فلا نقول بالتعارض هنا، ولكن وردت أحاديث اختلف العلماء في تأويلها وفي حملها، فمنهم من أخذ بعموم حديث: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" (١)، كما ذكرنا عن الذين قالوا بذلك.
ومنهم من قصر ذلك على النذر، ومنهم من قال: إن الصيام من العبادات التي لا تدخلها النيابة كالصلاة، فكما أنه لا يصلي أحد عن أحد، كذلك لا يصوم أحد عن أحد. وقد صح عن عبد اللَّه بن عباس -كما أخرج ذلك النسائي في السنن الكبرى (٢) - أنه قال: (لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد). وهناك من رفعه (٣) -والمرفوع ضعيف-، وهناك من أوقفه -والموقوف هو الصحيح-.
فالحقيقة أن أولئك لم يستدلوا بالقياس الذي حاول المؤلف أن يجعله حجة لهم، ولكن حجتهم هو هذا الأثر، عن ابن عباس، وورد ذلك عن عبد اللَّه بن عمر (٤).
إذًا؛ كلٌّ يحتج بدليل مأثور في هذا المقام.
* قوله: (أَنَّهُ قَالَ ﵊: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَهُ عَنْهُ وَلَيُّهُ" (٥) خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ).
هذا حديث متفق عليه في الحقيقة، وليس في مسلم وحده.
стр. 3852
وبعض العلماء (١) يحاول أن يضعف الاستدلال بالحديثين، ويقول: إنه قد نقل عن كل من عائشة وابن عباس ﵄ ما يخالف روايتهما، لكن الذي ورد عنهما مخالف في هذه الحالة، فإن ما هنا رواية ضعيفة، وحتى لو صحت فلا يمكن أن تقدم أو أن تعارض فتوى راوي الحديث حديثًا يرويه عن رسول اللَّه ﷺ ، وكيف إذا كان هذا الحديث في الصحيحين أو في أحدهما. إذًا؛ لا يلتفت إلى ذلك.
* قوله: (وَثَبَتَ عَنْهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسْولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ فَقَالَ: لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَتَهُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ") (٢).
المؤلف جاء بهذه الرواية التي فيها: (جاء رجل)، لكن الرواية المشهورة في الصحيحين فيها: (جاءت امرأة).
والحديث يعني أن الإنسان إذا كان يهتم بأمور الدنيا ويقضي الديون التي عليه، فالأولى له أيضًا أن يقضي ديون اللَّه ، وربما يظن البعض أن ما يتعلَّق بحقوق الإنسان أمرها سهل، وليس الأمر كذلك، بل مِن أشد الأُمور التي يخلفها الإنسان بعد مماته أن تبقى عليه ديون؛ ولذلك
стр. 3853
ورد أن الشهيد يغفر له كل شيء إلا الدَّين (١)، إلا شهيد البحر (٢)، فإن اللَّه يعطي غريمه حتى يرضى (٣). إذًا، الدَّين أمره خطير، وشأنه كبير، فلا ينبغي أن يتساهل به، ولا ينبغي للإنسان أن يماطل بمن أحسن إليه وقدم له قرضًا في وقت هو في عسرة، فيكافئه بالمماطلة ويمضي الأيام وربما يقطع صلته عنه ويجافيه ويبتعد عنه حتى لا يطالبه بحقه، فهذا لا ينبغي.
لكنَّ حقوق اللَّه -بلا شك- تقدم على حقوق المخلوقين، وهي تُغفر بالتوبة، فإذا تاب الإنسان وأناب ورجع إلى اللَّه فإن اللَّه يعْفر للتائبين، لكن حقوق الإنسان منها ما لا يغفر إلا بأن تطلب الإباحة من صاحبها، فلو أنَّ إنسانًا تكلم في عرض أخيه المسلم فترتب على ذلك ضرر، أو أكل حقًّا من حقوقه؛ فيتطلب هذا أن يذهب إلى أخيه فيطلب منه العفو والصفح والمسامحة.
*قول: (فَمَنْ رَأَى أَنَّ الْأُصُولَ تُعَارِضُهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَمَا لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلَا يَتَوَضَّأُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، كَذَلِكَ لَا يَصُومُ أَحَدٌ؛ قَالَ: لَا صِيَامَ عَلَى الْوَلِيِّ).
كان الأولى أن يورد المؤلف في هذا المقام الأثر السابق آنفًا، بدل أن يجعل الدليل قياسًا، وهو أثر في سنن النسائي الكبرى بأسانيد صحيحة
стр. 3854
عن ابن عباس ﵄ بأنه قال: "لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد" (١). وقد جاء مرفوعًا لكنه لم يصح، وصح أيضًا عن عبد اللَّه بن عمر ﵄.
إذًا؛ الأمر ليس أمر قياس كما ذكر المؤلف، فلا يمكن أن نعارض النصوص الصحيحة الصريحة بقياس، لكن ثبتت آثار عن بعض الصحابة فأخذ بها بعض العلماء، وبيَّنا سابقًا أنَّ ما جاء في قول عبد اللَّه بن عباس يختلف عما في روايته.
* قوله: (وَمَنْ أَخَذَ بِالنَّصِّ فِي ذَلِكَ قَالَ: بِإِيجَابِ الصِّيَامِ عَلَيْهِ، وَمَنْ لَمْ يَأْخُذْ بِالنَّصِّ فِي ذَلِكَ قَصَرَ الْوَاجِبَ بِالنَّذْرِ).
• مسألة: لماذا يصوم الولي؟
الجواب: أنَّ على الولي حقوقًا، فإن الميت إذا مات هناك حقوق على المسلمين تجاهه، وبخاصة أقرباؤه، وقد تكلمنا عن ذلك تفصيلًا، وبينا الطريق عندما تحدثنا عن أحكام الجنائز، كذلك للميت حقوق على أبنائه، وإن كان ابنًا فله حقوق على أهله وذويه.
إذًا الحقوق قائمة منتشرة بين المسلمين، فناسب أن يصوم عن وليِّه للحق الذي له عليه.
قوله: (ومن لم يأخذ)، أصحاب هذا القول لم يجمعوا بين النصين، وإنما أخذوا بالنص الآخر المتفق عليه، ورأوا أنه مخصصٌ للأول.
قوله: (وَمَنْ قَاسَ رَمَضَانَ عَلَيْهِ قَالَ: يَصُومُ عَنْهُ فِي رَمَضَانَ، وَأَمَّا مَنْ أَوْجَبَ الْإِطْعَامَ فَمَصِيرًا إِلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] الآيَةَ).
стр. 3855
في هذه الآية أربع قراءات: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ بالياء والتخفيف (١)، و ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ بالواو المشددة وفتح الطاء (٢)، و ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] بالواو المشددة والطاء المشددة (٣)، وفيه قراءة رابعة (٤). والقراءات الثلاثة هي التي تتعلق بموضوعنا: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾، هذا ﴿ويَطَّوَّقُونَهُ﴾. نبين العلل الصرفية والإبدال، ثم بعد ذلك نبيِّن الأحكام المتعلقة بها.
القراءة الأولى: قوله : ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾، الأصل فيها: يُطْوِقُونَهُ، والعلة هنا صرفية وليست نحوية، فقد قال العلماء: إن أصل ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ يُطْوِقُونَهُ، فالواو وقعت مكسورة في الأصل، ثم نقلت الكسرة إلى الطاء قبلها، وحل محلها السكون. والقاعدة الصرفية: (إذا وقعت الواو بعد كسر -وبعضهم يقول: ساكنة بعد كسر- قلبت ياء) (٥).
الأحكام المتعلقة بهذه القراءة: معنى قول اللَّه في القراءة الصحيحة المشهورة: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ على أقوال:
الأول: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾: أي: يقدرون عليه.
وقد ذكر علماء التفسير وأسباب النزول (٦): لما نزل صيام رمضان
стр. 3856
شقَّ على الناس، فكان أحدهم يفطر فيطعم عن كل يوم مسكينًا، فكانت تلك رخصة لهم لأنهم لحقهم شيء من المشقة، حتى نزل قول اللَّه تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]، قالوا: فنسخت بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]. هذا قول (١).
الثاني: قال عبد اللَّه بن عباس (٢) ﵄ قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤]: نزلت في الشيخ الكبير والمرأة العجوز وأمثال هؤلاء، الذين يطيقون الصوم لكنهما يفطران مع قدرتهما على ذلك، قال: فنُسخ ذلك بقول اللَّه : ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فكان الصوم واجبًا.
стр. 3857
القراءة الثانية: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ (١)، أي: يُكَلَّفونه (٢). فهذه القراءة فيها قُدرَو على الصيام، لكن يلحق الصائم مشقَّة.
الأحكام المتعلقة بهذه القراءة:
معنى ﴿يُطَوَّقُونَهُ﴾ في هذه القراءة: أي: يكلَّفونه، فهم يطيقون الصيام ولكن تلحقهم مشقة ظاهرة وبيِّنة، كالحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما، أو على ولديهما.
القراءة الثالثة: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ﴾ والأصل في قوله تعالى: ﴿يَطَّوَّقُونَهُ﴾: يتطوقون، فيها إبدال، أسكنت التاء ثم أبدلت طاء، وأدغمت إحدى الطاءين في الأُخرى فصارت: ﴿يَطَّوَّقُونَهُ﴾، وهذه القراءة قال العلماء فيها: إنها قراءو غير ثابتة؛ أي: لا يترتب عليها حكم، لكنها قراءة جاءت تفسيرًا، وردها العلماء ولم يعتبروها قراءة، وخَطَّؤوا من عدها قراءة (٣).
هذا توجيه القراءات.
стр. 3858
* قوله: (وَأَمَّا مَنْ أَوْجَبَ الْإِطْعَامَ فَمَصِيرًا إِلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] الْآيَةَ)
قد بيَّنا الآية غاية بيان وما يتعلَّق بها من أحكام.
* قوله: (وَمَنْ خَيَّرَ فِي ذَلِكَ فَجَمْعًا بَيْنَ الآيَةِ وَالْأَثَرِ، فَهَذِهِ هِيَ أَحْكَامُ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ مِنَ الصِّنْفِ الَّذِينَ يَجُوزُ لَهُمُ الْفِطْرُ وَالصَّوْمُ).
صحَّ عن ابن عباس أيضًا بأسانيد صحيحة أنَّ قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] غير منسوخة (١)، فتأول العلماء ذلك فقالوا (٢): يُحتمل أن المراد بالنسخ الذي ذكره بعض العلماء هو: التخصيص؛ أي: أنَّ الآية خُصِّصَتْ، وقد كان علماؤنا السابقون يطلقون النسخ ويعنون به: التخصيص.
[أَحْكَامُ الْمُرْضِعِ وَالْحَامِلِ وَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ في الصيام]
* قوله: (وَأَمَّا بَاقِي هَذَا الصِّنْفِ وَهُوَ الْمُرْضِعُ وَالْحَامِلُ وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ).
بقي مما يتعلَّق بهذا الصنف؛ ثلاثة أنواع:
١ - الحامل: وهي تختلف عن غيرها من ناحيتين:
المشقة: لأنها تعاني من الحمل، وهذه من الأُمور والحقوق التي ينبغي أن يحفظها الأبناء لأمهاتهم.
стр. 3859
والجنين الذي في بطنها: فهي تسعى إلى المحافظة على هذا الجنين. وللجنين عند أمه مكانة عظيمة.
٢ - المُرْضِع: قد تحتاج إلى الفطر، بسبب الرضيع؛ لأنها لو استمرت في الرضاع قد يجف ثديها، فيقع ضرر على الصبي، وهذه الشريعة قد بُنيت على رفع الضرر؛ للقاعدة المشهورة: (لا ضرر ولا ضرار) (١)، و (الضرر يُزال) (٢).
٣ - والشيخُ الكبير: ويُلحَق به المرأة الكبيرة.
والشريعة كثيرًا ما تُعبِّر بالرجل، وتدخل المرأة أيضًا في الحكم.
* قوله: (فَإِنَّ فِيهِ مَسْأَلَتَيْنِ مَشْهُورَتَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: الْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ إِذَا أَفْطَرَتَا مَاذَا عَلَيْهِمَا؟).
المسألة ذات شقَّين؛ لأنَّ الحامل والمرضع إما أن تفطرا:
- خوفًا على أنفسهما فقط، أو خوفًا على أنفسهما وولدهما؛ لأنَّ هذه مرضع، وهذه حامل، هذه تُرضع وهذه في بطنها جنين.
- وإما خوفًا على ولدهما.
والشافعية (٣) والحنابلة (٤) يفرقون بين الأمرين.
* قوله: (وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لِلْعُلَمَاءِ فِيهَا أَرْبَعَةُ مَذَاهِبَ، أَحَدُهَا: أَنَّهُمَا يُطْعِمَان وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمَا).
стр. 3860
القول الأول (١): (يطعمان ولا قضاء عليهما) يقول: يفطران؛ يعني: يجوز لهما الفطر، ويطعمان؛ ولا يجب عليهما القضاء.
* قوله: (وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ (٢)، وَابْنِ عَبَّاسٍ) (٣).
ومروي أيضًا عن سعيد بن جبير (٤).
* قوله: (وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُمَا يَقْضِيَانِ فَقَطْ وَلَا إِطْعَامَ عَلَيْهِمَا، وَهُوَ مُقَابِلُ الْأَوَّلِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ (٥)، وَأَبُو ثَوْرٍ) (٦).
القول الثاني: يُفطران ويلزمهما القضاء، ولا إطعام عليهما.
стр. 3861
* قوله: (وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمَا يَقْضِيَانِ وَيُطْعِمَانِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ).
القول الثالث: قال به الشافعي وأحمد، لكنَّ مذهب الإمامين فيه تفصيل وهو على النحو التالي:
الشافعية والحنابلة يفصّلان القول في هذه المسألة؛ فيقسمانها إلى قسمين:
- القسم الأول (١): بالنسبة للحامل والمرضع: أن يُفطرا خوفًا على أنفسهما فقط، أو على أنفسهما وولدهما؛ ففي هذه الحالة ليس عليهما إلا القضاء؛ لأنَّ المسألة متعلقة بأنفسهما، أو بالنفس مع الولد.
- القسم الثاني (٢): أن يخافا على ولديهما الضرر، ألا يأخذ القدر الكافي لغذائه؛ ففي هذه الحالة تفطران وتقضيان ويلزمهما الإطعام.
стр. 3862
* قوله: (وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْحَامِلَ تَقْضِي وَلَا تُطْعِمُ، وَالْمُرْضِعُ تَقْضِي وَتُطْعِمُ) (١).
هذا تفصيلٌ في مذهب مالكٍ.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: تَرَدُّدُ شَبَهِهِمَا).
القياس عند الأصوليين نوعان: قياس عِلّة وقياس شبه:
وقياس الحلة مُسلَّم عدا أهل الظاهر فلا يُعتدُّ بخلافهم؛ لأنَّ قياس العلة (٢): (هو إلحاق فرعٍ بأصلٍ في حكمِ لعلة تجمع بينهما)؛ فالعلة الموجودة في الأصل متوفر أيضًا في الفرع، وقد تكون أقوى في الفرع.
وقياس الشبه (٣): (هو أن تُلحق شبيهًا بشبيهٍ مماثل له)، وهنا الإلحاق
стр. 3863
ضعيف، وقياس الشبه جاء في قصة الرجل الذي جاء إلى رسول اللَّه ﷺ وقال: "يا رسول اللَّه ولد لي غلام أسود فقال: هل لك من إبل؟ قال نعم، قال: ما ألوانها؟ قال: حمر، قال: هل فيها من أورق؟ قال: نعم. قال: فأنى ذلك؟ قال: لعله نزعه عرق. قال: فلعل ابنك هذا نزعه عرق" (١) فرسول اللَّه ﷺ أقنع الرجل عن طريق ضرب المثل بأن ألحق الشبيه بالشبيه.
فقياس الشَّبه حجة عند بعض العلماء، لكنَّ حجيته لا ترقى إلى حُجيّة قياس العلة (٢)، وقياس العلة -كما هو معلوم- مشارٌ إليه في قول اللَّه : ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَار﴾ [الحشر: ٢]، والاعتبار إنما هو من العبرة، بأن تُلحق شيئًا بشيء.
إذًا؛ أصل القياس موجودٌ في كتاب اللَّه .
стр. 3864
* قوله: (بَيْنَ الَّذِي يُجْهِدُهُ الصَّوْمُ وَبَيْنَ الْمَرِيضِ، فَمَنْ شَبَّهَهُمَا بِالْمَرِيضِ قَالَ: عَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ فَقَطْ) (١).
لأنَّ المريض يقضي.
* قوله: (وَمَنْ شَبَّهَهُمَا بِالَّذِي يُجْهِدُهُ الصَّوْمُ قَالَ: عَلَيْهِمَا الْإِطْعَامُ فَقَطْ (٢) بِدَلِيلِ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين﴾ [البقرة: ١٨٤] الآيَةَ).
أي: إنسانٌ كبيرٌ تلحقه مشقة في الصوم فإنه يُطعم.
بدليل قراءة: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ فهذه فيها التقدير الذي ذكرناه، يعني: يقدرون عليه.
стр. 3865
* قوله: (وَأَمَّا مَنْ جَمَعَ عَلَيْهِمَا الْأَمْرَيْنِ (١) فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ رَأَى فِيهِمَا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ شَبَهًا فَقَالَ: عَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ مِنْ جِهَةِ مَا فِيهِمَا مِنْ شَبَهِ الْمَرِيضِ، وَعَلَيْهِمَا الْفِدْيَةُ مِنْ جِهَةِ مَا فِيهِمَا مِنْ شَبَهِ الَّذِينَ يُجْهِدُهُمُ الصِّيَامُ، وَشَبَهِ أَنْ يَكُونَ شَبَّهَهُمَا بِالْمُفْطِرِ الصَّحِيحِ لَكِنْ يَضْعُفُ هَذَا، فَإِن الصَّحِيحَ لَا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ).
يقصد بالفدية هنا: الإطعام، فبعض العلماء يُسمِّي الإطعام فدية، وبعضهم يطلق على الفدية إطعامًا وهذا معروف، لكنها في الحج تُسمَّى فدية.
* قوله: (وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ أَلْحَقَ الْحَامِلَ بِالْمَرِيضِ، وَأَبْقَى حُكْمَ الْمُرْضِعِ مَجْمُوعًا مِنْ حُكْمِ الْمَرِيضِ وَحُكْمِ الَّذِي يُجْهِدُهُ الصَّوْمُ، أَوْ شَبَّهَهَا بِالصَّحِيحِ) (٢).
ألحق الحامل بالمريض لأنَّ الحامل تحمل في بطنها طفلًا، ويلحقها آلام بسبب الحمل، وتمرُّ بها فترات صعبة قبل أن يأتي وقت المخاض.
* قوله: (وَمَنْ أَفْرَدَ لَهُمَا أَحَدَ الْحُكْمَيْنِ أَوْلَى -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- مِمَّنْ جَمَعَ، كَمَا أَنَّ مَنْ أَفْرَدَهُمَا بِالْقَضَاءِ أَوْلَى مِمَّنْ أَفْرَدَهُمَا بِالْإِطْعَامِ فَقَطْ لِكَوْنِ الْقِرَاءَةِ غَيْرَ مُتَوَاتِرَةٍ فَتَأَمَّلْ هَذَا فَإِنَّهُ بَيِّنٌ).
القراءة غير المتواترة: هي ﴿يطوقونه﴾ (٣): أصلها: يتطوقون؛ وقد أنكرها العلماء وقالوا: هذه ليست قراءة، وإنما هي تفسير أوردها ابن
стр. 3866
عباس، وهناك من يرى أنها قراءة لكنَّ هذا القول شاذٌّ عند العلماء.
* قوله: (وَأَما الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْعَجُوزُ اللَّذَان لَا يَقْدِرَانِ عَلَى الصِّيَامِ: فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لَهُمَا أَنْ يُفْطِرَا (١)، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَلَيْهِمَا إِذَا أَفْطَرَا؛ فَقَالَ قَوْمٌ: عَلَيْهِمَا الْإِطْعَامُ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ عَلَيْهِمَا إِطْعَامٌ. وَبِالْأَوَّلِ (٢) قَالَ الشَّافِعِيُّ (٣)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٤)، وَبِالثَّانِي قَالَ مَالِكٌ (٥) إِلَّا أَنَّهُ اسْتَحَبَّهُ.
وَأَكْثَرُ مَنْ رَأَى الْإِطْعَامَ عَلَيْهِمَا يَقُولُ: مُدٌّ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ، وَقِيلَ: إِنْ حَفَنَ حَفَنَاتٍ كَمَا كَانَ أَنَسٌ يَصْنَعُ أَجْزَأَهُ) (٦).
стр. 3867
الشيخ الكبير، والعجوز، إذا كان يجهدهما الصومُ، ويشق عليهما مشقة شديدة، فلهما أن يُفطرا ويُطعما لكل يوم مسكينًا. وهذا قول أبي حنيفة.
وقال مالك: لا يجب عليه شيء؛ لأنه ترك الصوم لعجزه، فلم تجب فدية، كما لو تركه لمرض اتصل به الموت. وللشافعي قولان كالمذهبين.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِم اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ الَّتِي ذَكرْنَا -أَعْنِي: قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤]- فَمَنْ أَوْجَبَ الْعَمَلَ بِالْقِرَاءَةِ التِي لَمْ تَثْبُتْ فِي الْمُصْحَفِ إِذَا وَرَدَتْ مِنْ طَرِيقِ الْآحَادِ الْعُدُولِ، قَالَ: الشَّيْخُ مِنْهُمْ. وَمَنْ لَمْ يُوجِبْ بِهَا عَمَلًا جَعَلَ حُكْمَهُ حُكْمَ الْمَرِيضِ الَّذِي يَتَمَادَى بِهِ الْمَرَضُ حَتَّى يَمُوْتَ).
اختلفت أنظارهم بحسب اختلاف حكم العمل بهذه القراءة.
* قوله: (فَهَذِهِ هِيَ أَحْكَامُ الصِّنْفِ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ يَجُوزُ لَهُمُ الْفِطْرُ -أَعْنِي: أَحْكَامَهُم الْمَشْهُورَةَ الَّتِي أَكْثَرُهَا مَنْطُوقٌ بِهِ، أَوْ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالْمَنْطُوقِ بِهِ فِي الصِّنْفِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ-).
انتهى المؤلف من ذكر الأشخاص الذين يجوز لهم الفطر في الصيام الواجب.
[أَحْكَامُ مَنْ يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ إِذَا أَفْطَرَ]
قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وَأَمَّا النَّظَرُ فِي أَحْكَامِ الصِّنْفِ الَّذِي لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ إِذَا أَفْطَرَ: فَإِنَّ النَّظَرَ فِي ذَلِكَ يَتَوَجَّهُ إِلَى مَنْ يُفْطِرُ بجِمَاعٍ، وَإِلَى مَنْ يُفْطِرُ بِغَيْرِ جِمَاعٍ، وَإِلَى مَنْ يُفْطِرُ بِأَمْرٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، وَإِلَى مَنْ يُفْطِرُ بِأَمْرٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ -أَعْنِي: بِشُبْهَةٍ أَوْ بِغَيْرِ شُبْهَةٍ-
стр. 3868
وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى طَرِيقِ السَّهْوِ، أَوْ طَرِيقِ الْعَمْدِ، أَوْ طَرِيقِ الِاخْتِيَارِ، أَوْ طَرِيقِ الْإِكْرَاهِ).
هذا تقسيم منطقيٌّ بديع لأنواع المسائل الفقهية التي سيعرضُها المؤلف في هذا الباب.
* قوله: (أَمَّا مَنْ أَفْطَرَ بجِمَاعٍ مُتَعَمِّدًا فِي رَمَضَانَ، فَإِنَّ الْجُمْهُورَ (١) عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ؛ لِمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "وَمَا أَهْلَكَكَ؟ "، قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ. قَالَ: "هَلْ تجِدُ مَا تُعْتِقُ بِهِ رَقَبَةً؟ "، قَالَ: لَا. قَالَ: "فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ الشَّهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: "فَهَلْ تجِدُ مَا تُطْعِمُ بِهِ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ " قَالَ: لَا. ثُمَّ جَلَسَ فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ: "تَصَدَّقْ بِهَذَا". فَقَالَ: أَعْلَى أَفْقَرَ مِنِّي؟ فَمَا بَيْنَ لَابَّتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا! قَالَ: فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ: "اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ") (٢).
ليس بين أهل العلم خلاف في أن من جامع في الفرج فأنزل أو لم يُنزِل، أو دون الفرج فأنزل، أنه يفسد صومه إذا كان عامدًا، وقد دلت الأخبار الصحيحة على ذلك.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ، مِنْهَا: هَلِ الإِفْطَارُ
الْإِعْتَاقَ أَوِ الْإِطْعَامَ أَنْ يَصُومَ، وَلَا بُدَّ إِذَا كَانَ صَحِيحًا عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَأَيْضًا لَوْ كَانَ عَزْمَةً لَأَعْلَمَهُ ﷺ أَنَّهُ إِذَا صَحَّ أَنَّهُ يجِبُ عَلَيْهِ الصِّيَامُ أَنْ لَوْ كَانَ مَرِيضًا).
قال جماعة من التابعين: على مَن أفطر القضاءُ فقط بغير كفارة، لكن الصواب أنهم قالوا ذلك في المفطر بالأكل لا في المُجامِع، وقال ﷺ في ثواب الصائم: "قال اللَّه تعالى: يدع طعامه وشرابه، وشهوته من أجلي". فدخلت في ذلك شهوة الجماع.
* قوله: (وَكَذَلِكَ شَذَّ قَوْمٌ أَيْضًا فَقَالُوا: لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا الْكَفَّارَةُ فَقَطْ؛ إِذْ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الْقَضَاءِ، وَالْقَضَاءُ الْوَاجِبُ بِالْكِتَابِ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ أَفْطَرَ مِمَّنْ يَجُوز لَهُ الْفِطْرُ، أَوْ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَهُ الصَّوْمُ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي قَرَّرْنَاهُ قَبْلُ فِي ذَلِكَ، فَأَمَّا مَنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا فَلَيْسَ فِي إِيجَابِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ نَصٌّ، فَيَلْحَقُ فِي قَضَاءِ الْمُتَعَمِّدِ الْخِلَافُ الَّذِي لَحِقَ فِي قَضَاءِ تَارِكِ الصَّلَاةِ عَمْدًا حَتَّى خُرُوجِ وَقْتِهَا، إِلَّا أَنَّ الْخِلَافَ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ شَاذٌّ، وَأَمَّا الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ فَهُوَ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي عَدَّدْنَاهَا قَبْلُ).
هذا من إتقان المؤلف في تحرير محلِّ النزاع بين الفقهاء ﵏، وهو وإن كان اعتمد كتاب "الاستذكار"، لابن عبد البر مصدرًا إلا إنَّه أجاد في عرض المسائل بطريقة أكثرَ سهولة.
* قوله: (وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الأُولَى وَهِيَ: هَلْ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْإِفْطَارِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ مُتَعَمَّدًا؟ فَإِنَّ مَالِكًا وَأَصْحَابَهُ (١)، وَأَبَا حَنِيفَةَ
стр. 3871
وَأَصْحَابَهُ (١)، وَالثَّوْرِيَّ وَجَمَاعَةً (٢) ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ مَنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ. وَذَهَبَ الشَّافَعِيُّ (٣)، وَأَحْمَدُ (٤)، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ (٥) إِلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ إِنَّمَا تَلْزَمُ فِي الْإِفْطَارِ مِنَ الْجِمَاعِ فَقَطْ).
متى أفطر بشيء من ذلك فعليه القضاء، ليس في ذلك خلاف؛ لأن الصوم كان ثابتًا في الذمة، فلا تبرأ منه إلا بأدائه، ولم يؤده، فبقي على ما كان عليه.
وأمَّا الكفارة: فلا كفارة عند الشافعي، وأحمد. وقال مالك: تجب الكفارة بكل ما كان هتكًا للصوم، إلا الردة؛ لأنه إفطار في رمضان، أشبه الجماع.
احتجوا بأنه أفطر بأعلى ما في الباب من جنسه، فوجبت عليه الكفارة كالمُجامِع. ولنا أنه أفطر بغير جماع، فلم توجب الكفارة، كبَلْعِ الحصاة أو التراب، أو كالردة عند مالك؛ ولأنه لا نص في إيجاب الكفارة بهذا ولا إجماع، ولا يصح قياسه على الجماع؛ لأن الحاجة إلى الزجر عنه أمسُّ، والحكم في التعدي به آكد، ولهذا يجب به الحد إذا كان مُحرمًا، ويختص بإفساد الحج دون سائر محظوراته، ووجوب البدنة، ولأنه في الغالب يفسد صوم اثنين، بخلاف غيره.
* قوله: (وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَهُوَ إِذَا جَامَعَ نَاسِيًا لِصَوْمِهِ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ (١)، وَأَبَا حَنِيفَة يَقُولَانِ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كفَّارَةَ. وَقَالَ مَالِكٌ (٢): عَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ. وَقَالَ أَحْمَدُ (٣)، وَأَهْلُ الظَّاهِرُ (٤): عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ).
لو جامع ناسيًا، فمذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد: أنه كالعامد؛ لأنه معنى حرمه الصوم، فإذا وجد منه مكرهًا أو ناسيًا، لم يفسده؛ كالأكل.
стр. 3874
ومالك يوجب القضاء دون الكفارة؛ لأن الكفارة لرفع الإثم، وهو محطوط عن الناسي.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي قَضَاءِ النَّاسِي مُعَارَضَةُ ظَاهِرِ الْأَثَرِ فِي ذَلِكَ لِلْقِيَاسِ. أَمَّا الْقِيَاسُ: فَهُوَ تَشْبِيهُ نَاسِي الصَّوْمِ بِنَاسِي الصَّلَاةِ. فَمَنْ شَبَّهَهُ بِنَاسِي الصَّلَاةِ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ كَوُجُوبِهِ بِالنَّصِّ عَلَى نَاسِي الصَّلَاةِ. وَأَمَّا الْأَثَرُ الْمُعَارِضُ بِظَاهِرِهِ لِهَذَا الْقِيَاسِ: فَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ" (١). وَهَذَا الْأَثَرُ يَشْهَدُ لَهُ عُمُومُ قَوْلِهِ ﷺ : "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" (٢)).
النبي ﷺ أمر الذي قال: "وقعت على امرأتي" بالكفارة، ولم يسأله عن العمد، ولو افترق الحال لسأل واستفصل. ولأنه يجب التعليل بما تناوله لفظ السائل وهو الوقوع على المرأة في الصوم، ولأن السؤال كالمعاد في الجواب، فكأن النبيَّ ﷺ قال: "من وقع على أهله في رمضان فليعتقْ رقبة".
* قوله: (وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِيمَنْ ظَنَّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ فَأَفْطَرَ ثُمَّ ظَهَرَتِ الشَّمْسُ بَعْدَ ذَلِكَ، هَلْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ أَمْ لَا؟ وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا مُخْطِئٌ، وَالْمُخْطِئُ وَالنَّاسِي حُكْمُهُمَا وَاحِدٌ، فَكَيْفَمَا قُلْنَا فَتَأْثِيرُ النِّسْيَانِ فِي إِسْقَاطِ الْقَضَاءِ بَيِّنٌ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- وَذَلِكَ أَنَّا إِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْأَصْلَ هُوَ أَلَّا يَلْزَمَ النَّاسِيَ قَضَاءٌ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ النِّسْيَانُ لَا يُوجِبُ الْقَضَاءَ فِي الصَّوْمِ، إِذْ لَا دَلِيلَ هَاهُنَا عَلَى ذَلِكَ
стр. 3875
بِخِلَافِ الْأَمْرِ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْأَصْلَ هُوَ إِيجَابُ الْقَضَاءِ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى رَفْعِهِ عَنِ النَّاسِي، فَقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى رَفْعِهِ عَنِ النَّاسِي، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَقُولَ قَائِل: إِنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي اسْتَثْنَى نَاسِيَ الصَّوْمِ مِنْ نَاسِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي رُفِعَ عَنْ تَارِكِهَا الْحَرَجُ بِالنَّصِّ هُوَ قِيَاسُ الصَّوْمِ عَلَى الصَّلَاةِ، لَكِنَّ إِيجَابَ الْقَضَاءِ بِالْقِيَاسِ فِيهِ ضَعْفٌ، وَإِنَّمَا الْقَضَاءُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَاجِبٌ بِأَمْرٍ مُتَجَدِّدٍ).
إن أكل يظن أن الفجر لم يطلع، وقد كان طلع، أو أفطر يظن أن الشمس قد غابت، ولم تَغِب، فعليه القضاء عند أكثر أهل العلم من الفقهاء وغيرهم. وحُكي عن بعضهم: لا قضاء عليهم.
والصواب: أنه أكل مختارًا ذاكرًا للصوم، فأفطر، كما لو أكل يوم الشك؛ ولأنه جهل بوقت الصيام، فلم يُعذر به، كالجهل بأول رمضان؛ ولأنه يمكن التحرز منه، فأشبه أكل العامد، وفارَق الناسي، فإنه لا يمكن التحرز منه.
* قوله: (وَأَمَّا مَنْ أَوْجَبَ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ عَلَى الْمُجَامِعِ نَاسِيًا فَضَعِيفٌ، فَإِنَّ تَأْثِيرَ النِّسْيَان فِي إِسْقَاطِ الْعُقُوبَاتِ بَيِّنٌ فِي الشَّرْعِ، وَالْكَفَّارَةُ مِنْ أَنْوَاعِ الْعُقُوبَاتِ، وَإِنَّمَا أَصَارَهُمْ إِلَى ذَلِكَ أَخْذُهُمْ بِمُجْمَلِ الصِّفَةِ الْمَنْقُولَةِ فِي الْحَدِيثِ -أَعْنِي: مِنْ أَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَمْدًا وَلَا نِسْيَانًا- لَكِنَّ مَنْ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ عَلَى قَاتِلِ الصَّيْدِ نِسْيَانًا لَمْ يَحْفَظْ أَصلَهُ فِي هَذَا، مَعَ أَنَّ النَّصَّ إِنَّمَا جَاءَ فِي الْمُتَعَمِّدِ، وَقَدْ كَانَ يجِبُ عَلَى أَهْلِ الظَّاهِرِ أَنْ يَأْخُذُوا بِالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَهُوَ إِيجَابُ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْعَامِدِ إِلَى أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى إِيجَابِهَا عَلَى النَّاسِي، أَوْ يَأْخُذُوا بِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ : "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ" (١). حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ
стр. 3876
عَلَى التَّخْصِيصِ، وَلَكِنْ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ لَمْ يَلْزَمْ أَصْلَهُ، وَلَيْسَ فِي مُجْمَلِ مَا نُقِلَ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ حُجَّةٌ. وَمَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ: إِنَّ تَرْكَ التَّفْصِيلِ فِي اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ مِنَ الشَّارعِ بِمَنْزِلَةِ الْعُمُومِ فِي الْأَقْوَالِ فَضَعِيفٌ، فَإِنَّ الشَّارعَ لَمْ يَحْكُمْ قَطُّ إِلَّا عَلَى مُفَصَّلٍ، وَإِنَّمَا الْإِجْمَالُ فِي حَقِّنَا).
لا يفطر الصائم بفعله ناسيًا، فلا شيء مثلًا على من أكل ناسيًا. وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة.
وقال مالك: يفطر؛ لأن ما لا يصح الصوم مع شيء من جنسه عمدًا لا يجوز مع سهوه، كالجماع، وترك النية.
والصواب: ما روى أبو هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أكل أحدُكم أو شربَ ناسيًا، فليتمَّ صومَه، فإنما أطعمه اللَّهُ وسقاه".
ولأنها عبادة ذاتُ تحليل وتحريم، فكان في محظوراتها ما يختلف عمدُه وسهوُه، كالصلاة والحج. وأما النية فليس تركها فعلًا؛ ولأنها شرط، والشروط لا تسقط بالسهو، بخلاف المبطِلات. والجماع حكمُه أغلظُ ويمكن التحرُّزُ عنه.
* قوله: (وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ -وَهُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ إِذَا طَاوَعَتْهُ عَلَى الْجِمَاعِ-: فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ (١)،
стр. 3877
وَمَالِكًا وَأَصْحَابَهُ (١)، أَوْجَبُوا عَلَيْهَا الْكَفَّارَةَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢)، وَدَاوُدُ (٣): لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا).
يَفسد صومُ المرأة بالجماع؛ لأنه نوع من المفطرات، فاستوى فيه الرجل والمرأة، كالأكل، وهل يلزمها الكفارة؟ على قولين:
إحداهما: يلزمها. وهو قول مالك، وأبي حنيفة؛ لأنها هتكت صوم رمضان بالجماع، فوجبت عليها الكفارة كالرجل.
والثاني: لا كفارة عليها. قال أبو داود: سئل أحمد عمَّن أتى أهله في رمضان، أعليها كفارة؟ قال: ما سمعنا أن على امرأة كفارة.
وللشافعي قولان كالروايتين. ووجه ذلك: أن النبي ﷺ أمر الواطئ في رمضان أن يعتق رقبة، ولم يأمر في المرأة بشيء مع علمه بوجود ذلك منها، ولأنه حق مال يتعلَّق بالوطء مِن بين جنسه، فكان على الرجل، كالمَهْر.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ ظَاهِرِ الْأَثَرِ لِلْقِيَاسِ، وَذَلِكَ
العتق إن أمكنه، فإن عجز عنه انتقل إلى الصيام، فإن عجز انتقل إلى إطعام ستين مسكينًا. وهذا قول جمهور العلماء: الأحناف، والشافعي، وأحمد.
وعن مالك: أنها على التخيير بين العتق والصيام والإطعام، وبأيِّها كفَّر أجزأه؛ لما روى مالك وابن جريج، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁: أن رجلًا أفطر في رمضان فأمره رسول اللَّه ﷺ أن يكفِّرَ بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينًا. رواه مسلم. و (أو) حرف تخيير. ولأنها تجب بالمخالفة، فكانت على التخيير، ككفارة اليمين.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي وُجُوبِ التَّرْتِيبِ تَعَارُضُ ظَوَاهِرِ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ وَالْأَقْيِسَة، وَذَلِكَ أَنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ الْمُتَقَدِّمِ يُوجِبُ أَنَّهَا عَلَى التَّرْتِيبِ إِذْ سَأَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الِاسْتِطَاعَةِ عَلَيْهَا مُرَتَّبًا. وَظَاهِرُ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ مِنْ أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً، أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعِينَ، أَوْ يُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا (١)). أَنَّهَا عَلَى التَّخْيِيرِ، إِذْ (أَوْ) إِنَّمَا يَقْتَضِي فِي لِسَانِ الْعَرَبِ التَّخْيِيرَ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ لَفْظِ الرَّاوِي الصَّاحِبِ، إِذْ كَانُوا أَقْعَدَ بِمَفْهُومِ الْأَحْوَالِ وَدَلَالَاتِ الْأَقْوَالِ.
وَأَمَّا الْأَقْيِسَةُ الْمُعَارِضَةُ فِي ذَلِكَ: فَتَشْبيهُهَا تَارَةً بِكَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَتَارَةً بِكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، لَكِنَّهَا أَشْبَهُ بِكَفَّارَةِ الظِّهَارِ مِنْهَا بِكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَأَخْذُ التَّرْتِيبِ مِنْ حِكَايَةِ لَفْظِ الرَّاوِي).
وعن مالك رواية أُخرى، أنه قال: الذي نأخذ به في الذي يصيب أهله في نهار رمضان إطعام ستين مسكينًا، أو صيام ذلك اليوم، وليس
стр. 3880
التحرير والصيام من كفارة رمضان في شيء. وهذا القول ليس بشيء؛ لمخالفته الحديثَ الصحيح، مع أنه ليس له أصل يعتمد عليه، ولا شيء يستند إليه، وسنة رسول اللَّه ﷺ أحق أن تُتَّبَع.
وأما الدليل على وجوب الترتيب فالحديث الصحيح، رواه معمر، ويونس، والأوزاعي، والليث، وموسى بن عقبة، وعبيد اللَّه بن عمر، وعراك بن مالك، وإسماعيل بن أُميَّةَ، ومحمد بن أبي عتيق، وغيرهم، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال للواقع على أهله: "هل تجد رقبة تعتقها؟ "، قال: لا. قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ "، قال: لا. قال: "فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟ "، قال: لا. وذكر سائر الحديث، وهذا لفظ الترتيب، والأخذ بهذا أولى من رواية مالك؛ لأن أصحاب الزهري اتفقوا على روايته هكذا، سوى مالك وابن جريج، فيما علمنا، واحتمال الغلط فيهما أكثر من احتماله في سائر أصحابه.
ولأن الترتيب زيادة، والأخذ بالزيادة متعين؛ ولأن حديثنا لفظ النبي ﷺ وحديثَهم لفظ الراوي، ويحتمل أنه رواه بـ (أو)؛ لاعتقاده أن معنى اللفظَين سواء؛ ولأنها كفارة فيها صومُ شهرين متتابعين، فكانت على الترتيب، ككفارة الظِّهَار والقتل.
* قوله: (وَأَمَّا اسْتِحْبَابُ مَالِكٍ الِابْتِدَاءَ بِالْإِطْعَامِ (١) فَمُخَالِفٌ لِظَوَاهِرِ الْآثَارِ، وَإِنَّمَا ذَهَبَ إِلَى هَذَا مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ رَأَى الصِّيَامَ قَدْ وَقَعَ بَدَلَهُ الْإِطْعَامُ فِي مَوَاضِعَ شَتَّى مِنَ الشَّرْعِ، وَأَنَّهُ مُنَاسِبٌ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِ بِدَلِيلِ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]. وَلِذَلِكَ اسْتَحَبَّ هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ لِمَنْ مَاتَ
стр. 3881
وَعَلَيْهِ صَوْمٌ أَنْ يُكَفَّرَ بِالْإِطْعَامِ عَنْهُ، وَهَذَا كَأَنَّهُ مِنْ بَابِ تَرْجِيحِ الْقِيَاسِ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ الْأُصُولُ عَلَى الأَثَرِ الَّذِي لَا تَشْهَدُ لَهُ الْأُصُولُ) (١).
عن مالك رواية، أنه قال: الذي نأخذ به في الذي يصيب أهله في نهار رمضان، إطعام ستين مسكينًا، أو صيام ذلك اليوم، وليس التحرير والصيام من كفارة رمضان في شيء. وهذا مخالف للحديث الصحيح، وليس له أصل يعتمد عليه، وسنة رسول اللَّه ﷺ أحق أن تتبع.
* قوله: (وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ -وَهُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي مِقْدَارِ الْإِطْعَامِ-: فَإِنَّ مَالِكًا (٢)، وَالشَّافِعِيَّ (٣)، وَأَصْحَابَهُمَا قَالُوا: يُطْعِمُ لِكُلِّ
стр. 3882
مِسْكِينٍ مُدًّا بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): لَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ مُدَّيْنِ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ وَذَلِكَ صَاعٌ لِكُلِّ مِسْكِينٍ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِلْأَثَرِ. أَمَّا الْقِيَاسُ: فَتَشْبِيهُ هَذِهِ الْفِدْيَةِ بِفِدْيَةِ الْأَذَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا. وَأَمَّا الْأَثَرُ: فَمَا رُوِيَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ الْكَفَّارَةِ: أَنَّ الْفَرْقَ كَانَ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، لَكِنْ لَيْسَ يَدُلُّ كَوْنُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا عَلَى الْوَاجِبِ مِنْ ذَلِكَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ إِلَّا دَلَالَةً ضَعِيفَةً، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَدَلَ الصِّيَامِ فِي هَذِهِ الْكَفَّارَةِ هُوَ هَذَا الْقَدْرُ).
إن لم يستطع سيقوم بإطعام ستين مسكينًا:
لكل مسكين مدٌّ من بُرِّ، أو نصف صاع من تمر أو شعير، ليس في ذلك خلاف بين أهل العلم، والواجب فيه إطعام ستين مسكينًا، في قول عامتهم، ولأنه إطعام في كفارة فيها صوم شهرين متتابعين فكان إطعام ستين مسكينًا ككفارة الظِّهَار.
ولكنهم اختلفوا في قدر ما يطعم كل مسكين:
فذهب أحمد: إلى أن لكل مسكين مُدَّ بُرٍّ، وذلك خمسةَ عشرَ صاعًا أو نصف صاع من تمر، أو شعير، فيكون الجميع ثلاثين صاعًا.
وقال أبو حنيفة: من البر لكل مسكين نصف صاع، ومن غيره صاع؛ لقول النبي ﷺ في حديث سلمة بن صخر: "فأطعِمْ وَسْقًا من تَمر".
والمُدُّ من البُرِّ يقوم مقام نصف صاع من غيره، بدليل حديثنا، ولأن الإجزاء بمُدِّ منه قول ابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وزيد ﵃ ولا مخالف لهم في الصحابة.
وأما حديث سلمة بن صخر ﵁، فقد اختُلف فيه، وحديث أصحاب
стр. 3883
الشافعي يجوز أن يكون الذي أتي به النبي ﷺ قاصرًا عن الواجب، فاجتُزِئ به؛ لعجز المكفِّر عما سواه.
* قوله: (وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ -وَهِيَ تَكَرُّرُ الْكَفَّارَةِ بِتَكَرُّرِ الْإِفْطَارِ-: فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى مَنْ وَطِئَ فِي يَوْمِ رَمَضَانَ ثُمَّ كَفَّرَ ثمَّ وَطِئَ فِي يَوْمٍ آخَرَ أَنَّ عَلَيْهِ كفَّارَةً أُخْرَى (١). وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مَنْ وَطِئَ مِرَارًا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا كفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ (٢). وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ وَطِئَ فِي يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ وَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى وَطِئَ فِي يَوْمٍ ثَانٍ، فَقَالَ مَالِكٌ (٣)، وَالشَّافِعِيُّ (٤)، وَجَمَاعَةٌ (٥): عَلَيْهِ لِكُلِّ يَوْمٍ كفَّارَةٌ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ (٦): عَلَيْهِ كَفَارَّةٌ وَاحِدَةٌ مَا لَمْ يُكَفِّرْ عَنِ الْجِمَاعِ الْأَوَّلِ).
إن جامع، فلم يكفر حتى جامَعَ ثانية، فكفارة واحدة.
وبيانه: أنه إذا جامع ثانيًا قبل التكفير عن الأول، لم يَخْلُ من أن يكون في يوم واحد، أو في يومين؛ فإن كان في يوم واحد، فكفارة واحدة تجزئه،
стр. 3884
بغير خلاف بين أهل العلم، وإن كان في يومين من رمضان، ففيه قولان:
أحدهما: تجزئه كفارة واحدة. وهو مذهب الأحناف؛ لأنها جزاء عن جناية تَكرَّر سببُها قبل استيفائها، فيجب أن تتداخل، كالحد.
والثاني: لا تجزئ واحدة، ويلزمه كفارتان. وهو قول مالك، والشافعي؛ لأن كل يوم عبادة منفردة، فإذا وجبت الكفارة بإفساده لم تتداخل، كرمضانين، وكالحجتين.
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: تَشْبِيهُ الْكَفَّارَاتِ بِالْحُدُودِ، فَمَنْ شَبَّهَهَا بِالْحُدُودِ قَالَ: كفَارَّةٌ وَاحِدَةٌ تُجْزِئُ فِي ذَلِكَ عَنْ أَفْعَالٍ كَثِيرَةٍ، كَمَا يَلْزَمُ الزَّانِيَ جَلْدٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ زَنَى أَلْفَ مَرَّةٍ إِذَا لَمْ يُحَدَّ لِوَاحِدٍ مِنْهَا. وَمَنْ لَمْ يُشَبِّهْهَا بِالْحُدُودِ جَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الأَيَّامِ حُكْمًا مُنْفَرِدًا بِنَفْسِهِ فِي هَتْكِ الصَّوْمِ فِيهِ أَوْجَبَ فِي كُلِّ يَوْمٍ كَفَّارَةً. قَالُوا: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْكَفَّارَةَ فِيهَا نَوْعٌ مِنَ الْقُرْبَةِ، وَالْحُدُودُ زَجْرٌ مَحْضٌ).
شبَّهوا هذه الكفارات بالحدود فقالوا: كما لا يَلزم الزانيَ بعد تعدُّدِ الزنى إلا جلدٌ واحد فكذلك في الكفارات.
* قوله: (وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ، وَهِيَ: هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِطْعَامُ إِذَا أَيْسَرَ وَكَانَ مُعْسِرًا فِي وَقْتِ الْوُجُوبِ؟ فَإِنَّ الْأَوْزَاعِيَّ قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مُعْسِرًا. وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ: فَتَرَدَّدَ فِي ذَلِكَ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ حُكْمُ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُشَبَّهَ بِالدُّيُونِ، فَيَعُودُ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ فِي وَقْتِ الإِثْرَاءِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهِ لَبَيَّنَهُ لَهُ ﷺ . فَهَذِهِ أَحْكَامُ مَنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا فِي رَمَضَانَ مِمَّا أُجْمِعُ عَلَى أَنَّهُ مُفْطِرٌ).
كان مُعسرًا في وقت الوجوب فلا يجب عليه، فإذا أيسر بعد ذلك: هل يجبُ عليه الكفارة؟
стр. 3885
* قوله:
[فصل]
(وَأَمَّا مَنْ أَفْطَرَ مِمَّا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَإِنَّ بَعْضَ مَنْ أَوْجَبَ فِيهِ أَوْجَبَ فِيهِ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ، وَبَعْضُهُمْ أَوْجَبَ فِيهِ الْقَضَاءَ فَقَطْ، مِثْلُ مَنْ رَأَى الْفِطْرَ مِنَ الْحِجَامَةِ وَمِنَ الِاسْتِقَاءِ، وَمَنْ بَلَعَ الْحَصَاةَ، وَمِثْلُ الْمُسَافِرِ يُفْطِرُ أَوَّلَ يَوْمٍ يَخْرُجُ عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَإِنَّ مَالِكًا (١) أَوْجَبَ الْقَضاءَ وَالْكَفَّارَةَ، وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ سَائِرُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ) (٢).
هذه هي مسألة: من أفطر في أول يومٍ سافر فيه، أوجب مالكٌ في حقِّه القضاء والكفارة، هذا على كلام المؤلف.
* قوله: (وَأَمَّا مَنْ أَوْجَبَ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ عَلَى مَنِ اسْتَقَاءَ: فَأَبُو ثَوْرٍ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَسَائِرُ مَنْ يَرَى أَنَّ الِاسْتِقَاءَ مُفْطِرٌ لَا يُوجِبُونَ إِلَّا الْقَضَاءَ فَقَط. وَالَّذِي أَوْجَبَ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ فِي الاحْتِجَامِ مِنَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْحِجَامَةَ تُفَطِّرُ هُوَ عَطَاءٌ وَحْدَهُ).
مَن استقاء فعليه القضاء، ومن ذَرعه القيءُ فلا شيء عليه.
معنى "استقاء": تقيأ مستدعيًا للقيء. و"ذرَعَه": خروج من غير اختيار منه، فمن استقاء فعليه القضاء؛ لأن صومه يفسد به. ومن ذرعه فلا
стр. 3886
شيء عليه، وهذا قول عامة أهل العلم. وحُكي عن ابن مسعود، وابنِ عباس ﵄: أن القيء لا يفطر. وروي أن النبي ﷺ قال: "ثلاثٌ لا يُفطرْن الصائمَ: الحجامةُ والقيءُ والاحتلامُ". ولأن الفطر بما يدخل لا بما يخرج. ولنا ما روى أبو هريرة، أن النبي ﷺ قال: "من ذرعه القيءُ فليس عليه قضاءٌ، ومن استقاء عامدًا فليَقْضِ".
* قوله: (وَسَبَبُ هَذَا الْخِلَافِ: أَنَّ الْمُفْطِرَ بِشَيْءٍ فِيهِ اخْتِلَافٌ فِيهِ شَبَهٌ مِنْ غَيْرِ الْمُفْطِرِ وَمِنَ الْمُفْطِرِ، فَمَنْ غَلَّبَ أَحَدَ الشَّبَهَيْنِ أَوْجَبَ لَهُ ذَلِكَ الْحُكْمَ، وَهَذَانِ الشَّبَهَانِ الْمَوْجُودَانِ فِيهِ هُمَا اللَّذَانِ أَوْجَبَا فِيهِ الْخِلَافَ - أَعْنِي: هَلْ هُوَ مُفْطِرٌ أَوْ غَيْرُ مُفْطِرٍ؟ وَلِكَوْنِ الْإِفْطَارِ شُبْهَةً لَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَإِنَّمَا يُوجِبُ الْقَضَاءَ فَقَطْ، نَزَعَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ مَنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا الْفِطْرَ ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سَبَبٌ مُبِيحٌ لِفِطْرٍ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، كَالْمَرْأَةِ تُفْطِرُ عَمْدًا ثُمَّ تَحِيضُ بَاقِيَ النَّهَارِ، وَالصَّحِيحُ يُفْطِرُ عَمْدًا ثُمَّ يَمْرَضُ، وَالحَاضِرُ يُفْطِرُ ثُمَّ يُسَافِرُ.
فَمَنِ اعْتَبَرَ الْأَمْرَ فِي نَفْسِهِ -أَعْنِي: أَنَّهُ مُفْطِرٌ فِي يَوْمٍ جَازَ لَهُ الْإِفْطَارُ فِيهِ- لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِم كَفَّارَةً؛ وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ قَدْ كَشَفَ الْغَيْبُ أَنَّهُ أَفْطَرَ فِي يَوْمِ جَازَ لَهُ الْإِفْطَارُ فِيهِ، وَمَنِ اعْتَبَرَ الِاسْتِهَانَةَ بِالشَّرْعِ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ، لِأَنَّهُ حِينَ أَفْطَرَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِالْإِبَاحَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ إِيجَابُ مَالِكٍ الْقَضَاءَ فَقَطْ عَلَى مَنْ أَكَلَ وَهُوَ شَاكٌّ فِي الْفَجْرِ، وَإِيجَابُهُ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ عَلَى مَنْ أَكَلَ وَهُوَ شَاكٌّ فِي الْغُرُوبِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا. وَاتَّفَقَ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْفِطْرِ عَمْدًا فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ كَفَّارَةٌ (١)،
стр. 3887
لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حُرْمَةُ زَمَانِ الْأَدَاءِ -أَعْنِي: رَمَضَانَ- إِلَّا قَتَادَةَ (١) فَإِنَّهُ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَة. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ: أَنَّ عَلَيْهِ يَوْمَيْنِ قِيَاسًا عَلَى الْحَجِّ الْفَاسِدِ) (٢).
ليس في الفطر عمدًا قضاءٌ ولا كفارة؛ لأنَّ إثمَه عظيم شديد.
[سُنَنُ الصَّوْمِ]
* قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مِنْ سُنَنِ الصَّوْمِ تَأْخِيرَ السُّحُورِ وَتَعْجِيلَ الْفِطَرِ (٣)؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : "لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ وَأَخَّرُوا السَّحُورَ" (٤). وَقَالَ: "تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً" (٥). وَقَالَ ﷺ : "فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ") (٦).
تعجيل الفطر واستحبابه هو قول أكثر أهل العلم، لما روى سهل بن سعد الساعدي ﵁، أن النبي ﷺ قال: "لا تزال أمتي بخيرٍ ما عجَّلوا الفطْرَ".
ويستحب أن يفطر على رُطَبات، فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن لم يكن
стр. 3888
فعلى الماء؛ لما روى أنس ﵁، قال: كان رسول اللَّه ﷺ يفطر على رُطبات قبل أن يصلي، فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن لم يكن تمرات حسَا حسواتٍ من ماء.
* قوله: (وَكَذَلِكَ جُمْهُورُهُمْ عَلَى أَنَّ مِنْ سُنَنِ الصَّوْمِ وَمُرَغِّبَاتِهِ كَفَّ اللِّسَان عَنِ الرَّفَثِ وَالْخَنَا (١)؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : "إِنَّمَا الصَّوْمُ جُنَّةٌ، فَإِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، فَإِن امْرُؤٌ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ" (٢). وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ (٣) إِلَى أَنَّ الرَّفَثَ يُفَطِّرُ، وَهُوَ شَاذٌّ).
قوله: "الصيام جُنَّة" يحتمل أن يكون أراد به جُنَّة من النار، ووقاية للصائم دونها.
ويحتمل أن يكون أراد أنه جُنَّة من المعاصي؛ لأنه يكسر الشهوة ويضعف القوة، فيمتنع به الصائم عن مواقعة المعاصي، فصار كأنه جُنة وستر دونها.
"ولا يرفث": بفتح الفاء وكسرها وضمها؛ أي: لا يفحش في الكلام. "ولا يجهل"؛ أي: لا يعمل شيئًا مثل فعل الجهلاء، كالصِّيَاح والسخرية، أو لا يسفه إذ الجهل جاء أيضًا بمعنى السفاهة.
* قوله: (فَهَذِهِ مَشْهُورَاتُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّوْمِ الْمَفْرُوضِ مِنَ الْمَسَائِلِ، وَيَبْقَى الْقَوْلُ فِي الصَّوْمِ الْمَنْدُوبِ إِلَيْهِ، وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ هَذَا الْكِتَابِ).
هذا من جميل تقسيم المؤلف، وحسن ترتيبه.
стр. 3889
قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
[بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ]
[وصلى اللَّه على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا]
(كِتَابُ الصِّيَام الثَّانِي وَهُوَ الْمَنْدُوبُ إِلَيْهِ
وَالنَّظَرُ فِي الصِّيَامِ الْمَنْدُوبِ إِلَيْهِ هُوَ فِي تِلْكَ الْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ، وَفِي حُكْمِ الْإِفْطَارِ فِيهِ. فَأَمَّا الْأَيَّامُ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا الصَّوْمُ الْمَنْدُوبُ إِلَيْهِ وَهوَ الرُّكْنُ الْأَوَّلُ، فَإِنَّهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَيَّامٌ مُرَغَّبٌ فِيهَا، وَأَيَّامٌ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، وَأَيَّامٌ مَسْكُوتٌ عَنْهَا. وَمِنْ هَذِهِ مَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. أَمَّا الْمُرَغَّبُ فِيهِ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ: فَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ. وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ: فَصِيَامُ يَوْمِ محَرَفَةَ وَسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ، وَالْغُرَرِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَهِيَ: الثَّالِثَ عَشَرَ، وَالرَّابِعَ عَشَرَ، وَالْخَامِسَ عَشَرَ).
هذا عرض إجماليٌّ لما سيقوم المؤلف ببيانه مُفصَّلًا.
والفرق بين التطوع والفرض من وجهين:
أحدهما: أن التطوع يمكن الإتيان به في بعض النهار، بشرط عدم المفطِّرات في أوله، بدليل قوله ﷺ في حديث عاشوراء: "فليصُمْ بقيةَ
стр. 3890
يومِه". فإذا نوى صوم التطوع من النهار كان صائمًا بقية النهار دون أوله، والفرض يكون واجبًا في جميع النهار، ولا يكون صائمًا بغير النية.
والثاني: أن التطوع سُومِح في نيته من الليل تكثيرًا له، فإنه قد يبدو له الصوم في النهار، فاشتراط النية في الليل يمنع ذلك، فسامح الشرع فيها، كمسامحته في ترك القيام في صلاة التطوع، وترك الاستقبال فيه في السفر تكثيرًا له، بخلاف الفرض. إذا ثبت هذا ففي أي جزء من الليل نوى أجزأه، وسواء فعل بعد النية ما ينافي الصوم من الأكل والشرب والجماع، أم لم يفعل. واشترط بعض أصحاب الشافعي ألَّا يأتي بعد النية بمنافٍ للصوم.
* قوله: (أَمَّا صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَلأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ وَقَالَ فِيهِ: "مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ" (١). وَاخْتَلَفُوا فِيهِ: هَلْ هُوَ التَّاسِعُ أَوِ الْعَاشِرُ؟ وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافُ الْآثَارِ: خَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "إِذَا رَأَيْتَ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ فَاعْدُدْ وَأَصْبِحْ يَوْمَ التَّاسِعِ صَائِمًا". قُلْتُ: هَكَذَا كَانَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُهُ؟ قَالَ: نعَمْ (٢). وَرُوِيَ: أَنَّهُ حِينَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ يَوْمٌ يُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ- صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ". قَالَ: فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٣)).
أما صوم عاشوراء، فلم يثبت وجوبه، فإن معاوية ﵁ قال: سمعت