ﵊: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ" (٥). وهذا أمر من الرسول يقتضي من المؤمنين تحرِّي رؤية شهر رمضان، وكذلك تحرِّي خروج شهر رمضان. لكن قد يسأل سائل فيقول: لماذا أجمع العلماء على أنَّ شهر رمضان

стр. 3671

لا يخرج إلا بشهادة اثنين عدلين (١)، واختلفوا في دخوله، فبعضهم يرى الاكتفاء بواحد (٢)؟

стр. 3672

هناك فرق بينهما: لأن دخول شهر رمضان عبادة كل نفس تهفو إليه، وهكذا كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، إذا انتهى رمضان سألوا اللَّه أن يوفقهم فيدركوا رمضان المستقبَل، وإذا كانوا فيه سألوا اللَّه تعالى أن يتمَّه عليهم (١). إذن؛ لا شكَّ أن الدخول في عبادة الصيام تشتاق نفس كل مسلم إليها، لكنَّ الخروج من الصيام يقطعهم عن هذه اللذة؛ ولذا ينبغي أن يكون فيه تحرٍّ ودقَّةٍ؛ لأنهم لو صاموا قبل ذلك بيوم لما ضرَّ، لكن أن يُتَساهل في الشهر فيُصَام تسعًا وعشرين ثم يتبين خلاف ذلك فلا يجوز، لكن إن كان ذلك عن اجتهاد وتحرٍّ بمعنى أنه لم يُرَ الهلال فلم يَصُم المسلمون إلا في اليوم الثاني، ثم خرج الشهر أيضًا ليلة تسع وعشرين، هنا يحتاج المسلمون إلى أن يقضوا يومًا واحدًا. * قوله: (وَعَنَى بِالرُّؤْيَةِ: أَوَّلَ ظُهُورِ القَمَرِ بَعْدَ الزَّوَالِ (٢)، وَاخْتَلَفُوا فِي الحُكْمِ إِذَا غُمَّ الشَّهْرُ، وَلَمْ تُمْكِنِ الرُّؤْيَةُ). يعني: إذا كان في السماء سحاب أو قتر ولا يستطيع الناس أن يروا القمر، في هذه الحالة هل يصام يوم الثلاثين أو لا يصام؟

стр. 3673

* قوله: (وَفِي وَقْتِ الرُّؤْيَةِ المُعْتَبَرِ). يبدو أن العبارة غير صحيحة، وأنَّها: (في أيِّ وقت). * قوله: (فَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ إِذَا غُمَّ الهِلَالُ، فَإِنَّ الجُمْهُورَ يَرَوْنَ أَنَّ الحُكْمَ فِي ذَلِكَ أَنْ تُكْمَلَ العِدَّةُ ثَلَاثِينَ؛ فَإِنْ كَانَ الَّذِي غُمَّ هِلَالُ أَوَّلِ الشَّهْرِ عَنِ الشَّهْرِ الَّذِي قَبْلَهُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، كَانَ أَوَّلُ رَمَضَانَ الحَادِيَ وَالثَّلَاثِينَ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي غُمَّ هِلَالَ آخِرِ الشَّهْرِ، صَامَ النَّاسُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا. وَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ المُغَمَّى عَلَيْهِ هِلَالَ أَوَّلِ الشَّهْرِ، صِيمَ اليَوْمُ الثَّانِي، وَهُوَ الَّذِي يُعْرَفُ بِيَوْمِ الشَّكِّ). * العلماء -كما أشرتُ- انقسموا في هذه المسألة إلى ثلاثةِ أقسامٍ: القول الأول: أنَّ صيام هذا اليوم الذي يعرف بيوم الثلاثين، هذا الذي حجب فيه القمر فلم ير الناس الهلال، يجب صيامه، وهذه رواية للحنابلة، ونقل ذلك عن بعض الصحابة كعبد اللَّه بن عمر. لكنَّهم قالوا: فإن كان صيامه من رمضان صح صيامه، وإن لم يكن من رمضان فلا شيء في ذلك. القول الثاني: وهو رواية أُخرى للحنابلة تقول: الناس تبع للإمام، فإن صام الإمام هذا اليوم صام الناس معه، وإن لم يصم الإمام فلا ينبغي للناس أن يصوموا. القول الثالث: -وهو الرأي المشهور وهو الذي ذكره المؤلف، وهو رأي الأئمة: أبو حنيفة ومالك والشافعي، وهو رواية للإمام أحمد-: أن يوم الشكِّ لا يُصَام (١).

стр. 3674

وقد ورد في هذه المسألة عدَّةُ أدلة، ومن ذلك: - أن النبي ﷺ نهى عن صيام يوم الشك، وهذا الحديث متفق عليه (١). - وجاء في حديث آخر صحيح ليس في "الصحيحين" أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "من صام اليوم الذي يُشكُّ فيه فقد عصى أبا القاسم" (٢). إذن؛ هذا فيه نهي عن صيام يوم الشك. وأصل الخلاف: يدور حول ما جاء في الحديث: "فإن غم عليكم فاقدروا له" (٣). اختلف العلماء في تفسير هذه العبارة؛ فالحنابلة في روايتهم الأُخرى التي قالوا فيها: إنه يصام يوم الشك ويعتبر الأول من رمضان، وجهتهم في ذلك: أن عبد اللَّه بن عمر: -وهو راوي الحديث- كان يرى هذا الرأي، وفسروا: "فاقدروا له" (٤)؛ أي: ضيِّقوا له العدد؛ أي: اجعلوا شعبان تسعة وعشرين يومًا، فإذا ضيق العدد وأصبح شعبان تسعة وعشرين يومًا، صام الناس هذا اليوم الذي فيه غيم أو قطر.

стр. 3675

جمهور العلماء (١) قالوا: إن معنى "فاقدروا له": أكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا. قالوا: وهذا مجمل، جاء تفسيره في الروايات الأُخرى -وهي في "الصحيحين"-: "فإن غم عليكم فأكلملوا شعبان ثلاثين"، وفي رواية ليست في "الصحيحين": "فأكملوا شعبان ثلاثين يومًا". * قوله: (وَرَوَى بَعْضُ السَّلَفِ أَنَّهُ إِذَا أُغْمِيَ الهِلَالُ رَجَعَ إِلَى الحِسَابِ بِمَسِيرِ القَمَرِ وَالشَّمْسِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ) (٢).

стр. 3676

والقمر إنما هو خلق من مخلوقات اللَّه، فاللَّه خلق النجوم وجعلها زينةً للسماء ورجومًا للشياطين وعلامات يستدل بها، وكل ذلك ذكر في كتاب اللَّه وفي سنة رسوله ﷺ كذلك فإنَّ اللَّه خلق القمر وجعل له منازل، وفي ذلك حكمة بالغة: لنعلم عدد السنين والحساب كما قال : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [يونس: ٥]. * قوله: (وَحَكَى ابْنُ سُرَيْجٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ كَانَ مَذْهَبُهُ الِاسْتِدْلَالَ بِالنُّجُومِ وَمَنَازِلِ القَمَرِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ الهِلَالَ مَرْئِيٌّ وَقَدْ غُمَّ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَعْقِدَ الصَّوْمَ وَيُجْزِيَهُ (١)، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمُ: الإِجْمَالُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ ﷺ : "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ" (٢)). ورسول اللَّه ﷺ قد أرشدنا إلى أنَّ الشهر قد يكون ثلاثين يومًا، وقد يكون تسعة وعشرين يومًا؛ ولذلك قال رسول اللَّه ﷺ في الحديث المتفق عليه: "إنَّا أُمَّةٌ أمِّيَّةٌ لا نكتبُ ولا نحسبُ" (٣)، وفي رواية: "لا نحسبُ (٤) ولا نكتبُ، الشهر هكذا وهكذا وهكذا"، ثم أشار بيده ثلاث مرات، وفي الثالثة خنس الإبهام (٥)؛ أي: تسعة وعشرين، ثم قال: "وهكذا وهكذا وهكذا"، فذكرها ثلاث مرات كاملة.

стр. 3677

فدلَّ ذلك على أن الشهر قد يكون تسعة وعشرين، وربما يكون ثلاثين. وغالب الآثار التي جاءت عن الصحابة ﵃ ذكروا فيها أنهم كانوا يصومون مع رسول اللَّه ﷺ وأن أكثر الأشهر التي صاموها تسعةً وعشرين يومًا، وهذا هو الذي نراه الآن؛ يعني: غالب الأشهر إنما هي تكون تسعة وعشرين يومًا فلا تكمل ثلاثين يومًا، لكن من الأشهر ما يصل ثلاثين. وهذا الحديث: "إنَّا أمَّةٌ أمِّيَّةٌ" يشهد له قول اللَّه : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]. * قوله: (فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ تَأْوِيلَهُ: أَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلَاثِينَ). هذا هو مذهب جماهير العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة، وقد سبق ذلك (١).

стр. 3678

* قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّ مَعْنَى التَّقْدِيرِ لَهُ هُوَ عَدُّهُ بِالحِسَابِ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يُصْبِحَ المَرْءُ صَائِمًا، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ (١) -كَمَا ذَكَرْنَا- وَفِيهِ بُعْدٌ فِي اللَّفْظِ، وَإِنَّمَا صَارَ الجُمْهُورُ إِلَى التَّأْوِيلِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الثَّابِتِ أَنَّهُ قَالَ ﵊: "فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلَاثِينَ"). الذي جعل بعض العلماء يستبعد هذا التفسير: "فاقدروا له"؛ أي: ضيقوا له العدد، واجعلوه تسعة وعشرين؛ لأنه جاء في بعض الأحاديث ما يفسر ذلك: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين"، وفي أحاديث: "ثلاثين يومًا". قالوا: هذا فسر الإجمال الذي ورد في رواية: "فاقدروا له". يعني: إذا حال بينكم وبين رؤيته سحابٌ أو قترٌ، فماذا يفعل المسلم في هذه الحالة؟ من العلماء من قال: يتم شعبان ثلاثين يومًا كما هو رأي الأكثر. ومنهم من قال: إنه يأخذ بالأحوط فيجعل شهر شعبان تسعة وعشرين يومًا ويصوم اليوم الذي يليه، وهذا الذي يصام ينظر فيه؛ فإن كان من رمضان فنعمَّا هو، وإلَّا فلا شيء في ذلك. ومنهم من قال: إنْ صامه الناس صامه الإنسان وإلا فلا؛ لحديث: "الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون" (٢)،

стр. 3679

ويقصد بهذا الحديث: أن يكون المسلم مع الجماعة، فيد اللَّه مع الجماعة (١). حتى إنَّ العلماء الذين يقولون: لو أن إنسانًا رأى شهر رمضان وحده ولم يصم الناس بصيامه فإنه يصومه ولا يُظهِر ذلك (٢)، حتى لا يُظهِرَ مخالفةً للإمام؛ لأنَّ في ذلك افتئاتًا على الإمام ومخالفةً له، وهذا أمر منهيٌّ عنه. ولا ينبغي أن تكون مثل هذه القضايا موضع خلاف ونقاش وتفرِقةٍ لكلمة المسلمين، ولا سيما في بعض البلاد التي لا تدين بالإسلام ويوجد بين أفرادها عدد من المسلمين؛ فلذا لا ينبغي أن تثار مثل هذه القضايا

стр. 3680

حتى لا تستغل ويقال: إن المسلمين مختلفون، وإن فقههم إنما هو أجزاءٌ متشتتةٌ، وإنه لا توجد أصول وقواعد تمسك بها، كما هو تعليل من يقول: بأن الشريعة الإسلامية خلت من النظريات، وإنما هي جزئيات متشتتة منتثرة، لا تستطيع أن تمسك لها بطرف، لكن هذا كله غير صحيح؛ فإن العلماء قد وضعوا لها قواعد تمسك بأطرافها، وكلها تنظمها في سلك واحد، وهذا معروف في القواعد الفقهية، بل إن الفقه الإسلامي مليء بالنظريات والقواعد الفقهية. * قوله: (وَذَلِكَ مُجْمَلٌ، وَهَذَا مُفَسَّرٌ، فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ المُجْمَلُ عَلَى المُفَسَّرِ، وَهِيَ طَرِيقَةٌ لَا خِلَافَ فِيهَا بَيْنَ الأُصُولِييِّنَ؛ فَإِنَّهُمْ لَيْسَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ المُجْمَلِ وَالمُفَسَّرِ تَعَارُضٌ أَصْلًا، فَمَذْهَبُ الجُمْهُورِ فِي هَذَا لَائِحٌ (١)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي اعْتِبَارِ وَقْتِ الرُّؤْيَةِ: فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا رُئِيَ مِنَ العَشِيِّ (٢) أَنَّ الشَّهْرَ مِنَ اليَوْمِ الثَّانِي) (٣). وهذا حقيقة ليس خاصًّا في رمضان، بل في عامة الأشهر. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا رُئِيَ فِي سَائِرِ أَوْقَاتِ النَّهَارِ، أَعْنِي: أَوَّلَ مَا رُئِيَ). فقد يُرى عندما يكون الجو صافيًا جدًّا، ويهب اللَّه بعض الناس قوة في الإبصار، وقد وُجد من الناس مَن يرى النجوم في النهار، وهذا أمر قد عرف في زماننا وقبله، فيستطيع أن يرى أيضًا ذلك في النهار.
следующие страницы →