شيء عليه، وهذا قول عامة أهل العلم. وحُكي عن ابن مسعود، وابنِ عباس ﵄: أن القيء لا يفطر. وروي أن النبي ﷺ قال: "ثلاثٌ لا يُفطرْن الصائمَ: الحجامةُ والقيءُ والاحتلامُ". ولأن الفطر بما يدخل لا بما يخرج. ولنا ما روى أبو هريرة، أن النبي ﷺ قال: "من ذرعه القيءُ فليس عليه قضاءٌ، ومن استقاء عامدًا فليَقْضِ".
* قوله: (وَسَبَبُ هَذَا الْخِلَافِ: أَنَّ الْمُفْطِرَ بِشَيْءٍ فِيهِ اخْتِلَافٌ فِيهِ شَبَهٌ مِنْ غَيْرِ الْمُفْطِرِ وَمِنَ الْمُفْطِرِ، فَمَنْ غَلَّبَ أَحَدَ الشَّبَهَيْنِ أَوْجَبَ لَهُ ذَلِكَ الْحُكْمَ، وَهَذَانِ الشَّبَهَانِ الْمَوْجُودَانِ فِيهِ هُمَا اللَّذَانِ أَوْجَبَا فِيهِ الْخِلَافَ - أَعْنِي: هَلْ هُوَ مُفْطِرٌ أَوْ غَيْرُ مُفْطِرٍ؟ وَلِكَوْنِ الْإِفْطَارِ شُبْهَةً لَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَإِنَّمَا يُوجِبُ الْقَضَاءَ فَقَطْ، نَزَعَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ مَنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا الْفِطْرَ ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سَبَبٌ مُبِيحٌ لِفِطْرٍ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، كَالْمَرْأَةِ تُفْطِرُ عَمْدًا ثُمَّ تَحِيضُ بَاقِيَ النَّهَارِ، وَالصَّحِيحُ يُفْطِرُ عَمْدًا ثُمَّ يَمْرَضُ، وَالحَاضِرُ يُفْطِرُ ثُمَّ يُسَافِرُ.
فَمَنِ اعْتَبَرَ الْأَمْرَ فِي نَفْسِهِ -أَعْنِي: أَنَّهُ مُفْطِرٌ فِي يَوْمٍ جَازَ لَهُ الْإِفْطَارُ فِيهِ- لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِم كَفَّارَةً؛ وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ قَدْ كَشَفَ الْغَيْبُ أَنَّهُ أَفْطَرَ فِي يَوْمِ جَازَ لَهُ الْإِفْطَارُ فِيهِ، وَمَنِ اعْتَبَرَ الِاسْتِهَانَةَ بِالشَّرْعِ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ، لِأَنَّهُ حِينَ أَفْطَرَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِالْإِبَاحَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ إِيجَابُ مَالِكٍ الْقَضَاءَ فَقَطْ عَلَى مَنْ أَكَلَ وَهُوَ شَاكٌّ فِي الْفَجْرِ، وَإِيجَابُهُ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ عَلَى مَنْ أَكَلَ وَهُوَ شَاكٌّ فِي الْغُرُوبِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا. وَاتَّفَقَ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْفِطْرِ عَمْدًا فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ كَفَّارَةٌ (١)،
стр. 3887
لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حُرْمَةُ زَمَانِ الْأَدَاءِ -أَعْنِي: رَمَضَانَ- إِلَّا قَتَادَةَ (١) فَإِنَّهُ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَة. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ: أَنَّ عَلَيْهِ يَوْمَيْنِ قِيَاسًا عَلَى الْحَجِّ الْفَاسِدِ) (٢).
ليس في الفطر عمدًا قضاءٌ ولا كفارة؛ لأنَّ إثمَه عظيم شديد.
[سُنَنُ الصَّوْمِ]
* قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مِنْ سُنَنِ الصَّوْمِ تَأْخِيرَ السُّحُورِ وَتَعْجِيلَ الْفِطَرِ (٣)؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : "لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ وَأَخَّرُوا السَّحُورَ" (٤). وَقَالَ: "تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً" (٥). وَقَالَ ﷺ : "فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ") (٦).
تعجيل الفطر واستحبابه هو قول أكثر أهل العلم، لما روى سهل بن سعد الساعدي ﵁، أن النبي ﷺ قال: "لا تزال أمتي بخيرٍ ما عجَّلوا الفطْرَ".
ويستحب أن يفطر على رُطَبات، فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن لم يكن
стр. 3888
فعلى الماء؛ لما روى أنس ﵁، قال: كان رسول اللَّه ﷺ يفطر على رُطبات قبل أن يصلي، فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن لم يكن تمرات حسَا حسواتٍ من ماء.
* قوله: (وَكَذَلِكَ جُمْهُورُهُمْ عَلَى أَنَّ مِنْ سُنَنِ الصَّوْمِ وَمُرَغِّبَاتِهِ كَفَّ اللِّسَان عَنِ الرَّفَثِ وَالْخَنَا (١)؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : "إِنَّمَا الصَّوْمُ جُنَّةٌ، فَإِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، فَإِن امْرُؤٌ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ" (٢). وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ (٣) إِلَى أَنَّ الرَّفَثَ يُفَطِّرُ، وَهُوَ شَاذٌّ).
قوله: "الصيام جُنَّة" يحتمل أن يكون أراد به جُنَّة من النار، ووقاية للصائم دونها.
ويحتمل أن يكون أراد أنه جُنَّة من المعاصي؛ لأنه يكسر الشهوة ويضعف القوة، فيمتنع به الصائم عن مواقعة المعاصي، فصار كأنه جُنة وستر دونها.
"ولا يرفث": بفتح الفاء وكسرها وضمها؛ أي: لا يفحش في الكلام. "ولا يجهل"؛ أي: لا يعمل شيئًا مثل فعل الجهلاء، كالصِّيَاح والسخرية، أو لا يسفه إذ الجهل جاء أيضًا بمعنى السفاهة.
* قوله: (فَهَذِهِ مَشْهُورَاتُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّوْمِ الْمَفْرُوضِ مِنَ الْمَسَائِلِ، وَيَبْقَى الْقَوْلُ فِي الصَّوْمِ الْمَنْدُوبِ إِلَيْهِ، وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ هَذَا الْكِتَابِ).
هذا من جميل تقسيم المؤلف، وحسن ترتيبه.
стр. 3889
قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
[بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ]
[وصلى اللَّه على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا]
(كِتَابُ الصِّيَام الثَّانِي وَهُوَ الْمَنْدُوبُ إِلَيْهِ
وَالنَّظَرُ فِي الصِّيَامِ الْمَنْدُوبِ إِلَيْهِ هُوَ فِي تِلْكَ الْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ، وَفِي حُكْمِ الْإِفْطَارِ فِيهِ. فَأَمَّا الْأَيَّامُ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا الصَّوْمُ الْمَنْدُوبُ إِلَيْهِ وَهوَ الرُّكْنُ الْأَوَّلُ، فَإِنَّهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَيَّامٌ مُرَغَّبٌ فِيهَا، وَأَيَّامٌ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، وَأَيَّامٌ مَسْكُوتٌ عَنْهَا. وَمِنْ هَذِهِ مَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. أَمَّا الْمُرَغَّبُ فِيهِ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ: فَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ. وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ: فَصِيَامُ يَوْمِ محَرَفَةَ وَسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ، وَالْغُرَرِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَهِيَ: الثَّالِثَ عَشَرَ، وَالرَّابِعَ عَشَرَ، وَالْخَامِسَ عَشَرَ).
هذا عرض إجماليٌّ لما سيقوم المؤلف ببيانه مُفصَّلًا.
والفرق بين التطوع والفرض من وجهين:
أحدهما: أن التطوع يمكن الإتيان به في بعض النهار، بشرط عدم المفطِّرات في أوله، بدليل قوله ﷺ في حديث عاشوراء: "فليصُمْ بقيةَ
стр. 3890
يومِه". فإذا نوى صوم التطوع من النهار كان صائمًا بقية النهار دون أوله، والفرض يكون واجبًا في جميع النهار، ولا يكون صائمًا بغير النية.
والثاني: أن التطوع سُومِح في نيته من الليل تكثيرًا له، فإنه قد يبدو له الصوم في النهار، فاشتراط النية في الليل يمنع ذلك، فسامح الشرع فيها، كمسامحته في ترك القيام في صلاة التطوع، وترك الاستقبال فيه في السفر تكثيرًا له، بخلاف الفرض. إذا ثبت هذا ففي أي جزء من الليل نوى أجزأه، وسواء فعل بعد النية ما ينافي الصوم من الأكل والشرب والجماع، أم لم يفعل. واشترط بعض أصحاب الشافعي ألَّا يأتي بعد النية بمنافٍ للصوم.
* قوله: (أَمَّا صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَلأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ وَقَالَ فِيهِ: "مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ" (١). وَاخْتَلَفُوا فِيهِ: هَلْ هُوَ التَّاسِعُ أَوِ الْعَاشِرُ؟ وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافُ الْآثَارِ: خَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "إِذَا رَأَيْتَ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ فَاعْدُدْ وَأَصْبِحْ يَوْمَ التَّاسِعِ صَائِمًا". قُلْتُ: هَكَذَا كَانَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُهُ؟ قَالَ: نعَمْ (٢). وَرُوِيَ: أَنَّهُ حِينَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ يَوْمٌ يُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ- صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ". قَالَ: فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٣)).
أما صوم عاشوراء، فلم يثبت وجوبه، فإن معاوية ﵁ قال: سمعت
стр. 3891
رسول اللَّه ﷺ يقول: "هذا يومُ عاشوراء، ولم يكتبِ اللَّهُ عليكم صيامَه، وأنا صائم، فمن شاء فليصُمْ، ومن شاء فليُفطِر".
فلو كان واجبًا لم يُبَحْ فطره، فإنما سمي الإمساك صيامًا تجوزًا، بدليل قوله: "ومن كان أصبح مفطرًا، فليصُم بقيةَ يومه".
ولم يُفرِّق بين المفطِر بالأكل وغيره. وقد روى البخاري أن رسول اللَّه ﷺ أمر رجلًا: "أنْ أذِّنْ في الناس أنَّ مَن كان أكل فليَصُم بقية يومه".
وقد اختلف في صوم عاشوراء، هل كان واجبًا؟
فذهب بعضهم: إلى أنه لم يكن واجبًا. واستدلوا بشيئين:
أحدهما: أن النبي ﷺ أمر من لم يأكل بالصوم، والنية في الليل شرط في الواجب.
والثاني: أنه لم يأمر من أكل بالقضاء، ويشهد لهذا ما روى معاوية قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن هذا يومُ عاشوراء، لم يكتب اللَّهُ عليكم صيامَه، فمن شاءَ فليصُمْ، ومن شاء فليُفْطِر". وهو حديث صحيح.
وقال بعضهم: كان مفروضًا؛ لما روت عائشة ﵂: أن النبي ﷺ صامه وأمر بصيامه، فلما افتُرِض رمضان كان هو الفريضة، وترك عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه. وهو حديث صحيح. وحديث معاوية محمول على أنه أراد: ليس هو مكتوبًا عليكم الآن.
* قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، فَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَفْطَرَ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَقَالَ فِيهِ: "صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْآتِيَةَ" (١). وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ، وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ (٢) الْفِطْرَ فِيهِ لِلْحَاجِّ،
стр. 3892
وَصِيَامَهُ لِغَيْرِ الْحَاجِّ جَمْعًا بَيْنَ الْأَثَرَيْنِ. وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ) (١).
وصيام يوم عرفة كفارة سنتين وهو مستحب؛ لما روى أبو قتادة، عن النبي ﷺ أنه قال: "صيام عرفةَ إني أحتسبُ على اللَّه أن يكفِّرَ السَّنةَ التي قبله والسَّنةَ التي بعده".
ويوم عرفة: هو اليوم التاسع من ذي الحجة، سُمِّي بذلك؛ لأن الوقوف بعرفة فيهء وقيل: سمي يوم عرفة؛ لأن إبراهيم ﵇ أُري في المنام ليلة التروية أنه يؤمر بذبح ابنه، فأصبح يومه يتروَّى: هل هذا من اللَّه أو حُلْم؟ فسمي يوم التروية، فلما كانت الليلة الثانية رآه أيضًا فأصبح يوم عرفة، فعرَف أنه من اللَّه ، فسمي يوم عرفة. وهو يوم شريف عظيم، وعيد كريم، وفضله كبير. وقد صح عن النبي ﷺ أن صيامه يكفر سنتين.
* قوله: (وَأَمَّا السِّتُّ مِنْ شَوَّالٍ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ" (٢)، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا (٣) كرِهَ ذَلِكَ؛ إِمَّا مَخَافَةَ أَنْ يُلْحِقَ النَّاسُ بِرَمَضَانَ مَا لَيْسَ فِي رَمَضَانَ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ لَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ، أَوْ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ).
صوم ستة أيام من شوال مستحب عند كثير من أهل العلم. وبه قال الشافعي، وأحمد.
стр. 3893
وكرهه مالك وقال: ما رأيت أحدًا من أهل الفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وأن أهل العلم يكرهون ذلك، ويخافون بدعته، وأن يلحق برمضان ما ليس منه.
ولنا ما روى أبو أيوب ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من صام رمضانَ، وأتبعه ستًّا من شوال، فكأنما صام الدهر".
فإن قيل: فلا دليل في هذا الحديث على فضيلتها؛ لأن النبي ﷺ شبَّه صيامها بصيام الدهر، وهو مكروه. قلنا: إنما كره صوم الدهر؛ لما فيه من الضعف والتشبيه بالتَّبَتُّل، لولا ذلك لكان ذلك فضلًا عظيمًا؛ لاستغراقه الزمانَ بالعبادة والطاعة، والمراد بالخبر التشبيه به في حصول العبادة به، على وجه عري عن المشقة، كما قال ﷺ : "من صام ثلاثةَ أيام من كل شهر، كان كمن صام الدهر". ذكر ذلك حثًّا على صيامها، وبيان فضلها، ولا خلاف في استحبابها.
* قوله: (وَكَذَلِكَ كَرِهَ مَالِكٌ (١) تَحَرِّيَ صِيَامِ الْغُرَرِ مَعَ مَا جَاءَ فِيهَا مِنَ الأَثَرِ مَخَافَةَ أَنْ يَظُنَّ الْجُهَّالُ بِهَا أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ، وَأَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ لَمَّا أَكْثَرَ الصِّيَامَ: "أَمَا يَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ؟ " قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه، إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "خَمْسًا" قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "تِسْعًا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "أَحَدَ
стр. 3894
عَشَرَ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: "لَا صَوْمَ فَوْقَ صِيَامِ دَاوُدَ، شَطْرُ الدَّهْرِ: صِيَامُ يَوْمٍ، وَإِفْطَارُ يَوْمٍ" (١). وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ: أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ يَوْمَ الإثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ (٢). وَثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَقِمْ قَطُّ شَهْرًا بِالصِّيَامِ غَيْرَ رَمَضَانَ، وَأَنَّ أَكْثَرَ صِيَامِهِ كَانَ فِي شَعْبَانَ (٣)).
أيام الغُرَر: هي أيام البيض التي حض رسول اللَّه ﷺ على صيامها هي الثالثَ عشر والرابعَ عشر والخامسَ عشر.
وبيان ذلك: أن صيام ثلاثة أيام من كل شهر مستحب، لا خلاف فيه.
وقد روى أبو هريرة، قال: "أوصاني خَليلي بثلاث: صيامِ ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتَي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام".
ويستحب أن يجعل هذه الثلاثة أيام البيض؛ لما روى أبو ذر ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يا أبا ذر، إذا صمتَ من الشهر فصُمْ ثلاثَ عشرة، وأربعَ عشرة، وخمسَ عشرة".
وسميت أيام البيض؛ لابيضاضِ ليلها كلِّه بالقمر، والتقدير: أيام الليالي البيض. وقيل: إن اللَّه تاب على آدم فيها، وبيَّض صحيفته.
[الْأَيَّامُ الْمَنْهِيُّ عَنِ الصِّيَامِ فِيهَا]
* قوله: (وَأَمَّا الْأَيَّامُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا: فَمِنْهَا أَيْضًا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَمِنْهَا مُخْتَلَفٌ فِيهَا. أَمَّا الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا: فَيَوْمُ الْفِطْرِ، وَيَوْمُ الْأَضْحَى؛ لِثُبُوتِ
وَغَلَّبَهُ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ حَمْلُهُ عَلَى الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّهُ إِنْ حَمَلَهُ عَلَى الْوُجُوبِ عَارَضَهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ الثَّابِتُ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ، وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَصِحُّ الصِّيَامُ فِي يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ وَيَوْمِ النَّحْرِ" (١). فَدَلِيلُ الْخِطَابِ يَقْتَضِي أَنَّ مَا عَدَا هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ يَصِحُّ الصِّيَامُ فِيهِ، وَإِلَّا كَانَ تَخْصِيصُهُمَا عَبَثًا لَا فَائِدَةَ فِيهِ (٢)).
أيام التشريق منهي عن صيامها؛ لما روى نبيشة الهذلي ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أيام التشريق أيامُ أكلٍ وشرب، وذِكْر للَّه ".
وروي عن عبد اللَّه بن حذافة ﵁ قال: بعثني رسول اللَّه ﷺ أيام مِنى أنادي: أيها الناس، إنها أيام أكل وشرب وبعال. إلا أنه من رواية الواقدي، وهو ضعيف.
وعن عمرو بن العاص ﵁، أنه قال: هذه الأيام التي كان رسول اللَّه ﷺ يأمر بإفطارها، وينهى عن صيامها. قال مالك: وهي أيام التشريق.
ولا يحل صيامها تطوعًا، في قول أكثر أهل العلم، وعن بعضهم صيامها، والظاهر أن هؤلاء لم يبلغهم نهي رسول اللَّه ﷺ عن صيامها، ولو بلغهم لم يعدوه إلى غيره.
وأما صومها للفرض، ففيه قولان:
يصومه، مثل من يصوم يومًا ويفطر يومًا فيوافق صومه يوم الجمعة، ومَن عادته صوم أول يوم من الشهر، أو آخره، أو يوم نصفه، ونحو ذلك.
وقال أبو حنيفة، ومالك: لا يكره إفراد الجمعة؛ لأنه يوم، فأشبه سائر الأيام. ولنا ما روى أبو هريرة ﵁، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يصومَنَّ أحدُكم يوم الجمعة، إلا يومًا قبله أو بعده". وقال محمد بن عباد: سألت جابرًا: أنهى رسول اللَّه ﷺ عن صوم يوم الجمعة؟ قال: نعم. متفق عليهما.
وعن جويرية بنت الحارث ﵄، أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة، وهي صائمة، فقال: "أصمتِ أمس؟ " قالت: لا. قال: "أتريدين أن تصومي غدًا؟ " قالت: لا. قال: "فأفطري". رواه البخاري. وفيه أحاديث سوى هذه، وسنة رسول اللَّه ﷺ أحق أن تتبع.
وهذا الحديث يدل على أن المكروه إفراده؛ لأن نهيه معلل بكونها لم تصم أمس ولا غدًا.
* قوله: (وَأَمَّا يَوْمُ الشَّكِّ، فَإِنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ (١) عَلَى النَّهْيِ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الشَّكِّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ؛ لِظَوَاهِرِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يُوجِبُ مَفْهُومُهَا تَعَلُّقَ الصَّوْمِ بِالرُّؤْيَةِ أَوْ بِإِكْمَالِ الْعَدِّ إِلَّا مَا حَكَيْنَاهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁، وَاخْتَلَفُوا فِي تَحَرِّي صِيَامِهِ تَطَوُّعًا، فَمِنْهُمْ مَنْ كرِهَهُ عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ عَمَّارٍ ﵁: "مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ" (٢).
стр. 3899
وَمَنْ أَجَازَهُ فَلأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ صَامَ شَعْبَانَ كُلَّهُ (١)، وَلِمَا قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: "لَا تَتَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِيَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ فَلْيَصُمْهُ" (٢). وَكَانَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ (٣) يَقُولُ: إِنَّهُ إِنْ صَامَهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ جَاءَهُ الثَّبْتُ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ أَجْزَأَهُ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ تَقَعُ بَعْدَ الْفَجْرِ فِي التَّحَوُّلِ مِنْ نِيَّةِ التَّطَوُّعِ إِلَى نِيَّةِ الْفَرْضِ).
كره أهل العلم صوم يوم الشك، واستقبال رمضان باليوم واليومين؛ لنهي النبي ﷺ عنه. واتِّباع قول رسول اللَّه ﷺ أولى.
فأما استقبال الشهر بأكثر من يومين فغير مكروه، فإن مفهوم حديث أبي هريرة ﵁ أنه غير مكروه؛ لتخصيصه النهيَ باليوم واليومين. وجاء عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: "إذا كان النصفُ من شعبان، فأمسِكوا عن الصيام، حتى يكون رمضان".
* قوله: (وَأَمَّا يَوْمُ السَّبْتِ: فَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِيهِ، اخْتِلَافهُمْ فِي تَصْحِيحِ مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: "لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ" خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٤)، قَالُوا: وَالْحَدِيثُ نَسَخَهُ حَدِيثُ
стр. 3900
جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهِيَ صَائِمَةٌ فَقَالَ: "صُمْتِ أَمْسِ؟ " فَقَالَتْ: لَا. فَقَالَ: "تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا؟ " قَالَتْ: لَا. قَالَ: "فَأَفْطِرِي") (١).
يكره إفراد يوم السبت بالصوم؛ لما روى عبد اللَّه بن بسر، عن النبي ﷺ قال: "لا تصوموا يوم السبت، إلا فيما افتُرِض عليكم". وإن وافق صومًا لإنسان، لم يكره.
* قوله: (وَأَمَّا صِيَامُ الدَّهْرِ: فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ (٢). لَكِنَّ مَالِكًا (٣) لَمْ يَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا، وَعَسَى رَأَى النَّهْيَ فِي ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ خَوْفِ الضَّعْفِ وَالْمَرَضِ).
روى أبو قتادة، قال: قيل: يا رسول اللَّه، فكيف بمن صام الدهر؟ قال: "لا صام ولا أفطر -أو- لم يصم ولم يفطر". وعن أبي موسى، عن
стр. 3901
النبي ﷺ قال: "من صام الدهر ضُيِّقَت عليه جهنم".
وهو قول مالك، والشافعي؛ لأن جماعة من الصحابة كانوا يسردون الصوم.
والذي يقوى عندي، أن صوم الدهر مكروه، وإن لم يصم هذه الأيام، فإن صامها قد فعل محرمًا. وإنما كُره صوم الدهر لما فيه من المشقة، والضعف، وشبه التبتل المنهي عنه؛ بدليل أن النبي ﷺ قال لعبد اللَّه بن عمرو: "إنك لتصوم الدهر وتقوم الليل؟ " فقلت: نعم. قال: "إنك إذا فعلت ذلك هجَمت له عينُك، ونفِهت له النفس، لا صام من صام الدهر، صوم ثلاثة أيام صوم الدهر كله". قلت: فإني أطيق أكثر من ذلك. قال: "فصُم صوم داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولا يفر إذا لاقى".
* قوله: (وَأَمَّا صِيَامُ النِّصْفِ الْآخِرِ مِنْ شَعْبَانَ: فَإِنَّ قَوْمًا كَرِهُوهُ (١)، وَقَوْمًا أَجَازُوهُ (٢). فَمَنْ كَرِهُوهُ فَلِمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: "لَا صَوْمَ بَعْدَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ حَتَّى رَمَضَانَ" (٣). وَمَنْ أَجَازَهُ فَلِمَا رُوِيَ عَنْ
стр. 3902
أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إِلَّا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ (١). وَلِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرِنُ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ (٢). وَهَذِهِ الْآثَارُ خَرَّجَهَا الطَّحَاوِيُّ (٣)).
استقبال الشهر بأكثر من يومين غير مكروه، فإن مفهوم حديث أبي هريرة ﵁ أنه غير مكروه؛ لتخصيصه النهي باليوم واليومين. وقد روى العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: "إذا كان النصفُ من شعبان، فأمسِكوا عن الصيام، حتى يكون رمضان". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. إلا أن أحمد قال: ليس هو بمحفوظ. قال: وسألنا عنه عبد الرحمن بن مهدي، فلم يصححه، ولم يحدثني به، وكان يتوقَّاه. قال أحمد: والعلاء ثقة لا يُنكَر من حديثه إلا هذا؛ لأنه خلاف ما روي عن النبي ﷺ أنه كان يصل شعبان برمضان. ويحمل هذا الحديث على نفي استحباب الصيام في حق من لم يصم قبل نصف الشهر، وحديث عائشة ﵂ في صلة شعبان برمضان في حق من صام الشهر كله، فإنه قد جاء ذلك في سياق الخبر، فلا تعارض بين الخبرين إذًا، وهذا أولى من حملهما على التعارض، ورد أحدهما بصاحبه، واللَّه أعلم.
* قوله: (وَأَمَّا الرُّكْنُ الثَّانِي وَهُوَ النِّيَّةُ: فَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا لَمْ يَشْتَرِطِ النِّيَّةَ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ النِّيَّةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا الرُّكْنُ الثَّالِثُ -وَهُوَ الْإِمْسَاكُ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ- فَهُوَ بِعَيْنِهِ الإِمْسَاكُ الْوَاجِبُ فِي الصَّوْمِ الْمَفْرُوضِ، وَالِاخْتِلَافُ الَّذِي هُنَالِكَ لَاحِقٌ هُنَا. وَأَمَّا حُكْمُ الْإِفْطَارِ فِي التَّطَوُّعِ: فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى مَنْ دَخَلَ فِي
وقال أبو حنيفة، ومالك: يلزم بالشروع فيه ولا يخرج منه إلا بعذر، فإن خرج قضى. وعن مالك: لا قضاء عليه.
واحتج من أوجب القضاء بما رُوي عن عائشة ﵂، أنها قالت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين متطوعتين، فأُهدِي لنا حَيْسٌ، فأفطرنا، ثم سألنا رسول اللَّه ﷺ فقال: "اقضِيَا يومًا مكانَه".
ولأنها عبادة تلزم بالنذر فلزمت بالشروع فيها، كالحج والعمرة.
والصواب: ما روى مسلم، وأبو داود، والنسائي، عن عائشة، قالت دخل عليَّ رسول اللَّه ﷺ يومًا، فقال: "هل عندكم شيء؟ "، فقلت: لا. قال: "فإني صائم". ثم مرَّ بعد ذلك اليوم، وقد أُهدِي إليَّ حَيسٌ، فخبأت له منه، وكان يحب الحَيس. قلت: يا رسول اللَّه، إنه أهدي لنا حيس، فخبأت لك منه، قال: "أَدْنِيه، أما إني قد أصبحت وأنا صائم". فأكل منه، ثم قال لنا: "إنما مثل صوم التطوع مثل الرجلِ يُخرج من ماله الصدقة؛ فإن شاء أمضاها، وإن شاء حبَسها".
وروت أم هانئ، قالت: دخلت على رسول اللَّه ﷺ فأُتي بشراب، فناولَنِيه فشربت منه، ثم قلت: يا رسول اللَّه، لقد أفطرت وكنت صائمة. فقال لها: "أكنتِ تقضين شيئًا؟ "، قالت: لا. قال: "فلا يضرُّكِ إن كان تطوعًا". رواه سعيد وأبو داود، والأثرم وفي لفظ قالت: قلت: إني صائمة. فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن المتطوعَ أميرُ نفسه، فإن شئتِ فصومي، وإن شئتِ فأفطري". ولأن كل صوم لو أتمَّه كان تطوعًا إذا خرج منه لم يجب قضاؤه، كما لو اعتقد أنه من رمضان فبان من شعبان أو من شوال.
واعلم سائر النوافل من الأعمال حكمها حكم الصيام، في أنها لا تلزم بالشروع، ولا يجب قضاؤها إذا خرج منها، إلا الحج والعمرة، فإنهما يخالفان سائر العبادات في هذا؛ لتأكد إحرامهما، ولا يخرج منهما
стр. 3906
بإفسادهما. ولو اعتقد أنهما واجبان، ولم يكونا واجبين، لم يكن له الخروج منهما.
* * *
стр. 3907
[بسم اللَّه الرحمن الرحيم]
[كِتَابُ الاِعْتِكَافِ]
* قوله: (وَالِاعْتِكَافُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ بِالشَّرْعِ وَاجِبٌ بِالنَّذْرِ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ (١) إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ الدُّخُولَ فِيهِ مَخَافَةَ أَنْ لَا يُوَفِّيَ شَرْطَهُ وَهُوَ فِي رَمَضَانَ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ، وَبِخَاصَّةٍ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْهُ، إِذْ كَانَ ذَلِكَ هُوَ آخِرُ اعْتِكَافِهِ ﷺ وَهُوَ بِالْجُمْلَةِ يَشْتَمِلُ عَلَى عَمَلٍ مَخْصُوصٍ فِي مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ وَفِي زَمَانٍ مَخْصُوصٍ بِشُرُوطٍ مَخْصُوصَةٍ وَتُرُوكٍ مَخْصُوصَةٍ).
الاعتكاف سنَّةٌ، إلا أن يكون نذرًا، فيلزم الوفاء به، لا خلاف في ذلك.
ومما يدل على أنه سنة فِعلُ النبي ﷺ ومداومته عليه، تقربًا إلى اللَّه تعالى، وطلبًا لثوابه، واعتكاف أزواجه معه وبعده، ويدل على أنه غير واجب أن أصحابه لم يعتكفوا، ولا أمرهم النبي ﷺ به إلا من أراده.
وَأَجْمَعَ الْكُلُّ عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ الِاعْتِكَافِ الْمَسْجِدَ (١)، إِلَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ لُبَابَةَ (٢) مِنْ أَنَّهُ يَصِحُّ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، وَأَنَّ مُبَاشَرَةَ النِّسَاءِ إِنَّمَا حَرُمَتْ عَلَى الْمُعْتَكِفِ إِذَا اعْتَكَفَ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِلَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ (٣) مِنْ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِنَّمَا تَعْتَكِفُ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا).
لا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد يُجمع فيه، يعني: تقام الجماعة فيه. وإنما اشترط ذلك؛ لأن الجماعة واجبة.
واعتكاف الرجل في مسجد لا تقام فيه الجماعة يفضي إلى أحد أمرين:
إما ترك الجماعة الواجبة، وإما خروجه إليها، فيتكرر ذلك منه كثيرًا مع إمكان التحرز منه، وذلك منافٍ للاعتكاف، إذ هو لزوم المعتكف والإقامة على طاعة اللَّه فيه. ولا يصح الاعتكاف في غير مسجد إذا كان المعتكف رجلًا.
والأصل في ذلك قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. فخصها بذلك، ولو صح الاعتكاف في غيرها، لم يختص تحريم المباشَرة فيها، فإن المباشَرة محرمة في الاعتكاف مطلقًا.
وفي حديث عائشة ﵂، قالت: إنْ كان رسول اللَّه ﷺ لَيُدْخِل عليَّ
стр. 3912
رأسَه، وهو في المسجد، فأرجِّلُه، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفًا. وعن عائشة ﵂، في حديث: وأن السنَّة للمعتكف ألا يخرجَ إلا لحاجة الإنسان، ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة. فذهب أبو عبد اللَّه إلى أن كل مسجد تقام فيه الجماعة يجوز الاعتكاف فيه، ولا يجوز في غيره. وروي عن حذيفة، وعائشة، والزهري، ما يدل على هذا.
وقال بعضهم: لا يصح إلا في مساجد الجماعات. وهو قول الشافعي، إذا كان اعتكافه يتخلله جمعة؛ لئلا يلتزم الخروج من معتكفه، لما يمكنه التحرز من الخروج إليه.
وروي عن خذيفة، وسعيد بن المسيب: لا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد نبيٍّ. وحُكِي عن حذيفة أن الاعتكاف لا يصح إلا في أحد المساجد الثلاثة.
وقال مالك: يصح الاعتكاف في كل مسجد؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وهو قول الشافعي إذا لم يكن اعتكافه يتخلله جمعة.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي اشْتِرَاطِ الْمَسْجِدِ أَوْ تَرْكِ اشْتِرَاطِهِ: هُوَ الِاحْتِمَالُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لَهُ دَلِيلُ خِطَابٍ أَمْ لَا يَكُونَ لَهُ؟ فَمَنْ قَالَ: لَهُ دَلِيلُ خِطَابٍ قَالَ: لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ، وَإِنَّ مَنْ شَرَطَ الِاعْتِكَافَ تَرَكَ الْمُبَاشَرَةَ. وَمَنْ قَالَ: لَيْسَ لَهُ دَلِيلُ خِطَابٍ قَالَ: الْمَفْهُومُ مِنْهُ أَنَّ الِاعْتِكَافَ جَائِزٌ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، وَأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْمُبَاشَرَةَ لِأَنَّ قَائِلًا لَوْ قَالَ: لَا تُعْطِ فُلَانًا شَيْئًا إِذَا كَانَ دَاخِلًا فِي الدَّارِ، لَكَانَ مَفْهُومُ دَلِيلِ الْخِطَابِ يُوجِبُ أَنْ تُعْطِيَهُ إِذَا كَانَ خَارِجَ الدَّارِ، وَلَكِنْ هُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْعُكُوفَ إِنَّمَا أُضِيفَ إِلَى الْمَسَاجِدِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ شَرْطِهِ).
غُرُوبِهَا. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ (١): يَدْخُلُ فِي اعْتِكَافِهِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ. وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ الْأَقْيِسَةِ بَعْضِهَا بَعْضًا، وَمُعَارَضَةُ الْأَثَرِ لِجَمِيعِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَنْ رَأَى أَنَّ أَوَّلَ الشَّهْرِ لَيْلُهُ وَاعْتَبَرَ اللَّيَالِيَ قَالَ: يَدْخُلُ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ، وَمَنْ لَمْ يَعْتَبِرِ اللَّيَالِيَ قَالَ: يَدْخُلُ قَبْلَ الْفَجْرِ).
من نذر أن يعتكف شهرًا بعينه، دخل المسجد قبل غروب الشمس، وهذا قول مالك، والشافعي، وأحمد؛ لأن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح، ثم دخل معتكفه؛ ولأن اللَّه تعالى قال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ولا يلزم الصوم إلا من قبل طلوع الفجر. ولأن الصوم شرط في الاعتكاف، فلم يَجُزِ ابتداؤه قبل شرطه.
* قوله: (وَمَنْ رَأَى أَنَّ اسْمَ اليَوْمِ يَقَعُ عَلَى اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَعًا أَوْجَبَ إِنْ نَذَرَ يَوْمًا أَنْ يَدْخُلَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَنْطَبِقُ عَلَى النَّهَارِ أَوْجَبَ الدُّخُولَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّ اسْمَ الْيَوْمِ خَاصٌّ بِالنَّهَارِ وَاسْمَ اللَّيْلِ بِاللَّيْلِ فَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَنْذِرَ أَيَّامًا أَوْ لَيَالِيَ. وَالْحَقُّ أَنَّ اسْمَ الْيَوْمِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ قَدْ يُقَالُ عَلَى النَّهَارِ مُفْرَدًا، وَقَدْ يُقَالُ عَلَى اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَعًا، لَكِنْ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ دَلَالَتُهُ الْأَوْلَى إِنَّمَا هِيَ عَلَى النَّهَارِ، وَدَلَالَتُهُ عَلَى اللَّيْلِ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ. وَأَمَّا الْأَثَرُ الْمُخَالِفُ لِهَذِهِ الْأَقْيِسَةِ كُلِّهَا: فَهُوَ مَا خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي رَمَضَانَ، وَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ دَخَلَ مَكَانَهُ الَّذِي كَانَ يَعْتَكِفُ فِيهِ (٢)).
стр. 3918
هذا الحديث الذي جاء بدخول المعتكف إلى اعتكافه إذا صلَّى الصبح يوهم أنه كان يدخل ذلك الحين الاعتكافَ، وليس ذلك على ما يوهم ظاهرُه؛ لأنه ﷺ إنما كان يدخل الخِبَاء الذى يُضرَب له؛ لينظرَ كيف يُرتَّب مكانُ نومه ومصلاه وحوائجه، ثم يخرج في حوائجه، فإذا صلى المغرب دخل معتكَفِه، ولا يمكن أن يدخل بنية الاعتكاف ثم ينصرف عنه؛ لأنه لا يحل قطع الاعتكاف ألبتة بعد أن يدخل فيه، ولا يجوز أيضًا أن يقطع اعتكاف غيره لا سيما وقد كان ﷺ أذِنَ لعائشةَ وحفصةَ ﵄ في ذلك، ودليل آخر: وهو أنه إن كان دخل للاعتكاف بعد صلاة الصبح فقد دخل في بعض النهار، ولا يجزئه ذلك من اعتكافه حتى يثبت أنه دخل الخباء قبل انصداع الفجر بنية الاعتكاف، وذلك معدوم في الروايات. وقال غيره: ويمكن أن يكون دخوله صبيحة عشرين متطوعًا بذلك، وكان اعتكافه كله تطوعًا، ومن زاد في التطوع فهو أفضل، وإنما يقع التحريم في النذر، ولو أن امرأً نذر اعتكاف العشر الأواخر ما لزمه أن يدخل إلا ليلة إحدى وعشرين عند الغروب، ويخرج صبيحة ثلاثين عند الغروب.
* قوله: (وَأَمَّا وَقْتُ خُرُوجِهِ فَإِنَّ مَالِكًا (١) رَأَى أَنْ يَخْرُجَ الْمُعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ مِنَ الْمَسْجِدِ إِلَى صَلَاةِ الْعِيدِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ، وَأَنَّهُ إِنْ خَرَجَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ أَجْزَأَهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٣): بَلْ يَخْرُجُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. وَقَالَ سَحْنُونٌ وَابْنُ
стр. 3919
الْمَاجِشُونِ: إِنْ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ. وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ: هَلِ اللَّيْلَةُ الْبَاقِيَةُ هِيَ مَنْ حُكْمِ الْعَشْرِ أَمْ لَا؟).
إن أحبَّ اعتكاف العشر الأواخر من رمضان تطوعًا، فيدخل قبل غروب الشمس من ليلة إحدى وعشرين؛ لما رُوي عن أبي سعيد: أن رسول اللَّه ﷺ كان يعتكف العشر الأوسطَ من رمضانَ، حتى إذا كانت ليلةُ إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يَخرج في صبيحتها من اعتكافه، قال: من كان اعتكف معي، فليعتَكِفْ العشر الأواخر.
ولأن العشر بغير "هاء" عدد الليالي، فإنها عدد المؤنث، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾ [الفجر: ٢]. وأول الليالي العشر ليلة إحدى وعشرين.
وقال بعضهم: يدخل بعد صلاة الصبح. قال حنبل، قال أحمد: أحبُّ إليَّ أن يدخل قبل الليل، ولكن حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان يصلي الفجر، ثم يدخل معتكفه.
ومن اعتكف العشر الأواخر من رمضان، استُحِبَّ له أن يبيت ليلة العيد في معتكَفِه. وجاء عن بعض التابعين أنه كان يبيت في المسجد ليلة الفطر، ثم يغدو كما هو إلى العيد.
وقال إبراهيم: كانوا يحبون لمن اعتكف العشر الأواخر من رمضان أن يبيت ليلة الفطر في المسجد، ثم يغدو إلى المصلى من المسجد.
* قوله: (وَأَمَّا شُرُوطُهُ فَثَلَاثَةٌ: النِّيَّةُ، وَالصِّيَامُ، وَتَرْكُ مُبَاشَرَةِ النِّسَاءِ. أَمَّا النِّيَّةُ: فَلَا أَعْلَمُ فِيهَا اخْتِلَافًا (١). وَأَمَّا الصِّيَامُ: فَإِنَّهُمُ
لِلصِّيَامِ (١). وَاحْتَجَّتِ الْمَالِكِيَّةُ بِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: السُّنَّةُ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدَ جَنَازَةً، وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً وَلَا يُبَاشِرَهَا، وَلَا يَخْرُجَ إِلَّا مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ (٢). قَالَ أَبُو عُمَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (٣): لَمْ يَقُلْ أَحَد فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا: السُّنَّةُ، إِلَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا الْكَلَامُ عِنْدَهُمْ إِلَّا مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ، وَإِنْ كانَ الْأَمْرُ هَكَذَا بَطَلَ أَنْ يَجْرِيَ مَجْرَى الْمُسْنَدِ).
مذهب الشافعي، وأحمد: أن الاعتكاف يصح بغير صوم.
وقال مالك، وأبو حنيفة: إذا اعتكف يجب عليه الصوم؛ لما روي عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا اعتكافَ إلا بصوم".
ولأنه لُبْثٌ في مكان مخصوص. فلم يكن بمجرده قربةً، كالوقوف.
والصواب: عن عمر ﵁ أنه قال: يا رسول اللَّه، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. فقال النبي ﷺ : "أَوْفِ بنذرِكَ".
ولو كان الصوم شرطًا لما صحَّ اعتكافُ الليل؛ لأنه لا صيام فيه، ولأنه عبادة تصح في الليل، فلم يُشترط له الصيام كالصلاة، ولأنه عبادة
стр. 3922
تصح في الليل، فأشبه سائر العبادات، ولأن إيجاب الصوم حكم لا يثبت إلا بالشرع، ولم يصح فيه نص، ولا إجماع.
* قوله: (وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّالِثُ وَهِيَ الْمُبَاشِرَةُ: فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُعْتَكِفَ إِذَا جَامَعَ عَامِدًا بَطَلَ اعْتِكَافُهُ (١)، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ لُبَابَةَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ (٢)، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ إِذَا جَامَعَ نَاسِيًا) (٣).
الجماع في الاعتكاف محرم بالإجماع، والأصل فيه قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]. فإن جامع في الفرج متعمدًا أفسد اعتكافه، بإجماع أهل العلم، ولأن الوطء إذا حرُم في العبادة أفسدها، كالحج والصوم.
وأما إن كان ناسيًا، فكذلك عند أحمد وأبي حنيفة، ومالك.
وقال الشافعي: لا يفسد اعتكافه؛ لأنها مباشَرة لا تُفسد الصوم، فلم تفسد الاعتكاف، كالمباشرة فيما دون الفرج.
المباشرة دون الفرج، إن كانت لغير شهوة، فلا بأس بها، مثل أن تغسل رأسه، أو تفليه، أو تناوله شيئًا؛ لأن النبي ﷺ كان يدني رأسه إلى عائشة وهو معتكف فترجِّلُه.
وإن كانت عن شهوة، فهي محرمة، لقول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
ولأنه لا يأمن إفضاءها إلى إفساد الاعتكاف، وما أفضى إلى الحرام كان حرامًا. فإن فعل، فأنزل، فسد اعتكافه، وإن لم يُنزِل، لم يفسد. وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي، في أحد قوليه.
وقال مالك: يفسد في الحالين؛ لأنها مباشرة محرمة، فأفسدت الاعتكاف، كما لو أنزل.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْمُجَامِعِ: فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَ قَوْمٌ: عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، فَبَعْضُهُمْ قَالَ: كَفَّارَةُ الْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَقَالَ قَوْمٌ: يَتَصَدَّقُ بِدِينَارَيْنِ، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ. وَقَالَ قَوْمٌ: يُعْتِقُ رَقَبَةً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَهْدَى بَدَنَةً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَصَدَّقَ بِعِشْرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ (١). وَأَصْلُ الْخِلَافِ: هَلْ يَجُوزُ الْقِيَاسُ فِي الْكَفَّارَةِ أَمْ لَا؟ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ).
لا كفارة بالجماع في ظاهر مذهب أحمد، ومالك. وقال آخرون: عليه كفارة.
والصواب: أنها عبادة لا تجب بأصل الشرع، فلم تجب بإفسادها
стр. 3925
كفارة، كالنوافل، ولأنها عبادة لا يدخل المال في جُبْرانها، فلم تجب الكفارة بإفسادها، كالصلاة، ولأن وجوب الكفارة إنما يثبت بالشرع، ولم يرِدِ الشرع بإيجابها، فتبقى على الأصل.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي مُطْلَقِ النَّذْرِ بالِاعْتِكَافِ: هَلْ مِنْ شَرْطِهِ التَّتَابُعُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢): ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ ذَلِكَ. وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: قِيَاسُهُ عَلَى نَذْرِ الصَّوْمِ الْمُطْلَقِ).
إذا نذر اعتكاف شهر، لزمه شهر بالأهلة، أو ثلاثون يومًا. وهل يلزمه التتابع؟ الجواب: على قولين:
أحدهما: لا يلزمه. وهو مذهب الشافعي؛ لأنه معنى يصح فيه التفريق، فلا يجب فيه التتابع بمطلق النذر، كالصيام.
والثاني: يلزمه التتابع. وهو قول أبي حنيفة ومالك.
وإن قال: للَّه عليَّ أن أعتكف أيام هذا الشهر، أو ليالي هذا الشهر، لزمه ما نذَر، ولم يدخل فيه غيره. وكذلك إن قال: شهرًا في النهار، أو في الليل.
* قوله: (وَأَمَّا مَوَانِعُ الِاعْتِكَافِ: فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا مَا عَدَا الْأَفْعَالَ