لِلصِّيَامِ (١). وَاحْتَجَّتِ الْمَالِكِيَّةُ بِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: السُّنَّةُ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدَ جَنَازَةً، وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً وَلَا يُبَاشِرَهَا، وَلَا يَخْرُجَ إِلَّا مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ (٢). قَالَ أَبُو عُمَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (٣): لَمْ يَقُلْ أَحَد فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا: السُّنَّةُ، إِلَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا الْكَلَامُ عِنْدَهُمْ إِلَّا مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ، وَإِنْ كانَ الْأَمْرُ هَكَذَا بَطَلَ أَنْ يَجْرِيَ مَجْرَى الْمُسْنَدِ).
مذهب الشافعي، وأحمد: أن الاعتكاف يصح بغير صوم.
وقال مالك، وأبو حنيفة: إذا اعتكف يجب عليه الصوم؛ لما روي عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا اعتكافَ إلا بصوم".
ولأنه لُبْثٌ في مكان مخصوص. فلم يكن بمجرده قربةً، كالوقوف.
والصواب: عن عمر ﵁ أنه قال: يا رسول اللَّه، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. فقال النبي ﷺ : "أَوْفِ بنذرِكَ".
ولو كان الصوم شرطًا لما صحَّ اعتكافُ الليل؛ لأنه لا صيام فيه، ولأنه عبادة تصح في الليل، فلم يُشترط له الصيام كالصلاة، ولأنه عبادة
стр. 3922
تصح في الليل، فأشبه سائر العبادات، ولأن إيجاب الصوم حكم لا يثبت إلا بالشرع، ولم يصح فيه نص، ولا إجماع.
* قوله: (وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّالِثُ وَهِيَ الْمُبَاشِرَةُ: فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُعْتَكِفَ إِذَا جَامَعَ عَامِدًا بَطَلَ اعْتِكَافُهُ (١)، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ لُبَابَةَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ (٢)، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ إِذَا جَامَعَ نَاسِيًا) (٣).
الجماع في الاعتكاف محرم بالإجماع، والأصل فيه قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]. فإن جامع في الفرج متعمدًا أفسد اعتكافه، بإجماع أهل العلم، ولأن الوطء إذا حرُم في العبادة أفسدها، كالحج والصوم.
وأما إن كان ناسيًا، فكذلك عند أحمد وأبي حنيفة، ومالك.
وقال الشافعي: لا يفسد اعتكافه؛ لأنها مباشَرة لا تُفسد الصوم، فلم تفسد الاعتكاف، كالمباشرة فيما دون الفرج.
المباشرة دون الفرج، إن كانت لغير شهوة، فلا بأس بها، مثل أن تغسل رأسه، أو تفليه، أو تناوله شيئًا؛ لأن النبي ﷺ كان يدني رأسه إلى عائشة وهو معتكف فترجِّلُه.
وإن كانت عن شهوة، فهي محرمة، لقول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
ولأنه لا يأمن إفضاءها إلى إفساد الاعتكاف، وما أفضى إلى الحرام كان حرامًا. فإن فعل، فأنزل، فسد اعتكافه، وإن لم يُنزِل، لم يفسد. وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي، في أحد قوليه.
وقال مالك: يفسد في الحالين؛ لأنها مباشرة محرمة، فأفسدت الاعتكاف، كما لو أنزل.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْمُجَامِعِ: فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَ قَوْمٌ: عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، فَبَعْضُهُمْ قَالَ: كَفَّارَةُ الْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَقَالَ قَوْمٌ: يَتَصَدَّقُ بِدِينَارَيْنِ، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ. وَقَالَ قَوْمٌ: يُعْتِقُ رَقَبَةً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَهْدَى بَدَنَةً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَصَدَّقَ بِعِشْرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ (١). وَأَصْلُ الْخِلَافِ: هَلْ يَجُوزُ الْقِيَاسُ فِي الْكَفَّارَةِ أَمْ لَا؟ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ).
لا كفارة بالجماع في ظاهر مذهب أحمد، ومالك. وقال آخرون: عليه كفارة.
والصواب: أنها عبادة لا تجب بأصل الشرع، فلم تجب بإفسادها
стр. 3925
كفارة، كالنوافل، ولأنها عبادة لا يدخل المال في جُبْرانها، فلم تجب الكفارة بإفسادها، كالصلاة، ولأن وجوب الكفارة إنما يثبت بالشرع، ولم يرِدِ الشرع بإيجابها، فتبقى على الأصل.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي مُطْلَقِ النَّذْرِ بالِاعْتِكَافِ: هَلْ مِنْ شَرْطِهِ التَّتَابُعُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢): ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ ذَلِكَ. وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: قِيَاسُهُ عَلَى نَذْرِ الصَّوْمِ الْمُطْلَقِ).
إذا نذر اعتكاف شهر، لزمه شهر بالأهلة، أو ثلاثون يومًا. وهل يلزمه التتابع؟ الجواب: على قولين:
أحدهما: لا يلزمه. وهو مذهب الشافعي؛ لأنه معنى يصح فيه التفريق، فلا يجب فيه التتابع بمطلق النذر، كالصيام.
والثاني: يلزمه التتابع. وهو قول أبي حنيفة ومالك.
وإن قال: للَّه عليَّ أن أعتكف أيام هذا الشهر، أو ليالي هذا الشهر، لزمه ما نذَر، ولم يدخل فيه غيره. وكذلك إن قال: شهرًا في النهار، أو في الليل.
* قوله: (وَأَمَّا مَوَانِعُ الِاعْتِكَافِ: فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا مَا عَدَا الْأَفْعَالَ
стр. 3926
الَّتِي هِيَ أَعْمَالُ الْمُعْتَكِفِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ الْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ، أَوْ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهَا مِمَّا تَدْعُو إِلَيْهِ الضَّرُورَةُ (١)؛ لِمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إِلَيَّ رَأَسَهُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ (٢). وَاخْتَلَفُوا إِذَا خَرَجَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ: مَتَى يَنْقَطِعُ اعْتِكَافُهُ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): يَنْتَقِضُ اعْتِكَافُهُ عِنْدَ أَوَّلِ خُرُوجِهِ، وَبَعْضُهُمْ (٤) رَخَّصَ فِي السَّاعَةِ، وَبَعْضُهُمْ (٥) فِي الْيَوْمِ).
المعتكف ليس له الخروج من معتكفه، إلا لما لا بدَّ له منه، ولا خلاف في أن له الخروج لما لا بدَّ له منه؛ ولأن هذا لا يمكن فعله في المسجد، فلو بطَل الاعتكاف بخروجه إليه، لم يصح لأحد الاعتكاف.
ولأن النبي ﷺ كان يعتكف، وقد علمنا أنه كان يخرج لقضاء حاجته، والمراد بحاجة الإنسان البول والغائط، كَنَّى بذلك عنهما؛ لأن كل
стр. 3927
إنسان يحتاج إلى فعلهما، وفي معناه الحاجة إلى المأكول والمشروب، إذا لم يكن له من يأتيه به، فله الخروج إليه إذا احتاج إليه، وإن بغتَه القيءُ، فله أن يخرج ليتقيأَ خارج المسجد، وكل ما لا بدَّ له منه، ولا يمكن فعله في المسجد، فله الخروج إليه، ولا يفسد اعتكافه وهو عليه، ما لم يطل. وكذلك له الخروج إلى ما أوجبه اللَّه تعالى عليه، مثل من يعتكف في مسجد لا جمعة فيه، فيحتاج إلى خروجه ليصلي الجمعة، ويلزمه السعي إليها، فله الخروج إليها، ولا يبطل اعتكافه. وبهذا قال أبو حنيفة.
وقال الشافعي: لا يعتكف في غير الجامع، إذا كان اعتكافه يتخلَّله جمعة. فإن نذر اعتكافًا متتابعًا، فخرج منه لصلاة الجمعة، بطل اعتكافه، وعليه الاستئناف؛ لأنه أمكنه فرضه بحيث لا يخرج منه، فبطل بالخروج، كالمكفِّر إذا ابتدأ صوم الشهرين المتتابعين في شعبان أو ذي الحجة.
ولنا أنه خرج لواجب، فلم يبطل اعتكافه، كالمعتدَّة تخرج لقضاء العدة، وكالخارج لإنقاذ غريق، أو إطفاء حريق، أو أداء شهادة تعينت عليه؛ ولأنه إذا نذر أيامًا فيها جمعة، فكأنه استثنى الجمعة بلفظه، ثم تبطل بما إذا نذرت المرأة أيامًا فيها عادة حيضها، فإنه يصح مع إمكان فرضها في غيرها، والأصل غير مسلم. إذا ثبت هذا، فإنه إذا خرج لواجب، فهو على اعتكافه، ما لم يطل؛ لأنه خروج لما لا بدَّ له منه، أشبه الخروج لحاجة الإنسان. فإن كان خروجه لصلاة الجمعة، فله أن يتعجل.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا: هَلْ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتًا غَيْرَ بَيْتِ مَسْجِدِهِ؟ فَرَخَّصَ فِيهِ بَعْضُهُمْ وَهُمُ الأَكْثَرُ؛ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَبُو حَنِيفَةَ،
الحيض حدث يمنع اللبث في المسجد، فهو كالجنابة، وآكد منه، وإذا ثبت هذا فإن المسجد إن لم يكن له رَحْبة، رجعت إلى بيتها، فإذا طهرت رجعت فأتمت اعتكافها، وقضت ما فاتها، ولا كفارة عليها.
وقال مالك، والشافعي: ترجع إلى منزلها، فإذا طهرت فلترجع؛ لأنه وجب عليها الخروج من المسجد، فلم يلزمها الإقامة في رحبته، كالخارجة لعدة، أو خوف فتنة.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ أَمْ لَيْسَ يَخْرُجُ؟).
لا حرج إذا خرج لما له بدٌّ، فإذا خرج لما ليس له منه بد، بطل اعتكافه وإن قل. وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي.
وقال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن: لا يفسد حتى يكون أكثر من نصف يوم؛ لأن اليسير معفوٌّ عنه، بدليل: أن صفية ﵂ أتت النبي ﷺ تزوره في معتكفه، فلما قامت لتنقلب خرج معها ليقلِبَها. ولأن اليسير معفو عنه، بدليل ما لو تأنى في مشيه.
والصواب: أن هذا خروج من معتكفه لغير حاجة، فأبطله، كما لو أقام أكثر من نصف يوم، وأما خروج النبي ﷺ فيحتمل أنه لم يكن له بد؛ لأنه كان ليلًا، فلم يأمن عليها، ويحتمل أنه فعل ذلك لكون اعتكافه تطوعًا، له ترك جميعه، فكان له ترك بعضه، ولذلك تركه لما أراد نساؤه الاعتكاف معه. وأما المشي فتختلف فيه طباع الناس، وعليه في تغيير مشْيِه مشقة، ولا كذلك هاهنا، فإنه لا حاجة به إلى الخروج.
* قوله: (وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا إِذَا جُنَّ الْمُعْتَكِفُ، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ: هَلْ يَبْنِي أَوْ لَيْسَ يَبْنِي بَلْ يَسْتَقْبِلُ؟ (١) وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ:
стр. 3931
أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ شَيْءٌ مَحْدُودٌ مِنْ قِبَلِ السَّمْعِ، فَيَقَعُ التَّنَازُعُ مِنْ قِبَلِ تَشْبِيهِهِمْ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ بِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، أَعْنِي: بِمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ، أَوْ فِي الْعِبَادَاتِ الَّتِي مِنْ شَرْطِهَا التَّتَابُعُ، مِثْل صَوْمِ النَّهَارِ وَغَيْرِهِ).
إن تعذر عليه المقام في المسجد؛ لمرض لا يمكنه المقام معه فيه، كالقيام المتدارك، أو سَلَسِ البول، أو الإغماء، أو لا يمكنه المقام إلا بمشقة شديدة، مثل أن يحتاج إلى خدمة وفراش، فله الخروج.
وإن كان المرض خفيفًا، كالصداع، ووجع الضرس، ونحوه، فليس له الخروج. فإن خرج بطل اعتكافه. وله الخروج إلى ما يتعين عليه من الواجب، مثل الخروج في النفير إذا عَمَّ، أو حضر عدو يخافون كلبه، واحتيج إلى خروج المعتكف، لزمه الخروج؛ لأنه واجب متعيِّن، فلزم الخروج إليه، كالخروج إلى الجمعة.
وإذا خرج ثم زال عذره، نظرنا، فإن كان تطوعًا فهو مخيَّر، إن شاء رجع إلى معتكفه، وإن شاء لم يرجع، وإن كان واجبًا رجع إلى معتكفه، فبنى على ما مضى من اعتكافه.
стр. 3932
* قوله: (وَالْجُمْهُورُ (١) عَلَى أَنَّ اعْتِكَافَ الْمُتَطَوِّعِ إِذَا قُطِعَ لِغَيْرِ عُذْرٍ أَنَّهُ يَجِبُ فِيهِ الْقَضَاءُ؛ لِمَا ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ فَلَمْ يَعْتَكِفْ، فَاعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ (٢). وَأَمَّا الْوَاجِبُ بِالنَّذْرِ فَلَا خِلَافَ فِي قَضَائِهِ، فِيمَا أَحْسَبُ (٣)).
إن كان تطوعًا، فلا قضاء عليه؛ لأن التطوع لا يلزم بالشروع فيه في غير الحج والعمرة.
وإن كان نذرًا نظرنا، فإن كان نذَر أيامًا متتابعة، فسد ما مضى من اعتكافه، واستأنف؛ لأن التتابع وصْف في الاعتكاف، وقد أمكنه الوفاء به، فلزمه، وإن كان نذَر أيامًا معينة، كالعشرة الأواخر من شهر رمضان، ففيه وجهان؛ أحدهما، يبطل ما مضى، ويستأنفه؛ لأنه نذَر اعتكافًا متتابعًا، فبطل بالخروج منه، كما لو قيده بالتتابع بلفظه.
* قوله: (وَالْجُمْهُورُ (٤) أَنَّ مَنْ أَتَى كَبِيرَةً انْقَطَعَ اعْتِكَافُهُ).
стр. 3933
مذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة في المعتكف يأتي الكبيرة أنه قد بطل اعتكافه.
* قوله: (فَهَذِهِ جُمْلَةُ مَا رَأَيْنَا أَنْ نُثْبِتَهُ فِي أُصُولِ هَذَا البَابِ وَقَوَاعِدِهِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَالْمُعِينُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحِبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا).
هذا ما أثبته المؤلف ﵀ من أساسات وقواعد كتاب الصيام والاعتكاف، واللَّه الموفِّق.
قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
стр. 3934
[بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ]
(كِتَابُ الْحَجِّ)
قصد المؤلف (كِتَابُ الْحَجِّ)، يعني: هذا (كتاب الحج)، والمراد: الكتاب الذي معنا فيه أحكام الحج (١)، والمؤلف -كما قلنا- كعادته لن يستوعب جميع المسائل، لكنه في (كتاب الحج) أيضًا اختلف عن غيره، كما لاحظتم في (كتاب الذبائح) تَوَسَّع المؤلف، وكان المؤلف في (كتاب الحج) أخرجه عن "بداية المجتهد"، ثم رأى بعد ذلك أن يضمه فيه، فألحقه به.
стр. 3935
[الْجِنْسُ الْأَوَّلُ مَعْرِفَةُ وُجُوبِ الحج وَشُرُوطِهِ]
* قال: (وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي ثَلَاثَةِ أَجْنَاسٍ: الْجِنْسُ الْأَوَّلُ يَشْتَمِلُ عَلَى الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَجْرِي مِنْ هَذِهِ الْعِبَادَةِ مَجْرَى الْمُقَدِّمَاتِ الَّتِي تَجِبُ مَعْرِفَتُهَا لِعَمَلِ هَذِهِ العِبَادَةِ).
يعني: الإنسان إذا عزم على الحج، وقصد ذلك يَنبغي له حقيقةً أن يَعرف ما يحتاج إليه من أُمور الحج، يعني: لا ينبغي للمسلم أن يعزم أن يحج وهو لا يُدرك أُمور الحج، حتى وإن لم يكن عالمًا ولا من طلاب العلم، وهناك كتب قيِّمة عن المناسك طُبِعت، وتوزع كثيرًا، وفيها فوائد كثيرة، فيأخذها الإنسان فتكون بمثابة دليل يرشده إلى الطريق، يعني: الإنسان عندما يريد أن يسافر إلى مكان ما، وهو لا يعرفه يحتاج إلى إنسان يأخذ بيده، فيدله على الطريق، فهذا الكتيب الذي معك وهذه الرسالة بمثابة كشَّاف يُضيء لك الطريق، فلتقرأ فيه. نعم أنت لا تستطيع أن تعرف دقيق المسائل ولا جزئياتها، لكنك تعرف الأُمور الجوهرية، تعرف كيف تُحرم؟ كيف تدخل في الإحرام؟ كيف تسير في طريقك؟ كيفية الطواف، والسعي، والحلق أو التقصير، والوقوف بعرفة، والذبح، والرمي. . كل هذه الأُمور ينبغي للمسلم أن يكون على معرفة بها.
(الْجِنْسُ الثَّانِي: فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَجْرِي مَجْرَى الْأَرْكانِ، وَهِيَ الْأُمُورُ الْمَعْمُولَةُ أَنْفُسُهَا وَالْأَشْيَاءُ الْمَتْرُوكَةُ).
يعني: أنتم تعرفون أن الحج يشتمل على أركان (١) مِثل الوقوف
стр. 3936
بعرفة (١). لو أن إنسانًا ما وقف بعرفة ولو للحظات في وقت الوقوف لا حج له.
ومثلًا لو أنه ما نوى الحج -أيضًا والنية ركن، وهي الدخول في النسك-، فلا حج له.
إذًا هناك أركان، والركن لا يَسقط في السهو ولا في العَمد، وهناك واجبات (٢) لو قَصَّرت فيها تَجبرها بدم، وهناك سنن يُستحب لك أن تفعلها، لكن المسلم يحاول دائمًا أن لا يُفرط في أيِّ أمر من الأُمور المتعلقة بالمناسك؛ لأن الرسول ﷺ كما سيأتي- فُرض الحج ولم يَحج مباشرةً، وهناك أسباب سنتبيَّنها، لكن الرسول ﷺ حَجَّ ومعه جمعٌ غفير من المؤمنين صَحِبوه من المدينة، وهناك مَن لحق به، وهناك من هم في مكة، وأيضًا في المناسك وفي المشاعر كان يقول: "خُذُوا عَنِّي مناسككم" (٣).
إذًا، الأولى بالمسلم أن يبذل غاية جهده وطاقته في أن يكون حجه على وفق الطريقة التي حج عليها رسول اللَّه ﷺ قدر الإمكان.
* قال: (الْجِنْسُ الثَّالِثُ: فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَجْرِي مِنْهَا مَجْرَى الْأُمُورِ اللَّاحِقَةِ، وَهِيَ أَحْكَامُ الْأَفْعَالِ.
стр. 3937
وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ فَإِنَّهَا تُوجَدُ مُشْتَمِلَةً عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَجْنَاسِ).
وأنتم تعلمون أن الحج جمع بين أمرين: عبادة بدنية وعبادة مالية، فأنت تحتاج إلى مالٍ لتنفق منه، وأنت أيضًا تستخدم بدنك في الحج، ألست تسافر فتحتاج إلى المشي لتطوف وتسعى، يعني: بين الصفا والمروة (١)، وتقف بعرفة، وتذهب لرمي الجمرات. . .
إذًا، أنت تنفق، وكذلك -أيضًا- تستخدم بدنك في هذه الطاعة.
قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
(الْجِنْسُ الْأَوَّلُ: وَهَذَا الْجِنْسُ يَشْتَمِلُ عَلَى شَيْئَيْنِ: عَلَى مَعْرِفَةِ الْوُجُوبِ وَشُرُوطِهِ. وَعَلَى مَنْ يَجِبُ؟ وَمَتَى يَجِبُ؟).
стр. 3938
إذًا، على مَن يجب الحج؟
لا يجب الحج على كل إنسان، بل هناك شروط لا بدَّ من توافرها (١)، هذه الشروط إذا توفرت وجب الحج، وهذه الشروط منها ما هي شروط صحة، ومنها ما هي شروط وجوب، فهناك مَن يجب عليه الحج ويصح منه، وهناك مَن يُطلب منهم هذا الفرض لكن لا يصحُّ منهم، وهناك مَن يصح منهم، لكن لا يَكفيه عن حجة الإسلام؛ كالصبي (٢)،
стр. 3939
وكذلك المملوك (١)، على الرأي الصحيح بالنسبة للمملوك.
* قال: (فَأَمَّا وُجُوبُهُ: فَلَا خِلَافَ فِيهِ، لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فِوَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]).
المؤلف هنا -كما ترون- لم يدخل في تفصيل هذه المسألة؛ أي: في الأدلة على وجوب الحج؛ لأن هذه قضية مُسَلَّمة؛ لأن الحج ركن من أركان الإسلام (٢)، لكن لا مانع أن نُشير ولو بعض الشيء إلى أهمية ذلك، نحن نقول: الحج ركن من أركان الإسلام، وفريضة من فرائضه، وهو خامس الأركان الخمسة التي بُني عليها الإسلام، والدليل على وجوبه: الكتاب والسُّنة والإجماع.
стр. 3940
أمَّا الكتاب؛ فقول اللَّه : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، و"على" إنَّما هي من صيغ الوجوب، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.
وأمَّا السُّنة ففيها أحاديث كثيرة؛ منها: حديث عبد اللَّه بن عمر المتفق عليه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأنَّ محمدًا رسول اللَّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحَج البيت من استطاع إليه سبيلًا" (١)، وكذلك قوله ﷺ أيضًا في الحديث الصَّحيح: "يا أيُّها الناس، قد فرض اللَّه عليكم الحَج؛ فَحُجوا"، فقام رجل، فقال: أفي كل عام يا رسول اللَّه؟ فلم يَرد عليه ﷺ ، حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لو قلت: نعم لوجبت، ولما استطعتم"، ثم انظروا إلى التوجيه النبوي الكريم: "ذَروني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" (٢)، وانظروا -أيضًا- إلى رحمة اللَّه تعالى بعباده، "إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم"، فلا يكلف اللَّه نفسًا إلا وسعها، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، فأنت أُمرت بأمر؛ أمرت -مثلًا- بأن تصلي قائمًا، فإن عجزت تصلي قاعدًا، وإن عجزت تصلي -أيضًا- على جنبك، وهكذا، إذًا فاتَّقِ اللَّه على قدر طاقتك، لكنه بعد ذلك قال: "وما نهيتكم عنه فاجتنبوه"، فالترك سهل، وهو أن تجتنبه، لكن مع الأسف جدًّا أن ترك المعاصي يقع فيه كثير من المسلمين.
* قال: (وَأَمَّا شُرُوطُ الْوُجُوبِ: فَإِنَّ الشُّرُوطَ قِسْمَانِ: شُرُوطُ صِحَّةٍ، وَشُرُوطُ وُجُوبٍ).
أولًا: يشترط فيمن يَحج من حيث العموم: أن يكون مسلمًا، وأن
стр. 3941
يكون بالغًا، وأن يكون عاقلًا، وأن يكون حرًّا، وأن يكون قادرًا؛ يعني: عنده الاستطاعة (١).
فيجب أن يكون مسلمًا؛ لماذا بدأ بهذا القيد؟ لأن الكافر أولًا: لا يُطالب بأداء الحج، ولا يُطالب بقضائه بعد أن يُسلم، لكنه يعاقب على تركه؛ لماذا؟ (٢)؛ لأن الأصل أن الكافر مُطالب بأن يُسلم، والحج ركن من أركان الإسلام، فكان عليه أن يُؤديه، فلما لم يؤده يُضاف إلى عقوبته عقوبة أُخرى، وهي عدم إيمانه؛ قال سبحانه: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٧].
стр. 3942
* قال: (فَأَمَّا شُرُوطُ الصِّحَّةِ: فَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ: أَنَّ مِنْ شُرُوطِهِ الْإِسْلَامَ، إِذْ لَا يَصِحُّ حَجُّ مَنْ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ).
كما قال اللَّه : ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٥٤]؛ لماذا لا تُقبل نفقات الكافر؟ الكافر ربما يَبني مسجدًا، يبني المستشفيات، ويضع القناطر والسكك، ربما ينفق أموالًا كبيرة في سبيل إصلاح المجتمع، وما نعرفه الآن بما يتعلَّق بخدمات المجتمع؛ قد يحمل أعمالًا كثيرة، ويتبرع ويتصدق، وهي أعمال في ظاهرها طيبة، لكنها لا تنفع لماذا؟ لأنهم كفروا باللَّه وبرسوله، إذًا كفره باللَّه وبرسوله هو الذي منعه أن يستفيد من هذه الأعمال، فإن أراد أن تُسجل له هذه الأعمال، وأن يستفيد منها فعليه أن يبادر بالدخول في الإسلام؛ لأنه كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥].
* قال: (وَاخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ وُقُوعِهِ مِنَ الصَّبِيِّ).
إذًا يُشترط أن يكون مسلمًا، وأن يكون -أيضًا- بالغًا، هذا هو الشرط الثاني، فهل الصبي (١) يَحج أو لا؟ هناك أمران، إذا قلنا: يحج.
стр. 3943
وقلنا: إنَّ حجه صحيح، فهل يكفيه عن حجة الإسلام أم لا؟ الصحيح: أن الصبي يصح حجه، والدليل على ذلك: قصة تلكم المرأة التي رفعت صبيًّا، فقالت: يا رسول اللَّه، ألهذا حَجٌّ؟ قال: "نعم، ولك أجر" (١)، إذًا هو له حج، وأضاف الرسول ﷺ الذي أُوتي جوامع الكلم (٢) بأن لها أجرًا؛ لأن أسلوبه ﷺ الجواب بحكمة، كما أجاب عن سؤالهم: إنَّا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا! فماذا قال رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: "هو الطَّهور ماؤه، الحِلُّ مَيتته" (٣)، فلما رآهم قد ترددوا في طهارة ماء البحر خشي -أيضًا- أن يَترددوا فيما هو أهم، ألا وهو لحمه، فقال: "هو الطَّهور ماؤه، الحِل ميتته"، وهنا قال: "نعم، ولك أجر"، "نَعَمْ"، ثم أضاف: "ولَكِ أجر"؛ لماذا؟ لأنها ستكون سببًا في أن هذا الصبي يؤدي هذه القُربة، وهي ستسجل لهذا الصغير في سجل حسناته، فهو وإن كان صغيرًا غير مكلف، لكنه يثاب على أعماله الصالحة، فإذا تسببت في عمل من أعمال الخير، بأن أخذت -مثلًا- بيد أخيك المسلم وأرشدته إلى الطريق، أو دللته وأرشدته إلى مسألة من المسائل اليسيرة، فأنت ستثاب على ذلك، فكل عمل تعمله في هذه الحياة من أعمال الخير ستجده مكتوبًا مدونًا مُسطرًا لك، ستجده ذخره في يوم القيامة، الآن مثلًا إنسان يَجمع أموالًا؟ لماذا يجمع هذا الأموال؟ يجمع
стр. 3944
هذه الأموال؛ لأن من الأسباب: أنه قد يأتي يوم من الأيام لا يستطيع أن يعمل، فيجد أنه قد ادَّخر هذا المال، فيخدمه في آخر حياته، إذًا هذه أعمال الخير التي تُقدمها في وقت شبابك وفي وقت قدرتك إنما تدخرها ليوم عظيم، ستجد أنها تَسبقك في ذلك اليوم، فعندما توضع الموازين تجد أن تلك الأعمال ستنال عليها الثواب الكبير في ذلك اليوم العظيم.
(فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ).
أي: ذهب مالك، والشافعي، وأحمد إلى صحة حَجِّ الصبي (١).
(وَمَنَعَ مِنْهُ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ: مُعَارَضَةُ الْأَثَرِ فِي ذَلِكَ لِلْأُصُولِ).
أولًا: هناك علامات للبلوغ عِدَّة (٢)؛ منها: أن يبلغ الإنسان سِنَّ البلوغ، وهذا يشترك فيه الصغير والصبي، ومنها أيضًا: الإنبات، يعني: أن يَنبت شعر العانة، ومنها أيضًا: أن يَحتلم، هذه كلها من علامات البلوغ، فهذا معناه أنه قد بلغ، ومن قبل ذلك لا يكون بالغًا؛ أي: لا يكون مُكَلَّفًا، فيكون مرفوعًا عنه القلم، لكنهم يختلفون: هناك صبي صغير غير مُميز، وهناك صبي مميز مُدرك، ولذلك ترون قصة الصحابي (٣) الذي كان في السنة الرابعة أو قريبًا منها، وعقل مجة رسول اللَّه ﷺ بوجهه، فالذكاء
стр. 3945
والفطنة والمواهب إنما هي من اللَّه ، فاللَّه يعطي هذا ذكاءً ونبوغًا قويًّا، وهذا يجعله متوسطًا، وهذا يجعله دون ذلك، هذا يعطيه المال، وهذا يجعله فقيرًا، وهذا يَهبه قوة في البدن، وهذا أيضًا يجعله دون ذلك لحكمة يعلمها ، إذًا الصغار -أيضًا- ليسوا كلهم على نسق واحد، وهذا يعرفه كل إنسان منا أثناء التلقِّي، هؤلاء الطلاب الذين هم في فصل واحد قد يصل عددهم إلى مائة أو إلى ثمانين أو سبعين أو حتى عشرين، هل كلهم في درجة واحدة من الذكاء والفطنة؟ لا، فتجد منهم المبدع الذكي الفَطِن،
وتجد منهم المتوسط، وتجد منهم مَن هو دون ذلك، إذًا، هذه مواهب وهبها اللَّه لعباده، كذلك هؤلاء الصغار قد تجد مِن الصغار مَن عنده من التصرف والحكمة والعقل والدراية مَن هو أحسن من الكبير، ولذلك الحَجْرُ (١) على نوعين: حَجر على صغير، وحجر على كبير، فقد تجد إنسانًا وصل الثلاثين من عمره ويحجر عليه في ماله؛ لأنه يتصرَّف تصرُّفَ السفهاء، واللَّه تعالى يقول: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ [النساء: ٥]، ثم قال: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، فبالنسبة للصغار فإنهم يختلفون؛ فقد تجد من الصغار مَن هو فطن فيتصرف تصرفات عظيمة ويكون في سِنِّ السابعة أو السادسة، ومنهم من هو دون ذلك.
* قال: (وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ أَخَذَ فِيهِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَشْهُورِ، وَخَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَفِيهِ: "أَنَّ امْرَأَةً رَفَعَتْ إِلَيْهِ ﵊ صَبِيًّا فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ" (٢).
وَمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ تَمَسَّكَ بِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ أَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَصِحُّ مِنْ غَيْرِ عَاقِلٍ).
стр. 3946
هنا لا تصح من غير عاقل، ما معنى هذا؟ أنتم تذكرون حديث علي بن أبي طالب ﵁، وروي -أيضًا- من طريق عائشة، وهو قوله ﷺ في الحديث الصحيح: "رُفع القلم عن ثلاثٍ: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصغير حتى يحتلم" (١)، إذًا، ذكر هنا ثلاثة؛ ذكر المجنون، وذكر الصغير، وذكر النائم، والنائم معروف أنه في وقت نومه مرفوع عنه القلم، لكنه إذا صحا يُطالب بما غفل عنه؛ كالصلاة: "مَن نام عن صلاة أو نَسِيَها فَلْيُصلها متى ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك" (٢)، لكن الحديث هنا على أن الصبي والمجنون غير مكلفين.
والحنفية (٣) يقولون: إذا قلتم بأن الحج يصح من الصبي، فكأنكم كَلَّفتموه بذلك، وهذا خلاف ما أرشد إليه رسولُ اللَّه ﷺ ؛ لأنه قال: "رفع القلم عن ثلاث. . . "، وأنتم كأنكم وضعتم القلم عليه، فإذا صححتم منه هذه العبادة فكأنكم طالبتموه بالتكليف.
والجمهور يقولون: لا، نحن ما طلبناهما بالتكليف، نحن نقول: هذه قربة، وهذا عمل خير يُثاب عليه، لكن هذا لا يكفيه، كما جاء في حديث -وإن كان فيه مقال-: "أنَّ مَن حَجَّ ثم عتق، أو حج وهو صغير، فإنه يَحج بعد ذلك" (٤)، يعني: لو حج إنسان صغير ثم بلغ، فإنه يُعيد تلك الحجة، وكذلك -أيضًا- مَن حج وهو مملوك ثم أعتق، فإنه يَحج حجة الإسلام، هذا جاء في حديث فيه كلام للعلماء، ربما يَمر بنا (٥).
стр. 3947
* قال: (وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي صِحَّةِ وُقُوعِهَا مِنَ الطِّفْلِ الرَّضِيعِ).
الرسول ﷺ أطلق في حديثه فقال: "نَعَم، ولكِ أجر"، ولم يُحدد سن الطفل، لكننا نفرق في هذا الصغير بأن نقسمه إلى قسمين:
مُميز مدرك، فهذا يوجهه والده، وهو يعمل كل الأعمال التي يعملها الإنسان الكبير إلا التي يَعجز عنها، مثل ألا يستطيع أن يرمي الجمرات، فيشق عليه بعض الأُمور، فوليه ينوب عنه.
أما الصغير عير المميز فإنَّ وليه ينوي الإحرام عنه، فيقوم بجميع أعماله.
لكن تبقى قضية إذا جاء يطوف ويسعى: هل يطوف طوافًا واحدًا ويكفيه عنه وعن هذا الصغير؟ أم لا بدَّ من أن يطوف عن الصغير أولًا، ثم يطوف عن نفسه، وهل يفعل كذلك كذلك في السعي أم لا؟
هذه مسألة مختلف فيها بين العلماء، منهم من قال: يكفي طواف واحد وسعي واحد، ومنهم مَن يقول: لا بدَّ من طوافين، والأحوط للمسلم هنا: أن يطوف وأن يسعى سَعْيَين (١).
стр. 3948
وكذلك سنأتي في الرمي نرى أن إنسانًا أُنِيب (١) عن زوجته التي
стр. 3949
لا تستطيع الرمي، أو والده أو والدته، فهذه الشريعة ما جاءت لتكليف الناس بما لا يطيقون، فهناك من يرى أنك ترمي الجمرات مثلًا في اليوم الثاني ثم ترجع وترمي، لا، ارمِ -مثلًا- جمرة العقبة الصغرى في اليوم الثاني، أو جمرة العقبة في يوم النحر عن نفسك، ثم ارمِ عن هذا، وفي اليوم الثاني ترمي الصغرى عن نفسك ثم عن هذا، ثم الوسطى ثم جمرة العقبة، وهكذا في اليوم الثالث أو الرابع إذا لم تتعجل؛ فدين اللَّه يُسر.
(وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَخْتَلِفَ فِي صِحَّةِ وُقُوعِهِ مِمَّنْ يَصِحُّ وُقُوعُ الصَّلَاةِ مِنْهُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ ﵊: "مِنَ السَّبْعِ إِلَى الْعَشْرِ").
المؤلف اقتطع جُزءًا من الحديث، وهو حديث: "مُرُوا أبناءكم بالصلاة لِسبع، واضربوهم عليها لِعشر، وفَرِّقوا بينهم في المضاجع" (١)، "مُرُوا": هذا أمر، هنا الأمر ليس أمر إجابة، لكن كما قال الشاعر (٢):
وينشأ ناشئ الفتيان مِنَّا … على ما كان عَوَّده أبوه
فأنت إذا أخذت الصغير وهو في سِن السادسة أو السابعة أو الثامنة، وبَيَّنت له كيف يتوضأ، وكيف يصلي، ثم صاحبته معك مَرَّأت يعتاد على ذلك تُصبح لديه سجية (٣)، فيرغب ويلح عليك أحيانًا أن يُرافقك إلى المسجد.
* قال: (وَأَمَّا شُرُوطُ الْوُجُوبِ: فَيُشْتَرَطُ فِيهَا الْإِسْلَامُ، عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ (٤)، وَلَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِ
стр. 3950
الِاسْتِطَاعَةِ فِي ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]).
هذه مسألة هامة جدًّا أيضًا، وهي مِن شروط الوجوب؛ أي: أنَّ الحَج لا يجب إلا على المستطيع (١)، والمستطيع بأن يكون مستطيعًا ببدنه، أي: يكون عنده قدرة بدنية، فيستطيع أن يذهب إلى الحج، وعنده مال يستطيع أن ينفق منه في حاجاته، وأن يكون هذا المال الذي عنده أيضًا زائدًا عن حاجاته الأصلية، وكذلك -أيضًا- عن نفقة أولاده ومَن تلزمه مؤنته؛ لأنه ليس المراد من ذلك أن يكون عند الإنسان مال فيذهب ويترك
стр. 3951
أولاده عالة يتكففون (١) الناس، لا يجدون ما يأكلونه ولا ما يلبسونه، فيذهب للحج ويتركهم هكذ، لا، تِلكم لوازم أولية لا بدَّ أن يُقَدِّمها، إذًا يكون عنده مال زائد عن الحاجات المطلوبة، وألا يكون -أيضًا- عليه حقوق أُخرى، وهذه الحقوق قد تكون حقوق اللَّه ؛ كالحقوق التي تجب -مثلًا- في الكفارات أو النُّذور أو غيرها، وقد يكون حق الإنسان؛ كالديون، وهو أن بعض الناس يقول: أذهب إلى صاحب الدَّين فأستأذنه، فيأذن لي فأحج (٢)، وهذا غير كافٍ؛ لأنَّ المراد ألا تكون ذمتك مشغولة بحق غيرك؛ لأنه لو كان عليك دين وأردت أن تحج فكان الأولى بك أن تُسَدِّد هذه الديون لماذا؟ لأن الإنسان لو مات في هذه الفترة وعليه دَيْن؛ فسيُسأل عن هذا الدَّين، أما لو توفي وهو غير قادر على الإنفاق على حجه فإنه لا يكون عليه شيء؛ كالفقير تمامًا بالنسبة للزكاة، فالزكاة هي الركن
стр. 3952
الثالث من أركان الإسلام، ولا تجب على كل مسلم، كما هو معلوم من شروطها المعروفة التي مَرَّت بنا (١)، وقد يُوجد من بين المسلمين من هو فقير لا يملك النصاب، فالزكاة ليست واجبة عليه، ولو مات ولم يزكِّ لا يأثم ولم يُقَصِّر؛ لأنه لا يملك النصاب، فكذلك الإنسان الذي لا يستطيع الحج.
فالاستطاعة لا بدَّ أن يكون عند الإنسان قدرة بدنية، وأن يكون عنده مال، وهذا هو أكملها.
وإذا وجد عند الإنسان مال لا تتعلق به حقوق الآخرين، وكان قادرًا على الحج بنفسه - فيجب عليه الحج، وعليه أن يُبادر إليه.
أما إذا كان عنده قدرة بدنية فقط، ويستطيع أن يكون مع رفقة، وأن يُقَدِّم خدمات - في هذه الحالة له أن يَحج، والحج مُتَعَيَّن عليه عند بعض العلماء، بل بعضهم يرى ولو بالسُّؤال، ولكن هذا لا ينبغي، كما سنتكلم عنه، أو بأن يكون الحج قريبًا منه يستطيع أن يمشي، كأن يكون من أهل مكة، في هذه الحالة يلزمه.
الحالة الثالثة: أن يكون عنده مال، وليس عنده قدرة بدنية، فلا يستطيع أن يذهب بنفسه إلى الحج، ففي هذه الحالة يُنيب عنه، خلافًا للمالكية (٢).
الحالة الرابعة: ألا يستطيع الحج ببدنه، وليس عنده مال، فهذا معلوم أنه لو مات على هذه الحالة: أنه لا يعتبر مقصرًا، ولا مُخِلًّا بهذا الركن الذي هو أحد أركان الإسلام.
стр. 3953
* قال: (وَإِنْ كَانَ فِي تَفْصِيلِ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ، وَهِيَ بِالْجُمْلَةِ تُتَصَوَّرُ عَلَى نَوْعَيْنِ: مُبَاشَرَةٍ وَنِيَابَةٍ. فَأَمَّا الْمُبَاشَرَةُ فَلَا خِلَافَ عِنْدَهُمْ: أَنَّ مِنْ شُرُوطِهَا الِاسْتِطَاعَةَ بِالْبَدَنِ وَالْمَالِ مَعَ الْأَمْنِ).
المقصود بالمباشرة هنا: أن تباشر الحج بنفسك، يعني: أن تقوم بالحج بنفسك.
يعني: مباشرة لا تكون بواسطة وكيل أو نائب ينوب عنه.
* قال: (وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْصِيلِ الِاسْتِطَاعَةِ بِالْبَدَنِ وَالْمَالِ: فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ -وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ (١)، وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (٢) -: "إِنَّ مِنْ شَرْطِ ذَلِكَ: الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ").
هناك خلاف بين العلماء: ما هي الاستطاعة (٣)؟ هل هي القدرة
стр. 3954
فقط؛ لأن اللَّه قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] فالآية أطلقتها، ولم تقيدها، وجاءت آثار عن الرسول ﷺ قَيَّدتها بالزَّاد والراحلة، وهذه مختلف فيها من حيث الصحة والضعف (١)، فمن العلماء مَن يرى أن الاستطاعة هي الصحة، وهناك أقوال أُخرى أن يكون الإنسان صحيحًا، فإذا كان صحيحًا لَزِمه.
(وَقَالَ مَالِكٌ (٢): مَنِ اسْتَطَاعَ الْمَشْيَ فَلَيْسَ وُجُودُ الرَّاحِلَةِ مِنْ شَرْطِ الْوُجُوبِ فِي حَقِّهِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ).
أمَّا بالنسبة مَن استطاع الحج، فهذا يختلف؛ إن كان قريبًا فلا يُخالف مالكٌ جمهورَ العلماء، أمَّا إن كان بعيدًا فهنا يأتي الخلاف.
(وَكَذَلِكَ لَيْسَ الزَّادُ عِنْدَهُ مِنْ شَرْطِ الِاسْتِطَاعَةِ، إِذَا كَانَ مِمَّنْ يُمْكِنُهُ الِاكْتِسَابُ فِي طَرِيقِهِ وَلَوْ بِالسُّؤَالِ).
يعني: إنسان يستطيع أن يكتسب بصنعة بيديه؛ كأن يكون جزارًا، أو حدادًا، أو خَيَّاطًا، وغير ذلك، فهو يستطيع وهو في طريقه إلى الحج أن يُقَدِّم خدمات، أو أن يُوافق أن يرافق رفقة من الناس، كما يعرف الآن بالحملات؛ أي: عدة سيارات فيها مجموعة كبيرة من الناس يحتاجون إلى خَدَم، فلو قُدِّر أنه وَجَد مثل هذه الفرصة؛ ليخدم في هذا المكان، فيهيئ الطعام، أو يُهيئ بعض الأعمال، أو يحمل الأثاث أو يضعه ونحو ذلك، فهو في هذه الحالة قد تَيَسَّر له الحج، فينبغي له أن يحج في هذه الحالة، إذًا هذه وسيلة.
والطريقة الأُخرى: ولو بالسؤال، وهذا الذي يختلف فيه جمهورُ
стр. 3955
العلماء عن المالكية، والرسول ﷺ نهى عن مِثل هذه المسألة، وقال ﷺ في الحديث الصَّحيح: "مَن يَستعفف يعفه اللَّه، ومَن يَستغنِ يُغنه اللَّه" (١)، وبيَّن الرسول ﷺ أنَّ مَن يسأل الناس جاء يوم القيامة وليس في وجهه مزعة (٢) من لحم (٣)، كأنه تَقَطَّع وجهه وزال اللحم الذي عليه، بمعنى: أنه ذهب عنه الحياء، وتعلمون قصة الرجل الذي جاء يسأل رسول اللَّه ﷺ ، فيقدم له الرسول ﷺ درهمًا؛ فيأمره بأن يشتري فأسًا وحبلًا ويحتطب (٤)، وأن يكون ذلك وسيلة للعمل.
وهكذا ينبغي على المؤمن ألا يذل نفسه للناس، بل ينبغي للمؤمن أن يكون قويًّا، أما إذا كان عاجزًا لا يستطيع أن يَعمل، ولا يُوجد من ينفق عليه، فهذه مسألة أُخرى بالنسبة لسؤال الإنسان الناس، لكن أن يذهب هذا الإنسان لِيُؤدي عبادة -ركنًا من أركان الإسلام- فاللَّه طَيِّبٌ لا يَقبل
стр. 3956
إلا طَيِّبًا (١)، فهو يريد منك مالًا حلالًا طَيِّبًا، لا أن تذهب وتُذل نفسك وتتكفف الناس ثم تذهب للحج، فهذه الشريعة إنما بُنيت على التيسر، وعلى رفع الحرج، وعلى التَّخفيف على الناس، فاللَّه تعالى يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، فهذا لا يستطيع أن يجم مالًا؛ لِيَحج به، إذًا هو معذور، فلماذا يُضطر لهذا؟ أو أن يُفتى بأن يَسأل الناس لا يدري؛ أعطوه أو منعوه؟
* قال: (وَالسَّبَبُ فِي هَذَا الْخِلَافِ: مُعَارَضَةُ الْأَثَرِ الْوَارِدِ فِي تَفْسِيرِ الِاسْتِطَاعَةِ لِعُمُومِ لَفْظِهَا).
أمَّا عمومِ لفظها فهو قول اللَّه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، والآية -كما ترون- مطلقة عامَّة ما قَيَّدت ولا فَسَّرت الاستطاعة؛ أهذه الاستطاعة بالبدن، أو بالبدن والمال، أو أن المراد الصحة، أو غير ذلك، إذًا هي أطلقت؛ فمن الذي يُبيِّن الكتاب؟ إنما هو رسول اللَّه ﷺ ؛ لأن اللَّه عندما نَزَّل هذا الكتاب قال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، لكن هذا الكتاب اشتمل على كثير من الأحكام المُجملة التي تتطلمب بيانًا وتفصيلًا، وهذه مهمة ووظيفة رسول اللَّه ﷺ ، فهو المبين للناس. . . إذًا الرسول هو الذي يُبَيِّن، وهو الذي يبلغ الناس، كما قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ٦٤]، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، إذًا الرسول ﷺ وَرَدت عنه آثار لتفسير الاستطاعة أن المراد بها: الزَّاد والراحلة.
* قال: (وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ أَثَرٌ عَنْهُ ﵊: "أَنَّهُ
стр. 3957
سُئِلَ مَا الِاسْتِطَاعَةُ؟ فَقَالَ: الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ") (١).
سئل: ما السَّبيل؟ قال: "الزَّاد والرَّاحلة"، فقوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، يعني: طريقًا.
(فَحَمَلَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ ذَلِكَ) وأحمد أيضًا (عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ، وَحَمَلَهُ مَالِكٌ عَلَى مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الْمَشْيَ، وَلَا لَهُ قُوَّةٌ عَلَى الِاكْتِسَابِ فِي طَرِيقِهِ).
إذًا الذي لا يستطيع المشي ولا يستطيع الاكتساب عند مالك لا يَجب عليه الحج، ولا يلزمه؛ لماذا؟ لأن الحج عند مالك إنَّما يجب بالبدن؛ أي: يجب على الإنسان أن يُؤدي الحج بنفسه، لا أن ينوب عنه غيره.
قال: (وَإِنَّمَا اعْتَقَدَ الشَّافِعِيُّ هَذَا الرَّأْيَ)، ومن معه من الأئمة؛ (لِأَنَّ مِنْ مَذْهَبِهِ: إِذَا وَرَدَ الْكِتَابُ مُجْمَلًا، فَوَرَدَتِ السُّنَّةُ بِتَفْسِيرِ ذَلِكَ الْمُجْمَلِ: أَنْ لَيْسَ يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْ ذَلِكَ التَّفْسِيرِ) (٢).
والشافعيُّ هو أول واضع -كما هو معروف- لعلم أصول الفقه (٣)، وكتابه "الرسالة" كتاب قَيِّم يدل على قوة بلاغته ﵀ وفصاحته وقوة
стр. 3958
حجته وعارضته، مَن يقرؤه من طلاب العلم المتمكنين يدرك المنزلة التي تبوأها الإمام الشافعي بالنسبة لعلوم الشريعة، وكذلك في اللغة، وأنت ترى في "رسالته" القوة والجزالة وقوة المعاني وقوة الألفاظ، ولذلك المؤلف ربط ذلك بالإمام الشافعي؛ لأنه هو أول من أظهر علم الأصول، ولا نقول: إنَّ من قبله من العلماء كانوا لا يعرفون الأصول، فالصحابة يعرفون الأصول، وهو مرتكز ومستقر في أذهانهم ﵃، فهم يعرفون الناسخ (١)، والمنسوخ (٢)، والعام والخاص، والمُطلق والمقيد، والأمر (٣) والنهي (٤)، وغير ذلك من الأُمور ذات العلاقة بأصول الفقه.
والحنفية يَدَّعون أن أبا حنيفة هو أول مَن دَوَّنه (٥)، لكن الدعوة تحتاج إلى بيِّنة، ونحن الذي وصلنا ووقفنا عليه وتناقله العلماء قبلنا هذه "الرسالة"، ومهما يكن من أمر، فالإمام الشافعي حسب ما اشتهر وظهر هو أول مَن أظهر علم أصول الفقه؛ ذلك العِلم الجليل الذي يُعتبر من خصائص هذه الأمة، فإن هذا العلم -أيضًا- يعتبر من الأسس والقواعد الجليلة، والذي يستطيع الفقيه بميزانه الدقيق أن يزن به مسائله التي يجتهد
стр. 3959
فيها، حتى لا يميل يمينًا ولا شمالًا؛ لأن هذه الأسس والقواعد الأصولية موازين ومقاييس وضوابط يَضبط بها الفقيه طريقته في التخريج، في التفريع، في إلحاق المسائل بعضها ببعض، وأيضًا يوافقه في ذلك القواعد الفقهية.
* قال: (وَأَمَّا وُجُوبُهُ بِاسْتِطَاعَةِ النِّيَابَةِ مَعَ الْعَجْزِ عَنِ الْمُبَاشَرَةِ؛ فَعِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ لَا تَلْزَمَهُ النِّيَابَةُ إِذَا اسْتُطِيعَتْ مَعَ الْعَجْزِ عَنِ الْمُبَاشَرَةِ).
هذا هو قول مالك (١)، أما أبو حنيفة فليس مع مالك في هذه المسألة.
(وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهَا تَلْزَمُ).
وعن الشافعي وأبي حنيفة وأحمد.
(فَيَلْزَمُ عَلَى مَذْهَبِهِ الَّذِي عِنْدَهُ مَالٌ يَقْدِرُ أَنْ يَحُجَّ بِهِ عَنْهُ غَيْرُهُ، إِذَا لَمْ يَقْدِرْ هُوَ بِبَدَنِهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ غَيْرُهُ بِمَالِهِ).
يعني باختصار: مراد المؤلف هنا، وبيان الكلام: أنَّ مالكًا يُخالف الجمهور في هذه المسألة، فمالك يرى أنَّ الحج يجب على المستطيع ببدنه، أمَّا مَن لا يستطيع ببدنه فإنه يلزمه الحج؛ لأنه لا يرى أن ينوب أحد عن أحد في هذه المسألة.
وجمهور العلماء -وفيهم الأئمة: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد- يقولون: لا، إذا لم يستطع الحج ببدنه، فإنه يُخرج جزءًا من ماله لِيُنيب عنه من يحج عنه.
هذا إذا كان الإنسان مريضًا مرضًا مزمنًا.
стр. 3960
أما إذا كان عند الإنسان عارض من العوارض، فيقول: أنا لا أستطيع الحج، فلا، فالقصد من ذلك: أن ذلك يجوز للمتقدم في السن، أو المريض مرضًا مزمنًا.
* قال: (وَإِنْ وُجِدَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ بِمَالِهِ وَبَدَنِهِ مِنْ أَخٍ أَوْ قَرِيبٍ سَقَطَ ذَلِكَ عَنْهُ، وَهِيَ التِي يَعْرِفُونَهَا بِالْمَعْضُوبِ) (١).
يعني: المعذور هو الذي لا يَثبت على الدابة؛ أي: الذي يحتاج أن يسنده؛ أي: يجلسه على الراحلة.
(وَهُوَ الَّذِي لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ.
وَكَذَلِكَ عِنْدَهُ الَّذِي يَأْتِيهِ الْمَوْتُ وَلَمْ يَحُجَّ يَلْزَمُ وَرَثَتُهُ عِنْدَهُ أَنْ يُخْرِجُوا مِنْ مَالِهِ مِمَّا يَحُجُّ بِهِ عَنْهُ).
يعني: إنسان مات وقد وجب عليه الحج، هذا في حَقِّ مَن يُقصر، يعني إنسان كان قادرًا بماله وببدنه، لكنه فَرَّط -وما أكثر المفرطين- وليس في الحج الذي يحتاج إلى إعداد وتهيئة وضرب في الأرض وغير ذلك فقط، بل هناك من يُقصر في الصلاة، ومَن يقصر في الزكاة، وفي الصيام، وفي غير ذلك، بل هناك مَن يُقصر في قيدته، فيصرف شيئًا منها للبشر هذا إنسان مقصر مفرط، فلو قدر أن إنسانًا لزمه الحج، فتساهل فيه حتى مات، هذا هو الذي يُحج عنه من ماله (٢)، وقد يوجد أن يحج عنه ابن، أو أب أو أخ، أو قريب، أو غير ذلك.