حقوق الآخرين، والرسول ﵊ يقول: "من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا، طوَّقه اللَّه إياه يوم القيامة من سبع أرضين" (١).
وهذه مسائل كثيرة جدًّا، فالشريعة الإسلامية وضعت ضوابط يسير عليها المسلمون في أحكامهم وفي معاملاتهم لتضبط لهم حقوقهم وتحافظ على هذه الحقوق.
فوضع شاهدين، لكن لم يزد في الشهادة على اثنين؛ لأن تحقيق ذلك أمر صعب؛ لأنه لكي تطلب شهودًا ثلاثة أو أربعة قد لا يستطيع الإنسان أن يثبت ذلك، وربما يضيع حقه، لكن لما كانت بعض الأحكام تتطلب صيانة نفوس المؤمنين والمحافظة على أعراضهم كما في الزنا، طلب في ذلك شهودًا أربعة؛ ولذلك تكلم العلماء على الضروريات الخمس (٢) وما شرع لها (٣).
إذن فالتعليل الذي ذكره المؤلف تعليل وجيه.
стр. 3712
* قوله: (وَلِيَكُونَ الظَّنُّ أَغْلَبَ، وَالمَيْلُ إِلَى حُجَّةِ أَحَدِ الشَّخْصَيْنِ أَقْوَى).
ويكون (الظن أغلب)؛ لأنه قد يأتي الإنسان بمائة شاهد وكلهم كَذَبة، فلا يفيدون شيئًا يفيد، لكنَّ الغالب والأصل في المسلم هو السلامة، فإذا جاء بشاهدين وظاهرهما العدالة وغير مقدوح فيهما، فيغلب على ظن الحاكم أنهما شاهدان عدلان فيحكم بذلك.
* قوله: (وَلَمْ يَتَعَدَّ بِذَلِكَ الِاثْنَيْنِ؛ لِئَلَّا يَعْسُرَ قِيَامُ الشَّهَادَةِ فَتَبْطُلَ الحُقُوقُ).
لأنه لو زيد في طلب الشهود على اثنين، لكان ذلك صعبًا وشديدًا والحصول عليه غير ميسور، فيترتب على ذلك أن كثيرًا من الناس يعجزون عن إثبات هذا العدد من الشهود فتضيع حقوقهم، فتكون هذه فرصة لأهل الأهواء والذين يأكلون حقوق الناس بغير حق أن يعتدوا عليهم.
* قوله: (وَلَيْسَ فِي رُؤْيَةِ القَمَرِ شُبْهَةٌ مِنْ مُخَالِفٍ تُوجِبُ الِاسْتِظْهَارَ بِالعَدَدِ).
ولذلك ترون في الحديث: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" (١)، فالذي يدَّعي لا بدَّ من إثبات، فإذا عجز حينئذ يرجع إلى المدعى عليه فيطلب منه اليمين، والقسَمُ شأنُهُ عظيمٌ؛ لأنه إذا أقسم باللَّه لجأ إلى قوي، ومن الذين لا ينظر اللَّه إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل باع سلعة بعد العصر فأقسم باللَّه وهو كاذب (٢)،
стр. 3713
فالكذب من أضر الأُمور؛ ولذلك فإن رسول اللَّه ﷺ قال: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما" (١). فالصدق لا شك أنه فضيلة، واللَّه أثنى في كتابه على الصادقين وامتدحهم، وكذلك نجد أن رسول اللَّه ﷺ بيَّن ما له من مزايا وما له من الفضل والمكانة في هذه الدنيا وفي الآخرة.
* قوله: (وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الشَّافِعِيُّ (٢) إِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ هِلَالِ الفِطْرِ وَهِلَالِ الصَّوْمِ لِلتُّهْمَةِ الَّتِي تَعْرِضُ لِلنَّاسِ فِي هِلَالِ الفِطْرِ، وَلَا تَعْرِضُ فِي هِلَالِ الصَّوْمِ).
التهمة لا تثبت في دخول الشهر وتثبت في خروجه؛ لأن الشهر سيدخل سواء في هذه الليلة أو بعدها، لكنْ في خروج الشهر ربما يخرج الفساقُ الذين لا يعنون بالصيام وربما يتساهلون به، فيقول أحدُهم: الشهر خرج، حتى يفطر الناس، وهو لا يهمه ما يترتب عليه من الإثم. وهذا تحليل يذكره بعض الفقهاء.
* قوله: (وَمَذْهَبُ أَبِي بَكْرِ ابْنِ المُنْذِرِ هُوَ مَذْهَبُ أَبِي ثَوْرٍ، وَأَحْسَبُهُ هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ) (٣).
وهذا وَهْمٌ من المؤلف ﵀؛ لأن هذا ليس مذهب ابن المنذر، ولكن ابن المنذر له عدة كتب: منها كتابه "الإجماع"، ومنها "الإشراف"،
стр. 3714
وكتابه "الأوسط"، وهي كتب من أجل الكتب، وهي مرجع لأكابر العلماء، وصاحب المغني يرجع إليها كثيرًا، وكذلك النووي وغير هؤلاء، وهذه الكتب في الحقيقة لا تقتصر على أقوال الفقهاء، وإنما تُعْتبر إلى جانب ذلك كُتُبَ حديثٍ وأثر، وبخاصة كتابه: "الإشراف على مذاهب العلماء"، وكذلك كتابه "الأوسط".
ابن المنذر حكى الأقوال في هذه المسألة، وحكى قول أبي ثور، فلا يلزم من كونه حكى رأيًا لأبي ثورٍ أن يكون هذا هو رأيه، وأنه يُرجِّحُ هذا الرأي، وإنَّما يكون هذا رأيه عندما يُرجحه ويقول: آخذ به.
فابن المنذر حكى رأي الجمهور، ورأي مالك، وحكى رأي أبي ثور، لكنه لم يقل بقوله، ولذلك فإن الإمام النووي -كما هو معلوم- أوثق من صاحب هذا الكتاب وأعلم بابن المنذر؛ لأنه يعتبر من علماء الشافعية وهو من المحققين في هذا المجال ومن المحدثين، ولم يذكر أنَّ مذهب ابن المنذر هو مذهب أبي ثور.
* قوله: (وأحسبه هو مذهب أهل الظاهر) وهذه حقيقة.
* قوله: (وَقَدِ احْتَجَّ أَبُو بَكْرِ ابْنُ المُنْذِرِ لِهَذَا الحَدِيثِ بِانْعِقَادِ الإِجْمَاعِ عَلَى وُجُوبِ الفِطْرِ وَالإِمْسَاكِ عَنِ الأَكْلِ بِقَوْلٍ وَاحِدٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الأَمْرُ كَذَلِكَ فِي دُخُولِ الشَّهْرِ وَخُرُوجِهِ).
وهنا إلحاق شيء بشيء، فابن المنذر (١) يقول: لو جاءك شخص فأخبرك بأن الفجر قد طلع، فحينئذ تمسك عن الأكل والشرب والجماع؛ لأنَّ اللَّه يقول: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ولو جاءك شخص وأخبرك بأنَّ الشمس قد غربت، فأفطر يا فلان، تصدقه؛ لأن الأصل في
стр. 3715
المسلم السلامة، فهو يكتفي بشهادة واحد في الإمساك عن الصيام وفي الإفطار كذلك.
ونحن نقول: فرقٌ بين الأمرين؛ لأن هذا إثبات لأمر شامل يتعلَّق به حكمٌ كليٌّ، ألا وهو دخول هذا الشهر، ويتعلق به أيضًا حكم كلي شامل لعموم المسلمين، ألا وهو خروج الشهر، أما هذا فهو متعلق بجزئية من جزئيات هذا الشهر، فلا ينبغي أن يسري هذا على الدخول والخروج؛ وعلى هذا فلا يعتبر هذا دليلًا من سنة، وإنما هو مقايسة.
* قوله: (إِذْ كلَاهُمَا عَلَامَةٌ تَفْصِلُ زَمَانَ الفِطْرِ مِنْ زَمَانِ الصَّوْمِ).
نعم هي فاصلةٌ، لكن فرق بينهما.
* قوله: (وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّ الرُّؤْيَةَ تَثْبُتُ بِالخَبَرِ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَرَهُ، فَهَلْ يَتَعَدَّى).
وهذه مسألة دقيقة جدًّا، إذا رأى الهلال أهلُ بلد، هل يسري ذلك على البلاد الأُخرى؟ والقول باتحاد المطالع؛ فيجب على المسلمين أن يصوموا إذا رئي في بلد من بلاد الإسلام، أو أنه يختلف بذلك لكل بلد رؤيتهم، أو أن المسألة فيها تفصيل: التفريق بين البعد والقرب؟ فإذا رئي في بلد وهناك بلاد قريبة من هذا البلد فتلحق بها، وإن وجد تباعد فالمسألة مختلفة؟
لا شكَّ أن المَطالع ينظر إليها في هذا المقام نظرة دقيقة.
* قوله: (ذَلِكَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ؟ أَعْنِي: هَلْ يَجِبُ عَلَى أَهْلِ بَلَدٍ مَا إِذَا لَمْ يَرَوْهُ أَنْ يَأْخُذُوا فِي ذَلِكَ بِرُؤْيَةِ بَلَدٍ آخَرَ أَمْ لِكُلِّ بَلَدٍ رُؤْيَةٌ؟ فِيهِ خِلَافٌ).
واللَّه يقول: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
ورسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا".
وقال ﵊: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته".
стр. 3716
وقال ﵊: "لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوا الهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلَاثِينَ ثُمَّ تَصُومُوا، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوا الهِلَالَ أَوْ تُتِمُّوا أَوْ تُكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلَاثِينَ"؛ يعني: حتى تروا الهلال أو تكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا، أو تروا الهلال -أي: حتى تروا هلال شوال- أو تكملوا رمضان ثلاثين يومًا.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
وقوله ﵊: "إذا رأيتموه"، (إذا) ظرف لما يستقبل من الزمان تتضمن مع الشرط، ولذلك قرن الجواب بالفاء: "إذا رأيتموه فصوموا"، وهي تتضمن معنى السببية.
إذن السبب في الصيام هو الرؤية؛ فهل المراد به الذين يشاهدونه في البلد؛ لأن الإجماع قائم كما ذكر المؤلف؛ لأنه ليس المقصود أن يشاهده كل إنسان بنفسه أو أن يراه كل إنسان بنفسه، وإنما يراه عدل أو عدول فإذا ثبتت شهاداتهم اكتفى أهل البلد بذلك.
لكن هل هذا الحكم ينتقل إلى غيرهم؟ هذا هو محل الخلاف.
بعض العلماء يقول: إذا رئي في بلد وجب على أهل البلاد الأُخرى أن يصوموا (١)؛ عملًا بالآية وبالأحاديث التي ذكرت لكم طرفًا منها.
стр. 3717
ومنهم من يقول: إن لكل بلد رؤية، والمطالع في ذلك تختلف، ويستدلون بالحديث الذي أورده مسلمٌ في "صحيحه" (١) في قصة كُرَيبٍ عندما ذهب إلى الشام في أمر من الأُمور، ورد في بعضها: أنَّ أُمَّ الفضل أرسلته إلى الخليفة معاوية ﵁، إمام المسلمين في ذلك الوقت، وأنه دخل عليه الشهر وأدركه الصيام وهو في الشام، وأنَّ أهل الشام صاموا لمَّا رأوا الهلال ليلةَ الجمعة فصاموا يوم الجمعة، وأنه مكثَ في الشام فترةً، ثم عاد إلى المدينة في آخر الشهر فوجد الناس لا يزالون صيامًا، فالتقى بمولاه عبد اللَّه بن عباس؛ لأن كريبًا كان مولًى لعبد اللَّه بن عباس؛ فسأله هل رأيت الهلال؟ قال: نعم رأيته، وأخبره أنه رآه ليلة الجمعة، وسأله:
стр. 3718
هل رآه غيرك؟ قال: نعم، رآه معاوية والناس. ثم قال له: لكننا لم نره إلا ليلة السبت ولا نزال نصوم حتى نراه؛ يعني: سنصوم حتى نرى هلال شوال، أو نكمل العدة، يعني ثلاثين يومًا. فقال له كريب: أولَا تكتفي بشهادة معاوية أو الناس؟ قال: لا، هكذا أمرنا رسول اللَّه ﷺ بقوله: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين"؛ أي: ثلاثين يومًا.
وعلى هذا فيُفهم من حديث ابن عباس: أن لكل أهل بلد رؤية (١)، وهذا القول أخذ به إسحاق بن راهويه، وسالم بن عبد اللَّه، والقاسم بن محمد وغير هؤلاء من العلماء.
ومن العلماء من قال: إن الرؤية متحدة، وهذا هو رأي أكثر العلماء: كالمالكية والشافعية والحنابلة، وإن اختلفت بعض المذاهب في تفصيل هذه المسألة.
وهناك مَن توسط في هذا المقام فقال: نحن ننظر، إن كانت البلاد قريبًا بعضها من بعض، وضربوا مثلًا فيما ما مضى ببغداد والبصرة، ونحن نقول الآن مثلًا: ما بين المدينة وجدة، أو بين المدينة وبدر، أو بين المدينة ومكة، هذه المسافات ليست بعيدة، ففي مثل هذه الحالة تتحد الرؤية.
أما إن كانت البلاد بعيدة كما بين المدينة والشام، أو المدينة ومصر، أو مصر والأندلس، أو المغرب وأمريكا وهكذا، هنا المسافات متباعدة، فهل تختلف المطالع؟ قالوا: المطالع معتبرة، فإذا كانت متباعدة سواء كانت عَرْضًا؛ يعني على خط العرض الذي نسميه الآن، أو طولًا على خط الطول الذي اصطلحوا عليه.
стр. 3719
إذن؛ القول الأول له أدلة، والثاني له أدلة، وهذا الوسط بينهما إنما هو اجتهاد بين هؤلاء، واعتبروه وسطًا، فربطوه بالمطالع.
ولذلك نحن نقول: هذه مسائل ينظر إليها في وقتها، فإن كانت المسافات متقاربة فلا ينبغي أن يفرق بينها، وإن كانت متباعدة لكنَّ المطالعَ متحدةٌ فينبغي أيضًا أن يؤخذ بها، لكن إن تردَّد الناس في ذلك أو لم يتبين لغيرهم فليأخذوا بما أخذت به البلاد الإسلامية، وهذا هو رأي أكثر العلماء.
* قوله: (فَأَمَّا مَالِكٌ فَإِنَّ ابْنَ القَاسِمِ وَالمِصْرِيِّينَ رَوَوْا عَنْهُ).
وابن القاسم من أصحاب الإمام مالك، وأصحاب مالك كانوا متفرقين، فبعضهم كان في مصر، وبعضهم كان في المغرب، وكذلك الشافعي وغيره من الأئمة.
* قوله: (أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ عِنْدَ أَهْلِ بَلَدٍ أَنَّ أَهْلَ بَلَدٍ آخَرَ رَأَوْا الهِلَالَ أَنَّ عَلَيْهِمْ قَضَاءَ ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي أَفْطَرُوهُ، وَصَامَهُ غَيْرُهُمْ (١)، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٢) وَأَحْمَدُ) (٣).
стр. 3720
بمعنى أنه يرى اتحاد المطالع وأن الرؤية متحدة. هذا معنى قول الإمام مالك وهو قول للأئمة الآخرين.
* قوله: (وَرَوَى المَدَنِيُّونَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الرُّؤْيَةَ لَا تَلْزَمُ بِالخَبَرِ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِ البَلَدِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ الرُّؤْيَةُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الإِمَامُ يَحْمِلُ النَّاسَ عَلَى ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ المَاجِشُون وَالمُغِيرَةُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ) (١).
وابن الماجشون أيضًا من أصحاب مالك (٢).
* قوله: (وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يُرَاعَى ذَلِكَ فِي البُلْدَان النَّائِيَةِ كَالأَنْدَلُسِ وَالحِجَازِ) (٣).
علَّق على ذلك أحد المحققين فقال: هذا خطأ من المؤلف وليس إجماعًا، وهو إنما ينقل إجماع المالكية، وهذا لم ينقله وحده، وإنما نقله القرطبي (٤)، وابن عبد البر في "الاستذكار" (٥)، وكثيرًا ما ينقل المؤلف عن "الاستذكار" ونبَّهت على ذلك مِرَارًا.
стр. 3721
وهذا الإجماع إنما نقله ابن عبد البرِّ، ونقله عنه ابن حجرٍ في "فتح الباري" (١).
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي هَذَا الخِلَافِ: تَعَارُضُ الأَثَرِ وَالنَّظَرِ).
فقصده بـ (الأثر) الحديث، و (النظر) يعني: إمعان (٢) النظر؛ لأن اللَّه أمرنا بالتفكر والتدبر وأن نسير في الأرض، كل هذه أُمور أمرنا اللَّه بها ؛ فهذا فيه مجال للنظر، لكن ليس القصد بالنظر هنا أن تطرح الأدلة جانبًا وتمعن نظرك؛ إذ لا اجتهاد مع النص (٣)، لكنَّ القصد هنا الاحتمالات التي في الأدلة، فأنت تمعن النظر، والمشاهدة لها أثر، وأنتم ترون أن بلاد اللَّه متباعدة، فالشمس تغرب أولًا في الشرق، والشام تتجه إلى الشمال وربما أقرب إلى الغرب، ونرى أن الصيام في المدينة متأخر عن بلاد الشام.
هذا يدلنا على أن أُمور العبادة لا يتعدى فيها النصوص فيما ترد فيه النصوص.
* قوله: (أَمَّا النَّظَرُ، فَهُوَ أَنَّ البِلَادَ إِذَا لَمْ تَخْتَلِفْ مَطَالِعُهَا كُلَّ الِاخْتِلَافِ، فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ).
فالأحاديث لا تتناقض، والذين يقولون: باتحاد الرؤية يرون شمول
стр. 3722
ذلك، وأنَّ هذا عام للمسلمين أينما كانوا متى ما رئي في بلد مسلمٍ، عملًا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وكذلك حديث النبي ﷺ : "إذا رأيتموه فصوموا".
وغيرهم يرى أنَّ المقصود بالآية والحديث هم الذين حضروا المشاهدة والرؤية وإن لم يروه، وهذا تعليل لشيخ الإسلام ابن تيمية (١) ﵀؛ لأنه يأخذ بالرأي الآخر ويرى: أن الأمور ليست على إطلاقها، وأن اختلاف المطالع ينبغي أن ينظر إليه، فهو بذلك مخالفٌ لرأْيِ الجمهور.
* قوله: (لِأَنَّهَا فِي قِيَاسِ الأُفُقِ الوَاحِدِ، وَأَمَّا إِذَا اخْتَلَفَتِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَلَيْسَ يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ).
أي: إذا كانت المسافات ليست ببعيدة، كما بين البصرة وبغداد، وليست قريبة جدًّا لكنها ليست أيضًا بعيدة، فيقولون: هذه لا تؤثر، لكن إذا كانت بعيدة كما بين الحجاز والأندلس، أو بلاد الحجاز والشام ونحو ذلك، فلا.
* قوله: (وَأَمَّا الأَثَرُ، فَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ كُرَيْبٍ أَنَّ أُمَّ الفَضْلِ بِنْتَ الحَارِثِ بَعَثَتْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ، فَقَالَ: قَدِمْتُ الشَّامَ، فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا، وَاسْتَهَلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ وَأَنَا بِالشَّامِ).
أي: هلَّ هلالُ رمضان وهو لا يزال بالشام، فأدرك طرفًا منه في بلاد الشام.
* قوله: (فَرَأَيْتُ الهِلَالَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ).
إذن كريب رآه، ورآه أيضًا غيره.
стр. 3723
* قوله: (ثُمَّ قَدِمْتُ المَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ).
أي: عندما عاد إلى المدينة وأدرك آخر الشهر فيها، والتقى بعبد اللَّه بن عباس الذي هو مولاه.
* قوله: (ثُمَّ ذَكَرَ الهِلَالَ، فَقَالَ: مَتَى رَأَيْتُمُ الهِلَالَ؟).
فأورد عليه ابن عباس قضية الهلال، والعلماء فيما مضى كانوا يتدارسون، فإذا جاء أحدهم من سفر فإنهم يعنون أول ما يعنون بالأُمور المتعلقة بالعلم وما يتعلَّق بمثل ذلك، لكنهم لا يغفلون أن يسألوا الإنسان عن صحته وعما جرى له، وعن أحوال المسلمين.
* قوله: (فَقُلْتُ: رَأَيْتُهُ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ).
وقوله: (رأيته)، أسند كريب الرؤية إلى نفسه.
* قوله: (فَقَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ).
فيتأكد منه ابن عباس بسؤاله ثانيًا.
* قوله: (وَرَآهُ النَّاسُ وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ).
وفي الأول؛ قال: (رأيتُه)، فقال ابن عباس: (رأيتَه)، فأدرك أن ابن عباس يريد أن يتثبت، فقال: (رأيته ورآه الناس)، وهذه ترد على الذين يقولون: بأن عبد اللَّه بن عباس لم يأخذ بشهادة كريب لكونه واحدًا؛ لأن كريبًا لم يقصر الرؤية على نفسه، ولكنه أسندها إلى معاوية، ومعاوية صحابي جليل، والصحابة كلهم عدول وكلهم ثقات، وكذلك في زمن معاوية ﵁ كان هناك عدد من الصحابة، فإلى جانب رؤية كريب رؤية عدد من المسلمين؛ إذن رآه الناس فتأكد عندهم وثبت، فصام الناس وصام الخليفة معاوية.
стр. 3724
* قوله: (قَالَ: لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ).
وابن عباس قد رفع ما يدور في ذهن كريب؛ لأن كريبًا يقول: ما دام قد رأى الناسُ الهلالَ ومعاوية وقد رأيتُه أنا، أفلا ينبغي أن تأخذ بهذه الرؤية؟ كأنه يقول ذلك، ولذلك أجابه عبد اللَّه بن عباس بما يدل على أنه فهم منه ذلك.
إذن ما دمنا لم نره إلا ليلة السبت، فينبغي أن نبقى على صيامنا حتى نرى هلال شوال، فإن لم نر هلال شوال فينبغي أن نتم عدة رمضان ثلاثين يومًا، وبيَّن سبب ذلك فقال: كما أمرنا رسول اللَّه ﷺ .
* قوله: (فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، أَوْ نَرَاهُ، فَقُلْتُ: أَلَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ؟ فَقَالَ: لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﵊.
ولا بد أن نلتفت هنا إلى أدب الخطاب! فكريب عندما قال له: "ألا تكتفي برؤية معاوية والناس معه"، فيردُّ عليه عبد اللَّه بن عباس الذي دعا له رسول اللَّه ﷺ بقوله: "اللهم فقهه في الدِّين وعلِّمه التأويل" (١)، ووصفه بأنه حَبْر هذه الأمة، ويقول: هكذا أمرنا رسول اللَّه ﷺ ، واللَّه تعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. إذن نحن ننزل عند أمر رسول اللَّه ﷺ ، وقد رأينا دخوله بعدكم فننتظر حتى نرى أو نكمل العدة.
* قوله: (فَظَاهِرُ هَذَا الأَثَرِ يَقْتَضِي أَنَّ لِكُلِّ بَلَدٍ رُؤْيَتَهُ، قَرُبَ أَوْ بَعُدَ).
стр. 3725
ولذلك قلت لكم: بعضهم يعلل، الذين يخالفون يقولون: لعل ابن عباس لم يأخذ برواية كريب لأنها رواية فرد، والكلام هنا بالنسبة للطلوع لا الدخول؟ والجواب: لا؛ لأن كريبًا أخبره بأنه رأى ورأى غيرُه، وقد تثبت ابن عباس من ذلك.
ولا شكَّ أن ظاهر هذا الأثر -وهو في "صحيح مسلم"- أن لكل بلد رؤيته؛ لأنَّ ابنَ عباس لم يأخذ بذلك، وبيَّن أن سبب عدم الأخذ به أنَّ الرسول ﷺ علَّق ذلك بالرؤية، وإن تعذرت الرؤية أكملت العدة ثلاثين يومًا.
* قوله: (وَالنَّظَرُ يُعْطِي الفَرْقَ بَيْنَ البِلَادِ النَّائِيَةِ وَالقَرِيبَةٍ، وَبِخَاصَّةٍ مَا كَانَ نَأْيُهُ فِي الطُّولِ وَالعَرْضِ كثِيرًا، وَإِذَا بَلَغَ الخَبَرُ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ، لَمْ يُحْتَجْ فِيهِ إِلَى شَهَادَةٍ، فَهَذِهِ هِيَ المَسَائِلُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِزَمَانِ الوُجُوبِ).
فالمؤلف قد انتهى من الحديث عن زمان الوجوب وهذه هي المسألة الأولى المتعلِّقة بالركن الأوَّل من أركان الصيام، وسينتقل إلى المسألة الثانية، وهي زمان الإمساك.
* قوله: (وَأَمَّا الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِزَمَانِ الإِمْسَاكِ؛ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ آخِرَهُ غَيْبُوبَةُ الشَّمْسِ (١)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]).
والمؤلف عكس القضية فبدل أن يبدأ بوقت الإمساك بدأ بوقت الانتهاء.
وتلا الآية التي نجدها في مطلع قول اللَّه : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ
стр. 3726
تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. هذا هو الشاهد: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾.
وقد ثبت عن رسول اللَّه ﷺ في الحديث الصحيح أنه قال: "إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا فقد أفطر الصائم" (١)، وفي رواية التي فيها زيادة: "إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس أفطر الصائم" (٢).
إذن؛ فالواجب على المسلم الإمساك عما يمنع عنه من أكل وشرب وجماع وما يلحق بذلك مما سيأتي الكلام عنه حتى تغرب الشمس، وحينئذ يفطر، وأمَّا ما يتعلَّق ببداية الصيام فسيذكره المؤلف بعد ذلك، والأحاديث في ذلك كثيرة جدًّا.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي أَوَّلهِ).
متى يبدأ وقت الصيام؟
قد بيَّنَّا سابقًا أنَّ هناك فجرين: فجرٌ صادقٌ وفجرٌ كاذبٌ، وقد تحدثنا عنهما تفصيلًا عند حديثنا عن أوقاتِ الصلوات، وبخاصة عند الكلام عن وقت صلاة الصبح.
* قوله: (فَقَالَ الجُمْهُورُ (٣): هُوَ طُلُوعُ الفَجْرِ الثَّانِي المُسْتَطِيرِ
стр. 3727
الأَبْيَضِ (١)).
ويقصد بالفجر الثاني ما يُعرَفُ بالفجر الصادق، فهناك فجران؛ الفجر الأول: يعرف بالفجر الكاذب، وهذا الفجر هو الذي يخرج في السماء دقيقًا ولا ينتشر؛ يعني: يخرج على شكل خط يظل فترة ثم يختفي، وهذا وإن كان فيه بياض إلا أن فيه اختلاطًا بسواد.
ويشبهونه بذنب السِّرحان؛ أي: الذئب، وهذا يعرف بالفجر الكاذب؛ لأن الإنسان إذا رأى هذا الضوء ظنَّ أن الفجر قد ظهر وأن الوقت قد
стр. 3728
بدأ، ثم يتبين لنا سرعان ما يغيب هذا الضوء ويختفي، ثم بعد فترة يأتي الفجر الثاني الذي يعرف بالفجر الصادق.
والفجر الكاذب: يعرف بالفجر المستطيل (١)، أو بالضوء المستطيل -باللام وذاك بالمستطير- بالراء (٢)؛ لأنه ينتشر في الأفق، أما الفجر الكاذب: فيأتي دقيقًا في السماء، هذا هو الفرق بينهما.
وأمَّا الفرق بينهما من حيث الحكم: أن الثاني هو الذي تترتب عليه الأحكام الشرعية، فهو الذي بظهوره تدخل وقت صلاة الفجر، والذي بخروجه يمسك المفطر عن الأكل والشرب والجماع وعن كل ما نهي عنه؛ أي: به يبدأ وقت الإمساك.
* قوله: (لِثُبُوتِ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَعْنِي: حَدَّهُ بِالمُسْتَطِيرِ، وَلظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٨٧]).
قال: لثبوته عن الرسول ﷺ ، ولم يذكر دليل الثبوت، وهذا جاء في حديث سمرة بن جندب، وقد جاء بروايات متعددة، وممن روى هذا الحديث مسلم في "صحيحه"، وحديث سمرة فيه أن رسول اللَّه ﷺ كما جاء في أحد الروايات - قال: "لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال، والفجر المستطيل، لكن الفجر المستطير في الأفق" (٣).
لكن هنا استدراك: أما أذان بلال كما جاء في الحديث المتفق عليه:
стр. 3729
"إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم" (١)، وفي رواية: "حتى ينادي ابن أم مكتوم" (٢)، وله روايات متعددة سيعرض المؤلف لبعضها.
والفجر الصادق هو الذي ينطبق عليه قول اللَّه تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر﴾، والمراد بالخيط الأبيض من الخيط الأسود: هو سواد الليل مع بياض النهار (٣).
ولذلك جاء في الحديث المتفق عليه وهو حديث عدي بن حاتم الذي أخرجه البخاري ومسلم في "صحيحهما" (٤) وغيرهما، أنه لما نزلت هذه الآية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، قلتُ والقائل هو عدي بن حاتم-: يا رسول اللَّه، إني أجعل عقالين تحت وسادتي -التي ينام عليها-، فإذا رأيت بياضًا؛ يعني: إذا تبين لي بياض أمسكت عن الصيام، فقال له الرسول ﷺ : "إن وسادك لعريض" (٥)؛ أي: إن نومك لكثير، أو: إن ليلك لطويل؛ لأن الإنسان إذا أراد أن يضع خيطًا أبيض وأسود، وينتظر حتى يتبينهما هذا يحتاج أن يسفر الضوء لكي يراهما وبذلك يكون ليله طويلًا، فكأن في هذا نوعًا من النقد.
стр. 3730
وجاء في بعض الروايات: "إن قفاك لعريض" (١)، وقد وصفه بعض العلماء بأنه: عدم الفطنة (٢)، وبعضهم قال: لا يمكن أن يوصف بذلك لأن عديًّا أبعد مَن أن يوصف بمثل ذلك، لكن المراد هنا: أنَّ الرسول ﷺ بيَّن له في آخر الحديث فقال: "إنما هو سواد الليل وبياض النهار" (٣).
إذن؛ عدي كان فهم من الآية: أن يجعل عقالين؛ أي: خيطين؛ أحدهما: أبيض، والآخر: أسود، ويجعلهما تحت وسادته، ويظل ينظر فيهما فإذا عرفهما بالرؤية، حينئذ يمسك إذا تبين له أن هذا أبيض وهذا أسود أمسك.
فبين له الرسول ﷺ أن المقصود بالخيط الأسود سواد الليل، وبالأبيض بياض النهار.
وأيضًا جاء في حديث سهل بن سعد وهو متفق عليه أنه قال: "نزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ولم ينزل: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فكان رجال إذا أرادوا أن يصوموا، ربط أحدهم في رجله خيطين أسود وأبيض، فلا يزال يأكل حتى يتمكن من رؤيتهما"؛
стр. 3731
يعني: من التفريق بينهما، فنزلت: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فعلموا: أن ذلك هو سواد الليل وبياض النهار" (١).
وجاء في الحديث المتفق عليه قول الرسول ﷺ : "إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم"، وقد جاء في بعض الروايات: أن ابن أم مكتوم كان أعمى، وكان لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت (٢).
وفي رواية أُخرى: "لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره فإنه يؤذن بليل، ليوتر نائمكم" (٣)، وفي رواية: "ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم" (٤). القصد من ذلك التمثيل.
وقد عرضت لجملة من الأحاديث لأن المؤلف لم يذكر شيئًا منها في هذا المقام.
فمعنى قوله تعالى ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾: أنه للإنسان أن يأكل وأن يشرب وأن يظل إلى أن يتبيَّن له بياض الصبح، فإذا ما تبين له أمسك وامتنع عن ذلك ولا يجوز له، فإن أكل بعد ذلك؛ أي: بعد بدوِّ الفجر فإنه حينئذ يكون مفطرًا ويلزمه قضاء ذلك اليوم. هذا على الرأي الصحيح.
* قوله: (وَشَذَّتْ فِرْقَةٌ، فَقَالُوا: هُوَ الفَجْرُ الأَحْمَرُ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ الأَبْيَضِ).
وهذا فيه غرابة من المؤلف؛ لأنه على ترتيب المؤلف سيكون الفجر أنواعًا ثلاثة، مع أن المعروف أن هناك فجرين وهناك شفقين، فهناك الشفق
стр. 3732
الأحمر الذي في المغرب، والشفق الأبيض الذي يبدأ بوقت العشاء أو يبدأ بنهاية الأحمر، وانتهى الأحمر بدأ الأبيض.
هنا المقصود بالشفق الأحمر (١) فيما يظهر لي الأبيض؛ ولذلك جاء في الحديث الصحيح أن الرسول ﷺ قال: "بعثت إلى الأحمر والأسود" (٢)، قالوا: والمراد بالأحمر هنا الأبيض، ويقولون: إن العرب في تعبيرها تقول: هذه امرأة حمراء؛ أي: بيضاء؛ يطلق هذا على هذا؛ إذن المراد هنا بالحمرة التي سماها المؤلف فجرًا هي في الحقيقة ليست فجرًا، لكنه إذا بدأ الفجر، أخذ الضوء يتبيَّن شيئًا فشيئًا، حتى يبدأ في الصبح، ثم في البيان أكثر، ثم يخالطه شيء من الحمرة، وهذا هو المقصود، والذي سيشير إليه حديث من الأحاديث التي ربما يذكره المؤلف أيضًا في هذا المبحث.
* قوله: (وَهُوَ نَظِيرُ الشَّفَقِ الأَحْمَرِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ حُذَيْفَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ) (٣).
وهذا منقولٌ عن علي ﵁ أيضًا. وابن المنذر ممن يحكي الإجماع، وهو أيضًا ينقل آثارًا عن الصحابة في كتبه فنقل أن عليًّا بن أبي طالب ﵁ حين صلى الفجر قال: "الآن تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود" (٤). لكنه لم يرتب عليه حكمًا.
стр. 3733
وقد يكون المقصود من ذلك أنه اتَّضح أكثر، وما المانع أن يكون علي ﵁ بادر بصلاة الصبح من أول ما دخل وقتها، فلما خرج منها كان تبيَّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود بشكل جليٍّ.
أما ما يتعلَّق بحذيفة بن اليمان ﵁ فقد نقل عنه ابن المنذر أيضًا أنه لما خرج الفجر تسحر ثم صلى.
وسيأتي في حديث زرٍّ ما يُشير إلى ذلك.
ونقل أيضًا قريبٌ من ذلك عند عبد اللَّه بن مسعود، ونقل عن مسروق (١) أنه قال: "لم يكن الفجر المعروف عندهم إنما هو فجركم؛ يعني: فجركم الذي يبدأ بمجرد بزوغ الفجر إنما هو الفجر الذي كان يملأ البيوت والطرق بالضوء"؛ أي: بالإضاءة، لكن ذلك قبل طلوع الشمس.
* قوله: (وَسَبَبُ هَذَا الخِلَافِ هُوَ اخْتِلَافُ الآثَارِ فِي ذَلِكَ، وَاشْتِرَاكُ اسْمِ الفَجْرِ -أَعْنِي: أَنْ يُقَالَ: عَلَى الأَبْيَضِ وَالأَحْمَرِ-).
أما الفجر، فلا يقال: على الأحمر، وإنما يقال: على الصادق والكاذب.
* قوله: (وَأَمَّا الآثَارُ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا، فَمِنْهَا حَدِيثُ زرٍّ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: "تَسَحَّرْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَوْ أَشَاءُ أَنْ أَقُولَ: هُوَ النَّهَارُ إِلَّا أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ" (٢)).
стр. 3734
ومعنى هذا: أن الضوء قد ظهر إلا أن الشمس بعدُ لم تطلع، ومع ذلك يقول: "تسحرت مع رسول اللَّه ﷺ ". وفي بعض روايات هذا الحديث: أنه تسحر، ثم مرَّ على حذيفة فطلب حليبًا، ثم دعا بقدر فأمر بإحمائه ثم قدَّمه للأكل فقال: كل، فتوقف زِرٌّ، فقال: إني أريد الصيام فقال: وأيضًا أنا أريد الصيام، فأكل حذيفة، فأكلنا وشربنا ثم ذهبنا فأقيمت الصلاة وصلينا" (١). فهذا يدل على التأخير.
لكن هذا الحديث تكلم عنه العلماء:
فمن العلماء من قال: يحتمل أن يكون ذلك قبل نزول الآية، وهي قول اللَّه : ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. وهذا هو قول جماهير العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة؛ لأنهم يرون أن الصيام يلزم بطلوع الفجر الصادق فمتى ما بدا توقف الصائم عن الأكل حتى إذا كان في يده شيء وضعه، إلا إذا كان المؤذن يحتاط فيؤذن قبل ذلك هذا أمر يحتاج أن يتأكد منه.
يتبيَّن من هذا: أنَّ الحديث كما قال الطحاوي: "يحتمل أنه قبل نزول الآية" (٢).
وقال الحازمي أيضًا في كتاب "الاعتبار المعروف في الناسخ والمنسوخ": "أجمع العلماء على ترك هذا الحديث" (٣).
стр. 3735
وهذا الحديث رواه الإمام أحمد (١)، والنسائي (٢).
فالجمهور أخذوا بنص الآية وبالأحاديث كحديث: "إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم"، وكان ابن أم مكتوم يؤذن إذا طلع الفجر، فهذان النَّصَّان يثبتان أن هذا هو وقت الإمساك.
* قوله: (وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: "كُلُوا وَاشْرَبُوا، وَلَا يَهِيدَنَّكُمُ السَّاطِعُ المُصْعِدُ (٣)، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَعْتَرِضَ لَكُمُ الأَحْمَرُ") (٤).
فبمجرد أن يخرج الفجر انتظروا حتى يختلط الأبيض بالحمرة.
* قوله: (قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا مَا تَفَرَّدَ بِهِ أَهْلُ اليَمَامَةِ، وَهَذَا شُذُوذٌ، فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ [البقرة: ١٨٧] نَصٌّ فِي ذَلِكَ أَوْ كَالنَّصِّ، وَالَّذِينَ رَأَوْا أَنَّهُ الفَجْرُ الأَبْيَضُ المُسْتَطِيرُ هُمُ
стр. 3736
الجُمْهُورُ وَالمُعْتَمَدُ، اخْتَلَفُوا فِي الحَدِّ المُحَرِّمِ لِلْأَكْلِ، فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ طُلُوعُ الفَجْرِ نَفْسُهُ).
أي: هل يربط الحكم بطلوع الفجر أو لا بدَّ أن يتبينه الإنسان؟ هذا هو الذي يريد أن يقوله المؤلف، واللَّه تعالى يقول: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَد﴾.
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ تَبَيُّنُهُ عِنْدَ النَّاظِرِ إِلَيْهِ).
وهذه المواضع وقع فيها خلاف بين العلماء، والأمران متقاربان، فينبغي للمسلم أن يأخذ بالأحوط عملًا بقوله ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (١).
* قوله: (وَمَنْ لَمْ يَتَبَيَّنْهُ، فَالأَكْلُ مُبَاحٌ حَتَّى يَتَبَيَّنَ وَإِنْ كَانَ قَدْ طَلَعَ) (٢).
ينبغي ألا ننسى أن هذه الشريعة الإسلامية إنما بنيت على اليسر، واللَّه تعالى يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]؛ فهذه الشريعة بنيت على السماحة واليسر والتخفيف، وليس معنى ذلك أن يقول
стр. 3737
الإنسان: ما دامت الشريعة بنيت على التخفيف فأتساهل حتى أرى الصباح قد بدا والضياء قد امتد، لا يجوز هذا، بل لا بدَّ أن ألتزم بالنصوص الصريحة في مثل هذا المقام.
* قوله: (وَفَائِدَةُ الفَرْقِ: أَنَّهُ إِذَا انْكَشَفَ أَنَّ مَا ظُنَّ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَطْلُعْ كَانَ قَدْ طَلَعَ، فَمَنْ كَانَ الحَدُّ عِنْدَهُ هُوَ الطُّلُوعُ نَفْسُهُ، أَوْجَبَ عَلَيْهِ القَضَاءَ، وَمَنْ قَالَ: هُوَ العِلْمُ الحَاصِلُ بِهِ، لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ القَضَاءَ).
المراد هو الطلوع ذاته، فلو قُدِّر أن إنسانًا لم يتبين له، ثم تبين بعد ذلك أنه قد طلع قبل أن يمسك فهل عليه القضاء؟
من يقول بأنه الطلوع نفسه يلزمه القضاء، ومن لا فلا.
لكن اللَّه لم يضيق علينا في مثل هذه الأُمور، فما دام قد تبين لنا بياض النهار من سواد الليل قد انتهى.
* قوله: (وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ: الِاحْتِمَالُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، هَلْ عَلَى الإِمْسَاكِ بِالتَّبَيُّنِ نَفْسِهِ أَوْ بِالشَّيْءِ المُتَبَيَّنِ؟ لِأَنَّ العَرَبَ تَتَجَوَّزُ، فَتَسْتَعْمِلُ لَاحِقَ الشَّيْءِ بَدَلَ الشَّيْءِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعَارَةِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾؛ لِأَنَّهُ إِذَا تبَيَّنَ فِي نَفْسِهِ، تَبَيَّنَ لَنَا، فَإِذَنْ إِضَافَةُ التَّبَيُّنِ لَنَا هِىَ الَّتِي أَوْقَعَتِ الخِلَافَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَبَيَّنُ فِي نَفْسِهِ، وَيَتَمَيَّزُ، وَلَا يَتَبَيَّنُ لَنَا).
بمعنى أنه طالما لم يرَ هذا البياض فاللَّه لا يكلفنا بما لا نستطع القيام به، إنما اللَّه تعالى قال: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وَقِيلَ: بَلْ يَجِبُ الإِمْسَاكُ قَبْلَ الطُّلُوعِ) (١).
فإذا تبين لنا الخيط الأبيض من الخيط الأسود، فإن المسلم يمسك عن ذلك ولا ينبغي له أن يتجاوز الحد حتى لو كان في يده إناء أو غير ذلك، أما حديث: "إن كان في يده إناء فلا يضعه" (٢)، فهذا فيه كلام.
* قوله: (وَالحُجَّةُ لِلْقَوْلِ الأَوَّلِ مَا فِي كِتَابِ البُخَارِيِّ أَظُنُّهُ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ).
أما قوله: في كتاب البخاري فهذا صحيح، وهو عند مسلم أيضًا، وقوله: أظنه، فالظن هنا معناه اليقين، وهو يريد بذلك حديث: "إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم".
والمؤلف فيما ينقله من أقوال ومن أحاديث إنما يعتمد على كتاب "الاستذكار" لابن عبد البر.
* قوله: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ لَا يُنَادِي حَتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ").
هذا نص صريح في هذا المقام، وقد رفع كلَّ إشكالٍ، فلنا أن نأكل وأن نشرب؛ لأن الرسول ﷺ قال: "وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ
стр. 3740
مَكْتُومٍ"، "لا يمنعنَّ أحدًا منكم أذان بلال" ثم بيَّن العلة: "فإنه يؤذِّنُ بليل"؛ حتى يتهيأ الناس للصلاة.
* قوله: (وَهُوَ نَصٌّ فِي مَوْضِعِ الخِلَافِ أَوْ كَالنَّصِّ، وَالمُوَافِقُ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ الآيَةَ. وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ الإِمْسَاكُ قَبْلَ الفَجْرِ، فَجَرْيًا عَلَى الِاحْتِيَاطِ، وَسَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، وَهُوَ أَوْرَعُ القَوْلَيْنِ، وَالأوَّلُ أَقْيَسُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ).
فهؤلاء الذين يقولون بالإمساك قبل الفجر أخذوا بالأحوط حتى لا يقع الإنسان في المحذور؛ فمن يفعل هذا فإنه يفعله ورعًا، لكن الموافق للقياس هو الذي في نصِّ الآية.
* قوله:
(الرُّكْنُ الثَّانِي وَهُوَ الإِمْسَاكُ
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يجِبُ عَلَى الصَّائِمِ الإِمْسَاكُ زَمَانَ الصَّوْمِ عَنِ المَطْعُومِ وَالمَشْرُوبِ وَالجِمَاعِ) (١).
وهذه المسألة قد ورد النص فيها في كتاب اللَّه، فقال اللَّه تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، ثم قال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾.
وجاء أيضًا في أحاديث رسول اللَّه ﷺ ، ومن ذلك الحديث المتفق عليه في قصة الأعرابي الذي جاء إلى رسول اللَّه ﷺ وقال: يا رسول اللَّه: هلكت، قال: "ما أهلكك؟ " قال: وقعتُ على أهلي في نهار رمضان. . .
стр. 3741
إلى آخر الحديث، والذي بيَّن فيه رسول اللَّه ﷺ أن عليه أن يعتق رقبة، فقال: لا أجد، فأمره أن يصوم شهرين متتابعين، فقال: لا أستطيع، فأمره أيضًا أن يطعم ستين مسكينًا، فقال: لا أجد، ثم جيء إلى رسول اللَّه ﷺ بمكتلٍ فيه تمر فأراد الرسول أن يتصدَّق به إلى أن قال: واللَّه ما بين لابتي -يعني: بين الحرتين- في المدينة رجلًا أفقر مني، فدفعه الرسول إليه (١).
ومعنى هذا: أن الإنسان إذا عجز تسقط عنه الكفارة (٢)، لكن هذه الكفارة على الترتيب وليست على التخيير (٣)، وسيأتي الكلام عنها إن شاء اللَّه.
стр. 3742
* قوله: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾).
وقد جاء في بعض الآثار: أنهم كانوا في أول الأمر يختانون أنفسهم، فيواقعون النساء في الليل، فأنزل اللَّه هذه الآية (١)، وهي نص في
стр. 3743
المسألة: ﴿كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾؛ فاللَّه رخَّصَ للمسلم أن يجامع أهله في ليل رمضان، أما النهار فلا يجوز، بل هو من الأُمور المغلظة؛ لأن الجماع أخطر وأغلظ ممن يأكل أو يشرب متعمدًا.
إذن هذه الآية ذكرت أمورًا ثلاثة: الأكل والشرب والجماع، فهذه نص في هذه المسألة، والأحاديث الكثيرة أيضًا تؤيد ذلك.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَسَائِلَ: مِنْهَا مَسْكُوتٌ عَنْهَا، وَمِنْهَا مَنْطُوقٌ بِهَا).
وهذه المسائل التى سيذكرها المؤلف ذات علاقة بالأكل والشرب والجماع، وهذه المسائل على نوعين: مسكوت عنها ومنطوق بها، ومعنى مسكوت عنها؛ أي: أنه لم ينطق بها النص، ومنطوق بها؛ أي: نطق بها النص، كما في قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ فنطق النص بذلك.
إذن هناك مسائل منطوق بها، وهناك مسائل مسكوت عنها لكنها ملحقة بالمنطوق بها، وبعضها محل خلاف: هل يلحق أو لا يلحق؛ لأنَّ من العلماء من يقول: كلُّ ما وصل إلى الجوف فإنه يفطر الصائم، من أيِّ منفذ كان، وبعضهم: يخُصُّ ذلك بما وصل عن الطريق المعتاد وهو الفم، وبعضهم يرى: أنَّ الكحل لو وصل الحلق يفطر (١)، وأنَّ الحقن المعروفة
стр. 3744
تفطر على أيِّ نوع كانت (١)، وكذلك لو قطر في أنفه فوصل إلى حلقه (٢)؛
لأن الرسول ﷺ قال: "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا" (١).
وقد جدَّت أُمور: فقد يؤخذ من الإنسان دم ويضاف إليه دم وهو صائم، وهناك المصابون بمرض السكر ربما يتناولون بعض الإبر، هُناك إبر في الوريد وإبر تُضرب في العضل وغير ذلك مسائل كثيرة بعضها كانت معروفة وبعضها كانت غير معروفة.
هناك دواء يصعد إلى الدماغ ولا يذهب إلى الجوف، وهناك بعض الأدوية لا تذهب إلى المعدة لكنها نذهب إلى الرئتين كالبخَّاخ الذي يستعمله بعض الناس المصابون بمرض الربو، وهكذا.
هذه مسائل جدَّت، وسنتكلم عنها، ولعلَّ المؤلف سيذكر بعض الشيء في هذا المقام.
* قوله: (أَمَّا المَسْكُوتُ عَنْهَا إِحْدَاهَا: فِيمَا يَرِدُ الجَوْفَ مِمَّا لَيْسَ بِمُغَذٍّ).
وهذه قضية مهمة، هل هُناك فرق بين المغذي وبين غير المُغذِّي؟
الإبر بعضها مُغذِّي، وبعض الناس المرضى يضرب شيئًا من الإبر أو يوضع له مُغذِّي فيغذِّيه كأنه يأكل طعامًا أو شرابًا، وبعض الإبر لا يُغذِّي ولكنه قد يسكن الآلام، فهل لهذه أثر أو لا؟
دون أن ندخل في تفصيل مذاهبهم فكلامهم كثير جدًّا.
جمهور العلماء من حيث الجملة يرون: أنَّ كل ما وصل إلى الجوف فإنه يفطر سواء كان مُغذِّيًا أو غير مُغذٍّ حتى ما وصل إلى الدماغ، فلو أنَّ إنسانًا وضع دواءً في أذنه فصعد إلى دماغه، أو قطر في أنفه فنزل في حلقه، أو اكتحل فنزل الكحل إلى حلقه فأصبح يحس ذلك في حلقه،
стр. 3747
يرون أنَّ ذلك كلَّه يفطر، وكذلك لو تناول حقنةً من الحقن سواء كانت مُغذِّية أو غير مُغذِّية، فهي تفطر أيضًا، ومن بين هؤلاء من حيث الجُملة الأئمة الأربعة، وإن كان مذهب المالكية قد يكون أكثر المذاهب من حيث الجُملة تخفيفًا في هذه المسألة.
ومن العلماء: من فرَّق بين الحقن المُغذِّية وغير المُغذِّية (١)، وهذه تكلم عنها العلماء قديمًا، وكانت معروفة والطب كان معروفًا، بل من العلماء من عرف بالطب، فابن القيِّم كان يتكلَّم عن الطب كثيرًا في كتابه "الطب النبوي" الذي هو جزء من "زاد المعاد"، وعرض لذلك غيره كالسيوطي، وغير هذين من العلماء، لكن الطب عندما تطور ووصل إلى نتائج قيمة بسبب وجود أجهزة تقدم إلى غير ذلك.
* قوله: (وَفِيمَا يَرِدُ الجَوْفَ مِنْ غَيْرِ مَنْفَذِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مِثْلَ الحُقْنَةِ).
ومنفذ الطعام والشراب إنما هو الحلق، لكنْ هناك منافذ أُخرى لكنها ليست منافذ للطعام، فالأنف مثلًا: لو استنشقت ماء ودخل فإنه يصل إلى حلقك، لو قطرت في عينك تصل إلى حلقك، والأذن أيضًا.
إذن؛ هذه منافذ، لكنها ليست منافذ للطعام، فمن يقول بالتفريق بين المنافذ يقول: كل ما يصل إلى الحلق أو إلى الجوف من غير هذا المنفذ
стр. 3748
المعروف فلا تأثير له، ومن لا يفرق يقول: لا نرى فرقًا بينهما.
* قوله: (وَفِيمَا يَرِدُ الجَوْفَ مِنْ غَيْرِ مَنْفَذِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ).
كالحقنة فإنها قد تضرب في الوريد وفي العضل؛ هذه الحقنة قد تكون مغذية يستفيد منها الإنسان، وقد تكون غير مُغذِّية وإنما هي علاج.
* قوله: (وَفِيمَا يَرِدُ بَاطِنَ سَائِرِ الأَعْضَاءِ، وَلَا يَرِدُ الجَوْفَ مِثْلُ: أَنْ يَرِدَ الدِّمَاغَ، وَلَا يَرِدَ المَعِدَةَ).
كما لو أن هذا الشيء يتبخر فيصعد إلى الدماغ هل يفطر؟
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ هُوَ قِيَاسُ المُغَذِّي عَلَى غَيْرِ المُغَذِّي).
أنه قد يفتح للإنسان فتحة فيأتيه الطعام من طريق غير الحلق، فهذا وصل إلى الجوف.
وباختصار فيما يتعلَّق بالإبر أو التقطير في العين أو في الأذن أو في الأنف أو وصول ماء إلى الحلق غير مقصود: إذا نظرنا إلى علوم أدلة الشريعة وما بنيت عليه من أُسس ومن بينها هذه الأُصول التي قامت عليها نجد أنها مبنيَّةٌ على التيسير عملًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، فإذا أخذنا بظاهر هذه الآية؛ فنقول: إن مثل هذه الأشياء لا تأثير لها على الرأي الصحيح؛ لأنَّ أكثر العلماء يرون تأثيرها، لكنَّ هذه الحقنة إن كانت مغذية فالمعنى الموجود فيها موجود في الأكل والشرب؛ لأن الشراب مغذيك عن الجوع، والشراب إنما يمنع عنك العطش، فالصائم يعطش ويجوع، حتى وإن كان في مكان بارد لا بدَّ أن يحس بالعطش؛ لأنه سيخرج ويذهب هنا وهنا، وقد يكون في الشتاء فلا يحس بالعطش لكنه يحس بالجوع، فالشتاء ربما يحتاج الإنسان إلى الأكل فيه أكثر.
إذن الإنسان الذي يريد أن يحتاط لدينه ويتجنَّب هذه المواضع، ما
стр. 3749
لم تكن هناك حاجة أو ضرورة، فعليه ألا يضرب الإبر أو يقطر في أنفه أو في أذنه أو في حلقه أو يكتحل إلا في الليل، وبذلك يكون مستقرَّ النَّفس مطمئنَّ الفؤاد عاملًا بحديث: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك".
وعندما تنظر إلى مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة ومذهب المالكية ليس ببعيد عنهم تفصيلًا تجد أنهم يمنعون هذه الأشياء. وترى أن هؤلاء علماء ولهم مكانتهم ويعتمد عليهم، وتجد أنك واقعٌ في الحيرة؛ إذن لماذا تذهب فتقطر في عينك؟ نعم، إن كانت هناك حاجة ضرورة فالظاهر أن القطرة لا تأثير لها؛ لأنها ليست مغذِّية، ولو أن إنسانًا استنشق الماء متعمدًا عن طريق الأنف ليصل إلى حلقه ليبتلعه؛ هذا متعمد، لكن إنسان يتوضأ وهو صائم فتجاوز الماء فدخل إلى الحلق؛ هذا لا شيء عليه (١)؛ لأنه ما قصد ذلك، وقد يأكل وقد يشرب وقد يأكل حتى يتضلع شبعًا وربما يشرب حتى تمتلئ معدته من الماء وهو صائم ثم يتذكر قول الرسول ﷺ : "إنما أطعمه اللَّه وسقاه" (٢).
стр. 3750
ولو رأيت مسلمًا يشرب في نهار رمضان، فلا أقول: هذا نسي وأتركه؛ لأنني لو تركته فقد تركته على منكر، نعم هو معذور ولا مسؤولية عليه أمام اللَّه، لكنك أنت المشاهد له المطلع على ما يعمل فينبغي أن تنكر عليه هذا العمل، أولًا: لأنه شرب أو أكل في رمضان وهذا لا يجوز.
الأمر الآخر: أن هذا في ظاهره منكر؛ لأن الأكل والشرب في رمضان حتى من غير المسلمين لا يجوز وليس لهم أن يجاهروا وأن يظهروا أمام المسلمين الأكل والشرب لما يترتب على ذلك من الاستخفاف بالإسلام وبأهله (١).
وقد ذكرنا أن الإنسان لو قدر أنه رأى الهلال إما للإمساك أو للإفطار ولم يؤخذ برأيه فأفطر فإنه لا يظهر ذلك للناس، لما في ذلك من مخالفة الإمام، والرسول ﷺ قال: "الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس" (٢).
فالمخالفة ممنوعة، والشذوذ مردود ولا ينبغى له أن يخالف الجماعة، ولا يقول: إن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤]؛ لأنك تخالف هؤلاء إذا كانوا على ضلال وأنت على حق، أما أن تختلف معهم في مسألة والجماعة في جانب وأنت تشذ وترى أنك على الحق، لا، حتى وإن اعتقدت ذلك وأردت أن تحتاط لنفسك، لكن لا تجاهر في هذا الأمر.
إذن؛ في هذه القضية الأحوط للمسلم ألا يفعل ذلك، لكن لو أصيب إنسان بداء السكري، وبلغ الحد، هل يجوز للإنسان في هذا المقام أن يترك أخذ الإبرة؟ إن فعلها ولم يترتب عليه ضرر يفعل ذلك، لكنه قد