← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

"لا تلبسوا القُمُص" والقمص: جمع قميص، وهو يجمع على قُمُص، وعلى قمصان. والقميص: هو الثياب التي تُلبس وتَستر جميع البدن، وهو يختلف في أشكاله وألوانه على حسب العادات والبلدان، ويطلق عليه الجلباب أيضًا. وسواء كان ثوبًا، أو سروالًا، أو عباءة، أو غير ذلك، مما يحيط ببدنه أو ببعضه؛ فإنه يؤثر في إحرامه. أما لو وضع الثوب المخيط على جسده كالعباءة فهذا لا يضر، بخلاف لو لبسه على جسده ففيه الحرمة. (والعمامة): وهي التي توضع على الرأس والقصد منها هنا: ما يغطى به الرأس؛ أي: لا يضع محرم شيئًا ملاصقًا على رأسه سواء كانت عمامة، أو الطاقية المعروفة، أو هذه الغترة، سواء كانت بيضاء، أو حمراء، وأيضًا الطربوش، أو غير ذلك، مما يضعه الإنسان على رأسه حتى ولو وضع رداءً، أو أخذ ما يحرم وغطَّى به رأسه؛ فهذا لا يجوز. وكذلك (السراويل): سواء كان طويلًا: وهو الذي يأتي من السرة وينزل إلى ما فوق الكعبين، أو ما يكون دون ذلك إلى نصف الفخذين، أو أكثر من ذلك. هذه أيضًا لا تجوز لأنها نوع من اللباس. "البرانس" (١): وهي ثياب واسعة فيها شيء يغطي الرأس متصلًا بها هي أشبه ما تكون بالثياب التي يلبسها المغاربة، وهي ثياب واسعة فضفاضة في أعلاها، يتدلى شيء متصلا بها من الممكن أن تغطي به الرأس، هذه أيضًا نوع من الثياب ويدخل في ذلك العباءة، وغير ذلك.

стр. 4062

كذلك "الخفاف" (١) التي تغطي الكعبين؛ إِلَّا أن لا يجد الإنسان نعلين فإنه يلبسهما ويقطعهما أسفل من الكعبين. * قوله: (إِلَّا أَحَد لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَيَلْبَسُ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ) سيأتي الخلاف في هذه المسألة؛ وذلك لأنَّ حديث عبد اللَّه بن عباس -المتفق عليه- (٢) قاله رسول اللَّه ﷺ وهو في عرفات دلّ على أنها لا تُقطع، وأنه عند فقد النعلين يلبس الإنسان الخفين؛ بدلًا عنهما. * قوله: ("وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ"). وكذلك من المحظور على المحرم "أن يبلس المحرم من الثياب شيئًا مسه زعفران أو ورس" وهذه أنواع من الطيب. وقد ورد في معجم المعاني الجامع أنَّ الورس: نبت من الفصيلة القرنية ينبت في بلاد العرب، والحبشة، والهند، كما يوجد عليه زغب قليل، يستعمل لتلوين الملابس الحريرية؛ لاحتوائه على مادةٍ حمراء. فلا ينبغي للمسلم أن يتطيب، ولا أن يلبس شيء فيه طيب. وسنأتي إلى تفصيل هذه الأُمور إن شاء اللَّه عندما يدخل المؤلف في بيانها.

стр. 4063

* قوله: (فَاتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى بَعْضِ الأَحْكَامِ الوَارِدَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، واخْتَلَفُوا فِي بَعْضِهَا فَمِمَّا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ لا يَلْبَسُ المُحْرِمُ قَمِيصًا، وَلا شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ). اتفق العلماء على أكثر ما ورد في الحديث (١)؛ لكنهم اختلفوا في الخف إذا لم يجد نعليه يلبس بدلًا منهما الخف. ولكن هل يقطع الخف أم لا يقطع؟ هذا مما اختلفوا فيه (٢).

стр. 4064

فليس للمسلم كما قلنا أن يلبس ثوبًا مثل لبسنا الآن، ولا أن يبلس الفنيلة سواء كانت تحت الثياب، اي ما يلاصق البدن، أو التي تأتي فوق الثياب، كذلك أيضًا على أي شكل كانت، فليس للمسلم أن يفعل ذلك. وليس المراد كما يظن بعض الناس أنه لو وجد إحرامًا أي: رداءه، أو إزاره ووجده مخيطًا يظن أن هذا لا يجزؤ، بل يجزؤ؛ لأنه لم يرد عن الرسول ﷺ نصًّا بعدم لبس المخيط؛ إنما الذي جاء عنه ﷺ عدم لبس القمص. فالرسول ﷺ نص على ذلك، والذين ذكروا المخيط هم بعض الفقهاء، ولذلك قال بعضهم (١): (محيطًا بدل مخيطًا)، يعني: لا يلبس الإنسان ما هو مخيط على جميع بدنه كالثياب التي تبدأ من أعلى الكتفين، وتنزل إلى ما فوق الكعبين، ولا يلبس الفنيلة، ولا ما أشبهها، ولا يلبس السراويل، ومثله البنطلون، وغير ذلك. وعلى ذلك كل لبسٍ خيط على البدن كاملة، أو على بعضه؛ فإنه لا يجوز للمحرِم أن يلبسَه، ولا يدخل ما قلنا فيما يحتاج إليه الإنسان ضرورة مع أنها تلبس وذاك (كالنظارة) فلا تضر (والسماعة) يضعها في أذنه كذلك لا تضر، (والساعة) يلبسها في يده لا تضر، وكل هذا لا يُسمَّى لباسًا، وكذلك (الحقيبة) يعلقها على بدنه هذا لا يضر أيضًا، أو القمر (الحزام) الذي يلف على بدنه ليضع فيه نقوده وحاجاته كل ذلك لا يضر، وكذالك لو ربط الرداء لا يضر؛ لكن لا يجوز له أن يأخذ ثوبًا فيلبسه أو سروالًا فيلبسه. * قوله: (وَلَا مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ مَخِيطِ الثِّيَابِ، وَأَنَّ هَذَا

стр. 4065

مَخْصُوصٌ بِالرِّجَالِ -أَعْنِي: تَحْرِيمَ لُبْسِ الْمَخِيطِ-، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْمَرْأَةِ بِلُبْسِ الْقَمِيصِ وَالدِّرْعِ وَالسَّرَاوِيلِ وَالْخِفَافِ وَالْخُمُرِ). ذهب المؤلف إلى ما ذهب إليه كافة (١) العلماء: وهو أن النساء يختلفن عن الرجال في أُمور، ويوافقنهن في أُمور، فليس للمرأة مثلًا أن تأخذ شيئًا من شعرها، ولا أن تقلم أظفارها، ولا أن تتطيب؛ لكن لها أن تلبس ما شاءت من الثياب؛ فتلبس الدرع، والقميص، وتلبس السروال، وتغطي رأسها، فهذا أمر مطلوب، وليس فيه شيء؛ لكنَّ الأولى بالمرأة ألا تغطي وجهها؛ إِلَّا إذا رأت الأجانب كما كانت تفعل السيدة عائشة (٢) ﵂ وكذلك لا تنتقب؛ أي: لا تلبس النقاب الذي يوضع على الوجه، ولا البرقع "الجوانتي" هذا ما نهى عنه رسول اللَّه ﷺ (٣). وجائز لها لبس القميص والدرع؛ وإنما هما نوع من الثياب؛ ولكنهما يخاطا على شكل معين، وألبسة النساء تختلف من نوع إلى نوع، ومن مكانٍ إلى مكان. كذلك لها أيضًا أن تلبس السراويل، والخفاف، والخمُر جمع خمار: وهو ما تُخّمر به المرأة رأسها أي: تغطيها، أمَّا الرجل فلا يجوز له أن يغطِّي رأسه، ولا أن يلبس السراويل، والقميص، والدرع، والخفاف كما سبق.

стр. 4066

* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ لَمْ يجِدْ غَيْرَ السَّرَاوِيلِ هَلْ لَهُ لِبَاسُهَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ لَهُ لِبَاسُ السَّرَاوِيلِ وَإِنْ لَبِسَهَا افْتَدَى. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَجِدْ إِزَارًا). أي: لو أنَّ إنسانًا لم يجد ما يلبسه غير السراويل، هل له لباسها أم لا؟ ذهب مالك (١)، وأبو حنيفة (٢) إلى: عدم جواز ذلك، وإن لبس السراويل افتدى. بينما ذهب الشافعي (٣) ومن معه (٤) إلى: أنَّ له أن يلبس السراويل إذا لم يجد إزارًا، كما أخبر الرسول ﷺ ، "ومن لم يجد قميصًا يلبس السراويل، وإذا لم يجد نعلًا يلبس الخف".

стр. 4067

وهذا هو الأقرب إلى الصواب؛ لأنه ورد عن الرسول ﷺ حديث عبد اللَّه بن عمر السابق (١)، ثم جاء حديث عبد اللَّه بن عباس متأخرًا عنه (٢)، فدلَّ على الإنسان إذا لم يجد قميصًا يلبس السراويل، وإذا لم يجد نعلًا يلبس الخف، ولم يأمر الرسول ﷺ بقطعهما، وكان ذلك آخر الأمرين من الرسول ﷺ فكان ناسخًا للأول، وليس كل الذين كانوا مع الرسول ﷺ في المدينة هم الذين كانوا معه في مكة، أو في المشاعر؛ بل هناك أناس كثيرون جاؤوا من كل فجٍّ عميق ليشهدوا منافع لهم، فكثير منهم لم يسمع قول الرسول ﷺ ، فدل ذلك على أن آخر الأمرين من الرسول إنما هو لبس السراويل لمن لم يجد ثوبًا، ولبس الخف لمن لم يجد نعلًا، ولا يحتاج إلى قطعهما، ولا فدية عليه إن شاء اللَّه. * قوله: (وَعُمْدَةُ مَذْهَب مَالِكٍ: ظَاهِرٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ، قَالَ: وَلَوْ كَانَ فِي ذَلِكَ رُخْصًة لَاسْتَثْنَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا اسْتَثْنَى فِي لُبْسِ الْخُفَّيْنِ). إذا كان ذلك هو ما استدلَّ به الإمام، فإنه ثبت عنه أنه قال أيضًا على الملأ والنساء مجتمعون حوله: "خذوا عني مناسككم" (٣)، ثم بيَّن أن من لم يجد ثوبًا يلبس السراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ولم يأمر بالقطع، ولم يأمر بوجوب الفدية على من لبس السراويل في حقِّ من لم يجد الإزار فدل ذلك على جواز ذلك. * قوله: (وَعُمْدَةُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ: حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "السَّرَاوِيل لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْإِزَارَ، وَالْخُفُّ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ").

стр. 4068

مراده حديث عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباسٍ وهو حديث (متفق عليه) (١) كالحديث الأول لابن عمر. (السراويل لمن لم يجد الإزار يتزر به، والخف لمن لم يجد النعلين) والرسول ﷺ لم يأمر بقطع الخفين، ولم يأمر بوجوب الفدية على من لبس السراويل في حق من لم يجد الإزار؛ فدلَّ على جواز ذلك. وهذا تيسير من اللَّه ونحن نأخذ بالمتأخر من قول الرسول ﷺ والمقام الذي كان به الرسول ﷺ كان مقام بيان، واللَّه تعالى يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ودعوى أنَّ الرسول ﷺ قال ذلك في المدينة فذلك متقدم، وهذا متأخر، ولو كان الأمر على ما هو عليه، وتغير الحكم في الأمر لبيَّنه الرسول ﷺ لمن لم يسمعه. * قوله: (وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى إِجَازَةِ لِبَاسِ الْخُفَّيْنِ مَقْطُوعَيْنِ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ، وَقَالَ أَحْمَدُ: جَائِز لِمَنْ لَمْ يَجْدِ النَّعْلَيْنِ أَنْ يَلْبَسَ الْخُفَّيْنِ غَيْرَ مَقْطُوعَيْنِ أَخْذًا بِمُطْلَقِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ). قال الإمام أحمد: لا خلاف بين العلماء أنَّ الإنسان إذا لم يجد نعلين؛ فعليه أن يلبس الخفين، وليقطعهما، وهناك من يرى أنه يلبسهما دون قطع كما عرفنا. وحديث ابن عباس قد مرَّ بنا قريبا وهو حديث (متفق عليه) وقد قاله الرسول ﷺ في مناسك الحج. * قوله: (وَقَالَ عَطَاءٌ: فِي قَطْعِهِمَا فَسَادٌ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) (٢).

стр. 4069

وهو الإمام عطاء من التابعين (١): نظر إلى هذا الغرض وهو إذا قطع الإنسان الخفين؛ أفسدهما على نفسه، وفيه إلحاق ضرر بصاحب الخف فهذا فيه شيء من الفساد، واللَّه لا يحب الفساد. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ لَبِسَهُمَا مَقْطُوعَيْنِ مَعَ وُجُودِ النَّعْلَيْنِ، فَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، وَالْقَوْلَانِ عَنِ الشَّافِعِيِّ). مسألة أُخرى اختلف فيها الفقهاء، وهي لبس الخفين مقطوعين مع وجود النعلين: أولًا: الفرق بين النعل والخف: النعل: هو هذا الذي لا يرتفع إلى الكعبين وهو ما يُسمَّى (المداس)، أما الخف: وهو الذي يغطي الكعبين. فلو أن إنسانًا وجد عنده نعلان وخف، فلو أنه لبس الخفين مع وجود النعلين هل عليه شيء؟ ذهب بعض العلماء (مالك (٢)، وأبو ثور، وأحمد (٣)، وقول عن الشافعي (٤): بأن عليه دم؛ لأنه ترك الأصل، وانتقل إلى البدل مع وجود الأصل فمن فعل ذلك فعليه دم شاة؛ لأنه ارتكب محظورًا منع منه.

стр. 4070

وذهب (أبو حنيفة (١)، وقول آخر عن الشافعي) (٢): بأنه لا شيء عليه؛ ما دام الخفين مقطوعين، وقد أبيح عند عدم وجود النعل؛ فلا مانع من ذلك. فالإمام الشافعي له قولان: قول مع الفريق الأول، وقول مع الفريق الثاني. * قوله: (وَسَنَذْكُرُ هَذَا فِي الْأَحْكَامِ. وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ (٣) عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَلْبَسُ الثَّوْبَ الْمَصْبُوغَ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ). لماذا لا يلبس الثوب المصبوغ بالورس؟ هذا كان فيما مضى، وليس كحالاتنا الآن؛ فقد تغيرت الأُمور، وتبدلت الأحوال، واللَّه تعالى أسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، وقال أيضًا: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ

стр. 4071

لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [النحل: ١٨] ويقول : ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]، فكلما شكر المؤمنون نعم اللَّه ؛ فإن تلكم النعم ستترى، وتزداد شيئًا فشيئًا. كان فيما مضى لكي يحصل الإنسان على ثوب يريد أن يغير لونه إلى البياض يحتاج إلى أن يصبغه بأي نوع من أنواع الصباغ، أما الإنسان في هذا الزمان فبحمد اللَّه كل ما يريده الإنسان، وكل ما تشتهي نفسه من المآكل، ومن المشارب، ومن الملابس مما أحلها اللَّه يجده بين يديه ميسورًا متوفرًا، فهذه نعم عظيمة، ومواهب جليلة، وكرم من اللَّه أصبغه لعباده المؤمنين. هذا الثوب الذي يصبغ بزعفران، لا يجوز لبسه؛ لأنَّ الثوب مصبوغ حُلي بشيء من الطيب كما في قصة صاحب الجبة التي ضمخت بالطيب كما سيأتي. * قوله: (لِقَوْلِهِ ﵊ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: "لَا تَلْبَسُوا مِنَ الثيابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ"). وذلك لوجود الطيب في الزعفران، والورس، والطيب إنما هو من محظورات الإحرام فلذلك قال الرسول ﷺ : "لا تلبسوا من الثياب شيئًا مسَّه الزعفران، أو الورس" (١)، وكذلك في قصة الأعرابي الذي وقصته دابته "نهى رسول اللَّه ﷺ عن تحنيطه بالطيب" (٢) فالطيب محظور من محظورات الإحرام لا ينبغي للمحرم.

стр. 4072

* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُعَصْفَرِ، فَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ: هُوَ طِيبٌ وَفِيهِ الْفِدْيَةُ، وَحُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ مَا خَرَّجَهُ مَالِكٌ عَنْ عَلِيٍّ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْقِسِيِّ، وَعَنْ لُبْسِ الْمُعَصْفَرِ"). الثوب المعصفر: هو الذي صبغ بالعصفر الشيء الأصفر، واختلفوا فيه: فعند (مالك (١)، وأحمد (٢)): لا شيء عليه، واستدلوا إلى جواز ذلك: "بأنَّ أزواج رسول اللَّه ﷺ كنَّ يحرمن بذلك" كما أخرج ذلك البخاري تعليقًا في كتابه (٣)، وأخرجه غيره (٤)، ولا شكَّ أنَّ زوجات الرسول ﷺ وهن اللاتي يعشن مع رسول اللَّه ﷺ وهن أقرب الناس إليه في هذا المقام؛ كنَّ يحرمن بهذه الثياب المعصفره؛ فذلك دليلٌ على جوازه. وذهب أبو حنيفة، والثوري (٥): إلى أنه نوع من الطيب، فمن لبسه

стр. 4073

فعليه الفدية، واستدلوا بأنَّ النبي ﷺ "نهى عن لبس القسي، وعن لُبْس المعصفر" (١). واستدلوا أيضًا على ما ذهبوا إليه: "ثبت عن الرسول ﷺ أنه نهى عن التختم بالذهب بالنسبة للرجال، وأمر بإلقائه، وبيَّن أنه جمرة من نار" (٢)، فلا يجوز للمسلم أن يلبس الذهب أيًا كان؛ أما المرأة فلها ذلك، وكذلك نهى عن لبس (القسي)؛ أي: الثياب التي من كتان، أو قطن إذا كانت مخِيطة، أو خِيطت بشئٍ من الحرير؛ لأنَّ الحرير نهى عنه الرسول ﷺ فقال في الذهب، والحرير: "حرام على ذكور أمتي، حل لإناثهم" (٣)، فلا يجوز للرجل أنْ يلبس الحرير إلا عند الضرورة؛ كأنْ يكون ببدنه حكة يضطر إلى لبس الحرير فهذا مستثنى أو كان في الحرب، أو غير ذلك، أما أنْ يلبسه مطلقًا فلا. ونهى كذلك أن يقرأ الإنسان القرآن وهو راكع فقال: "ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن وأنا راكع" (٤)، فلا ينبغي للمسلم في حالة الركوع في

стр. 4074

الصلاة؛ أنْ يقرأ القرآن؛ وإنما يقول: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وله أن يزيد عن ذلك. ونهى كذلك ﷺ "عن لُبْس العصفر" (١)، كما نهى عن السابق فأخذوا منه النهي. ورد الفريق الأول: بأنَّ هذا نهي تنزيه وليس تحريم؛ لأنَّ أزواج الرسول ﷺ لبسن ذلك (٢)، وأنَّ النهي كان في أول الأمر، ثم رخص به. * قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ إِحْرَامَ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا) (٣). لعلَّ المؤلف أخذ ذلك من حديثٍ ورد عند الدارقطني (٤)، والبيهقي (٥)، وهو قوله: "إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها"، وهذا حديث لم يصح (٦). ومعنى الحديث: أي: لا يجوز للرجل أن يغطي رأسه، والمرأة يستحب لها ألا تغطي وجهها، وهذا في حالة عدم وجود أجانب إذا كانت مع محارمها أو كانت تمشي في طريق وليس حولها أحد ممن يجب عليها

стр. 4075

أن تستتر عنهم؛ فالأولى ألا تغطي وجهها؛ أما إذا مرَّ بها أجانب فإنها ترخي خمارها على وجهها كما كانت تفعل عائشة ﵂ (١) وغيرها من نساء المؤمنين. * قوله: (وَأَنَّ لَهَا أَنْ تُغَطِّيَ رَأْسَهَا وَتَسْتُرَ شَعْرَهَا، وَأَنَّ لَهَا أَنْ تَسْدِلَ ثَوْبَهَا عَلَى وَجْهِهَا). تغطي المرأة رأسها وشعرها؛ لأنَّ رأسَ المرأة وشعرَها عورةٌ، بل إن المرأة كلها عورة، وهناك خلاف في وجهها (٢)، والصحيح أنَّ وجهها عورة، وأن المرأة ينبغي لها في الصلاة ألا تظهر شيئًا من بدنها؛ فإن وجد معها أجانب فإنها تستتر كليًّا؛ ولذلك قال النبي ﷺ : "إنَّ خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها

стр. 4076

أولها" (١)، ومع أنَّ الرسول ﷺ يقول: "لو يعلم الناس ما في النداء، والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا" (٢)؛ أي: يقترعون فيما بينهم، فخير صفوف النساء آخرها؛ لتكون بعيدة عن الرجال؛ لأنَّ المرأة جوهرة مصونة ينبغي أن تحافظ على نفسها، وأن يحافظ عليها أولياء أمورها، وليست كما يدعي أعداء الإسلام؛ بأن المرأة مهينة، وأنَّ المرأة لا تأخذ حقوقها، وأنها معدمة، فهذا جهل وعدم إدراكٍ لحقيقة الإسلام، ولما في هذه الشريعة من الفضل، وهي شريعة اللَّه الخالدة التي أنزلها الحكيم الخبير، قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤] فلا أعدل ولا أحكم من شريعة اللَّه، واللَّه تعالى يقول: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠]، ثم يقول اللَّه لنبيه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٨]. * قوله: (مِنْ فَوْقِ رَأْسِهَا سَدْلًا خَفِيفًا تُسْتَرُ بِهِ عَنْ نَظَرِ الرِّجَالِ إلَيْهَا). البعض يرى أنَّ المرأة تضع شيئًا على جبهتها، أو من أسفل؛ ليكون بغطاء حتى لا يمس وجهها (٣)، فهذا لم يشرع ولم يرد فيه دليل عن

стр. 4077

الرسول ﷺ ولا عن أصحابه ﵃ وإنما ورد في الحديث: "كان النساء إذا مرَّ بهم الركب يرخين الخمار على وجوههن" (١) وهو ما تخمر به المرأة رأسها وترخيه على وجهها. فالمرأة إذا رأت الأجانب تلفّ رأسها ثم تسدله على وجهها، ثم بعد ذلك تخلعه، وتضعه على رأسها، واللَّه تعالى يقول: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]، وبيَّن في الآية نفسها فقال : ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ. . .﴾ [النور: ٣١] إلى آخره. فالمرأة قد يكون عليها غطاءٌ يسمونها (الشيلة) وغير ذلك. . وبعض النساء تلبس ثوبًا واسعًا تضع طرفه على رأسها وتغطيه، والمرأة لها أن تلبس ما شاءت في إحرامها إلا أنها تتجنب الملابس التي تفتن الرجال؛ أما ما عدا ذلك فلها أن تلبس ما شاءت من الملابس، ويحسن للمرأة أيضًا ألا تشابه الرجال فلا تلبس البياض وإذا كان قد حث الرسول ﷺ على البياض فقال: "خير ثيابكم البيضر ألبسوه أحياءكم، وكفنوا فيها موتاكم" (٢)، فالبياض مستحب في هذه الشريعة لكن في حق الرجال؛ أما المرأة فينبغي لها أن تخالف الرجل فيما تلبس. * قوله: (كَنَحْوِ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: "كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ فَإِذَا مَرَّ بِنَا رَكْبٌ سَدَلْنَا عَلَى وُجُوهِنَا الثَّوْبَ مِنْ قِبَلِ رُؤوسِنَا وَإِذَا جَاوَزَ الرَّكْبُ رَفَعْنَاهُ") (٣).

стр. 4078

تقول السيدة عائشة (١): "أحرمنا؛ أي: حججنا مع رسول اللَّه ﷺ فمنا من أهلَّ بحج، ومنا من أهلَّ بعمرة، ومنا من أهلَّ بحج وعمرة، وأهلَّ ﷺ بالحج، وأن الرسول ﷺ إنما كان مقرنًا في حجه أي: أحرم بالحج والعمرة معًا (٢)؛ لكن هل بدأ بهما معًا؟ أو أنه بعد ذلك أدخل الحج على العمرة في حديث: "أتاني آتٍ من ربي" (٣)؟ تقول: إذا مرّ بنا ركب سدلنا الثوب من جهة رؤوسنا. . . أي: من جهة رؤوسنا تأخذ الغطاء فترخيه على وجهها، وإذا أبعد الأجانب عنهن رفعن الثوب. والرسول ﷺ لم يحج في هذا العام، وإنما أرسل أبا بكر ﵁ (٤)، وقد مكث ﷺ في المدينة ليقابل الوفود الذين جاؤوا من كل فج عميق من أنحاء هذه الجزيرة، بعضهم يعلن إسلامه، وبعضهم جاء ليتفقه في دين اللَّه، فقد كانوا بأمسِّ الحاجة إلى أن يبيِّن لهم الرسول ﷺ الهدى، ويرشدهم إلى طريق الخير فأرسل أبا بكر، ولأن آثار الشرك لم تزل بعدُ موجودة بمكة، وهناك من المشركين من كان لا يزال

стр. 4079

يطوف مشركًا، فأمر رسول اللَّه ﷺ أبا بكر أن يرسل مناديًا وهو (أبو هريرة) ألا يطوف بالبيت عريان، وألا يحج بعد هذا العام مشرك. ولما حجَّ رسول اللَّه ﷺ في العام العاشر من الهجرة وهو العام الذي لم يمكث بعده إلا ثمانين يومًا ثم لحق بالرفيق الأعلى -صلوات اللَّه وسلامه عليه- وحجَّ معه جمع غفير كما سيأتي. * قوله: (وَلَمْ يَأْتِ تَغْطِيَةُ وُجُوهِهِنَّ إِلَّا مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ أَنَّهَا قَالَتْ: "كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ") (١). هذا حديث صحيح، وأسماء بنت أبي بكر ﵂ لها مواقفها الجليلة مع رسول اللَّه ﷺ ومع أبيها عندما كانا في الغار ثاني اثنين وكيف كانت تذودهما بالطعام، وبالأخبار (٢)؟ فليس عمل المرأة مقصور على أُمور معينة؛ لكن المرأة تخدم في كل ما فيه مصلحة وخير للإسلام، ولكنها تبتعد عن مواضع الرجال. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي تَخْمِيرِ الْمُحْرِمِ وَجْهَهُ (٣) بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى

стр. 4080

أَنَّهُ لَا يُخَمِّرُ رَأْسَهُ) (١). لا يجوز للمحرم أن يغطي رأسه بعمامة، ولا بطاقية، ولا بغترة، ولا بثوب يضعه على رأسه، ولا أي ملاصقًا يضعه. ولا يفهم من هذا كما يتشدد البعض، أنه لا يحل لي أن أستظل بسيارة، ولا بشجرة، ولا بخيمة، فالرسول ﷺ ضربت له قبة يعني: خيمة بنمرة يستظل تحتها، وهي التي قام فيها الرسول ﷺ قبل الزوال فلما زالت الشمس انتقل وصلى الظهر، ثم بعد ذلك دخل عرفات (٢). وكذلك "ظلِّل عليه بثوب وهو يرمي الجمرات" (٣). إذن كل ذلك جاء عن رسول اللَّه ﷺ ودين اللَّه يسر "ولن يشاد الدين

стр. 4081

أحد إلا كلبه" (١)، فإذا حملت على رأسك شيئًا تضعه على رأسك فإنه لا يضر. * قوله: (فَرَوَى مَالِكٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ مَا فَوْقَ الذَّقَنِ مِنَ الرَّأْسِ لَا يُخَمِّرُهُ الْمُحْرِمُ") (٢). وهذه رواية عن أحمد وليست هي المشهورة (٣). * قوله: (وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ، وَرُوِيَ عَنْهُ: أَنَّهُ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَلَمْ يَنْزِعْهُ مِنْ مَكَانِهِ افْتَدَى (٤). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٥)، وَالثَّوْرِيُّ (٦)، وَأَحْمَدُ (٧)، وَأَبُو دَاوُدَ، وَأَبُو ثَوْرٍ: يُخَمِّرُ الْمُحْرِمُ وَجْهَهُ إِلَى الْحَاجِبَيْنِ).

стр. 4082

وما عدا الحاجبين فلا. * قوله: (وَرُوِيَ مِنَ الصَّحَابَةِ عَنْ عُثْمَانَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ (١)، وَجَابِرٍ (٢)، وَابْنِ عَبَّاسٍ (٣)، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) (٤). وذلك في قصة الذي وقصته دابته "لا تخمر رأسه ووجهه" وهذا عند مسلم (٥)، ولكنهم اختلفوا عند الزيادة فمن أخذ بها قال: لا يغطي وجهه، ومن لم يأخذ بها فلا. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي لُبْسِ الْقُفَّازَيْنِ لِلْمَرْأَةِ فَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ لَبِسَتِ الْمَرْأَةُ الْقُفَّازَيْنِ افْتَدَتْ). لا خلاف في لبس القفازين على الحقيقة، وإنما الخلاف أنه جاء نص عن الرسول ﷺ : "ولا تنتقب المرأة" (٦)، يعني: تلبس النقاب هذا الذي تظهر منه العينين، وقريب منه البرقع "ولا تلبس الخفين" (٧)، ولكن

стр. 4083

يختلف البرقع عن غيره بشكله فهو يأتي مستطيل، وهذا يأتي على قدر العين فهذا قد ورد فيه نص. ومع الإمام مالك (١) في هذا الرأي الإمام أحمد (٢)، ورواية للإمام الشافعي (٣). * قوله: (وَرَخَّصَ فِيهِ الثَّوْرِيُّ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَائِشَةَ) (٤). ومروي أيضًا عن أبي حنيفة (٥)،. . . . .

стр. 4084

والثوري (١)، وهي رواية للإمام الشافعي (٢)، لو لبست المرأة القفازين لا حرج فيه، والأولى ألا تفعل ذلك؛ لأنَّ المرأة أيضًا مأمورة بقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٨]. * قوله: (وَالْحُجَّةُ لِمَالِكٍ مَا خَرَّجَهُ دَاوُدُ عَنِ النَّبِيِّ ﵊: "أَنَّهُ نَهَى عَنِ النِّقَابِ وَالْقُفَّازَيْنِ": وَبَعْضُ الرُّوَاةِ يَرْوِيهِ مَوْقُوفًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ (٣)، وَصَحَّحَهُ بَعْضُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ - أَعْنِي: رَفْعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﵊) (٤). استدلَّ الإمام مالك، وأحمد، والشافعي في رواية إلى ما ذهب إليه

стр. 4085

"من افتداء المرأة إن لبست القفازين" فيما خرجه أبو داود (١) وهو حديث في البخاري (٢)، وفي غيره (٣)، ولا إشكال فيه وهو النهي عن النقاب والقفازين. * قوله: (فَهَذَا مَشْهُورُ اخْتِلَافِهِمْ وَاتِّفَاقِهِمْ فِي اللِّبَاسِ، وَأَصْلُ الْخِلَافِ فِي هَذَا كُلِّهِ: اخْتِلَافُهُمْ فِي قِيَاسِ بَعْضِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ عَلَى الْمَنْطُوقِ بِهِ، وَاحْتِمَالُ اللَّفْظِ الْمَنْطُوقِ بِهِ وَثُبُوتُهُ أَوْ لَا ثُبُوتُهُ). هناك أُمور نصّ عليها الرسول ﷺ بالنسبة للباس فقد أعطانا أمثلة لما نهانا عن السراويل فماذا نقول على مُسمَّى البنطلون؟ فليس اسمه السراويل، وكذلك العباءات، وغير ذلك من الثياب التي جدت، وكل ما هو محيط بالبدن أو غيره لا يجوز للمحرم أن يلبسه؛ إذ كل ذلك مسكوت عنه فيلحق بالمنطوق من أحاديث الرسول ﷺ وهو النهي عن لبس السراويل وكل مخيط يحيط بالبدن يدخل في الحرمة قياسًا على المنطوق. * قوله: (وَأَمَّا الشَّيْءُ الثَّانِي مِنَ الْمَتْرُوكَاتِ فَهُوَ الطِّيبُ وَذَلِكَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الطِّيبَ كُلَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ) (٤).

стр. 4086

الشيء الثاني من المحظورات في الإحرام: (الطيب) بعد أن فرغ المؤلف من الكلام عن المخيط دخل إلى الشيء الثاني من المتروكات وهو: (الطيب) بالنسبة للمحرِم. ولقد ذكر المؤلف من المحظورات الأول (تغطية الرأس) والثاني (اللبس عمومًا) فاعتبر هذين المحظورين محظورًا وذكر بعدها (الطيب) على أنه المحظور الثاني، وجعل الطيب بعد اللباس؛ لأنه هو الذي ورد في الحديث؛ فكأن المؤلف سار على نسق الحديث؛ فالمحظور الثاني، وهو في الحقيقة الثالث. المحظور الثالث للمحرم وهو: (الطيب)، والطيب: كلمة عامة وليس النهي متلبسًا به في كل المواضع؛ بل ساعة الإحرام أما بعد ذلك؛ فهو أمر حضَّ عليه الإسلام؛ إذ يقول الرسول ﷺ : "حبب إليّ من دنياكم النساء، والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة" (١)، فقرة عين الرسول ﷺ الصلاة، وهكذا ينبغي أن تكون الصلاة قرة عين كل مسلم؛ فإن الرسول ﷺ "كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة" (٢)، وكان يقول: "أرحنا يا بلال بالأذان" (٣)؛ لأن الأذان بعده إقامة الصلاة، واللَّه تعالى يقول: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٦]. فالطيب محبَّب إلى رسول اللَّه ﷺ ، إذ له رائحة طيبةٌ ترتاح إليها النفوس، وهو مما أباحه اللَّه لأنه نوع من الطيبات،

стр. 4087

واللَّه تعالى يقول: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، لكنه مع إباحته لنا وحضنا عليه؛ لا يجوز لنا أن نضعه في أبداننا وفي ثيابنا، بعد أن ندخل في النسك حجًا كان أو عمرة؛ لأن هذا حدٌّ وضعه اللَّه تعالى لنا، واللَّه تعالى يقول: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] فاللَّه عندما أمرنا بأمور أوجبها علينا يجب علينا أن نفعلها، وإذا نهانا عن أُمور يجب علينا أن نبتعد عنها، واللَّه ليس بحاجة إلينا، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]، ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧]، لكنه اختبار من اللَّه لنا، قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، وقال أيضًا: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]، فكيف يتبيَّن الصالح من غيره؟ والمحسن من غيره؟ وكيف يتفاوت الناس بأعمالهم؟ إنما هو بهذه العبادات التي وضعها اللَّه ، فاللَّه وضع لنا طريق الخير، والرشاد، والهداية، قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، وأيضًا حضنا ورغبنا، وبين لنا كل وسيلة توصلنا إلى الطريق السوي الذي يسيرُ بنا إلى الجنة، وبيَّن طريق الشر والغواية، وحذرنا منه، وبين أنه طريق يوصل إلى جهنم -وبئس المصير-. فلا شكَّ أن الطيب مما أباحه اللَّه لنا، وبيَّنه لنا رسول اللَّه ﷺ وهو من الطيبات كما أنه يجوز للمحرم قبل إحرامه أن يتطيب؛ لكن لا ينبغي له أن يضع شيئًا على ردائه، ولا على إزاره؛ حتى لا يبقى أثر من ذلك بعد إحرامه وذلك احتياطًا. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ لِلْمُحْرِمِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ لِلْمُحْرِمِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ لِمَا يَبْقَى مِنْ أَثَرِهِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، فَكَرِهَهُ قَوْمٌ وَأَجَازَهُ آخَرُونَ، وَمِمَّنْ كَرِهَهُ مَالِكٌ، وَرَوَاهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ وَابْنَ عُمَرَ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَمِمَّنْ أَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَدَاوُدُ).

стр. 4088

بعد أن عرفنا أنَّ الطيب مرغب فيه جملة؛ أما بالنسبة لمن يريد الإحرام؛ فإن التطيب قبل الإحرام وبعده لا يجوز؛ لأنه محظور من محظورات الإحرام، سواء كان في البدن، أو في الثوب، أو في الرأس، أو في أيِّ مكان آخر. ولكن هل يجوز التطيب قبل لبس الإحرام أم لا؟ كرهه مالك (١) إذ رواه عن عمر (٢)، وهو قول عثمان، وابن عمر (٣)، وجماعة من التابعين (٤). وأجازه جماهير العلماء فضلًا عن أبي حنيفة (٥)، والشافعي (٦)

стр. 4089

والثوري، وأحمد (١)، وأبو داود؛ لأنه قد ثبت ذلك عن رسول اللَّه ﷺ صراحة. وإذا عرضنا سنة رسول ﷺ وهو القائل: "خذوا عني مناسككم" (٢)، وجدنا أنَّ الأحاديث الصحيحة تبيِّن أنَّ الرسول تطيَّب لإحرامه كما ورد في حديث عائشة المتفق عليه قالت: "كنت أُطيِّب رسول اللَّه ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم ولحلِّه قبل أن يطوف بالبيت" (٣). وجاء في الحديث الآخر: "كان يُرى الطيب في مفرق رسول اللَّه ﷺ " (٤). وفي رواية: "لمعانه في مفرق رسول اللَّه ﷺ " (٥). وعلى ذلك فقد ثبت أنَّ الرسول ﷺ كان يتطيَّب للإحرام، وكانت تطيِّبه عائشة، ﵄ فدل ذلك على جوازه قبل الإحرام. فالطيب مما يجوز استدامته من قبل الإحرام، ولا يجوز ابتداعه يعني: إحداثه بعده، فلو بقيت رائحة في البدن؛ فإنه يستمر معه، لكنْ شريطة أن يكون قبل الإحرام. * قوله: (وَالْحُجَّةُ لِمَالِكٍ ﵀ مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ حَدِيثُ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ (٦)، وَفِيهِ: "أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى

стр. 4090

النَّبِيِّ ﷺ بِجُبَّةٍ مُضَمَّخَةٍ بِطِيبٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي جُبَّةٍ بَعْدَمَا تُضَمَّخُ بِطِيبٍ؟ فَأُنْزِلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ الْعُمْرَةِ آنِفًا؟ فَالْتُمِسَ الرَّجُلُ فَأُتِيَ بِهِ، فَقَالَ ﵊: أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ عَنْكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا ثُمَّ اصْنَعْ مَا شِئْتَ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجَّتِكَ" اخْتَصَرْتُ الْحَدِيثَ، وَفِقْهُهُ هُوَ الَّذِي ذَكَرْتُ). الحجة التي تمسَّك بها الإمام مالك، ومن معه من بعض الصحابة، والتابعين هو الأثر المذكور السابق وفيه: إنه لما تضمخ ثوب الرجل في الطيب بعد أن كان محرمًا، ثم بقيت آثاره الواضحة على جبته التي يلبسها؛ أمره النبي ﷺ بنزع الجبة مطلقًا، وبغسل الطيب ثلاث مرات؛ مما يدل على كراهة ذلك، ولو كان جائزًا؛ لما أمره بغسل الثوب ثلاثًا، وبنزع الجبة التي ضُمِّخت بالطيب، أما قبل ذلك فهذا أمر جائز لأن الرسول ﷺ فعله. * قوله: (وَعُمْدَةُ الطَّرِيقِ الثَّانِي: مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: "كُنْتُ أُطَيِّبُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَلِحَلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ"). وحجة الفريق الثاني: وهو ما ذكرنا آنفًا من جواز الطيب هذا الحديث السابق الوارد في (الموطأ) (١) وهو في (الصحيحين) أيضًا: "كنت أطيِّب رأس رسول اللَّه ﷺ لإحرامه قيل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت" (٢)، وفي رواية الصحيحين: "كنت أطيِّب رسول اللَّه ﷺ لإحرامه

стр. 4091

قبل أن يحرم، ولحلِّه قبل أن يطوف بالبيت" (١). وهذا مما يدل على جوازه، إذ لو كان مكروهًا لرفضه ﷺ ، وهذا عليه جماهير أهل العلم كما سبق. * قوله: (وَاعْتَلَّ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ -وَقَدْ بَلَغَهَا إِنْكَارُ ابْنِ عُمَرَ تَطَيُّبَ الْمُحْرِمِ قَبْلَ إِحْرَامِهِ-: "يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَطَافَ عَلَى نِسَائِهِ ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا"، قَالُوا: "وَإِذَا طَافَ عَلَى نِسَائِهِ اغْتَسَلَ، فَإِنَّمَا يَبْقَى عَلَيْهِ أَثَرُ رِيحِ الطِّيبِ لَا جِرْمُهُ نَفْسُهُ"). وأراد الفريق الثاني رفع هذا الاختلاف بما روي عن السيدة عائشة ﵂ (٢). إذ بلغها إنكار عبد اللَّه بن عمر عن تطيب المحرم قبل إحرامه فقالت: رحم اللَّه أبا عبد الرحمن -بالدعاء له- ثم انكرت ما ذهب إليه؛ بأنها كانت تطيب رسول اللَّه ﷺ قبل أن يطوف على نسائه، ثم يُصبح محرمًا، وهذا أيضًا مروي في البخاري (٣)؛ فيبقى عليه أثر ريح الطيب لا جِرْمه وأثره. نفرض جدلًا: لو أنَّ إنسانًا وضع طيبًا في رأسه قبل الإحرام، ثم مشى في مكانٍ شديد الحرارة؛ فسال الطيب على بدنه، أو على إحرامه فلا بأس بذلك ولا يضر؛ لأنَّ هذا مما يجوز استدامته لا ابتداءه فلم يبتدئ بهذا الطيب أولًا إنما كان موجودًا في بدنه، وهذا لا يضر. * قوله: (قَالُوا: وَلَمَّا كَانَ الْإِجْمَاعُ قَدِ انْعَقَدَ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا

стр. 4092

لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ ابْتِدَاؤُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، مِثْلَ لُبْسٍ الثِّيَابِ وَقَتْلِ الصَّيْدِ، لَا يَجُوزُ لَهُ اسْتِصْحَابُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ (١)، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الطِّيبُ كَذَلِكَ). بينما استدل الفريق الأول القائل بالكراهه بدليل عقلي وهو: "أن كل ما لا يجوز للمحرم ابتداؤه وهو محرم، مثل لبس الثياب، وقتل الصيد؛ لا يجوز له استصحابه وهو محرم فكذلك الطيب لا يجوز ابتداؤه، ولا استصحابه". الرد على ذلك: أنَّ الطيب ليس كما ذكرتم؛ وإنما يجوز له استصحابه؛ لأن الرسول ﷺ قد استصحبه، واللَّه تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢٢] وكان يرى يبس الطيب ولمعانه في مفرق رأس رسول اللَّه ﷺ ، إذ كان رسول اللَّه ﷺ يفرق رأسه (٢). * قوله: (فَسَبَبُ الْخِلَافِ: تَعَارُضُ الْآثَارِ فِي هَذَا الْحُكْمِ). في الحقيقة ليس هناك تعارض: لأنَّ قصة الرجل السائل الذي تضمخ ثيابه في الطيب؛ إنما كان هذا بعد إحرامه، أما ما ثبت عن النبي ﷺ فكان قبل الإحرام فلا تعارض بينهما، ونحن نقول: لا يجوز للمحرم أن يتطيب بعد دخوله في النسك، كما كان ذلك في الرجل السائل الذي تضمخ ثيابه وهو محرم فأمره الرسول بغسل الثوب ونزعه، أما إذا كان الطيب قبل إحرامه وبقي أثره؛ كما ثبت ذلك عن رسول اللَّه ﷺ فلا حرج في ذلك كما ثبت ذلك عن السيدة عائشة، وبذلك يسقط ما ظاهره التعارض في الآثار.

стр. 4093

* قوله: (وَأَمَّا الْمَتْرُوكُ الثَّالِثُ فَهُوَ مُجَامَعَةُ النِّسَاء). المحظور الرابع على التعيين: هو مجامعة النساء؛ لأنه تكلم عن تغطية الرأس، وعن لبس المخيط، وعن الطيب. نهى اللَّه عن مجامعة النساء، فقال تعالى ذكره: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، والرفث هو: (الجماع) وهو من أشد الأعمال المحظورة حرمة للمحرم؛ لأنه إن جامع قبل التحلل الأول؛ فإنه في هذه الحالة يُطَالب بأمورٍ أربعة: ١ - عليه الإثم والوزر. ٢ - فسد حجه في هذا العام. ٣ - عليه الفدية، وهي: ذبح بدنة. ٤ - يطالب بحجٍّ غيره في العام المُقبل. * قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ (١) عَلَى أَنَّ وَطْءَ النِّسَاءِ عَلَى الْحَاجِّ حَرَامٌ مِنْ حِينِ يُحْرِمُ لِقَوْلِهِ -تَعَالَى-: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]). ولا يختلف الحجُّ الواجب عن غيره؛ حيث لا يجوز للمسلم بعد أن يدخل في النسك أن يجامع زوجته حتى يتحلَّل التحلُّل الثاني، فليس له أن يجامع بعد التحلل الأول؛ لكنه لو جامع بعده لا يفسد حجه لكن يطالب بدل البدنة بذبح شاة، ويذهب ليحرم مرة أُخرى؛ لأنه أفسد إحرامه من الميقات، وبعد ذلك يطوف طواف الإفاضة.

стр. 4094

* قوله: (وَأَمَّا الْمَمْنُوعُ الرَّابِعُ: فَهُوَ إِلْقَاءُ التَّفَثِ وَإِزَالَةُ الشَّعَرِ وَقَتْلُ الْقَمْلِ). جمع المؤلف أُمورًا عدة، وكلها من محظورات الإحرام، من إلقاء التفث، وإزالة الشعر، وقتل القمل. والقصد من إلقاء التفث هنا: هو الاغتسال، وليس المراد تنقية البدن، وتنظيفه؛ فلقد ثبت عن الرسول ﷺ أنه ذكر أمورًا من الفطرة، ومنها: "قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة" (١)، وفي حديث آخر عند مسلم (٢)، وغيره (٣) "أن الرسول ﷺ وقّتَ لذلك أربعين ليلة"؛ أي: لا ينبغي للمسلم أن يتأخر في ترك تلك الأُمور، وهي: حلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر، وقص الشارب، فلا تتجاوز مدة أربعين يومًا. فالإنسان مطالب بإزالة التفث عندما يريد أن يدخل في الإحرام؛ فليزل شاربه إذا كان طويلًا، وربما يزيد شعره في بعض المواضع فتخرج عنه رائحة غير طيبة؛ فينبغي أن يحتاط لذلك؛ لأنَّ المسلم إذا دخل في نسك من الأنساك، ينبغي أن يكون على شعث؛ فلا يأخذ شيئًا من شعره، ولا من أظفاره؛ لأن هذا يُسمَّى (بالتنعم والترفه) عند الفقهاء. وقد اختلف العلماء متى يحرم أهل مكة بالحج: بعض العلماء (٤) يقولون: أنهم يحرمون عند دخول أول شهر ذي

стр. 4095

الحجة عندما يهل الشهر عليهم؛ وذلك ليوافق (الأفاقين) في ذلك وهم الذين يأتون من سفر بعيد؛ لأنَّ الذي يأتي من سفر بعيد تلحقه مشقة ويصبه شعث؛ فينبغي أن يوافقوهم في شيءٍ من ذلك. وبعضهم (١) يقول، وهم الأكثر: يحرمون كغيرهم في السنة من اليوم الثابت. (إزالة الشعر) قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قد يظن البعض أنه إذا وقع في أي أمر من هذه الأُمور، ليس عليه إلا أن يذبح دمًا، لكنه من الناحية الفقهية إذا لم يجد الدم فله أن يصوم ثلاثة أيام، وله أن يطعم ستة مساكين؛ كل مسكين نصف صاع؛ لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] فهذا نصٌّ في حلق الرأس بعد الإحرام. وللحديث الوارد في ذلك وهو: "أن كعب بن عُجْرة كان القمل يتناثر من رأسه فقال له الرسول ﷺ : ما كنت أظن أن الوجع قد بلغ بك ما بلغ -إذ كان شعره مليءٌ بالقمل فتأثر بذلك- فأمره الرسول ﷺ بحلق شعره، وأن يذبح شاة إن كان قادرًا، أو يصوم ستة أيام، أو أن يطعم ثلاثة مساكين لكل مسكين نصف صاع من بر" (٢)، ولا بد أن نفرق بين أمرين، الأول: حلق الشعر. والثاني: ما يتعلَّق بالقمل.

стр. 4096

(قتل القمل): قتل القمل ليس فيه شيء؛ لأنَّ الرسول ﷺ أمر الرجل بالفدية في مقابل حلق شعره، وبعض العلماء ذهب إلى كراهة ذلك؛ لكن ليس فيه فدية؛ لذلك فرق اللَّه تعالى بين الشعر، وبين القمل. ونصَّ على شعر الرأس فقط، ومع ذلك نجد العلماء ألحقوا به جميع الشعر فلا يأخذ من عانته شيئًا، ولا من شاربه، ولا من إبطه، ولا أي مكان في بدنه؛ إذ ألحقوه بالرأس قياسًا عليه. (" تقليم الأظافر"): هذا لم يرد فيه نص، ولكن العلماء قالوا بعدم جوازه للمحرم؛ فإن قلَّم المحرم أظفارَه؛ فإنَّ عليه الفدية التي ورد النص عليها في الآية السابقة كالشعر، وهو أن يذبح دمًا، فإن لم يجد فله أن يصوم ثلاثة أيام، وله أن يطعم ستة مساكين؛ كل مسكين نصف صاع قال تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. قد يرد سؤالٌ وهو ربما يقص المحرم ظفرًا من أظفاره، أو يقلع شعرة، أو شعرتين، أو ثلاثة، أو عشرًا. فهل في هذا فدية؟ الجواب: لا، وهو ما يحصل به رفع الأذى، وهو ما يسميه الفقهاء (بإماطة الأذى)؛ أي: إبعاده فهو عادة ما يحصل ويقع، إذ يحرم على المسلم أن يأخذ شيئًا من أظفاره، أو شيئًا من شعره. وبعض العلماء قال: من حلق ثلاث شعرات؛ عليه فدية؛ وبعضهم قال: أربع شعرات، وبعضهم قال: خمس شعرات، وبعضهم قال: ربع الرأس، وبعضهم قال: أكثر من ذلك، أو أقل. هذه أقوال كثيرة ليس عليها نص إذ أنَّ اللَّه تعالى بين الحكم في الآية فقال : ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [االبقرة: ١٩٦]. والرسول ﷺ أمر الرجل بأن يحلق رأسه جميعًا؛ لكنْ من باب الحيطة

стр. 4097

وتجنبًا للخلاف لا ينبغي أن يؤخذ شيء من الرأس، لا قليل ولا كثير، خروجًا من الخلاف. * قوله: (وَلَكِنِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ غَسْلُ رَأْسِهِ مِنَ الْجَنَابَةِ). أما الجنابة فهي أمر متعين، وليس فيه خلاف (١)، وكذلك المرأة الحائض مثل الجنب تمامًا، إذ لا يجوز للرجل إذا كان جنبًا أن يصلي إلا أن يتطهر؛ لقول النبي ﷺ : "لا يقبل اللَّه صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" (٢). وقوله ﷺ : "لا يقبل اللَّه صلاةً بغير طهور" (٣)، واللَّه يقول: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] فغسل الجنابة واجب بنص الآية، فمن كانت عليه جنابة فلا خلاف بين العلماء في وجوب الغسل عليه، وأنه متعين؛ لكنَّ الإنسان في هذه الحالة -وهو في حالة الإحرام- ينبغي أن يتمهل في دعك رأسه، وفي أظافره، حتى لا يتساقط شيء من الشعر فيقع في المحظور، واختلف العلماء في ذلك (٤)، والخروج من الخلاف مستحب. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي كَرَاهِيَةِ غُسْلِهِ مِنْ غَيْرِ الْجَنَابَةِ). اختلف الفقهاء في غسل المحرم رأسه من غير الجنابة، هل يغسل المحرم رأسه من غير الجنابة أم لا؟ الجواب: لا بأس بذلك؛ فإنه ثبت عن بعض السلف أنه اغتسل من غير الجنابة وسيأتي حديث أبي أيوب فيما بعد.

стр. 4098

والصحيح أنه يجوز للإنسان أن يغتسل من غير الجنابة؛ لكن عليه أن يتمهل في دعك الأعضاء وفي فرك الرأس، حتى لا يؤدي ذلك إلى سقوط الشعر. * قوله: (فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا بَأْسَ بِغَسْلِ رَأْسَهُ، وَقَالَ مَالِكٌ: بِكَرَاهِيَةِ ذَلِك وَعُمْدَتُهُ: "أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْن عُمَرَ كَانَ لَا يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ إِلَّا مِنَ الِاحْتِلَامِ"). ذهب الجمهور وهم الأئمة الثلاثة (أبو حنيفة (١)، والشافعي (٢)، وأحمد) (٣) إلى جواز غسل رأس المحرم، وهو الأولى، والأقرب إلى سماحة الشريعة الإسلامة؛ فإنَّ الحجَّ أحيانًا يكون في أيام الصيف، وهناك أملاح تخرج من البدن، وكذلك العرق فيتراكم عليه ذلك فتخرج منه روائح غير طيبة، فينبغي للمسلم أن يغتسل؛ لكن عليه أن يحافظ على هذا الغسل، وأن يكون برفقٍ ولينٍ. بينما ذهب الإمام (مالك) (٤) إلى كراهة غسل الرأس حالة الإحرام وحجته: "أنَّ ابن عمر كان لا يغسل رأسه وهو محرمٌ إلا من الاحتلام" (٥).

стр. 4099

ومع ذلك فقد أثر أيضًا "عن عبد اللَّه بن عمر وعن أبيه ﵄ أنهما يريان الغسل" (١)؛ كما ذهب إلى ذلك الجمهور. * قوله: (وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ: "أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالْأَبْوَاءِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأَسَهُ، وَقَالَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ: لَا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ، قَالَ: فَأَرْسَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصارِيِّ قَالَ: فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ وَهُوَ مُسْتَتِرٌ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ أَسْأَلُكَ كيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ فَتَطَأْطَأَ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ ثُمَّ قَالَ لِإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ"). وحجة الجمهور إلى ما ذهبوا إليه من جواز غسل رأس المحرم: ما رواه مالك (٢) عن عبد اللَّه بن جبير أن عبد اللَّه بن عباس وهو ابن عم رسول اللَّه ﷺ ، والمسور بن مخرمة، وهو أيضًا صحابي إذ حصل بينهما خلاف في: هل يغسل المحرم رأسه لغير الجنابة أم لا؟ فقال ابن عباس: يغسل رأسه، وقال المسور: لا يغسل رأسه، فأرادا أن يحكم في ذلك أبو أيوب الأنصاري لعلمهما بأنه يعلم شيئًا عن رسول اللَّه ﷺ فبعثا إليه ابن جبير فسأله أبو أيوب. فقال ابن جبير: أرسلني إليك ابن عباس، قال: فوجدته يغتسل بين القرنين وهو وضع شيء مقابل شيء، ولف عليهما ثوبًا ليستره وهو

стр. 4100

يغتسل، فجاء إليه الرسول فبلغه الرسالة؛ فما كان منه إلا أن أراه ذلك تطبيقًا عمليًّا، إذ أخرج رأسه من الثوب وهو معني قوله: تطأطأ أي: مال حتى ظهر له رأسه ليرى كيف يصنع في غسل رأسه، وأمر الذي يصب عليه الماء وهو خادمه أن يصب، فدلك رأسه وهو محرم فبين له كيف يغسل ذلك، وهذا حجة للجمهور، وليس ذلك في غسل الجنابة كما علل البعض (١). إذًا؟ أبو أيوب رأى ذلك الفعل من الرسول ﷺ وهو محرم، ثم في النهاية بيَّن له ذلك، ووضَّحه تطبيقًا عمليًّا أن هذا هو غسل رسول اللَّه ﷺ ، والسنة إما نقلت إلينا قولًا، أو فعلًا، أو تقريرًا، ومعلوم أنَّ عددًا من الصحابة ﵃ كعثمان (٢)، وعلي (٣) رووا لنا وضوء رسول اللَّه ﷺ تطبيقًا عمليًّا فهذا الذي مضى من أبي أيوب مما ورد إلينا فعلًا، ويلزم أن رأى ذلك من رسول ﷺ ونقله. * قوله: (وَكَانَ عُمَرُ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَيَقُولُ: "مَا يَزِيدُهُ الْمَاءُ إِلَّا شَعَثًا" رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ) (٤).
следующие страницы →