← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

إلا طَيِّبًا (١)، فهو يريد منك مالًا حلالًا طَيِّبًا، لا أن تذهب وتُذل نفسك وتتكفف الناس ثم تذهب للحج، فهذه الشريعة إنما بُنيت على التيسر، وعلى رفع الحرج، وعلى التَّخفيف على الناس، فاللَّه تعالى يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، فهذا لا يستطيع أن يجم مالًا؛ لِيَحج به، إذًا هو معذور، فلماذا يُضطر لهذا؟ أو أن يُفتى بأن يَسأل الناس لا يدري؛ أعطوه أو منعوه؟ * قال: (وَالسَّبَبُ فِي هَذَا الْخِلَافِ: مُعَارَضَةُ الْأَثَرِ الْوَارِدِ فِي تَفْسِيرِ الِاسْتِطَاعَةِ لِعُمُومِ لَفْظِهَا). أمَّا عمومِ لفظها فهو قول اللَّه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، والآية -كما ترون- مطلقة عامَّة ما قَيَّدت ولا فَسَّرت الاستطاعة؛ أهذه الاستطاعة بالبدن، أو بالبدن والمال، أو أن المراد الصحة، أو غير ذلك، إذًا هي أطلقت؛ فمن الذي يُبيِّن الكتاب؟ إنما هو رسول اللَّه ﷺ ؛ لأن اللَّه عندما نَزَّل هذا الكتاب قال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، لكن هذا الكتاب اشتمل على كثير من الأحكام المُجملة التي تتطلمب بيانًا وتفصيلًا، وهذه مهمة ووظيفة رسول اللَّه ﷺ ، فهو المبين للناس. . . إذًا الرسول هو الذي يُبَيِّن، وهو الذي يبلغ الناس، كما قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ٦٤]، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، إذًا الرسول ﷺ وَرَدت عنه آثار لتفسير الاستطاعة أن المراد بها: الزَّاد والراحلة. * قال: (وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ أَثَرٌ عَنْهُ ﵊: "أَنَّهُ

стр. 3957

سُئِلَ مَا الِاسْتِطَاعَةُ؟ فَقَالَ: الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ") (١). سئل: ما السَّبيل؟ قال: "الزَّاد والرَّاحلة"، فقوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، يعني: طريقًا. (فَحَمَلَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ ذَلِكَ) وأحمد أيضًا (عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ، وَحَمَلَهُ مَالِكٌ عَلَى مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الْمَشْيَ، وَلَا لَهُ قُوَّةٌ عَلَى الِاكْتِسَابِ فِي طَرِيقِهِ). إذًا الذي لا يستطيع المشي ولا يستطيع الاكتساب عند مالك لا يَجب عليه الحج، ولا يلزمه؛ لماذا؟ لأن الحج عند مالك إنَّما يجب بالبدن؛ أي: يجب على الإنسان أن يُؤدي الحج بنفسه، لا أن ينوب عنه غيره. قال: (وَإِنَّمَا اعْتَقَدَ الشَّافِعِيُّ هَذَا الرَّأْيَ)، ومن معه من الأئمة؛ (لِأَنَّ مِنْ مَذْهَبِهِ: إِذَا وَرَدَ الْكِتَابُ مُجْمَلًا، فَوَرَدَتِ السُّنَّةُ بِتَفْسِيرِ ذَلِكَ الْمُجْمَلِ: أَنْ لَيْسَ يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْ ذَلِكَ التَّفْسِيرِ) (٢). والشافعيُّ هو أول واضع -كما هو معروف- لعلم أصول الفقه (٣)، وكتابه "الرسالة" كتاب قَيِّم يدل على قوة بلاغته ﵀ وفصاحته وقوة

стр. 3958

حجته وعارضته، مَن يقرؤه من طلاب العلم المتمكنين يدرك المنزلة التي تبوأها الإمام الشافعي بالنسبة لعلوم الشريعة، وكذلك في اللغة، وأنت ترى في "رسالته" القوة والجزالة وقوة المعاني وقوة الألفاظ، ولذلك المؤلف ربط ذلك بالإمام الشافعي؛ لأنه هو أول من أظهر علم الأصول، ولا نقول: إنَّ من قبله من العلماء كانوا لا يعرفون الأصول، فالصحابة يعرفون الأصول، وهو مرتكز ومستقر في أذهانهم ﵃، فهم يعرفون الناسخ (١)، والمنسوخ (٢)، والعام والخاص، والمُطلق والمقيد، والأمر (٣) والنهي (٤)، وغير ذلك من الأُمور ذات العلاقة بأصول الفقه. والحنفية يَدَّعون أن أبا حنيفة هو أول مَن دَوَّنه (٥)، لكن الدعوة تحتاج إلى بيِّنة، ونحن الذي وصلنا ووقفنا عليه وتناقله العلماء قبلنا هذه "الرسالة"، ومهما يكن من أمر، فالإمام الشافعي حسب ما اشتهر وظهر هو أول مَن أظهر علم أصول الفقه؛ ذلك العِلم الجليل الذي يُعتبر من خصائص هذه الأمة، فإن هذا العلم -أيضًا- يعتبر من الأسس والقواعد الجليلة، والذي يستطيع الفقيه بميزانه الدقيق أن يزن به مسائله التي يجتهد

стр. 3959

فيها، حتى لا يميل يمينًا ولا شمالًا؛ لأن هذه الأسس والقواعد الأصولية موازين ومقاييس وضوابط يَضبط بها الفقيه طريقته في التخريج، في التفريع، في إلحاق المسائل بعضها ببعض، وأيضًا يوافقه في ذلك القواعد الفقهية. * قال: (وَأَمَّا وُجُوبُهُ بِاسْتِطَاعَةِ النِّيَابَةِ مَعَ الْعَجْزِ عَنِ الْمُبَاشَرَةِ؛ فَعِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ لَا تَلْزَمَهُ النِّيَابَةُ إِذَا اسْتُطِيعَتْ مَعَ الْعَجْزِ عَنِ الْمُبَاشَرَةِ). هذا هو قول مالك (١)، أما أبو حنيفة فليس مع مالك في هذه المسألة. (وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهَا تَلْزَمُ). وعن الشافعي وأبي حنيفة وأحمد. (فَيَلْزَمُ عَلَى مَذْهَبِهِ الَّذِي عِنْدَهُ مَالٌ يَقْدِرُ أَنْ يَحُجَّ بِهِ عَنْهُ غَيْرُهُ، إِذَا لَمْ يَقْدِرْ هُوَ بِبَدَنِهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ غَيْرُهُ بِمَالِهِ). يعني باختصار: مراد المؤلف هنا، وبيان الكلام: أنَّ مالكًا يُخالف الجمهور في هذه المسألة، فمالك يرى أنَّ الحج يجب على المستطيع ببدنه، أمَّا مَن لا يستطيع ببدنه فإنه يلزمه الحج؛ لأنه لا يرى أن ينوب أحد عن أحد في هذه المسألة. وجمهور العلماء -وفيهم الأئمة: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد- يقولون: لا، إذا لم يستطع الحج ببدنه، فإنه يُخرج جزءًا من ماله لِيُنيب عنه من يحج عنه. هذا إذا كان الإنسان مريضًا مرضًا مزمنًا.

стр. 3960

أما إذا كان عند الإنسان عارض من العوارض، فيقول: أنا لا أستطيع الحج، فلا، فالقصد من ذلك: أن ذلك يجوز للمتقدم في السن، أو المريض مرضًا مزمنًا. * قال: (وَإِنْ وُجِدَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ بِمَالِهِ وَبَدَنِهِ مِنْ أَخٍ أَوْ قَرِيبٍ سَقَطَ ذَلِكَ عَنْهُ، وَهِيَ التِي يَعْرِفُونَهَا بِالْمَعْضُوبِ) (١). يعني: المعذور هو الذي لا يَثبت على الدابة؛ أي: الذي يحتاج أن يسنده؛ أي: يجلسه على الراحلة. (وَهُوَ الَّذِي لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ. وَكَذَلِكَ عِنْدَهُ الَّذِي يَأْتِيهِ الْمَوْتُ وَلَمْ يَحُجَّ يَلْزَمُ وَرَثَتُهُ عِنْدَهُ أَنْ يُخْرِجُوا مِنْ مَالِهِ مِمَّا يَحُجُّ بِهِ عَنْهُ). يعني: إنسان مات وقد وجب عليه الحج، هذا في حَقِّ مَن يُقصر، يعني إنسان كان قادرًا بماله وببدنه، لكنه فَرَّط -وما أكثر المفرطين- وليس في الحج الذي يحتاج إلى إعداد وتهيئة وضرب في الأرض وغير ذلك فقط، بل هناك من يُقصر في الصلاة، ومَن يقصر في الزكاة، وفي الصيام، وفي غير ذلك، بل هناك مَن يُقصر في قيدته، فيصرف شيئًا منها للبشر هذا إنسان مقصر مفرط، فلو قدر أن إنسانًا لزمه الحج، فتساهل فيه حتى مات، هذا هو الذي يُحج عنه من ماله (٢)، وقد يوجد أن يحج عنه ابن، أو أب أو أخ، أو قريب، أو غير ذلك.

стр. 3961

* قال: (وَسَبَبُ الْخِلَافِ فِي هَذَا: مُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِلْأَثَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي أَنَّ الْعِبَادَاتِ لَا يَنُوبُ فِيهَا أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ). هذا من حيث الإطلاق، لكن غالبًا يكون المُطلق (١) مُقيدًا (٢)، والخاص (٣) أيضًا، والعام (٤) أيضًا، ومخصص، وأحيانًا نجد في غالب القواعد مستثنيات؛ أي: يستثنى منها، نَعم، الصلاة لا يُصَلِّي أحد عن أحد، والزكاة لا يذكي أحد عن أحد، لكن الحج يختلف؛ فتدخله النيابة، وقد ورد في ذلك حديث. إذًا؛ ورود أثر في ذلك ينفي أن يلحق الحج بغيره من العبادات الأُخرى. (فَإِنَّهُ لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ بِاتِّفَاقٍ، وَلَا يُزَكِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ). يعني: ليس لأحد أن يقول: أنا عندي كَسَل؛ اذهب يا فلان، فصلِّ عني. لا، هذا لا ينفعه؛ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ [المدثر: ٣٨]، ولا يقول: صُم عَنِّي. هذا لا ينفعه، لكن أن يأخذ مبلغًا من المال ويتصدق عن فلان، هذا نعم يَحصل، إنما في العبادات التي هي الأركان لا، كذلك

стр. 3962

الوضوء لا يكفي أن يتوضأ أحد عن أحد، ولا أن يغتسل أحد عن أحد، وهنا الحج مستثنى في هذه المسألة. * قال: (وَأَمَّا الْأَثَرُ الْمُعَارِضُ لِهَذَا، فَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَشْهُورِ، خَرَّجَهُ الشَّيْخَانِ، وَفِيهِ: "أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمٍ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ عَلَى عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ؛ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ") (١). انظروا إلى هذه المرأة، كيف كانت عناية الأبناء بآبائهم؟! فهذه امرأة أشفقت على أبيها، يعني: تألم قلبها أن يموت والدها وقد أتته فريضة الحج ولم يُؤدِّها، وأنتم تعلمون فيما مضى كم يعاني الإنسان من المشقات والمتاعب والأهوال، وسنتكلم عن ذلك قريبًا إن شاء اللَّه، عندما نأتي إلى هذا الطريق في هذه البلاد قبل هذه الحكومة قبل عهد الملك عبد العزيز، كيف كانت الحال سنتكلم عنها إن شاء اللَّه؛ لأن هذا من باب الاعتراف بالفضل لأهله. فهذه امرأة أخبرت رسولَ اللَّه ﷺ فقالت: يا رسول اللَّه، إن أبي أدركته فريضةُ اللَّه على عباده في الحَجِّ شيخًا كبيرًا لا يَثبت على الراحلة؛ أفأحج عنه؟ فقال ﷺ : "نَعَمْ". فهذا دليل قطعي على أن الإنسان إذا مات ولم يَحج، فإنه يُحج عنه، وهذا رفع الخلاف، فلا خلاف بعد قول اللَّه ، ولا بعد قول رسول ﷺ . (وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَهَذَا فِي الْحَيِّ. وَأَمَّا فِي الْمَيِّتِ فَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا). إذًا في الحيِّ، وفي الميت أيضًا.

стр. 3963

(خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ: "جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ جُهَيْنَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ أُمِّي نَذَرَتِ الْحَجَّ فَمَاتَتْ؛ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: "حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ") (١). انظروا إلى هذا المَثَل البليغ الذي مَثَّل به رسول اللَّه ﷺ ، واللَّه تعالى قد أكثر مِن ضرب الأمثال في القرآن، وقال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ [العنكبوت: ٤٣]، ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١]، فنجد أن في القرآن جملة كثيرة من القصص، ومن ضرب الأمثلة، ومن الشواهد، وهذه كلها لتقريب الأُمور إلى الأذهان وترسيخها فيها؛ لذلك نجد أن رسول اللَّه ﷺ يُكثر -أيضًا- من ضرب الأمثلة، وأيضًا هنا قالَ: "أَرَأيتِ لو كان على أُمِّكِ دين كنتِ قاضيتِه"، لو أن أمكِ -هذه التي أُمِرت بالشفقة ووجوب البر نحوها والطاعة لها- عليها دَيْن وقد ماتت أكنت قاضيته؟ فكأنها جاءت يكاد قلبها يذوب حسرة على أمها تسأل رسول اللَّه ﷺ ما الذي تستطيع أن تقدِّمه لهذه الأم التي قد ماتت، والرسول ﷺ أذن لها بأن تحج، ثم أراد أن يُقَرِّب لها ذلك الأمر، وأن يكف عنها كُلَّ وَهْم أو استغراب: "أرأيتِ لو كان على أمكِ دين أكنتِ عنها قاضية". قالت: نعم. إذًا هي لا يشكل عليها هذا، فلو كان على أمها دين من الديون من حقوق الآخرين، فإنها ستسارع فَتُوفي هذه الحقوق لأصحابها؛ لترفع ذمة أمها، فالرسول ﷺ بيَّن أن ذاك حق للناس وهذا حق للَّه، وأيهما أولى بالوفاء؟ بالطبع حق اللَّه الذي خَلَقك وأوجدك من العدم، وتفضل عليك بالنِّعم التي لا تُعد ولا تُحصى، وجعل عليك رقيبًا، وتكفل بعنايتك ورعايتك

стр. 3964

وأنت حَمل في بطن أمك التي حملتك تسعة أشهر بين التألم والضجر (١)، ثم توضع وعناية اللَّه تعالى تحفك إلى أن تصبح طفلًا فصبيًّا يافعًا فشابًّا إلى أن تكتهل في حياتك، هذه هي رعاية اللَّه لك، ففضل اللَّه عليك وعلى عباده لا ينقطع حتى أثناء الوفاة، فهذه الشريعة كما تعنى بالمؤمن في حياته، فكذلك لا تغفل عنه وقت مماته، ولا بعد مماته أيضًا؛ لأنها شريعة خالدة جاءت لأن تكون خاتمة الشرائع إلى أن يرث اللَّه الأرض ومَن عليها. فما دام حق الإنسان يُوفَّى فحقُّ اللَّه أولى بالوفاء. * قال: (وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّهُ يَقَعُ عَنِ الْغَيْرِ تَطَوُّعًا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي وُقُوعِهِ فَرْضًا). يعني: مراد المؤلف: أنَّه إذا حَجَّ إنسان عن إنسان لا خلاف في أنه يقع إذا حججت عنه تطوعًا (٢)، لكن لو حججت عنه فريضة؛ هل يقع؟ الصحيح: أنه يقع. * قال: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي الَّذِي يَحُجُّ عَنْ غَيْرِهِ؛ سَوَاءً

стр. 3965

كانَ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا، هَلْ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ قَدْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ أَمْ لَا؟). هناك مسألة تَكثر حولها الأسئلة، يعني: لا تمر سنة، بل ربما في كل درس تَرد حولها أسئلة إذا ناب إنسان عن إنسان؛ ليحج عنه، هل يلزم الذي أُنيب أن يحج من البلدة التي مات فيها هذا الشخص، أو مِن التي أنابه منها (١)، فلنفرض أن شخصًا موجودًا في دمشق، فأراد أن يُنيب غيره ليحج عنه، هل لا بدَّ أن يكون من دمشق، أو له أن ينيب واحدًا من مكة؟ بعض العلماء يقول: من المكان الذي فيه ينطلق، وبعضهم يقول: لا، هو نفسه لو كان بمكة، يعني لو قدر أن إنسانًا جاء إلى مكة، وبقي فيها فترة، ثم أراد أن يحج: هل نقول له: اذهب إلى دمشق أو القاهرة أو باكستان أو أي بلدة من بلاد الإسلام، أو حتى أوروبا وأمريكا، مِن هناك تنشأ الحج، وهو هنا في مكة، لا نقول له ذلك، ونحن نعلم أن هذا الدِّين يسر، ولن يُشاد الدِّين أحد إلا غلبه، ولماذا نشدد على الناس، والرسول ﷺ نهى عن التشديد.

стр. 3966

(هَلْ مَنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ قَدْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ أَمْ لَا؟). هذه مسألة مهمة جدًّا، وهي مِن المسائل (١) التي يَذكرها العلماء ضِمن القواعد الفقهية؛ فيدخلونها ضمن القواعد، ويجعلونها من الأُمور الفرعية، يعني هناك إنسان أراد أن يحج وجاء إليه آخر، وقال: يا فلان، أنت شاب تقيٌّ، فيك قوة، وعندك نشاط وجَلد تستطيع أن تحج، وهذا مبلغ من المال حُجَّ به، وسيأتي الكلام في الأجرة أيضًا، المهم أنَّه فَوَّضَه لِيَحج عنه، وهذا بعدُ لم يحج عن نفسه، فهل هذه الحَجة تقع على الغير، أو تقع عنه هو؟ مسألة فيها خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: ليس للإنسان أن

стр. 3967

يؤدي فرضًا عن غيره، وهو واجب عليه، فعليه أن يبدأ أولًا بنفسه كما في الحديث: "ابدأ بنفسك، ثُمَّ بِمَن تَعول" (١)، إذًاا بدأ بنفسك أولًا، فأَدِّ هذا الفرض؛ لماذا؟ لأنك لا تضمن ذلك، كما في الحديث: "تَعَجَّلوا إلى الحَجِّ؛ فإن أحدكم لا يدري ما يَعرض له" (٢)، فإذًا لا تَدري ما يحصل لك؛ فتتعجل الحج. ثم إنه لا فرق بين قوي وضعيف، فكم من إنسان تجده هزيلًا ضعيفًا ومجهدًا وظهره مُنحنيًا، ولكنه -ما شاء اللَّه- يعيش سنوات طويلة، وربما يصل الثمانين، أو يتجاوز المائة، وربما تجد إنسانًا في عنفوان شبابه وفي قوته ثم تُفاجأ وإذا به قد مات، وأحيانًا يَعترض الإنسان الموت، ما هو فقط أنه مرض، أو وقع له حادث من الحوادث، أو غرق، إلى غير ذلك، لا يمكن أن يضمن الإنسان لنفسه -ولو ساعة واحدة- أنه سيعيش، فهذه بيد اللَّه : ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] [الأنبياء: ٣١]، [العنكبوت: ٥٧]، ولذلك تجدون الشاعر المعروف في قصيدته "العينية" المؤثرة الذي ينضح (٣) القلب إذا سَمِعها لوعةً (٤) وحزنًا، وتدمع العيون لقصة أبنائه الخمسة الذين ذهبوا إلى مصر، فأصيبوا بمرض الطاعون، فماتوا مرة واحدة؛ يقول في قصيدته تلك (٥): وَلَا بكَهامٍ ناكلٍ عَنْ عَدُوِّه … إذا هُوَ لاقَى حاسرًا ومُقَنَّعا

стр. 3968

فمهما طالت بك الحياة فإنك ستلقى الموت. وهذه القصيدة فيها أبيات تَمَثَّل بها معاوية ﵁ في مرض موته، عندما دخل عليه عبد اللَّه بن عباس، فطلب أن تُوضع له مسندة؛ ليتكئ عليها فقال بيتًا من هذه القصيدة، فرد عليه عبد اللَّه بن عباس من نفس القصيدة (١)). . . إذًا، إذا حضرت المنية لا ينفع شيء آخر. ونأتي إلى مسألتنا: لماذا أحج عن غيري مهما كان عندي مِن مِثْلِ الرَّأفة والرحمة وحب الخير للناس؟! نعم، اللَّه تعالى يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، لكن اللَّه تعالى يقول: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، فأنت ما تتقهقر (٢) عن الصف الأول؛ ليتقدم غيرك، لا، هذه مسألة فيها منافسة، أمَّا في أُمور الدنيا، فأعطِ غيرك من مالك، لكن في أُمور الآخرة فنافس عليها، واللَّه تعالى يقول: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١)﴾ [الواقعة: ١٠، ١١]، إذًا، نافس في هذه الأُمور مهما كان عندك من العطف ومن الرحمة ومن الحنان ومن الشفقة ومن حب الخير للناس، لكن لا تُقدم غيرك على نفسك. وفي هذه الحالة لو قُدِّر هذا، ماذا يحصل؟ لا يجوز للإنسان أن يحج عن غيره مع وجوب الحج عليه، ويقولون: لو حصل ذلك تقع عن حجته حجة الإسلام، والآخر إن كان أخذ منه مالًا، فيرده عليه.

стр. 3969

وبعضهم يقول: يجوز أن يحج عن غيره، وأنا أرى أنه لا ينبغي للمسلم أن يحج عن غيره وفي عنقه فريضة الحج. * قال: (فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ شرْطِهِ). وسيأتي كلام العلماء عن حديث: "حُجَّ عن نفسك، ثم حُجَّ عن شُبرمة" (١)، والحديث صالح للاحتجاج به مهما قيل عنه؛ لأن ألفاظه مختلفة، وسيأتي الكلام: هل هو مرفوع أو موقوف؟ إلى غير ذلك، لكن الحديث صالح للاحتجاج به. (وَإِنْ كَانَ قَدْ أَدَّى الْفَرْضَ عَنْ نَفْسِهِ فَذَلِكَ أَفْضلُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ يَحُجُّ عَنِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ عِنْدَهُ عَنِ الْحَيِّ لَا يَقَعُ). كما عرفتَ ذلك، فقد مَرَّ بنا قول مالك، ونبهنا عليه أنَّ مالكًا لا يرى أن الحيَّ يَحج عنه غيره إن كانت عنده قدرة، فبأي حال من الأحوال يحج، فإذا لم يستطع أن يحج لنفسه فليس له أن ينيب غيره، أما الميت فهذا لا حيلة له إذًا يُحج عنه. (وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ: أَنْ يَكُونَ قَدْ قَضَى فَرِيضَةَ نَفْسِهِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ). وبه قال الشافعي وأحمد في الرِّواية الصحيحة المشهورة في المذهب، لكن له رواية أخرى يتفق فيها مع الآخرين (٢). (أَنَّهُ إِنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ مَنْ لَمْ يَقْضِ فَرْضَ نَفْسِهِ انْقَلَبَ إِلَى فَرْضِ نَفْسِهِ، وَعُمْدَةُ هَؤُلَاءِ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا

стр. 3970

يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، قَالَ: "وَمَنْ شُبْرُمَةُ؟ ". فَقَالَ: أَخٌ لِي، أَوْ قَالَ: قَرِيبٌ لِي، قَالَ: "أَفَحَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ ". قَالَ: لَا، قَالَ: "فَحُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ" (١)). انظروا إلى حرص رسول اللَّه ﷺ على مصلحة الناس، وتَوجيهه إلى الطريق السوي الذي فيه الخير والسعادة لهم ولِمَن جاء بعدهم، فعندما سَمِع هذا الأعرابي يرفع صوته، ويقول: لَبَّيك عن شُبرمة، استوثق رسول اللَّه ﷺ من الرجل: هل أدى ما وجب عليه أولًا أو لا؟ فسأل الرجل: "ومَن شُبرمة". فقال: أخ لي، أو قريب لي. وفي رواية: "ابن عم لي" (٢)، فسأله الرسول ﷺ ، وهذا هو المراد: "أَفَحججت عن نفسِك؟ ". قال: لا. قال: "حُجَّ عن نفسِك، ثم حُجَّ عن شبرمة"؛ أي: ابدأ بنفسك أولًا فأدِّ ما وجب عليها، ثم بعد ذلك افعل للآخرين. من هنا نعلم أنَّ واجب طالب العلم أو العالِم أو كذلك الإنسان الذي يَعرف حكمًا من الأحكام - إذا رأى ضالًّا، رأى إنسانًا في أي عمل من الأعمال قد ارتكب خطأً، فإنه يُوجهه إلى الصواب، فترى إنسانًا قد أخل بحكم من أحكام الصلاة، أو الصيام، أو الحج، وما أكثر ما يقع في هذا الركن -ركن الحج- من الأخطاء، فأنت تأخذ بيدي أخيك المسلم وتُوجهه بحكمة وبرفق وبلين، وتتجنب العنف؛ لأن العنف لا يُولد إلا العنف، واللَّه قال لنبيه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وقال : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقال في محاكاة ومجادلة أهل الكتاب: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] حتى الذي يَسب اللَّه، اللَّه تعالى يقول: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، فلو رأيت إنسانًا يعبد صنمًا من الأصنام،

стр. 3971

وأقدمت على أن تَسب هذا الصنم وأنت تعتقد أنه سيترتب عليه: أن الإنسان هذا السفيه سينطلق ويسب اللَّه ، فيجب عليك أن تتجنب ذلك: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]. فواجب الداعية المسلم -بل أي مسلم- أن يبلغ دين اللَّه، لقول الرسول ﷺ : "بَلِّغوا عَنِّي ولو آية" (١)، ويقول ﷺ : "الدِّينُ النَّصيحة". قلنا: لمن يا رسول اللَّه؟ قال: "للَّه ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامَّتهم" (٢)، قال: "الدِّين النصيحة"، ثلاثًا، فأنت إذا رأيت أخاك المسلم قد ضَلَّ عن الطريق السوي وارتكب خطأ، فعليك أن تأخذ بيده برفق، وتنصحه بينك وبينه، ولا تُشَهِّر به، فتقول له مثلًا: يا أخي، الحق في ذلك كذا وكذا، والحق ضالة المؤمن، وعليك أن ترجع إلى الصواب، وأنت بذلك -بإذن اللَّه- ستأخذ بمجامع قلبه، وتؤثر فيه؛ لأن الكلمة الطيبة تترك أثرًا، فإذا لم يستمع لك، فقد أَدَّيتَ ما عليك، ولذلك تجدون أن الرسول ﷺ عندما أراد أن يُعطي الراية يوم خيبر، أراد أن يُعطيها لرجل يحب اللَّه ورسوله ويحبه اللَّه ورسوله، فكل الصحابة ارتفعت أعناقهم واشرأبت (٣)، والشاهد: وصية رسول للَّه ﷺ : "فواللَّهِ لَأَنْ يَهدي اللَّه بك رجلًا واحدًا خير لك من حُمْر النَّعم" (٤)، فهذا أمر عظيم، وتصور لو أخذت بيد رجل سفيه انحرف

стр. 3972

عن الطريق السوي، فهدى اللَّه هذا الإنسان على يديك، كم سيُسجل في صحائف أعمالك مِن الحسنات؛ حسنات عظيمة متتالية من أعمال هذا الإنسان، وربما يسبقك في أعمال الخير، فكم من أناس كانوا منحرفين فهداهم اللَّه إلى الطريق السوي، فاستقامت أحوالهم، وحَسُنت سيرتهم، وفتح اللَّه عليهم فتحًا عظيمًا، كما قال ﷺ : "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا" (١)، وازنوا بين العرب في الجاهلية وبين إسلامهم، وهؤلاء الصحابة الرعيل الأول أكابر الصحابة، أليسوا عاشوا في الجاهلية، انظر إلى حالتهم أولًا وإلى حالتهم بعد إسلامهم، انظروا كيف هَذَّبهم الإسلام؟ كيف صَقل عقولهم (٢) وأنضج مداركهم (٣)؟ فتحولوا من رعاة الإبل والغنم إلى أن أصبحوا سادة وقادة الأمم. إذًا ما أجمل الكلمة الطيبة التي تَبُثُّها في روع أخيك؛ فتنفذ إلى قلبه، فتستقر فيه؛ فيهديه اللَّه ! وهذه الحياة إذا عمل فيه أعمال الخير فأنت ستشاركه في فضله، دون أن ينقص من أجره شيء؛ لأن مَن دل على هدى فله مثل أجر فاعله (٤) من غير أن ينقص من أجره شيء، من دل على خير فله مثل أجر فاعله. هذه من أجلِّ الأعمال التي نتساهل فيها، كم نرى من الناس الذين يُقصرون، فربما يحجم عن ذلك بعضنا حياءً، وبعضنا تكاسلًا، وبعض الناس يقول: هو مسؤول عن نفسه، وهذا خطأ، هذا ليس

стр. 3973

من النصيحة، بل النصيحة أن نُرشد الضال، وأن نُبين للمنحرف الطريق السوي. * قال: (وَالطَّائِفَةُ الأوْلَى عَلَّلَتْ هَذَا الْحَدِيثَ بِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي الرَّجُلِ يُؤَاجِرُ نَفْسَهُ فِي الْحَجِّ، فَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ). هذه قد تكررت معنا في مباحث كثيرة؛ من ذلك في الصلاة مثلًا الإنسان لن يأخذ الأجرة على الصلاة من الناس، أو كذلك -أيضًا- على تعليم القرآن، أو يأخذ الأجرة كذلك على أن يحج عن غيره، لكن أن يأخذ نفقة هذه مسألة أُخرى، فما الحكم في هذه المسألة؟ سر الخلاف أن هذه قربة وطاعة للَّه ، فالحج ركن من أركان الإسلام، إذا هو قربة للَّه مَن يفعله فهو يؤدي واجبًا بالنسبة لنفسه، ولماذا تؤدي هذا الواجب؟ ولماذا تعبد اللَّه على بصيرة؟ لتنال الثواب من اللَّه ، أما الذين يريدون بأعمالهم الحياة الدنيا فهذا لا ينفع، فاللَّه يقول: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨]، وقال رسول اللَّه ﷺ : "خيرُكم مَن تَعَلَّم القرآنَ وعَلَّمَه" (١)، لماذا؟ لأن هذا هو كتاب اللَّه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أنت إذًا قد عَلَّمت هذا الكتاب، قد أخذت بيدي المتعلم إلى طريق الهداية وإلى طريق الخير، وقد هديته إلى هذا الطريق السوي، وفتحت له طريق الثواب، هل تأخذ الأجرة على أعمال البر؟ هذه المسألة اختلف فيها العلماء (٢)، فبعض العلماء يقول: له أن يأخذ الأجرة.

стр. 3974

وبعضهم يقول: ليس له أن يأخذ الأجرة؛ لماذا؟ لأن هذه قربة من القربات وطاعة من الطاعات؛ لماذا تأخذ الأجرة على الصلاة؟ لماذا تأخذ الأجرة على تعليم القرآن؟ لماذا تأخذ الأجرة على التعليم والدعوة؟ لماذا تأخذ الأجرة عندما تريد أن تحج عن أخيك المسلم؟ خُذ نفقتك فقط. ولا شك أن في هذا أدلة؛ فمن الأدلة في هذا مثلًا: حديث عبادة بن الصامت ﵁ حيث عَلَّم رجلًا القرآن (١)، وتعلمون فضل مَن يُعَلِّم القرآن، فما كان من هذا الرجل إلا أن أهدى إليه، لكنكم تعلمون حرص الصحابة ﵁ على تحري الحلال، وأيضًا دِقَّتهم في عدم أن يأخذ أحدهم ولو فلسًا من حرام؛ خشية أن يأخذ أحدهم شيئًا ولو نزرًا يسيرًا؛ لما لهذا الحرام من أثر في غذاء الإنسان؛ في تربيته، في كسوته، في أبنائه -أيضًا- الذين سيخلفونه، ولذلك سأل رسول اللَّه ﷺ عن هذا القوس، فقال: "إن

стр. 3975

كنتَ تحبُّ أن تُطوق طوقًا من نار فَخُذه" (١)، إن أردت أن يكون قوسًا من نار فخذه، فكان منه ما كان منه إلا أن رفضه. والرسول ﷺ قال: "واتَّخِذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا"، لكننا نجد أن الرسول ﷺ أَذِن في إعطاء الأجرة على الأذان (٢)، وقد أعطى أبا محذورة، لكن الذين منعوا قالوا: إنما أعطاه؛ لأنه كان في أول الأمر -في أول الإسلام- فأراد الرسول أن يتألفه، وأنتم تعلمون أن من الأصناف التي تُصرف لهم الزكاة: المؤلفة قلوبهم؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، وكذلك قالوا أيضًا: الصحابة ﵃ الذين مروا بجماعة من الناس في قوم وأرادوا أن يضيفوهم؛ فأبوا، فلدغ لهم لديغ، فطلبوا منهم أن يرقوا هذا الذي لُدغ، فما كان منهم إلا أن رقوه، بشرط أن يعطوهم شيئًا، فأخذوا ذلك الشيء، واستفتوا رسول اللَّه ﷺ فأقرهم على ذلك (٣).

стр. 3976

إذًا، ثبت أخذ الأجرة على الأذان، وثبت -أيضًا- أخذ الأجرة على الرقية، فالرقية إنما هي على شيء من كتاب اللَّه ، وجاء فى الحديث: "إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب اللَّه" (١)، وهذا -أيضًا- جاء بمناسبة الرقية، وهناك -كما قلنا- من منع ذلك، فهل يجوز للإنسان أن يأخذ الأجرة؟ نحن نقول: الأَوْلَى ألا يأخذ، وإن أَخَذَ فليأخذ النفقة فقط، كما قال المالكية (٢)، وهذا رأي -حقيقةً- دقيق في مذهب المالكية، يعني: يَقسمون الأجر إلى قسمين. الأول: شيء يأخذه الإنسان بلاغًا، والبلاغ: ما يُبلغك؛ أي: يُوصِّلك إلى المكان الذي تريد الوصول إليه، يكفيه للذهاب إلى الحج، فإن نقص يعطيه، وإن زاد رده. الثاني: الأجرة أن تأخذ -مثلًا- منه خمسة آلاف ريال، وربما لا تصرف إلا ألفًا أو ألفين والباقي تضعه فى جيبك؛ فتستفيد منه، هذا هو محل الخلاف، والرسول ﷺ يقول: "مَن اتَّقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعِرضه، ومَن وقع في الشبهات قد وقع في الحرام" (٣)، ونحن نقول:

стр. 3977

المسألة هنا لا تصل إلى هذا الحد، لكن الورع والأحوط للمسلم أن يأخذ ما يكفيه؛ لماذا؟ لأنك إذا أخذت ما يكفيك في النفقة فستثاب أيضًا؛ لأنك فعلت عملًا لأخيك، وانظروا في قصة المرأة التي رفعت غلامًا صغيرًا وقالت: ألهذا حَجٌّ؟ قال: "نَعَم، ولَكِ أَجْرٌ" (١)، فأنت في أي عمل تقدمه لأخيك المسلم تبتغي بذلك وجه اللَّه سيثيبك اللَّه عليه، حتى لو أخذت لقمة واحدة ووضعتها في فم أخيك المسلم آجرك اللَّه عليها، الكلمة الطيبة إنما هي صدقة، إرشادك أخاك إلى الطريق السوي صدقة، كل عمل من أعمال البر تثاب عليه وتؤجر عليه. * قال: (فَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَا: "إِنْ وَقَعَ ذَلِكَ جَازَ، وَلَمْ يُجِزْ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ). وأحمد فَرَّق بين كره ذلك، يعني مالك والشافعي قالا بوجه مع الكراهة، وهي رواية للإمام أحمد (٢)، لكنها ليست الرواية المعتمدة، أما مذهب أبي حنيفة (٣)، وأحمد (٤)، فإن ذلك لا ينبغي لأيِّ مسلم.

стр. 3978

* قال: (وَعُمْدَتُهُ: أَنَّهُ قُرْبَة إِلَى اللَّهِ ، فَلَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ). لو أن إنسانًا أراد أن يبني جدارًا لإنسان فله أن يطلب عليه أجرة، ولو أراد -أيضًا- أن يبني بيتًا فله أن يأخذ عليه أجرة، والسائق مالك السيارة يأخذ الأجرة، وهكذا هذه أُمور مباحة، يأخذ الإنسان مقابل عمله أجرة عليه، لكن هذه قربة وطاعة فهل تأخذ عليها الأجرة أو لا؟ * قال: (وَعُمْدَةُ الطَّائِفَةِ الْأُولَى: إِجْمَاعُهُمْ عَلَى جَوَازِ الْإِجَارَةِ فِي كَتْبِ الْمَصَاحِفِ وَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ، وَهِيَ قُرْبَة). يعني: أنت تأخذ الأجرة على كتابة المصاحف (١)، وبناء

стр. 3979

المساجد (١)، فالعمال الذين يبنون المساجد يأخذون الأجرة، وكذلك الذين يبنون أعمال البر من المساجد التي تبنى للأوقاف وأمثالها، كل أعمال البر يأخذون عليها الأجرة فَلِمَاذا استثنى هنا؟! (وَالْإِجَارَةُ فِي الْحَجِّ عِنْدَ مَالِكٍ (٢) نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: الَّذِي يُسَمِّيهِ أَصْحَابُهُ عَلَى الْبَلَاغِ، وَهُوَ الَّذِي يُؤَاجِرُ نَفْسَهُ عَلَى مَا يُبَلِّغُهُ مِنَ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ). قصده بالبلاغ يعني: المكان الذي تَبلغه قال تعالى: ﴿إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾، يعني: المكان الذي تصل إليه، فتأخذ مالًا يُبَلِّغك الحج وتعود منه، فإن زاد فَرُدَّه إلى صاحبه، فلا لك ولا عليك، فقد أَدَّيتَ هذه العبادة الجليلة عن أخيك المسلم؛ لأنه كان

стр. 3980

بحاجة إلى ذلك، وأنت في نفس الوقت أيضًا ستُؤجر على عملك؛ لماذا؟ لأنك ستؤجر على الطواف وإن كان لغيرك، لكن أمامك فرصة أيضًا للتطوع، وكذلك الدعاء الذي يفعله الإنسان بعرفات وتكبيره أيضًا عند رمي الجمرات، وما يقوم به من أعمال طيبة في هذه الأماكن سيُؤجر عليها، ثم العمل نفسه من حيث الجملة يُؤجر عليه؛ لماذا؟ لأنك في هذا العمل أعنتَ أخاك المسلم على الخير؛ استجابة لقول اللَّه تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، أليس هذا من أعمال البر؟ أليس من أعمال التقوى؟ بلى، إذًا أنت تؤجر عليه؛ لأنك عملت ذلك استجابة لأمر ربك، ولما جاء عن رسول اللَّه ﷺ (١). (فَإِنْ نَقَصَ مَا أَخَذَهُ عَنِ الْبَلَاغِ وَفَّاهُ مَا يُبَلِّغُهُ، وَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذَلِكَ شَيْءٌ رَدَهُ. وَالثَّانِي: عَلَى سُنَّةِ الْإِجَارَةِ. وَإِنْ نَقَصَ شَيْءٌ، وَفَّاهُ مِنْ عِنْدِهِ، وَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ، فَلَهُ). يعني: سنة طريقة الإجارة، وليس مراده سنة هنا: سنة الرسول ﷺ ، وإنما يعني السنة (٢) في اللغة، وهي الطريقة، فالمعنى: على طريقة الإجارة، يعني: تتفق معه وتتفاوض، فتقول: أنا سأحج عنك بمبلغ كذا، فيعطيك إياه، وكثير من الذين يحجون يأخذون هذه الأشياء حتى يستفيدوا منها، وبعضهم يقول: أنا محتاج لذلك أيضًا، وإن نقص شيء وفاه من عنده، وإن فضل شيء فله.

стр. 3981

وهذه مسألة أُخرى: هل الحج واجب على المملوك في حال ملكه، أي: في كونه مملوكًا أو لا؟ الجواب: لا يجب عليه؛ لماذا (١)؟ لأنَّه لا مال له، وقد جاء في الحديث الصحيح أن الرسول ﷺ قال: "مَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ" (٢). إنَّ العبد لا يملك، وإذا كان لا يملك فلا مال له، والحج يحتاج إلى مال. ثم -أيضًا- مسألة أُخرى: وهي أن العبد جميع وقته ملك لسيده، إلا الأوقات التي يصلي فيها وغيرها، فهنا لو ذهب إلى الحج ستتعطل مصالح سيده، ويتأثر بذلك. وقد يسأل سائل فيقول: كيف يترك حقوق اللَّه وينشغل بحقوق المخلوق؟ والجواب: أن هذه سنة اللَّه في خلقه، لكن اللَّه تعالى حَضَّ على العتق ورَغَّب فيه، ثم رسوله ﷺ كذلك (٣)، وبَيَّن فضل ومكانة أن من يعتق أن اللَّه في الآخرة، وسيسعد -أيضًا-في هذه الدنيا، وقد مَرَّ بنا أن من الكفارات عتق رقبة، وكذلك جاء في كفارة الجماع في نهار رمضان، وكذلك في الظهار، وكذلك كفارة اليمين (٤).

стр. 3982

إذًا، هذا إنسان لا يلزمه الحج؛ لأنه أولًا: لا مال له، فقد ثبت عن الرسول ﷺ في الحديث الذي سبق معنا: "مَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ" (١)، انظروا أزال الرسول ﷺ كل إشكال، فمن هو المبتاع؛ هو المشتري، فإذا اشترط المشتري هذا العبد وما معه من المال فله ذلك. والعلماء يدققون في هذه المسألة بأن يذكروا ذلك ضمن القواعد، أيضًا إذا بيع العبد (٢) وعليه مثلًا ثياب لها قيمة كبيرة؛ فلمن تكون هذه؟ والجواب: ما كان معتادًا فلا شك أنه يباع معه، أما الشيء غير المعتاد الذي يتزين به لسيده وعند ضيوفه، فهذه هي التي فيها خلاف بين العلماء.

стр. 3983

* قال: (وَالْجُمْهُورُ: عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ حَتَّى يُعْتَقَ (١)، وَأَوْجَبَهُ عَلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ. فَهَذِهِ مَعْرِفَةٌ عَلَى مَنْ تَجِبُ هَذِهِ الْفَرِيضَةُ). أوجب أهل الظاهر الحج على العبد (٢)، قالوا: لأن اللَّه تعالى قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ والعبد يدخل ضمن

стр. 3984

الناس، والعبادات لا يختلف فيها أحد؛ فلماذا نوجبها على الحر ولا نُوجبها على العبد؟ * قال: (وَمِمَّنْ تَقَعُ. وَأَمَّا مَتَى تَجِبُ؟ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا هَلْ هِيَ عَلَى الْفَوْرِ، أَوْ عَلَى التَّرَاخِي؟) هذه المسألة التي عرض لها المؤلف: متى تجب؟ أي: متى تجب فريضة الحج؟ نحن عرفنا أن الحج ركن من أركان الإسلام، وأن الدليل على وجوبه: كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ ، وذلك موضع إجماع هذه الأمة، لكن الذي بقي هنا أن نعرف متى يجب؟ ما دمنا عرفنا أنه واجب، فهل هناك وقت يتعين أن يُؤدى الحج فيه؟ وهي المسألة التي يُعَبِّر عنها الفقهاء: هل الحج على الفور أو على التراخي؟ (١)؛ أي: هل يجب على

стр. 3985

الإنسان إذا تَمَكَّن من أداء الحج بشروطه المعروفة التي مَرَّت بنا: أنه يلزمه أن يُؤديه في ذلك الوقت الذي اجتمعت فيه شرائط الحج وليس له أن يؤخره، أم أن عمر الإنسان ظرف لهذا الركن، فمتى ما أداه في أيِّ وقت -سواء بادر بأدائه أو أَخَّره- فإن ذلك مكان لأدائه؟ وثمرة الخلاف تظهر هنا فيمن أَخَّر الحج فأدركته المنية، مع قدرته على أدائه قبل وفاته، أمَّا مَن يدركه الموت وهو عن أدائه، إمَّا ببدنه أو بماله، أو لوجود عارض من العوارض الذي يمنعه كأن يكون الطريق غير آمن، ففي هذه الحالة يختلف الحال، أما الذي هو محل خلاف أو ثمرة الخلاف فيمن قدر على أداء الحج وأَخَّره مع القدرة عليه العلماء. فقد اختلفوا في ذلك؛ فمنهم مَن يرى أنَّه يَجب على المسلم إذا قَدر على أداء الحج: أن يُبادر إلى ذلك، وألا يؤخره إلى وقت آخر، واستدلوا على ذلك بعدة أدلة من كتاب اللَّه ومن سنة نبيه ﷺ ، أما من الكتاب: فقول اللَّه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، فـ (على) (١) مِن صيغ الوجوب، والأمر عادة عندما يُطلق إنما ينصرف في أول أمره إلى الفورية. إذًا، هذه الآية دليل على وجوب الحج، وهي -أيضًا- تدل على وجوبه عند القدرة عليه؛ لأن الأمر فيها صريح، فلا يجوز أن يؤخر ذلك عن وقت القدرة عليه. وصَحَّ عن الرسول ﷺ أنه قال: "أيُّها الناس، إنَّ اللَّه كتَبَ عليكم الحَجَّ فَحُجُّوا" (٢)؛ أي: فرض عليكم الحج، وفي رواية: "يا أيُّها الناس،

стр. 3986

قد فرض اللَّه عليكم الحج فَحُجُّوا" (١) في الحديث المطول في هذه الرواية. ثم -أيضًا- يقول هؤلاء: أليس اللَّه يأمرنا بأن نُسارع إلى فِعل الخيرات، وأن نبادر إلى طلب المغفرة منه، وأن نتسابق في فعل الأفعال الحسنة التي تُقربنا إلى اللَّه وتُجنبنا معاصيه، واللَّه تعالى يقول: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، ويقول تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، فإن أداء الفرض في أول وقته مع القدرة عليه إنما هو مبادرة إلى فعل الخيرات ومسارعة إلى ذلك، والأدلة على ذلك كثيرة جدًّا، فلا نريد أن نسترسل فيها. وأما الذين قالوا: إن الحج واجب، لكنه يجب على التراخي؛ أي: يجوز للإنسان مع قدرته -مثلًا- أن يؤديه في هذا العام، وله أن يؤخره إلى العام القادم، أو الذي يليه، أو الذي يليه، وهكذا. ويؤيدون ذلك بأن عمر الإنسان إنَّما هو بمثابة ظرف لذلك، فله أن يؤدي هذه الفريضة في أي جزء وفي أي وقت من هذا الظرف المُوَسَّع، ويقيسون -أيضًا- ذلك على الصلاة، ويقولون: أليس للصلاة وقت، ووقتها له أول وآخر، كما بَيَّن ذلك جبريل عندما صَلَّى برسول اللَّه ﷺ (٢)،

стр. 3987

فإنه صَلَّى به الصلوات في أول وقتها في اليوم الأول؛ فمثلًا صلى به الظهر في اليوم الأول عندما زالت الشمس، وصلى به في اليوم الثاني عندما صار ظِلُّ كل شيء مثله؛ أي: في آخر الوقت. . . وأيضًا في قصة الرجل الذي جاء إلى رسول اللَّه ﷺ يسأل عن وقت الصلاة، فأبقاه معه حتى أراه كيف وقت الصلاة؟ (١). إذًا، قالوا: الصلاة لها وقت أول ووقت آخِر، والتفريط: إنما هو أن تؤخر الصلاة حتى يخرج وقتها، فقاسوا الحج على الصلاة، فقالوا: الصلاة عبادة، وهي ركن من أركان الإسلام، ولها وقت مُوَسَّع، ويجوز للإنسان أن يفعلها في أول الوقت وفي آخره، وكذلك -أيضًا- الحج ركن ويُقاس على الصلاة، ووقته -أيضًا- مُوَسَّع، فيُلحق بذلك، هذه هي أيضًا وجهة هؤلاء. فهذا معنى قولهم: على الفور أو على التراخي، لكننا نقول: هل يستطيع الإنسان أن يضمن أن يعيش ليؤدي الحج، ففرق بين وقت الصلاة وبين وقت الحج، فالحج يأتي مرة في العام، وأما الصلاة فإنها تتكرر في كل يوم خمس مرات، ثم الوقت المحدفى للصلاة فهو وقت قليل جدًّا إذا ما قورن بوقت الحج، فلو صليت الصلاة في أول وقتها أو في آخرها فالغالب السلامة، هذا مع أن الحياة والموت بيد اللَّه. إذًا، وقت الصلاة يختلف عن الحج، ثم إن وقت الصلاة يختلف

стр. 3988

عن الحج من ناحية أُخرى، وهي عدم وجود فاصل؛ لأنك إذا ما أَخَّرت الحج إلى عام قادم، فستمر بك أشهر لا يمكن أن تؤدي العبادة فيها؛ لأن الحج إنما يؤدى في أوقات محددة معروفة، لكن الصلاة وقتها مُضَيَّق مهما كان موسعًا، وذلك بالنسبة للحج، وأنه لا يتجزأ؛ أي: لا يوجد فاصل خارج عنه، ولذلك القياس (١) عليها غير وارد؛ لأنه قياس -كما هو معروف- مع الفارق الذين يقولون: إن الحج ليس على الفور، ويقولون: إن الرسول ﷺ حَجَّ -على المشهور- في العام العاشر، وقيل: إن الحج فُرض في السنة الخامسة. وقيل: في السنة السادسة. وقيل: في السنة الثامنة. وقيل: في السنة التاسعة. وقيل أيضًا: في العاشرة. وقيل أيضًا: قبل أن يُهاجر الرسول ﷺ إلى المدينة (٢)، ومهما كان فالقول المشهور أنه في العام العاشر؛ فيقولون: لماذا أَخَّر رسول اللَّه ﷺ الحج إلى العام العاشر، مع أنه لم يظهر هناك مانع شرعي يمنع الرسول ﷺ من أداء الحج قبل ذلك العام؟ قد يقال: إنه قبل فتح مكة هناك مانع، وربما يصده المشركون، ومكة بعدُ لم تكن بلد إسلام، لكنها فتحت -كما هو معلوم- في العام الثامن، والرسول ﷺ لم يحج في العام التاسع، وإنما أَرسل أبا بكر أميرًا على الناس في الحج، إذًا قالوا: هذا دليل على أن الحج ليس على الفور، وإنما هو على التراخي؛ لأنه لو كان على الفور لكان الرسول ﷺ

стр. 3989

أسرع الناس مبادرة إليه، فقالوا: هذا دليل على عدم وجوبه على الفور. والآخرون ردوا وقالوا: أبدًا ليس في هذا دليل؛ لأن الأصل في ذلك إنما هو المبادرة، ودعوى أنه فُرض في مكة أو في السنة الخامسة أو السادسة أو الثامنة، هذه كلها أقوال مرجوحة، وبعضها ضعيف، وإنَّما المشهور -بل القول الصحيح- أنه فرض في السنة التاسعة؛ بدليل أن آية الحج التي هي جزء من سورة آل عمران صدر تلك السورة إنما نزلت في عام الوفود (١)، وعام الوفود إنما كان في السنة التاسعة؛ أي: العام الذي كان يفد الناس إلى رسول اللَّه ﷺ فيه؛ ليأخذوا من علمه ويتفقهوا في دين اللَّه. إذًا، ما الجواب عن ذلك؟ الجواب: إمَّا أن الرسول ﷺ أَخَّر ذلك لعذر، والعذر لم يَظهر، أو أن الرسول ﷺ انشغل بأمرٍ لا يقل أهمية عن أداء الحج، وبالنسبة لأداء الحج في العام التاسع؛ لأن ذاك العام -كما أشرنا- إنما هو عام الوفود، وكان الناس يأتون إلى رسول اللَّه ﷺ مِن كل حدب وصوب، يأتون من أطراف الجزيرة ووسطها إلى رسول اللَّه ﷺ ؛ ليتفقهوا في دين اللَّه، وليعلن بعضهم إسلام أقوامهم، ولذلك انشغل الرسول ﷺ بأمر هو في غاية الأهمية؛ لأن الرسول ﷺ كما عملتم سابقًا -وهو من المحافظين المداومين على السُّنن الرواتب- رأينا أنه ﷺ انشغل عن الركعتين بعد الظهر عندما جاءه وفد بني عبد قيس بإسلام قومه، وصلَّاها بعد العصر (٢)،

стр. 3990

ولما سئل عن ذلك أفاد ﷺ أنهما الركعتان بعد الظهر، وأنه جاءه وفد من بني عبد القيس بإسلام قومهم؛ فشغلوه عن الركعتين، فهما هاتان، وذلك ثابت في "الصَّحيحين"، هذا أمر. الأمر الآخر: أنَّ الرسول ﷺ سَيَحج بالناس، وهذه الحجة هي حَجة الوداع، وأراد الرسول ﷺ أن يَجتمع حوله جمعٌ غفير من الناس وهو ما تحقق، ولأن مكة لا تزال فيها بعض آثار الشرك، ولذلك عندما أرسل الرسول ﷺ عليًّا أمره أن يتخذ منادين ينادون ألَّا يحج بالبيت مشرك، وألا يطوف بالبيت عريان (١)، وكانت النساء يَطفن بالبيت عرايا، ويَقلن: اليوم يبدو بعضه أو كله … وما بدا منه فلا أُحِلُّه (٢) فأراد الرسول ﷺ أن يُطَهِّر هذا البيت العظيم وهذه الكعبة الشريفة مِن أدناس الشرك والأوثان، وألا يأتي إلا وهي صافية نقية، وقد تحقق له ذلك، فإن الرسول ﷺ عندما حَجَّ في العام العاشر كانت مكة قد طهرت

стр. 3991

من أدناس الأصنام والأوثان، وحج مع رسول اللَّه ﷺ جمعٌ غفير لا تُرى أطرافه من عن يمين رسول اللَّه وعن شماله ومن أمامه ومِن خلفه (١)، هذا عدا -أيضًا- الذين لحقوا برسول اللَّه ﷺ في مكة وفي المشاعر. وبهذا نتبين أن الأَوْلَى بالمسلم إذا لم يكن معذورًا وكان قادرًا على أداء الحج: أن يُبادر إلى هذا العمل الجليل؛ وخاصة أنه ركن من أركان الإسلام، وأن الإنسان إذا مات وهو مقصر فإنه سيسأل عن ذلك؛ لذا ينبغي أن نُبادر إلى أداء ذلك الركن، وألا نتساهل فيه. * قال: (وَالْقَوْلَان مُتَأَوَّلَانِ عَلَى مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ). أكثر العلماء يَرون أنَّها على الفور، وإذا أخذنا الخلافات اليسيرة في المذاهب فنقول: إن المالكية والحنابلة والحنفية يرون أنَّها على الفور، وأنَّ الشافعية هم الذين يَرَون أنَّها على التراخي (٢). (وَالظَّاهِرُ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ: أَنَّهَا عَلَى التَّرَاخِي، وَبِالْقَوْلِ: إِنَّهَا عَلَى الْفَوْرِ قَالَ الْبَغْدَادِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِهِ. وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ) (٣). المختار في المذاهب الثلاثة كلها: أنه على الفور. (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ عَلَى التَّوْسِعَةِ. وَعُمْدَةُ مَنْ قَالَ: عَلَى التَّوْسِعَةِ: أَنَّ الْحَجَّ فَرْضٌ قَبْلَ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ

стр. 3992

بِسِنِينَ، فَلَوْ كَانَ عَلَى الْفَوْرِ لَمَا أَخَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَوْ أَخَّرَهُ لِعُذْرٍ لَبَيَّنَهُ) (١). مِن العلماء مَن يقول: إن الأدلة التي يَستدل بها الذين قالوا: إن الحج ليس على الفور: قول اللَّه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، ويقولون الذين يرون أنه على الفور ليس في ذلك دلالة على فرضية الحج، وإن ما فيه إتمامهما، وأن الحج بعدُ لم يُفرض. (وَحُجَّةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُخْتَصًّا بِوَقْتٍ كَانَ الْأَصْلُ تَأْثِيمَ تَارِكِهِ حَتَّى يَذْهَبَ الْوَقْتُ). لأنهم قالوا: ليس من الحكمة أن يُفرَض ركن من الأركان، والمسلمون غير قادرين على أدائه؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه صُدوا عن العمرة (٢)، ثم بعد ذلك قضاها ﷺ في العام السابع، لكن أولئك يقولون: يُفرض، فإن مُنع يكون ذلك عذرًا. * قال: (أَصْلُهُ: وَقْتُ الصَّلَاةِ). يعني: يريد المؤلف أن يقول: لما كان الحج خاصًّا بوقتٍ فإذا ما أَخَّره الإنسان يكون آثمًا بتأخيره عن وقته؛ كالحال بالنسبة للصلاة، أليس

стр. 3993

مَن يؤخر الصلاة عن وقتها يكون آثمًا إلا أن يكون معذورًا كما جاء في الحديث الصَّحيح: "مَن نام عن صَلَاةٍ أو نَسِيَها فَلْيُصَلِّها مَتى ذكرها، فإنَّه لا كفارةَ لها إلا ذلك" (١)، والرسول ﷺ يقول: "ليس التَّفريط في النَّوم، إنَّما التفريط أن تُؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الأُخرى" (٢)، هذا هو التساهل والتفريط بأن تجلس تنتظر حتى يخرج وقت هذه الصلاة فيدخل وقت صلاة أُخرى، فأنت بذلك أخللت بشرط من شروط صحة الصلاة، ألا وهو الوقت. * قال: (وَالْفَرْقُ عِنْدَ الْفَرِيقِ الثَّانِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ: أَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ وُجُوبُهُ بِتَكْرَارِ الْوَقْتِ، وَالصَّلَاةُ يَتَكَرَّرُ وُجُوبُهَا بِتَكْرَارِ الْوَقْتِ. وَبِالْجُمْلَةِ: فَمَنْ شَبَّهَ أَوَّلَ وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ الْحَجِّ الطَّارِئَةِ عَلَى الْمُكَلَّفِ الْمُسْتَطِيعِ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ مِنَ الصَّلَاةِ قَالَ: هُوَ عَلَى التَّرَاخِي"). لكننا قلنا: هو قياس مع الفارق؛ لأن هذا وقت -مهما كان موسعًا بالنسبة للصلاة- فهو مُبَيَّن. (وَمَنْ شَبَّهَهُ بِآخِرِ الْوَقْتِ مِنَ الصَّلَاةِ قَالَ: عَلَى الْفَوْرِ. وَوَجْهُ شَبَهِهِ بِآخِرِ الْوَقْتِ: أَنَّهُ يَنْقَضِي بِدُخُولِ وَقْتٍ لَا يَجُوزُ فِيهِ فِعْلُهُ، كَمَا يَنْقَضِي وَقْتُ الصَّلَاةِ بِدُخُولِ وَقْتٍ لَيْسَ يَكُونُ فِيهِ الْمُصَلَّي مُؤَدِّيًا). انظروا (لَيْسَ يَكُونُ فِيهِ الْمُصَلِّي مُؤَدِّيًا)، وإنما يكون قاضيًا (٣)، يعني:

стр. 3994

لو أن إنسانًا فاتته صلاة العصر مثلًا، ثم أداها في وقت صلاة المغرب يكون قاضيًا لها، كذلك الحال بالنسبة للظهر مع العصر، وهكذا، وهذا يختلف باختلاف الحج، فإن كان الإنسان أَخَّر ذلك لعذر فإنه لا إثم عليه، أمَّا إن كان مفرطًا فإنه يأثم. (وَيَحْتَجُّ هَؤُلَاءِ بِالغَرَرِ الَّذِي يَلْحَقُ الْمُكَلَّفُ بِتَأْخِيرِهِ إِلَى عَامٍ آخَرَ، بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مِنْ إِمْكَانِ وُقُوعِ الْمَوْتِ فِي مُدَّةٍ مِنْ عَامٍ). يعني: من الإنسان على هذه الحياة الذي يضمن أن يعيش أوقاتًا محددة؛ لأن هذه أُمور بيد اللَّه . * قال: (وَيَرَوْنَ أَنَّهُ بِخِلَافِ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ إِلَى آخِرِهِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ أَحَدٌ فِي مِقْدَارِ ذَلِكَ الزَّمَانِ إِلَّا نَادِرًا). هو في الغالب، لكن لا أحد يستطع بأنه لا يموت فيه، لكن الغالب أن الإنسان في وقت الصلاة يبقى. (وَرُبَّمَا قَالُوا: إِنَّ التَّأْخِيرَ فِي الصَّلَاةِ يَكُونُ مَعَ مُصَاحَبَةِ الْوَقْتِ الَّذِي يُؤَدَّى فِيهِ، وَالتَّأْخِيرُ هَاهُنَا يَكُونُ مَعَ دُخُولِ وَقْتٍ لَا تَصِحُّ فِيهِ الْعِبَادَةُ). مراد المؤلف: أنه لو أن إنسانًا مثلًا انشغل عن الصلاة بأن نام عنها، أو وُجِد عنده ظرف أو حائل أو مانع يمنعه الصلاة، فعليه أن يؤديها في الوقت الذي يليه، لكن لو أن إنسانًا فاته الوقوف بعرفة (١)؛ أي: فاته اليوم التاسع وليلة العاشر، فقد انتهى الحج في هذا اليوم الواحد، فلا يستطيع أن يؤديه، بل يحتاج أن ينتظر للعام القادم حتى يَحج فيه.

стр. 3995

(فَهُوَ لَيْسَ يُشْبِهُهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ). يعني: يقول المؤلف: إن الوقت الذي يلي وقت الصلاة تقضى الصلاة فيه، لكن في الحج ليس لك فعل ذلك، إذًا هنا قياس مع الفارق. (وَذَلِكَ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي، لَيْسَ يُؤَدِّي التَّرَاخِي فِيهِ إِلَى دُخُولِ وَقْتٍ لَا يَصِحُّ فِيهِ وُقُوعُ الْمَأْمُورِ فِيهِ، كَمَا يُؤَدِّي التَّرَاخِي فِي الْحَجِّ إِذَا دَخَلَ وَقْتُهُ، فَأَخَّرَهُ الْمُكَلَّفُ إِلَى قَابِلٍ). يعني: لو أن إنسانًا لم يقف بعرفة: هل له أن يقف في اليوم العاشر؟ لا، لكن لو أن إنسانًا فاتته صلاة المغرب إنما يصليها في وقت العشاء، وكذلك -أيضًا- أهل الأعذار لهم أن يجمعوا بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء (١)، فالأوقات هناك موسعة، وهناك
следующие страницы →