← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

النبي ﷺ على من صام، وفي الحديث: "ليس من البرِّ الصيام في السفر (١) "، ولذا ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الفطر متعينٌ في السفر (٢)، لكن الصَّحيح أنه رخصةٌ، واللَّه تعالى يحب أن تُؤتى رخصه، وقد خيَّر النبي ﷺ من سأله بين الصوم والفطر. الثالث: حديث أبي بصرةَ ﵁ عند أبي داود، وفي قول المؤلف: (قال جعفر راوي الحديث. . .) خلطٌ من المؤلِّف، ولعل المؤلِّفَ ﵀ اختلط عليه الأمر؛ لأنَّ أبا داود ذكر جعفرًا مرتين في السند، فلربما التبس عليه أنَّه هو الراوي وليس هو الراوي، وإنَّما الراوي هو عبيد بن جبرٍ أو جبيرٍ، يروى مكبرًا ومصغرًا والتصغير أشهر. وقصته أنه قال: ركبت مع أبي بصرة من الفُسطاط -وهي مصر القديمة المعروفة الآن في مصر- إلى الإسكندرية، فدفع -أي: تقدَّم- ثم وضع السفرة، وطلب ممن رافقه في هذه الرحلة أن يأكل، فقال: لا نزال بين البيوت، فقال: أترغب عن سنَّة رسول اللَّه ﷺ ؟ فأكل معه. وكذلك ورد عن أنسٍ ﵁ أيضًا أنه لما تهيَّأ لسفرٍ وجهزت راحلته أكل (٣)، وتأوله بعض العلماء بأنه أكل خارج البيوت، أو أنها بيوتٌ أُخرى. ولا شكَّ أنَّ الأحوط في مثل هذا المقام أنْ يخرج الإنسان من الخلاف، وأن يتجنب مواضع الشك والريب عملًا بقول النبي ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (٤)، ولذلك قال بعض العلماء: إنَّ الإنسان إذا

стр. 3817

أراد السفر فإنما يفطر إذا تجاوز بيوت البلد؛ أي: إذا تركها وراء ظهره، ولا يفطر وهو في داخلها (١). أما قوله : ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، ففيه دليلٌ من حيث الجملة على أنَّ الإنسان إذا تلبَّس بعبادةٍ فليس له أن يُبطلها أو أن يقطعها، لكنَّ القضية هنا قضيةٌ خاصةٌ لأنَّ رسول اللَّه ﷺ خرج متجهًا إلى مكة، ثم أفطر في الطريق، وأنكر على من لم يفطر وسمَّاهم بالعصاة؛ لأنهم خالفوا ما وجَّه به رسول اللَّه ﷺ وأمر به.

стр. 3818

فلا تعارض إذن بين الآية والحديث، بل يُعدُّ الحديثُ مخصِّصًا للآية، وليس في الفطر في هذه الحال إبطالٌ للأعمال، وإنما فيه اقتداءٌ بالرسول ﷺ ، وامتثالٌ لأمره فهو أسوةُ المؤمنين، وقد أمر اللَّه بالاقتداء به، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. وبهذا نتبين أنَّ هذا هو الأولى وهو الذي أخذ به عامة العلماء، وهو أنَّ الإنسان إذا خرج في سفرٍ فله أن يفطر، فذلك أمرٌ فعله رسول اللَّه ﷺ ، فمن فعله كان مقتديًا برسول اللَّه ﷺ . * قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي إِمْسَاكِ الدَّاخِلِ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ عَنِ الْأَكْلِ أَوْ لَا إِمْسَاكِهِ، فَالسَّبَبُ فِيهِ اخْتِلَافُهُمْ فِي تَشْبِيهِ مَنْ يَطْرَأُ عَلَيْهِ فِي يَوْمِ شَكٍّ أَفْطَرَ فِيهِ الثُّبُوتُ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَنْ شَبَّهَهُ بِهِ قَالَ: يُمْسِكُ عَنِ الْأَكْلِ، وَمَنْ لَمْ يُشَبِّهْهُ بِهِ قَالَ: لَا يُمْسِكُ عَنِ الْأَكْلِ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَكْلُ مَوْضِعِ الْجَهْلِ، وَهَذَا أَكْلٌ لِسَبَبٍ مُبِيحٍ أَوْ مُوجِبٍ لِلْأَكْلِ، وَالْحَنَفِيَّةُ تَقُولُ: كِلَاهُمَا سَبَبَان مُوَجِبَانِ لِلْإِمْسَاكِ عَنِ الْأَكْلِ بَعْدَ إِبَاحَةِ الْأَكْلِ). يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان، وقد قال النبي ﷺ : "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم (١) فاقدروا له" (٢)، وفي روايةٍ: "فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا" (٣)، وقد مرَّ ذكر الخلاف فيه

стр. 3819

وأنَّ من العلماء من منع صيامه (١)، ومنهم من أجازه (٢)، فإنْ كان من رمضان فنعمَّا هي، وإن لم يكنْ فلا بأسَ بصيامه، فهذا به شبهٌ بهذه المسألة.

стр. 3820

* قوله: (وَالْحَنَفِيَّةُ تَقُولُ: كِلَاهُمَا سَبَبَانِ مُوَجِبَانِ لِلْإِمْسَاكِ عَنِ الْأَكْلِ بَعْدَ إِبَاحَةِ الْأَكْلِ)، يعني: أنَّ يوم الشك سببٌ في الإمساك، وكذلك أيضًا هنا فيمن دخل. * قوله: (وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: وَهِيَ هَلْ يَجُوزُ لِلصَّائِمِ فِي رَمَضَانَ أَنْ يُنْشِئَ سَفَرًا ثُمَّ لَا يَصُومُ فِيهِ؟ فَإِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ لَهُ. وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ، وَهُوَ عَبِيْدَةُ السَّلْمَانِيُّ، وَسُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ، وَابْنُ مِجْلَزٍ: أَنَّهُ إِنْ سَافَرَ فِيهِ صَامَ، وَلَمْ يُجِيزُوا لَهُ الْفِطْرَ. وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ -تَعَالَى-: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]). هذه المسألة شبيهة بالمسألة التي قد مرَّت سابقًا؛ ولها حالات: الحالة الأولى: أن يدرك المسافرَ الصومُ وهو في السفر؛ فهذا يفطر بلا خلافٍ. الحالة الثانية: أن يُسافر في رمضان ليلًا؛ فهذا يفطر اليوم الذي يلي هذه الليلة وما بعده، وهذه الحالة هي التي فيها الخلاف. يعني: من أنشأ سفرًا في رمضان؛ فهل له أن يفطر أو لا؟ جماهير العلماء؛ ومنهم الأئمة الأربعة (١): يرون أنَّه يفطر.

стр. 3821

وعبيدة السلماني، وسويد بن غفلة، وأبو مجلز، قالوا (١): لا يفطر. والخلاف يدور حول مدلول قول اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. هل المقصود به من شهد جميع الشَّهر حضرًا؟ أم من شهد بعضه؟ يقول الجمهور (٢): إنَّ غير المسافر إذا شهد الشهر صامه، وإن شهد بعضه صام البعض الذي شهده، فإذا سافر؛ أفطر في تلك الأيام، وله أن يصوم أيضًا. وعلى قول الذين خالفوا الجمهور: يلزمه الصيام وإن سافر؛ حيث قالوا: لا نرى فرقًا في الآية؛ فمن شهد بعضه كمن شهده كله.

стр. 3822

* قوله (وَذَلِكَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ أَنَّ مَنْ شَهِدَ بَعْضَ الشَّهْرِ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَهُ كُلَّهُ). هذا الكلام في السَّفر وليس في الحضر؛ لأنَّ الحاضر يلزمه الصيام، ولا يجوز له أن يُفطر إلَّا لعذر؛ كمنْ كان مريضًا لا يستطيع الصيام، أو شيخًا كبيرًا، أو امرأةً حائضًا أو نفساء، أو غير ذلك من الأعذار التي قد تطرأ للمسلم فتلحقه مشقة ظاهرة: فإنَّه يفطر، ثم يقضي. * قوله: (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ أَنَّ مَنْ شَهِدَ، أَنَّ الْوَاجِبَ أَنْ يَصُومَ ذَلِكَ الْبَعْضَ الَّذِي شَهِدَهُ). هذا رأي الجمهور (١)، يعني من شهد بعض الشهر؛ يلزمه صيامه حضرًا، لا سفرًا. وليس معنى أنَّ من شهد بعض الشهر في الحضر أنَّه يلزمه الصيام في السفر، فهذا فهمٌ بعيدٌ، إنَّما قول الجمهور هو الفهم القريب من النصِّ. قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]: أما من شهد بعضه، فيصوم ذلك البعض، ثم يفطر في سفره، وله أن يصوم في ذلك السَّفر. * قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمَفْهُومُ بِاتِّفَاقٍ أَنَّ مَنْ شَهِدَهُ كُلَّهُ فَهُوَ يَصُومُهُ كُلَّهُ، كَانَ مَنْ شَهِدَ بَعْضَهُ فَهُوَ يَصُومُ بَعْضَهُ). لا شكَّ أنَّ من شهد الشهر كاملًا؛ يلزمه أنْ يصوم، ومن شهد بعضه؛ يلزمه أن يصوم ذلك البعض.

стр. 3823

* قوله: (وَيُؤَيِّدُ تَأْوِيلَ الْجُمْهُورِ إِنْشَاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ السَّفَرَ فِي رَمَضَانَ). "يؤيد تأويل الجمهور"؛ أي: تفسير - أو مفهوم الجمهور للآية، ما حصل من رسول اللَّه ﷺ في الأحاديث التي مرت بنا؛ والتي أنشأ فيها سفرًا في رمضان، فإنَّه ﵊ سافر عام الفتح في رمضان، وورد ما جاء في تلك الأحاديث؛ وفيها: أنَّه سافر وسافر معه المسلمون، وكان ذلك في رمضان، وأنَّه أفطر وأفطر معه المسلمون (١)، وفي حديث آخر: "أنَّه رفع الإناء حتى يراه الناس، ثم شرب وشرب الناس، وأنَّه أنكر على الذين توقفوا في ذلك وامتنعوا" (٢). * قوله: (وَأَمَّا حُكْمُ الْمُسَافِرِ إِذَا أَفْطَرَ فَهُوَ الْقَضَاءُ بِاتّفَاقٍ). هذه مسألة أُخرى: إذا أفطر المسافر؟ هل يلزمه القضاء؟ الجواب (٣): نعم؛ لأنَّ الآية نصٌّ في ذلك، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ

стр. 3824

مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ [البقرة: ١٨٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ [البقرة: ١٨٥]. * قوله: (وَكَذَلِكَ المَرِيضُ لِقَوْلِهِ -تَعَالَى-: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]). المقصود أول الآية -فهي محل الشاهد-: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر﴾ فالحكم هو؛ ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، أي (١): فليصم تلك الأيام التي أفطرها في أيام أُخر؛ لأنَّ المسافر والمريض قد ورد التنصيص عليهما في الآية، وفي الحديث يقول رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ اللَّه وضعَ عن المسافر الصوم، وشطرَ الصلاة" (٢). * قوله: (مَا عَدَا الْمَرِيضَ بِإِغْمَاءٍ أَوْ جُنُونٍ؛ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ). هذه من المسائل الجزئية التي لم يضع لها المؤلف عنوانًا، وإنَّما أدخلها ضمن المسائل، والمؤلِّف قد وضع مصطلحًا عامًّا في كتابه: أنَّه يتكلم عن أمهات المسائل؛ الأمهات التي نطق بها النص، أو ما هو قريب من النص، أمَّا الفروع فلا يستطرد فيها، ولذلك نبَّه في كتاب القذف أنَّه

стр. 3825

إن أنسأ (١) اللَّه في عمره -يعني أطال- فسيكتب كتابًا في فروع مذهب مالك، ولم نقف له على ذلك، وربما أنَّه كتب أو لم يكتب. لكنَّ الشاهد هنا أنَّ المؤلف ذكر في هذه المسائل: المغمى، والمجنون، وكان ينبغي عليه أن يذكر حكم النائم كذلك، ولكنه لم يذكره؛ لأنَّه لا يترتب عليه حكمٌ يختلف عن غيره، ولذلك ذكر المجنون، والمغمى عليه، وهو في هذا يُشير إلى حديث رسول اللَّه ﷺ المرويِّ عن عليٍّ، وغيره: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النَّائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصَّغير حتى يبلغ" (٢). فهؤلاء الثلاثة قد رفع عنهم القلم، يعني: أنَّهم لا يُكلَّفون في هذه الأحوال، فلا تكليف على نائم: "من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلِّها متى ذكرها، فإنَّه لا كفارة لها إلَّا ذلك" (٣)، وكذلك المجنون لا تكليفَ عليه؛ لأنَّه مسلوب العقل، والمغمى عليه لا يدرك ما يحيط به، لكنه يختلف عن المجنون؛ لأنَّ المجنون غالبًا جنونه يطول، أمَّا المغمى عليه فلا يطول، ويتضح ذلك في كتاب الولاية: (أنَّ المُغمى عليه لا تسلب الولاية عنه، وأمَّا المجنون فإنَّه توضع عليه الولاية)، بمعنى: أن يكون هُناك ولي يرعاه كاليتيم. وأمَّا بالنسبة للنائم، فلو قُدِّرَ أنَّه صام -يعني: نوى من الليل، ثم تسحَّر وصام- ثم نام حتى غربت الشمس؛ فهل صيامه صحيح؟ الجواب: نعم، بلا خلافٍ بين العلماء (٤)؛ لأنَّ هذا نائمٌ.

стр. 3826

أما الإنسان الذي يتعمد النوم، كما يفعله بعض من يصومون في شهر رمضان، ومن يتساهلون في هذا الأمر، فإذا قربت صلاة الفجر نام عنها، وربَّما أتبعها بصلاة الظهر والعصر، فهنا ارتكب ذنبًا آخر، وهذا النوم وإن لم يحصل استيقاظ، بل شمل جميع النهار أو بعضه، فيحتبر صيامه صحيحًا بلا خلاف. والمغمى عليه لا يخلو من حالين: الأُولى: إمَّا أن يمتد به إغماؤه طيلة النهار؛ يعني اليوم كاملًا. والأُخرى: أن يفيق في بعض أجزائه. فإنْ أفاق في جُزءٍ من النهار؛ فالصحيح أنَّ صيامه صحيح، وهذا هو قول جمهور العلماء. وإن لم يفق في جزء منه؛ فقد صحح أبو حنيفة صيامه (١)، وخالفه الجمهور (٢).

стр. 3827

وقد اختلف أبو حنيفة مع الجمهور؛ لأنَّ أبا حنيفة يقول (١): إنَّ الصيام يُبنى على النية من الليل، وهذا قد بيَّت النية، إذًا صيامه صحيح، فهو قد أغمي عليه ولم يفطر، فصيامه صحيح. ويقول الجمهور: لا، فالنية يلازمها الإمساك، وهذا في غير وعيه ولم يُفق، فصيامه غير صحيح، وقد نصَّ على ذلك الشافعية (٢)، والحنابلة (٣). لكن ماذا يترتب عليه بعد ذلك؟ هل يقضي صومه عند من يقول بأنَّ المُغمى عليه لا يصح صيامه في حالة عدم صحوته؟ لا شكَّ أنَّه يلزمه القضاء. وأمَّا المجنون: فلو نوى إنسانٌ الصيام ثم جُنَّ، فما حكم صيامه؟

стр. 3828

معلوم أنَّ المجنون لا تكليفَ عليه، وأنَّه قد رفع عنه القلم؛ فلو قدر أنَّ هذا المجنون صحا بعد ذلك، فهل يقضي ذلك اليوم أم لا؟ وهل هناك فرق بين أن يرتفع جنونه في هذا اليوم ثم يعود أو لا؟ لا شكَّ أنَّ الرَّأي الصحيح أنَّه لا يلزمه القضاء (١)؛ لأنَّ المجنون غير مكلفٍ، ولأنَّ جنونه يطول في الغالب، بخلاف المغمى عليه: فإنَّ الإغماء وإن امتدَّ فإنَّ فترته مؤقتةٌ. أمَّا الإغماء الذي يعرف الآن بموت الدماغ؛ فتختلف حالته إذا امتد بالإنسان، لكنَّ كلامنا عن الإغماء المعروف الذي قد يعتري بعض الناس، ثم يزول في فترة، فهذا الذي أغمي عليه إن صحا في نهاره، فصيامه صحيح، وهذا يعدُّ شبه اتفاق بين الفقهاء، وإن لم يستيقظ -بمعنى لم يفق في جزءٍ من نهاره- فالجمهور على أنَّ صيامه لم يصح. والمجنون لا يصح صيامه، وإذا زال جنونه بعد ذلك فلا يطالب بالقضاء على الرأي الصحيح، وعند المالكية (٢) في رواية: يطالب، وقد أشار المؤلف إلى ذلك.

стр. 3829

وعمدة هذه الأقوال حديث: "رفع القلم عن ثلاثة"، وقد مرَّ ذكرهم. * قوله: (وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى وُجُوبِهِ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَجْنُون، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وُجُوبُ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ). وجوبه في المُغْمى عليه ما لم يُفق، أمَّا إن أفاق فالجمهور يرون صِحَّة صيامه. والمؤلِّف قد أجمل هنا، أمَّا إذا لم يُفق فإنَّ الحنفية يصحِّحون صيامه؛ لأنَّهم يأخذون بأحد شطري الصيام، الذي هو النية (١)، والجمهور يقولون: الصيام نية وإمساك (٢)، ويستدلون بحديث: "كلُّ عمل ابن آدم له إلَّا الصوم، فإنَّه لي، وأنا أجزي به" (٣)، ثم جاء: "أنَّه ترك طعامه وشرابه من أجلي" (٤). وأمَّا عن مذهب مالك في وجوب القضاء فإنَّ ابن عبد البر ناقش هذا القول وضعَّفه، والتمس له تأويلًا (٥)، ولا شكَّ أنَّ مذهب الجمهور أولى؛ لأنَّ المجنون كيف يطالَب بالقضاء وهو لا يعي؟ وقد أخبر الرسول ﷺ بأنَّ القلم قد رفع عنه، ورفع القلم ممتد، فكيف يطالب بالقضاء بعد مدَّة؟ الصحيح أنه ليس مطالبًا. * قوله: (وَفِيهِ ضَعْفٌ لِقَوْلِهِ ﵊: "وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ") (٦).

стр. 3830

لقد أحسن المؤلف بقوله: (وفيه ضعف) فلا شكَّ أنَّ هذه الرواية في المذهب ضعيفة (١). * قوله: (رفع القلم عن ثلاثة)، يعني: لا يسجل عليهم الإثم، لكنهم يختلفون، فثمَّ فرق بين إنسان نام عن العبادة متعمدًا وبين إنسان غلبه النوم، فالذي تعمد يأثم، والذي لم يتعمد لا يأثم، لكن لو نام عن صلاة لم يجز له أن يتركها حتى يفرغ. جاء في الحديث: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها متى ذكرها، فإنه لا كفارة لها إلا ذلك" (٢)، وجاء في الحديث الآخر: "ليس التفريط في النوم، إنما التفريط أن تؤخِّر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى" (٣)، أو "حتى يخرج وقتها" (٤)، يعني: ليس التفريط في النوم، لأنَّ له سلطانًا، لا تستطيع دفعه، لكن التفريط أن تتساهل في الصلاة في وقتها الواسع شيئًا فشيئًا - كما يحصل من بعض المسلمين هداهم اللَّه، ثم يدخل وقت الأُخرى، والوقت من شروط صحة الصلاة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]؛ أي: مفروضًا في الأوقات. * قوله: (وَالَّذِينَ أَوْجَبُوا عَلَيْهِمَا الْقَضَاءَ اخْتَلَفُوا فِي كَوْنِ الْإِغْمَاءِ

стр. 3831

وَالْجُنُونِ مُفْسِدًا لِلصَّوْمِ، فَقَوْمٌ قَالُوا: إِنَّهُ مُفْسِدٌ (١). وَقَوْمٌ قَالُوا: لَيْسَ بِمُفْسِدٍ) (٢). ما كان ينبغي للمؤلف أن يشرِّك بين الإغماء والجنون؛ لأنَّ بينهما اختلافًا، فالمغمى عليه يوافق المجنون في الحالة التي لا يلزمه القضاء، وذلك إذا صحا (٣)، أما إذا لم يصحُ فإنه يطالب بالقضاء (٤).

стр. 3832

مسألة: إنسان أغمي عليه هل يُلزم بقضاء الصلاة أو لا (١)؟ بعض العلماء ألزمه مطلقًا، وبعضهم فرق بين أن يطول أو لا يطول، وبعضهم أسقط عنه ذلك. ووردت قصة عن عمَّار أنه أغمي عليه ثلاثة أيام، ثم بعد ذلك سأل، فأُخبِر أنه لم يصلِّ، فدعا بوَضوء فتوضأ وصلَّى (٢). * قوله: (وَقَوْمٌ فَرَّقُوا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْفَجْرِ أَوْ قَبْلَ الْفَجْرِ) (٣).

стр. 3833

هذا التعليل مذهب الشافعي، ومنهجنا: أننا لا نتتبع الفروع والجزئيات في المذاهب. * قوله: (وَقَوْمٌ قَالُوا: إِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ قَضَى، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ (١)، وَهَذَا كُلُّهُ فِيهِ ضَعْفٌ). هذا مما يذكر في التشتيت في مثل هذه العبادات، وإلا فدين اللَّه يسر، وقد أحسن المؤلف في قوله: (وهذا فيه ضعف). * قوله: (فَإِنَّ الْإِغْمَاءَ وَالْجُنُونَ يَرْتَفِعُ بِهَا التَّكْلِيفُ وَبِخَاصَّةٍ الْجُنُونَ). الإغماء يرتفع به التكليف مؤقتًا، أما الجنون فإنه يستمر ارتفاع التكليف عنه، ولذلك لا يطالب بقضاء العبادات التي مضت في وقت جنونه؛ لأنه ينبغي أن يستقر في أذهاننا أنَّ هذه الشريعة -وكثيرًا ما قررنا ذلك- بُنيت على أُصول؛ منها التيسير، ولذلك الحائض تدرك كل شيء، لكنها تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، للتيسير. وأسباب التخفيف في الشريعة حصرها العلماء في أُمور، منها (٢): الجهل، وعموم البلوى، والنقص، كالحال في المرأة؛ لأنَّ المرأة تنقص عن الرجل في بعض الأحكام، فلا تطالب بكل ما يطالب به الرجل، فلا تجب

стр. 3834

عليها صلاة الجماعة، ولا الجهاد، وغير ذلك، وكالمملوك في بعض الأحكام. وانظروا إلى دقة المؤلف في قوله: (وبخاصة)، فخاصة لا بدَّ أن تسبقها بالباء؛ لأنك تريد أن تبيِّن أمرًا، فهذا من الدقة في الكتب السابقة، فتحسن قراءتها. وتجد الآن من العبارات التي سادت بين طلاب العلم (وخاصة). * قوله: (وَإِذَا ارْتَفَعَ التَّكْلِيفُ لَمْ يُوصَفْ بِمُفْطِرٍ وَلَا صَائِمٍ، فَكَيْفَ يُقَالُ فِي الصِّفَةِ الَّتِي تَرْفَعُ التَّكْلِيفَ إِنَّهَا مُبْطِلَة لِلصَّوْمِ إِلَّا كَمَا يُقَالُ فِي الْمَيِّتِ أَوْ فِيمَنْ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْعَمَلُ إِنَّهُ قَدْ بَطَلَ صَوْمُهُ وَعَمَلُهُ، وَيَتَعَلَّقُ بِقَضَاءِ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضرِ مَسَائِلُ: مِنْهَا هَلْ يَقْضِيَانِ مَا عَلَيْهِمَا مُتَتَابعًا أَمْ لَا؟). يعني: لو أفطر الإنسان في سفره في شهر رمضان أيامًا متوالية، فهل يلزمه أن يقضيها متتابعة أو لا؟ جمهور العلماء (١) على أنه لا يجب أن يقضيها متتابعة، فله أن يقضيها متتابعة، وهذا أولى، وله أن يفرقها، وهذا جائز.

стр. 3835

وروى الدارقطني -وصحَّح سنده-، والبيهقي وغيرهما عن عائشة أنها قالت: نزلت: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ متتابعات﴾ [البقرة: ١٨٤]، فسقطت (متتابعات) (١)، وسيذكره المؤلف وسنبين معنى (سقطت)؛ لأنَّ الآية إذا نزلت لا يمكن أن يزول حكمها إلا بأمر من اللَّه لأنه قد ينسخ الحكم (٢)، وتبقى التلاوة كما في العدة، فالعدة كانت في وضع، ثم أصبحت أربعة أشهر وعشرًا. وقد تنسخ التلاوة ويبقى الحكم كما في مسألة الزانيين الثيبين: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما

стр. 3836

ألبتة) (١)، وقد ينسخ الحكم والتلاوة، فهل ﴿متتابعات﴾ المنقول عن عائشة من هذا النوع الأخير؟ وقد يرد سؤال: لماذا يقضي ما أفطر من رمضان متتابعًا، وغير رمضان غير متتابع؟ الجواب: لأنَّ شهر رمضان محددٌ مضيق لا يتسع لغيره، تصوم فيه أيامه، ولا يمكن أن تصوم فيه غير رمضان إلا -كما مرَّ- عند أبي حنيفة (٢)؛ حيث يرى أنَّ المسافر يباح له الفطر، فله أن يصوم في سفره نذرًا أو أيامًا سابقة في هذا الشهر؛ لأنَّ الصيام في هذه الحالة غير واجب في حقه، ففرق بينهما. • مسألة: إن مرَّ به خلال فترة القضاء يوم من الأيام التي رغب في صيامها كيوم عرفة ويوم عاشوراء ويوم الإثنين ويوم الخميس وأيام البيض، فهذه مسألة أُخرى يقدَّم فيها الفرض بلا شك (٣).

стр. 3837

تنبيه: اعلم أنَّ من جامع في نهار رمضان، ومن عليه كفارة قتل، أو ظهار؛ يجب على كل منهم متابعة أيام صيامه في الكفارة (١). * قوله: (ومنها ماذا عليهما إذا أخَّرا القضاء بغير عذرٍ إلى أن يدخل رمضان آخر). لا شكَّ أنه لا ينبغي لمسلم يخاف اللَّه ويتقيه أن يؤخر صيامًا فاته من رمضان إلى أن يدخل عليه رمضان آخر إلا أن يكون معذورًا، بأن يكون مريضًا ونحوه، فهذا معذور، وحالته تختلف. لكن المسؤول عنه هو من يؤخر القضاء تقصيرًا منه حتى يلحقه رمضان آخر، وربما يموت في هذه الفترة. * قوله: (ومنها إذا ماتا ولم يقضيا، هل يصوم عنهما وليهما أو لا يصوم؟) (٢).

стр. 3838

• مسألة: هل العبادة يحملها أحد عن أحد (١)؟ عبادة الحج تدخلها النيابة، لكن الصلاة هل تدخلها النيابة؟ جاء في الحديث المتفق عليه: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" (٢)، هذا نص صريح، وجاء في الحديث في قصة المرأة التي جاءت إلى رسول اللَّه ﷺ ، وقالت: يا رسول اللَّه، إن أمي ماتت وعليها صيام نذر، أفأصوم عنها؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "أرأيتِ لو كان على أمَّكِ دين اكنت قاضيته؟ "، قالت: نعم، قال: "فدين اللَّه أحق بالقضاء" (٣)، وفي رواية: "فدين اللَّه أحق أن يُقضى" (٤). وفي لفظ آخر: أن رجلًا سأل رسول اللَّه ﷺ أنَّ أمه ماتت وعليها

стр. 3839

صيام شهر، وسأل رسول اللَّه: أيصوم عنها؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "أرأيت لو أنَّ على أمك دينًا أكنت قاضيه؟ "، قال: نعم، قال: "فدين اللَّه أحق بالقضاء" (١). لكنَّ الرواية الأُولى هي لفظ الشيخين. ومن أجل هذه الأحاديث تنوعت الاراء، فمن العلماء من قال: لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد، ومنهم من فرق بين صيام النذر وغيره، ومنهم من يأخذ بحديث: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" (٢)، فيقول: يصوم الولي عن الميت. هذه مقدمات، وسيعود المؤلف إلى ما يتعلَّق بالأيام المتتابعات؛ لأنه جاء في أَثَرٍ أنَّ رسول اللَّه ﷺ سئل عن تقطيِع قضاء رمضان، هل يصومها متوالية؟ فضرب رسول اللَّه ﷺ للسائل مثلًا: "أرأيت لو أنَّ عليك دينًا فقضيته الدرهم والدرهمين ألا يكون ذلك قضاء؟ فاللَّه أحق أن يعفو ويغفر" (٣). [قَضَاءُ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ] * قوله: (أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: فَإِنَّ بَعْضَهُمْ أَوْجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَضَاءُ مُتَتَابِعًا عَلَى صِفَةِ الْأَدَاءِ (٤)، وَبَعْضَهُمْ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ (٥)، وَهَؤُلَاءِ

стр. 3840

مِنْهُمْ مَنْ خَيَّرَ (١)، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَحَبَّ التَّتَابُعَ (٢)، وَالْجَمَاعَةُ عَلَى تَرْكِ إِيجَابِ التَّتَابُعِ). أما الذين لم يوجبوا ذلك فهم جمهور العلماء. قوله: (الجماعة) هذا مصطلح يقصد به المؤلف هنا الجمهور، يعني هذا هو رأي الجمهور، وهو أنَّ التتابع في قضاء رمضان مستحب، لا يلزم.

стр. 3841

* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: تَعَارُضُ ظَوَاهِرِ اللَّفْظِ وَالْقِيَاسِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْأَدَاءُ عَلَى صِفَةِ الْقَضَاءِ، أَصْلُ ذَلِكَ الصَّلَاةُ وَالْحَجُّ). يعني قياسًا على الحج والصلاة، لكن هذا القياس قياسٌ مع الفارق؛ لأنه في شهر رمضان لا يمكن إلا أن تؤديه إلّا متتابعًا؛ لأنه ظرف ضيق تؤدى فيه هذه العبادة، أما بعد أن يخرج رمضان فإن الوقت يتسع أمامك. فهذا هو سبب تفريق الجمهور بين هذا وذاك. * قوله: (أَمَّا ظَاهِرُ قَوْلِهِ -تَعَالَى-: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، فَإِنَّمَا يَقْتَضِي إِيجَابَ الْعَدَدِ فَقَطْ، لَا إِيجَابَ التَّتَابُعِ. وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: نَزَلَتْ: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ مُتَتَابِعَاتٍ)، فَسَقَطَتْ: مُتَتَابِعَاتٌ (١)). يعني الآية: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ بدون (متتابعات)، لكن عائشة ﵄ ذكرت أن الآية كانت في الأصل: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ مُتَتَابِعَاتٍ)، ولو بقيت الآية هكذا لكانت نصًّا في المسألة، ولا اجتهاد مع النص. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١]. قوله: "فسقطت (متتابعات) " قد بيَّن البيهقي (٢) ﵀ أن المراد بـ (سقطت) يعني: نسخت، وقال ابن حزم (٣): يعني سقط حكمها؛ لأن الآية لا يتغير حكمها إلا بما ينزل عن اللَّه ، فهنا بعض الآية قد زال، فزال حكمه.

стр. 3842

إذًا؛ يبقى مذهب جمهور الفقهاء هو الراجح. * قوله: (وَأَمَّا إِذَا أَخَّرَ الْقَضَاءَ حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانٌ آخَرُ). الذي يفعل ذلك يمكن أن نقسمه إلى قسمين: مفرط وغير مفرط؛ لأن الإنسان عرضة لأن يصاب بالمرض ونحوه، فإذا حصل للإنسان عذر شرعي فإنه لا يعتبر مفرِّطًا، لكنَّ المتساهل الذي ترك أيامًا من رمضان بعذر أو بغير عذر، ثم يتكاسل في قضائها، ويقول في نفسه: أنتظر حتى يبرد الجو. . . وتمر الأيام والليالي فيفاجأ وقد جاء رمضان آخر. وقد كان الصحابة ﵃ يدعون اللَّه تعالى أن يمكنهم من إدراك رمضان، فإذا جاء يسألون اللَّه تعالى أن يتقبل منهم أعمالهم، وهذا ما ينبغي لكل مسلم، فكيف يفرط الإنسان في صوم رمضان، أو قضائه؟ فلا شك أنَّ الحكم يختلف بين المفرط وغيره. * قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: يَجِبُ عَلَيْهِ بَعْدَ صِيَامِ رَمَضَانَ الدَّاخِلِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَحْمَدُ (٣).

стр. 3843

وَقَالَ قَوْمٌ (١): لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ (٢) الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ). المراد: لو أن إنسانًا أخَّر صوم رمضان مثلًا لهذا العام، وتساهل فيه، فأدركه رمضان آخر، فإنه يصوم رمضان الداخل، ثم يقضي بعد ذلك رمضان الذي فاته وقصر في قضائه. فإن قيل: نجد أن الإنسان عندما تفوته صلاة الظهر مثلًا، ثم تأتي صلاة العصر يلزمه أن يقدم صلاة الظهر، هذا على الرأي الصحيح عند من يرى وجوب الترتيب بين الفوائت (٣)، فلماذا لا يكون كذلك في الصيام،

стр. 3844

فيصوم في هذا الشهر رمضان الذي مضى، ثم يقضي رمضان الداخل؟ فالجواب: أن الصوم يختلف عن الصلاة، فالصلوات متقاربة، والصيام متباعدة، فهذا تركه فمضى أحد عشر شهرًا، هنا يصوم ذلك الشهر الذي لزمه؛ لأنه عندما يصوم رمضان في هذا العام يكون صومه أداءً، ورمضان الذي فات يعتبر قضاء، فلا يوضع القضاء في مكان الأداء، بل يقدم الأداء، ثم يُقضى ما فات. لكن هل يلزم أن يضيف إلى ذلك جبر هذا النقص، فيطعم عن كل يوم مسكينًا كفارة لذلك؟ أو يكتفي بالصيام؟ (١) من العلماء من قال: يكفر مع القضاء، فيطعم عن كل يوم مسكينًا مدًّا من طعام، وبعضهم قال: نصف صاع. وبعض العلماء لا يفرق بين المفرط وغيره، فيقول: يقضيه ولا شيء عليه، وهو مذهب أبي حنيفة والحسن وإبراهيم النخعي. لكن الجمهور على أن المفرط يقضي مع الكفارة. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ تُقَاسُ الْكَفَّارَاتُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ أَمْ لَا؟ فَمَنْ لَمْ يُجِزِ الْقِيَاسَ فِي الْكَفَّارَاتِ (٢) قَالَ: إِنَّمَا عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ. وَمَنْ أَجَازَ الْقِيَاسَ فِي الْكَفَّارَاتِ (٣) قَالَ: عَلَيْهِ الكَفَّارَةُ قِيَاسًا

стр. 3845

عَلَى مَنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا؛ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا مُسْتَهِينٌ بِحُرْمَةِ الصَّوْمِ، أَمَّا هَذَا فَبِتَرْكِ الْقَضَاءِ زَمَانَ الْقَضَاءِ، وَأَمَّا ذَلِكَ فَبِالْأَكْلِ فِي يَوْمٍ لَا يَجُوزُ فِيهِ الْأَكْلُ، وَإِنَّمَا كَانَ يَكُونُ الْقِيَاسُ مُسْتَنِدًا لَوْ ثَبَتَ أَنَّ لِلْقَضَاءِ زَمَانًا مَحْدُودًا بِنَصٍّ مِنَ الشَّارعِ؛ لِأَنَّ أَزْمِنَةَ الْأَدَاءِ هِيَ مَحْدُودَةُ فِي الشَّرْعِ). ورد في ذلك أثر (١)؛ أنه يجب على من فرَّط في ذلك القضاءُ والإطعامُ، لكن العلماء اختلفوا فيه تصحيحًا وتضعيفًا (٢). واختلفوا أيضًا: هل يطعم مدًّا (٣) أو نصف صاع (٤) -نصف الصاع: مدَّان-؟ الأشهر المعروف أنه يطعم مدًّا، يعني: يخرج مدًّا.

стр. 3846

* قوله: (وَقَدْ شَذَّ قَوْمٌ فَقَالُوا: إِذَا اتَّصَلَ مَرَضُ الْمَرِيضِ حَتَّى يَدْخُلَ رَمَضَان آخَرُ أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ) (١). فلو أن إنسانًا فاته رمضان أو بعضه لعذر، وظل العذر متصلًا حتى لحق به رمضان آخر، فعلى هذا القول الذي عبَّر عنه المؤلف بالشذوذ لا قضاء عليه. وهذا القول نُقل (٢) عن عبد اللَّه بن عمر وابن عباس وقتادة ﵃، ولا شك أن هذا هُجِر، وأصبح الإجماع بعد ذلك على خلافه. * قوله: (وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ). والنص الذي يُشير إليه المؤلف هو قول اللَّه : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، فإن اللَّه تعالى رتب ذلك على المريض إذا أفطر لعذر المرض فإنه يقضي ذلك متى زال عذر المرض، وكذا المسافر متى عاد من سفره.

стр. 3847

* قوله: (وَأَمَّا إِذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ. . .). هذه مسألة شبيهة بالسابقة، لكن الأُولى كانت في الحي وهذه في الميت. وفيه تفصيل: فإن كان هذا الذي مات وعليه صيام فرض، فإن كان معذورًا فلا شيء عليه، فلا يصوم عنه وليه ولا يطعم عنه. أما إن كان مفرطًا فهو الذي فيه الخلاف. فهناك من يرى أن وليه يصوم عنه مطلقًا، سواء كان صيامَ رمضانَ أو صيامَ نذر، وهذا قول طاوس والحسن البصري والزهري وقتادة من التابعين (١)، وقال به أبو ثور (٢) من الشافعية -وإن كان صاحب رأي مستقل-، وداود الظاهري (٣). * قوله: (فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ (٤)، وَقَوْمٌ قَالُوا: يَصُومُ عَنْهُ وَلَيُّهُ (٥)، وَالَّذِينَ لَمْ يُوجِبُوا الصَّوْمَ قَالُوا: يُطْعِمُ عَنْهُ وَلَيُّهُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ) (٦).

стр. 3848

وهذا في مذهب الشافعية وغيرهم، يفرقون أيضًا بين أن يكون فاته الصيام وأدركه الموت معذورًا، وبين أن يكون غيرَ معذور. فإن كان معذورًا فلا كفارة عليه (١). أما إن كان مفرطًا فعليه الكفارة عند هؤلاء (٢). * قوله: (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا صِيَامَ وَلَا إِطْعَامَ إِلَّا أَنْ يُوصِيَ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ) (٣). قول مالك: ليس عليه صيام ولا إطعام، يعني وليه؛ لأنه مات ولا يستطيع أن يصوم، فلا يصوم عنه وليه، ولا يطعم عنه، وهذا القول الذي ذكره المؤلف فيمن كان معذورًا حتى مات. * قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَصُومُ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَطْعَمَ). مذهب الحنفية فيه تفصيل كثير (٤)، لكن ملخصه ما ذكره المؤلف. * قوله: (وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ النَّذْرِ وَالصِّيَامِ الْمَفْرُوضِ، فَقَالُوا: يَصُومُ عَنْهُ وَلَيُّهُ فِي النَّذْرِ، وَلَا يَصُومُ عَنْهُ فِي الصِّيَامِ الْمَفْرُوضِ).

стр. 3849

هذا قول ابن عباس (١) ﵄ وهو مذهب الإمام أحمد (٢) وإسحاق بن راهويه (٣). فالمذاهب أربعة: الأول: من يرى أنه لا يصوم عنه وليه ولا يطعم عنه. الثاني: من يرى أنه يطعم عنه. الثالث: من يرى أنه يصام عنه مطلقًا. الرابع: من يفرق بين صيام النذر وبين غيره، فقالوا: إن كان عليه صيام نذر صام عنه وليه، وإن كان صيام رمضان، فإنه لا يصام عنه ولكن يطعم عنه. فإن قيل: لماذا هذا التفريق عند أصحاب هذا المذهب؟ فالجواب: أن النيابة تتفاوت بحسب خفتها، فإذا كانت العبادة خفيفة فإنها تدخلها النيابة، أما إذا كانت غير مشددة فلا تدخلها. فيقولون: إن النذر عبادة مخففة؛ لأنه لم يثبت بأصل الشرع، وإنما الذي أوجبه الإنسان على نفسه، وهو من الشرع بلا شك (٤)؛ لأن رسول اللَّه ﷺ قال: "من نذر أن يطيع اللَّه فليطعه، ومن نذر أن يعصي اللَّه فلا يعصه" (٥)، وأنه أيضًا: "يستخرج به من البخيل" (٦).

стр. 3850

لكن صيام رمضان عبادة مثقلة غير مخففة. وقد لجئوا إلى هذا التعليل للحديثين الذين سيذكرهما المؤلف، وهما متفق عليهما: الأول: قوله ﵊: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" (١)، وهذا نص في موضع الخلاف، و (من) من صيغ العموم؛ سواء قلنا بأنها موصولة أو شرطية، فيعم كل صيام، ولم يخص صيام النذر. الثاني: الحديث الذي جاء في قصة المرأة التي ذكرت لرسول اللَّه ﷺ أن أمها ماتت وعليها صيام نذر، وسألته: هل تصوم عنها؟ فقال لها: "أرأيت لو كان على أمك دين اكنت قاضيته؟ "، قالت: بلى، قال: "فدين اللَّه أحق بالقضاء" (٢)، وفي رواية: (فدين اللَّه أحق أن يُقضى) (٣). فجعلوا هذا الحديث مخصصًا لذلك، فقصروا قضاء الولي عن وليه على النذر، ثم أوردوا الفارق بين ما وجب بأصل الشرع وما أوجبه الإنسان على نفسه، ورأوا أن الفارق بينهما الخفة في الثاني والشدة في الأول. * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِلأَثَرِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ). الأصل: أنَّ القياس الصحيح لا يعارض النص الصريح الصحيح، وقد حقق العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية (٤) هذا وأثبتوه.

стр. 3851

فلا نقول بالتعارض هنا، ولكن وردت أحاديث اختلف العلماء في تأويلها وفي حملها، فمنهم من أخذ بعموم حديث: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" (١)، كما ذكرنا عن الذين قالوا بذلك. ومنهم من قصر ذلك على النذر، ومنهم من قال: إن الصيام من العبادات التي لا تدخلها النيابة كالصلاة، فكما أنه لا يصلي أحد عن أحد، كذلك لا يصوم أحد عن أحد. وقد صح عن عبد اللَّه بن عباس -كما أخرج ذلك النسائي في السنن الكبرى (٢) - أنه قال: (لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد). وهناك من رفعه (٣) -والمرفوع ضعيف-، وهناك من أوقفه -والموقوف هو الصحيح-. فالحقيقة أن أولئك لم يستدلوا بالقياس الذي حاول المؤلف أن يجعله حجة لهم، ولكن حجتهم هو هذا الأثر، عن ابن عباس، وورد ذلك عن عبد اللَّه بن عمر (٤). إذًا؛ كلٌّ يحتج بدليل مأثور في هذا المقام. * قوله: (أَنَّهُ قَالَ ﵊: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَهُ عَنْهُ وَلَيُّهُ" (٥) خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ). هذا حديث متفق عليه في الحقيقة، وليس في مسلم وحده.

стр. 3852

وبعض العلماء (١) يحاول أن يضعف الاستدلال بالحديثين، ويقول: إنه قد نقل عن كل من عائشة وابن عباس ﵄ ما يخالف روايتهما، لكن الذي ورد عنهما مخالف في هذه الحالة، فإن ما هنا رواية ضعيفة، وحتى لو صحت فلا يمكن أن تقدم أو أن تعارض فتوى راوي الحديث حديثًا يرويه عن رسول اللَّه ﷺ ، وكيف إذا كان هذا الحديث في الصحيحين أو في أحدهما. إذًا؛ لا يلتفت إلى ذلك. * قوله: (وَثَبَتَ عَنْهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسْولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ فَقَالَ: لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَتَهُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ") (٢). المؤلف جاء بهذه الرواية التي فيها: (جاء رجل)، لكن الرواية المشهورة في الصحيحين فيها: (جاءت امرأة). والحديث يعني أن الإنسان إذا كان يهتم بأمور الدنيا ويقضي الديون التي عليه، فالأولى له أيضًا أن يقضي ديون اللَّه ، وربما يظن البعض أن ما يتعلَّق بحقوق الإنسان أمرها سهل، وليس الأمر كذلك، بل مِن أشد الأُمور التي يخلفها الإنسان بعد مماته أن تبقى عليه ديون؛ ولذلك

стр. 3853

ورد أن الشهيد يغفر له كل شيء إلا الدَّين (١)، إلا شهيد البحر (٢)، فإن اللَّه يعطي غريمه حتى يرضى (٣). إذًا، الدَّين أمره خطير، وشأنه كبير، فلا ينبغي أن يتساهل به، ولا ينبغي للإنسان أن يماطل بمن أحسن إليه وقدم له قرضًا في وقت هو في عسرة، فيكافئه بالمماطلة ويمضي الأيام وربما يقطع صلته عنه ويجافيه ويبتعد عنه حتى لا يطالبه بحقه، فهذا لا ينبغي. لكنَّ حقوق اللَّه -بلا شك- تقدم على حقوق المخلوقين، وهي تُغفر بالتوبة، فإذا تاب الإنسان وأناب ورجع إلى اللَّه فإن اللَّه يعْفر للتائبين، لكن حقوق الإنسان منها ما لا يغفر إلا بأن تطلب الإباحة من صاحبها، فلو أنَّ إنسانًا تكلم في عرض أخيه المسلم فترتب على ذلك ضرر، أو أكل حقًّا من حقوقه؛ فيتطلب هذا أن يذهب إلى أخيه فيطلب منه العفو والصفح والمسامحة. *قول: (فَمَنْ رَأَى أَنَّ الْأُصُولَ تُعَارِضُهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَمَا لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلَا يَتَوَضَّأُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، كَذَلِكَ لَا يَصُومُ أَحَدٌ؛ قَالَ: لَا صِيَامَ عَلَى الْوَلِيِّ). كان الأولى أن يورد المؤلف في هذا المقام الأثر السابق آنفًا، بدل أن يجعل الدليل قياسًا، وهو أثر في سنن النسائي الكبرى بأسانيد صحيحة

стр. 3854

عن ابن عباس ﵄ بأنه قال: "لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد" (١). وقد جاء مرفوعًا لكنه لم يصح، وصح أيضًا عن عبد اللَّه بن عمر ﵄. إذًا؛ الأمر ليس أمر قياس كما ذكر المؤلف، فلا يمكن أن نعارض النصوص الصحيحة الصريحة بقياس، لكن ثبتت آثار عن بعض الصحابة فأخذ بها بعض العلماء، وبيَّنا سابقًا أنَّ ما جاء في قول عبد اللَّه بن عباس يختلف عما في روايته. * قوله: (وَمَنْ أَخَذَ بِالنَّصِّ فِي ذَلِكَ قَالَ: بِإِيجَابِ الصِّيَامِ عَلَيْهِ، وَمَنْ لَمْ يَأْخُذْ بِالنَّصِّ فِي ذَلِكَ قَصَرَ الْوَاجِبَ بِالنَّذْرِ). • مسألة: لماذا يصوم الولي؟ الجواب: أنَّ على الولي حقوقًا، فإن الميت إذا مات هناك حقوق على المسلمين تجاهه، وبخاصة أقرباؤه، وقد تكلمنا عن ذلك تفصيلًا، وبينا الطريق عندما تحدثنا عن أحكام الجنائز، كذلك للميت حقوق على أبنائه، وإن كان ابنًا فله حقوق على أهله وذويه. إذًا الحقوق قائمة منتشرة بين المسلمين، فناسب أن يصوم عن وليِّه للحق الذي له عليه. قوله: (ومن لم يأخذ)، أصحاب هذا القول لم يجمعوا بين النصين، وإنما أخذوا بالنص الآخر المتفق عليه، ورأوا أنه مخصصٌ للأول. قوله: (وَمَنْ قَاسَ رَمَضَانَ عَلَيْهِ قَالَ: يَصُومُ عَنْهُ فِي رَمَضَانَ، وَأَمَّا مَنْ أَوْجَبَ الْإِطْعَامَ فَمَصِيرًا إِلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] الآيَةَ).

стр. 3855

في هذه الآية أربع قراءات: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ بالياء والتخفيف (١)، و ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ بالواو المشددة وفتح الطاء (٢)، و ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] بالواو المشددة والطاء المشددة (٣)، وفيه قراءة رابعة (٤). والقراءات الثلاثة هي التي تتعلق بموضوعنا: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾، هذا ﴿ويَطَّوَّقُونَهُ﴾. نبين العلل الصرفية والإبدال، ثم بعد ذلك نبيِّن الأحكام المتعلقة بها. القراءة الأولى: قوله : ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾، الأصل فيها: يُطْوِقُونَهُ، والعلة هنا صرفية وليست نحوية، فقد قال العلماء: إن أصل ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ يُطْوِقُونَهُ، فالواو وقعت مكسورة في الأصل، ثم نقلت الكسرة إلى الطاء قبلها، وحل محلها السكون. والقاعدة الصرفية: (إذا وقعت الواو بعد كسر -وبعضهم يقول: ساكنة بعد كسر- قلبت ياء) (٥). الأحكام المتعلقة بهذه القراءة: معنى قول اللَّه في القراءة الصحيحة المشهورة: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ على أقوال: الأول: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾: أي: يقدرون عليه. وقد ذكر علماء التفسير وأسباب النزول (٦): لما نزل صيام رمضان
следующие страницы →