يَلبس مَخيطًا، ولا أن يُغطي رأسه، ولا أن يقلم أظفاره بعد أن يدخل في النسك، ولا أن يأخذ من شعره، وكذلك ليس له أن يَتطيب، ولا أن يَصيد، ولا أن يعقد النكاح، ولا أن يتزوج. وهذه تُعرف بمحظورات الإحرام (١)، وسنبينها إن شاء اللَّه واحدًا واحدًا.
* قال: (وَلكُلٍّ مِنْ هَذِهِ أَحْكَامٌ مَحْدُودَةٌ، إِمَّا عِنْدَ الْإِحْلَالِ بِهَا، وَإِمَّا عِنْدَ الطَّوَارِئِ الْمَانِعَةِ مِنْهَا).
عند الإخلال بها؛ أي: لو قُدِّر أن إنسانًا أحرم، ثم بعد ذلك لَبِس مَخيطًا متعمدًا، أو مثلًا حلق شعره لوجود أذى، فإنه يلزمه شاة؛ أي: يذبح كبشًا، إذًا هذا خلل حصل منه، وأحيانًا يضطره ظرف إلى ذلك، يعني: يحبسه حابس ونحوه، فإن كان قد قال: "فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني" يتحلل ولا شيء عليه، كأن يُصيبه مرض، أو يُمنع من الوصول إلى مكة، أو تتعطل السيارة التي معه، ولا يستطيع أن يصل إلى مكة، ففي هذه الحالة يتحلَّل، فإن كان قد وضع المخيط فلا شيء عليه، وإن لم يكن وضعه فيلزمه دمًا يذبحه في مكانه إن وجد مَن يأكله، وإلا ينقله إلى مكان آخر.
* قال: (فَهَذَا الْجِنْسُ يَنْقَسِمُ أَوَّلًا إِلَى الْقَوْلِ فِي الْأَفْعَالِ، وَإِلَى الْقَوْلِ فِي التُّرُوكِ.
وَأَمَّا الْجِنْسُ الثَّالِث فَهُوَ الَّذِي يَتَضَمَّنُ الْقَوْلَ فِي الْأَحْكَامِ فَلْنَبْدَأْ بِالْأَفْعَالِ، وَهَذِهِ مِنْهَا مَا تَشْتَرِكُ فِيهِ هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ الْأَنْوَاعُ مِنَ النُّسُكِ).
ما هي الأربعة أنواع؟
الإفراد - التمتع - القران - العمرة.
стр. 4027
(أَعْنِي: أَصْنَافَ الْحَجِّ الثَّلَاثَ، وَالْعُمْرَةَ، وَمِنْهَا مَا يَخْتَصُّ بِوَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْهَا).
وهناك أُمور يختص بها أحدهم دون الآخر، كما ذكرنا أنَّ الهدي إنما يختص بالمتمتع والقارن، أما المفرد فلا، والسعي كذلك مرة أُخرى يختص به المتمتع.
* قال: (فَلْنَبْدَأْ مِنَ الْقَوْلِ فِيهَا بِالْمُشْتَرَكِ، ثُمَّ نَصِيرُ إِلَى مَا يَخُصُّ وَاحِدًا مِنْهَا).
يريد المؤلف أن يبدأ أولًا بالأمور المشتركة، فالإحرام -مثلًا- مُشتركًا بين هذه الأنساك الأربعة، وهذا هو الأحسن: أن يَبدأ بالأمور التي تَجمع هذه الأربعة، ثم بعد ذلك يَأخذ ما يَخص كل واحد منها.
* قال: (فَنَقُولُ: إِنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ أَوَّلُ أَفْعَالِهِمَا الْفِعْلُ الَّذِي يُسَمَّى الْإِحْرَامَ).
إذًا، أول ما يَبدأ الإنسان به إنَّما هو أن يُحرم، وليس الإحرام كما يفهمه بعض الناس من المسلمين بأن يتجرد من المَخيط ويلبس إزارًا ورداء، كما أمر الرسول ﷺ : "وليلبس إزارًا ورداء أبيضين" (١)، نعم هذه بداية، لكن الإحرام هو نية الدخول في النُّسك من هنا بدأ الإحرام، وإلا الاغتسال أو اللبس هذا لك أن تفعله في بيتك.
قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
(الْقَوْلُ فِي شُرُوطِ الْإِحْرَامِ
وَالْإِحْرَامُ شُرُوطُهُ الْأُوَلُ: الْمَكَانُ، وَالزَّمَانُ).
المقصود بالإحرام بمعنى التحريم؛ أي: ما يَحرم على الإنسان أن يفعله
стр. 4028
بعد التلبيس، أليس للإنسان أن يأخذ من شعره، هذا مما أباحه اللَّه له، وله أن يقص أظفاره، بل هذا من السُّنة (١)، وله -أيضًا- أن يَلبس ما يشاء من الثياب، وله أن يَتطيب الطيب مِمَّا حُبِّب إلى رسول اللَّه ﷺ ، كما قال: "حُبِّب إليَّ مِن دنياكم النِّساء والطِّيب، وجُعلت قرة عيني في الصلاة" (٢)، كذلك الصيد ما لم تكن في الحرم مباح لك، لكنك بعد أن تتلبس بهذه العبادة وتلتزم بها حينئذ حرمت عليك أمور كانت مباحة لك، فعليك ألا تتجاوز هذه الحدود، كما قال اللَّه : ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾.
[القول في ميقات المكان]
* قال: (أَمَّا الْمَكَانُ: فَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى مَوَاقِيتُ الْحَجِّ).
المؤلف سيتكلم عن مواقيت الحج، ومواقيت الحج تنقسم إلى قسمين: مواقيت مكانية، ومواقيت زمنية.
المواقيت المكانية: هي المواضع التي يُحرم منها الحاج أو المعتمر.
والمواقيت الزمنية: هي زمن الحج، وليس معنى ذلك - عندما نقول: زمن الحج (٣)، التي هي الأشهر الثلاثة على قولٍ، أو شوال وذو القعدة
стр. 4029
وعشر من ذي الحجة أو تسع، على قول المالكية، والأرجح: الأشهر الثلاثة - ليس معنى ذلك أن هذه الأعمال لنا أن ننقلها ونضعها في كل يوم من الأيام، فتلك أُمور ضبطت حج رسول اللَّه ﷺ ، وبيَّن لنا عن طريق القول والفعل، فعن طريق القول: الأحاديث التي مرت معنا، وسيمر بنا غيرها، ومن القول: قوله ﷺ : "خُذُوا عَنِّي مَناسككم" (١).
* قال: (فَلْنَبْدَأْ بِهَذَا فَنَقُولُ: إِنَّ الْعُلَمَاءَ بِالْجُمْلَةِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْمَوَاقِيتَ الَّتِي مِنْهَا يَكُونُ الْإِحْرَامُ) (٢).
المواقيت (٣): جمع ميقات، وليس المراد بذلك: الوقت؛ لأن الوقت يُجمع على أوقات، تقول: وقت الصلاة، وأوقات الصلوات، وأما الميقات فيجمع على مواقيت، فكما أن للصلاة وقتًا، فكذلك -أيضًا-
стр. 4030
هناك للحج وقت، وهذا الوقت هو الوقت الزمني، وهناك مواقيت ومواضع محددة لا يجوز للمسلم أن يتجاوزها في إحرامه.
* قال: (أَمَّا لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ: فَذُو الْحُلَيْفَةِ).
وَقَّت الرسولُ ﷺ لنا هذه المواقيت، ولم يدع ذلك لاجتهادنا؛ لأن تلكم المواقيت إنما تتعلق بعبادة هي ركن من أركان الإسلام، فأراد رسول اللَّه ﷺ أن يرسم لنا هذا الطريق ولا يتركنا ليتوزع اجتهادنا؛ فنختلف حول تحديد ذلك، فوضع لنا تلك المواقيت، كما في حديث عبد اللَّه بن عباس ﵄ المتفق عليه: "وَقَّتَ رسول اللَّه ﷺ لأهل المدينة: ذا الحُليفة، ولأهل الشام: الجحفة، ولأهل نجد: قرن يلملم" (١)، وفي حديث آخر زيادة: "ولأهل العراق: ذات عرق" (٢)، فهذه مواقيت خمسة، والخامس فيه اختلاف: هل الذي وَقَّته هو عمر بن الخطاب ﵁ لمَّا لم يبلغه توقيت الرسول ﷺ ، ثم بلغه أن الرسول ﷺ وَقَّته، فصادف ما فعله عمر موافقًا لما حَدَّده رسول اللَّه ﷺ ، أو وقته النبي ﷺ ، وستأتي الإشارة إلى ذلك إن شاء اللَّه.
وأيضًا في حديث عبد اللَّه بن عمر المتفق عليه: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "يُهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجُحفة، وأهل نجد مِن قرن -يعني قرن المنازل- وأهل اليمن مِن يَلملم" (٣)، ثم قال رسول اللَّه ﷺ في حديث عبد اللَّه بن عباس الأول: "هُنَّ لهن ولمَن أَتَى عليهن مِن غير أهلهن مِمَّن أراد الحج والعمرة، ومن كان مِنزله دون ذلك فَمِن حيث أَهَلَّ حتى أهلُ مكة (٤) يهلون -أي: ينشئون من حيث كانوا- من مكة".
стр. 4031
فقد رسم الرسول ﷺ لنا طريقًا سويًّا محددًا لا يتطرق إليه أي شبهة أو أي اختلاف.
فوقت رسول اللَّه ﷺ لأهل المدينة: ذا الحليفة، فما هو ذو الحليفة؟
هو هذا الذي يعرف الآن بأبيار علي، لكن لماذا سُمِّي بذي الحليفة (١)؟
كلمة (حُليفة) في لغة العرب: إنما هي تصغير حَلْفَا، وهي نبت معروف يكثر في ذلك المكان، فحليفة حذفت الألف، وأقيمت التاء مكانها؛ لأنها علامة التأنيث، فحليفة تصغير حلف، والحلفا: إنما هو شجر معروف يَكثر في ذلك المكان؛ فنسب إليه لشهرته بهذا النبت المعروف، وهو يُعرف الآن بأبيار عليٍّ، ويقال: إن لعلي بن أبي طالب ﵁ بئرًا في هذا المكان.
فالرسول ﷺ وَقَّتَ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام ومثلهم -أيضًا- أهل مصر وكذلك المغرب وكل مَن مَرَّ على ذلك المكان: الجُحفة.
والجحفة (٢) هذه مكان معروف، وكان موجودًا في زمن الرسول ﷺ ، والرسول ﷺ سأل ربه تعالى أن يُحَبِّب إليهم المدينة كحبِّهم مكة فقال: "اللهم حَبِّب إلينا المدينة"، وسأل ربه أن يبارك للمسلمين في مدها وصاعها، وجاء -أيضًا- في الحديث: "اللهم حَبِّب إلينا المدينة كحُبِّنا مكة أو أَشَد، اللهم بارك لنا في صاعها وفي مُدِّها، وصَحِّحها لنا، وانقل حُمَّاها إلى الجحفة" (٣)، فإن المدينة كانت مشهورة بالحُمَّى؛ أي: يُحم
стр. 4032
الذي يقطنها، أو يأتي إليها؛ فالرسول ﷺ دعا اللَّه أن ينقل حُمَّاها إلى الجُحفه، وكانت في ذلك الوقت بلاد كفر ليست دار إسلام، وإلا لما دعا الرسول ﷺ بنقل الحمى إليها؛ لأن الرسول ﷺ أرحم الناس بأمته.
ويقولون: سُمِّيت جحفة؛ لأن السيل جحفها؛ أي: جَرَفها، فهي الآن أصبحت قرية خربة، ولا توجد الآن، وهناك بلدة كبيرة مشهورة هي مدينة رابغ، هي قبلها بقليل؛ فيُحرم الحاج أو المعتمر منها والذي يمر عليها، وفيها احتياط؛ لأنها تَسبقها نحو المدينة بقليل، ففي ذلك حيطة؛ فمن يُحرم من رابغ إنَّما أحرم من المكان الذي حُدِّد له.
ولأهل نجد: قرن المنازل (١)، وبعضهم يُسميه: قرن الثعالب، وهذا حقيقة غير مُسَلَّم؛ لأن قرن الثعالب إنَّما هو جبل يُطل على عرفات، فإنما هو قرن المنازل، والآن عرف واشتهر ببلدة تُسمى السَّيل الكبير، فمن يأتي من طريق نجد إنَّما يُحرم من هنالك.
ولأهل اليمن: يلملم (٢)، وهي قريبة -أيضًا- من قرن المنازل، وتُعرف اليوم بالسعدية.
ولأهل العراق: ذات عِرق (٣)، ولم ترد في هذا الحديث، وذات عِرق تُعرف اليوم بالضريبة، وبحمد اللَّه هذه المواضع التي حَدَّدها لنا
стр. 4033
رسولُ اللَّه ﷺ هي أماكن معروفة محددة، ولا يتطرق أي شك إلى المعتمر والحاج الذي يريد أن يَبدأ نُسكه منها؛ أي: يدخل في النسك، فهي مُعَيَّنة ومحددة ومعالمها واضحة، وهذا من فضل اللَّه علينا.
لكن هنا قد يرد سؤال ربما يدور في ذهن البعض: مَن الذي وَقَّت هذه المواقيت؟ رسول اللَّه ﷺ وَقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة لا إشكال؛ لأن أهل المدينة كانوا مُسلمين في زمن الرسول ﷺ ، وهذه هي دار الهجرة، وهذه طيبة الطيبة، وهي مأوى خيرة المسلمين، ولكن هل وَقَّت رسول اللَّه ﷺ لأهل الشَّام: الجُحفة، والشام -كما هو معلوم- لم يكن أهلها مسلمين في ذلك الوقت، ومثل هذا بالنسبة للعراق؟
على القول الصَّحيح: أن الرسول ﷺ هو الذي حَدَّد لهم هذه المواقيت، وإن كان بعضها يومئذ لأقوام لم يكونوا مسلمين فهذه علامة وآية على صدق رسول اللَّه ﷺ ؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، ففي ذلكم إشارة بليغة إلى أن أهل تلك البلاد سيُسلمون، وسيُحرمون بالحج والعمرة، فبَيَّن الرسول ﷺ تلك الأماكن التي يأتي منها هؤلاء، ومن بين هؤلاء أهل المغرب.
إذًا، هذه علامة من علامات نبوة رسول اللَّه ﷺ ، وكما نرى -والحمد للَّه- فُتحت بلاد الشام وأصبحت بلاد إسلام، وفُتحت -أيضًا- بلاد العراق التي كانت تُعرف ببلاد فارس، وأصبحت دار إسلام ومأوى للمسلمين، بل إنَّ الإسلام قد تجاوز تلك المناطق؛ فامتد شرقًا وغربًا حتى شَمِل المعمورة، فهذا هو دين اللَّه الذي قال عنه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، إذًا، هذا كما ترون من فضل اللَّه على هذه الأمة، وسيأتي مزيد بيان لذلك عندما نتحدث عمَّن حَدَّد ذاتَ عِرق هل هو رسول اللَّه ﷺ أو عُمر ﵁؟
* قال: (وَأَمَّا لِأَهْلِ الشَّامِ: فَالْجُحْفَةُ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ: قَرْنٌ، وَلأَهْلِ الْيَمَنِ: يَلَمْلَمُ).
لكن لا يُشكل على ذلك لو قُدِّر أنَّ أهل نجد وأهل الرياض -مثلًا-
стр. 4034
جاؤوا عن طريق المدينة، فإنهم يُحرمون من ذي الحليفة، ولو قدر أن أهل المدينة ذهبوا هناك ومروا بقرن المنازل، فإنَّه يحرم هناك؛ لأن الرسول ﷺ قال: "هُنَّ لهن"، يعني: هذه المواقيت لهن؛ أي: لهذه البلاد، "ولِمَن أتى عليهن"؛ أي: ولمن أتى على هذه المواقيت مِن غير أهلهن؛ أي: من البلاد الأُخرى، ثم قال في آخر الحديث: "حتى أهل مكة يهلون من مكة وإن كان من منزله"؛ أي: يحرم من منزله.
* قال: (لِثُبُوتِ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ).
الإنسان قد يكون بينه وبين الميقات مسافات، كجدة؛ فهل يذهب الإنسان مثلًا ما يَقرب من مائة وخمسين كيلو وأكثر ليذهب إلى أقرب ميقات، كالجحفة، أو ما يصل -مثلًا- إلى أربعمائة كيلو إلى المدينة؛ ليحرم منها، لا، اللَّه خَفَّف؛ فهم يُحرمون من أماكنهم.
* قال: (مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي مِيقَاتِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ فَقَالَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ: "مِيقَاتُهُمْ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ").
جمهور العلماء (١)، ومنهم الأئمة الذين لم يُذكرهم المؤلف: أن ميقات أهل العراق: هو مِن ذات عرق؛ لماذا؟
стр. 4035
لأنه جاء في حديث جابر (١) الشهير الطَّويل؛ أطول حديث جاء في صفة حَجِّ رسول اللَّه ﷺ ، وقد أورده مسلم بكماله، وهو حديث يشتمل على كثير من الأحكام والحِكَم والأسرار والفضائل، وفي هذا الحديث في رواية مِن روايات مسلم: أنه قال: "سمعتُه، فذكر: "ومهل أهل المدينة: ذو الحليفة"، فرفع إلى رسول اللَّه ﷺ ، وفي رواية من رواياته شَكَّ فقال: "من الجحفة"، يعني: أهل المدينة لو ذهبوا مع الطريق الآخر أحرموا مع الجحفة، وأهل العراق من ذات عرق، إذًا: "سمعتُه"، يَعني: هل رفع إلى الرسول ﷺ ؟ إذًا هناك شك في رواية جابر هذه؛ هل رفع إلى الرسول ﷺ أم لا؟ لأنه سمعه مِن غيره.
* قال: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ: "إِنْ أَهَلُّوا مِنَ الْعَقِيقِ كَانَ أَحَبَّ").
العقيق (٢) ليس بعيدًا أيضًا؛ لأنه يوجد في الوادي المعروف، وهو وادي أبيار عليِّ، لكنه يختلف عنه من حيث الطريق.
* قال: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَقَّتَهُ لَهُمْ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: "عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ".
стр. 4036
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: "بَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ الَّذِي أَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ وَالْعَقِيقَ، وَرُوِيَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ (١) وَعَائِشَةَ (٢) ").
لما سئل جابر بن عبد اللَّه ﵁: قال: "سمعتُ"، فرفعه إلى النبي ﷺ ، أو لعله رفعه إلى النبي ﷺ ، إذًا هناك تردد فى هذه الراوية، فَمِن هنا وقع الخلاف، وإلا لم يحصل هذا الشك، ولما اختلف العلماء في المسألة، لكن في الحقيقة جاءت أحاديث كثيرة متعددة تكلم العلماء عن بعض طرقِها، لكنها باجتماعها صالحة تُؤكد ما جاء في حديث جابر ﵁.
قال ﵀: (وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ مَنْ يُخْطِئُ هَذِهِ -وَقَصْدُهُ الْإِحْرَامُ- فَلَمْ يُحْرِمْ إِلَّا بَعْدَهَا أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا).
المؤلف هنا كما ترون أسرع في هذه المسألة، وجمهور العلماء (٣)
стр. 4037
على أن الذي وَقَّت ذلك إنما هو رسول اللَّه ﷺ ، وبعضهم كالشافعي يرى أن الذي وَقَّت هو عمر ﵁، وهو أن أهلَ المِصْرَيْن (الكوفة والبصرة) - كما جاء في الحديث الذي في "صحيح البخاري" (١) شَكوا إلى عمر بن الخطاب ﵁، وكان أمير المؤمنين في ذلك الوقت، وفتح العراق إنما تم في زمن عمر بن الخطاب ﵁، فقالوا له: إنَّ قرن -يعني: قرن المنازل- بعيدة عن طريقهم ويلحقهم مشقة، وطلبوا منه أن يحدد لهم ميقاتًا، فقال: "انظروها إلى حذوها من طريقكم"، ولذلك قال بعض العلماء: إن الذي وَقَّته هو رسول اللَّه ﷺ ، فلما شكا أهل المِصرين (الكوفة والبصرة) إلى عمر ﵁، وبينوا له أنه يلحقهم مشقة وتعب وجهد في المهل الذي يحصل بسبب ذهابهما إلى قرن المنازل - أرشدهم عمر ﵁ إلى ما يَجوز من ذلك، وهو المحاذاة، ثم حدد بهم ذلك الموضع: ذات عرق، فجاء رأيه الذي اجتهد فيه موافقًا لفعل رسول اللَّه ﷺ ولقوله، وعمر ﵁ كان ملهمًا (٢)، ونزل القرآن في عِدَّة مواضع مؤيدًا لرأيه، كما في أسرى
стр. 4038
بدر (١)، وكذلك في الحجاب (٢)، وكذلك في المقام حين قال: لو اتَّخذت يا رسول اللَّه مِن مقام إبراهيم مُصَلَّى (٣)، فأنزل اللَّه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، إلى غير ذلك من الأحكام التي نزلت مُؤيدة لرأي عمر ﵁.
* قال: (وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ مَنْ يُخْطِئُ هَذِهِ -وَقَصْدُهُ الْإِحْرَامُ- فَلَمْ يُحْرِمْ إِلَّا بَعْدَهَا أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا).
المؤلف هنا حقيقة قد يُوقع القارئ في لبس، فيمكن أن نقسم هذه المسألة إلى قسمين، والمؤلف يقصد الشطر الثاني الذي فيه الخلاف، لكن ليس كل الناس يدركون أن هناك طرفًا أو جزءًا أو شطرًا لهذه المسألة ليس
стр. 4039
فيه خلاف، يعني: الذي يتجاوز الميقات (١) ولم يُحرم هو لا يخلو؛ إما أن يعود إليه قبل أن يُحرم، وإما أن يعود إليه بعد الإحرام، فالتي يريدها المؤلف وفيها الخلاف هي الثانية: مَن يتجاوز الميقات، ثم يُحرم بعد الميقات؛ ثم يعود إلى الميقات. هذه التي فيها خلاف، أما الأولى التي لم يَعرض لها، وكان ينبغي أن يُبينها، وهي: إذا تجاوز إنسان الميقات، ثم عاد إلى الميقات قَبل أن يُحرم، فهذه لا خلاف فيها، فعليه أن يُحرم من الميقات، ولا شيء عليه، لكن الكلام فيمن تجاوز الميقات، ثم أحرم بعد أن تجاوز الميقات، يعني: سار أقرب إلى مكة، ثم عاد مرة أُخرى إلى
стр. 4040
الميقات: هل يَسقط عنه الدم، أو لا بدَّ له من دم؟ بل ومن العلماء مَن يرى -وهذا قول ضعيف- أن الإنسان لو أحرم من بعد الميقات ولم يَعد إليه فَسد حَجُّه - كما هو رأي أهل الظاهر (١)، لكن هذا رأي ضعيف في الحقيقة لا يُلتفت إليه.
* قال: (وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ مَنْ يُخْطِئُ هَذِهِ -وَقَصْدُهُ الْإِحْرَامُ- فَلَمْ يُحْرِمْ إِلَّا بَعْدَهَا أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا).
مَن تجاوز الميقات، ثم عاد إليه قبل أن يَتَلَبَّس بالإحرام؛ أي: قبل أن يدخل في النُّسك فإنه لا شيء عليه، فيُحرم من الميقات فقط، فلو قُدِّر أن إنسانًا تجاوز الميقات حتى وصل إلى جدة ولم يُحرم، ثم عاد إلى الميقات، فعليه أن يُحرم منه فقط، كالإخوة الذين يأتون من بعض البلاد؛ من مصر، أو الشام، أو المغرب، فينزلون في جدة هؤلاء كثير منهم ما يُحرم إذا حازى الميقات؛ فماذا يفعل؟ في هذه الحالة يَذهب وينتقل إلى الجُحفة، أو يأتي إلى ميقات أهل المدينة ذي الحليفة، فإذا أحرم انتهى ولا شيء عليه، أمَّا إن أحرم من مكانه فعليه دم إِلَّا أن يكون أحرم عندما حازى الميقات فلا شيء عليه.
* قال: (وَهَؤُلَاءِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: "إِنْ رَجَعَ إِلَى الْمِيقَاتِ فَأَحْرَمَ مِنْهُ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ"، وَمِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: "لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ وَإِنْ رَجَعَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ. وَقَالَ قَوْمٌ: "لَيْسَ عَلَيْهِ دَمٌ"").
الإمام الشافعي يبيِّن أنه لو قُدِّر أن إنسانًا تجاوز الميقات، وأحرم من ذلك المكان الذي وصل إليه، ثم عاد إلى الميقات، فإنه ليس عليه دم.
стр. 4041
ومالك وأحمد يقولان: إن رجع أو لم يرجع، فعليه دم؛ لأنه انتهك حرمة هذا الميقات، فلم يُحرم منه.
وأبو حنيفة يُفَصِّل فيقول: إن عاد إليه صامتًا فعليه دم، فيكون كقول مالك وأحمد، وإن رجع ملبيًّا ذاكرًا اللَّه تعالى فلا شيء عليه.
ولا شَكَّ أن الأحوط في هذه المسألة والأقرب: هو رأي الإمامين مالك وأحمد (١).
стр. 4042
* قال: (وَقَالَ آخَرُونَ: "إِنْ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْمِيقَاتِ فَسَدَ حَجُّهُ").
وهذا هو قولُ أهل الظَّاهر (١)، وهو قول ضعيف حقيقة؛ لأن الحج لا يفسد لكونك أحرمت مِن بعد الميقات، أو حتى أحرمت قبل الميقات، والفرق -أيضًا- بين أن تُحرم قبل الميقات أو بعده؛ لأنك لو أحرمت قبل أن تَصل إلى الميقات في هذه الحالة لا يَلزمك دم، لكنه يُكره، ووجد من الصحابة ﵃ مَن أحرم قبل الميقات، لكن المسلم دائمًا يَسعى إلى التزود من التقوى، واللَّه تعالى يقول في شأن الحج: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧].
(وَأَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى الْمِيقَاتِ فَيُهِلُّ مِنْهُ بِعُمْرَةٍ، وَهَذَا يُذْكَرُ فِي الْأَحْكَامِ.
وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ دُونَهُنَّ فَمِيقَاتُ إِحْرَامِهِ مِنْ مَنْزِلِهِ).
يعني: الناس الذين دون هذه المواقيت الخمسة، يعني: يأتون بعدها، فالأقربون إلى مكة يحرمون منها - أي: يدخلون في الإحرام، فينوون النسك من أماكنهم، هذا هو المكان الذي يحرمون منه.
* قال: (وَاخْتَلَفُوا: هَلِ الْأَفْضَلُ إِحْرَامُ الْحَاجِّ مِنْهُنَّ، أَوْ مِنْ مَنْزِلِهِ إِذَا كَانَ مَنْزِلُهُ خَارِجًا مِنْهُنَّ؟
فَقَالَ قَوْمٌ: الْأَفْضَلُ لَهُ مِنْ مَنْزِلِهِ، وَالْإِحْرَامُ مِنْهَا رُخْصَةٌ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ (٢) وَجَمَاعَةٌ.
стр. 4043
وَقَالَ مَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ (١)، وَأَحْمَدُ: إِحْرَامُهُ مِنَ الْمَوَاقِيتِ أَفْضَلُ.
وَعُمْدَةُ هَؤُلَاءِ: الْأَحَادِيثُ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَأَنَّهَا السُّنَّةُ الَّتِي سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فهِيَ أَفْضَلُ.
وَعُمْدَةُ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى: أَنَّ الصَّحَابَةَ قَدْ أَحْرَمَتْ مِنْ قَبْلِ الْمِيقَاتِ؛ ابْنَ عَبَّاسٍ (٢)، وَابْنَ عُمَرَ (٣)، وَابْنَ مَسْعُودٍ (٤) وَغَيْرَهُمْ، قَالُوا: "وَهُمْ أَعْرَفُ بِالسُّنَّةِ").
الدخول في النسك هو النية، فسنة رسول اللَّه ﷺ التي يَنبغي اتِّباعها، ولا ينبغي الحيد عنها أن يُحرم من الميقات (٥)، فالرسول ﷺ أحرم من ذي
стр. 4044
الحليفة، ودخل في النسك، لكن لو قُدِّر أن إنسانًا أحرم مِن هنا من المدينة، أو حتى قبل المدينة، أو حتى أحرم من مصر مثلًا، أو من الشام وغيرها، نحن لا نقول: بأن حجَّه باطل، لكننا نقول: إنه قد فعل مكروهًا.
وهناك مَن يقول: إن ذلك يَحرم، لكننا نقول -كما قال رسول اللَّه ﷺ : "دعك ما يَريبك إلى ما لا يَريبك" (١)، فأنت تعبت وبذلت الكثير من الجهد، وستنفق الكثير من المال؛ فلماذا لا تحرص أن تكون على وفق حَجِّة رسول اللَّه ﷺ الذي أمرك فيها بقوله: "خذوا عني مناسككم".
* قال: (وَأُصُولُ أَهْلِ الظَّاهِرِ (٢) تَقْتَضِي: أَنْ لَا يَجُوزَ الْإِحْرَامُ إِلَّا مِنَ الْمِيقَاتِ إِلَّا أَنْ يَصِحَّ إِجْمَاعٌ عَلَى خِلَافِهِ.
стр. 4045
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ تَرَكَ الْإِحْرَامَ مِنْ مِيقَاتِهِ وَأَحْرَمَ مِنْ مِيقَاتٍ آخَرَ غَيْرِ مِيقَاتِهِ، مِثْلُ: أَنْ يَتْرُكَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ الْإِحْرَامَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَيُحْرِمُوا مِنَ الْجُحْفَةِ).
يعني: لو أن أهل المدينة قالوا: نحن سنمر بالجحفة، فلماذا نُحرم من ذي الحليفة، فنحرم من الجحفة، فلا داعي أن نحرم من ذي الحليفة، ونقضي هذه المسافة دون أن يكون علينا إحرام، هذا الذي يريد المؤلف أن يقوله، وجمهور العلماء على أنَّه ليس له ذلك، والإمام مالك أجاز له ذلك (١).
стр. 4046
(فَقَالَ قَوْمٌ: "عَلَيْهِ دَمٌ"، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ مَالِكٌ وَبَعْضُ أَصْحَابِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: "لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ").
إذًا، جمهور العلماء على أنَّه لا يَجوز للإنسان أن يَتجاوز الميقات، يعني: مَرَّ بميقات، ويريد أن يذهب إلى ميقات آخر، فبذلك يكون قد تجاوز الميقات، فالجمهور يقولون: عليه دم. وهذا هو الرأي الصحيح أنه لا ينبغي له ذلك؛ لأن الرسول ﷺ قال: "هُنَّ لهن ولمَن أتى عليهن مِن غير أهلهن".
* قال: (وَسَبَبُ الْخِلَافِ: هَلْ هُوَ مِنَ النُّسُكِ الَّذِي يَجِبُ فِي تَرْكِهِ الدَّمُ أَمْ لَا؟).
عمدة العلماء في إيجاب الدم (١) في مثل هذه الأُمور وغيرها -وما أكثرها من الأُمور التي تحتاج إلى جَبر بدم- هو أثرُ عبد اللَّه بن عباس
стр. 4047
الذي قال فيه: "مَن ترك نسكًا فعليه دمٌ" (١)، وهذا اختلف فيه: أهو مرفوع إلى الرسول ﷺ أم موقوف؟ والصحيح: أنه موقوف على ابن عباس، لكن العلماء تلقوه بالقبول، قالوا: هذا قول صحابي، ولا يمكن أن يقوله برأيه، ولم يُعرف له مخالف، فكان ذلك مَحل اتفاق.
قال ﵀: (وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْإِحْرَامُ مَنْ مَرَّ بِهَذِهِ الْمَوَاقِيتِ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَوِ الْعَمْرَةَ).
الذي يمر بالمواقيت لا يخلو من حالين، إمَّا أن يريد حجًّا أو عمرة، أو لا يريد حَجًّا أو عمرة، فمثلًا إنسان يريد أن يذهب إلى مكة للتجارة، أو يذهب للعلاج أو للدراسة أو لزيارة مريض أو لزيارة صديق وغير ذلك، فالحديث صحيح أن مَن مَرَّ على هذه المواقيت وهو لا يُريد حجًّا ولا عمرة أنَّه لا يلزمه؛ لأنه قال: "ممن أراد الحج والعمرة"، فمفهومه: أنَّ الذي لا يريد حجًّا ولا عمرة أنه لا شيء عليه، حتى وإن طال به الزمن، نفترض أن إنسانًا حَجَّ قبل عشرين عامًا، ثم مر بهذا الميقات أيضًا لا نقول: يجب عليه ما لم يُرد الحج والعمرة، فإن أرادهما وجب، لكن الأفضل له والأولى إن كان يريد دخول مكة ألا يدخلها وهو محرم، والدليل على ذلك: أن الرسول ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعليه العمامة بغير إحرام (٢)، إذًا هذا دليل على أنه لا يَلزم مَن دخل مكة مِمَّن لا يريد حجًّا ولا عمرة أن يكون مُحرمًا، وهذا أيضًا من التيسير.
(وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُرِدْهُمَا وَمَرَّ بِهِمَا، فَقَالَ قَوْمٌ: "كُلُّ مَنْ مَرَّ بِهِمَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ إِلَّا مَنْ يَكْثُرُ تَرْدَادَهُ، مِثْلَ الْحَطَّابِينَ وَشَبَهِهِمْ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ").
مثل أصحاب السيارات التي ينقلون بها المسافرين، أو إنسان يتاجر
стр. 4048
فيذهب ويعود، وهكذا، فهذا ليس عليه شيء، فيُستثنى من ذلك الذي يَكثر تردده على مكة وعلى الحرم.
* قال: (وَقَالَ قَوْمٌ: "لَا يَلْزَمُ الْإِحْرَامُ بهَا إِلَّا لِمُرِيدِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ).
هذا هو رأي الجمهور (١)، ومعه الحنابلة وغيرهم.
стр. 4049
* قال: (وَهَذَا كُلُّهُ لِمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ.
وَأَمَّا أَهْلُ مَكَّةَ فَإِنَّهُمْ يُحْرِمُونَ بِالْحَجِّ مِنْهَا، أَوْ بِالعُمْرَةِ يَخْرُجُونَ إِلَى الْحِلِّ وَلَا بُدَّ).
قال ﵀: أهل مكة يحرمون -كما أشرنا إلى هذا سابقًا- بالحج من مكة، والرسول ﷺ لمَّا أمر أصحابه مَن أحرم بالحج أو بالحج والعمرة، أمرهم أن يحلوا منه، إِلَّا مَن ساق الهدي، وقال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرتم لما سُقت الهدي، ولجعلتها عمرة" (١)، ثم إنهم أحرموا من المكان الذي كانوا فيه، فمن يريد الحج يُحرم من مكة، ومن يريد العمرة يَخرج خارج مكة إلى الحِلِّ ويُحرم.
* قال: (وَأَمَّا مَتَى يُحْرِمُ بِالْحَجِّ أَهْلُ مَكَّةَ، فَقِيلَ: إِذَا رَأَوُا الْهِلَالَ) (٢).
стр. 4050
لكن لو أحرم الذي يريد العمرة من مكة ففيه خلاف عند العلماء، فمثلًا إنسان أحرم بالعمرة من مكة وأَتَمَّ عمرته بمكة، فالرأي المشهور عند جماهير العلماء: أن عليه دمًا؛ لأنه خالف. وهناك قول ليس بقوي أنَّه ليس عليه شيء (١).
(وَقِيلَ: إِذَا خَرَجَ النَّاسُ إِلَى مِنًى).
كذلك -أيضًا- اختلفوا في الذي يَخرج في الحج ويُحرم من خارج الحرم (٢)، ثم يدخل مكة، قالوا: إن مَرَّ بمكة يعني بعد إحرامه فلا شيء
стр. 4051
عليه، يعني: نفرض أن إنسانًا أراد أن يُحرم بالحج، وخرج إلى الجعرانة، فإن مَرَّ بالحرم فلا شيء عليه؛ لأنه سيجمع بين الحَرَم والحِلِّ، وإن لم يَمر فلا، وهذا يُتصور فيمن يذهب مباشرة إلى عرفات، أما مَن يَذهب إلى منى، فإنَّه بلا شك سيكون في الحَرَم؛ لأن منى من الحَرم.
* قال: (فَهَذَا هُوَ مِيقَاتُ الْمَكَانِ الْمُشْتَرَطُ لِأَنْوَاعِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ).
إذًا، عرفنا الآن المواقيت المكانية، وبقيت المواقيت الزمنية.
[الْقَوْلُ فِي مِيقَاتِ الزَّمَانِ]
قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وَأَمَّا مِيقَاتُ الزَّمَانِ: فَهُوَ مَحْدُودٌ
стр. 4052
-أَيْضًا- فِي أَنْوَاعِ الْحَجِّ الثَّلَاثِ، وَهُوَ شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَتِسْعٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ بِاتِّفَاقٍ).
هذه مسألة فيها خلاف بين العلماء (١)، والخلاف يدور حول قول اللَّه : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، والقول المشهورفي لغة العرب: أنَّ الجمع أقله ثلاثة، هذا هو القول المشهور (٢)، وهنالك قول بأن أقل الجمع اثنان (٣)، إذًا المسألة فيها خلاف؛ فمنهم مَن يقول: أشهر الحج: هي شَوَّال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة. ومنهم مَن يقول؛ وتسع مِن ذي الحجة. ومنهم من يقول: الأشهر الثلاثة كلها أشهر الحج. فمن يقول: شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة هم الشافعية. ومَن يقول: وعشر من ذي الحجة هم الحنفية والحنابلة. ومَن يقول: شوال وذو القعدة وذو الحجة هم المالكية.
وفي نظري أن رأي المالكية هو الأقوى في ذلك، ولا يلزم أن يُورد على هذا اعتراض، فيقال: إن بقية الأيام لا تُؤدى فيها المناسك، فنقول شوال -أيضًا- لا يؤدى فيه ولا شيء من ذي القعدة، لكن اللَّه تعالى قال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ما قال: في أشهر؛ لأن هناك فرقًا بين أن يقال: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، أو فى أشهر معلومات، فلما يقال: في أشهر يكون الشهر إنَّما هو ظرف، والظرف واسع، فأنت تؤدي في هذا الشهر، فيكون الأداء إنَّما هو في بعضه، فيترجح قول الذين يقولون: تسع أو عشر.
стр. 4053
أمَّا قول المالكية فهو أرجح، فهم أقرب لآية: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، ثم أيضًا مما يقوي مذهب المالكية، ويُرد به على الشافعية: أن اللَّه قال: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣]، ويوم الحج الأكبر هو يوم النحر، فاللَّه سَمَّاه يوم الحج الأكبر فكيف نقول: إن أيام الحج وأشهره (شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة).
وحجة الشافعية: أن الرسول ﷺ قال في الحديث الصَّحيح: "الحج عرفة" (١).
وأيضًا مما يُضعف مذهب الحنفية والحنابلة: أنه في اليوم الحادي عشر، وفي اليوم الثاني عشر رمي الجمرات، والمبيت -أيضًا- بمنى، وهذه من الواجبات، بل إن الحنفية والحنابلة يرون وجوب رمي الجمار في تلك الأيام، والحنابلة يرون وجوب المبيت -أيضًا- بمنى، إذًا بذلك يترك بعض واجبات الحج.
* قال: (وَقَالَ مَالِكٌ: "الثَّلاثَةُ الْأَشْهُرِ كُلُّهَا مَحَلٌّ لِلْحَجِّ").
للإنسان أن يُؤخر طواف الإفاضة (٢)، والأفضل للمسلم أن يَطوف يوم
стр. 4054
النَّحر، يعني الذي نَعرفه بيوم العيد، وهو اليوم العاشر؛ لأن الرسول ﷺ رَتَّب تلك الأمور؛ فلما جاء إلى منى رمى جمرة العقبة، ثم إنَّه ﷺ نحر هديه، ثم بعد ذلك ذهب وطاف بالبيت وحَلق، إذًا هناك ترتيب، لكن لو غَيَّرت أو بَدَّلت فهذا لا يُحرج؛ لأن الرسول ﷺ قال: "افعل ولا حرج" (١)، إذًا، الأفضل أن يُطاف طواف الإفاضة يوم العاشر، فلو أَجَّلته إلى اليوم الحادي عشر والثاني عشر أو الثالث عشر، أو حتى إلى ما بَعد ذلك، فجمعت بينه وبين طواف الإفاضة لكان ذلك جائزًا، إذًا الطواف يُؤخر إلى آخر الشهر، وربما يُؤخر إلى ما بعده للضرورة، يعني: نفرض -مثلًا- أنَّ امرأة ولدت في تلك الفترة، والرأي المشهور أنَّ مدة النفاس أربعون يومًا (٢)، فهذه المدة ستستغرق بقية شهر ذي الحجة وتطول أيضًا، فتأخذ جزءًا من المحرم، ففي هذه الحالة كذلك ربما يُؤخر الإنسان بعض الواجبات؛ كالحلق، ولنفرض أن إنسانًا أصيب بشجة في رأسه، أو أُصيب
стр. 4055
بمرض فيه فلا يستطيع أن يحلقه أو أن يقصره له، فله أن يؤجل ذلك؛ فشريعتنا مبنيَّة على السماحة والشمول واليسر ورَفع الحرج.
* قال: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: "الشَّهْرَانِ وَتِسْعَةٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ".
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: "عَشَرٌ فَقَطْ").
ومع أبي حنيفة أيضًا أحمد.
(ودَلِيلُ قَوْلِ مَالِكٍ: عُمُومُ قَوْلِهِ : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]).
وحقيقة ظاهر الآية يشهد لمذهب المالكية.
(فَوَجَبَ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى جَمِيعِ أَيَّامِ ذِي الْحِجَّةِ، أَصْلُهُ: انْطِلَاقُهُ عَلَى جَمِيعِ أَيَّامِ شَوَّالٍ وَذِي الْقِعْدَةِ).
أصله: إطلاقه على جميع شهر شوال وجميع شهر ذي القعدة.
وكلام المؤلف جميع هنا؛ لماذا؟ لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، لماذا قلتم: إن الشهر يستغرق جميع شهر شوال وجميع شهر ذي القعدة، وفي ذي الحجة قلتم: تسعًا وعشرًا؟ هذا اعترإض وجيه وفي محله، وهذا كلام صحيح، وهم -أيضًا- يقولون: تسعة، وبقي أحد أركان الحج الذي هو يوم النحر، الذي فيه طواف الإفاضة، وهناك على قول الحنفية والحنابلة بقيت -أيضًا- بعض واجبات الحج. إذًا رأي المالكية لا شَكَّ أنه في نظره الأسلم في هذا.
* قال: (وَدَلِيلُ الْفَرِيقِ الثَّانِي: انْقِضَاءُ الْإِحْرَامِ قَبْلَ تَمَامِ الشَّهْرِ الثَّالِثِ بِانْقِضَاءِ أَفْعَالِهِ الْوَاجِبَةِ).
يعني: يعللون فيقولون: نحن ننتهي في اليوم الثانِي عشر، كما قال اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ
стр. 4056
لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣]، الغاية: أننا نصل إلى الثالث عشر، وقد بقي بعد ذلك سبعة عشر يومًا على أن الشهر تام، أو ستة عشر يومًا على أن الشهر ناقص، ورد عليهم المؤلف فقال: لماذا حسبتم جميع شهر شوال وذي القعدة مع أنه لا يؤدى فيها شيء أصلًا من المناسك.
* قال: (وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ: تَأَخُّرُ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ إِلَى آخِرِ الشَّهْرِ).
ثمرة الخلاف: تأخر طواف الإفاضة (١) إلى آخر الحج، فلك أن تُؤخره، لكنه خلاف الأَوْلَى، وكما قلنا: قد يطرأ شيء، كالحيض أو النفاس للمرأة.
(وَإِنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ، كَرِهَهُ مَالِكٌ (٢)، وَلَكِنْ صَحَّ إِحْرَامُهُ عِنْدَه.
فعليه أن يجعلها عمرة، وإنما الإحرام بالحج ينبغي أن يكون في أشهر الحج، وأيضًا ينبغي للمسلم حقيقة: أنه إذا أحرم بالحج، فله أن يحل من إحرامه ويجعلها عمرة، فيطوف ويسعى ويحلق أو يقصر اقتداءً بما أرشد إليه رسول اللَّه ﷺ ، وبما تمنى، والإنسان -كما قلنا- قد تعب وطوى المسافات، وجاء إلى هذه البلاد بقصد أداء هذه الفريضة، فليحاول قدر الإمكان أن يتجنب كُلَّ المواضع التي قد تقدح في حجه، أو تنقصه من أي طريق كان، إِلَّا أن يكون معذورًا، فلا يكلف اللَّه نفسًا إِلَّا وسعها.
[مَا يَمْنَعُ الْإِحْرَامَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ لِلْحَلَالِ]
قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
(الْقَوْلُ فِي التُّرُوكِ
وَهُوَ مَا يَمْنَعُ الْإِحْرَامَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ لِلْحَلَالِ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ مَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ).
стр. 4059
المراد بالتروك: هي الأشياء التي يجب على المحرم أن يتركها ويتجنَّبها، لذلك يحرم عليه أن يفعلها، وإن كانت قبل تلبسهِ بالإحرام حلال في حقه.
هذا ما يعرف عند الفقهاء بمحظورات الإحرام، أي: الأُمور التي يجب على المسلم أن يجتنبها في إحرامه بحج، أو عمرة، وسواء كان الحج فرضًا، أو تطوعًا، وسواء كانت العمرة واجبةً، أو غير واجبةٍ.
تلك الأُمور التي سيرد بعضها في هذا الحديث، وهو حديث -مالك عن نافع عن ابن عمر- (١) فمن الأُمور التي ينبغي أن يتجنبها المسلم في إحرامه على سبيل الإجمال ثم ندخل فيها تفصيلًا:
منها: ألا يغطي رأسه؛ فلا يجوز للمسلم بعد أن يتلبس بالنسك أنْ يغطي رأسه.
ومنها: ألا يلبس مخيطًا سواء كان ثوبًا، أو سروالًا، أو عباءة، أو غير ذلك.
ومنها: ليس له أن يحلق أي شعرٍ من بدنه، كما أنه لا يجوز له أن يأخذ من أظفاره شيئًا بعد أن يحرم.
ومنها: لا يجوز له أن يتطيب بعد الإحرام.
ومنها: لا يجوز له أن يَنكِح لنفسه، ولا لغيره؛ أي: يعقد النكاح لنفسه، ولا أن يعقد لغيره.
ومنها: لا يجوز له أنْ يُجامع أهله، ولا أن يباشر النساء المباشرات الممنوعة.
стр. 4060
ومنها أيضًا: لا يجوز له أن يصيد وهو محرم.
هذه هي محظورات الإحرام التسعة التي يجب على المسلم أن يتجنبها، وذلك ما ورد في الحديث الآتي الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما (١) كما أخرجه غيرهما (٢).
* قوله: ("أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟).
سأل رجل رسول اللَّه ﷺ ما يلبس المحرم من الثياب؟
هذا يدل ابتداءً على أنه ينبغي للمسلم ألَّا يُقدم على أيِّ عمل من أعمال العبادة؛ إِلَّا بعد أن يعرف حكم اللَّه وحكم رسوله ﷺ فالذي يريد الحج، أو العمرة لا ينبغي أن يسلك ذلك الطريق عن جهل، وإنما ينبغي أن يعرف تلكم الأحكام جملة لا تفصيلًا؛ لأنَّ تفصيل جزئياتها ومسائلها من اختصاص العلماء، لكن ينبغي أن يعرف تلكم الأُمور الضرورية التي يحتاج إليها في حجه وفي عمرته، فهذا السائل أراد أن يعرف ما يبلس المحرم من الثياب فقال له الرسول ﷺ : "لا يلبس القمص، ولا العمائم، والسراويلات؛ ثم قال ابن عمر ﵄: ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا يلبس ثوبًا مسه زعفران، ولا الورْس" فورد في هذا الحديث ثلاثة من محظورات الإحرام، وهي تفيد جملة الأُمور التي ينبغي للمسلم حاجًا، أو معتمرًا ألا يلبسها أو شيئًا منها.
* قوله: (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَاف).
ذكر النبي ﷺ أول نوع من المحظورات فقال:
стр. 4061
"لا تلبسوا القُمُص" والقمص: جمع قميص، وهو يجمع على قُمُص، وعلى قمصان.
والقميص: هو الثياب التي تُلبس وتَستر جميع البدن، وهو يختلف في أشكاله وألوانه على حسب العادات والبلدان، ويطلق عليه الجلباب أيضًا. وسواء كان ثوبًا، أو سروالًا، أو عباءة، أو غير ذلك، مما يحيط ببدنه أو ببعضه؛ فإنه يؤثر في إحرامه.
أما لو وضع الثوب المخيط على جسده كالعباءة فهذا لا يضر، بخلاف لو لبسه على جسده ففيه الحرمة.
(والعمامة): وهي التي توضع على الرأس والقصد منها هنا: ما يغطى به الرأس؛ أي: لا يضع محرم شيئًا ملاصقًا على رأسه سواء كانت عمامة، أو الطاقية المعروفة، أو هذه الغترة، سواء كانت بيضاء، أو حمراء، وأيضًا الطربوش، أو غير ذلك، مما يضعه الإنسان على رأسه حتى ولو وضع رداءً، أو أخذ ما يحرم وغطَّى به رأسه؛ فهذا لا يجوز.
وكذلك (السراويل): سواء كان طويلًا: وهو الذي يأتي من السرة وينزل إلى ما فوق الكعبين، أو ما يكون دون ذلك إلى نصف الفخذين، أو أكثر من ذلك. هذه أيضًا لا تجوز لأنها نوع من اللباس.
"البرانس" (١): وهي ثياب واسعة فيها شيء يغطي الرأس متصلًا بها هي أشبه ما تكون بالثياب التي يلبسها المغاربة، وهي ثياب واسعة فضفاضة في أعلاها، يتدلى شيء متصلا بها من الممكن أن تغطي به الرأس، هذه أيضًا نوع من الثياب ويدخل في ذلك العباءة، وغير ذلك.
стр. 4062
كذلك "الخفاف" (١) التي تغطي الكعبين؛ إِلَّا أن لا يجد الإنسان نعلين فإنه يلبسهما ويقطعهما أسفل من الكعبين.
* قوله: (إِلَّا أَحَد لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَيَلْبَسُ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ)
سيأتي الخلاف في هذه المسألة؛ وذلك لأنَّ حديث عبد اللَّه بن عباس -المتفق عليه- (٢) قاله رسول اللَّه ﷺ وهو في عرفات دلّ على أنها لا تُقطع، وأنه عند فقد النعلين يلبس الإنسان الخفين؛ بدلًا عنهما.
* قوله: ("وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ").
وكذلك من المحظور على المحرم "أن يبلس المحرم من الثياب شيئًا مسه زعفران أو ورس" وهذه أنواع من الطيب.
وقد ورد في معجم المعاني الجامع أنَّ الورس: نبت من الفصيلة القرنية ينبت في بلاد العرب، والحبشة، والهند، كما يوجد عليه زغب قليل، يستعمل لتلوين الملابس الحريرية؛ لاحتوائه على مادةٍ حمراء.
فلا ينبغي للمسلم أن يتطيب، ولا أن يلبس شيء فيه طيب.
وسنأتي إلى تفصيل هذه الأُمور إن شاء اللَّه عندما يدخل المؤلف في بيانها.
стр. 4063
* قوله: (فَاتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى بَعْضِ الأَحْكَامِ الوَارِدَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، واخْتَلَفُوا فِي بَعْضِهَا فَمِمَّا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ لا يَلْبَسُ المُحْرِمُ قَمِيصًا، وَلا شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ).
اتفق العلماء على أكثر ما ورد في الحديث (١)؛ لكنهم اختلفوا في الخف إذا لم يجد نعليه يلبس بدلًا منهما الخف.
ولكن هل يقطع الخف أم لا يقطع؟ هذا مما اختلفوا فيه (٢).
стр. 4064
فليس للمسلم كما قلنا أن يلبس ثوبًا مثل لبسنا الآن، ولا أن يبلس الفنيلة سواء كانت تحت الثياب، اي ما يلاصق البدن، أو التي تأتي فوق الثياب، كذلك أيضًا على أي شكل كانت، فليس للمسلم أن يفعل ذلك.
وليس المراد كما يظن بعض الناس أنه لو وجد إحرامًا أي: رداءه، أو إزاره ووجده مخيطًا يظن أن هذا لا يجزؤ، بل يجزؤ؛ لأنه لم يرد عن الرسول ﷺ نصًّا بعدم لبس المخيط؛ إنما الذي جاء عنه ﷺ عدم لبس القمص.
فالرسول ﷺ نص على ذلك، والذين ذكروا المخيط هم بعض الفقهاء، ولذلك قال بعضهم (١): (محيطًا بدل مخيطًا)، يعني: لا يلبس الإنسان ما هو مخيط على جميع بدنه كالثياب التي تبدأ من أعلى الكتفين، وتنزل إلى ما فوق الكعبين، ولا يلبس الفنيلة، ولا ما أشبهها، ولا يلبس السراويل، ومثله البنطلون، وغير ذلك.
وعلى ذلك كل لبسٍ خيط على البدن كاملة، أو على بعضه؛ فإنه لا يجوز للمحرِم أن يلبسَه، ولا يدخل ما قلنا فيما يحتاج إليه الإنسان ضرورة مع أنها تلبس وذاك (كالنظارة) فلا تضر (والسماعة) يضعها في أذنه كذلك لا تضر، (والساعة) يلبسها في يده لا تضر، وكل هذا لا يُسمَّى لباسًا، وكذلك (الحقيبة) يعلقها على بدنه هذا لا يضر أيضًا، أو القمر (الحزام) الذي يلف على بدنه ليضع فيه نقوده وحاجاته كل ذلك لا يضر، وكذالك لو ربط الرداء لا يضر؛ لكن لا يجوز له أن يأخذ ثوبًا فيلبسه أو سروالًا فيلبسه.
* قوله: (وَلَا مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ مَخِيطِ الثِّيَابِ، وَأَنَّ هَذَا
стр. 4065
مَخْصُوصٌ بِالرِّجَالِ -أَعْنِي: تَحْرِيمَ لُبْسِ الْمَخِيطِ-، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْمَرْأَةِ بِلُبْسِ الْقَمِيصِ وَالدِّرْعِ وَالسَّرَاوِيلِ وَالْخِفَافِ وَالْخُمُرِ).
ذهب المؤلف إلى ما ذهب إليه كافة (١) العلماء: وهو أن النساء يختلفن عن الرجال في أُمور، ويوافقنهن في أُمور، فليس للمرأة مثلًا أن تأخذ شيئًا من شعرها، ولا أن تقلم أظفارها، ولا أن تتطيب؛ لكن لها أن تلبس ما شاءت من الثياب؛ فتلبس الدرع، والقميص، وتلبس السروال، وتغطي رأسها، فهذا أمر مطلوب، وليس فيه شيء؛ لكنَّ الأولى بالمرأة ألا تغطي وجهها؛ إِلَّا إذا رأت الأجانب كما كانت تفعل السيدة عائشة (٢) ﵂ وكذلك لا تنتقب؛ أي: لا تلبس النقاب الذي يوضع على الوجه، ولا البرقع "الجوانتي" هذا ما نهى عنه رسول اللَّه ﷺ (٣).
وجائز لها لبس القميص والدرع؛ وإنما هما نوع من الثياب؛ ولكنهما يخاطا على شكل معين، وألبسة النساء تختلف من نوع إلى نوع، ومن مكانٍ إلى مكان.
كذلك لها أيضًا أن تلبس السراويل، والخفاف، والخمُر جمع خمار: وهو ما تُخّمر به المرأة رأسها أي: تغطيها، أمَّا الرجل فلا يجوز له أن يغطِّي رأسه، ولا أن يلبس السراويل، والقميص، والدرع، والخفاف كما سبق.