← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

الصَّيام (١) والحجِّ (٢). * قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ كِلَا الْأَمْرَيْنِ مَوْجُودٌ فِي الشَّرْعِ)؛ أي: في أحكامه، ومن ذلك (أَنَّ النِّيَّةَ فِي الْوُضُوءِ يَكْفِي مِنْهَا اعْتِقَادُ رَفْعِ الْحَدَثِ. . .) هذا هو الجنس الذي أشار إليه المؤلِّف، فلو أنَّ إنسانًا ذهب ليتوضأ أو يغتسل، فهل تكفي نية رفع الحدث، بمعنى أنه يتطهر، أو لا بدَّ أنْ ينوي جنس العبادة فيتوضأ للصلاة أو للطَّواف أو لمسِ المصحف، وهكذا، والصَّحيح الأول، وهذا من يُسر هذه الشريعة. قوله: (وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ تَعْيِينِ شَخْص الْعِبَادَةَ. . .) ذلك أنَّ الصلاة تشمل أنواعًا عدَّة في أوقاتٍ مختلفةٍ فكان لا بدَّ من تعيين شخص العبادة -أي: نوعها- هذا مراد المؤلِّف. قوله: (وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ)، إشارة إلى أنَّ في المسألة خلافًا.

стр. 3782

* قوله: (فَتَرَدَّدَ الصَّوْمُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ بَيْنَ هَذَيْنِ الْجِنْسَيْنِ فَمَنْ أَلْحَقَهُ بِالْجِنْسِ الْوَاحِدِ قَالَ: يَكْفِي فِي ذَلِكَ اعْتِقَادُ الصَّوْمِ فَقَطْ، وَمَنْ أَلْحَقَهُ بِالْجِنْسِ الثَّانِي اشْتَرَطَ تَعْيِينَ الصَّوْمِ). مرادُ المؤلِّف بالجنسين؛ الجنس الأوَّل: هو ما مثَّل له بالطهارة، والثاني: وهو ما مثَّل له بالصلاة، وعبَّر عنه بـ (الشخص)، فالمؤلف إنَّما ذكر جنسًا وشخصًا ليميِّز بينهما، وإلا لو قلنا: هذا جنسٌ تدخل تحته أجناسٌ، وهذا جنسٌ واحدٌ أو متعيِّنٌ، أو قلنا: هذا جنسٌ وهذا نوعٌ، لصحَّت العبارةُ واستقامَ الكلام أيضًا. * قوله: (وَاخْتِلَافُهُمْ أَيْضًا فِي إِذَا نَوَى فِي أَيَّامِ رَمَضَانَ صَوْمًا آخَرَ هَلْ يَنْقَلِبُ أَوْ لا يَنْقَلِبُ؟ سَبَبُهُ أَيْضًا: أَنَّ مِنَ الْعِبَادَةِ عِنْدَهُمْ مَنْ يَنْقَلِبُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي تُوقَعُ فِيهِ مُخْتَصٌّ بِالْعِبَادَةِ الَّتِي تَنْقَلِبُ إِلَيْهِ، وَمِنْهَا مَا لَيْسَ يَنْقَلِبُ، أَمَّا الَّتِي لَا تَنْقَلِبُ فَأَكْثَرُهَا، وَأَمَّا الَّتِي تَنْقَلِبُ بِاتِّفَاقٍ فَالْحَجُّ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِذَا ابْتَدَأَ الْحَجَّ تَطَوُّعًا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ انْقَلَبَ التَّطَوُّعُ إِلَى الفَرْضِ، وَلَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا، فَمَنْ شَبَّهَ الصَّوْمَ بِالْحَجِّ قَالَ: يَنْقَلِبُ، وَمَنْ شَبَّهَهُ بِغَيْرِهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ قَالَ: لَا يَنْقَلِبُ). انتقل المؤلِّف إلى مسألةٍ أُخرى وهو إذا نوى إنسانٌ أن يصوم في رمضان صيام نذرٍ أو تطوعٍ، فهل يصحُّ هذا الصوم الذي أدخله في رمضان أو لا يصحُّ؟ وإذا قلنا: لا يصحُّ، فهل ينقلب إلى رمضان أو أنه يفسد أيضًا عليه صيام ذلك اليوم الذي نواه من غير رمضان؟ وجماهير العلماء على أنه ينقلب إلى صوم رمضان (١)، كالشأن في

стр. 3783

الحج فلو أنَّ إنسانًا لم يؤدِّ فريضة الحجِّ فأحرم تطوعًا، فإنه ينقلب على الصحيح؛ لأنَّ تغيير النية في الحجِّ جائزٌ مطلقًا، ودليل ذلك حديث عائشة ﵂: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ عام حجة الوداع، فمنَّا من أهلَّ بعمرةٍ ومنَّا من أهل بحجةٍ وعمرةٍ، ومنَّا من أهلَّ بالحجِّ، وأهلَّ رسول اللَّه ﷺ بالحج (١). وفي بعض الروايات: أنَّ رسول اللَّه أهلَّ بالحجِّ، فلما وصلوا إلى مكة أمر رسول اللَّه ﷺ من أحرم بالحجِّ أو بالحجِّ والعمرة دون أن يسوق

стр. 3784

الهدي أن يتحلَّلوا وأن يجعلوها عمرةً (١). فهذا دليلٌ على انقلابه. مثالٌ آخر: حجَّ الصبيُّ، فالصبي الذي لم يبلغ لا يجب عليه الحجُّ، وهو في حقه سنة وفضيلةٌ، لكنْ إذا أحرم بالحجِّ تطوعًا، ثم بلغ في عرفات مثلًا فإنه ينتقل من التطوع إلى الواجب، وهذا جائزٌ (٢). كذلك الحال بالنسبة للمجنون إذا صحبه وليُّه إلى الحجِّ ثم زال جنونُه، أو كان مغمًى عليه فزال إغماؤه أيضًا. وهناك من العبادات ما لا ينقلب أصلًا كالصَّلاة، فمن دخل في

стр. 3785

صلاةٍ تطوعًا فليس له أن يقلبها إلى فرضٍ، وكذلك العكسُ. * قوله: (فَمَنْ شَبَّهَ الصَّوْمَ بِالْحَجِّ قَالَ: يَنْقَلِبُ، وَمَنْ شَبَّهَهُ بِغَيْرِهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ قَالَ: لَا يَنْقَلِبُ)، الصيام يختلف عن الحج؛ لأنَّ الصيام عبادةٌ بدنيةٌ، أمَّا الحج فقد جمع بين العبادة البدنيَّة والعبادة المالية. * قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي وَقْتِ النِّيَّةِ: فَإِنَّ مَالِكًا (١) رَأَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الصِّيَامُ إِلَّا بِنْيَّةٍ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَذَلِكَ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الصَّوْمِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢): تُجْزِئُ النِّيَّةُ بَعْدَ الْفَجْرِ فِي النَّافِلَةِ وَلَا تُجْزِئُ فِي الْفُرُوضِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣): تُجْزِئُ النِّيَّةُ بَعْدَ الْفَجْرِ فِي الصِّيَامِ الْمُتَعَلِّقِ وُجُوبُهُ

стр. 3786

بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ مِثْلِ رَمَضَانَ وَنَذْرِ أَيَّامٍ مَحْدُودَةٍ وَكَذَلِكَ فِي النَّافِلَةِ، وَلَا يُجْزِئُ فِي الْوَاجِبِ فِي الذِّمَّةِ). اختلف أهلُ العلم في مسألة وقت النيَّة على ثلاثةِ أقوالٍ: القول الأول: أنه لا يجزئ الصيام إلا بنيةٍ قبل الفجر وذلك في جميع أنواع الصوم، وبه قال مالكٌ (١) ﵀. القول الثاني: أنه يجب تبييت النية قبل الفجر في صوم الفريضة خلافًا لصوم النفل، وبه قال الشافعيُّ، وأحمدُ (٢). القول الثالث: أنه يجب تبييتُ النيَّة في الصوم الواجب في الذمة، دون ما تعلَّق وجوبه بوقتٍ معينٍ مثل رمضان والنافلة ونذر أيامٍ محدَّدةٍ، وبه قال أبو حنيفة. ومراده ﵀ بالواجب في الذمة: صوم الكفارات، أو قضاء الفطر من أيام رمضان. * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: تَعَارُضُ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ أَمَّا الْآثَارُ الْمُتَعَارِضَةُ فِي ذَلِكَ؛ فَأَحَدُهَا: مَا خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ (٣) عَنْ حَفْصَةَ

стр. 3787

أَنَّهُ قَالَ ﵊: "مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَلَا صِيَامَ لَهُ". وَرَوَاهُ مَالِكٌ مَوْقُوفًا (١)، قال أبو عمر: حديث حفصة في إسناده اضطراب). يعبِّر المؤلِّف ﵀ عن الأحاديث بالآثار، وهذا مصطلحٌ جائزٌ؛ لأنَّ (الأثر) (٢) يطلق على الحديث المرفوع للنبي ﷺ ، ويطلق على ما كان موقوفًا على الصحابيِّ، لكنْ اصطلح العلماءُ على أنَّ المرفوع يُسمَّى حديثًا، والموقوف يُسمَّى أثرًا (٣). فتنبَّه. * قوله: (والسبب في اختلافهم. . .) هذا شروعٌ من المؤلِّف ﵀ في بيان سبب اختلاف الفقهاء في هذه المسألة، وهو تعارضُ الآثار الواردة في ذلك. وأولها: حديثُ حفصة عن النبي ﷺ أنه قال: "من لم يبيِّت الصيام من الَّليل فلا صيام له" (٤).

стр. 3788

وعزاه المؤلف ﵀ إلى البخاريِّ، فيتبادر إلى الذهن من صنيع المؤلف أنه خرَّجه في كتابه "الصحيح"، وليس كذلك وإنما خرَّجه البخاري في "التاريخ الأوسط" الذي طبع خطأَ باسم "التاريخ الصغير"، ومعلومٌ أنَّ المؤلِّف ﵀ إنما ينقل عن كتاب "الاستذكار"، وكتاب "التمهيد" لابن عبد البرِّ وقد نصَّ ابن عبد البر على هذا التخريج، فإما أنَّ المؤلف لم ينتبه لذلك أو أنه حصل سقطٌ في الكتاب، فلا ينبغي أنْ يُقطعَ بأنَّ هذا خطأ من المؤلِّف، فقد يحصل في الكتب تحريفٌ أو تصحيفٌ أو سقطٌ، وهذا ويتبين ذلك كثيرًا بالرجوع إلى المخطوطات. وللحديث متابعاتٌ وشواهدُ يتقوَّى بها، فهو حديثٌ صحيحٌ صالحٌ للاحتجاج به، وأنها تلك الرواية التي أشار إليها المؤلِّف. قوله: (من لم يبيِّت (١)): أي: لا بدَّ من النية، وجاء في روايةٍ أُخرى: "من لم يجمِّع (٢) " (٣)؛ أي: من لم يجمِّع "الصيام قبل الفجر فلا صيام له". * قوله: (وَالثَّانِي: مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْء؟ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ، قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ") (٤).

стр. 3789

وفي روايةٍ أُخرى في غير الصَّحيحِ أنَّ النَّبي ﷺ سأل يومًا آخر: "هل عندكم من شيءٍ؟ "، فقالت: حيس (١). والحيس (٢): طعامٌ يخلط من تمرٍ وسمنٍ وأقطٍ، أو من تمرٍ وسمنٍ ودقيقٍ، وكان من أحسن أطعمة ذاك الزمان. أدبيَّاتٌ: وفي هذا الحديث بيانُ المنهج الذي كان يسلكه رسول اللَّه ﷺ مع أهل بيته، فما كان يرفع صوته وإنما يسأل بلطف ورقةٍ: "هل عندكم من شيءٍ؟ "، ومعلوم كيف كانت الحال التي يعيشها رسول اللَّه ﷺ ، وأصحابه ﵃ من القلِّة، لكن ذلك لم يكن ليصرفهم ولم يقلِّل من طاعة اللَّه ، بل كانوا متفرِّغين لطاعة اللَّه، يؤدُّون ما ينبغي عليهم من أُمور هذه الحياة، عملًا بقول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧]. وفيه أيضًا: زهد النبي ﷺ قال: "هل عندكم من شيءٍ؟ "؛ أي: يؤكل، ولو كانت حباتٍ من رطبٍ أو قطعةٍ من خبزٍ أو أي نوعٍ من أنواع الطعام، فلما لم يجد شيئًا، قال: "إني صائمٌ". فالواجب التأسي بالنَّبي ﷺ في مثل تلك الأحوال، فإنَّ من النَّاس من إذا دخل بيته فلم يجد الطعام قد هيئ، أو تأخر عنه لحظاتٍ ربما رفع صوته أو تجاوز الحدَّ مع أهل بيته، فيحسن بنا أن نتتبَّع سيرة رسول اللَّه ﷺ ، في معاملته مع الناس عامةً ومع أهل بيته خاصةً. * قوله: (وَلِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الْيَوْمُ هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ

стр. 3790

وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْنَا صِيَامُهُ وَأَنَا صَائِمٌ فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ" (١)). (معاوية)، هو ابن أبي سفيان أمير المؤمنين ﵁، وليَ الخلافة وعُرف عامٌ مبايعته بعام الجماعة (٢)؛ لأنَّ المسلمين أجمعوا عليه في ذلك الوقت. قوله: (كتب عليكم صيامه)؛ أي: فرضه، فالكتب يأتي بمعنى الفرض والإيجاب، كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، في الحديث المتفق عليه (٣) أن رسول اللَّه ﷺ قال: "خمسُ صلواتٍ كتبهنَّ اللَّه على العباد في اليوم والليلة، من حافظ عليهنَّ كان له عهدٌ عند اللَّه أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهنَّ لم يكن له عهدٌ عند اللَّه أنْ يدخله الجنة؛ إن شاء عذَّبه وإن شاء غفر له" (٤).

стр. 3791

وحديث معاوية ﵁ إنما يتعلَّق بصيام يوم عاشوراء، ولكن المؤلِّف ﵀ أورده هنا ليجعله في مقابل القول الأوَّلِ. * قوله: (فَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ أَخَذَ بِحَدِيثِ حَفْصَةَ، وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الْجَمْعِ فَرَّقَ بَيْنَ النَّفْلِ وَالْفَرْضِ -أَعْنِي: حَمَلَ حَدِيثَ حَفْصَةَ عَلَى الْفَرْضِ، وَحَدِيثَ عَائِشَةَ وَمُعَاوِيَةَ عَلَى النَّفْلِ-). حديث حفصة: "من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له" (١). قوله: (وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الْجَمْعِ فَرَّقَ بَيْنَ النَّفْلِ وَالْفَرْضِ)، وهذا أمثلُ الأقوال وأرجحها في نظري للجمع بين الأدلَّة، فحملوا حديث حفصة على الفرض، وحملوا بقيَّة الأحاديث على النفل، وبذلك تلتقي الأدلَّة، وهو قولٌ بإذن اللَّه صائبٌ، وهو أيضًا قول راجحٌ في نظرنا. * قوله: (وَإِنَّمَا فَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ الْوَاجِبِ الْمُعَيَّنِ وَالْوَاجِبِ فِي الذِّمَّةِ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْمُعَيَّنَ لَهُ وَقْتٌ مَخْصُوصٌ يَقُومُ مَقَامَ النِّيَّةِ فِي التَّعْيِينِ، وَالَّذِي فِي الذِّمَّةِ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مَخْصُوصٌ، فَأَوْجَبَ إِذَن التَّعْيِينَ بِالنِّيَّةَ). (الواجب المعين) كشهر رمضان، أو كنذر أيامٍ محدَّدةٍ معروفةٍ، (وغير المعين) كأن يكون على الإنسان كفارة صيام، والكفارة يشترط فيها التَّتابع، أو نذرٌ مطلقٌ، (والواجب الذي في الذمَّة)، كأن يكون على الإنسان جُزءٌ من رمضان، فهذا في ذمة الإنسان يجب عليه أنْ يصومه قضاءً، لكن ليس له وقتٌ محددٌ. يعني: لو أنَّ إنسانًا أفطر عشرة أيامٍ من رمضان، فإنه لا يلزمه وجوبًا على القول الصَّحيح أنْ يقضيها في شوال، ولا أنْ يقضيها

стр. 3792

متتابعًا، إذًا هنا شيءٌ في الذَّمة لكنه ليس وقته محددًا معيَّنًا كشهر رمضان. * قوله: (وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (١) عَلَى أَنَّهُ لَيْسَتِ الطَّهَارَةُ مِنَ الْجَنَابَةِ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّوْمِ؛ لِمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجَيِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُمَا قَالَتَا: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ يَصُومُ" (٢)، وَمِنَ الْحُجَّةِ لَهُمَا الْإِجْمَاعُ (٣) عَلَى أَنَّ الاحْتِلَامَ بِالنَّهَارِ لَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ، وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَعُرْوَةَ بْنِ

стр. 3793

الزُّبَيْرِ وَطَاوُسٍ أَنَّهُ إِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ أَفْسَدَ صَوْمَهُ) (١). انتقل المؤلِّف إلى مسألةٍ جديدةٍ دون أن يُعنون لها، وهي ما لو جامع فأدركه الفجر وهو على جنابةٍ، فهل يصحُّ صومه أو لا؟ قد اختلف العلماء في هذه المسألة: والصحيح أنَّ صومه صحيحٌ؛ لأنَّ رسول اللَّه ﷺ فعل ذلك كما في حديثي عائشة وحفصة المتفق عليهما. * قوله: (ومن الحُجة. . .)؛ أي: للقائلين بأنَّ من أصبح جنبًا فصيامه صحيحٌ -وهم الجمهور- أنَّ الإنسان يحتلمُ في نهار رمضان، ومع ذلك يصحُّ صيامُه. وذهب إبراهيم وعروة وطاوس إلى من جامع بليلٍ وأمكنه أن يغتسل، لكنه تكاسل وأخَّر ذلك حتى أدركه الفجر، فإنه يفسد صومه، وهو قول شاذٌّ كما سيشير إليه المؤلِّف، والصَّواب ما ذهب إليه الجمهور، وإن كان أولى بالمرء أنْ يغتسل ويتهيَّأ، ولكن لا يحكم بفساد صومه، وقد فعله رسول اللَّه ﷺ وهو غير خاصٍّ به. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فِي رَمَضَانَ أَفْطَرَ"، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَنَا قُلْتُهُ، مُحَمَّدٌ ﷺ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ. وَذَهَبَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنَّ الْحَائِضَ إِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ فَأَخَّرَتِ الْغُسْلَ أَنَّ يَوْمَهَا يَوْمُ فِطْرٍ (٢)، وَأَقَاوِيلُ هَؤُلَاءِ شَاذَّةٌ وَمَرْدُودَةٌ بِالسُّنَنِ الْمَشْهُورَةِ الثَّابِتَةِ).

стр. 3794

أمَّا حديث أبي هريرة ﵁ فهو متفقٌ عليه، دون الزيادة التي فيها: "مَا أَنَا قُلْتُهُ، مُحَمَّدٌ ﷺ وَرَبِّ الكَعْبَةِ" فهي عند أحمد (١) وابن ماجه (٢). وللحديث قصةٌ خرَّجها البخاريُّ (٣)، ومسلمٌ (٤)، ومالكٌ في الموطَّأ (٥) وغيرهم (٦)، عن أبي بكر ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَ مَرْوَانَ، أَنَّ عَائِشَةَ، وَأُمَّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتَاهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ "يُدْرِكُهُ الفَجْرُ وَهوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ، وَيَصُومُ"، وَقَالَ مَرْوَانُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ: أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَتُقَرِّعَنَّ بِهَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَمَرْوَانُ، يَوْمَئِذٍ عَلَى المَدِينَةِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَكَرِهَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، ثُمَّ قُدِّرَ لَنَا أَنْ نَجْتَمِعَ بِذِي الحُلَيْفَةِ، وَكَانَتْ لِأَبِي هُرَيْرَةَ هُنَالِكَ أَرْضٌ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنِّي ذَاكِرٌ لَكَ أَمْرًا وَلَوْلَا مَرْوَانُ أَقْسَمَ عَلَيَّ فِيهِ لَمْ أَذْكُرْهُ لَكَ، فَذَكَرَ قَوْلَ عَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ؛ فَقَالَ: كَذَلِكَ حَدَّثَنِي الفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ وَهُنَّ أَعْلَمُ وَقَالَ هَمَّامٌ، وَابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُ بِالفِطْرِ "وَالأَوَّلُ أَسْنَدُ". إذًا؛ أبو هريرة روى هذا عن الفضل بن عباسٍ ابن عمِّ رسول اللَّه ﷺ ، وقد أجاب العلماءُ عن حديث أبي هريرة بأجوبةٍ، منها:

стр. 3795

أولًا: أنَّ حديث أبي هريرة منسوخٌ؛ إذ كان في أولِّ الأمر لا يجوز أن ينام الإنسان ثم يقوم فيجامع إلى الفجر، ثم نسخ ذلك، كما في مسألة الطعام والشراب (١). ثانيًا: حمل حديث أبي هريرة على من أدركه الفجر وهو يجامع فلم ينزل، فإنَّ واجبه أن ينزع، كما لو كان يأكل اللقمة أو يشرب الشربة فإنه يلزمه التوقُّف، لكن هذا واصلَ فأدركه الفجر وهو على حاله، فيحمل حديث أبي هريرة عليه (٢). لكن لا شكَّ أنَّ حجة الجمهور أوضحُ، وأنَّ أبا هريرة ﵁ كان يفتي بالفطر ثم عدل عن ذلك لمَّا بلغه حديثا عائشة وحفصة ﵄. وهذا هو القولُ الصحيحُ؛ فإنَّ تلك الشريعة بُنيت على اليسر والتخفيف وعلى مراعاة مصالح الناس، وهذا القول هو الذي يلتقي مع روحها ولبِّها.

стр. 3796

ثم ذكر المؤلِّف قول ابن الماجشون في الحائض إذا طهرت قبل الفجر فأخَّرت الغسل أنَّ يومها يوم فطر، ثم حكَم على كل هذه الأقاويل بأنها شاذةٌ ضعيفةٌ، وما ذهب إليه المؤلف هو الصَّحيح في نظري. يقصد به أقاويل الذين قالوا: يُصبح مفطرًا أيضًا، يعني: لا يصح صومه، وقد صدق المؤلِّف في نظري في هذا، فهي أقوالٌ شاذَّةٌ وضعيفةٌ. [الْقِسْمُ الثَّانِي مِنَ الصَّوْم الْمَفْرُوضِ وَهوَ الْكَلَامُ فِي الْفِطْرِ وَأَحْكَامِهِ] قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: (وَالْمُفْطِرُونَ فِي الشَّرْعِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: صِنْفٌ يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ وَالصَّوْمُ بِإِجْمَاعٍ، وَصِنْفٌ يَجِبُ عَلَيْهِ الْفِطْرُ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَصِنْفٌ لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ تَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ: أَمَّا الَّذِينَ يَجُوزُ لَهُمُ الْأَمْرَانِ: فَالْمَرِيضُ بِاتِّفَاقٍ، وَالْمُسَافِرُ بِاخْتِلَافٍ وَالْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ، وَهَذَا التَّقْسِيمُ كُلُّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ). أما الذي يجوز له الفطر والصوم إجماعًا فهو المريض، لقول اللَّه تعالى: (﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾) [البقرة: ١٨٥]. وأما الذي لا يجوز له الفطر فهو الإنسان الصَّحيح المقيمُ. وأما الذي فيه خلافٌ فهو المسافر -كما سيأتي- فمن أهل العلم من يرى أنه لا يجوز للمسافر أنْ يفطر (١)، وإن كان قولًا ضعيفًا، كما سيشير إليه المؤلِّف. كذلك الحامل والمرضع، إذا لحقهما ضررٌ، فالمرضع قد تخشى على

стр. 3797

نفسها (١)، أو على ولدها (٢) كأنْ يجفَّ ضرعها أو يقلَّ لبنها فيتأثَّر الطفل بصومها، فيجوز لها في هذه الحالة أن تفطر.

стр. 3798

وهذا التقسيم الذي ذكره المؤلف مجمعٌ عليه، لكن ليس كل ما ذُكر هنا من الأحكام مجمعٌ عليه. * قوله: (فَأَمَّا الْمُسَافِرُ فَالنَّظَرُ فِيهِ فِي مَوَاضِعَ، مِنْهَا: هَلْ إِنْ صَامَ أَجْزَأَهُ صَوْمُهُ أَمْ لَيْسَ يُجْزِيهِ؟).

стр. 3799

شرع المؤلِّف في بيان أحكام صوم المسافر، وقد رخص للمسافر في أحكامٍ كثيرةٍ -في الطهارة والصَّلاة والصَّوم وغيرها- وذلك أنَّ السفر مظنَّةُ المشقة، فقد تلحقه تلك المشقَّة في بدنه أو في نفسه، فخفَّف عنه لأجل ذلك. * قوله: (هل إنْ صام أجزأه صومه أم ليس يجزئه؟): الصَّحيح في هذه المسألة أنه يجزئه، ومن أهل العلم من يرى أنَّ الصيام في السفر أفضل (١)، وهناك من يخير بين الأمرين (٢)، وهناك من يرى أنَّ الفطر

стр. 3800

أفضل (١)، وهناك من يرى أنَّ من صام في السفر فعليه القضاء، وقد نقل عن عبد الرحمن بن عوفٍ الصحابي الجليل أحد المبشرين بالجنة أنه قال: "الصائم في السفر كالمفطر في الحضر" (٢)، فسوَّى بينهما، ونقل عن عمر بن الخطاب (٣)، وعن عبد اللَّه بن عمر، وعن أبي هريرة، وعن عبد اللَّه بن عباس ﵃ أنَّ من صام في السفر يقضيه في الحضر (٤). لكن هذا على خلاف ما جاء في الأحاديث الصَّحيحة عن رسول اللَّه ﷺ ، فنقف عند ما صحَّ عن رسول اللَّه ﷺ ، ولا نقدِّم عليه كلام غيره ولو كان قول صحابيٍّ، وأما ما جاء من خلاف الصحابة للحديث الصحيح فإنه محمولٌ على أنَّ الصحابيَّ ربما لم يبلغه الخبر عن النَّبي ﷺ أو أنَّ هذا هو ما فهمه من النَّص، إلى غير ذلك من التأويلات التي ذكرها أهل العلم. * قوله: (وَهَلْ إِنْ كَانَ يُجْزِي الْمُسَافِرَ صَوْمُهُ الْأَفْضَلُ لَهُ الصَّوْمُ أَمِ

стр. 3801

الْفِطْرُ أَوْ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا؟ وَهَلِ الْفِطْرُ الْجَائِزُ لَهُ هُوَ فِي سَفَرٍ مَحْدُودٍ أَمْ فِي كُلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ السَّفَرِ فِي وَضْعِ اللُّغَةِ؟ وَمَتَّى يُفْطِرُ؟ وَمَتَى يُمْسِكُ؟ وَهَلْ إِذَا مَرَّ بَعْضُ الشَّهْرِ لَهُ أَنْ يُنْشِئَ السَّفَرَ أَمْ لَا؟ ثُمَّ إِذَا أَفْطَرَ مَا حُكْمُهُ؟). اختلف العلماء في حد السفر الذي يجوز فيه الفطر: فذهب الجمهور إلى أنه لا بدَّ من قطع مسافة القصر التي مرَّ ذكرها في الصلاة وهي أربعة بردٍ (١)، وذهب الحنفية إلى أنها ثلاثة أيامٍ (٢)، وذهب الظاهرية إلى أنه يجوز له الفطر إذا تجاوز بيوت بلدته ولو كان ميلًا واحدًا (٣).

стр. 3802

وبقيت مسألةٌ مهمةٌ (١) لم يعرض لها المؤلِّف تتعلَّق بأنواع المسافرين؛ لأنَّ المسافر قد يكون سفره قربةً وطاعةً للَّه كالمسافر المجاهد في سبيل اللَّه، أو كالذي يسافر للحجِّ، وكذلك من يسافرُ لنشر الدعوة إلى اللَّه على بيِّنةٍ وبصيرةٍ، ومن يسافر ليصل رحمًا، أو لنجدةِ إخوانه المسلمين، أو من يسافر في طلب العلم النافع، ونحو ذلك. وقد يكون السفر مباحًا كمن يسافر للتَّجارة، والضرب في الأرض طلبًا للرزق، أو من يسافر لأجل النزهة، أو لأجل الصيد. وقد يكون السفر لمعصيةٍ، كمن يسافر ليسرق أو ليعتدي أو ليقطع طريق، إلى غير ذلك. فهذه أنواعٌ ثلاثةٌ ولكل منها حكمٌ كما مرَّ بنا في صلاة المسافر.

стр. 3803

* قوله: (وَأَمَّا الْمَرِيضُ فَالنَّظَرُ فِيهِ أَيْضًا فِي تَحْدِيدِ الْمَرَضِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ فِيهِ الْفِطْرُ وَفِي حُكْمِ الْفِطْرِ. أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: وَهِيَ إِنْ صَامَ الْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ هَلْ يُجْزِيهِ صَوْمُهُ عَنْ فَرْضِهِ أَمْ لَا؟ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (١) إِلَى أَنَّهُ إِنْ صَامَ وَقَعَ صِيَامُهُ وَأَجْزَأَهُ، وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ (٢) إِلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ وَأَنَّ فَرْضَهُ هُوَ أَيَّامٌ أُخَرُ. وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: تَرَدُّدُ قَوْلِهِ -تَعَالَى-: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] بَيْنَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَلَا يَكُونُ هُنَالِكَ مَحْذُوفٌ أَصْلًا، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى الْمَجَازِ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَأَفْطَرَهُ فَعِدَّة مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، وَهَذَا الْحَذْفُ فِي الْكَلَامِ هُوَ الَّذِي يَعْرِفُهُ أَهْلُ صِنَاعَةِ الْكَلَامِ بِلَحْنِ الْخِطَابِ). سبق أنَّ اللَّه رخَّص للمريض وللمسافر في الفطر، فهل إذا صام المريض في مرضه والمسافرُ في سفره يجزئه صومه أو لا؟ ذهب الجمهور (٣) -ومنهم الأئمة الأربعة وغيرهم- إلى أنه إن صام فإنه يجزئه، وذهب أهل الظاهر (٤) إلى أنه لا يجزئه وأنَّ فرضه هو أيام أُخر. ويستدلون لمذهبهم: أولًا: بما نُقل عن عمر، وأبي هريرة،

стр. 3804

وعبد اللَّه بن عمر، وابن عباس، وعبد الرحمن بن عوف (١) بأنَّ من صام في السفر قضاه في الحضر، وسبق أنَّ عبد الرحمن بن عوف ﵁ شبه الصائم في السفر بالمفطر في الحضر (٢). -أي: إذا كان بدون عذر-. هذا أولًا. وثانيًا: أخذًا بظاهر قول اللَّه تعالى: (﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]) والمعنى أن المسافر لا يصوم وعليه القضاء. وقد عبَّر المؤلف عن ذلك بقوله: (أو يحمل على المجاز). وقد اختلف العلماء في مسألة المجاز إلى ثلاثة أقوال: ١ - القول بجوازه مطلقًا (٣). ٢ - أن لا يجوز مطلقًا (٤). ٣ - أنه يجوز في اللُّغة دون القرآن (٥).

стр. 3805

وما في هذه الآية وأمثالها إنما يطلق عليه إيجاز ولا يُسمَّى مجازًا، وهذا أُسلوب موجودٌ في لغة العرب، والقرآن إنما نزل بلغة العرب. وأجاب الجمهور: بأنَّ في الآية محذوفًا مُقدَّرًا، والمعنى: (فأفطر فعدةٌ من أيامٍ أُخر). ولا شكَّ أنَّ الأَولى أنْ يُقالَ: إن ذلك إيجازٌ بالحذف، وهذا أُسلوب معروفٌ في القرآن وفي لغة العرب، ومنه قوله تعالى: (﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ﴾ [يوسف: ٨٢])، والمراد: سؤال أهل القرية. وهذا أفضل من أن يُقال إنَّ في الآية مجازًا، والمجاز خلاف الحقيقة والقرآن كل ألفاظه حقيقة، ولذا تورَّع كثيرٌ من العلماء عن القول بأنَّ في القرآن مجازًا، وأنه لا يجوز ذلك، والذي ينبغي للمسلم أن يتجنب مثل ذلك، وأن يسلك المسالك التي تباعد بينه وبين أن يقع في مثل هذه الأُمور. ثم إنَّ السُّنة إنما جاءت بيانًا لكتاب اللَّه ، وتوضيحًا لمجمله، ورفعًا لما قد يرد فيه من إبهام، قد يتبادر إلى أذهان البعض، كما قال تعالى: (﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾) [النحل: ٤٤].

стр. 3806

* قوله: (وَهَذَا الْحَذْفُ فِي الْكَلَامِ هُوَ الَّذِي يَعْرِفُهُ أَهْلُ صِنَاعَةِ الْكَلَامِ بِلَحْنِ الْخِطَابِ). مباحث أصولية: أولًا: ينقسم الأصوليون في طرائقهم إلى قسمين: الأوَّل: ما يُعرف بطريقة الفقهاء، وهم الحنفية (١)، حيث خلطوا بين القواعد الفقهية والقواعد الأصولية، وأدخلوا فيها جملةً من أُصول الفقه. والثاني: ما يعرف بطريقة المتكلمين وهم الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة (٢). ثانيًا: دلالاتُ الألفاظ، ومنها ما يعرف بدلالة النص عند الحنفية وبعبر عنه الجمهور بالمفهوم، وينقسم المفهوم إلى قسمين: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفةٍ. أما هو مفهوم الموافقة: فهو ما يعرف عند الحنفية بدلالة النصِّ (٣)، وهو الذي عبَّر عنه المؤلِّف بـ "فحوى الخطاب".

стр. 3807

وينقسم مفهوم الموافقة إلى قسمين: مفهوم أولى، ويطلق عليه فحوى الخطاب، ومفهوم مساوٍ وهو الذي يعرف بلحن الخطاب. وبيانُ ذلك: أنَّ مفهوم الموافقة: هو أن يعطى حكم المسكوت عنه حكم المنطوق، يعني: أن ينقل حكم ما نطق به النصُّ إلى المسكوت عنه. وينقسم إلى قسمين: القسم الأول: مفهوم موافقةٍ أولى، ويعرف أيضًا بفحوى الخطاب وتنبيهِ الخطاب (١)، فقوله تعالى فيما يتعلَّق بطاعة الوالدين: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣]، فيه نهى الأبناء أن يتأفَّف أحدهم أمام والديه، أو أن ينهرهما، وهناك أشياء أُخرى سكت عنها وهي أولى مثل أنْ يرفع الصوت عليهما أو يضربهما أو أن يشتمهما أو أنْ يحبسهما أو أن يمنعَ عنهما الطعام، فهذا كلُّه لا يجوز من باب أولى. القسم الثاني: مفهوم موافقةٍ مساوٍ: وهو أن يكون حكم المسكوت عنه موافقًا ومساويًا لحكم المنطوق به، وهو ما يسمَّى بلحن الخطاب،

стр. 3808

وهو الذي أشار إليه المؤلف، ومنه قوله تعالى في تحريم أكل أموال اليتامى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾) [النساء: ١٠]. فهذه الآية نصٌّ في تحريم أكل مال اليتيم ظلمًا، ومثله: لو جاء إنسان فأخذ مال اليتيم فأحرقه أو أغرقه، أو بدَّده ووزَّعه، فكل ذلك إتلافٌ لمال اليتيم، فالعلة الموجودة في المسكوت عنه هي نفسها أيضًا القائمة في المنطوق به، فاللَّه تعالى حرَّم أكل مال اليتيم، إذًا الآية تتضمن النهي عن إتلاف مال اليتيم بكل حالٍ، لكنها نطقت بالأكل وسكتت عن الأُمور الأُخرى فتلحق بها. إذًا لحن الخطاب الذي يقصده المؤلف هنا هو مفهوم الموافقة المساوي. وهو ما يُشير إليه النصُّ لا تصريحًا، وإنما يرد ضمنًا في النصِّ من آيةٍ أو حديثٍ دون أن يصرح به، قال تعالى عن المنافقين: (﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]). وأما مفهوم المخالفة (١)، فهو ما يُعرف أيضًا بدليل الخطاب، والمؤلف يعبر عنه كثيرًا بدليل الخطاب؛ أي: ما دل عليه الخطاب أو أرشد إليه. * قوله: (فَمَنْ حَمَلَ الْآيَةَ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَلَمْ يَحْمِلْهَا عَلَى الْمَجَازِ قَالَ: إِنَّ فَرْضَ الْمُسَافِرِ عِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر، لِقَوْلِهِ -تَعَالَى-: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وَمَنْ قَدَّرَ (فَأَفْطَرَ) قَالَ: إِنَّمَا فَرْضُهُ عِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ إِذَا أَفْطَرَ، وَكِلَا الْفَرِيقَيْنِ يُرَجِّحُ تَأْوِيلَهُ بِالْآثَارِ الشَّاهِدَةِ لِكِلَا الْمَفْهُومَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ هُوَ أَنْ يُحْمَلَ الشَّيْءُ عَلَى الْحَقِيقَةِ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى حَمْلِهِ عَلَى الْمَجَازِ). مراد المؤلف ﵀: إنَّ العلماء تجاذبوا هذه الآية فكلٌّ يتخذها دليلًا

стр. 3809

على مذهبه، فأهل الظاهر يأخذون بظاهرها، والجمهور يقدرون محذوفًا، أي: أنَّ في الآية إيجازًا بالحذف، وهو أولى من قول المؤلف إنَّ بالآية مجازًا. ثم احتجَّ كِلَا الفريقين على قوله بأدلةٍ من السنن، على ما سيبيِّنه المؤلف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى. * قوله: (أَمَّا الْجُمْهُورُ فَيَحْتَجُّونَ لِمَذْهَبِهِمْ بِمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: "سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ" (١)، وَبِمَا ثَبَتَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُسَافِرُونَ فَيَصُومُ بَعْضُهُمْ وَيُفْطِرُ بَعْضُهُمْ) (٢). أما أنس بن مالكٍ ﵁ فهو خادمُ رسول اللَّه ﷺ وأحد أصحابه ﵁، وهو من الصحابة الذين عُمِّروا وكان من المكثرين من رواية الأحاديث عن رسول اللَّه ﷺ . وهذا اللفظ الذي أورده المصنف أوله لفظ مسلمٍ وهو عند البخاري بلفظ: "كنا نسافر" (٣)، وأما بقية الحديث فهو متفق عليه بين البخاري ومسلم. وهذا الحديث واضح الدلالة على ما ذهب إليه الجمهور حيث إنهم كانوا يسافرون مع رسول اللَّه ﷺ ، فكان منهم الصائمون ومنهم المفطرون، وسيأتي نحوه أيضًا في حديث أبي سعيد الخدري ﵁. كما دلَّ أيضًا على أنَّ الإفطار في السفر رخصةٌ، والصيام عزيمةٌ،

стр. 3810

واللَّه يحب أنْ تؤتى رخصُه كما يكره أن تؤتى معاصيه (١). وأخرج مسلم (٢) وغيره (٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "غزونا مع رسول اللَّه ﷺ لست عشرة بقيت من رمضان، ومنا الصائم ومنا المفطر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم". فهذا الحديث يحكي فعلًا للصحابة ﵃ أقرَّهم عليه رسول اللَّه ﷺ ، وذلك غاية في الحجة على هذا المذهب. * قوله: (وَأَهْلُ الظَّاهِرِ (٤) يَحْتَجُّونَ لِمَذْهَبِهِمْ بِمَا ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَافَرَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ ثُمَّ أَفْطَرَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ" (٥). وَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٦). قَالُوا: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى نَسْخِ الصَّوْمِ، قَالَ أَبُو عُمَرَ (٧): وَالْحُجَّةُ عَلَى أَهْلِ الظَّاهِرِ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّ الْمَرِيضَ إِذَا صَامَ أَجْزَأَهُ صَوْمُهُ).

стр. 3811

الكَديد بفتح الكاف من أعمال عُسفان (١)، بل جاء في روايةٍ عند البخاري التنصيص على عُسفان؛ لأنَّ الكَديد إنما هو تابعٌ له، وعنون له بقوله: (باب من أفطر في السفر ليراه الناس). * قوله: (وكانوا يأخذون بالأَحْدَث فالأحدث. . .)، هذا من كلام الزهري (٢) ﵀، وقوله: (الأحدث) يعني: الأمر الحادث. * قوله: (قالوا: وهذا يدل على نسخ الصوم)، هذا تعليلٌ ضعيفٌ؛ لأنَّ هذا في الفطر في السفر وهذا لا يخالف فيه الجمهور، لكنَّ أدلة الجمهور نصٌّ في المدة، فالصحابة كانوا يسافرون مع النبي ﷺ فمنهم المفطر ومنهم الصائم فلا يعيب هؤلاء على هؤلاء، ولا هؤلاء على هؤلاء. أما الحديث الآخر: ففيه دلالةٌ على أنَّ الإنسان إذا خرج من البلد صائمًا فله أنْ يفطر في سفره، لا على أنَّ الصيام في السفر لا يجوز. * قوله: (وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَهِيَ مَتَى يُفْطِرُ الْمُسَافِرُ وَمَتَى يُمْسِكُ؟ فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: يُفْطِرُ يَوْمَهُ الَّذِي خَرَجَ فِيهِ مُسَافِرًا، وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالْحَسَنُ (٣)، وَأَحْمَدُ (٤)، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُفْطِرُ يَوْمَهُ ذَلِكَ،

стр. 3812

وَبِهِ قَالَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ (١)، وَاسْتَحَبَّتْ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ لِمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ أَوَّلَ يَوْمِهِ ذَلِكَ أَنْ يَدْخُلَ صَائِمًا وَبَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ تَشْدِيدًا مِنْ بَعْضٍ، وَكُلُّهُمْ لَمْ يُوجِبُوا عَلَى مَنْ دَخَلَ مُفْطِرًا كَفَّارَةً). انتقل المؤلف إلى مسألةٍ أُخرى مما يتعلَّق بأحكام المسافر، وهي متى يبدأ المسافر صومه ومتى يفطر؟ وهذه المسألة لها أحوالٌ: الحالة الأولى: أنْ يكون المسافر في سفره وقد حلَّ الشهر المبارك، ففي هذه الحالة لا خلاف بين العلماء في فطره. الحالة الثَّانية: أنْ يسافر في رمضان ليلًا، فهذا على الرأي الصحيح يفطر اليوم الذي يلي تلك الليلةَ وما بعدها. الحالة الثالثة: أنْ يخرجَ وهو صائمٌ فهل يفطر أو لا؟ وفيه خلافٌ أشار إليه المؤلِّف. فذهب أحمد إلى أنه يفطر ذلك اليوم، وبه قال الشعبيُّ والحسنُ (٢). وذهب أبو حنيفةَ (٣)، ومالكٌ (٤)، والشافعيُّ (٥)، ورواية عن

стр. 3813

أحمدَ (١) إلى أنه لا يفطر يومه ذلك. واستحبَّت جماعةٌ من أهل العلم (٢) لمن علم أنه يدخل المدينة أول يومه ذلك أن يدخل صائمًا، وهذا هو الذي ينبغي فعله -أنْ يدخل صائمًا- حتى لا يقع في الشُّبهة، ولئلا يظن أنه متساهلٌ بأحكام هذه العبادة، وبخاصةٍ من لا يعرف ذلك من أحواله. ومن العلماء (٣) من يرى جواز الأمرين، ومنهم من يرى التأكيد على الصيام لكنهم لا يرون وجوب ذلك. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ دَخَلَ وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ النَّهَارِ، فَذَهَبَ مَالِكٌ (٤)، وَالشَّافِعِيُّ (٥) إِلَى أَنَّهُ يَتَمَادَى عَلَى فِطْرِهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ (٦): يَكُفُّ عَنِ الْأَكْلِ، وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ عِنْدَمَا تَطْهُرُ تَكُفُّ عَنِ الْأَكْلِ).

стр. 3814

انتقل المؤلِّف إلى مسألةٍ أُخرى: وهي لو أنَّ شخصًا دخل بلده وكان مفطرًا هل يبقى على فطره أو يمسك بقيَّة يومه؟ ١ - ذهب مالكٌ والشافعيُّ وأحمد (١) وأكثر أهل العلم: إلى أنه يبقى على فطره. ٢ - وذهب أبو حنيفةَ وأصحابه: إلى أنه يلزمه الإمساك تجنبًا للتهمة. كذلك أيضًا الحائض عند أبي حنيفة إذا طهرت وسط النهار فإنه يلزمها الإمساك. * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُفْطِرُ فِيهِ الْمُسَافِرُ هُوَ مُعَارَضَةُ الْأَثَرِ لِلنَّظَرِ، أَمَّا الْأَثَرُ: فَإِنَّهُ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ ثُمَّ أَفْطَرَ وَأَفْطَرَ النَّاسُ مَعَهُ" (٢)، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ أَفْطَرَ بَعْدَ أَنْ بَيَّتَ الصَّوْمَ وَأَمَّا النَّاسُ فَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ أَفْطَرُوا بَعْدَ تَبْيِيتِهِمُ الصَّوْمَ. وَفِي هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ، فَسَارَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ وَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ ثُمَّ شَرِبَ فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ فَقَالَ: "أُولَئِكَ الْعُصَاةُ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ" (٣)، وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ (٤) عَنْ أَبِي بُصْرَةَ الْغِفَارِيِّ أَنَّهُ

стр. 3815

لَمَّا تَجَاوَزَ الْبُيُوتَ دَعَا بِالسُّفْرَةِ قَالَ جَعْفَرٌ رَاوِي الْحَدِيثِ: فَقُلْتُ: أَلَسْتَ تَؤُمُّ الْبُيُوتَ؟ فَقَالَ: أَتَرْغَبُ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ جَعْفَرٌ: فَأَكَلَ. وَأَمَّا النَّظَرُ: فَلَمَّا كَانَ الْمُسَافِرُ لَا يَجُوزُ لَهُ إِلَّا أَنْ يُبَيِّتَ الصَّوْمَ لَيْلَةَ سَفَرِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُبْطِلَ صَوْمَهُ، وَقَدْ بَيَّتَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]). هذا شروعٌ من المؤلف لبيان سبب الخلاف في الوقت الذي يفطر فيه المسافر قال: (هو معارضة الأثر للنظر) ثم ذكر عدة آثار: الأول: حديث ابن عباسٍ ﵄ وقد مرَّ ذكره- أنَّ رسول اللَّه ﷺ صام حتى بلغ الكَديد ثم أفطر وأفطر النَّاس معه، وكان ذلك في رمضان، وقد ترجم البخاري ﵀ على هذا الحديث بقوله: (باب من أفطر في السفر ليراه الناس)، وقد جاء في بعض الروايات ذكر الكديد، وفي بعضها (عسفان)، والكَديد من أعمال عسفان، وهي تبعد عن مكة اثنين وأربعين ميلًا (١). واختلف أهل العلم هل كان رسول اللَّه ﷺ قد نوى الصيام أو لا؟ لكن الظَّاهر -كما ذكر المؤلف- أنَّ الذين معه كانوا قد نووا الصيام بدليل أنهم أفطروا، ومن توقَّف منهم عن الفطر قد أنكر عليه رسولُ اللَّه ﷺ . الثاني: حديث جابرٍ ﵁ وقد سبق ذكره أيضًا - وإنما كرَّره المؤلف هنا لتشابه المسائل بعضها ببعضٍ في فتح مكة وفيه: "أنَّ النبي ﷺ سار حتى بلغ كُرَاع الغَمِيم وصام الناس، ثم دعا بقدحٍ من ماء فرفعه حتى نظر إليه الناس ثم شرب"، فهو إنما رفعه ليراه الناس فيقتدون به، ولذا أنكر

стр. 3816

النبي ﷺ على من صام، وفي الحديث: "ليس من البرِّ الصيام في السفر (١) "، ولذا ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الفطر متعينٌ في السفر (٢)، لكن الصَّحيح أنه رخصةٌ، واللَّه تعالى يحب أن تُؤتى رخصه، وقد خيَّر النبي ﷺ من سأله بين الصوم والفطر. الثالث: حديث أبي بصرةَ ﵁ عند أبي داود، وفي قول المؤلف: (قال جعفر راوي الحديث. . .) خلطٌ من المؤلِّف، ولعل المؤلِّفَ ﵀ اختلط عليه الأمر؛ لأنَّ أبا داود ذكر جعفرًا مرتين في السند، فلربما التبس عليه أنَّه هو الراوي وليس هو الراوي، وإنَّما الراوي هو عبيد بن جبرٍ أو جبيرٍ، يروى مكبرًا ومصغرًا والتصغير أشهر. وقصته أنه قال: ركبت مع أبي بصرة من الفُسطاط -وهي مصر القديمة المعروفة الآن في مصر- إلى الإسكندرية، فدفع -أي: تقدَّم- ثم وضع السفرة، وطلب ممن رافقه في هذه الرحلة أن يأكل، فقال: لا نزال بين البيوت، فقال: أترغب عن سنَّة رسول اللَّه ﷺ ؟ فأكل معه. وكذلك ورد عن أنسٍ ﵁ أيضًا أنه لما تهيَّأ لسفرٍ وجهزت راحلته أكل (٣)، وتأوله بعض العلماء بأنه أكل خارج البيوت، أو أنها بيوتٌ أُخرى. ولا شكَّ أنَّ الأحوط في مثل هذا المقام أنْ يخرج الإنسان من الخلاف، وأن يتجنب مواضع الشك والريب عملًا بقول النبي ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (٤)، ولذلك قال بعض العلماء: إنَّ الإنسان إذا

стр. 3817

أراد السفر فإنما يفطر إذا تجاوز بيوت البلد؛ أي: إذا تركها وراء ظهره، ولا يفطر وهو في داخلها (١). أما قوله : ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، ففيه دليلٌ من حيث الجملة على أنَّ الإنسان إذا تلبَّس بعبادةٍ فليس له أن يُبطلها أو أن يقطعها، لكنَّ القضية هنا قضيةٌ خاصةٌ لأنَّ رسول اللَّه ﷺ خرج متجهًا إلى مكة، ثم أفطر في الطريق، وأنكر على من لم يفطر وسمَّاهم بالعصاة؛ لأنهم خالفوا ما وجَّه به رسول اللَّه ﷺ وأمر به.

стр. 3818

فلا تعارض إذن بين الآية والحديث، بل يُعدُّ الحديثُ مخصِّصًا للآية، وليس في الفطر في هذه الحال إبطالٌ للأعمال، وإنما فيه اقتداءٌ بالرسول ﷺ ، وامتثالٌ لأمره فهو أسوةُ المؤمنين، وقد أمر اللَّه بالاقتداء به، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. وبهذا نتبين أنَّ هذا هو الأولى وهو الذي أخذ به عامة العلماء، وهو أنَّ الإنسان إذا خرج في سفرٍ فله أن يفطر، فذلك أمرٌ فعله رسول اللَّه ﷺ ، فمن فعله كان مقتديًا برسول اللَّه ﷺ . * قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي إِمْسَاكِ الدَّاخِلِ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ عَنِ الْأَكْلِ أَوْ لَا إِمْسَاكِهِ، فَالسَّبَبُ فِيهِ اخْتِلَافُهُمْ فِي تَشْبِيهِ مَنْ يَطْرَأُ عَلَيْهِ فِي يَوْمِ شَكٍّ أَفْطَرَ فِيهِ الثُّبُوتُ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَنْ شَبَّهَهُ بِهِ قَالَ: يُمْسِكُ عَنِ الْأَكْلِ، وَمَنْ لَمْ يُشَبِّهْهُ بِهِ قَالَ: لَا يُمْسِكُ عَنِ الْأَكْلِ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَكْلُ مَوْضِعِ الْجَهْلِ، وَهَذَا أَكْلٌ لِسَبَبٍ مُبِيحٍ أَوْ مُوجِبٍ لِلْأَكْلِ، وَالْحَنَفِيَّةُ تَقُولُ: كِلَاهُمَا سَبَبَان مُوَجِبَانِ لِلْإِمْسَاكِ عَنِ الْأَكْلِ بَعْدَ إِبَاحَةِ الْأَكْلِ). يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان، وقد قال النبي ﷺ : "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم (١) فاقدروا له" (٢)، وفي روايةٍ: "فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا" (٣)، وقد مرَّ ذكر الخلاف فيه

стр. 3819

وأنَّ من العلماء من منع صيامه (١)، ومنهم من أجازه (٢)، فإنْ كان من رمضان فنعمَّا هي، وإن لم يكنْ فلا بأسَ بصيامه، فهذا به شبهٌ بهذه المسألة.

стр. 3820

* قوله: (وَالْحَنَفِيَّةُ تَقُولُ: كِلَاهُمَا سَبَبَانِ مُوَجِبَانِ لِلْإِمْسَاكِ عَنِ الْأَكْلِ بَعْدَ إِبَاحَةِ الْأَكْلِ)، يعني: أنَّ يوم الشك سببٌ في الإمساك، وكذلك أيضًا هنا فيمن دخل. * قوله: (وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: وَهِيَ هَلْ يَجُوزُ لِلصَّائِمِ فِي رَمَضَانَ أَنْ يُنْشِئَ سَفَرًا ثُمَّ لَا يَصُومُ فِيهِ؟ فَإِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ لَهُ. وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ، وَهُوَ عَبِيْدَةُ السَّلْمَانِيُّ، وَسُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ، وَابْنُ مِجْلَزٍ: أَنَّهُ إِنْ سَافَرَ فِيهِ صَامَ، وَلَمْ يُجِيزُوا لَهُ الْفِطْرَ. وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ -تَعَالَى-: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]). هذه المسألة شبيهة بالمسألة التي قد مرَّت سابقًا؛ ولها حالات: الحالة الأولى: أن يدرك المسافرَ الصومُ وهو في السفر؛ فهذا يفطر بلا خلافٍ. الحالة الثانية: أن يُسافر في رمضان ليلًا؛ فهذا يفطر اليوم الذي يلي هذه الليلة وما بعده، وهذه الحالة هي التي فيها الخلاف. يعني: من أنشأ سفرًا في رمضان؛ فهل له أن يفطر أو لا؟ جماهير العلماء؛ ومنهم الأئمة الأربعة (١): يرون أنَّه يفطر.
следующие страницы →