والقمر إنما هو خلق من مخلوقات اللَّه، فاللَّه خلق النجوم وجعلها زينةً للسماء ورجومًا للشياطين وعلامات يستدل بها، وكل ذلك ذكر في كتاب اللَّه وفي سنة رسوله ﷺ كذلك فإنَّ اللَّه خلق القمر وجعل له منازل، وفي ذلك حكمة بالغة: لنعلم عدد السنين والحساب كما قال : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [يونس: ٥].
* قوله: (وَحَكَى ابْنُ سُرَيْجٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ كَانَ مَذْهَبُهُ الِاسْتِدْلَالَ بِالنُّجُومِ وَمَنَازِلِ القَمَرِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ الهِلَالَ مَرْئِيٌّ وَقَدْ غُمَّ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَعْقِدَ الصَّوْمَ وَيُجْزِيَهُ (١)، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمُ: الإِجْمَالُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ ﷺ : "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ" (٢)).
ورسول اللَّه ﷺ قد أرشدنا إلى أنَّ الشهر قد يكون ثلاثين يومًا، وقد يكون تسعة وعشرين يومًا؛ ولذلك قال رسول اللَّه ﷺ في الحديث المتفق عليه: "إنَّا أُمَّةٌ أمِّيَّةٌ لا نكتبُ ولا نحسبُ" (٣)، وفي رواية: "لا نحسبُ (٤) ولا نكتبُ، الشهر هكذا وهكذا وهكذا"، ثم أشار بيده ثلاث مرات، وفي الثالثة خنس الإبهام (٥)؛ أي: تسعة وعشرين، ثم قال: "وهكذا وهكذا وهكذا"، فذكرها ثلاث مرات كاملة.
стр. 3677
فدلَّ ذلك على أن الشهر قد يكون تسعة وعشرين، وربما يكون ثلاثين.
وغالب الآثار التي جاءت عن الصحابة ﵃ ذكروا فيها أنهم كانوا يصومون مع رسول اللَّه ﷺ وأن أكثر الأشهر التي صاموها تسعةً وعشرين يومًا، وهذا هو الذي نراه الآن؛ يعني: غالب الأشهر إنما هي تكون تسعة وعشرين يومًا فلا تكمل ثلاثين يومًا، لكن من الأشهر ما يصل ثلاثين.
وهذا الحديث: "إنَّا أمَّةٌ أمِّيَّةٌ" يشهد له قول اللَّه : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢].
* قوله: (فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ تَأْوِيلَهُ: أَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلَاثِينَ).
هذا هو مذهب جماهير العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة، وقد سبق ذلك (١).
стр. 3678
* قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّ مَعْنَى التَّقْدِيرِ لَهُ هُوَ عَدُّهُ بِالحِسَابِ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يُصْبِحَ المَرْءُ صَائِمًا، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ (١) -كَمَا ذَكَرْنَا- وَفِيهِ بُعْدٌ فِي اللَّفْظِ، وَإِنَّمَا صَارَ الجُمْهُورُ إِلَى التَّأْوِيلِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الثَّابِتِ أَنَّهُ قَالَ ﵊: "فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلَاثِينَ").
الذي جعل بعض العلماء يستبعد هذا التفسير: "فاقدروا له"؛ أي: ضيقوا له العدد، واجعلوه تسعة وعشرين؛ لأنه جاء في بعض الأحاديث ما يفسر ذلك: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين"، وفي أحاديث: "ثلاثين يومًا". قالوا: هذا فسر الإجمال الذي ورد في رواية: "فاقدروا له".
يعني: إذا حال بينكم وبين رؤيته سحابٌ أو قترٌ، فماذا يفعل المسلم في هذه الحالة؟
من العلماء من قال: يتم شعبان ثلاثين يومًا كما هو رأي الأكثر.
ومنهم من قال: إنه يأخذ بالأحوط فيجعل شهر شعبان تسعة وعشرين يومًا ويصوم اليوم الذي يليه، وهذا الذي يصام ينظر فيه؛ فإن كان من رمضان فنعمَّا هو، وإلَّا فلا شيء في ذلك.
ومنهم من قال: إنْ صامه الناس صامه الإنسان وإلا فلا؛ لحديث: "الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون" (٢)،
стр. 3679
ويقصد بهذا الحديث: أن يكون المسلم مع الجماعة، فيد اللَّه مع الجماعة (١). حتى إنَّ العلماء الذين يقولون: لو أن إنسانًا رأى شهر رمضان وحده ولم يصم الناس بصيامه فإنه يصومه ولا يُظهِر ذلك (٢)، حتى لا يُظهِرَ مخالفةً للإمام؛ لأنَّ في ذلك افتئاتًا على الإمام ومخالفةً له، وهذا أمر منهيٌّ عنه.
ولا ينبغي أن تكون مثل هذه القضايا موضع خلاف ونقاش وتفرِقةٍ لكلمة المسلمين، ولا سيما في بعض البلاد التي لا تدين بالإسلام ويوجد بين أفرادها عدد من المسلمين؛ فلذا لا ينبغي أن تثار مثل هذه القضايا
стр. 3680
حتى لا تستغل ويقال: إن المسلمين مختلفون، وإن فقههم إنما هو أجزاءٌ متشتتةٌ، وإنه لا توجد أصول وقواعد تمسك بها، كما هو تعليل من يقول: بأن الشريعة الإسلامية خلت من النظريات، وإنما هي جزئيات متشتتة منتثرة، لا تستطيع أن تمسك لها بطرف، لكن هذا كله غير صحيح؛ فإن العلماء قد وضعوا لها قواعد تمسك بأطرافها، وكلها تنظمها في سلك واحد، وهذا معروف في القواعد الفقهية، بل إن الفقه الإسلامي مليء بالنظريات والقواعد الفقهية.
* قوله: (وَذَلِكَ مُجْمَلٌ، وَهَذَا مُفَسَّرٌ، فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ المُجْمَلُ عَلَى المُفَسَّرِ، وَهِيَ طَرِيقَةٌ لَا خِلَافَ فِيهَا بَيْنَ الأُصُولِييِّنَ؛ فَإِنَّهُمْ لَيْسَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ المُجْمَلِ وَالمُفَسَّرِ تَعَارُضٌ أَصْلًا، فَمَذْهَبُ الجُمْهُورِ فِي هَذَا لَائِحٌ (١)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي اعْتِبَارِ وَقْتِ الرُّؤْيَةِ: فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا رُئِيَ مِنَ العَشِيِّ (٢) أَنَّ الشَّهْرَ مِنَ اليَوْمِ الثَّانِي) (٣).
وهذا حقيقة ليس خاصًّا في رمضان، بل في عامة الأشهر.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا رُئِيَ فِي سَائِرِ أَوْقَاتِ النَّهَارِ، أَعْنِي: أَوَّلَ مَا رُئِيَ).
فقد يُرى عندما يكون الجو صافيًا جدًّا، ويهب اللَّه بعض الناس قوة في الإبصار، وقد وُجد من الناس مَن يرى النجوم في النهار، وهذا أمر قد عرف في زماننا وقبله، فيستطيع أن يرى أيضًا ذلك في النهار.
стр. 3681
إذن؛ لو حصل هذا في النهار ورأى القمر على أنه أهلَّ (١)، هل يعتبر ذلك لليوم السابق أو للَّاحق؟ وهل هناك فرق بين أن يُرَى قبل الزوال أو أن يرى بعده؟ هذا ما سيذكره المؤلف.
جمهور العلماء: يرون أنه لو رئي في النهار فإنه يكون لليوم اللاحق لا للسابق (٢).
وذهب فريق آخر: إلى أنه إن رئي قبل الزوال كان لليوم السابق، فإن لم يكونوا صاموا أمسكوا ثم يقضون ذلك اليوم الذي فاتهم بعضه، وإن كان بعد الزوال فهو لليوم الآتي -أي: اللاحق-، وسيذكر المؤلف أصحاب هذا القول وأصحاب هذا القول.
* قوله: (فَمَذْهَبُ الجُمْهُورِ أَنَّ القَمَرَ فِي أَوَّلِ وَقْتٍ رُئِيَ مِنَ النَّهَارِ
стр. 3682
أَنَّهُ لِلْيَوْمِ المُسْتَقْبَلِ، كَحُكْمِ رُؤْيَتِهِ بِالعَشِيِّ، وَبِهَذَا القَوْلِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِمْ).
وليست: (في أول)، وإنما: (في أي)، ويبدو أن هذه الكلمة فيها تحريف.
يعني: الجمهور ومعهم أحمد أيضًا يرون: أن اليوم الذي مضى قد مضى، فإن رئي في هذا اليوم فهو لما سيأتي.
* قوله: (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ (١) مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ (٢) وَابْنُ حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ: إِذَا رُئِيَ الهِلَالُ قَبْلَ الزَّوَالِ، فَهُوَ لِلَّيْلَةِ المَاضِيَةِ، وَإِنْ رُئِيَ بَعْدَ الزَّوَالِ، فَهُوَ لِلْآتِيَةِ).
رأي الجمهور عرفناه، وفيه الأئمة الأربعة، لكن أبا يوسف قد خالف إمامه في هذه المسألة، ومعه الإمام الثوري وهو من الفقهاء المشهورين، ومعهم ابن أبي ليلى (٣)، وهو من التابعين، ومعهم أيضًا ابن حبيب من المالكية.
إذن المؤلف ذكر الذين قالوا بذلك ولم يسقط إلا ابن أبي ليلى.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: تَرْكُ اعْتِبَارِ التَّجْرِبَةِ فِيمَا سَبِيلُهُ التَّجْرِبَةُ وَالرُّجُوعُ إِلَى الأَخْبَارِ فِي ذَلِكَ).
يعني: هل يعتد بالتجربة في هذه الأُمور، أو أننا نقف عند النصوص؟
стр. 3683
لا شكَّ أنَّ ما ورد فيه نص فلا نرجع فيه إلى التجربة، لكن التجربة أو العادة نرجع إليها في أمورٍ تتعلق بأحكام الحيض وأحكام النفاس، هذه هي التي العادة لها تأثير.
ولذلك وضع العلماء القاعدة الفقهية المعروفة وهي إحدى القواعد الخمسة: "العادة محكَّمة" (١).
واستدلوا لها بأثر عبد اللَّه بن مسعود: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند اللَّه حسن، وما رأوه سيئًا فهو عند اللَّه سيئ" (٢).
كذلك أيضًا العادة تحكَّم فيما يتعلَّق ببعض المعاملات فيما لم يرد فيه نص أو فيما لم يتعارض معه نص، وبخاصة في الصناعات؛ فهناك كثير من الصناعات إنما تضبط بالعادة، فهناك مَن يخيط الثياب، وهناك الغسال، وهناك الحداد وهناك النجار، وهناك صاحب المصنع، وهناك مواصفات معروفة، كذلك أيضًا في بعض التعاملات تعتبر العادة، لكن الأحكام الشرعية لا تدخل فيها العادة.
* قوله: (وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ يُرْجَعُ إِلَيْهِ، لَكِنْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَثَرَانِ).
ولكنَّ الرسول ﷺ قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ" (٣).
وقال ﵊: "اقتدوا باللَّذين من بعدي أبي بكر وعمر" (٤). فهذا عمر ﵁ الفاروق له أثران في هذه المسألة.
стр. 3684
إذن؛ نحن نأخذ بما جاء عن عمر ﵁ فيما صح، وقد ورد عنه أثران؛ الأول: صحيح، والثاني: فيه انقطاع؛ فما روي عن الصحابة في ذلك يوقف عنده.
* قوله: (أَحَدُهُمَا عَامٌّ، وَالآخَرُ مُفَسِّرٌ).
إذن الأثران اللذان وردا عن عمر ﵁ كما يقول المؤلف: (أحدهما: عام) يعني: مطلق، (والآخر: مفسِّر)؛ أي: مقيد للأول. فبأيهما نأخذ؟ هل نأخذ بالعام أو نأخذ بالمفسر؟
* قوله: (فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى العَامِّ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى المُفَسِّرِ، فَأَمَّا العَامُّ فَمَا رَوَاهُ الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: "أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ وَنَحْنُ بِخَانِقِينَ أَنَّ الأَهِلَّةَ بَعْضَهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الهِلَالَ نَهَارًا، فَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى يَشْهَدَ رَجُلَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ بِالأَمْسِ").
وهذا الأثر رواه البيهقي في "السنن الكبرى" (١) وغيره (٢)، وهو أثر صحيح.
(خانقين): بلدة من بلاد العراق قريبة من بغداد (٣).
في نفس الرواية التي جاء بها المؤلف جاءت رواية أُخرى في البيهقي بزيادة: "فإذا رأيتموه أول النهار" (٤)، بدل "نهارًا"، فقيدت بأول النهار.
стр. 3685
* قوله: (وَأَمَّا الخَاصُّ: فَمَا رَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْهُ: "أَنَّهُ بَلَغَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ أَنَّ قَوْمًا رَأَوُا الهِلَالَ بَعْدَ الزَّوَالِ فَأَفْطَرُوا، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ يَلُومُهُمْ وَقَالَ: إِذَا رَأَيْتُمُ الهِلَالَ نَهَارًا قَبْلَ الزَّوَالِ فَأَفْطِرُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ بَعْدَ الزَّوَالِ فَلَا تُفْطِرُوا") (١).
لكن الأول -كما قلنا- صحيح وهو حجة للجمهور، والثاني ضعيف.
ولا شكَّ أن الراجح في ذلك هو مذهب جماهير العلماء، وأنه لا يختلف في أول النهار وآخره، وإنما يكون لليوم الذي يليه.
* قوله: (قَالَ القَاضِي).
ويقصد به المؤلف نفسه، فهو يلقب نفسه بـ (القاضي).
* قوله: (الَّذِي يَقْتَضِي القِيَاسُ وَالتَّجْرِبَةُ أَنَّ القَمَرَ لَا يُرَى وَالشَّمْسُ بَعْدُ لَمْ تَغِبْ إِلَّا وَهُوَ بَعِيدٌ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ أَكْبَرَ مِنْ قَوْسِ الرُّؤْيَةِ).
المؤلف من العلماء السابقين الذين لهم دراسة في هذا المجال، ومن علماء الشريعة من عُنِي بهذا الأمر، فمنهم مَن درس إلى جانب العلوم الإسلامية علم الطب، ومنهم مَن درس علم الفلك، ومنهم مَن درس علم الحساب، وغير ذلك من العلوم، ويظهر ذلك جليًّا في كتب ابن القيم ﵀.
стр. 3686
* قوله: (وَإِنْ كَانَ يَخْتَلِفُ فِي الكِبَرِ وَالصِّغَرِ، فَبَعِيدٌ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنْ يَبْلُغَ مِنَ الكِبَرِ أَنْ يُرَى وَالشَّمْسُ بَعْدُ لَمْ تَغِبْ، وَلَكِنَّ المُعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ التَّجْرِبَةُ كَمَا قُلْنَا، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَلَا بَعْدَهُ، وَإِنَّمَا المُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ مَغِيبُ الشَّمْسِ أَوْ لَا مَغِيبُهَا).
اللَّه قد يسَّر على هذه الأمة، وقال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]؛ فلو قدر أن المسلمين فاتهم اليوم الأول من رمضان فلم يصوموا إلا ثماني وعشرين؛ فإنهم يقضون ذلك اليوم ولا إثم عليهم في ذلك، كالحال بالنسبة للحائض والنفساء، فإنهما تفطران وتقضيان ولا شيء عليهما في ذلك (١)، وكذلك الحامل والمرضع إذا خافتَا على أنفسهما فإنهما تفطران وتقضيان ولا شيء عليهما (٢)، وإذا خافتا على
стр. 3687
ولديهما ففيه خلاف بين العلماء: فمنهم من يرى أنهما يقضيان وعليهما الكفارة، ومنهم من يرى الاقتصار على القضاء (١).
стр. 3688
* قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي حُصُولِ العِلْمِ بِالرُّؤْيَةِ: فَإِنَّ لَهُ طَرِيقَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: الحِسُّ. وَالآخَرُ: الخَبَرُ. فَأَمَّا طَرِيقُ الحِسِّ فَإِنَّ العُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ أَبْصَرَ هِلَالَ الصَّوْمِ وَحْدَهُ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ، إِلَّا عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يَصُومُ إِلَّا بِرُؤْيَةِ غَيْرِهِ مَعَهُ (١)).
المؤلف يريد أن يبين لنا ما هي الطريقة التي نعرف بها الرؤية؛ فذكر أنَّ لها طريقين:
الطريق الأول: هو الحِسُّ، يعني: أن تعرف بأحد الحواس، واللَّه قد ركَّب في جسم الإنسان خمسَ حواس: حاسة النظر التي تكون بالعين، والسمع التي تكون بالأذن، والشم التي تكون بالأنف، واللمس التي تكون باليد، والذوق التي تكون باللسان؛ هذه حواس خمسة منها الحاسة التي تدرك بها الرؤية وهي العين.
إذن؛ الحس أن يرى الهلال، فهل القصد من قول الرسول ﷺ : "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته": أنه لا بدَّ أن يراه كل إنسان فيصوم؟ لا؛ لأن هذا غير ممكن.
أما قول المؤلف في دعوى الإجماع: فهذه المقولة غير سليمة؛ لأنَّ هذا الذي حكاه إجماعًا ليس إجماعًا في الواقع؛ لأنَّه لم يخالف في هذا عطاء وحده كما ذكر المؤلف، وإنما خالف فيه مع عطاء إسحاق بن
стр. 3689
راهويه (١) من العلماء وممن عاصر الإمام أحمد ومن أقرانه، وخالف في ذلك أيضًا من التابعين ابن سيرين، وخالف فيه أيضًا أبو ثور، وهي رواية عن الإمام أحمد (٢).
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا: هَلْ بُفْطِرُ بِرُؤْيَتِهِ وَحْدَهُ؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ (٣)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٤)، وَأَحْمَدُ (٥)، إِلَى أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ).
стр. 3690
جماهير العلماء: ذهبوا إلى أنَّ الإنسان إذا رأى الهلال وحده، وفصَّلوا القول في ذلك، فلا فرق بين أن يعلم بذلك القاضي أو الوالي أو لم يعلمه، سواء شهد عندهما أو لم يشهد، أخذ بقوله أو لم يؤخذ، فإنه في هذه الحالة يلزمه الصيام.
ولا ينبغي أن يظهر ذلك للناس ما داموا لم يصوموا؛ لأن الرسول ﷺ قال: "الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون" (١).
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُفْطِرُ (٢). وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ (٣)، وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ).
الخلاف كله يدور حول قول الرسول ﷺ : "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، وقوله ﷺ : "إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا".
فإذا رآه الإنسان هل له أن يفطر أو ليس له ذلك، إنما هو مرتبط بالجماعة؟ هذا هو سر الخلاف هنا.
"إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا"، هل مجرد رؤية واحدة إذا رأى الإنسان ولم يؤخذ برأيه أو حتى لم يبلغ، يفطر أو لا؟
جملة: (وهذا لا معنى له) هل هي تعود إلى كلام الجمهور، أو تعود إلى كلام الشافعي؟
стр. 3691
الفقيهُ عندما يدقق النظر في كلام ابن رشد ويغوص في أعماقه يجد أنها من واقع كلامه وأنها ترجع إلى أبعد مذكور، وهذا خلاف المعهود؛ لأنه دائمًا الإشارة تكون إلى أقرب مذكور (١)؛ ولذا تجد في ثنايا كلام ابن رشد أنه يميل إلى مذهب الشافعي.
ثم أيضًا قوله: (وبه قال الشافعي)، مفهومه أن الشافعي انفرد بهذا القول، والشافعية لا يوافقون على هذا؛ لأنَّ هذا القول قال به غيرهم، وإن خالفهم الأئمة الثلاثة.
بل تجد أن بعضهم يقول: وبه قال أكثر العلماء، وممن نص على ذلك النووي. لكن هل هذا مسلم؟
نحن دائمًا نعتبر الكفة التي فيها الأئمة الثلاثة هي الأكثر، والتي فيها إمام هي الأقل، وعند التساوي ننظر أيضًا إلى مَن مع هؤلاء ومَن مع هؤلاء.
فلا شكَّ أنَّ الأفضل هم الجمهور في هذه المسألة، لكن لم ينفرد الشافعي في هذه المسألة، وإنما وافقه جماعة من العلماء.
فالذي يظهر لي أن المؤلف يميل إلى مذهب الشافعي لا إلى رأي الجمهور.
* قوله: (فَإِنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَدْ أَوْجَبَ الصَّوْمَ لِلرُّؤْيَةِ، فَالرُّؤْيَةُ إِنَّمَا تَكُونُ بِالحِسِّ، وَلَوْلَا الإِجْمَاعُ عَلَى الصِّيَامِ بِالخَبَرِ عَنِ الرُّؤيَةِ لَبَعُدَ وُجُوبُ الصِّيَامِ بِالخَبَرِ لِظَاهِرِ هَذَا الحَدِيثِ).
فهل القصد العموم، أو القصد أنَّ الإنسان إذا رأى دخول الشهر يصوم وحده ولو لم يصم الناس، وإذا رأى خروجه أفطر وإن لم يفطر الناس؟
стр. 3692
* قوله: (وَإِنَّمَا فَرَّقَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ هِلَالِ الصَّوْمِ وَالفِطْرِ لِمَكَانِ سَدِّ الذَّرِيعَةِ أَلَّا يَدَّعِيَ الفُسَّاقُ أَنَّهُمْ رَأَوُا الهِلَالَ فَيُفْطِرُونَ وَهُمْ بَعْدُ لَمْ يَرَوْهُ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ خَافَ التُّهْمَةَ، أَمْسَكَ عَنِ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَاعْتَقَدَ الفِطْرَ).
ومن المسائل التي عُني بها علماء الشريعة ما يعرف بسد الذرائع (١)؛ وهو باب واسع وعظيم في الفقه الإسلامي وفي أصوله، وكثيرًا ما يحتاج إليه الفقهاء.
أيضًا دائمًا درء المفاسد مقدم على جلب المصالح (٢)؛ فالإنسان مطالب بأن يؤدي المصالح، لكن قد يترتب عليها مفاسد فيدعها.
فسد الذرائع مطلوب في الشريعة الإسلامية لما يترتب عليه من أحكام، وقد يأتي الإنسان فيتخذ هذا الأمر وسيلة للوصول إلى تحقيق غاية، فيقول العلماء: الوسائل لها أحكام الغايات (٣).
стр. 3693
فهنا نهي الإنسان عن أن يفطر تجنبًا للتهمة؛ لأن الإنسان ربما لو رأى الهلال فأفطر يُتَّهم من الناس، يقولون عنه: إن هذا رجل متلاعب بأحكام اللَّه ، هذا إنسان متساهل لا يصوم، ولا يعطي الإسلام حقه، والرسول ﷺ حضَّ على تجنب الشبهات، وقال: "من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام" (١).
وفي قصته مع صفية عندما مرَّ اثنان من الصحابة فأسرعا، فقال: "على رسلكما إنها صفية"، فاستغربا من ذلك كيف تقول ذلك يا رسول اللَّه؟ قال: "خشيت أن يوقع الشيطان في نفوسكما" (٢)؛ فأراد ﷺ إغلاق هذا الباب، حتى لا يعطي فرصة للشيطان، والشيطان حريص دائمًا على أن يفسد على الإنسان كل شيء، قال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص: ٨٢، ٨٣].
* قوله: (وَشَذَّ مَالِكٌ فَقَالَ: مَنْ أَفْطَرَ وَقَدْ رَأَى الهِلَالَ وَحْدَهُ، فَعَلَيْهِ القَضَاءُ وَالكَفَّارَةُ) (٣).
هناك قضيتان: قضية القضاء وقضية الكفارة، فهنا القضاء لأنه يرى أنه ترك يومًا حتى وإن رأى، وعليه الكفارة لأنه خالف غيره.
стр. 3694
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَلَيْهِ القَضَاءُ فَقَطْ) (١).
لأنَّ هناك طريقين لمعرفة دخول رمضان؛ إما الحس ويحصل بالرؤية: "صوموا لرؤيته"، ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] كما في الآية. والطريق الآخر: طريق الإخبار. لكن هل نكتفي بواحد أو لا بدَّ من اثنين؟
* قوله: (وَأَمَّا طَرِيقُ الخَبَرِ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي عَدَدِ المُخْبِرِينَ الَّذِينَ يَجِبُ قَبُولُ خَبَرِهِمْ عَنِ الرُّؤْيَةِ فِي صِفَتِهِمْ).
يعني: هل أيُّ إنسان يخبر أو لا بدَّ أن يكون عدلًا؛ لأن هذه شهادة والشهادة تشترط فيها العدالة؟
نعم، لا بدَّ من العدالة؛ لأن الفاسق لا ينظر إليه؛ لأنه متهم في دينه فكيف يقبل بأمر من الأُمور التي تترتب عليها العبادات.
* قوله: (فَأَمَّا مَالِكٌ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَامَ وَلَا يُفْطَرَ بِأَقَلَّ مِنْ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ) (٢).
هذا هو مذهب مالك: (بشهادة رجلين عدلين).
стр. 3695
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَةِ المُزَنِيِّ: إِنَّهُ يُصَامُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى الرُّؤْيَةِ، وَلَا يُفْطَرُ بِأَقَلَّ مِنْ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ) (١).
وهذا هو مذهب أحمد (٢)؛ إذن الشافعي وأحمد متفقان في هذا.
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَتِ السَّمَاءُ مُغَيِّمَةً (٣) قُبِلَ وَاحِدٌ) (٤).
فإن كان في السماء غيم والمسألة غير واضحة؛ ففي هذه الحالة يقبل واحد؛ لأننا في حاجة إلى أن نعرف، لكن إن لم يكن غيم فالناس يتساوون؛ بمعنى: لو وجد في السماء قتر فلا يمكن أن يراه إلا مَن عنده قوة في الإبصار، لكن إذا كانت السماء مصحية، فلا بدَّ من الاستفاضة في
стр. 3696
الشهادة؛ لأن السماء مفتحة ليست مغلقة، فالناس كلهم ينظرون، وغالب الناس أبصارهم سليمة.
* قوله: (وَإِنْ كَانَتْ صَاحِيَةً (١) بِمِصْرٍ كَبِيرٍ، لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا شَهَادَةُ الجَمِّ الغَفِيرِ (٢). وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ تُقْبَلُ شَهَادَةُ عَدْلَيْنِ إِذَا كَانَتِ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الشَّاهِدِينَ إِلَّا إِذَا كَانَتِ السَّمَاءُ مُغَيِّمَةً) (٣).
فهناك من العلماء من يقول: بقبول شهادة الواحد العدل في دخول رمضان.
ومنهم من يقول: لا بد من شهادة اثنين.
ومنهم: من يشترط الاستفاضة؛ أي: العدد الغفير، إذا كانت السماء مصحيةً وتساوى الناس في النظر إليها.
* قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِي الفِطْرِ إِلَّا اثْنَانِ، إِلَّا أَبَا ثَوْرٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالفِطْرِ) (٤).
أبو ثور ﵀ لا يفرق بين رؤية الهلال دخولًا وخروجًا؛ لأنَّ الرسول ﷺ قال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، لكن جاءت أحاديث فيها التفريق بين الدخول وبين الخروج.
стр. 3697
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُ الآثَارِ فِي هَذَا البَابِ، وَتَرَدُّدُ الخَبَرِ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ، أَوْ مِنْ بَابِ العَمَلِ بِالأَحَادِيثِ الَّتِي لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا العَدَدُ).
وهذا الذي أشرت إليه: هل هو من باب الشهادة أو من باب الرواية؟ فإن عددناه راويًا فالأقرب أن نقتصر على واحد، وإن قلنا: هو شاهد فالأولى أنه لا بدَّ من اثنين قياسًا على الحقوق قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وقضية شهادة النساء في هذا المقام: أكثر العلماء يردونها ولا يعتبرونها؛ لأنهم يرون أن هذا من اختصاص الرجال.
* قوله: (أَمَّا الآثَارُ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الخَطَّابِ أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ فِي اليَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ، فَقَالَ: إِنِّي جَالَسْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ).
* قوله: (ما أخرجه أبو داود) غير صحيح؛ لأن الذي رواه أبو داود في قصة أمير مكة (١). لكن هذا رواه الإمام أحمد (٢)، والنسائي (٣)، والذي سيأتي به المؤلف إنما هو نص النسائي في "سننه".
стр. 3698
وما أحسن هذه المجالسة! وهذه فضيلة لعبد الرحمن بن زيد أن يكون ممن جالس أصحاب رسول اللَّه ﷺ .
* قوله: (وَسَأَلْتُهُمْ).
وهذا هو شأن الإنسان المستقيم الذي يريد الحق أن يسأل، ولا سيما إن يسأل أهل العلم، فهؤلاء هم أعلم الناس بعد رسول اللَّه ﷺ .
* قوله: (وَكُلُّهُمْ حَدَّثُونِي).
أي: كل الذين سألهم حدثوه؛ إذن التقت كلمة الذين جالسهم وسألهم، وكلهم حدثوه بما يأتي.
* قوله: (إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَأَتِمُّوا ثَلَاثِينَ).
وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.
* قوله: (فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ، فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا").
وهو أثر صحيح أخرجه أحمد، والنسائي.
وأيضًا رواية أبي داود قريبة من ذلك، فنجد فيها: "عهد إلينا رسول اللَّه ﷺ ، وفيها أيضًا ذكر الشاهدين العدلين؛ فهي ملتقية مع"، هذا؛ لكن كلامنا أن هذه ليست رواية أبي داود؛ لأن أبا داود ﵀ لم يصرح بذكر عبد الرحمن بن زيد.
وهذه الزيادة هي التي نريدها في هذا المقام. وجاء في بعض الروايات: "فإن شهد شاهدان ذوا عدل"، فوصَفَ الشاهدين بالعدالة، ولا شكَّ أنَّها مطلوبة في هذا الباب.
* قوله: (وَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: أَبْصَرْتُ الهِلَالَ اللَّيْلَةَ، فَقَالَ: "أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ
стр. 3699
إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؟ "، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "يَا بِلَالُ، أَذِّنْ فِي النَّاسِ، فَلْيَصُومُوا غَدًا"، خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ).
أيضًا هناك أثر عبد اللَّه بن عمر، ويبدو أن المؤلف لم يعرض له؛ فقد روى أبو داود بإسناد صحيح أنه قال: "تراءى الناس الهلال زمن رسول اللَّه ﷺ أو تراءى الناس الهلال ورسول اللَّه ﷺ بيننا، فقلت: يا رسول اللَّه، إني رأيت الهلال. فصام رسول اللَّه ﷺ وأمر الناس أن يصوموا".
إذن؛ هذا فيه حد على أنه إذا كان في نهاية الشهر فعلى المؤمنين أن يحتسبوا وأن يتحروا وأن يسعوا في معرفة الهلال، فهذا عبد اللَّه بن عمر أحد الذين تراؤوا الهلال، أخبر رسول اللَّه ﷺ بأنه رآه. وهو ﵁ صحابي جليل، والصحابة كلهم عدول وكلهم ثقات (١)، فقبل رسول اللَّه ﷺ روايته وحده، قال: فصام رسول اللَّه ﷺ وصام الناس.
وفي حديث ابن عباس الذي رواه أصحاب السنن (٢) وغيرهم (٣): أن أعرابيًّا جاء إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، إني شهدت الليلة الهلالَ، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "أتشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني عبد اللَّه ورسوله؟ " قال: نعم، قال: "يا بلال، فأذن فليصم الناس غدًا".
إذن؛ جاء أعرابي لرسول اللَّه ﷺ والرسول لا يعرفه. وكثير ما يقول رسول اللَّه: "وأني عبد اللَّه ورسوله"، وهذه مكانة عظيمة شرفه اللَّه بها:
стр. 3700
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١].
وهذا ردٌّ لأولئك الذين يغلون في رسول اللَّه ﷺ ويتجاوزون به قدره ﷺ ويرفعونه إلى مكانة غير مكانته، فله المكانة العظمى، وهي مسألةٌ ليست محل خلاف، لكن أيضًا لا ينبغي أن يتجاوز برسول اللَّه ﷺ ولا بغيره من الأنبياء مكانة المخلوقين؛ فهم عبيد للَّه وخلق من خلق اللَّه فضلهم اللَّه على الناس وخصَّهم برسالته وأمَّنهم على هذه الرسالة، فكان لهم الفضل العظيم على خلق اللَّه جميعًا؛ لأنهم كانوا سببًا -بعد اللَّه- في هداية من اهتدى من هذه الأمم، فصلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
إذن؛ رسول اللَّه يتلقى أولئك الأعراب، بل إنَّ الصحابةَ لما شقت عليهم الأسئلة ونهوا عن ذلك، لما جاء الحديث الذي يتعلَّق بكثرة السؤال والنهي عنه وإن اللَّه سكت عن أشياء فلا تسألوا عنها (١)، كانوا يتحرجون، فكان الصحابة يُسَرُّونَ إذا جاء أحد الأعراب ليسأل (٢)، وربما يعطونه شيئًا ليسأل رسول اللَّه ﷺ .
وهذا الحديث عند أصحاب السنن والدارقطني (٣) والبيهقي وغير هؤلاء، وهو حديث صحيح (٤)، وهو نصٌّ في صيام رمضان برؤية رجل واحد.
стр. 3701
* قوله: (قَالَ: وَفِي إِسْنَادِهِ خِلَافٌ؛ لِأَنَّهُ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مُرْسَلًا).
لكنه روي متصلًا أيضًا، والرواية إذا كانت من الثقة فإنها تقبل، والذين رووه متصلًا هم ثقات، وزيادة الثقة مقبولة (١).
إذن هو حديث صحيحِ صالح للاحتجاج به. فقوله روي مرسلًا وروي من طريق آخر صحيح متصلًا لا يقدح فيه، ويؤيده حديث عبد اللَّه بن عمر.
* قوله: (وَمِنْهَا حَدِيثُ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ: خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "كَانَ النَّاسُ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَقَامَ أَعْرَابِيَّانِ، فَشَهِدَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ لَأَهَلَّ الهِلَالُ أَمْسِ عَشِيَّةً، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ أَنْ يُفْطِرُوا، وَأَنْ يَعُودُوا إِلَى المُصَلَّى" (٢)).
وفي بعض الروايات: "فقدم أعرابيان".
وهذا أيضًا من أدلة الذين يقولون بأنه لا يخرج إلا بشهادة عدلين.
стр. 3702
* قوله: (فَذَهَبَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الآثَارِ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ، وَمَذْهَبَ الجَمْعِ، فَالشَّافِعِيُّ جَمَعَ بَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحَدِيثِ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ عَلَى ظَاهِرِهِمَا؛ فَأَوْجَبَ الصَّوْمَ بشَهَادَةِ وَاحِدٍ، وَالفِطْرَ بِاثْنَيْنِ) (١).
وعلماء الحديث لهم طرقٌ يسلكونها، ففيما يتعلَّق مثلًا بالنسخ فإنه لا يثبت النسخ إلا أن يعرف المتقدم من المتأخر، وأسْلمُ طريقة يسلكها الفقيه المحقِّقُ المدقِّقُ الذي يُعنَى بتحرير المسائل هو أن يحاول أن يجمع بين الأدلة، والجمع غير متعذر، فإذا أمكن الجمع فلا يرجع إلى غيره، والجمع يكون عندما تصبح الأدلة كلها صحيحة، ونقصد بذلك السنة، أما أدلة القرآن فهي مسلمة.
إذن؛ إذا صحت الأحاديث حينئذ ينظر إلى الجمع، فإذا تعذر الجمع ينتقل إلى الترجيح، والترجيح له عدة أسباب، ومن بين المرجحات: أن تكون دلالة الحديث هنا ظاهرة وهناك غير ظاهرة، أو أن يكون هذا في "الصحيحين" وهذا في غيرهما، أن تكون دلالة هذا الحديث صحيحة وذاك مختلف فيه. . . وهكذا.
إذن؛ قال الشافعي في هذه المسألة والإمام أحمد معه، فكأنه يتحدث عن الاثنين معًا.
стр. 3703
* قوله: (جَمَعَ بَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ) في قصة الأعرابي الذي رأى الهلال وحده، لما علم الرسول ﷺ أنه مؤمن فأجاب كما في نص الحديث، فصام وأمر الناس بالصيام.
إذن؛ هذا نص في دخول شهر رمضان بشهادة رجل واحد، وهذا الدليل الأول.
(وحديث ربعي) في قصة الأعرابيين، وذاك جاء في خروج الشهر.
إذن الشافعية والحنابلة يقولون: هذا نص في المدعى، فهنا ثبت الدخول بشهادة عدل، وهنا ثبت الخروج بشهادة عدلين، وحملوا حديث عبد الرحمن بن زيد على الخروج لا الدخول.
* قوله: (وَمَالِكٌ رَجَّحَ حَدِيثَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ لِمَكَانِ القِيَاسِ، أَعْنِي: تَشْبِيهَ ذَلِكَ بِالشَّهَادَةِ فِي الحُقُوقِ).
لأن القياس يعضده، والقياس على سائر الشهادات في الحقوق، فمعلوم أن الشهادات في الحقوق لا تثبت إلا بشهادة عدلين، فلا يكفي فيها واحد.
فالإمام مالك ﵀ قد رجَّح حديث عبد الرحمن بن زيد لسببين:
أولًا: لأنه قال في آخره: "فإن شهد شاهدان عدلان"، وفي رواية: "شاهدان ذوا عدل فأفطروا وصوموا"، أو "فصوموا وأفطروا"، فجمع بين الإفطار والصوم ولم يفرق بينهما، وعلَّق ذلك بشاهدة اثنين، فدلَّ على أنه لا يصام ولا يفطر إلا بثبوت شهادة شاهدين عدلين (١).
стр. 3704
ثانيًا: القياس على سائر الحقوق، فإن المعروف في إثبات الحقوق وجود شاهدين.
لكن هذا فيما يتعلَّق بالحقوق المعروفة المشهورة: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢].
* قوله: (وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ أَبُو ثَوْرٍ لَمْ يَرَ تَعَارُضًا بَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحَدِيثِ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ).
فأبو ثور لا يفرق عكس المالكية، والمالكية لا يفرقون بين الدخول والخروج، لكنْ لا بدَّ من شهادة اثنين، وأبو ثور (١) يكتفي بشهادة واحد في الدخول والخروج، ورأيه يعتبر منفردًا، لكنَّ ابن المنذر ذكر أن بعض أهل الحديث أيدوه ولم يذكر هؤلاء، وربما يكون معه غيره، لكنهم قلةٌ.
* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي فِي حَدِيثِ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ أَنَّهُ قَضَى بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ).
إذن؛ الذي في حديث ربعي القضاء بشهادة رجلين في الإخبار بالخروج من رمضان؛ أي: في الفطر من رمضان.
* قوله: (وَفي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَضَى بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ).
وفي حديث الأعرابي الذي جاء عن طريق ابن عباس: أن الرسول أقامها بشهادة واحد، لكن حديث ابن عباس هذا نص في دخول الشهر،
стр. 3705
وذاك نص في خروجه، ومن هنا فرَّقَ الشافعية والحنابلة بينهما.
* قوله: (وَذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الأَمْرَيْنِ جَمِيعًا).
فأبو ثور يرى أنه ما دام أن الرسول رأى ثبوت الشهر ودخوله بشهادة عدل، وأنه يخرج منه بشهادة اثنين، فهذا لا يدل على لزوم ذلك الأمر، بمعنى: أنه لا بدَّ من إثبات الخروج بشهادة اثنين والاقتصار في الدخول على واحد.
* قوله: (لَا أَنَّ ذَلِكَ تَعَارُضٌ، وَلَا أَنَّ القَضَاءَ الأَوَّلَ مُخْتَصٌّ بِالصَّوْمِ، وَالثَّانِيَ بِالفِطْرِ).
لكنَّ الواقع يخالف ذلك؛ فالأول نص في الصيام وفي دخول الشهر، ويظهر هذا جليًّا في قول النبي ﷺ : "قم يا بلال فنادي فليصم الناس غدًا"، فهذا الكلام أثبت المقصود؛ لأن الحديث في أوَّله لم ينص على رؤية الهلال في الدخول أو الخروج.
* قوله: (فَإِنَّ القَوْلَ بِهَذَا إِنَّمَا يَنْبَنِي عَلَى تَوَهُّمِ التَّعَارُضِ، وَكَذَلِكَ يُشْبِهُ أَلَّا يَكُونَ تَعَارُضٌ بَيْنَ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ، وَبَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَّا بِدَلِيلِ الخِطَابِ).
والمؤلف إنما عبَّر بقوله: (يُشْبه)؛ أي: يُحْتمل، ولم يقل: (لا تعارض)؛ لأنه لا تعارض بينهما عند التحقيق والنظر.
ودليل الخطاب يُعرفُ عندنا بمفهوم المُخالفة (١)؛ فحديث عبد اللَّه بن عباس نص على الاكتفاء بشهادة عدل في دخول رمضان، وحديث عبد الرحمن بن زيد أطلق: "فإن شهد شاهدان عدلان فصوموا وأفطروا"،
стр. 3706
فجمع بينهما؛ أي: في الدخول والخروج من رمضان، ونصَّ على الاثنين؛ فحديث عبد الرحمن بن زيد يدل بمنطوقه (١) على اشتراط اثنين، ويدل بمفهومه (٢) على أنها لا تجوز الشهادة بغير اثنين.
* قوله: (وَهُوَ ضَعِيفٌ إِذَا عَارَضَهُ النَّصُّ، فَقَدْ نَرَى أَنَّ قَوْلَ أَبِي ثَوْرٍ عَلَى شُذُوذِهِ هُوَ أَبْيَنُ).
قد سماه شاذًّا لأنه انفرد به، لكن المؤلف مع ذلك يقول: ومع أننا نرى أنه شاذ لأنه فارق الجماعة، لكننا نراه أبْيَنَ من حيث الاستدلال.
* قوله: (مَعَ أَنَّ تَشْبِيهَ الرَّائِي بِالرَّاوِي هُوَ أَمْثَلُ مِنْ تَشْبِيهِهِ بِالشَّاهِدِ).
يريد أن يقول: هل الأقرب شبهًا أن نشبه رائي الهلال بالشاهد الذي يشهد على أمر من الأُمور، أو نشبهه بالراوي الذي يروي الحديث؟
من المعلوم أن الرواية تثبت بشهادة عدل، وهذا أمر ثابت، لكنَّ الشهادة يشترط فيها اثنان في الحقوق، فالرائي هل هو أقرب شبهًا بالشاهد أو أقرب شبهًا بالراوي؟
فمن شبهه بالشاهد -وهم الجمهور وعندهم أدلة لا يحتاجون إلى ذلك- قالوا: هو أقرب لأنها شهادة؛ لأنه يرى الهلال ثم يأتي فيشهد ويثبت شهادته أمام القاضي.
الآخرون يقولون: هي ليست شهادة؛ لأن الشهادة دائمًا يكون لها مقابل، فأنت لكي تشهد على شيء لا بدَّ أن يكون هذا الأمر المقابل فيه مخالفة فتشهد على إثبات هذا الأمر، وهنا لا مخالفة، فلا يوجد أحد
стр. 3707
ينازعه؛ لأنه يقول: رأيت الهلال ولا يوجد منازعٌ له؛ إذن هي من قبيل الرواية. هذا هو كلام المؤلف.
* قوله: (لِأَنَّ الشَّهَادَةَ إِمَّا أَنْ يَقُولَ: إِنَّ اشْتِرَاطَ العَدَدِ فِيهَا عِبَادَةٌ غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ).
قضية الشهادة إمَّا أن ننظر إليها نظرة تعبدية فنقول: ما ورد في الشهادة إنما هو أمر تعبدي توقيفي لا يجوز الاجتهاد فيه فهذه شهادة، أو ليس أمرًا تعبديًّا، فمن الممكن أن نجعلها رواية وليست شهادة.
* قوله: (فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهَا).
(غير معللة)؛ أي: غير معقولة المعنى (١)، فلا ندرك كنهها، كما مرَّ بنا.
مثلًا: لماذا اشترط العلماء النية في الوضوء؟
لأدلة، منها حديث: "إنما الأعمال بالنيات" (٢). وبعضهم يقول: هي عبادة غير معقولة المعنى. وآخرون كالحنفية والثوري يقولون: عبادة معقولة المعنى؛ لأن النظافة مقصودة فيها، والجمهور يقولون: ليس المقصود بها النظافة فقط وإنما هي أمر تعبدي، بدليل أنَّ الإنسان إذا فقد الماء انتقل إلى التراب، والتراب لا ينظف الأعضاء وإنما يلوثها، وسمَّاه اللَّه تعالى طهورًا: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] (٣).
* قوله: (وَإِمَّا أَنْ يَقُولَ: إِنَّ اشْتِرَاطَ العَدَدِ فِيهَا لِمَوْضِعِ التَّنَازُعِ
стр. 3708
الَّذِي فِي الحُقُوقِ وَالشُّبْهَةِ الَّتِي تَعْرِضُ مِنْ قِبَلِ قَوْلِ أَحَدِ الخَصْمَيْنِ، فَاشْتَرَطَ فِيهَا العَدَدَ).
كأن سائلًا يسأل: لماذا اشْتُرِطَ في إثبات الحقوق وجودُ شاهدَين؟
فيجيب المؤلف: اشترط ذلك محافظة على الحقوق؛ لأنه إذا شهد شاهدان غلب على ظنِّ القاضي الذي يحكم بالقضية بأن الحقَّ مع أحد الخصمين الذي جاء بالشهود، وإلا فلا يستطيع أن يقطعَ.
ورسول اللَّه ﷺ قال: "إنكم تختصمون إليَّ ولعلَّ أحدكم يكونُ ألحنَ (١) بحجته من الآخر فأقضي على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فإنما أقطع له قطعة من نار فلا يأخذها أو فليدعها" (٢)؛ أي: إن كان يخشى اللَّه فإن قُضِيَ له بحق أخيه فليدعه خوفًا وخشية من اللَّه، أما إذا كان لا يخشى اللَّه فهو حينئذ يتساهل.
ولذلك فإن رسول اللَّه ﷺ عدَّ شهادة الزور من الكبائر، وكان متكئًا ثم جلس وأخذ يكرِّرُها: "ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور"، حتى قال الصحابة: يا ليته سكت (٣)؛ لأن فيها غمطًا للحق، وفيها ظلمٌ وتعدٍّ على الناس، تتسبب في أن تعطي للإنسان غير المستحق حقَّ الإنسان المستحق، فتنقل المال لغير صاحبه بغير حق، واللَّه تعالى يقول: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
ولذلك نجد أن اللَّه عندما وصف عباده المتقين في سورة
стр. 3709
الفرقان، قال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ [الفرقان: ٦٣]، ذكر كثيرًا من صفاتهم، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢]. فمن صفات عباد الرحمن المتقين الذين يخافون ربهم في السر والعلانية أنهم لا يقولون ولا ينطقون بشهادة الزور؛ لأن شهادة زور واحدة قد تذهب فيها الرقاب، وقد تذهب فيها الأموال، وقد يقام فيها حد القذف.
* قوله: (فاشترط فيها العدد) ولذلك اشتُرط في الشهادات شاهدان عدلان؛ محافظة على حقوق الناس، لكن -كما قلنا- ليس ذلك دليلًا قطعيًّا؛ فقد يحصل الإنسان على اثنين يشهدان شهادة زور، فكم من أناس لا يخافون اللَّه ، وكم من أناس أكلوا أموال اليتامى، وكم من الناس أكلوا الرشاوى واستغلوا أماكنهم وتسلطوا على الضعفاء.
ولذلك نجد أنَّ رسولَ ﷺ أنكر على ابن اللُّتْبِيَّةِ لمَّا أرسله في الصدقات، فجاء إلى رسول اللَّه فقال: هذا لكم وهذا لي. قام رسول اللَّه ﷺ غاضبًا فخطب الناس وقال: "ما بال أحدكم يأتي فيقول: هذا لكم وهذا لي، هلَّا جلس في بيت أبيه وأمه حتى ينظر أيعطى؟ " (١).
ولذلك فإنَّ العلماءَ يدقِّقون في العلاقة بين سائر الناس وبين القاضي، فالقاضي لا يأخذ الهدية إلا من شخص كان يهاديه قبل ذلك (٢)،
стр. 3710
والنفوس تختلف، فهناك نفوس مريضة وهناك نفوس ضعيفة إذا رأت المال ضعفت، وربما يستهويها الشيطان، فما المانع أن ترتكب المحرم وأن تأخذ المحرم، وأمامك سنوات طويلة وعمر طويل، وبإمكانك أن تتوب إلى اللَّه واللَّه يقول: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [طه: ٨٢]، لكن ينسى مثل هذا المسكين أن جسمه قد نبت على حرام.
وأيضًا في ذكر النبي ﷺ الرجل الذي يرفع يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟! (١).
إذن؛ هنا وضعت الحقوق لأن الناس ليسوا كلهم على خير، ليس كل الناس يخافون اللَّه، وإذا كانت المعاصي وُجدت في زمن رسول اللَّه ﷺ وفي القرون المفضلة، أفلا توجد بعد ذلك قبل عصرنا وفي عصرنا؟! فهناك أناس يحتالون على الناس، وهناك أناس يأكلون أموال الناس، وهناك أناس يشهدون شهادات باطلة، وهناك مَن يتعدى على
стр. 3711
حقوق الآخرين، والرسول ﵊ يقول: "من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا، طوَّقه اللَّه إياه يوم القيامة من سبع أرضين" (١).
وهذه مسائل كثيرة جدًّا، فالشريعة الإسلامية وضعت ضوابط يسير عليها المسلمون في أحكامهم وفي معاملاتهم لتضبط لهم حقوقهم وتحافظ على هذه الحقوق.
فوضع شاهدين، لكن لم يزد في الشهادة على اثنين؛ لأن تحقيق ذلك أمر صعب؛ لأنه لكي تطلب شهودًا ثلاثة أو أربعة قد لا يستطيع الإنسان أن يثبت ذلك، وربما يضيع حقه، لكن لما كانت بعض الأحكام تتطلب صيانة نفوس المؤمنين والمحافظة على أعراضهم كما في الزنا، طلب في ذلك شهودًا أربعة؛ ولذلك تكلم العلماء على الضروريات الخمس (٢) وما شرع لها (٣).
إذن فالتعليل الذي ذكره المؤلف تعليل وجيه.
стр. 3712
* قوله: (وَلِيَكُونَ الظَّنُّ أَغْلَبَ، وَالمَيْلُ إِلَى حُجَّةِ أَحَدِ الشَّخْصَيْنِ أَقْوَى).
ويكون (الظن أغلب)؛ لأنه قد يأتي الإنسان بمائة شاهد وكلهم كَذَبة، فلا يفيدون شيئًا يفيد، لكنَّ الغالب والأصل في المسلم هو السلامة، فإذا جاء بشاهدين وظاهرهما العدالة وغير مقدوح فيهما، فيغلب على ظن الحاكم أنهما شاهدان عدلان فيحكم بذلك.
* قوله: (وَلَمْ يَتَعَدَّ بِذَلِكَ الِاثْنَيْنِ؛ لِئَلَّا يَعْسُرَ قِيَامُ الشَّهَادَةِ فَتَبْطُلَ الحُقُوقُ).
لأنه لو زيد في طلب الشهود على اثنين، لكان ذلك صعبًا وشديدًا والحصول عليه غير ميسور، فيترتب على ذلك أن كثيرًا من الناس يعجزون عن إثبات هذا العدد من الشهود فتضيع حقوقهم، فتكون هذه فرصة لأهل الأهواء والذين يأكلون حقوق الناس بغير حق أن يعتدوا عليهم.
* قوله: (وَلَيْسَ فِي رُؤْيَةِ القَمَرِ شُبْهَةٌ مِنْ مُخَالِفٍ تُوجِبُ الِاسْتِظْهَارَ بِالعَدَدِ).
ولذلك ترون في الحديث: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" (١)، فالذي يدَّعي لا بدَّ من إثبات، فإذا عجز حينئذ يرجع إلى المدعى عليه فيطلب منه اليمين، والقسَمُ شأنُهُ عظيمٌ؛ لأنه إذا أقسم باللَّه لجأ إلى قوي، ومن الذين لا ينظر اللَّه إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل باع سلعة بعد العصر فأقسم باللَّه وهو كاذب (٢)،
стр. 3713
فالكذب من أضر الأُمور؛ ولذلك فإن رسول اللَّه ﷺ قال: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما" (١). فالصدق لا شك أنه فضيلة، واللَّه أثنى في كتابه على الصادقين وامتدحهم، وكذلك نجد أن رسول اللَّه ﷺ بيَّن ما له من مزايا وما له من الفضل والمكانة في هذه الدنيا وفي الآخرة.
* قوله: (وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الشَّافِعِيُّ (٢) إِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ هِلَالِ الفِطْرِ وَهِلَالِ الصَّوْمِ لِلتُّهْمَةِ الَّتِي تَعْرِضُ لِلنَّاسِ فِي هِلَالِ الفِطْرِ، وَلَا تَعْرِضُ فِي هِلَالِ الصَّوْمِ).
التهمة لا تثبت في دخول الشهر وتثبت في خروجه؛ لأن الشهر سيدخل سواء في هذه الليلة أو بعدها، لكنْ في خروج الشهر ربما يخرج الفساقُ الذين لا يعنون بالصيام وربما يتساهلون به، فيقول أحدُهم: الشهر خرج، حتى يفطر الناس، وهو لا يهمه ما يترتب عليه من الإثم. وهذا تحليل يذكره بعض الفقهاء.
* قوله: (وَمَذْهَبُ أَبِي بَكْرِ ابْنِ المُنْذِرِ هُوَ مَذْهَبُ أَبِي ثَوْرٍ، وَأَحْسَبُهُ هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ) (٣).
وهذا وَهْمٌ من المؤلف ﵀؛ لأن هذا ليس مذهب ابن المنذر، ولكن ابن المنذر له عدة كتب: منها كتابه "الإجماع"، ومنها "الإشراف"،
стр. 3714
وكتابه "الأوسط"، وهي كتب من أجل الكتب، وهي مرجع لأكابر العلماء، وصاحب المغني يرجع إليها كثيرًا، وكذلك النووي وغير هؤلاء، وهذه الكتب في الحقيقة لا تقتصر على أقوال الفقهاء، وإنما تُعْتبر إلى جانب ذلك كُتُبَ حديثٍ وأثر، وبخاصة كتابه: "الإشراف على مذاهب العلماء"، وكذلك كتابه "الأوسط".
ابن المنذر حكى الأقوال في هذه المسألة، وحكى قول أبي ثور، فلا يلزم من كونه حكى رأيًا لأبي ثورٍ أن يكون هذا هو رأيه، وأنه يُرجِّحُ هذا الرأي، وإنَّما يكون هذا رأيه عندما يُرجحه ويقول: آخذ به.
فابن المنذر حكى رأي الجمهور، ورأي مالك، وحكى رأي أبي ثور، لكنه لم يقل بقوله، ولذلك فإن الإمام النووي -كما هو معلوم- أوثق من صاحب هذا الكتاب وأعلم بابن المنذر؛ لأنه يعتبر من علماء الشافعية وهو من المحققين في هذا المجال ومن المحدثين، ولم يذكر أنَّ مذهب ابن المنذر هو مذهب أبي ثور.
* قوله: (وأحسبه هو مذهب أهل الظاهر) وهذه حقيقة.
* قوله: (وَقَدِ احْتَجَّ أَبُو بَكْرِ ابْنُ المُنْذِرِ لِهَذَا الحَدِيثِ بِانْعِقَادِ الإِجْمَاعِ عَلَى وُجُوبِ الفِطْرِ وَالإِمْسَاكِ عَنِ الأَكْلِ بِقَوْلٍ وَاحِدٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الأَمْرُ كَذَلِكَ فِي دُخُولِ الشَّهْرِ وَخُرُوجِهِ).
وهنا إلحاق شيء بشيء، فابن المنذر (١) يقول: لو جاءك شخص فأخبرك بأن الفجر قد طلع، فحينئذ تمسك عن الأكل والشرب والجماع؛ لأنَّ اللَّه يقول: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ولو جاءك شخص وأخبرك بأنَّ الشمس قد غربت، فأفطر يا فلان، تصدقه؛ لأن الأصل في
стр. 3715
المسلم السلامة، فهو يكتفي بشهادة واحد في الإمساك عن الصيام وفي الإفطار كذلك.
ونحن نقول: فرقٌ بين الأمرين؛ لأن هذا إثبات لأمر شامل يتعلَّق به حكمٌ كليٌّ، ألا وهو دخول هذا الشهر، ويتعلق به أيضًا حكم كلي شامل لعموم المسلمين، ألا وهو خروج الشهر، أما هذا فهو متعلق بجزئية من جزئيات هذا الشهر، فلا ينبغي أن يسري هذا على الدخول والخروج؛ وعلى هذا فلا يعتبر هذا دليلًا من سنة، وإنما هو مقايسة.
* قوله: (إِذْ كلَاهُمَا عَلَامَةٌ تَفْصِلُ زَمَانَ الفِطْرِ مِنْ زَمَانِ الصَّوْمِ).
نعم هي فاصلةٌ، لكن فرق بينهما.
* قوله: (وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّ الرُّؤْيَةَ تَثْبُتُ بِالخَبَرِ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَرَهُ، فَهَلْ يَتَعَدَّى).
وهذه مسألة دقيقة جدًّا، إذا رأى الهلال أهلُ بلد، هل يسري ذلك على البلاد الأُخرى؟ والقول باتحاد المطالع؛ فيجب على المسلمين أن يصوموا إذا رئي في بلد من بلاد الإسلام، أو أنه يختلف بذلك لكل بلد رؤيتهم، أو أن المسألة فيها تفصيل: التفريق بين البعد والقرب؟ فإذا رئي في بلد وهناك بلاد قريبة من هذا البلد فتلحق بها، وإن وجد تباعد فالمسألة مختلفة؟
لا شكَّ أن المَطالع ينظر إليها في هذا المقام نظرة دقيقة.
* قوله: (ذَلِكَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ؟ أَعْنِي: هَلْ يَجِبُ عَلَى أَهْلِ بَلَدٍ مَا إِذَا لَمْ يَرَوْهُ أَنْ يَأْخُذُوا فِي ذَلِكَ بِرُؤْيَةِ بَلَدٍ آخَرَ أَمْ لِكُلِّ بَلَدٍ رُؤْيَةٌ؟ فِيهِ خِلَافٌ).
واللَّه يقول: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
ورسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا".
وقال ﵊: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته".