من أدناس الأصنام والأوثان، وحج مع رسول اللَّه ﷺ جمعٌ غفير لا تُرى أطرافه من عن يمين رسول اللَّه وعن شماله ومن أمامه ومِن خلفه (١)، هذا عدا -أيضًا- الذين لحقوا برسول اللَّه ﷺ في مكة وفي المشاعر.
وبهذا نتبين أن الأَوْلَى بالمسلم إذا لم يكن معذورًا وكان قادرًا على أداء الحج: أن يُبادر إلى هذا العمل الجليل؛ وخاصة أنه ركن من أركان الإسلام، وأن الإنسان إذا مات وهو مقصر فإنه سيسأل عن ذلك؛ لذا ينبغي أن نُبادر إلى أداء ذلك الركن، وألا نتساهل فيه.
* قال: (وَالْقَوْلَان مُتَأَوَّلَانِ عَلَى مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ).
أكثر العلماء يَرون أنَّها على الفور، وإذا أخذنا الخلافات اليسيرة في المذاهب فنقول: إن المالكية والحنابلة والحنفية يرون أنَّها على الفور، وأنَّ الشافعية هم الذين يَرَون أنَّها على التراخي (٢).
(وَالظَّاهِرُ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ: أَنَّهَا عَلَى التَّرَاخِي، وَبِالْقَوْلِ: إِنَّهَا عَلَى الْفَوْرِ قَالَ الْبَغْدَادِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِهِ.
وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ) (٣).
المختار في المذاهب الثلاثة كلها: أنه على الفور.
(وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ عَلَى التَّوْسِعَةِ.
وَعُمْدَةُ مَنْ قَالَ: عَلَى التَّوْسِعَةِ: أَنَّ الْحَجَّ فَرْضٌ قَبْلَ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ
стр. 3992
بِسِنِينَ، فَلَوْ كَانَ عَلَى الْفَوْرِ لَمَا أَخَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَوْ أَخَّرَهُ لِعُذْرٍ لَبَيَّنَهُ) (١).
مِن العلماء مَن يقول: إن الأدلة التي يَستدل بها الذين قالوا: إن الحج ليس على الفور: قول اللَّه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، ويقولون الذين يرون أنه على الفور ليس في ذلك دلالة على فرضية الحج، وإن ما فيه إتمامهما، وأن الحج بعدُ لم يُفرض.
(وَحُجَّةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُخْتَصًّا بِوَقْتٍ كَانَ الْأَصْلُ تَأْثِيمَ تَارِكِهِ حَتَّى يَذْهَبَ الْوَقْتُ).
لأنهم قالوا: ليس من الحكمة أن يُفرَض ركن من الأركان، والمسلمون غير قادرين على أدائه؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه صُدوا عن العمرة (٢)، ثم بعد ذلك قضاها ﷺ في العام السابع، لكن أولئك يقولون: يُفرض، فإن مُنع يكون ذلك عذرًا.
* قال: (أَصْلُهُ: وَقْتُ الصَّلَاةِ).
يعني: يريد المؤلف أن يقول: لما كان الحج خاصًّا بوقتٍ فإذا ما أَخَّره الإنسان يكون آثمًا بتأخيره عن وقته؛ كالحال بالنسبة للصلاة، أليس
стр. 3993
مَن يؤخر الصلاة عن وقتها يكون آثمًا إلا أن يكون معذورًا كما جاء في الحديث الصَّحيح: "مَن نام عن صَلَاةٍ أو نَسِيَها فَلْيُصَلِّها مَتى ذكرها، فإنَّه لا كفارةَ لها إلا ذلك" (١)، والرسول ﷺ يقول: "ليس التَّفريط في النَّوم، إنَّما التفريط أن تُؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الأُخرى" (٢)، هذا هو التساهل والتفريط بأن تجلس تنتظر حتى يخرج وقت هذه الصلاة فيدخل وقت صلاة أُخرى، فأنت بذلك أخللت بشرط من شروط صحة الصلاة، ألا وهو الوقت.
* قال: (وَالْفَرْقُ عِنْدَ الْفَرِيقِ الثَّانِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ: أَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ وُجُوبُهُ بِتَكْرَارِ الْوَقْتِ، وَالصَّلَاةُ يَتَكَرَّرُ وُجُوبُهَا بِتَكْرَارِ الْوَقْتِ.
وَبِالْجُمْلَةِ: فَمَنْ شَبَّهَ أَوَّلَ وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ الْحَجِّ الطَّارِئَةِ عَلَى الْمُكَلَّفِ الْمُسْتَطِيعِ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ مِنَ الصَّلَاةِ قَالَ: هُوَ عَلَى التَّرَاخِي").
لكننا قلنا: هو قياس مع الفارق؛ لأن هذا وقت -مهما كان موسعًا بالنسبة للصلاة- فهو مُبَيَّن.
(وَمَنْ شَبَّهَهُ بِآخِرِ الْوَقْتِ مِنَ الصَّلَاةِ قَالَ: عَلَى الْفَوْرِ.
وَوَجْهُ شَبَهِهِ بِآخِرِ الْوَقْتِ: أَنَّهُ يَنْقَضِي بِدُخُولِ وَقْتٍ لَا يَجُوزُ فِيهِ فِعْلُهُ، كَمَا يَنْقَضِي وَقْتُ الصَّلَاةِ بِدُخُولِ وَقْتٍ لَيْسَ يَكُونُ فِيهِ الْمُصَلَّي مُؤَدِّيًا).
انظروا (لَيْسَ يَكُونُ فِيهِ الْمُصَلِّي مُؤَدِّيًا)، وإنما يكون قاضيًا (٣)، يعني:
стр. 3994
لو أن إنسانًا فاتته صلاة العصر مثلًا، ثم أداها في وقت صلاة المغرب يكون قاضيًا لها، كذلك الحال بالنسبة للظهر مع العصر، وهكذا، وهذا يختلف باختلاف الحج، فإن كان الإنسان أَخَّر ذلك لعذر فإنه لا إثم عليه، أمَّا إن كان مفرطًا فإنه يأثم.
(وَيَحْتَجُّ هَؤُلَاءِ بِالغَرَرِ الَّذِي يَلْحَقُ الْمُكَلَّفُ بِتَأْخِيرِهِ إِلَى عَامٍ آخَرَ، بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مِنْ إِمْكَانِ وُقُوعِ الْمَوْتِ فِي مُدَّةٍ مِنْ عَامٍ).
يعني: من الإنسان على هذه الحياة الذي يضمن أن يعيش أوقاتًا محددة؛ لأن هذه أُمور بيد اللَّه .
* قال: (وَيَرَوْنَ أَنَّهُ بِخِلَافِ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ إِلَى آخِرِهِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ أَحَدٌ فِي مِقْدَارِ ذَلِكَ الزَّمَانِ إِلَّا نَادِرًا).
هو في الغالب، لكن لا أحد يستطع بأنه لا يموت فيه، لكن الغالب أن الإنسان في وقت الصلاة يبقى.
(وَرُبَّمَا قَالُوا: إِنَّ التَّأْخِيرَ فِي الصَّلَاةِ يَكُونُ مَعَ مُصَاحَبَةِ الْوَقْتِ الَّذِي يُؤَدَّى فِيهِ، وَالتَّأْخِيرُ هَاهُنَا يَكُونُ مَعَ دُخُولِ وَقْتٍ لَا تَصِحُّ فِيهِ الْعِبَادَةُ).
مراد المؤلف: أنه لو أن إنسانًا مثلًا انشغل عن الصلاة بأن نام عنها، أو وُجِد عنده ظرف أو حائل أو مانع يمنعه الصلاة، فعليه أن يؤديها في الوقت الذي يليه، لكن لو أن إنسانًا فاته الوقوف بعرفة (١)؛ أي: فاته اليوم التاسع وليلة العاشر، فقد انتهى الحج في هذا اليوم الواحد، فلا يستطيع أن يؤديه، بل يحتاج أن ينتظر للعام القادم حتى يَحج فيه.
стр. 3995
(فَهُوَ لَيْسَ يُشْبِهُهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ).
يعني: يقول المؤلف: إن الوقت الذي يلي وقت الصلاة تقضى الصلاة فيه، لكن في الحج ليس لك فعل ذلك، إذًا هنا قياس مع الفارق.
(وَذَلِكَ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي، لَيْسَ يُؤَدِّي التَّرَاخِي فِيهِ إِلَى دُخُولِ وَقْتٍ لَا يَصِحُّ فِيهِ وُقُوعُ الْمَأْمُورِ فِيهِ، كَمَا يُؤَدِّي التَّرَاخِي فِي الْحَجِّ إِذَا دَخَلَ وَقْتُهُ، فَأَخَّرَهُ الْمُكَلَّفُ إِلَى قَابِلٍ).
يعني: لو أن إنسانًا لم يقف بعرفة: هل له أن يقف في اليوم العاشر؟
لا، لكن لو أن إنسانًا فاتته صلاة المغرب إنما يصليها في وقت العشاء، وكذلك -أيضًا- أهل الأعذار لهم أن يجمعوا بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء (١)، فالأوقات هناك موسعة، وهناك
стр. 3996
أصحاب الأعذار، والحائض والنفساء تقضيان الصلاة في آخر الوقت، فمثلًا: لو أن امرأة حائضًا طَهرت قبل طلوع الفجر الصادق، فإنها في هذه الحالة على رأي جماعة من العلماء تُصَلِّي المغرب والعشاء (١).
стр. 3997
(فَلَيْسَ الِاخْتِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ بَابِ اخْتِلَافِهِمْ فِي مُطْلَقِ الْأَمْرِ: هَلْ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ عَلَى التَّرَاخِي؟ كَمَا قَدْ يُظَنُّ).
يعني: يريد المؤلف أنَّ يقول: إن الخلاف أكثر من ذلك، فليس مجرد الخلاف في مطلق الأمر؛ هل هو على الفور أو على التراخي، لا، بل هناك -أيضًا- قضية أُخرى.
* قال: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ؛ هَلْ مِنْ شَرْطِ وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْمَرْأَةِ: أَنْ يَكُونَ مَعَهَا زَوْجٌ أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا).
هذه مسألة هامة جدًّا، وهي -أيضًا- ليست مرتبطة بالحج وحده، ولقد تساهل كثير من المسلمين في أمر النساء، فتجد أن النساء يتنقلن من مكان إلى مكان، ويجاورها الأجنبي في ذلك، ونقصد بذلك السَّفر أولًا بالنسبة لسفر المرأة، هذا الحكم ينقسم إلى قسمين: أن يكون سفرها مع غير ذي محرم، يعني أن تسافر وليس معها محرم بغير الحج، أو أن يكون في الحج، أما بالنسبة لغير الحج؛ فلا خلاف بين العلماء -فيمن يعتد بخلافه- أن لا يجوز للمرأة أن تسافر يومًا أو ليلة أو مسيرة يوم وليلة -أو ثلاثة أيام- إلا ومعها ذي محرم (١)، هذا بالنسبة لغير الحج، ووقع خلافهم في الحج: هل المَحْرَم شرط في الحج أو لا (٢)؟ ثم يختلف الذين
стр. 3998
-أيضًا- يقولون بأنه شرط: هل هو شرط وجوب، أو شرط أداء؟
قد يسأل سائل: فيقول: ما الفرق بين الاثنين؟
عندما نقول: إنَّه شرط وجوب أنه لو أن امرأة لم تَجد محرمًا أو وجدت مَحرمًا ولم يخرج معها، ثم بعد ذلك ماتت، فإنها في هذه الحالة لا يَجب عليها الحج، بمعنى: لا يقضى عنها إذا ماتت، وإذا قلنا: هو شرط أداء؛ أي: شرط لأداء هذه الفريضة، فإنها إذا لم تجد محرمًا، أو وجدت مَحرم وامتنع أن يخرج معها، ولو أعطته أجرته - ففي هذه الحالة يُؤَدَّى عنها الحج إذا ماتت من مالها، هنا الفرق بين الاثنين.
نعود إلى مسألتنا: مِن العلماء مَن قال: إنَّ سَفَر المرأة بغير مَحرم منهم من يقول: هو جائز، ومنهم من يقول: إنه غير جائز، والأئمة الأربعة قد انقسموا في هذه المسألة إلى قسمين؛ ففريق منهم يَرى أنَّه لا بدَّ أن يصحبها ذو مَحرم، وبعضهم يَرى أنه لا يَصحبها.
(يُطَاوِعُهَا عَلَى الْخُرُوجِ مَعَهَا إِلَى السَّفَرِ).
قد تجد المرأة ذا مَحرم من أب أو ابن أو أخ، أو كذلك ابن أخ أو ابن أخت أو عَم أو خال، وهؤلاء السبعة هم الذين نعرفهم بالمحارم مِن ذَوي النَّسب، ويُلحق بهم مثلهم تمامًا أيضًا: المحارم من الرضاعة؛ لأنَّ الرسول ﷺ يقول في الحديث الصَّحيح: "يَحرم من الرَّضاعة ما يَحرم من
стр. 3999
النَّسب" (١)، إذًا ما يُحرمه النسب تُحَرِّمه الرضاعة، وهناك المحرم بالمصاهرة: أبو الزوج، أو ابنه، أو زوج أُمِّها، أو زوج ابنتها، هؤلاء هم المحارم بالمصاهرة.
فلو وَجدت واحدًا مِن المَحارم بالنَّسب، أو بالسبب الذي هو الرَّضاعة، أو بالمصاهرة، ووافق أن يَخرج معها، فإنها في هذه الحالة يَلزمها الخروج على الحج إذا لم يُوجد مانع من الموانع.
* قال: (لِلْحَجِّ؟
فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْوُجُوبِ ذَلِكَ، وَتَخْرُجُ الْمَرْأَةُ إِلَى الْحَجِّ إِذَا وَجَدَتْ رُفْقَةً مَأْمُونَةً) (٢).
أولًا: الرسول ﷺ يقول في الأحاديث المتفق عليها: "لا يَحِلُّ لامرأة تُؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تُسافر مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذي مَحرم" (٣).
وفي حديث ثانٍ: "لا يَحِلُّ لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تُسافر مسيرة ثلاثة أيام إلا ومعها ذو مَحرم" (٤).
وفي حديث ثالث: يقول الرسول ﷺ : "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ"، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: "انْطَلِقْ؛ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ" (٥).
فهذا نصٌّ في المُدَّعى، وهو أن الرسول ﷺ أمر الرجل -لمَّا ذكر أن
стр. 4000
زوجته خرجت إلى الحج- أمره أن ينطلق وراءها ليحج معها.
فهذه الأدلة لم تضع قيودًا أُخرى، ولذلك يقول الإمام الجليل ابن المنذر (١): "إن هؤلاء الأئمة -يعني بذلك مالكًا والشافعي ومَن معهم- لم يأخذوا بالقول الظاهر من هذا الحديث؛ لأن الحديث ظاهره أن المرأة لا تُسافر إلا ومعها ذو مَحرم، ونجد أنهم اشترطوا شروطًا لا دليل عليها؛ فبعضهم يقول: تسافر مع رفقة مؤمنة. وبعضهم يقول: تسافر مع عدد. وبعضهم يقول: تسافر مع نساء". وهكذا نجد أنهم يذكرون عدة أسباب دون أن نجد نصًّا يدل عليها، بينما نراهم لم يعملوا بما جاء في هذا الأحاديث.
* قال: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ (٢)، وَجَمَاعَةٌ (٣): "وُجُودُ ذِي الْمَحْرَمِ وَمُطَاوَعَتُهُ لَهَا شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ").
الآن العلماء انقسموا إلى قسمين؛ فأبو حنيفة وأحمد ومعهم جمع كثير من السلف يرون: أنه لا يجوز لامرأة أن تسافر إلى الحج إلا مع ذي مَحرم.
وذهب مالك والشافعيُّ (٤) ومَن وافقهما إلى أن ذلك ليس شرطًا، وأنه يجوز للمرأة أن تسافر بغير مَحرم، وأن عدم وجود المحرم لا يكون سببًا مانعًا من أدائها الحج.
стр. 4001
واحتج الذين يقولون بأن المحرم لا يُشترط بقول اللَّه : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، قالوا: والآية أطلقت، فجاء رسول اللَّه ﷺ ، فَفَسَّر الاستطاعة بالزَّاد والراحلة، ولم يفسر ذلك بوجود محرم، فَدَلَّ ذلك على أنَّ المحرم ليس شرطًا، هذا هو الدليل الأول.
واستدلوا ثانيًا بالحديث الذي أخرجه البخاري في "صحيحه" من حديث عدي بن حاتم (١)، والذي قال فيه رسول اللَّه ﷺ وهو يخبر ببعض المغيبات، وهو الذي لا ينطق عن الهوى - قال: "يُوشك أن تَخرج الظَّعينة من الحِيرة تؤم البيت لا جوار لها، ولا تخاف إلا اللَّه"، يقول الرسول ﷺ : "يُوشك"؛ أي: يقرب أن يأتي زمن تخرج فيه المرأة من الحِيرة في وسط العراق إلى مكة، وكم بين الحِيرة ومكة؟! فتخرج المرأة تَؤم البيت لا أحد معها مِن محرم ولا غيره، وإنما تخرج وحيدة، وهي في خروجها على هذه الحالة لا تخاف إلا اللَّه؛ أي: لا تخشى إلا اللَّه؛ أي: أنه لا يَعترضها أحد في طريقها، فهذا كناية عن الأمر الذي سيحصل، وها نحن نعيش ذلك، ألا ترون أن الإنسان يَنطلق من أقصى الشرق من هذه البلاد فيأتي إلى مكة، أو يأتي من أقصى الجنوب، أو من أقصى الشمال، وربما يأتي من البلاد المجاورة ويسير وحده ولا يخشى إلا اللَّه ، وهذه نعمة من نعم اللَّه ، وهذا مما أخبر به رسول اللَّه ﷺ ، وربما نحن الذين نعيش في أمن وفي رغد وفي اطمئنان قد لا نشعر كثيرًا بأهمية هذا الأمن، لكن مَن الذي يعرف قيمة هذا الأمن؟ إنما هو الذي يعيش في خوف، ولذلك نجد أن اللَّه عندما أمر ببناء بيته ربط ذلك بالأمن، واللَّه بين أهمية الأمن فيما يتعلَّق باطمئنان نفس المؤمن؛ لأن اللَّه قال عن
стр. 4002
إبراهيم ﵇ أنه قال: ﴿. . . فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨١ - ٨٢].
إذًا، انظر الفرق بين طائفتين؛ طائفة تعبد اللَّه لا شريك له، وبين طائفة تعبد غير اللَّه وتجعل غيره له شريكًا، فأي الفريقين أحقُّ بالأمن؟ بالطبع: الذين آمنوا ولم يخلطوا إيمانهم بشرك، أولئك لهم الأمن في الآخرة، وهم مهتدون في هذه الحياة الدنيا، ويسيرون على هدى من اللَّه ، وهذا الهدى سيأخذ بأيديهم إلى جنة عرضها السماوات والأرض، هذا هو شأن المتقين المؤمنين، ولذلك نجد أن اللَّه يقول عن بيته: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٦، ٩٧]، ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ وإبراهيم ﵇ قال في دعائه -وهو يُعِدُّ لبناء هذا البيت- كما قال اللَّه عنه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾ [إبراهيم: ٣٥] قبل ذلك قال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ [إبراهيم: ٣٧].
لما قال إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] استجاب اللَّه دعاءه، فقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧].
إذًا، الأمن هو علامة الاطمئنان وعلامة الراحة، ولذلك نجد أننا نعيش في أمن في ذلك المكان؛ لماذا؟ لأننا طبقنا شرع اللَّه ، ولنوازن فقط بهذه المناسبة بين فترة ليست بعيدة وبين ما نحن فيه الآن، فقبل مجيء الملك عبد العزيز ﵀، كان الناس في هذه البلاد في خوف، فلا يأمن الإنسان على نفسه، ولا يأمن على ماله، وربما يسلب جميع ما معه ويُترك يتيه في الصحراء، وربما يلقى به فيموت من الجوع، فتأكله الطير،
стр. 4003
أو تفترسه السباع، هذا كله كان موجودًا، ويأتي إنسان فتعترضه جماعة من الوحوش ومن اللصوص فيسلبون ما معه، وربما قتلوه فجاء ﵀ فأرخى الأمن أولًا، وأزال كل أسباب الخوف؛ لماذا؟ لأنه عندما يتقرب الإنسان إلى الحق تبعد عنه هذه الوحشة، فكان الناس فيما مضى في جفوة، وكانوا متنافرين مختلفين، فنشر بينهم ﵀ العلم، وأرسل الدعاة والمُوجهين، وجعلهم يَهدون بهدي القرآن؛ فكانت النتيجة كثرة أتباعهم، واستقامة نفوسهم، وهداية قلوبهم، فزالت تلك الوحشة والفجوة التي كانت فيهم، وأصبح الكل إخوة متحابين، وهذه نتيجة تطبيق شريعة اللَّه، فانظر إلى قول رسول اللَّه ﷺ : "يُوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة تَؤم البيت لا جوار معها"؛ أي: ليس معها حامي (لا رجل ولا غيره)، وإنما من الذي يَحميها؟ هو اللَّه، فتخاف من اللَّه ، فهذا دليل آخر استدل به هؤلاء.
ثم استدلوا بدليل ثالث قياسي، فقالوا: أليست المرأة لو أسرها العدو، ثم استطاعت أن تنفك من ذلك الأسر وتخرج أليست تسافر وحدها؟ نقول: بلى. قالوا: إذًا؛ لماذا نَمنع المرأة أن تسافر إلى الحج؛ فتلك سفر طاعة، وهذا -أيضًا- سفر طاعة؛ فلماذا نُفرق بينهما؟
أما الفريق الآخر فأدلتهم واضحة وصريحة، وهي نصوص جاءت عن رسول اللَّه ﷺ : "لا يَحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي مَحرم" (١)، وجاء تقييد ذلك في الحج في قصة الرجل الذي اكتتب في غزوة، فأمره الرسول ﷺ أن يَنطلق وراء زوجته؛ فأنكر عليه ﷺ صنيعه، وأمره أن يذهب مع زوجته لِيَحج معها (٢)، ولو لم يكن المحرم واجبًا لما أمره بذلك وأكد عليه، ولا سِيَّما أنه اكتتب للخروج لغزوة ما.
وجواب الذين قالوا: إن المحرم شرط: أجابوا عن تفسير الاستطاعة بالزاد والراحلة يقصد به ﷺ الرجال، فهم الأصل والنِّساء تَبع لهم.
стр. 4004
وبالنسبة للمرأة تضاف لها شروط أُخرى، ثم يقولون: أولًا: هؤلاء الأئمة الذين قالوا: إن المَحرم ليس شرطًا، أليسوا قد أضافوا شروطًا أُخرى، كتخلية الطريق (١)، بمعنى أن يكون الطريق مأمونًا، وأن يتمكن من المسير، وأن يكون عنده وقت يستطيع فيه الوصول لأداء الحج في وقته (٢)،
стр. 4005
والنفقة (١)؛ أي: أن تكون معه نفقة لنفسه ولأولاده -أيضًا- حتى
стр. 4006
لا يَتركهم عالة، وألا يكون عليه دَيْنٌ (١) يستغرق ما عنده من المال، قالوا: هل هذه وردت في الحديث الذي فُسِّرت فيه الاستطاعة بالزاد والراحلة، وقد أضفتم شروطًا اتفقتم على بعضها، واختلفتم في البعض الآخر، وهي ليست في هذا الحديث، فكيف لا تعملون بحديث صحيح صريح في هذه المسألة؟
قالوا: وأمَّا حديث عدي الذي في "الصَّحيح": "يُوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة تؤم البيت لا جوار معها لا تخاف إلا اللَّه"، قالوا: هذا دليل على أن ذلك سيحصل، فالرسول ﷺ يُخبر أنه من الممكن أن تَخرج المرأة من الحيرة إلى مكة دون أن يكون معها أحد، ولا تخاف إلا اللَّه، وليس في الحديث دليل على جواز سفر المرأة بغير مَحرم بدليل أنكم توافقوننا على أن المرأة لا يجوز لها أن تسافر بغير محرم في غير الحج، وهذا الحديث -أيضًا- لم يعرض إلى الحج، وإنما هو مطلق.
стр. 4007
قالوا: وأمَّا قصة المرأة الأسيرة، تلكم التي جاء لصوص هاجموا على المدينة، فأخذوا ناقة رسول اللَّه ﷺ القصواء، ومعها امرأة، ثم لما كانت في جنح الظلام في الليل أخذت تضع يدها على كل بعير فيُخرج صوتًا حتى وضعت يدها على تلكم الناقة، فلم تُخرج صوتًا، فكانت هي القصواء، فجاءت بها إلى رسول اللَّه ﷺ ، وكانت قد نذرت أن تذبحها، فالرسول ﷺ أنكر عليها ذلك، وقال لها: "بِئس ما جَزيتها" (١)، وبَيَّن لها أنه لا نذر فيما لا يَملك ابن آدم، وأنها لا تملك هذه الناقة، وقد مَرَّ بنا قريبًا في أحكام النَّذر.
الفريق الآخر أجاب، فقال: نعم، هذه المرأة التي أُسِرت وأخذت إلى أرض العدو كانت تعيش في خطر محقق، بينما لو وجدت فرصة أو لاحت لها مناسبة واستطاعت أن تفر، فإن الخوف هنا مظنون، فهل تبقى في الخوف المتيقن المتحقق أو أن تُغامر في خوف ربما يقع وربما لا يقع؟ لا شك أن خروج المرأة إنما هي ضرورة، والضرورات تُبيح المحظورات، وقد قال الرسول ﷺ : "لا ضَرَر ولا ضِرَار" (٢)، ومنه أخذ
стр. 4008
العلماء القاعدة المعروفة: "الضَّررُ يُزال" (١)، وطَرَّدُوا عليها جملة من القواعد، "الضرورات تبيح المحظورات" (٢)، فيباح للإنسان أن يأكل من الميتة عند الضرورة، وأن يشرب المُحَرَّم ليدفع غصة؛ لأن مهجة الإنسان وحياته فوق أن يَشرب أو أن يأكل مُحَرَّمًا، وأن يحافظ الإنسان على نفسه من الموت أهم من أن يَترك محرمًا، ولذلك قال كثير من العلماء: مَن كان في فلاة فأدركه الجوع فلم يَجد ما يأكله إلا ميتة، فيجب عليه أن يأكل من هذه الميتة.
لكن لو خَرجت بغير مَحْرَم وحَجَّت؛ فما حكم حَجِّها؟
نرى أنَّ حَجَّها صحيح، لكنها ارتكبت خطأ في هذا المقام.
(وَسَبَبُ الْخِلَافِ: مُعَارَضَةُ الْأَمْرِ بِالْحَجِّ وَالسَّفَرِ إِلَيْهِ؛ لِلنَّهْيِ عَنْ سَفَرِ الْمَرْأَةِ ثَلَاثًا إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ).
قول المؤلف: (ثَلَاثًا)؛ أي: لا يَحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تسافر مسيرة ثلاثة أيام.
стр. 4009
(وَذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ ﵊ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ قَالَ ﵊: "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ") (١).
لكن قد تتفرع هنا مسائل، فمثلًا لو قدر أن امرأة خرجت مع زوجها المحرم، وفي أثناء الطريق توفي زوجها (٢)، هل تستمر في أداء هذه
стр. 4010
الفريضة وفي السفر إليها وتؤديها، أو تعود إلى بلدها، هناك كلام للعلماء، ويقدرونه بالمسافات، لكننا نرى أن الأولى ما دام قد خرجت، وأنها لا تخشى على نفسها أو على عِرضها، فلها في هذه الحالة أن تُواصل هذه الرحلة، واللَّه سيحفظها.
(فَمَنْ غَلَّبَ عُمُومَ الْأَمْرِ قَالَ: تُسَافِرُ لِلْحَجِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ).
الآن الأُمور قد تَغَيَّرت بحمد اللَّه، وتَيَسَّرت السُّبل، وأصبح الإنسان لا يسافر وحده، بل في مجموعة كبيرة ويسافرون في طائرة، أو آلاف من الناس في باخرة، أو في سيارة، أو فيما يُعرف بالحملات، ومع ذلك لا ينبغي -أيضًا- للمرأة أن تسافر إلا ومعها ذو مَحرم؛ لأنه ما خلا رجل بامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما (١)، فالمرأة يُخشى عليها في كل حال، والشيطان يجري من ابن اَدم مَجرى الدَّم (٢)، فلا ينبغي أن يضل المرأة، وإن كانت تُؤَدِّي عبادة من العبادات فلا ترتكب ممنوعًا، وإن كانت تؤدي فريضة الحج.
* قال: (وَمَنْ خَصَّصَ الْعُمُومَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، أَوْ رَأَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ تَفْسِيرِ الِاسْتِطَاعَةِ، قَالَ: لَا تُسَافِرُ لِلْحَجِّ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ.
فَقَدْ قُلْنَا فِي وُجُوبِ هَذَا النُّسُكِ الَّذِي هُوَ الْحَجُّ، وَبِأَيِّ شَيْءٍ يَجِبُ؟ وَعَلَى مَنْ يَجِبُ؟ وَمَتَى يَجِبُ؟).
стр. 4011
إذًا، قد تكلم المؤلف عن الحج، وعلى مَن يجب؟ ومتى يجب؟ وما شروطه؟ وغير ذلك، فالمؤلف قد انتهى من المقدمة المتعلقة بالحج، وسينتقل الآن إلى الشطر الثاني، ألا وهي العمرة.
* قال: (وَقَدْ بَقِيَ مِنْ هَذَا الْبَابِ الْقَوْلُ فِي حُكْمِ النُّسُكِ؛ الَّذِي هُوَ الْعُمْرَةُ).
إذًا، هناك نُسكان، يعني: الإنسان مطالب بأن يؤدي واجبين؛ الأول: وهو الحج، ولا شَكَّ أن تأكيد الحج أعظم من العمرة، يعني: الحج مؤكد تأكيدًا أعظم من تأكيد العمرة؛ لأن الحج لا خلاف فيه بين العلماء، بل أدلة الكتاب والسنة والإجماع كلها مُطبقة على أنه ركن من أركان الإسلام، كما قال رسول اللَّه ﷺ : "بُني الإسلامُ على خمس"، ثم قال آخرها: "حَج بيت اللَّه الحرام" (١)، إذًا، هذا أمر لا خلاف فيه، ولا يجوز للمسلم أن يتساهل في هذا الأمر، أو أن يُفرط فيه.
بعد ذلك النسك الآخر، وهي العمرة، ومن توفيق اللَّه لعباده وتيسيره عليهم أنه لم يشرع للعمرة سفرًا معينًا وحدها، وإنما للإنسان أن يسافر للعمرة لسفر مستقلٍّ، وله إذا سافر إلى الحج أن يَعتمر، وهذا من توفيق اللَّه وتيسيره على عباده ولطفه به وإحسانه إليهم وإنعامه، وما أكثر نعم اللَّه علينا.
إذًا، العمرة ليست شاقة بالنسبة للمؤمنين، فإذا ما هيَّأت نفسك وأتيت للحج فما عليك إلا أن تطوف بالبيت سبعة أشواط، وأن تسعى بين الصفا والمروة كذلك سبعة، وأن تحلق أو تُقصر (٢)، هذه هي العمرة إلى
стр. 4012
جانب السُّنَّة: الصلاة خلف مقام إبراهيم؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا﴾ [البقرة: ١٢٥]، فهذا أمر ميسور سهل لا يَلحق الإنسان منه مشقة، أليست هذه من نعم اللَّه علينا؟
لكن لو قُدَّر أن العمرة تحتاج إلى أن يُضرب لها سفر مُستقل ولا بد، فربما تكون هناك مشقة على الإنسان، فيفني غالب عمره ويبذل ويكد ويكدح حتى آخر حياته، ولا يحصل إلا على مال؛ ليؤدي به الحج، فإذا ما اعتمر مع حجه أصبح الأمر ميسورًا.
وأيضًا من ناحية أُخرى، نحن نرى الآن كثرة المسلمين -بحمد اللَّه- فهم يمثلون ربع العالم، ولكن المهم هنا هو العمل بالإسلام، فهذه نعمة من نعم اللَّه، وها نحن نجتمع في هذا المكان وفي غيره، كلنا نلتقي حول كلمة الإسلام، فلغاتنا مختلفة، وألواننا مختلفة، ولهجاتنا مختلفة، ننتهي إلى شعوب مختلفة؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، إذًا كلنا في البشرية سواء، ما هي الميزة التي نمتاز بها؟ لا أمتاز بأنني عربي، ولا لأنني من قبيلة تميم، أو قبيلة قيس، أو حرب، أو غير ذلك، ولا أمتاز لأنني من بلدة كذا، إنما أمتاز بشيء واحد هو الذي يرفعني
стр. 4013
درجات عند اللَّه ، وهو التقوى، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، فصاحب المنزلة الرفعية والمكانة العالية عند اللَّه هو الذي يتقي اللَّه ويعمل بشرعه، هذا هو الذي له مكانة عالية، أما مهما ارتفع نسب الإنسان فإنَّه لا يُفيده ذلك إذا لم يعمل بشرعه؛ يقول الشاعر (١):
أبي الإسلام لا أبَ لِي سِوَاه … إذا ما افتخروا بقيسٍ أو تميم
إذًا، الفخر كل الفخر أن تفتخر بأنك مسلم، فما أجمل هذه الكلمة! وما أعذبها! وما أحلاها! فعندما تنطق بها بلسانك تقول: أنا مسلم؛ لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨]، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، إذًا الإسلام نعمة من نعم اللَّه ، وهي أعظم نعمة نفتخر بها، وما يأتي بعدها من نعم اللَّه كثيرة، لا تُعد ولا تُحصى، وكلها عظيمة، لكن نعمة الإسلام تأتي في مقدماتها؛ فالحمد للَّه على ذلك، إذًا نحن جمع غفير والحمد للَّه، فلو أن المسلمين تجمعوا في هذه المشاعر لا يُمكن أن يحصل ذلك، وسيترتب عليه أضرار كثيرة أخرى، فكان من توفيق اللَّه أن جعل الحج مرة واحدة، فمن زاد فهو تطوع.
ثم بعد ذلك نأتي إلى موضوع حديثنا، وهو (العمرة)، فالعمرة ليست بمثابة الحج من حيث الدرجة، ومن حيث الحكم، ولذلك اختلف العلماء فيها: أهي واجبة أم هي سنة؟ (٢)، فمن العلماء مَن قال: إنها واجبة.
стр. 4014
ومنهم من قال: إنها سنة، وتعلمون أن الواجب هو الذي إذا فعله الإنسان أُثيب عليه، وإذا تركه عُوقب على تركه، وأن السنة هي التي إذا فَعَلها الإنسان أثيب عليها بها وإذا تركها لا يعاقب عليها، فهناك فرق بين الواجب وغيره، فما حجة الذين يقولون إنها واجبة؟
استدلوا بعدة أدلة ونحن لا نريد أن نَدخل في التفاصيل، لكن من أصرح الأدلة وأصحها بالنسبة للأحاديث: حديث عائشة ﵂ عندما سألت رسول اللَّه ﷺ هل عَلى النِّساء جِهاد؟ ونحن نعلم أن الجهاد من أجل الأعمال؛ لأن المسلم بِه يدافع عن الإسلام، واللَّه؛ ﴿اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ [التوبة: ١١١]، إذًا هناك بيع وشراء، فتقدم نفسك مقابل الثمن، وهو جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للذين آمنوا باللَّه ورسله، إذًا، قال لها الرسول ﷺ : "عليهن جهاد لا قتال فيه: الحَج والعمرة" (١)، فذكر هنا مع الحج العمرة، ومحل الشاهد من هذا الحديث على أن العمرة واجبة هي كلمة: "عليهن"؛ لأن (على) من صيغ الوجوب (٢)؛ أي: يجب عليهن الحج والعمرة،
стр. 4015
فقالوا: هذا دليل على أن العمرة واجبة على المسلم مرة في العمر.
ودليل آخر: لما جاء الصَّبي بن معبد إلى عمر بن الخطاب ﵁ قال له: "إني أسلمتُ وإني وجدت أن الحج والعمرة مكتوبين عليَّ، فأهللتُ بهما، فقال له عمر ﵁: هُدِيت إلى سنة نبيك ﷺ " (١).
فهذه نعمة عظيمة حيث يُخبر هذا الرجلُ عمرَ ﵁ بأنه دخل في الإسلام، ثم بعد ذلك يُخبره بأنه وجد أن الحج والعمرة مكتوبين عليه، أي: مفروضين ومكتوبين عليه، ثم بَيَّن أنه أَهَلَّ بهما؛ أي: أحرم بهما، فبم أجابه عمر ﵁؟ لو لم تكن العمرة واجبة لأرشده عمر إلى الطريق السوي، لقال له: الحج مكتوب والعمرة سنة، لكنه قال له: "هديت إلى سنة نبيك ﷺ ". إذًا، الحج والعمرة من سنن الرسول ﷺ ، ونعلم أن تأخير البيان عن وقت الحاجة له لا يجوز (٢)، فلو كان عمر ﵁ يرى أن العمرة ليست واجبة لأرشد الرجل إلى ذلك.
стр. 4016
وفي قصة أبي رَزِينٍ أيضًا عندما جاء إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "يا رسول اللَّه، إنَّ أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن"، يعني: لا يستطيع أن يحج ولا أن يعتمر ولا أن يسافر؛ أفأحج عنه وأعتمر؟ فقال له الرسول ﷺ : "حُجَّ عن أبيك واعتمر" (١)، أيضًا هذا دليل ثاني.
ومن الأدلة أيضًا: حديث عمر بن الخطاب ﵁ المشهور الذي جاء فيه جبريل إلى رسول اللَّه ﷺ ، وفيه قال عمر ﵁: "بينما نحن جلوس عند رسول اللَّه إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يعرفه منا أحد، فجلس إلى النبي ﷺ ؛ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع يديه على فخذيه"، ثم سأل رسول اللَّه ﷺ عن الإسلام. . .، الحديث المتفق عليه (٢)، وفي آخر جواب النبي ﷺ عن الإسلام: "وأن تَحج البيت"، في رواية ليست في "الصَّحيحين" ولكنها صحيحة: "وأن تحج
стр. 4017
وتعتمر" (١)، وهذا محل الشاهد، وهذا دليل رابع.
وهناك أدلة كثيرة؛ منها: قول اللَّه : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولذلك جاء في "صحيح البخاري" تعليقًا: يقول عبد اللَّه بن عباس ﵁: "إِنَّهَا لَقَرِينَتُهَا فِي كِتَاب اللَّهِ" (٢)، يعني: مُلازِمة له، يعني: في قول اللَّه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة: ١٩٦]، لكن العلماء أجابوا عن ذلك بأنه لا دلالة في ذلك على الوجوب؛ لوجود فارق بين أن تُتم الشيء وبين أن تُوجبه، قالوا: ففي قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ لو أن إنسانًا أدى الحج الفرض، ثم حج مرة أُخرى فيجب عليه أن يتم هذا النسك إذا دخل فيه، مع أنه ليس في الأصل مفروض عليه، ولو دخلت في صلاة تطوع فيجب عليك أن تتمها وألا تقطعها بسبب من الأسباب وهكذا. إذًا الأدلة هي تلكم الأحاديث التي أوردناها.
وأما الذين قالوا: إن العمرة غير واجبة، قالوا: الأدلة الصحيحة كالحديث المتفق عليه في قصة جبريل عندما جاء إلى رسول اللَّه ﷺ ليس فيه أن تعتمروا، وإنما فيه ذِكر الحج، وفي حديث جابر: "أن رجلًا سأل رسول اللَّه ﷺ عن العمرة: أهي واجبة؟ قال: "لا، وأن تطوَّع أفضل لك" (٣)، وفي رواية: "خير لك" (٤).
* قال: (فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: إِنَّهُ وَاجِبٌ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ (٥)، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنَ
стр. 4018
الصَّحَابَةِ وَابْنِ عُمَرَ (١) وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ: "هِيَ سُنَّةٌ" (٢).
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: "هِيَ تَطَوُّعٌ" (٣)).
يعني: لا بُعد بين قولي الإمامين مالك وأبي حنيفة، فقولهما مُتقارب، سواء قلنا بأنهما سنة أو تطوع، فالمراد عندهما: أنها ليست بواجبة.
(وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ (٤)، فَمَنْ أَوْجَبَهَا احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]).
وقلنا: إن الاحتجاج بهذا الدليل غير مُسَلَّم، ولكن أصلح دليل استدلوا به هو حديث عائشة ﵂ عندما سألت رسول اللَّه ﷺ : هل على النساء جِهاد؟ فقال: "عليهن جهاد لا قتال فيه: الحَج والعمرة" (٥)، وكذلك ما جاء في سياق الوجوب من الأدلة التي ذكرناها؛ كأثر الصبي بن معبد عندما جاء إلى عمر ﵁، وحديث أبي رزين، وغير ذلك من الأدلة التي وردت منها، ومنها الرواية التي ليست في "الصَّحيحين" من حديث عمر بن الخطاب ﵁ في قصة مجيء جبريل إلى الرسول ﷺ .
стр. 4019
(وَبِآثَارٍ مَرْوِيَّةٍ، مِنْهَا: مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ حَسَنُ الْوَجْهِ أَبْيَضُ الثِّيَابِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا الْإِسْلَامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ شَهْرَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ وَتَعْتَمِرَ، وَتَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ" (١)).
الشاهد: "وتَحج وتَعتمر" في هذه الرواية ورد ذِكر العُمرة، فكونها فُرضت مع الحج، مع أنه أجاب عن أركان الإسلام، وفي ذلك دليل على وجوبه.
(وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّهُ: "لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]).
عبد الرزاق: هو عبد الرَّزاق الصَّنعاني الإمام الجليل، صاحب المُصَنِّف المَعروف.
(قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بِاثْنَتَيْنِ حِجَّةٌ وَعُمْرَةٌ، فَمَنْ قَضَاهُمَا فَقَدْ قَضَى الْفَرِيضَةَ" (٢)).
وقد تكَلَّم العلماء عن ذلك، وقالوا: إنه مرسل.
(وَرُوِيَ عَنْ زيدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: "الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضتَان لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِمَا بَدَأْتَ" (٣).
стр. 4020
وجاء عن ابن عبَّاس في البخاري -أيضًا- تعليقًا أنها قرينة الحَجِّ (١).
(وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "الْعُمْرَةُ وَاجِبَةٌ" (٢).
وَبَعْضُهُمْ يَرْفَغهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ .
وَأَمَّا حُجَّةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي وَهُمُ الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّهَا لَيْسَتْ وَاجِبَةً، فَالْأَحَادِيثُ الْمَشْهُورَةُ الثَّابِتَةُ الْوَارِدَةُ فِي تَعْدِيدِ فَرَائِضِ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَذْكُرَ مَعَهَا الْعُمْرَةَ، مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: "بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ" (٣).
فإنه ذكر في آخرِه الحَجِّ: "وحَج بيت اللَّه"، دون أن يذكر معه العمرة، لكن العمرة -كما قلنا- لا تصير إلى درجة الحج من حيث الوجوب، فالحج ركن وفرض، وأما العمرة -فأكثر ما قيل فيها-: إنها واجبة.
(ذَكَرَ الْحَجَّ مُفْرَدًا. وَمِثْلُ حَدِيثِ السَّائِلِ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: "وَأَنْ يَحُجَّ الْبَيْتَ" (٤). وَرُبَّمَا قَالُوا: إِنَّ الْأَمْرَ بِالْإِتْمَامِ لَيْسَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ).
يعني: الأعرابي الذي جاء إلى رسول اللَّه ﷺ سائلًا: ماذا فرض اللَّه عليَّ من الإسلام؟ فذكر له الرسول ﷺ ما ذكر، وفي بعض الروايات جاء ذِكر الحج، ولم تَرِد العمرة.
стр. 4021
* قال: (لِأَنَّ هَذَا يَخُصُّ السُّنَنَ وَالْفَرَائِضَ، أَعْنِي: إِذَا شَرَعَ فِيهَا أَنْ تَتِمَّ وَلَا تُقْطَعَ).
يعني: مراد المؤلف: أن هناك فرقًا بين أن تبدأ عبادة وبين أن تتم، فقد تكون العبادة غير واجبة ويلزمك إتمامها، كما هو الحال بالنسبة للسُّنن؛ كحج التطوع إذا دخلتَ فيه، فإنه يجب عليك أن تُتمه، إذًا، الإتمام ليس دليلًا صريحًا على وجوب العمرة إنما الصريح هو الحديث الذي ذكرناه وما يُؤيده.
(وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ أَيْضًا -أَعْنِي: مَنْ قَالَ: إِنَّهَا سُنَّةٌ- بِآثَارٍ).
هذه الآثار التي سيذكرها ضعيفة.
(مِنْهَا؛ حَدِيثُ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَأةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: "سَأَلَ رَجُل النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الْعُمْرَةِ؛ أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ قَالَ: لَا، وَلَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَكَ" (١)).
وفي بعض الروايات: "وأن تَطَّوع خيرٌ لك" (٢)، وفي بعضها: "وأن تَطوع أفضل لك" (٣)، وهذا فيه كلام معروف، فراويان من رُواته ضعيفان.
(قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَلَيْسَ هُوَ حُجَّةً فِيمَا انْفَرَدَ بِه) (٤).
قال أبو عمر ابن عبد البر في كتابه "الاستذكار"، أبو عمر الإمام المالكي الجليل المعروف، صاحب كتاب "الاستذكار" و"التمهيد"، وهما في شرح "الموطأ"، أحدهما عني بالسَّند أكثر وهو "التمهيد"، والآخر
стр. 4022
"الاستذكار"، وهو الذي يعتمد عليه المؤلف في نقله، وقد عني فيه بالأحكام الفقهية مع عنايته -أيضًا- بالدليل.
* قال: (وَرُبَّمَا احْتَجَّ مَنْ قَالَ: "إِنَّهَا تَطَوُّعٌ"، بِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ الْحَنَفِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْحَجُّ وَاجِبٌ، وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ" (١)، وَهُوَ حَدِيث مُنْقَطِعٌ فَسَبَبُ الْخِلَافِ فِي هَذَا: تَعَارُضُ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَتَرَدُّدُ الْأَمْرِ بِالتَّمَامِ بَيْنَ أَنْ يَقْتَضِيَ الْوُجُوبَ أَمْ لَا يَقْتَضِيهِ).
كما ذكر المؤلف.
وبهذا ننتهي على أن الأَوْلَى من بين القولين هو أن العمرة واجبة، وأنه لا ينبغي التساهل فيها، وأنه لا مشقة في أدائها، فللمسلم أن يؤديها أثناء أدائه لركن الإسلام الخامس، وهو الحج.
قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
(الْقَوْلُ الأول فِي الْجِنْسِ الثَّانِي)
وَهُوَ تَعْرِيفُ أَفْعَالِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ فِي نَوْعٍ مِنْهَا، وَالتُّرُوكُ الْمُشْتَرَطَةُ فِيهَا).
المؤلف الآن ينتقل إلى موضوع جديد، وهو ما يتعلَّق بالأفعال المرتبطة بالحج وبالعمرة، وبالأمور التي يلزم الإنسان أن يتركها، ولكنه سيبدأ أولًا بالمقدمة، ثم بعد ذلك يدخل في الأفعال والتروك، ويقصد بالتروك التي تُعرف فقهًا بمحظورات الإحرام (٢).
стр. 4023
(وَهَذِهِ الْعِبَادَةُ -كَمَا قُلْنَا- صِنْفَانِ: حَجٌّ وَعُمْرَةٌ).
إذًا، العبادة -كما هو معلوم التي يريد أن يتكلم عنها-: صنفان، الحج الذي هو ركن، والعمرة التي رأينا الاختلاف فيها، وفيه تشابه في بعض الأعمال؛ لأن العمرة إنما تقوم على أركان ثلاثة (١) يَسبقها قبل ذلك أيضًا النية، فأركان العمرة: الدخول في النسك عند الميقات، عندما يُحرم الإنسان، ثم يطوف، ثم يسعى، ثم يحلق أو يقصر، وهذه أركان العمرة، وهي ميسورة وسهلة، وهي -أيضًا- موجودة في الحج؛ لأن الإنسان يُحرم للحج، ويطوف، ويسعى، ويحلق أو يُقَصِّر.
* قال: (وَالْحَجُّ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: إِفْرَادٍ، وَتَمَتُّعٍ، وَقِرَانٍ).
الحج ثلاثة أصناف، وسيتحدث عنها المؤلف بشيء من التفصيل، وسنزيد نحن بيانًا وتفصيلًا أكثر، فالإفراد: هو أن يُحرم المسلم بالحج مُفردًا؛ أي: يقول: لبَّيك حَجًّا، أو يقول: اللهم لَبَّيك حَجًّا، هذا هو الإفراد.
(وَتَمَتُّعٍ)، والتمتع: هو أن يُحرم بالعمرة مُتمتعًا بها إلى الحج؛ أي: إذا وصل الميقات واغتسل وتنظف وتطيب في بدنه لا في ملابسه، كما هو المعروف من السنة، إن لم يكن قد تنظف ولبس قبل أن يَصل إلى الميقات، ودخل في النسك، فإنَّه عند دخوله في النسك يقول المتمتع: لبيك عمرة، ثم إذا ما وصل إلى مكة، فإنه يطوف بالبيت سبعًا، ويسعى بين الصفا والمروة سبعًا، ثم إن كان قريبًا من الحج فالأَوْلَى أن يُقصر حتى لا يزول شعره؛ لأنه سيحتاج إليه بعد ذلك في الحج، فإذا ما قَصَّر حَلَّ بالإحرام، فإذا ما جاء اليوم الثامن حِينئذ يُحرم من مكانه الذي كان فيه من بيته من داخل مكة من أي مكان فيه، ولا يَخرج خارج مكة؛ لأن الإحرام للحج إنما يكون من مكة، والمطلوب في الحج والعمرة معًا: أن يجتمع في كل واحد منهما الحِلّ والحَرم، ولذلك لا ينبغي للمسلم إذا أراد
стр. 4024
أن يُحرم بالعمرة وهو بمكة أن يُحرم من مكة، وإنما يَخرج خارجها؛ إمَّا أن يخرج إلى التنعيم، أو غير ذلك من الأماكن، ثم بعد ذلك يأتي لِيَجمع بين الحِلِّ والحَرَم.
وقد يسأل سائل فيقول: لماذا يُحرم بالحج من مكة؟
فالجواب: لأنه بعد ذلك سيمر بمكان ليس من الحَرَام، ألا وهو عرفات، فعرفات ليست من الحرم، وإنما هي خارجه، وبذلك سيجمع بين الحل والحرم.
(وَقِرَانٍ)، أمَّا القِرَان فهو أن يُحرم بالحج والعمرة معًا، فيقول: لَبَّيك حَجًّا وعمرة، أو: اللهم لبيك عمرة وحجًّا، فيجمعهما معًا، وهذا إذا وصل إلى مكة فإنه يطوف طواف القدوم، ويسعى كالمفرد تمامًا، فلو سعى المفرد أو القارن لكفاه عن سعي الحج، ولا يحتاج إلى أن يُعيده، فمثلًا يوم النحر وسينزل إلى مكة ليطوف طواف الإفاضة في هذه الحالة إن كان القارن أو المُفرد قد سعى عندما قَدِم إلى مكة ففي هذه الحالة يكفيه، أمَّا المتمتع فعلى الرأي الصحيح لا بدَّ له مِن سعي آخر؛ لأن الأول لعمرته، والثاني: إنَّما هو لحجه.
* قال: (وَهِيَ كُلُّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى أَفْعَالٍ مَحْدُودَةٍ).
وكلها تشتمل على أفعال محدودة، والفرق بينها يسير.
(فِي أَمْكِنَةٍ مَحْدُودَةٍ).
يعني مثلًا: المتمتع والقارن يلزم كلّ واحد منهما دمٌ، أما المفرد فلا دم عليه، قال:
(وَأَوْقَاتٍ مَحْدُودَةٍ. وَمِنْهَا فَرْضٌ، وَمِنْهَا غَيْرُ فَرْضٍ).
الحج منه ما هو أركان (١)؛ كنية الدخول في النسك، والوقوف
стр. 4025
بعرفة، والطواف، والسعي على خلاف فيه، ومنها ما هو واجب؛ كالوقوف بعرفة إلى غروب الشمس، وكذلك المبيت بالمزدلفة، فهناك قول يقول: إن المبيت بالمزدلفة ركن. وقيل: واجب. وقيل: سنة، وهذا نترك بيانه لِمحله إن شاء اللَّه.
* قال: (وَعَلَى تُرُوكٍ تُشْتَرَطُ فِي تِلْكَ الْأَفْعَالِ).
كذلك هناك أُمور يجب على المسلم أن يَتركها، ومنها: ليس له أن
стр. 4026
يَلبس مَخيطًا، ولا أن يُغطي رأسه، ولا أن يقلم أظفاره بعد أن يدخل في النسك، ولا أن يأخذ من شعره، وكذلك ليس له أن يَتطيب، ولا أن يَصيد، ولا أن يعقد النكاح، ولا أن يتزوج. وهذه تُعرف بمحظورات الإحرام (١)، وسنبينها إن شاء اللَّه واحدًا واحدًا.
* قال: (وَلكُلٍّ مِنْ هَذِهِ أَحْكَامٌ مَحْدُودَةٌ، إِمَّا عِنْدَ الْإِحْلَالِ بِهَا، وَإِمَّا عِنْدَ الطَّوَارِئِ الْمَانِعَةِ مِنْهَا).
عند الإخلال بها؛ أي: لو قُدِّر أن إنسانًا أحرم، ثم بعد ذلك لَبِس مَخيطًا متعمدًا، أو مثلًا حلق شعره لوجود أذى، فإنه يلزمه شاة؛ أي: يذبح كبشًا، إذًا هذا خلل حصل منه، وأحيانًا يضطره ظرف إلى ذلك، يعني: يحبسه حابس ونحوه، فإن كان قد قال: "فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني" يتحلل ولا شيء عليه، كأن يُصيبه مرض، أو يُمنع من الوصول إلى مكة، أو تتعطل السيارة التي معه، ولا يستطيع أن يصل إلى مكة، ففي هذه الحالة يتحلَّل، فإن كان قد وضع المخيط فلا شيء عليه، وإن لم يكن وضعه فيلزمه دمًا يذبحه في مكانه إن وجد مَن يأكله، وإلا ينقله إلى مكان آخر.
* قال: (فَهَذَا الْجِنْسُ يَنْقَسِمُ أَوَّلًا إِلَى الْقَوْلِ فِي الْأَفْعَالِ، وَإِلَى الْقَوْلِ فِي التُّرُوكِ.
وَأَمَّا الْجِنْسُ الثَّالِث فَهُوَ الَّذِي يَتَضَمَّنُ الْقَوْلَ فِي الْأَحْكَامِ فَلْنَبْدَأْ بِالْأَفْعَالِ، وَهَذِهِ مِنْهَا مَا تَشْتَرِكُ فِيهِ هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ الْأَنْوَاعُ مِنَ النُّسُكِ).
ما هي الأربعة أنواع؟
الإفراد - التمتع - القران - العمرة.
стр. 4027
(أَعْنِي: أَصْنَافَ الْحَجِّ الثَّلَاثَ، وَالْعُمْرَةَ، وَمِنْهَا مَا يَخْتَصُّ بِوَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْهَا).
وهناك أُمور يختص بها أحدهم دون الآخر، كما ذكرنا أنَّ الهدي إنما يختص بالمتمتع والقارن، أما المفرد فلا، والسعي كذلك مرة أُخرى يختص به المتمتع.
* قال: (فَلْنَبْدَأْ مِنَ الْقَوْلِ فِيهَا بِالْمُشْتَرَكِ، ثُمَّ نَصِيرُ إِلَى مَا يَخُصُّ وَاحِدًا مِنْهَا).
يريد المؤلف أن يبدأ أولًا بالأمور المشتركة، فالإحرام -مثلًا- مُشتركًا بين هذه الأنساك الأربعة، وهذا هو الأحسن: أن يَبدأ بالأمور التي تَجمع هذه الأربعة، ثم بعد ذلك يَأخذ ما يَخص كل واحد منها.
* قال: (فَنَقُولُ: إِنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ أَوَّلُ أَفْعَالِهِمَا الْفِعْلُ الَّذِي يُسَمَّى الْإِحْرَامَ).
إذًا، أول ما يَبدأ الإنسان به إنَّما هو أن يُحرم، وليس الإحرام كما يفهمه بعض الناس من المسلمين بأن يتجرد من المَخيط ويلبس إزارًا ورداء، كما أمر الرسول ﷺ : "وليلبس إزارًا ورداء أبيضين" (١)، نعم هذه بداية، لكن الإحرام هو نية الدخول في النُّسك من هنا بدأ الإحرام، وإلا الاغتسال أو اللبس هذا لك أن تفعله في بيتك.
قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
(الْقَوْلُ فِي شُرُوطِ الْإِحْرَامِ
وَالْإِحْرَامُ شُرُوطُهُ الْأُوَلُ: الْمَكَانُ، وَالزَّمَانُ).
المقصود بالإحرام بمعنى التحريم؛ أي: ما يَحرم على الإنسان أن يفعله
стр. 4028
بعد التلبيس، أليس للإنسان أن يأخذ من شعره، هذا مما أباحه اللَّه له، وله أن يقص أظفاره، بل هذا من السُّنة (١)، وله -أيضًا- أن يَلبس ما يشاء من الثياب، وله أن يَتطيب الطيب مِمَّا حُبِّب إلى رسول اللَّه ﷺ ، كما قال: "حُبِّب إليَّ مِن دنياكم النِّساء والطِّيب، وجُعلت قرة عيني في الصلاة" (٢)، كذلك الصيد ما لم تكن في الحرم مباح لك، لكنك بعد أن تتلبس بهذه العبادة وتلتزم بها حينئذ حرمت عليك أمور كانت مباحة لك، فعليك ألا تتجاوز هذه الحدود، كما قال اللَّه : ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾.
[القول في ميقات المكان]
* قال: (أَمَّا الْمَكَانُ: فَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى مَوَاقِيتُ الْحَجِّ).
المؤلف سيتكلم عن مواقيت الحج، ومواقيت الحج تنقسم إلى قسمين: مواقيت مكانية، ومواقيت زمنية.
المواقيت المكانية: هي المواضع التي يُحرم منها الحاج أو المعتمر.
والمواقيت الزمنية: هي زمن الحج، وليس معنى ذلك - عندما نقول: زمن الحج (٣)، التي هي الأشهر الثلاثة على قولٍ، أو شوال وذو القعدة
стр. 4029
وعشر من ذي الحجة أو تسع، على قول المالكية، والأرجح: الأشهر الثلاثة - ليس معنى ذلك أن هذه الأعمال لنا أن ننقلها ونضعها في كل يوم من الأيام، فتلك أُمور ضبطت حج رسول اللَّه ﷺ ، وبيَّن لنا عن طريق القول والفعل، فعن طريق القول: الأحاديث التي مرت معنا، وسيمر بنا غيرها، ومن القول: قوله ﷺ : "خُذُوا عَنِّي مَناسككم" (١).
* قال: (فَلْنَبْدَأْ بِهَذَا فَنَقُولُ: إِنَّ الْعُلَمَاءَ بِالْجُمْلَةِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْمَوَاقِيتَ الَّتِي مِنْهَا يَكُونُ الْإِحْرَامُ) (٢).
المواقيت (٣): جمع ميقات، وليس المراد بذلك: الوقت؛ لأن الوقت يُجمع على أوقات، تقول: وقت الصلاة، وأوقات الصلوات، وأما الميقات فيجمع على مواقيت، فكما أن للصلاة وقتًا، فكذلك -أيضًا-
стр. 4030
هناك للحج وقت، وهذا الوقت هو الوقت الزمني، وهناك مواقيت ومواضع محددة لا يجوز للمسلم أن يتجاوزها في إحرامه.
* قال: (أَمَّا لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ: فَذُو الْحُلَيْفَةِ).
وَقَّت الرسولُ ﷺ لنا هذه المواقيت، ولم يدع ذلك لاجتهادنا؛ لأن تلكم المواقيت إنما تتعلق بعبادة هي ركن من أركان الإسلام، فأراد رسول اللَّه ﷺ أن يرسم لنا هذا الطريق ولا يتركنا ليتوزع اجتهادنا؛ فنختلف حول تحديد ذلك، فوضع لنا تلك المواقيت، كما في حديث عبد اللَّه بن عباس ﵄ المتفق عليه: "وَقَّتَ رسول اللَّه ﷺ لأهل المدينة: ذا الحُليفة، ولأهل الشام: الجحفة، ولأهل نجد: قرن يلملم" (١)، وفي حديث آخر زيادة: "ولأهل العراق: ذات عرق" (٢)، فهذه مواقيت خمسة، والخامس فيه اختلاف: هل الذي وَقَّته هو عمر بن الخطاب ﵁ لمَّا لم يبلغه توقيت الرسول ﷺ ، ثم بلغه أن الرسول ﷺ وَقَّته، فصادف ما فعله عمر موافقًا لما حَدَّده رسول اللَّه ﷺ ، أو وقته النبي ﷺ ، وستأتي الإشارة إلى ذلك إن شاء اللَّه.
وأيضًا في حديث عبد اللَّه بن عمر المتفق عليه: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "يُهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجُحفة، وأهل نجد مِن قرن -يعني قرن المنازل- وأهل اليمن مِن يَلملم" (٣)، ثم قال رسول اللَّه ﷺ في حديث عبد اللَّه بن عباس الأول: "هُنَّ لهن ولمَن أَتَى عليهن مِن غير أهلهن مِمَّن أراد الحج والعمرة، ومن كان مِنزله دون ذلك فَمِن حيث أَهَلَّ حتى أهلُ مكة (٤) يهلون -أي: ينشئون من حيث كانوا- من مكة".