لأن الرسول ﷺ قال: "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا" (١).
وقد جدَّت أُمور: فقد يؤخذ من الإنسان دم ويضاف إليه دم وهو صائم، وهناك المصابون بمرض السكر ربما يتناولون بعض الإبر، هُناك إبر في الوريد وإبر تُضرب في العضل وغير ذلك مسائل كثيرة بعضها كانت معروفة وبعضها كانت غير معروفة.
هناك دواء يصعد إلى الدماغ ولا يذهب إلى الجوف، وهناك بعض الأدوية لا تذهب إلى المعدة لكنها نذهب إلى الرئتين كالبخَّاخ الذي يستعمله بعض الناس المصابون بمرض الربو، وهكذا.
هذه مسائل جدَّت، وسنتكلم عنها، ولعلَّ المؤلف سيذكر بعض الشيء في هذا المقام.
* قوله: (أَمَّا المَسْكُوتُ عَنْهَا إِحْدَاهَا: فِيمَا يَرِدُ الجَوْفَ مِمَّا لَيْسَ بِمُغَذٍّ).
وهذه قضية مهمة، هل هُناك فرق بين المغذي وبين غير المُغذِّي؟
الإبر بعضها مُغذِّي، وبعض الناس المرضى يضرب شيئًا من الإبر أو يوضع له مُغذِّي فيغذِّيه كأنه يأكل طعامًا أو شرابًا، وبعض الإبر لا يُغذِّي ولكنه قد يسكن الآلام، فهل لهذه أثر أو لا؟
دون أن ندخل في تفصيل مذاهبهم فكلامهم كثير جدًّا.
جمهور العلماء من حيث الجملة يرون: أنَّ كل ما وصل إلى الجوف فإنه يفطر سواء كان مُغذِّيًا أو غير مُغذٍّ حتى ما وصل إلى الدماغ، فلو أنَّ إنسانًا وضع دواءً في أذنه فصعد إلى دماغه، أو قطر في أنفه فنزل في حلقه، أو اكتحل فنزل الكحل إلى حلقه فأصبح يحس ذلك في حلقه،
стр. 3747
يرون أنَّ ذلك كلَّه يفطر، وكذلك لو تناول حقنةً من الحقن سواء كانت مُغذِّية أو غير مُغذِّية، فهي تفطر أيضًا، ومن بين هؤلاء من حيث الجُملة الأئمة الأربعة، وإن كان مذهب المالكية قد يكون أكثر المذاهب من حيث الجُملة تخفيفًا في هذه المسألة.
ومن العلماء: من فرَّق بين الحقن المُغذِّية وغير المُغذِّية (١)، وهذه تكلم عنها العلماء قديمًا، وكانت معروفة والطب كان معروفًا، بل من العلماء من عرف بالطب، فابن القيِّم كان يتكلَّم عن الطب كثيرًا في كتابه "الطب النبوي" الذي هو جزء من "زاد المعاد"، وعرض لذلك غيره كالسيوطي، وغير هذين من العلماء، لكن الطب عندما تطور ووصل إلى نتائج قيمة بسبب وجود أجهزة تقدم إلى غير ذلك.
* قوله: (وَفِيمَا يَرِدُ الجَوْفَ مِنْ غَيْرِ مَنْفَذِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مِثْلَ الحُقْنَةِ).
ومنفذ الطعام والشراب إنما هو الحلق، لكنْ هناك منافذ أُخرى لكنها ليست منافذ للطعام، فالأنف مثلًا: لو استنشقت ماء ودخل فإنه يصل إلى حلقك، لو قطرت في عينك تصل إلى حلقك، والأذن أيضًا.
إذن؛ هذه منافذ، لكنها ليست منافذ للطعام، فمن يقول بالتفريق بين المنافذ يقول: كل ما يصل إلى الحلق أو إلى الجوف من غير هذا المنفذ
стр. 3748
المعروف فلا تأثير له، ومن لا يفرق يقول: لا نرى فرقًا بينهما.
* قوله: (وَفِيمَا يَرِدُ الجَوْفَ مِنْ غَيْرِ مَنْفَذِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ).
كالحقنة فإنها قد تضرب في الوريد وفي العضل؛ هذه الحقنة قد تكون مغذية يستفيد منها الإنسان، وقد تكون غير مُغذِّية وإنما هي علاج.
* قوله: (وَفِيمَا يَرِدُ بَاطِنَ سَائِرِ الأَعْضَاءِ، وَلَا يَرِدُ الجَوْفَ مِثْلُ: أَنْ يَرِدَ الدِّمَاغَ، وَلَا يَرِدَ المَعِدَةَ).
كما لو أن هذا الشيء يتبخر فيصعد إلى الدماغ هل يفطر؟
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ هُوَ قِيَاسُ المُغَذِّي عَلَى غَيْرِ المُغَذِّي).
أنه قد يفتح للإنسان فتحة فيأتيه الطعام من طريق غير الحلق، فهذا وصل إلى الجوف.
وباختصار فيما يتعلَّق بالإبر أو التقطير في العين أو في الأذن أو في الأنف أو وصول ماء إلى الحلق غير مقصود: إذا نظرنا إلى علوم أدلة الشريعة وما بنيت عليه من أُسس ومن بينها هذه الأُصول التي قامت عليها نجد أنها مبنيَّةٌ على التيسير عملًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، فإذا أخذنا بظاهر هذه الآية؛ فنقول: إن مثل هذه الأشياء لا تأثير لها على الرأي الصحيح؛ لأنَّ أكثر العلماء يرون تأثيرها، لكنَّ هذه الحقنة إن كانت مغذية فالمعنى الموجود فيها موجود في الأكل والشرب؛ لأن الشراب مغذيك عن الجوع، والشراب إنما يمنع عنك العطش، فالصائم يعطش ويجوع، حتى وإن كان في مكان بارد لا بدَّ أن يحس بالعطش؛ لأنه سيخرج ويذهب هنا وهنا، وقد يكون في الشتاء فلا يحس بالعطش لكنه يحس بالجوع، فالشتاء ربما يحتاج الإنسان إلى الأكل فيه أكثر.
إذن الإنسان الذي يريد أن يحتاط لدينه ويتجنَّب هذه المواضع، ما
стр. 3749
لم تكن هناك حاجة أو ضرورة، فعليه ألا يضرب الإبر أو يقطر في أنفه أو في أذنه أو في حلقه أو يكتحل إلا في الليل، وبذلك يكون مستقرَّ النَّفس مطمئنَّ الفؤاد عاملًا بحديث: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك".
وعندما تنظر إلى مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة ومذهب المالكية ليس ببعيد عنهم تفصيلًا تجد أنهم يمنعون هذه الأشياء. وترى أن هؤلاء علماء ولهم مكانتهم ويعتمد عليهم، وتجد أنك واقعٌ في الحيرة؛ إذن لماذا تذهب فتقطر في عينك؟ نعم، إن كانت هناك حاجة ضرورة فالظاهر أن القطرة لا تأثير لها؛ لأنها ليست مغذِّية، ولو أن إنسانًا استنشق الماء متعمدًا عن طريق الأنف ليصل إلى حلقه ليبتلعه؛ هذا متعمد، لكن إنسان يتوضأ وهو صائم فتجاوز الماء فدخل إلى الحلق؛ هذا لا شيء عليه (١)؛ لأنه ما قصد ذلك، وقد يأكل وقد يشرب وقد يأكل حتى يتضلع شبعًا وربما يشرب حتى تمتلئ معدته من الماء وهو صائم ثم يتذكر قول الرسول ﷺ : "إنما أطعمه اللَّه وسقاه" (٢).
стр. 3750
ولو رأيت مسلمًا يشرب في نهار رمضان، فلا أقول: هذا نسي وأتركه؛ لأنني لو تركته فقد تركته على منكر، نعم هو معذور ولا مسؤولية عليه أمام اللَّه، لكنك أنت المشاهد له المطلع على ما يعمل فينبغي أن تنكر عليه هذا العمل، أولًا: لأنه شرب أو أكل في رمضان وهذا لا يجوز.
الأمر الآخر: أن هذا في ظاهره منكر؛ لأن الأكل والشرب في رمضان حتى من غير المسلمين لا يجوز وليس لهم أن يجاهروا وأن يظهروا أمام المسلمين الأكل والشرب لما يترتب على ذلك من الاستخفاف بالإسلام وبأهله (١).
وقد ذكرنا أن الإنسان لو قدر أنه رأى الهلال إما للإمساك أو للإفطار ولم يؤخذ برأيه فأفطر فإنه لا يظهر ذلك للناس، لما في ذلك من مخالفة الإمام، والرسول ﷺ قال: "الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس" (٢).
فالمخالفة ممنوعة، والشذوذ مردود ولا ينبغى له أن يخالف الجماعة، ولا يقول: إن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤]؛ لأنك تخالف هؤلاء إذا كانوا على ضلال وأنت على حق، أما أن تختلف معهم في مسألة والجماعة في جانب وأنت تشذ وترى أنك على الحق، لا، حتى وإن اعتقدت ذلك وأردت أن تحتاط لنفسك، لكن لا تجاهر في هذا الأمر.
إذن؛ في هذه القضية الأحوط للمسلم ألا يفعل ذلك، لكن لو أصيب إنسان بداء السكري، وبلغ الحد، هل يجوز للإنسان في هذا المقام أن يترك أخذ الإبرة؟ إن فعلها ولم يترتب عليه ضرر يفعل ذلك، لكنه قد
стр. 3751
يترتب عليه ضرر وهذا مصاب مطلقًا في كل حياته، والمريض إذا لحقته مضرة يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينًا، وكذلك الحامل والمرضع إذا خافتا على نفسيهما أفطرتا ولا شيء ثم قضتا ولا كفارة، لكن إن خافت على الجنين أو الطفل الذي ترضعه فإنها شي هذه الحالة على قول من أقوال العلماء تفطران وتقضيان وتطعمان عن كل يوم مسكينًا (١).
إذن شريعة اللَّه بنيت على التيسير على الناس، لكن ليس معنى هذا أن يأتي إنسان فيقول: هذه شريعة سمحة، هذه شريعة ميسرة، لماذا نتشدد واللَّه نهى عن التشدد في ذلك، فيتخذ ذلك وسيلة للتساهل في أموره. لا، إنما أنت في أُمور تضطر إليها فتفعلها، أُمور تجد فيها خلافًا فما تجد نفسك تطمئن إليه، إن كنت من أهل العلم وأهل الذكر فافعل.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ هُوَ: قِيَاسُ المُغَذِّي عَلَى غَيْرِ المُغَذِّي).
وربما بعض الناس يحاول أن يستفتي أحدًا ويحاول أن يقحم هذا المستفتى، فتجده يزين ويخفف الأمر. فإذا عرضت فتواك على شيخ من المشايخ أو أحد المفتين فتشدد له الأمر وتبين له ضرورتك وأنت غير مضطر، فيفتيك على ضوء ما قلت، لكن الآثم في الواقع هو أنت؛ لأنه أفتاك على نحو مما سمع، فينبغي لك أن تقول ذلك، ولذلك جاء في الحديث: "استفت نفسك وإن أفتوك وإن أفتوك" (٢).
стр. 3752
ولما اختلف العلماء في الدم الفاحش وغير الفاحش (١)، قال بعضهم في تفسيره: هو ما تراه في نفسك فاحشًا؛ إذن فالإنسان أعلم الناس بنفسه.
فهل هو بحاجة إلى هذه الحقنة أو لا؟ والأحوط لك أيها المسلم ألا تقدم على ذلك، فإن كانت هناك حاجة فافعل، وإلا فلا.
وهناك ضرورات، وهناك حاجات، وهناك كماليات؛ فالإنسان إذا اضطر إلى أمر من الأُمور، كأن تلحقه مشقة يجب عليه أن يفعل هذا الشيء.
ولذلك جاء في الحديث: "لا ضرر ولا ضرار" (٢)، "من ضار ضره اللَّه، لا ضرر ولا ضرار" (٣)؛ يعني: لا تضر أحدًا ولا ينبغي أن يضرك أحد ولا ينبغي أن تشارك في مضرة أحد (٤).
ووضع العلماء القاعدة: "الضرر يزال" (٥)، لكنَّ هذا الضرر أحيانًا قد يكون فيه ضرر مماثل لغيرك فلا يكون ذلك مبررًا لأن ترتكب الضرر،
стр. 3753
والضرر لا يزال بالضرر، لكن قد تأكل ميتة والميتة محرمة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣].
﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، لكنك مع ذلك إذا اضطررت تأكل الميتة؛ هذا تخفيف من اللَّه: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٨].
وقلت: إننا نجد أحيانًا أن اللَّه عندما يعرض لنا بعض الأحكام، يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]؛ فاللَّه تعالى عندما فرض هذه الأحكام لم يرد أن يشق علينا، ولم يرد أن يكلفنا ما لا نطيق، وإنما فرض علينا هذه العبادات، وأمرنا بأمور وألزمنا أن نفعلها، وأمرنا بأمور وخيرنا بأن نفعلها وألا نفعلها، ونهانا عن أُمور وحذرنا من أن نرتكب هذه المنهيات.
إذن هناك زواجر وهناك أوامر، فأمرنا بأمور وألزمنا بها، فيجب أن نقف عندها ولا نتركها ولا نتجاوزها، وحدَّ حدودًا وأمرنا بألا نرتكب هذه الحدود.
* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ الْمَنْطُوقَ بِهِ إِنَّمَا هُوَ الْمُغَذِّي، فَمَنْ رَأَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالصَّوْمِ عِبَادَةٌ غَيْرُ مَعْقُولٍ لَمْ يُلْحَقِ الْمُغَذِّيَ بِغَيْرِ الْمُغَذِّي، وَمَنْ رَأَى أَنَّهَا عِبَادَةٌ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ، وَأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا إِنَّمَا هُوَ الْإِمْسَاكُ فَقَطْ عَمَّا يَرِدُ الْجَوْفَ سَوَّى بَيْنَ الْمُغَذِّي وَغَيْرِ الْمُغَذِّي، وَتَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجِبُ الْإِمْسَاكُ عَمَّا يَصِلُ إِلَى الْحَلْقِ مِنْ أَيِّ الْمَنَافِذِ وَصَلَ، مُغَذِّيًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُغَذٍّ) (١).
стр. 3754
* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ الْمَنْطُوقَ بِهِ إِنَّمَا هُوَ الْمُغَذِّي): المنطوق به هو الأكل والشرب، فالأكل يُغذِّي البدن، والشرب يرفع الظمأ.
* قوله: (فمن رأى أن المقصود بالصوم معنى معقول. . .): كثيرًا ما يكرِّر المؤلف هذه العبارة (معقول المعنى وغير معقول المعنى) (١)، ذكرها في مسألة النية في باب الطهارة، وكذا ذكرها في الصلاة والصيام والحج، والمعنى: هل هي عبادة معقولة المعنى -أي: معلَّلة تعرف علتها-، أو أنها أمرٌ توقيفيٌّ لا نعرف علته.
* قوله: (وَأَمَّا مَا عَدَا الْمَأْكُولَ وَالْمَشْرُوبَ مِنَ الْمُفْطِرَاتِ فَكُلُّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ مَنْ قَبَّلَ فَأَمْنَى فَقَدْ أَفْطَرَ، وَإِنْ أَمْذَى فَلَمْ يُفْطِرْ إِلَّا مَالِكٌ) (٢).
بعدما فرغ المؤلِّف من ذكر ما هو مسكوتٌ عنه وهو غير المُغذِّي -إذ لم يُنص عليه- انتقل إلى ذكر ما جاء به النص منطوقًا كالقبلة والحجامة والقيء، أما القبلة فقد اتَّفق الفقهاءُ على أنَّ من قبَّل فترتَّب على قبلته إمناءٌ فإنه يبطلُ صومه، فهذا قدر متفق عليه بين أهل العلم (٣)، وذهب
стр. 3755
مالكٌ ﵀ إلى أنَّ الصوم يَفسد بخروج المذي (١) أيضًا، ويظهر من عبارة المؤلف أنَّ هذا من مفردات مذهب مالكٍ، والصحيحُ أنه مذهب أحمد (٢) أيضًا، ففي المشهور عنه أنَّ من قبَّل فأمنى أو باشر أو كرَّر النظر فترتَّب عليه المني أو المذي فإنَّه يفسد صومه، وفي روايةٍ عنه: التوقف (٣)، ولكنَّ الأول أشهر.
* قوله: (وَإِنْ أَمْذَى فَلَمْ يُفْطرْ إِلَّا مَالكٌ): الفاء في هذه العبارة تحتاج إلى حذف؛ لأنه وإن كانت (إنْ) الشرطية بعدها النفي فلا حاجة لها.
وقد لاحظت في بعض النسخ تخطئة المؤلِّف في هذا الموضع وأنه كان يجب عليه أن يقول: (إلا مالكًا).
стр. 3756
والصَّواب أنَّ المؤلِّف ﵀ لم يخطئ في ذلك، وأن ذلك جائزٌ، فله أن يقول: (إلا مالكٌ)، أو (إلا مالكًا)؛ لأنَّ هناك أمرين، يعني كل الفقهاء متفقون على أنَّ من قبل فأمنى فسد صومه؛ هذه واحدة.
فالرفع على استثناء مالكٍ من قوله: (كلهم)، والنصب على استثناء مالك من الثاني، كأن المؤلف يريد أن يقول: كل الفقهاء متفقون على أنَّ من قبل فأمنى يفسد صومه، أما منْ قبَّل فأمذى فلا يفسد صومه، أو لم يفسد -جاء بالنفي أيضًا- إلا مالكٌ، ويجوز: إلا مالكًا في هذه الحالة.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهَا (١)، وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهَا لِلشَّابِّ (٢)، وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ (٣)، فَمَنْ رَخَّصَ فِيهَا فَلِمَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ" (٤) وَمَنْ كَرِهَهَا فَلِمَا يَدْعُو إِلَيْهِ مِنَ الْوِقَاعِ، وَشَذَّ قَوْمٌ فَقَالُوا: الْقُبْلَةُ تُفْطِرُ (٥)، وَاحْتَجُّوا لِذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ سَعْدٍ قَالَتْ: "سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ فَقَالَ: "أَفْطَرَا جَمِيعًا" خَرَّجَ هَذَا الْأَثَرَ الطَّحَاوِيُّ وَلَكِنْ ضَعَّفَهُ (٦)) (٧).
стр. 3757
اختلف أهل العلم في القبلة للصائمِ على أقوالٍ:
١ - فمنهم من أجازها مطلقًا وهم الجمهور (١): وهو قول عمر بن الخطاب وأبي هريرة، وعبد اللَّه بن عباس، وعائشة، وحفصة، وغيرهم (٢) ﵃، وبه قال جماعة من التابعين، وهو المنصوص عليه من مذهب أحمد (٣)، وبه قال إسحاق بن راهويه (٤)، وهو مذهب أبي حنيفة (٥) من حيث الجملة.
وحجتهم حديث عائشة: (أنَّ الرسول ﷺ كان يُقبِّل وهو صائمٌ، وإنه
стр. 3758
لأملككم لإرْبه) (١)، وقرئت (لإرَبه): يعني: أملككم لحاجته (٢).
ولقصة الرجل الذي سأل رسول اللَّه ﷺ أو سئل عن رسول اللَّه، فأخبر بأنه يُقبِّل، فأعظم ذلك وقال: وأينا يملك إربه؟ فقال النبي ﷺ : "إني لأخشاكم وأتقاكم للَّه" (٣).
٢ - ومنهم من أجازها مع الكراهة: وبه قال الشافعي (٤) في حقِّ من يخشى على نفسه.
وعلة ذلك أنَّ الإنسان ضعيفٌ فلربما دفعه الشيطان إلى ما وراء ذلك.
٣ - ومنهم من منع منها: وهو مرويٌّ عن ابن عمر (٥) ﵄، ونقل عن سعيد بن المسيب (٦) أنه قال: "إن قبَّل فإنه يقضى يومه"، وحُكى قريبٌ منه عن عبد اللَّه بن مسعود (٧) ﵁.
стр. 3759
ولا شكَّ أنَّ هذا القول على خلاف ما مرَّ في الأحاديث الصحيحة، منْ أنّ النبي ﷺ قبَّل وهو صائمٌ، وأنه سئل عنها فأجازها.
وقوله هنا: "أفطرا جميعًا"، يعني المُقبِّل والمُقبَّل، لكنه أثرٌ ضعيفٌ (١)، خرجه الطحاوي وغيره (٢)، فلا يقوَى على معارضة الأحاديث الصحيحة الصريحة المتفق عليها في هذا المقام.
٤ - ومنهم من قال: إنها جائزةٌ للشيخ مكروهةٌ للشاب: وهو المحكي عن عبد اللَّه بن عباس (٣) ﵄.
وعلَّة هذا القول: أنَّ شهوة الشاب تتوقد فيخشى ألا يملك إرَبه فيقع في المحذور، أما الشيخ فقد مرت به السنون وضعفت شهوته فلا يُخشى عليه في هذا غالبًا.
وروي عن النبي ﷺ أنه سئل عن القبلة للشيخ فأجازها، ثم أتاه آخر فسأله فرخَّص له، ثم أتاه آخر فسأله فنهاه (٤).
قال: فوجدوا أنَّ الذي أذن له شيخٌ، وأنَّ الذي نهاه إنما هو شابٌّ، ولكن في سنده مقالٌ.
стр. 3760
٥ - ومنهم من قال: إنها سنةٌ: وبه قال أهل الظاهر (١)، واحتجُّوا على ذلك بفعل النبي ﷺ مع عائشة وأم سلمة ﵄ (٢).
ويلحق بهذه المسألة مسألتي المباشرة (٣)، وتكرار النظر (٤).
стр. 3761
وبهذا يظهر أنَّ قول المؤلف: (فَكُلُّهُمْ يَقُولُونَ. . .)، يقصد به عامَّة العلماء، لا أنه إجماعٌ، فتنبَّه.
* قوله: (وَأَمَّا مَا يَقَعُ مِنْ هَذِهِ مِنْ قِبَلِ الْغَلَبَةِ وَمِنْ قِبَلِ النِّسْيَانِ، فَالْكَلَامُ فِيهِ عِنْدَ الْكَلَامِ فِي الْمُفْطِرَاتِ وَأَحْكَامِهَا) (١).
قد يحصل من الإنسان تقبيلٌ، أو أمورٌ أُخرى، كأن ينزل ناسيًا، وكأنْ يأكل أو يشرب ناسيًا، أو أنْ يدخل إلى جوفه شيءٌ فهذا كله معفوٌّ عنه لعموم قول اللَّه تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ولقول النبي ﷺ : "إن اللَّه وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٢). وقال النبي ﷺ : "من أكل أو شرب ناسيًا فليتم صومه فإنما أطعمه اللَّه وسقاه" (٣)، لكن لو تذكَّر فعليه أن يقطع ذلك.
стр. 3762
* قوله: (وَأَمَّا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِمَّا هُوَ مَنْطُوقٌ بِهِ: فَالْحِجَامَةُ وَالْقَيْءُ).
قوله: (وأما ما اختلفوا فيه مما هو منطوق به)، المنطوق: هو الذي نطق به النص (١)؛ أي: الذي جاءت به الآية أو الحديث نصًّا لا مفهومًا، وأمَّا المفهوم: فهو الذي يُفهم (٢) من هذا النصِّ، وهذا المفهوم قد يكون موافقًا وقد يكون مخالفًا، وهذا الموافق قد يكون موافقًا مساويًا وقد يكون موافقًا أدنى، وقد يكون مفهوم مخالفة.
ومفهوم الموافقة (٣) حجةٌ عند الفقهاء والأصوليين (٤)، وأما مفهوم المخالفة (٥) فهو حجة عند الجمهور (٦)، إلا عند أبي حنيفة وبعض المتكلمين (٧)، ويفرِّقون بين أجزائه، فليست كلُّ أجزاء مفهوم المخالفة حجة.
إِنَّهَا غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ وَلَا مُفْطِرَةٍ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ (١)
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: تَعَارُضُ الْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثَانِ؛ أَحَدُهُمَا: مَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ ثَوْبَانَ (٢)، وَمِنْ طَرِيقِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ (٣) أَنَّهُ ﵊ قَالَ: "أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ"، وَحَدِيثُ ثَوْبَانَ هَذَا كَانَ يُصَحِّحُهُ أَحْمَدُ (٤)، وَالْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ" وَحَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ هَذَا صَحِيحٌ) (٥).
الحجامة: هي أخذ شيءٍ من الدم (٦)، وهي من الطب المعروف عند العرب في زمن النبي ﷺ وقبله، ولا تزال إلى يوم النَّاس هذا.
فما حكم خروج الدم من الصائم أثناء صومه، وهل يفرق ببن ما يفعله الإنسان عمدًا وبين ما يخرج من غير قصد، وهل هناك فرقٌ بين القليل والكثير؟
стр. 3765
والجواب: لو خرج من الإنسان دمٌ من غير قصدٍ كأنْ يكون رعافًا (١)، أو عن طريق جرحٍ فإنه لا يفسد صومه.
كذلك لو أخذ منه دمٌ قليلٌ كالذي يؤخذ منه للتحليل، فإنه لا تأثير له، لكن إن أخذت منه كميةٌ كبيرةٌ لتُنقل إلى غيره، فهذه لا شكَّ أنها تفسد الصيام؛ لأنه قام به عمدًا.
القاعدة العامَّة: ما قلَّ فلا أثر له، وما كثر فلا يخلو: إما أن يفعله الإنسان متعمدًا، فهذا يؤثر على صيامه، وإما أن يكون بغير عمدٍ فهذا لا أثر له.
مذاهب العلماء في الحجامة:
القول الأول: إنها تفطر، وبه قال أحمد (٢)، والأوزاعي (٣)، وإسحاق (٤)، ونقل كذلك عن بعض السلف، واحتجوا على ذلك بما يلي:
أولًا: قول النبي ﷺ : "أفطر الحاجم والمحجوم" (٥).
ثانيًا: ما نقل عن بعض السلف أنه كان يترك الاحتجام إلى الليل، ومن أولئك عبد اللَّه بن عمر (٦) ﵄، وأجاب أصحاب القول الثاني عن ذلك بأنه نقل عن بعض السلف أنه كان يحتجم، وأما فعل ابن عمر وغيره فهذا من باب الاحتياط والتورُّع.
القول الثاني: أنها مكروهةٌ، وبه قال الجمهور؛ مالك (٧)،
стр. 3766
والشافعي (١)، والثوري (٢)، واحتجوا بما رواه البخاري عن ابن عباس ﵁: (احتجم رسول اللَّه ﷺ وهو صائمٌ) (٣)، وفي رواية: (وهو محرمٌ) (٤) ووجه الدلالة من هذه الرواية أنه كان صائمًا محرمًا، لكنَّ الظاهرَ أنه لم يكن صائمًا فلا حجة في هذه الرواية.
القول الثالث: أنها غير مكروهةٍ ولا مفطرة، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه (٥).
هكذا ذكر المؤلِّف ثلاثة أقوال، والحقيقة أنَّ الأقوال في هذه المسألة ترجع إلى قولين:
الأول: إنَّ الحجامة لا تفسد الصيام، والثاني: إنها تفسده.
* قوله: (فَذَهَبَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: مَذْهَبُ التَّرْجِيحِ.
وَالثَّانِي: مَذْهَبُ الْجَمْعِ.
وَالثَّالِثُ: مَذْهَبُ الْإِسْقَاطِ عِنْدَ التَّعَارُضِ وَالرُّجُوعِ إِلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ (٦) إِذَا لَمْ يَعْلَمِ النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخِ، فَمَنْ ذَهَبَ مَذهَبَ التَّرْجِيحِ قَالَ بِحَدِيثِ ثَوْبَانَ وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا مُوجِبٌ حُكْمًا وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَافِعُهُ وَالْمُوجِبُ مُرَجَّحٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الرَّافِعِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ إِذَا ثَبَتَ
стр. 3767
بِطَرِيقٍ يُوجِبُ الْعَمَلَ لَمْ يَرْتَفِعْ إِلَّا بِطَرِيقٍ يُوجِبُ الْعَمَلَ بِرَفْعِهِ، وَحَدِيثُ ثَوْبَانَ قَدْ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ).
الترجيحُ هنا من حيث الدلالة لا من حيث السند والصحة، إذ لو كان الترجيح من حيث السَّند والصحة لقدمنا حديث ابن عباس، لكنَّ الترجيح هنا من حيث الدلالة، لأنَّ حديث ثوبان ناقلٌ عن البراءة الأصلية، بخلاف حديث ابن عباسٍ فإنه باقٍ على الأصل.
* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا مُوجِبٌ حُكْمًا): أي: أقرَّ حكمًا من الأحكام، ألا وهو إفطار المحتجم، فنقل عن الأصل، وجاء بحكم جديدٍ نقل إليه، والنقل فيه إثبات حكمٍ، إذًا الحجامة تُبطل الصيام.
قوله: (وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَافِعُهُ): أي: رافعٌ لهذا الحكم، فيكون المحتجمُ كغيره.
أولًا: الموجب مرجحٌ عند كثيرٍ من العلماء على الرافع؛ لأنه جاء بزيادة حكمٍ، فوجب العمل بحديث ثوبان ما دام أنه قد صح ونقل إلى حكم جديد.
ثانيًا: أنَّ حديث ثوبان من قبيل القول، وحديث ابن عباسٍ من قبيل العمل، والقول في الجملة أقوى من العمل.
ثالثًا: أنَّ العمل بحديث ثوبان أبرأُ للمسلم وأحوطُ له، وقد قال النَّبي ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (١).
رابعًا: أنَّ العمل بحديث ثوبان هو المأثورُ عن بعض السَّلف.
* قوله: (وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا، وَذَلِكَ شَكٌّ، وَالشَّكُّ لَا يُوجِبُ عَمَلًا وَلَا يَرْفَعُ الْعِلْمَ الْمُوجِبَ لِلْعَمَلِ، وَهَذَا عَلَى طَرِيقَةِ مَنْ لَا يَرَى الشَّكَّ مُؤَثِّرًا فِي الْعِلْمِ، وَمَنْ
стр. 3768
رَامَ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا حَمَلَ حَدِيثَ النَّهْي عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَحَدِيثَ الِاحْتِجَامِ عَلَى رَفْعِ الْحَظْرِ، وَمَنْ أَسْقَطَهُمَا لِلتَّعَارُضِ قَالَ بِإِبَاحَةِ الِاحْتِجَامِ لِلصَّائِمِ).
اعلم أنه لا يمكن أن يجيز النَّبي ﷺ الحجامة ويمنعها من جانب آخر، كما أنه لا يمكن أن يُقال: إنَّ هذا أمرٌ خاصٌّ بالنبَّي ﷺ ، فهذا يحتاج إلى دليلٍ.
كذلك أيضًا القول بالنَّسخ، وكون أحد الحديثين: ناسخًا، والآخر: منسوخًا، فهذا يحتاج إلى معرفة المتقدم من المتأخر، وهذا لا يُعرف إلا بالتاريخ، وكل ذلك غير واردٍ.
كذلك يبعد حمل النهي في هذه المسألة على الكراهية؛ لدلالة قول النبي ﷺ : "أفطر الحاجم والمحجوم" (١)، على فساد الصوم، فليست القضية قضيةَ كراهة، بل هما قولان متقابلان، يفطر المحتجم، لا يفطر.
وأما قضية الإسقاط، فلا يمكنُ أن تَسقُط أحاديثُ صحيحةٌ ثابتةٌ عن رسول اللَّه ﷺ لمجرد أنَّه قد بدا التعارض بينها.
* قوله: (وَأَمَّا الْقَيْءُ: فَإِنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ (٢) عَلَى أَنَّ مَنْ ذَرَعَهُ (٣) الْقَيْءُ فَلَيْسَ بِمُفْطِرٍ، إِلَّا رَبِيعَةَ (٤) فَإِنَّهُ قَالَ: مُفْطِرٌ، وَجُمْهُورُهُمْ (٥) أَيْضًا
стр. 3769
عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَقَاءَ فَقَاءَ فَإِنَّهُ مُفْطِرٌ إِلَّا طَاوُسًا) (١).
القيء: هو هذا الذي يخرج من المعدة، وله حالتان:
الحالة الأولى: أنْ يغلب الإنسان فيخرج منه من غير إرادته.
الحالة الثانية: أنْ يتعمَّد إخراجه، كأن يحسَّ رعشةً في نفسه أو اضطرابًا ونحو ذلك فيتعمد القيء، وقد لا يجد شيئًا من ذلك فيدخل إصبعه في حلقه ليقيء. وفرقٌ بين الحالتين؛ لقول النبي ﷺ : "من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء" (٢)، ومعنى: ذرعه (٣)
стр. 3770
القيء أي: غلبه فلم يستطع رده، ومعنى استقاء (١) أي: تعمَّد أن يخرجَ القيءَ من داخل بدنه إلى خارج فمه.
كذلك لو ذرعه القيءُ ثم ردَّه إلى معدته، فإنه يفسد صومه؛ لأنه تعمَّد رده.
وجمهور الفقهاء على أنَّ من ذرعه القيء فليس بمفطرٍ، إلا ربيعة شيخ مالك فإنه قال بفطره، ونُقل ذلك أيضًا عن قلةٍ من أهل العلم.
وأما من استقاء فجمهور الفقهاء على أنه مفطرٌ بذلك إلا ما جاء عن طاوس ﵀.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مَا يُتَوَهَّمُ مِنَ التَّعَارُضِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَاخْتِلَافُهُمْ أَيْضًا فِي تَصْحِيحِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثَانِ؛ أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاءَ فَأَفطَرَ، قَالَ مَعْدَانُ: فَلَقِيتُ ثَوْبَانَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ حَدَّثَنِي "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاءَ فَأَفْطَرَ، قَالَ: صَدَقَ أَنَا صَبَبْتُ لَهُ وَضُوءَهُ". وَحَدِيثُ ثَوْبَانَ هَذَا صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (٢)، وَالْآخَرُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ (٣)، وَأَبُو دَاوُدَ (٤) أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ: "مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ" (٥)، وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ (٦) فَمَنْ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ
стр. 3771
الْأَثَرَانِ كِلَاهُمَا قَالَ: لَيْسَ فِيهِ فِطْرٌ أَصْلًا، وَمَنْ أَخَذَ بِظَاهِرِ حَدِيثِ ثَوْبَانَ وَرَجَّحَهُ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْجَبَ الْفِطْرَ مِنَ الْقَيْءِ بِإِطْلَاقٍ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ يَسْتَقِيءَ أَوْ لَا يَسْتَقِيءَ، وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَقَالَ: حَدِيثُ ثَوْبَانَ مُجْمَلٌ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مُفَسَّرٌ، وَالْوَاجِبُ حَمْلُ الْمُجْمَلِ عَلَى الْمُفَسَّرِ فَرَّقَ بَيْنَ الْقَيْءِ وَالِاسْتِقَاءِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ).
أما حديث ثوبان -الذي رواه الترمذي وغيره (١) - ففيه أنه ﷺ قاء فأفطر، وهذا فيه شيءٌ من الإجمال فهل تعمد القيء أو خرج منه القيء دون تعمد؟ إذًا؛ هذا الحديث فيه شيءٌ من الإجمال.
وأما حديث أبي هريرة -الذي رواه أحمد (٢) وأبو داود (٣) والترمذي (٤)، وغيرهم (٥) - فقد جاء برواياتٍ متعددةٍ، لكن أشهرها: "من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء" (٦)، واختلف العلماء فيه صحةً وضعفًا (٧).
ولا شكَّ أنه حديث يجمع بين الحكمين، قوله: (ذرعه) يعني: غلبه، ولا يفطر بذلك؛ لِأَنَّ هذا شيءٌ خارج عن إرادته، فهو أشبه بالناسي، وأما (من استقاء)؛ أي: تعمد ذلك، فإنه يفطر.
وهذا هو القول الذي تلتقي عنده الأدلة، وهو قول جماهير العلماء -كما ذكر المؤلِّف- وهو القول الصحيحُ، ولا يُلتفت إلى غيره.
стр. 3772
* قوله: (وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ) (١)، يعني: روي مرفوعًا وموقوفًا.
* قوله:
(الرُّكنُ الثَّالِثُ وَهُوَ النِّيَّةُ
وَالنَّظَرُ فِي النِّيَّةِ فِي مَوَاضِعَ: مِنْهَا: هَلْ هِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ أَمْ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ؟ وَإِنْ كانَتْ شَرْطًا فَمَا الَّذِي يُجْزِئُ مِنْ تَعْيِينِهَا؟ وَهَلْ يَجبُ تَجْدِيدُهَا في كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ رَمَضَانَ أَمْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ النِّيَّةُ الْوَاقِعَةُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ؟ وَإِذَا أَوْقَعَهَا الْمُكَلَّفُ فَأَيُّ وَقْتٍ إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ صَحَّ الصَّوْمُ؟ وَإِذَا لَمْ تَقَعْ فِيهِ بَطَلَ الصَّوْمُ؟ وَهَلْ رَفْضُ النِّيَّةِ يُوجِبُ الْفِطْرَ وَإِنْ لَمْ يُفْطِرْ؟ وَكُلُّ هَذِهِ الْمَطَالِبِ قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا).
اعلم أنَّ النية شرطٌ في صحة العبادة؛ لأن اللَّه أمر بالإخلاص فيها، والإخلاصُ محله القلب؛ لأنَّ الإخلاص عمل القلب وعمل القلب هو النية.
وقد ساق المؤلِّف المطالبَ والمسائلَ التي تتعلَّق بالنية مجملةً قبل أنْ يشرع في التَّفصيل.
* قوله: (هل هي شرطٌ في صحة هذه العبادة أم ليست بشرطٍ؟. . .): يعني: إذا كانت شرطًا فهل لها وقتٌ محددٌ أو لا؟ وهل لو نوى الصوم عند دخول شهر رمضان يكفيه ذلك أو لا بدَّ من تجديدها؟ وهل يشترط أنْ يبيِّتها من الليل أو أنه يكفي أن تصحب طلوع الفجر كالشأن في الصلاة مثلًا إذ تصحب النية العبادة؟ وهل لا بدَّ في النية أنْ تسبق وقت الإمساك؟ (٢)
стр. 3773
وهل هناك فرق في النيَّة بين صيام الفرض وبين صيام النفل (١)؟ وهل هناك فرقٌ في النية بين صيام رمضان وبين غيره من الواجبات كالنذر مثلًا؟ (٢).
стр. 3774
وهل رفض النية -أي: تغييرها والعدول عنها أثناء الصوم- يؤثر في الصوم، أم لا بدَّ في النية من استمرارها؟ نعم قد يغفل الإنسان لكن مجرد الغفلة لا تؤثِّر، كما بينَّا ذلك في مباحث الصلاة.
* قوله: (أَمَّا كَوْنُ النِّيَّةِ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصِّيَامِ: فَإِنَّهُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ (١)، وَشَذَّ زُفَرُ (٢)، فَقَالَ: لَا يَحْتَاجُ رَمَضَانُ إِلَى نِّيَّةٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي يُدْرِكُهُ صِيَامُ رَمَضَانَ مَرِيضًا أَوْ مُسَافِرًا فَيُرِيدُ الصَّوْمَ).
стр. 3775
ذهب الجمهور -ومنهم الأئمة الأربعة-: إلى أنَّ النية شرطٌ في صحة الصيام، وإن كان حصل خلافٌ من بعضهم فيما يتعلَّق ببعض التفاصيل، لكنهم متفقون من حيث الجملة على أنَّ النية شرطٌ في صحة الصيام.
وشذَّ زفر -من الحنفية- فقال: لا يحتاج رمضان إلى نيةٍ، وهو قولُ عطاء ومجاهد (١) من التابعين، وعلَّلوا ذلك بأنَّ شهر رمضان ظرفٌ لهذه العبادة فلا يمكن أن يشركه غيره فيه، لكن لو كان قضاءً فلا بدَّ من تعيينه، وكذلك إذا كان الإنسان مسافرًا أو مريضًا فلا بدَّ من تعيين نيَّة الصيام؛ لأنَّ المسافر والمريض يباح لهما الفطر وإن كان عليهما القضاء لقول اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤].
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: الِاحْتِمَالُ الْمُتَطَرِّقُ إِلَى الصَّوْمِ؛ هَلْ هُوَ عِبَادَةٌ مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى أَوْ غَيْرُ مَعْقُولَةِ الْمَعْنَى (٢)؟ فَمَنْ رَأَى أَنَّهَا غَيْرُ مَعْقُولَةِ الْمَعْنَى أَوْجَبَ النِّيَّةَ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهَا مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى قَالَ: قَدْ حَصَلَ الْمَعْنَى إِذَا صَامَ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ، لَكِنَّ تَخْصِيصَ زُفَرَ رَمَضانَ بِذَلِكَ مِنْ بَيْنِ أَنْوَاعِ الصَّوْمِ فِيهِ ضَعْفٌ وَكَأَنَّهُ لَمَّا رَأَى أَنَّ أَيَّامَ رَمَضَانَ لَا يَجُوزُ فِيهَا الْفِطْرُ، رَأَى أَنَّ كُلَّ صَوْمٍ يَقَعُ فِيهَا يَنْقَلِبُ صَوْمًا شَرْعِيًّا، وَأَنَّ هَذَا شَيْءٌ يَخُصُّ هَذِهِ الْأَيَامَ).
стр. 3776
لا شكَّ أن الصيام عبادةٌ، ولكن اختلف العلماء في كونها عبادة معقولة المعنى قصد بها الإمساك عن الأكل والشرب والجماع وما يلحق بذلك من المفطرات، أو هي عبادةٌ غير معقولة المعنى -أي: غير معللةٍ- ينبغي أن نسلم لها في هذا المقام ولا نبحث عن كنهها وحقيقتها.
فمن رأى أنها عبادةٌ غير معقولة المعنى أوجب النية، ومن رأى أنها عبادة معقولة المعنى قال: قد حصل المعنى إذا صام وإن لم ينوِ.
قوله: (لَكِنَّ تَخْصِيصَ زُفَرَ رَمَضَانَ بِذَلِكَ مِنْ بَيْنِ أَنْوَاعِ الصَّوْمِ فِيهِ ضَعْفٌ) اعتراضٌ من المؤلِّف ﵀ على ما ذهب إليه زفر.
والصومُ من حيث الجُملة ينقسم إلى واجبٍ وإلى غير واجبٍ، والواجب منه ما هو فرض -أي: ركن- وهو صيام شهر رمضان، ومنه ما يكون قضاءً لرمضان فتستمرُّ ركنيتُه، والفرق بين القسمين أنَّ الصوم في رمضان صيامٌ في ظرفٍ محددٍ وهو شهر رمضان، والقضاء فهو لما فات منه لعذرٍ فيجب أنْ يُقضى.
واختلف العلماء في مسألة اشتراط التَّتابع في صيامه (١)، والصحيح
стр. 3777
أنه لا يشترط التتابع (١)، وإنما على المسلم أيضًا أن يبادر إلى ذلك فلربما أدركته المنية (٢) فمات وذمته مشغولةٌ بهذا الواجب.
كذلك أيضًا قد يكون الواجبُ صيامَ نذرٍ، وهذا يحتاج أيضًا إلى تعيين النية. وهذا ما أراد أنْ يُشير إليه المؤلِّف.
* قوله: (وَكَأَنَّهُ لَمَّا رَأَى أَنَّ أَيَّامَ رَمَضَانَ لَا يَجُوزُ فِيهَا الْفِطْرُ، رَأَى أَنَّ كُلَّ صَوْمٍ يَقَعُ فِيهَا يَنْقَلِبُ صَوْمًا شَرْعِيًّا): هذا إذا كان لغير سبب، أما إنْ وجد سببٌ يُبيح الفطر فإنه يفطر ويقضي، وكذلك إذا كان الإنسانُ عاجزًا عجزًا مطلقًا كأن يكون مريضًا مرضًا مزمنًا فإنه يفطر وتلزمه الكفارة.
قوله: (. . . وَأَنَّ هَذَا شَيْءٌ يَخُصُّ هَذِهِ الْأَيَّامَ)، يعني: أنَّ أيَّ صومٍ يقع في رمضان فإنه ينقلب صومًا شرعيًّا، وهذه فرعٌ عن مسألةٍ مهمَّةٍ سيتعرض لها المؤلف قريبًا إن شاء اللَّه.
* قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي تَعْيِينِ النِّيَّةِ الْمُجْزِيَةِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ مَالِكًا (٣)
يُفَرِّقْ صَاحِبَاهُ بَيْنَ الْمُسَافِرِ وَالْحَاضِرِ وَقَالَا: كُلُّ صَوْمٍ نُوِيَ فِي رَمَضَانَ انْقَلَبَ إِلَى رَمَضَانَ).
* قوله: (إن اعتقد مطلق الصوم أجزأه. . .)؛ لأنه سينصرف إلى هذا الشهر، إذ لا يجوز أن يؤدَّى فيه صومٌ غيرَ صوم رمضان.
وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ المسافر له أنْ يُفطر، وإن كان الصيام في حقِّه أفضل (١)، لكنه غير متعينٍ في حقِّه فله أنْ يصوم غير أيام رمضان، هذا معنى قول المؤلف: (فَإِنَّهُ إِذَا نَوَى الْمُسَافِرُ عِنْدَهُ فِي رَمَضَانَ صِيَامَ غَيْرِ رَمَضَانَ كَانَ مَا نَوَى).
* قوله: (وجوبًا معيَّنًا) هذا قيدٌ لا بدَّ منه؛ لأنَّ الصوم واجبٌ عليه، لكنه غير معيَّنٍ في هذا الوقت الذي هو فيه مسافرٌ، لكن لو كان حاضرًا لكان واجبًا معيَّنًا عليه.
* قوله: (وَلَمْ يُفَرِّقْ صَاحِبَاهُ)، إذا أطلق الصاحبان فالمراد بهما أبو يوسف ومحمد (٢) رحمهما اللَّه، وقد خالفا أبا حنيفة في هذه المسألة ووافقا جماهير العلماء في أنَّ كل صومٍ نُوي في رمضان انقلب إلى رمضان، كذلك لو أنَّ إنسانًا أحرَم تطوعًا انقلب إلى الفرض. إذا؟ لم يكن قد حجَّ حجَّ الفريضة.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلِ الْكَافِي فِي تَعْيِينِ النِّيَّةِ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ هُوَ تَعْيِينُ جِنْسِ الْعِبَادَةِ أَوْ تَعْيِينُ شَخْصِهَا؟ وَذَلِكَ أَنَّ كِلَا الْأَمْرَيْنِ
стр. 3780
مَوْجُودٌ فِي الشَّرْعِ، مِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّ النِّيَّةَ فِي الْوُضُوءِ يَكْفِي مِنْهَا اعْتِقَادُ رَفْعِ الْحَدَثِ لِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ مِنَ الْعِبَادَةِ الَّتِي الْوُضُوءُ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا وَلَيْسَ يَخْتَصُّ عِبَادَةً عِبَادَةً بِوُضُوءٍ وُضُوءٍ. وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ تَعْيِينِ شَخْص الْعِبَادَةَ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ الصَّلَاةِ إِنْ عَصْرًا فَعَصْرًا، وَإِنْ ظُهْرًا فَظُهْرًا، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ) (١).
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلِ الْكَافِي فِي تَعْيِينِ النِّيَّةِ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ هُوَ تَعْيِينُ جِنْسِ الْعِبَادَةِ أَوْ تَعْيِينُ شَخْصِهَا؟)، الجنس والشخص بمعنى متقارب، لكنَّ المؤلف أتى بالعبارتين ليفرِّق بينهما كما لو قال الجنسُ والنَّوعُ للتَّفريق بينهما، فجعل الجنس عامًّا يشمل أنواعًا، وجعل الشَّخصَ المقصود به شيئًا واحدًا هنا.
مثال: الصلاة: فهي أجناسٌ، تتنوَّع إلى صلاةٍ واجبةٍ وصلاة غير واجبةٍ، وتلك الواجبات تتنوع أيضًا إلى صلاة الظهر، وصلاة العصر، وصلاة المغرب، وصلاة العشاء، وصلاة الفجر، فهل لا بدَّ من تعيين النِّية لكل صلاةٍ أو تكفي نيةُ لمجردِّ الصلاة (٢)؟ وكذلك الشأنُ في
стр. 3781
الصَّيام (١) والحجِّ (٢).
* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ كِلَا الْأَمْرَيْنِ مَوْجُودٌ فِي الشَّرْعِ)؛ أي: في أحكامه، ومن ذلك (أَنَّ النِّيَّةَ فِي الْوُضُوءِ يَكْفِي مِنْهَا اعْتِقَادُ رَفْعِ الْحَدَثِ. . .) هذا هو الجنس الذي أشار إليه المؤلِّف، فلو أنَّ إنسانًا ذهب ليتوضأ أو يغتسل، فهل تكفي نية رفع الحدث، بمعنى أنه يتطهر، أو لا بدَّ أنْ ينوي جنس العبادة فيتوضأ للصلاة أو للطَّواف أو لمسِ المصحف، وهكذا، والصَّحيح الأول، وهذا من يُسر هذه الشريعة.
قوله: (وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ تَعْيِينِ شَخْص الْعِبَادَةَ. . .) ذلك أنَّ الصلاة تشمل أنواعًا عدَّة في أوقاتٍ مختلفةٍ فكان لا بدَّ من تعيين شخص العبادة -أي: نوعها- هذا مراد المؤلِّف.
قوله: (وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ)، إشارة إلى أنَّ في المسألة خلافًا.
стр. 3782
* قوله: (فَتَرَدَّدَ الصَّوْمُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ بَيْنَ هَذَيْنِ الْجِنْسَيْنِ فَمَنْ أَلْحَقَهُ بِالْجِنْسِ الْوَاحِدِ قَالَ: يَكْفِي فِي ذَلِكَ اعْتِقَادُ الصَّوْمِ فَقَطْ، وَمَنْ أَلْحَقَهُ بِالْجِنْسِ الثَّانِي اشْتَرَطَ تَعْيِينَ الصَّوْمِ).
مرادُ المؤلِّف بالجنسين؛ الجنس الأوَّل: هو ما مثَّل له بالطهارة، والثاني: وهو ما مثَّل له بالصلاة، وعبَّر عنه بـ (الشخص)، فالمؤلف إنَّما ذكر جنسًا وشخصًا ليميِّز بينهما، وإلا لو قلنا: هذا جنسٌ تدخل تحته أجناسٌ، وهذا جنسٌ واحدٌ أو متعيِّنٌ، أو قلنا: هذا جنسٌ وهذا نوعٌ، لصحَّت العبارةُ واستقامَ الكلام أيضًا.
* قوله: (وَاخْتِلَافُهُمْ أَيْضًا فِي إِذَا نَوَى فِي أَيَّامِ رَمَضَانَ صَوْمًا آخَرَ هَلْ يَنْقَلِبُ أَوْ لا يَنْقَلِبُ؟ سَبَبُهُ أَيْضًا: أَنَّ مِنَ الْعِبَادَةِ عِنْدَهُمْ مَنْ يَنْقَلِبُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي تُوقَعُ فِيهِ مُخْتَصٌّ بِالْعِبَادَةِ الَّتِي تَنْقَلِبُ إِلَيْهِ، وَمِنْهَا مَا لَيْسَ يَنْقَلِبُ، أَمَّا الَّتِي لَا تَنْقَلِبُ فَأَكْثَرُهَا، وَأَمَّا الَّتِي تَنْقَلِبُ بِاتِّفَاقٍ فَالْحَجُّ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِذَا ابْتَدَأَ الْحَجَّ تَطَوُّعًا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ انْقَلَبَ التَّطَوُّعُ إِلَى الفَرْضِ، وَلَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا، فَمَنْ شَبَّهَ الصَّوْمَ بِالْحَجِّ قَالَ: يَنْقَلِبُ، وَمَنْ شَبَّهَهُ بِغَيْرِهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ قَالَ: لَا يَنْقَلِبُ).
انتقل المؤلِّف إلى مسألةٍ أُخرى وهو إذا نوى إنسانٌ أن يصوم في رمضان صيام نذرٍ أو تطوعٍ، فهل يصحُّ هذا الصوم الذي أدخله في رمضان أو لا يصحُّ؟ وإذا قلنا: لا يصحُّ، فهل ينقلب إلى رمضان أو أنه يفسد أيضًا عليه صيام ذلك اليوم الذي نواه من غير رمضان؟
وجماهير العلماء على أنه ينقلب إلى صوم رمضان (١)، كالشأن في
стр. 3783
الحج فلو أنَّ إنسانًا لم يؤدِّ فريضة الحجِّ فأحرم تطوعًا، فإنه ينقلب على الصحيح؛ لأنَّ تغيير النية في الحجِّ جائزٌ مطلقًا، ودليل ذلك حديث عائشة ﵂: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ عام حجة الوداع، فمنَّا من أهلَّ بعمرةٍ ومنَّا من أهل بحجةٍ وعمرةٍ، ومنَّا من أهلَّ بالحجِّ، وأهلَّ رسول اللَّه ﷺ بالحج (١).
وفي بعض الروايات: أنَّ رسول اللَّه أهلَّ بالحجِّ، فلما وصلوا إلى مكة أمر رسول اللَّه ﷺ من أحرم بالحجِّ أو بالحجِّ والعمرة دون أن يسوق
стр. 3784
الهدي أن يتحلَّلوا وأن يجعلوها عمرةً (١). فهذا دليلٌ على انقلابه.
مثالٌ آخر: حجَّ الصبيُّ، فالصبي الذي لم يبلغ لا يجب عليه الحجُّ، وهو في حقه سنة وفضيلةٌ، لكنْ إذا أحرم بالحجِّ تطوعًا، ثم بلغ في عرفات مثلًا فإنه ينتقل من التطوع إلى الواجب، وهذا جائزٌ (٢).
كذلك الحال بالنسبة للمجنون إذا صحبه وليُّه إلى الحجِّ ثم زال جنونُه، أو كان مغمًى عليه فزال إغماؤه أيضًا.
وهناك من العبادات ما لا ينقلب أصلًا كالصَّلاة، فمن دخل في