← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

(قتل القمل): قتل القمل ليس فيه شيء؛ لأنَّ الرسول ﷺ أمر الرجل بالفدية في مقابل حلق شعره، وبعض العلماء ذهب إلى كراهة ذلك؛ لكن ليس فيه فدية؛ لذلك فرق اللَّه تعالى بين الشعر، وبين القمل. ونصَّ على شعر الرأس فقط، ومع ذلك نجد العلماء ألحقوا به جميع الشعر فلا يأخذ من عانته شيئًا، ولا من شاربه، ولا من إبطه، ولا أي مكان في بدنه؛ إذ ألحقوه بالرأس قياسًا عليه. (" تقليم الأظافر"): هذا لم يرد فيه نص، ولكن العلماء قالوا بعدم جوازه للمحرم؛ فإن قلَّم المحرم أظفارَه؛ فإنَّ عليه الفدية التي ورد النص عليها في الآية السابقة كالشعر، وهو أن يذبح دمًا، فإن لم يجد فله أن يصوم ثلاثة أيام، وله أن يطعم ستة مساكين؛ كل مسكين نصف صاع قال تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. قد يرد سؤالٌ وهو ربما يقص المحرم ظفرًا من أظفاره، أو يقلع شعرة، أو شعرتين، أو ثلاثة، أو عشرًا. فهل في هذا فدية؟ الجواب: لا، وهو ما يحصل به رفع الأذى، وهو ما يسميه الفقهاء (بإماطة الأذى)؛ أي: إبعاده فهو عادة ما يحصل ويقع، إذ يحرم على المسلم أن يأخذ شيئًا من أظفاره، أو شيئًا من شعره. وبعض العلماء قال: من حلق ثلاث شعرات؛ عليه فدية؛ وبعضهم قال: أربع شعرات، وبعضهم قال: خمس شعرات، وبعضهم قال: ربع الرأس، وبعضهم قال: أكثر من ذلك، أو أقل. هذه أقوال كثيرة ليس عليها نص إذ أنَّ اللَّه تعالى بين الحكم في الآية فقال : ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [االبقرة: ١٩٦]. والرسول ﷺ أمر الرجل بأن يحلق رأسه جميعًا؛ لكنْ من باب الحيطة

стр. 4097

وتجنبًا للخلاف لا ينبغي أن يؤخذ شيء من الرأس، لا قليل ولا كثير، خروجًا من الخلاف. * قوله: (وَلَكِنِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ غَسْلُ رَأْسِهِ مِنَ الْجَنَابَةِ). أما الجنابة فهي أمر متعين، وليس فيه خلاف (١)، وكذلك المرأة الحائض مثل الجنب تمامًا، إذ لا يجوز للرجل إذا كان جنبًا أن يصلي إلا أن يتطهر؛ لقول النبي ﷺ : "لا يقبل اللَّه صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" (٢). وقوله ﷺ : "لا يقبل اللَّه صلاةً بغير طهور" (٣)، واللَّه يقول: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] فغسل الجنابة واجب بنص الآية، فمن كانت عليه جنابة فلا خلاف بين العلماء في وجوب الغسل عليه، وأنه متعين؛ لكنَّ الإنسان في هذه الحالة -وهو في حالة الإحرام- ينبغي أن يتمهل في دعك رأسه، وفي أظافره، حتى لا يتساقط شيء من الشعر فيقع في المحظور، واختلف العلماء في ذلك (٤)، والخروج من الخلاف مستحب. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي كَرَاهِيَةِ غُسْلِهِ مِنْ غَيْرِ الْجَنَابَةِ). اختلف الفقهاء في غسل المحرم رأسه من غير الجنابة، هل يغسل المحرم رأسه من غير الجنابة أم لا؟ الجواب: لا بأس بذلك؛ فإنه ثبت عن بعض السلف أنه اغتسل من غير الجنابة وسيأتي حديث أبي أيوب فيما بعد.

стр. 4098

والصحيح أنه يجوز للإنسان أن يغتسل من غير الجنابة؛ لكن عليه أن يتمهل في دعك الأعضاء وفي فرك الرأس، حتى لا يؤدي ذلك إلى سقوط الشعر. * قوله: (فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا بَأْسَ بِغَسْلِ رَأْسَهُ، وَقَالَ مَالِكٌ: بِكَرَاهِيَةِ ذَلِك وَعُمْدَتُهُ: "أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْن عُمَرَ كَانَ لَا يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ إِلَّا مِنَ الِاحْتِلَامِ"). ذهب الجمهور وهم الأئمة الثلاثة (أبو حنيفة (١)، والشافعي (٢)، وأحمد) (٣) إلى جواز غسل رأس المحرم، وهو الأولى، والأقرب إلى سماحة الشريعة الإسلامة؛ فإنَّ الحجَّ أحيانًا يكون في أيام الصيف، وهناك أملاح تخرج من البدن، وكذلك العرق فيتراكم عليه ذلك فتخرج منه روائح غير طيبة، فينبغي للمسلم أن يغتسل؛ لكن عليه أن يحافظ على هذا الغسل، وأن يكون برفقٍ ولينٍ. بينما ذهب الإمام (مالك) (٤) إلى كراهة غسل الرأس حالة الإحرام وحجته: "أنَّ ابن عمر كان لا يغسل رأسه وهو محرمٌ إلا من الاحتلام" (٥).

стр. 4099

ومع ذلك فقد أثر أيضًا "عن عبد اللَّه بن عمر وعن أبيه ﵄ أنهما يريان الغسل" (١)؛ كما ذهب إلى ذلك الجمهور. * قوله: (وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ: "أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالْأَبْوَاءِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأَسَهُ، وَقَالَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ: لَا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ، قَالَ: فَأَرْسَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصارِيِّ قَالَ: فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ وَهُوَ مُسْتَتِرٌ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ أَسْأَلُكَ كيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ فَتَطَأْطَأَ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ ثُمَّ قَالَ لِإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ"). وحجة الجمهور إلى ما ذهبوا إليه من جواز غسل رأس المحرم: ما رواه مالك (٢) عن عبد اللَّه بن جبير أن عبد اللَّه بن عباس وهو ابن عم رسول اللَّه ﷺ ، والمسور بن مخرمة، وهو أيضًا صحابي إذ حصل بينهما خلاف في: هل يغسل المحرم رأسه لغير الجنابة أم لا؟ فقال ابن عباس: يغسل رأسه، وقال المسور: لا يغسل رأسه، فأرادا أن يحكم في ذلك أبو أيوب الأنصاري لعلمهما بأنه يعلم شيئًا عن رسول اللَّه ﷺ فبعثا إليه ابن جبير فسأله أبو أيوب. فقال ابن جبير: أرسلني إليك ابن عباس، قال: فوجدته يغتسل بين القرنين وهو وضع شيء مقابل شيء، ولف عليهما ثوبًا ليستره وهو

стр. 4100

يغتسل، فجاء إليه الرسول فبلغه الرسالة؛ فما كان منه إلا أن أراه ذلك تطبيقًا عمليًّا، إذ أخرج رأسه من الثوب وهو معني قوله: تطأطأ أي: مال حتى ظهر له رأسه ليرى كيف يصنع في غسل رأسه، وأمر الذي يصب عليه الماء وهو خادمه أن يصب، فدلك رأسه وهو محرم فبين له كيف يغسل ذلك، وهذا حجة للجمهور، وليس ذلك في غسل الجنابة كما علل البعض (١). إذًا؟ أبو أيوب رأى ذلك الفعل من الرسول ﷺ وهو محرم، ثم في النهاية بيَّن له ذلك، ووضَّحه تطبيقًا عمليًّا أن هذا هو غسل رسول اللَّه ﷺ ، والسنة إما نقلت إلينا قولًا، أو فعلًا، أو تقريرًا، ومعلوم أنَّ عددًا من الصحابة ﵃ كعثمان (٢)، وعلي (٣) رووا لنا وضوء رسول اللَّه ﷺ تطبيقًا عمليًّا فهذا الذي مضى من أبي أيوب مما ورد إلينا فعلًا، ويلزم أن رأى ذلك من رسول ﷺ ونقله. * قوله: (وَكَانَ عُمَرُ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَيَقُولُ: "مَا يَزِيدُهُ الْمَاءُ إِلَّا شَعَثًا" رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ) (٤).

стр. 4101

هذا هو حجة الذين يقولون: بأنَّ المحرم لا يغسل رأسه؛ لأن المحرم مطالبٌ بألا يكون متنعمًا أشعث أغبر هذا هو المراد؛ لأن الإنسان عندما يغسل رأسه، وينظف نفسه فإنه بذلك يكون كغير المحرم، والغاية من الإحرام أن يكون المحرم على صفة لا يكون عليها غير المحرم؛ لأنَّ المحرم إنما هو في سفر وفي جهاد، فينبغي أن يكون على حالة هو فيها إلى المسافر أقرب منه إلى الحاضر، لكننا إذا ألقينا نظرة واسعة إلى عموم ما في هذه الشريعة من التوسعة؛ لوجدنا أنَّ المحرم يتلذذ بهذه الطيبات فهو يأكل ما يشتهي من الفواكه، ومن الخضروات، ومن اللحوم، وغيرها، مما لم يمن عليه من الصيد فذلك كله من الترفه، وعلَّل العلماء (١) بأنَّ المنع من الأخذ من حلق شعر الرأس، وكذلك التطييب، وكذلك تقليم الأظفار؛ لأن فيه ترفعًا وتنعمًا، لكن هذه جاءت فيها نصوص، والذي لم يرد فيه نص ألحق بغيره؛ لوجود علة تجمع بينهما ومعلوم أنه قد يكون الملحق وهو الفرع أقوى من الأصل؛ أي: تكون العلة الموجودة في الفرع أقوى من وجودها في الأصل، وقد تكون مساوية، وقد تكون دون ذلك، ومعلوم أنَّ القياس (٢) المعتبر إنما هو قياس العلة (٣)؛ أما قياس

стр. 4102

الشبه (١)، وقياس الاعتبار فهما ضعيفان. وهذا الأثر صحيح رواه الإمام مالك (٢)، ورواه مسلم، ورواه الجماعة (٣) إلا البخاري. * قوله: (وَحَمَلَ مَالِكٌ حَدِيثَ أَبِي أَيُّوبَ عَلَى غُسْلِ الْجَنَابَةِ). حديث أبي أيوب (٤) فيما يتعلَّق بغسل رأس المحرم لا في الاغتسال من الجنابة كما حمله الإمام مالك، فالاغتسال من الجنابة ليس محل خلاف بين العلماء؛ بل هو إجماع (٥)، ومتعين، ولذلك جاء في مقدمة القصة". أنهما اختلفا فيما يتعلَّق بغسل المحرم لرأسه، ونص على الرأس؛ لأنه هو الأهم، وربما الذي يتساقط منه الشعر هو بقية البدن، وأما الرأس فإنه لا يتساقط نتيجة الغسل في الغالب. * قوله: (وَالْحُجَّةُ لَهُ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ قَتْلِ

стр. 4103

الْقَمْلِ وَنَتْفِ الشَّعَرِ وَإِلْقَاءِ التَّفَثِ -وَهُوَ الْوَسَخُ-) (١). هذه مسألة طال فيها الكلام بين العلماء: لو أنَّ إنسانًا عليه شعر كثير، وفيه قمل، وتضرر من هذا القمل فإنه يحلق رأسه (٢)؛ لكن لو قتل القمل؛ بأن أخذ دواءً فقتله في رأسه، أو جاء بالأمشاط الجديدة الآن التي تسقط القمل وبسبب ذلك؛ قلّ القمل بين الناس؛ ولكن قد يوجد من بين الناس من يعيش مثلًا في مناطق معينة يكثر فيه القمل وهو موجود، وإن كان الناس الآن يعتنون بشعورهم ثم يندر أن تجد إنسانًا فيه القمل؛

стр. 4104

لكنه موجود، فهل يجوز له أن يقتله أو يقتل بعضه؟ ولو قتله هل فيه شيء؟ الصحيح أنه ليس فيه فدية؛ لكن العلماء يختلفون (١) فيما لو أخذ قملة، أو قملتين وقتلهما. بعضهم يقول: يخرج عن القملة تمرة، وبعضهم يقول: يخرج حفنة من طعام، وبعضهم يقول: يخرج ملء الكف. وسبب اختلافهم: أنه لم يرد فيها نص صريح؛ إلا أنَّ الرسول ﷺ عندما أَذِن لكعبٍ (٢) أن يحلق رأسه؛ إنما أمره بأن يفدي مقابل حلق الرأس لا مقابل ذلك القمل الذي زال، وربما بعضه مات أثناء حلق الرأس. * قوله: (وَالْغَاسِلُ رَأْسَهُ هُوَ إِمَّا أَنْ يَفْعَلَ هَذِهِ كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا، وَاتَّفَقُوا عَلَى مَنْعِ غَسْلِهِ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ). الخطمي: هو ما يعرف عند الفقهاء شبيه (بالسدر)، وهو الآن مثل الصابون، والشامبو، إذ تغيرت الأحوال وكثرت الأُمور التي ينظف بها

стр. 4105

الإنسان بدنه، وكما سبق أن ما فيه عطر أصلًا؛ لا ينبغي للمسلم أن يقربه كمثل: (الصابون والشامبو المعطر) لكن هذه الأُمور التي تنقي الرأس، وتنقي البدن، هل يجوز للإنسان أن يغتسل بها؟ العلماء نصوا على الخطمي، وبعضهم أضاف إليه ورق السدر، والسدر: هو ورق شجر معروف، يستخرج منه نوع صغير يؤكل، وهو معروف حتى وقتنا هذا. والخطمي بالفتح أو بالكسر للخاء هو: نبات كان يجففه الناس قديمًا حتى إذا ما جفَّ سحقوه ثم وضعوه في ماء. قالوا: فإذا غُسل به الرأس، والبدن؛ فإنه ينقي البدن، وينظفه، ويرفع الوسخ عنه، وربما قتل القمل فهو يستخدم في الترفع فهل يجوز أستعماله أم لا؟ والسدر بعض العلماء يلحقه بالخطمي؛ لكن الرسول ﷺ نص بالنسبة للسدر بجوازه فقال في قصة الذي وقصته دابته: "ولا تمسوه طيبًا؛ اغسلوه بماء وسدر" (١)، فإنه نص على أنه يغسّل بماء وسدر، ولذلك اقتصر بعضهم عليه؛ أما الخطمي فلا؛ لأنَّ فيه ترفعًا. * قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ افْتَدَى، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَغَيْرُهُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ). اختلف الفقهاء في استعمال الخطمي للمحرم: ١ - ذهب الإمام (مالك (٢)، وأبو حنيفة (٣)، ورواية عند

стр. 4106

أحمد (١)) إلى المنع، وإذا فعله ففيه فدية. ٢ - وذهب (أبو ثور (٢)، والشافعي (٣)، والرواية الأُخرى للإمام أحمد (٤)) إلى أنه لا ينبغي أن يفعله؛ لكن لو فعله لا فدية فيه. وعلى ذلك الأشياء المنظفة للبدن؛ الأَولى بالمسلم أن يجتنبها. إذ لو أخذنا بهدي رسول اللَّه ﷺ وحج كل واحد منا متمتعًا لا تحتاج إلى مثل هذه الأمور؛ لأن الإنسان سيحرم من الميقات، فإذا وصل إلى مكة كل ذلك سيقضيه في يوم، أو في ساعات قليلة سيطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، ويقصر أو يحلق، ويفعل ما يفعله المحل حتى مجامعته أهله فإذا ما جاء اليوم الثامن؛ يحرم من مكة ويخرج إلى منى فيبقى اليوم الثامن، واليوم التاسع، وفي اليوم العاشر يتحلل التحلل الأول، ثم بعد ذلك يلبس ملابسه ويصبح حلالًا، لا يبقى عليه إلا النساء فإذا طاف بالبيت تحلل من كل شيء. فاللَّه لا يأمرنا بأمور فيها مشقة؛ إنما يأمرنا بعبادة، وأن المشقة قد رفعت، وأن اليسر مصاحب لها، وأن الحرج قد

стр. 4107

رفع عن هذه الأمة الذي كان موضوعًا على غيرها من الأمم، قال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَمَّامِ فَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ، وَيَرَى أَنَّ عَلَى مَنْ دَخَلَهُ الْفِدْيَةَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَدَاوُدُ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ). ليس المتوهم من هذا هو تعليم دخول الحمام، بل القصد استخدام الحمام ليغتسل، إذ هناك مكان يعد للغاية وهو قضاء الحاجة، وهناك أماكن تعد فقط للاغتسال، وللوضوء، ومن هنا لا يأتي الخلاف إذ يختلف الوضع في ذكر اللَّه في هذه وفي هذه؛ فهل للإنسان أن يدخل الحمام؟ الجواب: ليس دخول الحمام محرمًا، ولا مكروهًا. وهنا ذكر المحل وأريد الحال أي ذكر الحمام، وأراد الاغتسال. فهل يكره للإنسان أن يدخل الحمام ويغتسل؟ أكثر العلماء قالوا: لا، وبعضهم منع ذلك وكرهه: ١ - فذهب الإمام (مالك) إلى: كراهة ذلك وفيه الفدية (١)؛ لأن فيه ترفعًا وهذا ينافي الشعث المطلوب من الحاج.

стр. 4108

٢ - بينما ذهب (الإمام أبو حنيفة (١)، والشافعي (٢)، والثوري (٣)، وداود (٤)، وأحمد (٥))، وجماهير العلماء: على أنه ليس فيه شيء، إذ لا دليل صريح عليه؛ فيبقى على الأصل وهو ألا شيء عليه. * قوله: (وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ دُخُولُ الْحَمَامِ وَهُوَ مُحْرِمٌ مِنْ طَرِيقَيْنِ). روي ذلك عنه: "أنه كان في الجحفة فدخل الحمام وقال: ما يعبأ اللَّه بأوساخكم" (٦)؛ أي: ما الذي سيفيده أن يبقى بدنك عليه أوساخ!!؟ وروي هذا من عدة طرق بعضهم ضعفها (٧)، ولكن رواه الشافعي مرة عن سفيان (٨)، وقال عنه ثقة. فهذا دليل للذين يقولون بالجواز.

стр. 4109

ونقل أيضًا في الجحفة: "أنه جرى حديث بين عبد اللَّه بن عباس، وعمر بن الخطاب في الغطس في الماء للمحرم" (١). ومن هنا يأتي خلاف العلماء فيمن غاص في الماء وهو محرم، هل يعتبر ستر الماء تغطية لبدنه أم لا؟ والجواب: لا. وهذا موجود في زمننا هذا وهو عندما تكون هناك بركة كبيرة، أو مسبح، أو في بئر، أو نهر، فيأتي فلان فيقول: ننزل في الماء أينا يستطيع أن يبقى داخل الماء أكثر؟ بمعنى: يتحمل ولا ينقطع نفسه، وهذه من الأُمور المباحة، وقد كان الصحابة ﵃ يفعلون مثل هذه الأُمور، وليست هذه من الأُمور المخالفة، بل إنَّ الرسول ﷺ كان يمزح ولا يقول إلا حقًّا (٢)، وكان يسابق ﷺ ، وسابق عائشة ﵂ وسبقته في أول الأمر، فلما زاد لحمها سبقها الرسول ﷺ وقال: "هذه بتلك" (٣)، فدين اللَّه يسر، ولن يشادَّ الدِّين أحدٌ إلا غلبه. * قوله: (وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُكْرَهَ دُخُولَهُ؛ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ مَنْهِيٌّ عَنْ إِلْقَاءِ التَّفَثِ).

стр. 4110

يري المؤلف أنَّ الأولى والأحسن أن يتجنب المسلم دخول الحمام خروجًا من الخلاف، ونحن نقول: ما دام فيه خلاف، فلنبتعد عن مواضع الخلاف "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (١)، وللقاعدة المشهورة: "الخروج من الخلاف مستحب" (٢). * قوله: (وَأَمَّا الْمَحْظُورُ الْخَامِسُ فَهُوَ الِاصْطِيَادُ). هذا هو المحظور السادس على حسب الطريقة التي بيناها وهو: الاصطياد. قصد المؤلف هنا بالصيد: هو قتل الصيد وهو محرم؛ لأن المحرم إما أن يصيد الصيد بنفسه، وإما أن يساعد علي صيده، فهناك قتل الصيد إذ قد يصيد المحرم بنفسه، وقد لا يصيد بنفسه لكن يعاون غيره؛ بأن يناوله سهمًا، أو نصلًا، أو رصاصة من الرصاصات ليطلقها على هذا الصيد، أو يعطيه رمحًا، أو قوسًا، أو غير ذلك من الأشياء التي يصيد بها، أو ربما يقول: يا فلان انظر إلى الصيد فهو هنا يرشده إليه هل يأكل في هذه الحالات أم لا؟ لقد أجمل المؤلف هنا ولم يفصّل؛ لأنَّ الإنسان قد يصيد مأكولًا، وقد يصيد غير مأكول؛ أي: قد يصيد مباحًا للأكل قبل الإحرام، وقد يصيد حيوانًا لا يأكل، كما لو صاد مثلًا ذئبًا، أو أسدًا، أو هِرًّا، أو غير ذلك، من الحيوانات التي لا تأكل. فعلى ذلك ينقسم الصيد إلى قسمين: الأول: ما يؤكل من الصيد.

стр. 4111

الثاني: ما لا يؤكل منه. فأما الذي لا يؤكل فقد قسمه العلماء إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: جاء الأمر نصًّا بجواز قتله عن الرسول ﷺ فقال في الحديث المتفق عليه: "خمسٌ من الدواب كلهن فواسقٌ يُقتلن في الحلِّ والحرم: الغراب، والحدأة، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور" (١). إذًا يقتلهن المحرم وغير المحرم، في الحرم وفي غير الحرم. فهذه أُمور تختلف مع الناس، وأضرارها معروفة، وتندس بين الناس فيترتب عليها ضرر، إذ جاء الأمر بقتلها فيلحق بها أمثالها مثل الذئب وهو أشد ضررًا من الكلب، والأسد، والنمر، وكل حيوان يصول على الإنسان، كالحمار الوحشي مثلًا لو صال على إنسان فإنه يقتله، بل إنَّ الإنسان يدفع الإنسان الصائل عليه، فهذا لا إشكال عليه إذ جاء نصٌّ بقتله. القسم الثاني: صيد نهي عن قتله الرسول ﷺ : "نهى عن قتل الصُّرَدِ، وقتل النمل، وقتل الهدهد، وقتل الضفدع، وقتل النحلة" (٢)، كما في صحيح مسلم (٣). وهذه كلها حيوانات معروفة (النحلة) التي يؤخذ منها العسل (والنملة) هو هذا الحيوان الصغير جدًّا (والهدهد) معروف وصورته أكبر من العصفور بقليل يختلف عنه؛ بأن منقاره أحمر، هذه حيوانات نهي النبي ﷺ عن قتلها فيحرم.

стр. 4112

القسم الثالث: حيوانات سكت عنها الشرع، مثل: الصراصير، وهي التي نجدها في المراحيض، وتدخل بيوت الناس، والخنفسة، والجعلان، والذباب، وغيره هل له أن يقتلها أم لا؟ والجواب: أن ما كان مؤذيًا من هذا يلحق بالقسم الأول الذي له ضرر وأذى، وما لا ضرر منه فلا يجوز قتله. هذه مقدمة لم يتكلم عنها المؤلف، وإنما تكلم فقط عن الحيوان الذي يصاد ويؤكل حكمه؟ فيه اختلاف بين العلماء: ١ - فمن العلماء من حرم الصيد على المحرم مطلقًا؛ لأن اللَّه يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقال أيضًا في الآية الأُخرى، وفي نفس سورة المائدة: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]. وفي قصة أبي قتادة: "أنه أهدى إلى رسول اللَّه ﷺ عندما صاد" (١). ٢ - ومن العلماء من أحل أكل الصيد مطلقًا. ٣ - ومنهم من أجازه مطلقًا لكن بشروط. ٤ - ومنهم من قال: يجوز إذا لم يصده هو، أو لم يُصدْ له، أو

стр. 4113

لم يُعِنْ عليه، ويستدل أصحاب هذا الرأي بحديث: "صيد البر حلالًا لكم ما لم تصيدوه، أو يصد لكم" (١)، فإذا صاد الصيد غير المحرم، ولم يكن المحرم قد أعان على صيده، أو أشار إليه، أو صيد لأجله؛ فإنه في هذه الحالة يجوز له أكله؛ لأنَّ الرسول ﷺ " لما أهدي له الحمار الوحشي توقف عن أخذه فلما رأى تغيُّرًا أي: تأثرًا في وجه الصحابي بيَّن له العلة وقال: إنا لم نرده عليه إلا أنني محرمٌ" (٢)؛ أي: أن العلة؛ لأننا محرمون، وفي الحديث الآخر: "أن الصحابي طلب ممن معه أن يناوله سهمًا فأعطوه فصاد فتوقفوا فسأل رسول اللَّه ﷺ فأنزل لهم في الأكل (٣). * قوله: (وَذَلِكَ أَيْضًا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ : ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، وَقَوْلِهِ -تَعَالَى-: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]). إذًا؛ هذان نصان في كتاب اللَّه يحرِّمان على المُحرم أنْ يصيد صيدًا.

стр. 4114

* قوله: (وَأَجْمَعُوا (١) عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ صَيْدُهُ وَلَا أَكْلُ مَا صَادَ هُوَ مِنْهُ، وَاخْتَلَفُوا إِذَا صَادَهُ حَلَالٌ هَلْ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُهُ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ. . .). بعض العلماء (٢) يرى أنَّ الصيد الذي يصيده المحرم يعتبر بمثابة الميتة. ومعنى لو صاده حلالًا: أي: لو أن إنسانًا محرمًا مرَّ بقرية من القرى كما مر الرسول ﷺ بوجدان، أو مر بالأبواء التي وردت في الحديث فصيد لهم الصيد فلم يأخذها ﷺ (٣). وعلى ذلك فقد تأتي وأنت محرم فتمر بحلال قد صاد صيدًا؛ فإن لم يكن هذا الصيد قد صيد له، ولم تكن لك يد في صيده؛ ففي هذه الحالة يجوز لك أن تأكل منه، وإن كنت قد صدته لنفسك، أو لغيرك، أو أنك أعنت عليه، أو أرشدت إليه؛ فلا يجوز لك أن تأكل منه.

стр. 4115

* قوله: (قَوْلٍ: إِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١)، وَهوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (٢)، وَالزُّبَيْرِ (٣)، وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ (٤)، وَعَلِيٍّ (٥)، وَابْنِ عُمَرَ (٦)، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَقَالَ مَالِكٌ: مَا لَمْ يُصَدْ مِنْ أَجْلِ الْمُحْرِمِ أَوْ مِنْ أَجْلِ قَوْمٍ مُحْرِمِينَ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا صِيدَ مِنْ أَجْلِ الْمُحْرِمِ فَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الْمُحْرِمِ). والتقى الإمام أحمد (٧) مع الإمام مالك (٨) في قوله وهو: ما لم

стр. 4116

يُصد من أجل المحرم، أو من أجل قوم محرمين فهو حلال، وما صِيد من أجل المحرم فهو حرام، وهو القول الذي تلتقي عنده الأدلة، ولذلك فإن الأخذ بجميع الأدلة أولى من أن نأخذ ببعضها ونترك البعض. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: تَعَارُضُ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ. فَأَحَدُهَا: مَا خَرَّجَهُ مَالِكٌ من "حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّهُ كانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ طُرُقِ مَكَّةَ تَخَلَّفُ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ مُحْرِمِينَ وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ، فَرَأَى حِمَارًا وَحْشِيًّا فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ فَأَبَوْا عَلَيْهِ فَسَأَلَهُمْ رُمْحَهُ فَأَبَوْا عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ ثُمَّ شَدَّ عَلَى الْحِمَارِ فَقَتَلَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبَى بَعْضُهُمْ، فَلَمَّا أَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ" (١)). هذا حديث في الصحيحين أيضًا (٢). والحمار الوحشي: هو الذي يشبه الحمار الأهلي لكن في ظهره خطوط. الصحابي الجليل أبو قتادة كان مع نفر تخلف؛ أي: كانوا خلف

стр. 4117

رسول اللَّه ﷺ وأصحابه محرمون، وهو غير محرم فرأي حمارًا وحشيًّا (وفي بعض الروايات) (١): أنه كان مشغولًا عنه وتمنَّى لو أنهم أرشدوه لكنهم ما تكلموا خشية أن يقعوا في المحظور، (وفي بعض الروايات) (٢): أنه رآه فاستوى؛ أي: فصعد فرسه وعلاه ثم طلب من أحدهم أن يناوله سوطًا فأبى، فسألهم رمحًا فأبوا أيضًا فأخذه ثم شدَّ عليه فقتله لنفسه، فأكل منه بعضهم، وتوقف بعض الصحابة من الأكل حتى سألوا رسول اللَّه ﷺ فأقرهم على جواز ذلك بقوله: "إنما هي طعمة أطعمكموها اللَّه". ونفع اللَّه على عبادة أكثر من تحصى، ولذلك ورد مثل هذا لقصر الصلاة في السفر إذ سأل الصحابي يعلى بن أمية عمر بن الخطاب ﵄ عن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ فقال: لقد زال الخوف وأمن الناس!! فقال عمر: واللَّه لقد عجبتُ مما عجبتَ منه. فسأل رسول اللَّه ﷺ فقال: "صدقة تصدق اللَّه بها عليكم فاقبلوا صدقته" (٣)، أو هذه طعمة أطعمها اللَّه لهؤلاء النفر من الصحابة فما عليهم إلا أن يأكلوا منها، وذلك من فضل اللَّه عليهم. وهذا ما ذهب إليه الإمام أحمد مع الإمام مالك في جواز الأكل من الصيد ولكن بشروط وهي: ما لم يُصد من أجل المحرم، أو من أجل قوم محرمين فهو حلال، وما صِيد من أجل المحرم فهو حرام على المحرم. * قوله: (وَجَاءَ أَيْضًا فِي مَعْنَاهُ حَدِيثُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ التَّمِيمِيَّ قَالَ: "كنَّا مَعَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَنَحْنُ

стр. 4118

مُحْرِمُونَ، فَأُهْدِيَ لَهُ ظَبْيٌ وَهُوَ رَاقِدٌ، فَأَكَلَ بَعْضُنَا، فَاسْتَيْقَظَ طَلْحَةُ فَوَافَقَ عَلَى أَكْلِهِ وَقَالَ: أَكَلْنَاهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ). وهذا دليل آخر ساقه المجيزون ذكره الإمام مسلم في صحيحه (١)، والنسائي في سننه (٢): بأنَّ قومًا كانوا مع طلحة وهم محرمون فأهدي له ظبي (٣) وهو راقد فأكل بعض أصحابه، فلما استيقظ وافقهم على أكله وقال لهم: أكلناه مع رسول اللَّه ﷺ . فعلي ذلك: إذا صِيد الصيد، ولم يكن لأجل المحرم، ولم تكن له يدٌ في صيده فلا بأس بأكله. * قوله: (وَالْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ خَرَّجَهُ أَيْضًا مَالِكٌ (٤): "أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهوَ بِالْأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: "إِنَّا لَمْ نَرُدُّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ"). هذا حديث ابن عباس يرويه عن الصعب بن جثامة الليثي وهو في (الصحيحين) (٥) أيضًا: "أنه أهدى لرسول اللَّه ﷺ حمارًا وحشيًا والرسول بقرية تُعرف -بالأبواء- قريبة من الجحفة، أو بودان، وليست المسافة بين القريتين بعيدة، فأمر برده ﷺ إليه، فتأثر الصحابي الجليل كيف يقدم هذه الهدية لرسول اللَّه ﷺ ولا يقبلها؟ وكما هو معلوم أنَّ الرسول ﷺ حريص على أمته وهو رحيم بهم ورؤوف لا يريد أن ينال منهم ولو مجرد أثر يلحق

стр. 4119

بنفسه، فلما رأى بعض التغير في وجه الرجل أدرك الرسول ﷺ أنه قد دبّ إليه الألم عن رد هذه الهدية فأخبره الرسول ﷺ : بأنَّ الأمر ليس في رد هديك؛ إنما هذا محظور شرعي فقال له: إنا لم نردّه عليك إلا أنا حُرُمٌ. ومعنى هذا أنه لو لم يكونوا محرمين؛ لأخذوا ذلك وأكلوه، وتقبلوا هذه الهدية والرسول ﷺ هو القائل: "تهادوا تحابوا" (١)، ولكن الهدية لا ينبغي أن يكون وراءها غرض دنيوي؛ أي: لا تُهدي الهدية لإنسان لتصل إلى أمر من الأُمور المحرمة شرعًا؛ بل إذا أهديت فاهد لأجل اللَّه لتكن نابعة من المحبة في اللَّه فمن أحب في اللَّه، وأبغض في اللَّه، وأعاد في اللَّه فإنما يناول ولاية اللَّه في ذلك، فإذا أهديت فاهد نتيجة محبةٍ وودٍّ بأخيك المسلم؛ أما أن تعطي هدية لتتوصل بها إلى غرض من أغراض الدنيا؛ فهذه من الأُمور التي لا تنبغي، ولذلك نجد أنَّ الرسول ﷺ قال لأحد العاملين على الزكاة إذ ذهب ليجيع الزكاة فأهدي إليه شيء منها؛ فلما جاء قال: هذا لكم، وهذا لي، فقال الرسول ﷺ : فما بال أحدكم يأتي فيقول: هذا لكم، وهذا لي. فهلا جلس في بيت أبيه وأمه ينظر أن يُهدى إليه أم لا؟!! (٢). أي: لو أنَّ الرجل جلس في بيت أبيه وأمه فهل يُهدى إليه شيء من ذلك؟!! فهذه شبهة ولذلك الرسول ﷺ أنكر ذلك وخطب الناس وبيَّن لهم الطريق السوي، وأرشدهم إلى طريق الخير، وأنَّ الهدية التي جاءت بها الشريعة بإباحتها، والحث عليها والترغيب فيها؛ إنما هي الهدية التي لا يكون من وراءها غرض من أغراض الدنيا، أو مصلحةٌ من المصالح التي يريد الإنسان أن يصل إليها، وأن يجعلها جسرًا يعبر إليه ليبلغ غايته، وقد تكون هذه الغاية غير محمودة ليستعين بها على ظلم مسلم. * قوله: (وَلِلِاخْتِلَافِ سَبَبٌ آخَرُ: وَهُوَ هَلْ يَتَعَلَّقُ النَّهْيُ عَنِ الْأَكْلِ

стр. 4120

بِشَرْطِ الْقَتْلِ، أَوْ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النَّهْيُ عَنْ الِانْفِرَادِ؟ فَمَنْ أَخَذَ بِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: إِنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَكْلِ مَعَ الْقَتْلِ، وَمَنْ أَخَذَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: النَّهْيُ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ). هذه الثمرة تظهر فيما لو صاد المحرم صيدًا، فهل يعتبر ميتة؟ كما هو رأي كثير (١) من العلماء، أو يعتبر بمثابة الذبيحة التي مرت بنا في كتاب الذبائح؟ ١ - ذهب ابن المنذر (٢)، وغيره (٣) أنها كمثل السارق لو سرق شاة فذبحها، أو رجل غصبها أنها بمثابة هذه فيجوز لغير المحرم أن يأكل. ٢ - وجمهور العلماء وفيهم الأئمة الأربعة يمنعون ذلك. * قوله: (فَمَنْ ذَهَبَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ قَالَ: إِمَّا بِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ، وَإِمَّا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ). على طالب العلم إذا وجد مجموعة من النصوص اثنان فأكثر وظاهرهما التعارض؛ فأول طريق ينبغي أن يسلكه هو المحاولة أن يوفق بين هذه النصوص وهذا ما نعرفه في علم الحديث الجمع بين الحديثين، أو بين النصين، وكلما أمكن الجمع بين الأدلة؛ فإن ذلك هو الأولى؛ لأننا إذا جمعنا بين الأدلة أخذنا بها مجتمعة، وإذا قدمنا بعضها على بعض مع صحتها ودلالتها، نكون قد أخذنا ببعضها وتركنا البعض الآخر، والعمل بجميع النصوص أولى من العمل ببعضها وتعطيل البعض الآخر.

стр. 4121

* قوله: (وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ قَالَ بِالْقَوْلِ الثَّالِثِ. قَالُوا: وَالْجَمْعُ أَوْلَى، وَأَكَّدُوا ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "صَيْدُ الْبَرِّ حَلَالٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ" (١)). هذا الحديث رواه الخمسة وهم: أصحاب السنن (٢)، ورواه أحمد (٣)، والبيهقي (٤)، وغيرهم (٥)، وهذا الحديث اختلف فيه العلماء صحة وضعفًا؛ لكن له عدة طرق وصل بعضها إلى درجة الاحتجاج، وهو أيضًا يؤيد الحديث الصحيح الذي رويناه وهو حديث متفق عليه، وبذلك يكون هذا الحديث مبينًا لذلك الحديث الآخر وهو أيضًا يقوي مسألة الجمع بين الأدلة فيؤخذ به. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُضْطَرِّ هَلْ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ أَوْ يَصِيدُ فِي الْحَرَمِ؟). تطرق المؤلف إلى مسألة أُخرى وهي: المضطر هل يأكل الميتة أو يصيد في الحرم؟

стр. 4122

قال اللَّه : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] ثم قال بعد ذلك: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾ [الأنعام: ١٤٥] فإذا اضطر الإنسان إلى أكل الميتة، أو إلى أكل الصيد، والاضطرار إليه، والقصد به أن يخشى على نفسه من الهلاك؛ فإذا كنت في الصحراء، وقد أوشكت على الموت، ولا تجد طعامًا حلالًا بين يديك، ولا تجد أحدًا يسعفك أو يناولك الطعام، ووجدت شاة ميتة، أو أمامك بعير قد نفق، فهل تأكل من هذه الميتة، أو تلقي بنفسك على الأرض تنظر الموت؟ الأولى لك أن تأكل من الميتة؛ لأن مهجة المسلم لا ينبغي له أن يضيعها. والقاعدة تقول: "الأبدان ثم الأديان". ومثل ذلك في قصة غزوة ذات السلاسل في قصة الرجل الذي جُرح فسأل أصحابه أيتيمم وهو جنب؟ فأمروه بأن يغتسل فمات، فقال الرسول ﷺ : "قتلوه قتلهم اللَّه" (١)، إن آفة العلم الجهل فإذا كان الإنسان لا يعرف الحكم فيسأل غيره لمعرفته، ولذلك نجد أن عمرو بن العاص ﵁ لما كان في ليلة باردة صلى بأصحابه وهو جنب وكان قائدًا في غزوة فأنكر عليه أصحابه، فلما عادوا إلى رسول اللَّه ﷺ أخبروه، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "أفعلت ذلك يا عمرو؟ " قال: نعم. فقال: "ولمَ؟ " قال أليس اللَّه تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فابتسم رسول اللَّه ﷺ مُقِرًّا له (٢). فإذا كان الأمر يتعلَّق بحياة المرء فليأكل الميتة، وليدفع الغص بكأس من الخمر؛ ولكن يعلم بأن "الضرورة تقدر بقدرها" فلا يزيد على مقدار ما يبقيه علي قدر الحياة فإن زاد وقع في الإثم؛ لأن ذلك الفعل ضرورة فإذا انتهت الضرورة رجع إلى ما كان عليه من الحرمة.

стр. 4123

إذن الحرمة في هذه الحالة أصبح اللجوء إليها اضطرارًا، وإذا خاف الإنسان على نفسه، وطُلِب منه أن يعلن الكفر أو أن يقتل بالسيف، فقد أباح اللَّه النطق بها ضرورة مع اطمئنان قلبه بالإيمان، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] " فالذي يُكره وينطق بكلمة الكفر شريطة أن يكون قلبه قد اطمأن واستقر الإيمان في قلبه؛ أي: يقول ذلك بلسانه فقط. فالضرورة لها أحكام، وليست على إطلاقها، فلو جاء إنسانٌ لإنسان وقال له: إما أن تزني فى هذه المرة، وإما قتلناك؟ ليس له ذلك؛ وكذلك لو قيل له: إما أن تقتل فلانًا وإلا قتلك؟ ليس له أن يقتله؛ لأنَّ الضرر المترتب على الزنى والقتل أكبر مما اضطر إليه فلا اضطرار في ذلك. عودٌ على بدءٍ، فلو أن إنسانًا أمامه صيد، وأمامه ميتة فأيهما يأكل منه في حالة الاضطرار؟ إذ هو منهي عن أكل الميتة؛ لأنها محرمة، وهو أيضًا منهي عن قتل الصيد، وعن أكله وهو محرم عليه أيضًا، ففي هذه الحالة ماذا يفعل؟ ذهب أكثر العلماء إلى أنه يجوز له أن يأكل من الميتة؛ لأنَّ الميتة محرمة لذاتها، وهي تحل له أن يأكل منها في حالة الاضطرار، فهنا مانع واحد وهو تحريم الميتة؛ أما الصيد فيحرم عليه في هذه الحالة، وعليه جزاؤه إن صاد. إذن اجتمعت علتان في الصيد، وهناك علة واحدة في الأكل من الميتة فيأكل من الميتة. وعللوا أيضًا: بأنَّ الصيد الذي يبطل المحرم يكون ميتًا فيكون قد ساوى الميتة في هذا الوصف وزاد عليها في وصف آخر وهو الصيد، فنقول: لو قُدّر أنَّ إنسانًا وقع في ذلك يستفتي نفسه: "استفت نفسك وإن أفتوك وإن أفتوك" (١)، كما جاء في الأثر، كأن يجد صعوبة ونفسه لا ترتاح

стр. 4124

إلى الميتة؛ فيأكل من الصيد وعليه فدية، ولو فعل الأُخرى فأكل من الميتة مضطرًّا؛ فإن ذلك قد أباحه اللَّه في هذه الحالة. * قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَزُفَرُ، وَجَمَاعَةٌ: إِذَا اضْطُرَّ أَكَلَ الْمَيْتَةِ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ دُونَ الصَّيْدِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَصِيدُ وَيَأْكُلُ وَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ، وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ لِلذَّرِيعَةِ). ذهب الإمام (أبو حنيفة (١)، ومالك (٢)، والثوري (٣)، وزفر (٤)،

стр. 4125

وأحمد (١)، وجماعة (٢) إلى: أنه إذا اضطر إلى الأكل؛ أكل الميتة، ولحم الخنزير دون الصيد، ولحم الخنزير هذا عند المالكية (٣). بينما ذهب أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة إلى: أنه يصيد ويأكل من صيده وعليه الجزاء (٤). والراجح الأول سدًّا للذريعة وهو الأكل من الميتة؛ لأنَّ اللَّه أباح لنا الأكل منها في حالة الضرورة فقال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣].

стр. 4126

ومعنى قوله: (أحسن للذريعة) هذا ترجيح المؤلف؛ لأننا لو قلنا: إن الصيد أولى من الأكل من الميتة؛ ربما تكون هذه ذريعة لإعفاء النفوس يصطاد في الحرم ويقول -أنا جائع مضطر- إلى هذا الصيد فيأكل منه فتكون هذا ذريعة ينفذ عن طريقها إلى قتل الصيد المحرم. ومسألة سد الذرائع من المسائل الأُصولية، وهي معتبرة شرعًا، فأحيانًا قد يفعل إنسان أمرًا من الأُمور ليحرم آخر منه؛ فمن باب سد الذرائع يعامل بالنقيض، فيغلق هذا الباب حتى لا يكون مدخلًا ومنفذًا يعبر منه الذين يستخفون بأُمور الدِّين، ويتساهلون بها فيسابقون إلى الصيد ويقول: أنا مضطر إلى الأكل بحجة التحايل على الدِّين، هذا ما يرنو إليه المؤلف. * قوله: (وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَقْيَسُ، لِأَنَّ تِلْكَ مُحَرَّمَة لِعَيْنِهَا وَالصَّيْدُ مُحَرَّمٌ لِغَرَضٍ مِنَ الْأَغْرَاضِ، وَمَا حُرِّمَ لِعِلَّةٍ أَخَفُّ مِمَّا حُرِّمَ لِعَيْنِهِ، وَمَا هُوَ مُحَرَّمٌ لِعَيْنِهِ أَغْلَظُ، فَهَذِهِ الْخَمْسَةُ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهَا مِنْ مَحْظُورَاتُ الْإِحْرَامِ). أقيس هذه، على قول من لا يرى أنَّ الصيد ميتًا، أما إذا قلنا بأنَّ المحرم إذا صاد وقتل يكون ميتًا فهو يتساوى مع الميتة في هذه الحالة. وذهب أيضًا إلى ذلك القول: (الحنابلة (١)، والشافعية (٢)، ومع أنهم

стр. 4127

يقولون بالأكل من الميتة إلا أنهم قالوا: ربما نفس المؤمن لا تقبل الميتة، أو يعجز الإنسان أن يأكل منها، فلا مانع أن يأكل من الصيد. وحجتهم في ذلك: "أنَّ الميتة محرمة لعينها إذ ورد النص بذلك لنجاسة عينها، والصيد محرم لغرض من الأغراض وهو الإحرام، وما حُرم لعلة وغرض؛ أخفُّ مما حرم لعينه؛ لأنَّ ما حُرم لعينه أغلظ". المحظور السادس: (عقد النكاح). * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي نِكَاحِ الْمُحْرِمِ، فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ فَإِنْ نَكَحَ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِب وَابْنِ عُمَرَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يَنْكِحَ الْمُحْرِمُ أَوْ أَنْ يُنْكِحَ). انتقل المؤلف إلي مسألة وهي مما اختلف فيها الفقهاء: هل يَنكح المحرم؟ بمعنى يعقد له على النكاح، أو هل له هو أن يعقد لغيره؟ فقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم (١)، وغيره (٢): "لا يَنكح المحرم -لا يتزوج- ولا يُنكح -لا يعقد أو يزوج غيره-".

стр. 4128

ذهب الإمام (مالك (١)، والشافعي (٢)، وأحمد (٣)، والليث (٤)، والأوزاعي (٥)، وهو قول عمر (٦)، وعلي (٧)، وابن عمر (٨)، وزيد بن ثابت (٩)) إلى: أنه لا يَنكح المحرم، ولا يُنكح، فإن نكح فالنكاح باطل. واستدلوا علي ذلك بقول النبي ﷺ : "لا يَنكح المحرم -لا يتزوج- ولا يُنكح -لا يعقد أو يزوج غيره- ولا يخطب" (١٠). مرَّت أُمور من محظورات الإحرام من "تغطية الرأس، ولبس

стр. 4129

المخيط، والتطيب، وحلق الشعر، وتقليم الأظافر" هذه الأُمور لو فعلها الإنسان وهو محرم إما أنْ يذبح شاة، أو أن يصوم ثلاثة أيام، أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاعٍ من بُر. أما مسألة أن ينكح المحرم، أو يُنكح هل لها فدية؟ الجواب: لا، على الرأي الصحيح (١). أي: لو أنَّ إنسانًا عقد لإنسان وهو محرم؛ فالعقد فاسد، ولو أنَّ العقد له؛ فالعقد غير صحيح. محظورات الإحرام السابقة التي وردت في الآية فيها الفدية المذكورة في الآية: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أما عقد النكاح له، أو لغيره؛ ليس فيه فدية، أما الجماع إن كان قبل التحلل الأول ففيه بدنة، وإن كان بعده ففيه تفصيل. بينما ذهب الإمام أبو حنيفة (٢)، والثوري (٣): إلى أنه لا بأس أن يَنكح المحرم، أو أن يُنكح.

стр. 4130

واستدلوا على ذلك بحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَكَحَ مَيْمُونَةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ" (١). * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ فَأَحَدُهَا مَا رَوَاهُ مَالِكٌ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ وَلَا يَخْطُبُ" (٢). وَالْحَدِيثُ الْمُعَارِضُ لِهَذَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَكَحَ مَيْمُونَةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ"). اختلاف الآثار في ذلك أدَّت إلى اختلافهم إلى ما ذهبوا إليه: دليل الفريق الأول: فاستدل الفريق الأول بحديث عثمان (٣): "لا يَنكح المحرم، لا يعقد النكاح لغيره، ولا يُنكح"؛ أي: لا يعقد لنفسه، ولا يخطب أي: وليس له أن يخطب امرأة وهو متلبس بالإحرام". دليل الفريق الثاني: واستدل الفريق الثاني بحديث معارض وهو حديث ابن عباس "أن رسول اللَّه ﷺ نكح ميمونة، وهو محرم" (٤). فهذه المسألةُ تدور حول قضية زواج الرسول ﷺ من ميمونة هل تزوجها الرسول ﷺ وهو محرمٌ أم في حلٍّ؟ سبب اختلاف العلماء في هذه المسألة هو اختلاف الأحاديث فيها،

стр. 4131

فحديث ابن عباس وهو حديث متفق عليه (١): "أن رسول اللَّه ﷺ تزوج ميمونة، وهو محرم"، وميمونة هي خالة ابن عباس، لكن صاحبة القصة ميمونة ذكرت أنَّ رسول للَّه ﷺ تزوجها وهو حلال (٢)، وأبو رافع وهو الواسطة بينهما؛ أي: الساعي بينهما في الزواج ذكر أنَّ الرسول ﷺ تزوجها وهو حلال. فالتي وقع منها الزواج وهي (ميمونة)، والساعي بينهما وهو (أبو رافع) بيّنا أن الرسول ﷺ تزوجها وهو حلال. وابن عباس يذكر أن الرسول تزوجها وهو محرم، ومن هنا وقع الخلاف. وقد أجاب العلماء عن ذلك بعدة أجوبة منها: ١ - أنَّ ابن عباس كان صغيرًا، ولم يعلم أنَّ الرسول تزوج ميمونة إلا بعد أن أحرم؛ فظن أنه تزوجها وهو محرم، ولا شكَّ أنَّ صاحب البيت أدرى بما فيه فصاحبت القصة أعلم بنفسها، والذي يسعى بينهما وتوسط بينهما في الموضوع وهو الخاطب أيضًا يؤيد رأي صاحبة القصة، وكل ذلك فيه أحاديث صحيحة فهذا هو الأولى. ٢ - ومنهم من يقول: بأنَّ هذا خاص بالرسول ﷺ لكنَّ دعوى الخصوصية تحتاج إلى دليل، ونعلم أنَّ هناك أحكامًا اختص بها اللَّه رسوله ﷺ لكنَّ دعوى التخصيص تحتاج إلى دليل، ثم لا نلجأ إلى التخصيص مع إمكان الترجيح، والترجيح هنا واضحٌ وقويٌّ؛ لأنَّ صاحبة القصة ومن توسط بين الرسول وبينها يذهبان إلى أنه ﷺ كان حلالًا. * قوله: (خَرَّجَهُ أَهْلُ الصِّحَاحِ، إِلَّا أَنَّهُ عَارَضَتْهُ آثَارٌ كَثِيرَةٌ. "عَنْ مَيْمُونَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ". رُوَيَتْ عَنْهَا مِنْ طُرُقٍ شَتَّى عَنْ أَبِي رَافِعٍ وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَهُوَ مَوْلَاهَا، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ

стр. 4132

الْأَصَمِّ. وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنْ يُحْمَلَ الْوَاحِدُ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ، وَالثَّانِي عَلَى الْجَوَازِ). الحقيقة لا يُحمل الأول على الكراهة، والثاني علي الجواز؛ لأن حديث عثمان بن عفان يدل على منع ذلك "لا يَنكح المحرم، ولا يُنكح، ولا يخطب" وأقرب شيء أن نقول: بأن ابن عباس أخبر بما وصل إليه علمه؛ أي: أن ما علم بالواقع إلا بعد أن أحرم الرسول ﷺ فذكر ما علمه، أمَّا صاحبة القصة السيدة ميمونة، ومعها أبو رافع، وسليمان بن يسار، وهم الأكثر، ذكر أن الرسول ﷺ تزوجها وهو حلال وهذا هو الأرجح. * قوله: (فَهَذِهِ هِيَ مَشْهُورَاتُ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَأَمَّا مَتَى يَحِلُّ فَسَنَذْكُرُهُ عِنْدَ ذَكْرِنَا أَفْعَالَ الْحَجِّ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتَمِرَ يَحِلُّ إِذَا طَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَاجِّ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَعْدُ. وَإِذْ قَدْ قُلْنَا فِي تُرُوكِ الْمُحْرِمِ فَلْنَقُلْ فِي أَفْعَالِهِ). بقيت قضية أُخرى يذكرها بعض الفقهاء: وهي المباشرة فمن الفقهاء من يضيفه محظورًا تاسعًا إلى ما سبق. والمباشرة قد تكون باليد، أو بالتقبيل، والوضع يختلف بين الإنزال وغيره، فإذا لم ينزل فلا شيء عليه، وإنْ أنزل وقع الخلاف بين الفقهاء؛ إن كان قبل التحلل الأول ففيه بدنة وإن كان بعده ففيه (شاة) (١).

стр. 4133

فمسألة الجماع بعض العلماء ينص عليها ويعتبرها محظورًا تاسعًا من محظورات الإحرام، وبعضهم لا يذكرها، لذلك لم يذكرها المؤلف، ولعل المالكية (١) لم يذكروها. أما الفقهاء الآخرون: كالحنابلة (٢)، والشافعية (٣)، يذكرون ذلك، وينبغي أيضًا للمسلم وهو متلبس بهذا النسك؛ ألا يكون قريبًا من النساء؛ لأنَّ الإنسان ربما لا يملك إربه فربما يقع في الجماع أو يحصل منه أمر من الأُمور المحظورة. [الْقَوْلُ فِي أَنْوَاعِ هَذَا النُّسُكِ] قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وَالْمُحْرِمُونَ إِمَّا مُحْرِمٌ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ أَوْ مُحْرِمٌ بِحَجٍّ مُفْرَدٍ). المحرمون على أنواع: ١ - إما محرم بعمرة مفردة وهذا في غير ما يتعلَّق بالحج، وربما يحرم بالعمرة متمتعًا بها إلى الحج وهو الذي نعرفه بالمتمتع.

стр. 4134

٢ - أو بحج مفردًا. والذي يحرم بالعمرة إذا جاء الميقات المكاني؛ فإنه يغتسل، ويتنظف، ويزيل ما يحتاج إلى إزالته من بدنه من شعر وظفر وغيره، حتى لا يحتاج إليه بعد ذلك، ثم يدخل في النسك أي: ينوي النسك، والحج فإنه إذا نوى الدخول بالنسك وكان متمتعًا فيقول: "لبيك عمرة متمتعًا بها إلى الحج"؛ أي: يحرم بالعمرة فإذا ما جاء إلي بيت اللَّه طاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، وحلق أو قصر، ثم يحل فيكون حلالًا كغيره حتي يأتي اليوم الذي يحرم فيه من مكة بالحج. أما الإفراد: فهو أنْ يحرم بالحج مفردًا فإذا ما جاء إلى مكة؛ فإنه يطوف، وله أن يسعي، وله أنْ يأخر السعي. أما القارن: فهو الذي يحرم بالحج والعمرة معًا فيقول: "لبيك حجًّا وعمرة" إلا أنَّ هذا عليه ذبح، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء اللَّه. * قوله: (أَوْ جَامِعٍ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ). لا حرج على المسلم فهو في سعةٍ من أمره من أن يحرم بالحج مفردًا، وله أن يحرم متمتعًا، وله أن يحرم قارنًا، وكل ذلك قد ثبت عن الرسول ﷺ في حديث عائشة الذي أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، وغيرهما (٣). قالت: "خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ وفي رواية -حجننا- مع رسول اللَّه ﷺ فمنَّا من أهلَّ بحجِّ، ومنا من أهلَّ بعمرة، ومنا من أهلَّ بحج وعمرة، ثم قالت: وأهلَّ رسول ﷺ بالحج" والمشهور المعروف أن رسول ﷺ حج قارنًا ومع ذلك قالت عائشة: وأهلَّ أي: أحرم رسول اللَّه ﷺ بالحج.

стр. 4135

وقد أجاب العلماء عن ذلك بعدة أجوبة، منها: أنها قالت: أهلَّ بالحج يعني: كان فعله فعل المفرد، لكنه حقيقةً إنما كان متمتعًا من حيث الحكم. أو أنه ﷺ أحرم بالحج، ثم أدخل عليه العمرة (١). * قوله: (وَهَذَانِ ضَرْبَانِ: إِمَّا مُتَمَتِّعٌ، وَإِمَّا قَارِنٌ). أراد المؤلف بقوله هذا: أنَّ الذي يجمع بين الحج والعمرة ينقسم إلى قسمين: الأول: المتمتع (٢) وهو: أن يُحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم يحل منها في أشهر الحج ويحرم بالحج في عامه. الثاني: القارن (٣) وهو: أنْ يُحرم بالعمرة في أشهر الحجِّ، ولا يحل منها. فالمتمتع إذا فرغ من أحكام العمرة حلَّ منها؛ أي: أصبح حلالًا يتمتع بكل الأمور التي يفعلها غير المحرم إلا الصيد يمنع أن يصيد في
следующие страницы →