فحديث ابن عباس وهو حديث متفق عليه (١): "أن رسول اللَّه ﷺ تزوج ميمونة، وهو محرم"، وميمونة هي خالة ابن عباس، لكن صاحبة القصة ميمونة ذكرت أنَّ رسول للَّه ﷺ تزوجها وهو حلال (٢)، وأبو رافع وهو الواسطة بينهما؛ أي: الساعي بينهما في الزواج ذكر أنَّ الرسول ﷺ تزوجها وهو حلال.
فالتي وقع منها الزواج وهي (ميمونة)، والساعي بينهما وهو (أبو رافع) بيّنا أن الرسول ﷺ تزوجها وهو حلال. وابن عباس يذكر أن الرسول تزوجها وهو محرم، ومن هنا وقع الخلاف.
وقد أجاب العلماء عن ذلك بعدة أجوبة منها:
١ - أنَّ ابن عباس كان صغيرًا، ولم يعلم أنَّ الرسول تزوج ميمونة إلا بعد أن أحرم؛ فظن أنه تزوجها وهو محرم، ولا شكَّ أنَّ صاحب البيت أدرى بما فيه فصاحبت القصة أعلم بنفسها، والذي يسعى بينهما وتوسط بينهما في الموضوع وهو الخاطب أيضًا يؤيد رأي صاحبة القصة، وكل ذلك فيه أحاديث صحيحة فهذا هو الأولى.
٢ - ومنهم من يقول: بأنَّ هذا خاص بالرسول ﷺ لكنَّ دعوى الخصوصية تحتاج إلى دليل، ونعلم أنَّ هناك أحكامًا اختص بها اللَّه رسوله ﷺ لكنَّ دعوى التخصيص تحتاج إلى دليل، ثم لا نلجأ إلى التخصيص مع إمكان الترجيح، والترجيح هنا واضحٌ وقويٌّ؛ لأنَّ صاحبة القصة ومن توسط بين الرسول وبينها يذهبان إلى أنه ﷺ كان حلالًا.
* قوله: (خَرَّجَهُ أَهْلُ الصِّحَاحِ، إِلَّا أَنَّهُ عَارَضَتْهُ آثَارٌ كَثِيرَةٌ. "عَنْ مَيْمُونَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ". رُوَيَتْ عَنْهَا مِنْ طُرُقٍ شَتَّى عَنْ أَبِي رَافِعٍ وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَهُوَ مَوْلَاهَا، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ
стр. 4132
الْأَصَمِّ. وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنْ يُحْمَلَ الْوَاحِدُ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ، وَالثَّانِي عَلَى الْجَوَازِ).
الحقيقة لا يُحمل الأول على الكراهة، والثاني علي الجواز؛ لأن حديث عثمان بن عفان يدل على منع ذلك "لا يَنكح المحرم، ولا يُنكح، ولا يخطب" وأقرب شيء أن نقول: بأن ابن عباس أخبر بما وصل إليه علمه؛ أي: أن ما علم بالواقع إلا بعد أن أحرم الرسول ﷺ فذكر ما علمه، أمَّا صاحبة القصة السيدة ميمونة، ومعها أبو رافع، وسليمان بن يسار، وهم الأكثر، ذكر أن الرسول ﷺ تزوجها وهو حلال وهذا هو الأرجح.
* قوله: (فَهَذِهِ هِيَ مَشْهُورَاتُ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَأَمَّا مَتَى يَحِلُّ فَسَنَذْكُرُهُ عِنْدَ ذَكْرِنَا أَفْعَالَ الْحَجِّ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتَمِرَ يَحِلُّ إِذَا طَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَاجِّ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَعْدُ. وَإِذْ قَدْ قُلْنَا فِي تُرُوكِ الْمُحْرِمِ فَلْنَقُلْ فِي أَفْعَالِهِ).
بقيت قضية أُخرى يذكرها بعض الفقهاء: وهي المباشرة فمن الفقهاء من يضيفه محظورًا تاسعًا إلى ما سبق.
والمباشرة قد تكون باليد، أو بالتقبيل، والوضع يختلف بين الإنزال وغيره، فإذا لم ينزل فلا شيء عليه، وإنْ أنزل وقع الخلاف بين الفقهاء؛ إن كان قبل التحلل الأول ففيه بدنة وإن كان بعده ففيه (شاة) (١).
стр. 4133
فمسألة الجماع بعض العلماء ينص عليها ويعتبرها محظورًا تاسعًا من محظورات الإحرام، وبعضهم لا يذكرها، لذلك لم يذكرها المؤلف، ولعل المالكية (١) لم يذكروها. أما الفقهاء الآخرون: كالحنابلة (٢)، والشافعية (٣)، يذكرون ذلك، وينبغي أيضًا للمسلم وهو متلبس بهذا النسك؛ ألا يكون قريبًا من النساء؛ لأنَّ الإنسان ربما لا يملك إربه فربما يقع في الجماع أو يحصل منه أمر من الأُمور المحظورة.
[الْقَوْلُ فِي أَنْوَاعِ هَذَا النُّسُكِ]
قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وَالْمُحْرِمُونَ إِمَّا مُحْرِمٌ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ أَوْ مُحْرِمٌ بِحَجٍّ مُفْرَدٍ).
المحرمون على أنواع:
١ - إما محرم بعمرة مفردة وهذا في غير ما يتعلَّق بالحج، وربما يحرم بالعمرة متمتعًا بها إلى الحج وهو الذي نعرفه بالمتمتع.
стр. 4134
٢ - أو بحج مفردًا.
والذي يحرم بالعمرة إذا جاء الميقات المكاني؛ فإنه يغتسل، ويتنظف، ويزيل ما يحتاج إلى إزالته من بدنه من شعر وظفر وغيره، حتى لا يحتاج إليه بعد ذلك، ثم يدخل في النسك أي: ينوي النسك، والحج فإنه إذا نوى الدخول بالنسك وكان متمتعًا فيقول: "لبيك عمرة متمتعًا بها إلى الحج"؛ أي: يحرم بالعمرة فإذا ما جاء إلي بيت اللَّه طاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، وحلق أو قصر، ثم يحل فيكون حلالًا كغيره حتي يأتي اليوم الذي يحرم فيه من مكة بالحج.
أما الإفراد: فهو أنْ يحرم بالحج مفردًا فإذا ما جاء إلى مكة؛ فإنه يطوف، وله أن يسعي، وله أنْ يأخر السعي.
أما القارن: فهو الذي يحرم بالحج والعمرة معًا فيقول: "لبيك حجًّا وعمرة" إلا أنَّ هذا عليه ذبح، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء اللَّه.
* قوله: (أَوْ جَامِعٍ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ).
لا حرج على المسلم فهو في سعةٍ من أمره من أن يحرم بالحج مفردًا، وله أن يحرم متمتعًا، وله أن يحرم قارنًا، وكل ذلك قد ثبت عن الرسول ﷺ في حديث عائشة الذي أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، وغيرهما (٣). قالت: "خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ وفي رواية -حجننا- مع رسول اللَّه ﷺ فمنَّا من أهلَّ بحجِّ، ومنا من أهلَّ بعمرة، ومنا من أهلَّ بحج وعمرة، ثم قالت: وأهلَّ رسول ﷺ بالحج" والمشهور المعروف أن رسول ﷺ حج قارنًا ومع ذلك قالت عائشة: وأهلَّ أي: أحرم رسول اللَّه ﷺ بالحج.
стр. 4135
وقد أجاب العلماء عن ذلك بعدة أجوبة، منها:
أنها قالت: أهلَّ بالحج يعني: كان فعله فعل المفرد، لكنه حقيقةً إنما كان متمتعًا من حيث الحكم.
أو أنه ﷺ أحرم بالحج، ثم أدخل عليه العمرة (١).
* قوله: (وَهَذَانِ ضَرْبَانِ: إِمَّا مُتَمَتِّعٌ، وَإِمَّا قَارِنٌ).
أراد المؤلف بقوله هذا: أنَّ الذي يجمع بين الحج والعمرة ينقسم إلى قسمين:
الأول: المتمتع (٢) وهو: أن يُحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم يحل منها في أشهر الحج ويحرم بالحج في عامه.
الثاني: القارن (٣) وهو: أنْ يُحرم بالعمرة في أشهر الحجِّ، ولا يحل منها.
فالمتمتع إذا فرغ من أحكام العمرة حلَّ منها؛ أي: أصبح حلالًا يتمتع بكل الأمور التي يفعلها غير المحرم إلا الصيد يمنع أن يصيد في
стр. 4136
الحرم؛ بخلاف القارن إذا فرغ من أحكام العمرة لم يحل من إحرامه حتى يحج.
* قوله: (فَيَنْبَغِي أَوَّلًا أَنْ نُجَرِّدَ أَصْنَافَ هَذِهِ الْمَنَاسِكِ الثَّلَاثَ، ثُمَّ نَقُولُ مَا يَفْعَلُ الْمُحْرِمُ فِي كُلِّهَا، وَمَا يَخُصُّ وَاحِدًا وَاحِدًا مِنْهَا إِنْ كَانَ هُنَالِكَ مَا يَخُصُّ، وَكَذَلِكَ نَفْعَلُ فِيمَا بَعْدَ الإِحْرَامُ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى-.
الْقَوْلُ فِي شَرْحِ أَنْوَاعِ هَذِهِ الْمَنَاسِكِ:
فَنَقُولُ: إِنَّ الإِفْرَادَ هُوَ مَا يَتَعَرَّى عَنْ صِفَاتِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ).
سيبدأ المؤلف بالدخول في شرح المناسك الثلاثة وما يخص واحدًا واحدًا.
فشرع في شرح أنواع هذه المناسك وبدأ بالإفراد فقال:
الإفراد: هو (١) ما عدا التمتع، والقِران؛ أي: الذي يفرد بالحج وحده فيقول: (لبيك حجًّا).
* قوله: (لِذَلِكَ يَجِبُ أَنْ نَبْدَأَ أَوَّلًا بِصِفَةِ التَّمَتُّعِ، ثُمَّ نُرْدِفُ ذَلِكَ بِصِفَةِ الْقِرَانِ. الْقَوْلُ فِي التَّمَتُّعِ فَنَقُولُ: إِنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا (٢) عَلَى أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ النُّسُكِ الَّذِي هُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]).
стр. 4137
بدأ المؤلف بتفصيل القوله بأشهر هذه المناسك وهي التمتع ثم بعدها يردف القول بصفة القِران.
التمتع: ذهب العلماء إلى أنَّ التمتع هو الذي أشارت إليه الآية والتي أشار إليها المؤلف، وهي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
فلورود التمتع الذي ذكره اللَّه في كتابه أخذ بعض العلماء (١) ذلك دليلًا على أنَّ التمتع أفضل الأنساك الثلاثة، أفخحل من الإفراد، والقِران.
* قوله: (هُوَ أَنْ يُهِلَّ الرَّجُلُ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ مَسْكَنُهُ خَارِجًا عَنِ الْحَرَمِ).
صفة التمتع: هي أن يهلّ بالعمرة متمتعًا بها إلى الحج، وذلك في أشهر الحج من الميقات.
أي: يذهب الحاج ويحرم من الميقات الذي يعرف الآن (بأبيار علي) وهو الذي كان يُسمَّى (بذي الحليفة) فيما مضى، فإذا ما دخل الإنسان في ذلك المكان، ويحسن أن يكون بعد فريضة، أو بعد صلاة تطوع، أو أن يتوضأ ويصلي سنة الوضوء ثم يحرم؛ فإذا دخل في النسك يقول: (لبيك عمرة) ثم ينطلق ملبيًا حتى يأتي البيت فيطوف بالبيت سبعًا، وسيأتي الكلام عن الطواف مفصلًا إن شاء اللَّه تعالى، ثم يذهب فيصعد على الصفا
стр. 4138
فيسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط ذهابه واحد، ورجوعه آخر، وهكذا حتى يتم السبعة، ثم يَحلق إن كان هناك وقت بينه وبين الحج لينبت شعره وإن كان الوقت ضيقًا؛ فيحسن به أن يقصر حتى يظل شعره قائمًا؛ لأنه سيحتاج إليه بعد ذلك ثم يحرم بالحج في اليوم الثامن من مكة لا يذهب إلى الميقات وإنما من موضعه الذي هو فيه كما فعل الصحابة ﵃.
(ثُمَّ يَأْتِي حَتَّى يَصِلَ الْبَيْتَ فَيَطُوفَ لِعُمْرَتِهِ وَيَسْعَى وَيَحْلِقَ فِي تِلْكَ الْأَشْهُرِ بِعَيْنِهَا).
اشترط العلماء في المتمتع شروطًا ثلاثة (١):
стр. 4139
١ - أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج.
٢ - ويؤدي العمرة في أشهر الحج.
٣ - ثم يحج في نفس هذا العام؛ أي: لو أنَّ إنسانًا ذهب إلى مكة فاعتمر في أشهر الحج وفرغ من العمرة في وقت من أوقات أشهر الحج ثم يحج هذا العام، هذا هو المتمتع الذي جاء ذكره في كتاب اللَّه وهو الذي حض رسول اللَّه ﷺ أصحابه بأن يفسخوا حجه، وأن يجعلوه عمرة، وأكدَّ عليهم ذلك وسيأتي البيان إن شاء اللَّه.
(ثُمَّ يُحِلَّ بِمَكَّةَ).
معنى يحل بمكة؛ أي: يصبح حِلّا؛ أي: يرجع إلى ما كان عليه قبل الإحرام، فيلبس ملابسه، ويتمتع بكل شيء إلا ما يحظر عليه من الصيد مثلًا، إنما له أن يأخذ من شعره، وأن يقلم أظفاره، وأن يتطيب، وأن يلبس ما شاء من اللباس، وأن يغطي رأسه، وأن يجامع أهله، وله أن يتزوج، وأن يعقد لنفسه أو لغيره، كل هذه الأُمور يتمتع فيها كغيره.
* قوله: (ثُمَّ يُنْشِئُ الْحَجَّ فِي ذَلِكَ العَامِ بِعَيْنِهِ وَفِي تِلْكَ الْأَشْهُرِ بِعَيْنِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْصَرِفَ إِلَى بَلَدِهِ).
ذكر المؤلف بأن يُهلّ المعتمر بالحج في عامه، ومن مكة.
واختلف العلماء فيما لو انصرف المعتمر بعد عمرته إلى بلده:
مثال ذلك: لو أنَّ إنسانًا أدى العمرة في وقتها، وفرغ منها، ثم سافر:
ذهب بعض العلماء: إلى أنه لو سافر إلى غير أهله لا ينقطع تمتعه (١).
стр. 4140
أي: لو قُدِّر أنَّ أهله في المدينة، فسافر إلى الطائف، أو إلى الرياض، أو إلى بلد آخر، لا ينقطع تمتعه.
ومنهم من قال: من كان سفره دون مسافة القصر؛ فلا ينقطع تمتعه (١).
ومنهم من قال بذلك مطلقًا؛ أي: ينقطع تمتعه إذا انصرف إلى بلده (٢).
والقصد هنا هل هذا الذي انصرف إلى أهله، أو إلى غير أهله على القول بأن تمتعه قد انقطع، هل يلزمه هدي أم لا؟ (٣).
стр. 4141
الأحوط والأَولى أنه يهدي، فالمقصود إنما هو الدم الذي يذبحه عن التمتع.
* قوله: (إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ (١) أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: هُوَ مُتَمَتِّعٌ، وَإِنْ عَادَ إِلَى بَلَدِهِ وَلَمْ يَحُجَّ، أَيْ: عَلَيْهِ هَدْيُ الْمُتَمَتِّعِ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]).
والمقصود بالحسن: "الحسن البصري" أحد أكابر علماء التابعين.
والمشهور عن عمر (٢)، وابنه (٣) عبد اللَّه ﵄ أنَّ من حصل له مثل ذلك فسافر إلى غير أهله؛ فإنه متمتع، وهذا هو أولى الأقوال، وأرجحها.
مثال ذلك: لو أنَّ إنسانًا أتى من الشام، أو من غيرها، ثم أدى العمرة بمكة وانتهى منها، ثم ذهب إلى المدينة، وبعدها عاد إلي مكة للحج؛ فهذا ليس مسافرًا إلى أهله، ويعتبر متمتعًا، ويذبح الهدي.
هذا هو المشهور الذي عرف عن عمر، وعن ابنه عبد اللَّه ﵄.
أما هذا الذي نقل عن الحسن البصري؛ فهو بعيدٌ، إذ إنَّ مراده: أنك إذا أديت العمرة في أشهر الحج، ولم تحج في هذا العام ثم جئت في عام قادم فإنك لا تزال متمتعًا، فذلك بعيد المراد.
стр. 4142
* قوله: (لِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: عُمْرَةٌ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مُتْعَةٌ، وَقَالَ طَاوُسٌ: مَنِ اعْتَمَرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ أَقَامَ حَتَّى الْحَجَّ، وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ فَإِنَّهُ مُتَمَتِّعٌ) (١).
المواقيت الزمانية: هي شوال، وذو القعدة، والعشر الأوائل من شهر ذي الحجة، أو الشهر كاملًا على اختلاف بين العلماء (٢)، فلو أنَّ إنسانًا أحرم قبل أشهر الحج بالعمرة ثم أداها قبل أشهر الحج، أو أحرم بها قبل أشهر الحج؛ كأن يحرم في رمضان، ويؤديها في شوال الذي هو أحد أشهر ذي الحجة هل يكون متمتعًا أم لا؟
اختلف العلماء في ذلك؛ وأكثرهم على أنه لا يكون متمتعًا، فلا يلزمه هدي المتمتع.
* قوله: (وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَهوَ مُتَمَتِّعٌ) (٣).
стр. 4143
اتفق العلماء على أن من لم يكن من حاضري المسجد الحرام فهو متمتع، أي يلزمه دم؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وليس مراد المؤلف أنَّ العلماء اتفقوا على أن أهل مكة أو من يقوم بمكة لا يحجون متمتعين، ولا قارنين.
وهذه مسألة فيها خلاف سنشير إليها -إن شاء اللَّه- فيما بعد.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَكِّيِّ هَلْ يَقَعُ مِنْهُ التَّمَتُّعُ؟ أَمْ لَا يَقَعُ؟).
أراد المؤلف أن يقول: إنَّ الآية نص في أنَّ أهل مكة سواء كانوا من يقطنون مكة مقيمين من أهلها، أو ممن يقيم فيها، سواء كانت إقامته دائمة، أو من يقيم فيها لوقت؛ كأن يكون متعلمًا، أو موظفًا فيها، أو عاملًا جاء في مهمة مستقلة.
فهل أهل مكة يتمتعون كما يتمتع غيرهم، أو يقرنون الحج والعمرة، مع أن اللَّه نص أن ذلك لغير حاضري المسجد الحرام؟
١ - يقول الأئمة الثلاثة مالك (١)، والشافعي (٢)، وأحمد (٣): بأنَّ أهل
стр. 4144
مكة ليس لهم ذلك فإن كانوا متمتعين يحرمون بعد ذلك بالحج وهم يختلفون عن الآفاق وهو الذي يأتي من خارج مكة، أو من خارج الميقات، فإن كان متمتعًا، أو قارنًا، يلزمه دم، فالفرق بينهم وبين غيرهم ممن يرد على مكة لغير أهلها: إن الذين يردون إليها من المتمتعين، أو القارنين يلزمهم هدي، وهؤلاء لا يلزمهم.
٢ - بينما ذهب الإمام (أبو حنيفة) (١): إلى أنه يُكره لأهل مكة أن يتمتعوا بالعمرة إلى الحج، أو أن يقرنوا بينهما، ولو قدر أن ذلك قد حصل منهم؛ يلزمهم في هذه الحالة أن يذبحوا الهدي كغيرهم، ويستدل بالآية: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فيقول: إنَّ الآية عامة فيمن تمتع، ثم استثنوا ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام أن حاضر المسجد الحرام لا دليل عليهم؛
стр. 4145
لكن لو فعلوا كما يفعل الذي يأتي من خارج مكة ينطبق في حقهم الحكم.
وقول الجمهور هو الأولى والأرجح، إذ أنه يلتقي مع مفهوم الآية، وظاهرها، ومع الأحاديث الواردة في الموضوع.
* قوله: (وَالَّذِينَ قَالُوا: إِنَّهُ يَقَعُ مِنْهُ - اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ دَمٌ؛ لقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ هُوَ حَاضِرُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِمَّنْ لَيْسَ هُوَ فَقَالَ مَالِكٌ: حَاضِرُو الْمَسْحِدِ الْحَرَامٍ هُمْ أَهْلُ مَكَّةَ وَذِي طُوَى، وَمَا كَانَ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ مَكَّةَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفةَ: هُمْ أَهْلُ الْمَوَاقِيتِ، فَمَنْ دُونَهُمْ إِلَى مَكَّةَ).
قال اللَّه تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، بينت الآية الكريمة أنَّ من كان من حاضري المسجد الحرام؛ فلا دم عليه؛ أي: لا يلزمه دم التمتع.
لكن من هم حاضري المسجد الحرام الذين أشارت إليهم الآية؟ هل هو أهل مكة؟ إذ إنَّ مكة قد يكون بعضها خارج الحرم، وقد يكون بعضها أيضًا قاصرًا على نهاية الحرم، أو هو الحرم نفسه؛ أي: المكان الذي حرم فيه الصيد ونحوه؟ أو كما قال الإمام مالك: أهل مكة، وأهل طوى: وهو وادٍ قريب من مكة (١)؟
أو هم الذين يكونون إلى مكة دون مسافة القصر؟ أو هم الذين لو قام إنسان من مكة إلى منازلهم لكانت المسافة لا تقصر فيها الصلاة؟ وهذا
стр. 4146
هو قول الإمامين (الشافعي (١)، وأحمد) (٢) يعني: مسافة القصر وهي ثلاثة فراسخ، والفرسخ أربعة برد، والبرد ستة عشر فرسخًا وهو ثمانية وعشرون ميلًا، هذه المسافة التي تقصر فيها الصلاة وهي: ما بين الخمسة والسبعين والثمانين كيلو، قد جاء تحديدها عن عبد اللَّه بن عباس ﵄ (٣)، قال: ما بين مكة، وجدة، وما بين مكة وعسفان؛ هذه المسافة تقصر فيها الصلاة، فنقل عن الإمامين الشافعي وأحمد: أنَّ حاضري المسجد الحرام هم: الذين يقطنون دون مسافة القصر، فهم قريبون من الحرم، ومن كان بعد ذلك فلا.
فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وذهب أبو حنيفة: إلى أنَّ حاضري المسجد الحرام: من كانوا من أهل المواقيت، أو دون المواقيت، أما من كان بعد المواقيت كأهل المدينة مثلًا فليسوا من حاضري المسجد الحرام.
ويظهر -واللَّه أعلم- أنَّ أقربها إلى الصواب - هو قول من يقول: بأنَّ حاضري المسجد الحرام هم أهل مكة والحرم، إذ أن مكة قد اتسعت وامتدت، فنجد أنَّ بعض أطرافها قد تجاوزت الحرم من جهة التنعيم وربما
стр. 4147
تجاوزت بعضها أكثر من ذلك، فالأولى أن يقال: إنَّ حاضري المسجد الحرام أهل مكة والحرم وهذا هو أقربها إلى الصواب؛ لأن اللَّه قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والحاضر في لغة العرب يطلق على القريب.
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بِمِصْرَ: مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ لَيْلَتَانِ، وَهُوَ أَكمَلُ الْمَوَاقِيتِ، وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: مَنْ كانَ سَاكِنَ الْحَرَمِ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: هُمْ أَهْلُ مَكَّةَ فَقَطْ).
مذهب الشافعي، وكذلك أحمد كما ذكرنا: أنَّ من كان دون مسافة القصر فهم من حاضر المسجد الحرام؛ لأن ليلتين هي مسافة قصر عند الجمهور (١)، وعند أبي حنيفة (٢) مسيرة ثلاثة أيام.
стр. 4148
قال أهل الظاهر (١): من كان ساكن الحرم فقط، وقد نقلوا ذلك عن بعض السلف، كطاوس، وغيره.
وقال الثوري: هم أهل مكة فقط (٢).
* قوله: (وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: إِنَّ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَا يَقَعُ مِنْهُمُ التَّمَتُّعُ، وَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ).
يرى أبو حنيفة كما أشرنا: أنه لا ينبغي لأهل مكة أن يتمتعوا، أو أن يقرنوا، وإن حصل منهم ذلك فعليهم دمٌ كالمتمتعين، فهو يخالف بذلك ظاهر الآية. وأما الجمهور (الأئمة الثلاثة): فيرون أنه يجوز لهم أن يتمتعوا بالعمرة إلى الحج، أو أن يقرنوا الحج مع العمرة، وليس عليهم في هذه الحالة دم.
* قوله: (وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ: اخْتِلَافُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اسْمُ حَاضِرِي الْمَسْحِدِ الْحَرَامِ بِالْأَقَلِّ وَالأَكْثَرِ، وَلِذَلِكَ لَا يُشَكُّ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ هُمْ من حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ).
لا شكَّ أنَّ أهل مكة هم حاضرو المسجد الحرام، وأهل الحرم كذلك فهذه (مني)، وهي إحدى المشاعر، بل أكثر ما يمكث فيها الناس في الحج (اليوم العاشر، والحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، أو بعضه لمن لم يتعجل) داخلة في الحرم؛ أما عرفات، فليست داخلة في الحرم.
стр. 4149
ومن هنا يعلل العلماء ويقولون: لماذا يحرم الحاج بالحج من مكة، وفي العمرة يحرم من خارج مكة؟
الجواب: وذلك لأنَّ الإنسان إذا أحرم بالحج من مكة، فإنه سينتقل فيه بين المشاعر إلى عرفات، وهي ليست من الحرم، ويجمع بين الحل والحرم، أما الذي يحرم بالعمرة من مكة؛ سيقضي العمرة بمكة، فكأنه قضاها في الحرم فما جمع بين الحل والحرم.
يقول العلماء: عليه دم، وعليه أن يخرج خارج مكة، ويُحرم من أي مكان من غير الحرم، ثم يأتي إلى مكة، كما فعلت السيدة عائشة ﵂ عندما خرج أخوها عبد الرحمن بن أبي بكر لتحرم من هناك وتؤدي العمرة بتوجيه من الرسول ﷺ .
* قوله: (كَمَا لَا يُشَكُّ أَنَّ مَنْ خَارِجَ الْمَوَاقِيتِ لَيْسَ مِنْهُمْ، فَهَذَا هُوَ نَوْعُ التَّمَتُّعِ الْمَشْهُورُ، وَمَعْنَى التَّمَتُّعِ: أَنَّهُ تَمَتُّعٌ بِتَحَلُّلِهِ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ، وَسُقُوطُ السَّفَرِ عَنْهُ مَرَّةً ثَانِيَةً إِلَى النُّسُكِ الثَّانِي الَّذِي هُوَ الْحَجُّ).
ما سبق هو النوع المشهور من التمتع وسُمِّي متمتعًا؛ لأنه تمتع بتحلله من الإحرام بين النسكين، وسقط عنه السفر مرة ثانية إلى النسك الثاني وهو الحج". يقال: تمتع بغذائه، وبملبسه؛ لأنه تحلل مما كان مانعًا له من ارتكاب بعض المحظورات التي عرفناها سابقًا.
* قوله: (وَهُنا نَوْعَانِ مِنَ التَّمَتُّعِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِمَا، أَحَدُهُمَا: فَسْخُ الْحَجِّ فِي عُمْرَةٍ، وَهُوَ تَحْوِيلُ النِّيَّةَ مِنَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ).
وهذا هو التمتع المقصود، وهو الذي أرشد الرسول ﷺ أصحابه إليه، وليس هو النوع الآخر الذي ذكره المؤلف.
* قوله: (فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ في الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَار).
أراد المؤلف بقوله هذا: أنَّ التمتع الذي هو فسخ الحج إلى عمرة
стр. 4150
كَرِهه الصدر الأول، ولعله يُشير إلى ما أثر عن أبي بكر وعمر ﵄ أنهما يريان أنَّ الإفراد أفضل.
* قوله: (وَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَدَاوُدُ).
أما ابن عباس فالمعروف عنه: أنه يقول بوجوب التمتع (١).
إذًا؛ فلا خلاف بين العلماء (٢) في أنَّ من حجَّ مفردًا، أو قارنًا، أو متمتعًا، فإنه قد أدى النسك، ولم يقل أحدٌ بوجوب الإفراد، ولا بوجوب القران؛ وإنما قيل: بوجوب التمتع، وهو قول لابن عباس (٣)، وأخذ به بعض العلماء المحققين من المتأخرين.
والحقيقة أنَّ ابن عباس ذهب إلى إيجاب التمتع؛ لأنه لما قيل له: كيف تقول بوجوب التمتع، وأبو بكر وعمر يقولان: بأن الإفراد أفضل، وهما اللذان قال فيهم الرسول ﷺ : "اقتدوا باللذَّين من بعدي أبي بكر وعمر" (٤)، فقال: أقول لكم: قال رسول اللَّه ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر!؟ يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء (٥).
стр. 4151
فابن عباس يرى: تأكيد التمتع، وأنه هو الذي ينبغي أن نفعله؛ لكننا لا نقول بالوجوب، وإنما نرى أنَّ التمتع أفضل من غيره.
* قوله: (وَكُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ عَامَ حَجَّ بِفَسْخِ الْحَجِّ فِي الْعُمْرَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: "لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ، وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً") (١).
اتفق العلماء (٢) على أنَّ الرسول ﷺ عندما وصل إلى مكة جمع أصحابه ومنهم من كان متمتعًا، ومنهم من كان مفردًا بالحج، ومنهم من كان قارنًا، والذين قرنوا الحج منهم من ساق الهدي، ومنهم من لم يسقه، فأمر الرسول ﷺ من لم يسق الهدي بأن يفسخوا ذلك، وأن يجعلوها عمرة، ولقد توقف الصحابة ﵃ في ذلك الأمر ورأوا أنَّ في ذلك مشقة، كيف نسمي الحج ثم نحوله إلى العمرة؟
فقال لهم الرسول ﷺ : "افعلوا ما أمرتكم به إني أعلمكم باللَّه، وأتقاكم له". والرسول ﷺ لا يأمرهم إلا بما فيه خير.
ولقد أشكل ذلك على بعضهم فقالوا: يا رسول اللَّه! أنخرج إلى منًى، وذكر أحدنا أنه يجامع أهله إذا حل منه؛ أي: أنه سار متمتعًا حينئذٍ سيصبح حلالًا فيفعل ما يفعله المحل؟ فقال الرسول ﷺ : "افعلوا ما
стр. 4152
أمرتكم به، واللَّه تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١]، ويقول سبحانه: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٥] ".
ولا شكَّ أن الصحابة من أسرع الناس استجابة لأوامر وتوجيهات رسول اللَّه ﷺ ، ولكنه أشكل عليهم الأمر فأرادوا أن يتبينوا، وأن يستفصلوا الحكم من رسول اللَّه ﷺ وأنهم تلبسوا بالحج سواء كانوا قارنين، أو مفردين، وأنهم سيتحولون من عبادة إلى عبادة أُخرى ففي ذلك تغيير في النية، ونقل لما سموه إلى غيره.
فبيَّن لهم الرسول ﷺ أنَّ ذلك هو الطريق السوي، وأنه يأمرهم بما فيه الخير لهم، وأنَّ عليهم أن يمتثلوا لأوامر رسول اللَّه ﷺ فما كان منهم إلا أن استجابوا له، ونزلوا إلى حكم رسول اللَّه ﷺ ، وامتثلوا أمره ﷺ .
أليس ذلك يدل على أهمية التمتع؟ وأنه رغب فيه ﷺ ، وإذا كان رسول اللَّه ﷺ يقول: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة" (١)؛ أي: لأحرمت بالعمرة، بل إنه أمر الذين قرنوا الحج بالعمرة، أو العمرة بالحج دون أن يسوقوا الهدي، أمرهم بأن يفسخوا ذلك إلى العمرة، وهو ﷺ قد ساق هديه.
* قوله: (وَأَمْرُهُ لِمَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنْ يَفْسَخَ إِهْلَالَهُ فِي الْعُمْرَةِ، وَبِهَذَا تَمَسَّكَ أَهْلُ الظَّاهِرِ).
هو قول أهل الظاهر (٢)، وقول ابن عباس (٣)، واختاره الإمام
стр. 4153
أحمد (١)؛ بل هو القول الذي عليه كثير من المحققين من العلماء؛ لكنهم فضلوا القِران على التمتع إذا كان القارن قد ساق الهدي؛ لأنَّ الرسول ﷺ اختار ذلك، واللَّه تعالى يختار لنبيه ما هو أفضل وخير.
* قوله: (وَالْجُمْهُورُ رَأَوْا ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْخُصُوصِ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمَدَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَسْخٌ لنَا خَاصَّةً؟ أَمْ لِمَنْ بَعْدَنَا؟ قَالَ: لنَا خَاصَّةً") (٢).
ذهب الجمهور من العلماء (٣): أن ذلك خاص بالصحابة -رضوان اللَّه عليهم- فقالوا:
стр. 4154
إنَّ الذي كان مطلوبًا من الصحابة إيجاب ذلك، بدليل أنَّ الرسول ﷺ غضب وأنكر عليهم لما وقفوا، والرسول ﷺ لا يغضب في أمر إلا أن يكون أمرًا منهيًّا عنه، وتركوا أمرًا واجبًا لا بدَّ منه.
فالتمتع كان واجبًا في حق الصحابة، ولذلك لما سئل أبو ذر ﵁: "ألنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال: "بل لنا خاصة" (١).
ففسروا ذلك بأن المراد إنما هو الإيجاب، وأما أن العمرة أو التمتع فيه شيء؛ فيرده ما جاء في حديث جابر بن عبد اللَّه الذي أخرجه مسلم في صحيحه (٢)، وغيره (٣): "أن سراقة بن مالك سأل رسول اللَّه ﷺ ألعامنا هذا أم للأبد؟ فقال ﷺ : بل لأبد الأبد، دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة"، فالأولى أن يورد المؤلف هذا الحديث بجانب الحديث المذكور، وهو أن سراقة سأل الرسول ﷺ هل العمرة خاصة بهذا العام أم للأبد؟ فقال: "بل للأبد". وفي رواية (٤): "بل لأبد الأبد"؛ وأكمل تأكيدًا للحكم بأنها دخلت في الحج إلى يوم القيامة.
والذين قالوا: إن الرسول أمرهم بالإلزام؛ لأنَّ المشركين لم يروا أن العمرة في أشهر الحج؛ بل كانوا يرون ذلك من الفجور ومن فِعْل المنكر، فأكد لهم ذلك ﷺ وأمر به ليبطل مزاعم المشركين، وليبين فسادها، وأنهم ليسوا على حق في ذلك.
* قوله: (وَهَذَا لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ أَهْلِ الظَّاهِرِ صِحَّةً يُعَارَضُ بِهَا الْعَمَلُ الْمُتَقَدِّمُ).
إذا لم يصح هذا؛ فقد صح حديث سراقة الذي أخرج في صحيح
стр. 4155
مسلم، وهو حجة للذين يرون أن التمتع ثابت، وليس مفضولًا.
* قوله: (وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: "مُتْعَتَانِ كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَا أَنْهَى عَنْهُمَا وَأُعَاقِبُ عَلَيْهِمَا: مُتْعَةُ النِّسَاءِ، وَمُتْعَةُ الْحَجِّ") (١).
لقد ثبت عن عمر (٢) ما يخالف ذلك بقوله: "لو حَجَجْتُ لتمتعت".
ولما سئل عن النهي عن التمتع بالعمرة إلى الحج قال: "أبعد كتاب اللَّه شيء!!؟ " (٣)، كيف يقال بأنه نهي عنها، واللَّه يقول: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
ولا خلاف بين العلماء (٤) بأنَّ المراد بالتمتع هنا: هو التمتع بالحج.
إذا قد ثبت عن عمر ما يخالف ذلك.
والرد علي ما أوردوه:
١ - ربما أن عمر ﵁ رأى أنَّ الناس قد اعتقد بعضهم في وجوب التمتع فقال ذلك.
стр. 4156
٢ - أو ربما كان يرى أنَّ الإفراد أفضل في حالة من الحالات.
وهذا سنبينه إن شاء اللَّه تعالى.
* قوله: (وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ قَالَ: مُتْعَةُ الحَجِّ كَانَتْ لنَا وَلَيْسَتْ لَكُمْ (١)، وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: مَا كَانَ لِأَحَدٍ بَعْدَنَا أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ، ثُمَّ يَفْسَخُهُ فِي عُمْرَةٍ (٢) هَذَا كُلُّهُ مَعَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]).
ردّ الفريق الآخر على هذا: بأن ذلك كان واجبًا عليهم؛ لرد المزاعم، والافتراءات التي كان يعتقدها أهل الجاهلية.
* قوله: (وَالظَّاهِرِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ اتِّبَاعُ فِعْلِ الصَّحَابَةِ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةٍ ثَابِتَةٍ عَلَى أَنَّهُ خَاصٌّ).
ذهب أهل الظاهر على خلاف ما ذهب إليه الجمهور: بأنه لا يكون خاصًّا؛ إلا إذا دل عليه كتاب، أو سنَّة.
ومعلوم أن فعل الصحابة ﵃ مبني على أمر رسول اللَّه ﷺ فهو الذي أمرهم بأن يحلوا، وهو الذي غضب عندما حصل منهم توقف، وعندما وجههم إلى حقيقة الأمر عندما قالوا: "ويخرج أحدنا إلى منى"، وأكد بأن
стр. 4157
واجبهم في هذا المقام أن يسمعوا ويطيعوا؛ فدل ذلك علي خصوصه بثبوته عن رسول اللَّه ﷺ .
* قوله: (فَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ هَلْ فِعْلُ الصَّحَابَةِ مَحْمُولٌ عَلَى الْعُمُومِ؟ أَوْ عَلَى الْخُصُوصِ").
كما سبق أنَّ من العلماء من حمله على الخصوص إيجابًا عليهم.
* قوله: (وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي مِنَ التَّمَتُّعِ فَهوَ مَا كَانَ يَذْهَبُ إِلَيْهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ أَنَّ التَّمَتُّعَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ هُوَ تَمَتُّعُ الْمُحْصَرِ بِمَرَضٍ أَوْ عَدُوٍّ وَذَلِكَ إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ حَاجًّا فَحَبَسَهُ عَدُوٌّ أَوْ أَمْرٌ تَعَذَّرَ بِهِ عَلَيْهِ الْحَجُّ حَتَّى تَذْهَبَ أَيَّامُ الْحَجِّ، فَيَأْتِي الْبَيْتَ، فَيَطُوفُ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَيُحِلُّ، ثُمَّ يَتَمَتَّعُ بِحَلِّهِ إِلَى الْعَامِ الْمُقْبِلِ، ثُمَّ يَحُجُّ وَيَهْدِيَ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَيْسَ يَكُونُ التَّمَتُّعُ الْمَشْهُورُ إِجْمَاعًا).
لقد تكلَّم العلماء فيما إذا أحرم الإنسان من الميقات أي: دخل في النسك هل له أن يقول: إن حبسني حابس؛ فمحلي حيثما حبسني؛
١ - بعضهم يقول: لا يقول ذلك.
٢ - وبعضهم يقول: له أن يقول ذلك مطلقًا.
٣ - وبعضهم يقول: إن وجد في نفسه ضعفًا، أو كانت معه دابته أو سيارته ويخشى من توقفها وعدم الوصول.
والفائدة من ذلك: أنه لو قال: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبسني؛ لا يلزمه هدي أي: فدية.
ومعنى ذلك: لو قدر أنه قال هذه الكلمة ثم حبس عن الحج وما استطاع أن يصل إليه، فلا يلزمه أن يذبح دمًا، وإن لم يقلها فعليه هدي يذبحه ويفرقه في المكان الذي هو فيه، فإن لم يجد ينقله إلى مكان فيه فقراء.
стр. 4158
وليس الحابس هنا هو العدو فقط؛ بل قد يكون عدوًّا، أو مرضًا، أو خوفًا، أو أن تتعطل به الراحلة التي يسافر عليها وغيرها، مما يمنعه من الوصول إلى الحرم.
وهذا القول ليس هو المراد بالتمتع؛ وإنما مراده ما تكلمنا عنه سابقًا.
* قوله: (وشَذَّ طَاوُسٌ أَيْضًا فَقَالَ: إِنَّ الْمَكِّيَّ إِذَا تَمَتَّعَ مِنْ بَلَدٍ غَيْرِ مَكَّةَ كَانَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ).
شذَّ الإمام طاوس (١) عن الجمهور فقال ما فحواه: إنّ المكيَّ إذا انتقل إلى بلد آخر، كأن انتقل إلى المدينة فأقام بها؛ فإنَّ حكمه حكم المقيمين بهذه البلد فينطبق عليه حكمها، أما إذا انتقل مثلًا إلى بلدٍ لزيارة، أو لعلاج، أو إلى أمرٍ من الأمور؛ فبلدته مكة لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾؛ أي: أهله يسكنون أو يقيمون في مكة.
* قوله: (وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ أَنْشَأَ عُمْرَةً فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ عَمِلَهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ، فَقَالَ مَالِكٌ: عُمْرَتُهُ فِي الشَّهْرِ الَّذِي حَلَّ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ حَلَّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ وَبِقَرِيبٍ مِنْهُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ).
اختلف الفقهاء لو أن إنسانًا أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج كأن تكون في رمضان ثم أداها في أشهر الحج سواء كان في شوال، أو في ذي القعدة، أو حتى ذي الحجة:
стр. 4159
فنسب للإمام (مالك) وقريب منه قال أبو حنيفة (١)، والشافعي (٢)، وأحمد (٣)، والثوري: لو أنَّ إنسانًا مثلًا أحرم بالعمرة في رمضان ثم طاف وسعى وقصَّر، أو حلق في شهر شوال؛ يكون بذلك قد أدى العمرة في أشهر الحج، أما لو أدى بعضها في غير أشهر الحج فطاف مثلًا في رمضان، ثم سعى وحلق في شوال؛ فهذا هو الذي اختلف فيه العلماء.
والكلام هنا فيما يتعلَّق بالدم هل عليه دم أم لا؟
* قوله: (إِلَّا أَنَّ الثَّوْرِيَّ اشْتَرَطَ أَنْ يُوقِعَ طَوَافَهُ كُلَّهُ فِي شَوَّالٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ طَافَ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ فِي رَمَضَانَ، وَأَرْبَعَةً فِي شَوَّالٍ - كَانَ مُتَمَتِّعًا، وإِنْ كَانَ عَكْسَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا أَعْنِي: أَنْ يَكُونَ طَافَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ فِي رَمَضَانَ وَثَلَاثَةً فِي شَوَّالٍ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إِذَا دَخَلَ الْعُمْرَةَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَسَوَاءٌ طَافَ لَهَا فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، أَوْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ - لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا. وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ:
стр. 4160
هَلْ يَكُونُ مُتَمَتِّعًا بِإِيقَاعِ إِحْرَامِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَقَطْ؟ أَمْ بِإِيقَاعِ الطَّوَافِ مَعَهُ؟ ثُمَّ إِنْ كَانَ بِإِيقَاعِ الطَّوَافِ مَعَهُ فَهَلْ بِإِيقَاعِهِ كُلِّهِ؟ أَمْ أَكْثَرِهِ؟ فَأَبُو ثَوْرٍ يَقُولُ: لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا إِلَّا بِإِيقَاعِ الْإِحْرَامِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ بِالْإِحْرَامٍ تَنْعَقِدُ الْعُمْرَةُ، وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ: الطَّوَافُ هُوَ أَعْظَمُ أَرْكَانِهَا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ بِهِ مُتَمَتِّعًا، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ مَنْ أَوْقَعَ بَعْضَهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ كَمَنْ أَوْقَعَهَا كُلَّهَا).
اشترط الثوري أن يوقع الطواف كلَّه في أشهر الحج، وبه قال الشافعي. وحجته: أنَّ الطواف هو أعظم أركان العمرة.
أما أبو حنيفة: فإنه يأخذ بالأغلب.
وحجته: أن من أوقع بعضها في أشهر الحج؛ كمن أوقعها كلها.
بينما قال أبو ثور: إذا أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج؛ لا يكون متمتعًا بحالٍ.
وحجته: لأنَّ بالإحرام تنعقد العمرة.
والكلام كله يتعلَّق بإيجاب الدم عليه؛ فمن قال هو مؤدٍّ لها في أشهر الحج يلزمه دم، ومن قال: لا، فلا يلزمه دم.
* قوله: (وَشُرُوطُ التَّمَتُّعِ عِنْدَ مَالِكٍ سِتَّةٌ؛ أَحَدُهَا: أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي عَامٍ وَاحِدٍ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِنَ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَالرَّابعُ: أَنْ يُقَدِّمَ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ. وَالْخَامِسُ: أَنْ يُنْشِئَ الْحَجَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْعُمْرَةِ وَإِحْلَالِهِ مِنْهَا. وَالسَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ وَطَنُهُ غَيْرَ مَكَّةَ. فَهَذِهِ هِيَ صُورَةُ التَّمَتُّعِ، وَالِاخْتِلَافُ الْمَشْهُورِ فِيهِ وَالِاتِّفَاقُ).
стр. 4161
هذه الشروط عند مالك (١) وغيره وهي كالآتي:
١ - أن يجمع بين الحج والعمرة في شهر واحد، وأن يكون هذا الشهر قريبًا من الشروط التي ذكرنا.
٢ - أن يكون ذلك في عامٍ واحدٍ.
٣ - أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج: شوال، وذي القعدة، وذي الحجة.
٤ - أن تكون العمرة سابقة للحج لا أن يحج مفردًا.
وهنا سؤال: هل الذي يحج مفردًا يلزمه أن يعتمر بعد ذلك؟
الجواب: لا يلزمه، لكن إن لم يكن قد اعتمر فينبغي له أن يعتمر؛ لأن العمرة واجبة عليه، لا لأنه حج مفردًا؛ وإنما لأنه لم يعتمر سابقًا.
٥ - أن ينشئ الحج بعد الفراغ من العمرة وإحلاله منها؛ أي: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحجِّ، وأن يفرخ منها، وأن يحجَّ في نفس العام الذي اعتمر فيه. هذه هي الشروط المتفق عليها، وهي التي تؤخذ من الآية ومن الأحاديث.
٦ - أن يكون وطنه غير مكة.
стр. 4162
(النوع الثاني: القِران)
قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
(الْقَوْلُ فِي الْقَارِنِ: وَأَمَّا الْقِرَانُ فَهُوَ أَنْ يُهِلَّ بِالنُّسُكَيْنِ مَعًا، أَوْ يُهِلَّ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ يُرْدِفَ ذَلِكَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَنْ يُهِلَّ مِنَ الْعُمْرَةِ).
دخل المؤلف في النوع الثاني من أنواع الحج وهو: القران: وهو الذي يحرم بالحج والعمرة معًا؛ أي: يقوله عند دخوله في النسك: "لبيك اللهم حجًّا وعمرة".
أو أن يُهلّ بالعمرة في أشهر الحج ثم بعد ذلك يدخل عليها الحج، كما فعلت عائشة ﵂ "أنها أهلت بالعمرة فلما حاضت أمرها الرسول ﷺ أن تلبي بالحج" فكانت قارنة، ولذلك أراد الرسول ﷺ تطييب خاطرها بعد الحج، فأرسل معها أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر لتُحْرِمَ من التنعيم فتؤدي العمرة.
* قوله: (وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَكُونُ لَهُ فِيهِ، فَقِيلَ: ذَلِكَ لَهُ مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي الطَّوَافِ وَلَوْ شَوْطًا وَاحِدًا).
وهذا هو رأي جماهير العلماء؛ وهو أنك تدخل الحج على العمرة؛ ما لم تشرع في أحكام العمرة؛ أي: ما لم يشرع في الطواف ولو شوطًا، فلو أحرمت بالعمرة متى وصلت إلى مكة تكون قارنًا فتدخل عليها الحج فلا مانع، ولكن قبل أن تدخل في أحكام العمرة.
* قوله: (وَقِيلَ: مَا لَمْ يَطُفْ وَيَرْكَعْ، وَيُكْرَهُ بَعْدَ الطَّوَافِ وَقَبْلَ الرُّكُوعِ، فَإِنْ فَعَلَ لَزِمَهُ).
قصد الصلاة عند المقام قال تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ والذي يتفق حوله العلماء: أنَّ الإنسان له أن يدخل الحج على العمرة؛ إذ هو إدخال الأكبر على الأصغر وهذا ليس فيه خلاف.
стр. 4163
أما الخلاف في إدخال العمرة على الحج، أكثر العلماء يجيز ذلك، وبعضهم يمنع ذلك كالحنابلة، والظاهر كما في حديث أتاني جبريل "قال له: ارفع صوتك بالتلبية في هذا الوادي، وقل: عمرة في حجة".
* قوله: (وَقِيلَ: لَهُ ذَلِكَ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ عَمَلِ الْعُمْرَةِ مِنْ طَوَافٍ أَوْ سَعْيٍ مَا خَلَا أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ مِنْ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ إِلَّا الْحِلَاقُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِقَارِنٍ).
الأولى أنَّ الإنسان إذا جاء إلى مكة وبدا له أن يكون قارنًا فإن لم يشرع بعدُ في أعمال العمرة؛ فإنَّ له أن يُدخل الحج على العمرة، أمَّا إن كان قد شرع؛ فلا ينبغي له ذلك، وقد قلنا: أنَّ الأولى له ألَّا يُدخل ذلك.
وهنا أراد بالحِلَاق الحلق.
* قوله: (وَالْقَارِنُ الَّذِي يَلْزَمُهُ هَدْيُ الْمُتَمَتِّعِ هُوَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْ غَيْرِ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، إِلَّا ابْنَ الْمَاجِشُون مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، فَإِنَّ الْقَارِنَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ عِنْدَهُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ).
وكذلك أيضًا عن أبي حنيفة في من قرن العمرة بالحج من أهل مكة؛ فإنه يلزمه الدم، وإن كان يُكره أصلُ هذه المسألة.
(النوع الثالث: الإفراد)
* قوله: (وَأَمَّا الْإِفْرَادُ: فَهُوَ مَا تَعَرَّى مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَهُوَ أَلَّا يَكُونَ مُتَمَتِّعًا وَلَا قَارِنًا، بَلْ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ فَقَطْ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيٌّ أَفْضَلُ؟ هَلِ الْإِفْرَادُ؟ أَوِ الْقِرَانُ؟ أَوِ التَّمَتُّعُ؟).
تعريف الإفراد: وهو ما خلا من صفات التمتع، ومن صفات القران.
وتجرَّد بمعني تعرَّى، إذ تقول: تعرَّى الإنسان من ملابسه أي: خلعها وتجرَّد منها.
стр. 4164
وهو: أن يلبي للحجِّ وحده فيقول: (لبيك حجًّا).
ثم تكلم عما هو أفضلها، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء:
١ - من العلماء من يفضّل القِران مطلقًا وهم: الحنفية.
٢ - ومنهم من يرى أن التَّمتع هو الأفضل مطلقًا وهم: الحنابلة.
٣ - وهناك من يرى أنَّ الإفرَاد هو الأفضل مطلقًا وهم: المالكية والشافعية.
فهذه مسألة خلافية تارةً يكون القران هو الأفضل، وتارةً يكون التمتع هو الأفضل، وتارةً يكون الإفراد هو الأفضل.
فمن هذا نستطيع أن نقول: إنه من حيث الجملة فلا شكَّ أنَّ التمتع هو الأفضل عندي.
أما من حيث التفصيل:
فمتى يكون القران هو الأفضل؟
يكون القران أفضل في حقِّ من ساق الهدي من المكان الذي أحرم به؛ لأنَّ رسول اللَّه ﷺ : "حج قارنًا"؛ أي: جمع بين الحج والعمرة في نسك واحد، فكان أفضلًا؛ لأنَّ هذا هو الذي اختاره رسول اللَّه ﷺ ، وهو الذي اختاره اللَّه لنبيه كما جاء في حديث جبريل "أنه قال للرسول ﷺ : "قل: عمرة في حجة" (١).
ومتى يكون التمتع هو الأفضل؟
يكون التمتع أفضل في حقِّ من لم يسقِ الهدي، والدليل عليه: "أنَّ الرسول ﷺ تمناه، ولا يتمنى إلا ما فيه الخير" وبيَّن أنَّ الذي حال بينه وبين التمتع؛ أنه ساق الهدي.
ومما يدل على أفضليته، وأهميته أيضًا: أنَّ الرسول ﷺ أمر أصحابه
стр. 4165
بأن يحلوا من الحج إلى العمرة؛ أي: أن يفسخوا حجهم إلى عمرة، وقال لهم: "لو استقبلت من الأمر ما استدبرت؛ لما سُقت الهدي ولجعلتها عمرة"، ولما توقف الصحابة وترددوا وأشكل عليه ذلك، أمرهم الرسول ﷺ أمرًا جازمًا: "افعلوا ما أمرتكم به" (١).
ومتى يكون الإفراد هو الأفضل؟
يكون الإفراد هو الأفضل: في حقِّ من أحرم بالعمرة في غير أشهر الحجِّ وفرغ منها، كأن يكون محرمًا بالعمرة في رمضان، وبقي بمكة للحج، فهنا إنَّما جاء بنسكين مستقلين.
وبعض العلماء يرى: أنَّ الإفراد أفضل في حق من جاء فأدى العمرة، ثم سافر، ثم أحرم بالحج، فيكون الإفراد هو الأفضل.
وبذلك نكون قد قرَّبنا بين هذه الأقوال، ولا تعارض بينها، فالتفاضل بينهم نسبي، وكل واحد منهم له وقت يتفضل فيه عن غيره.
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ اخْتِلَافُهُمْ فِيمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ كَانَ مُفْرِدًا وَرُوِيَ أَنَّهُ تَمَتَّعَ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا. فَاخْتَارَ مَالِكٌ الْإِفْرَادَ).
لقد بدا أنه كان مفردًا في حديث عائشة المتفق عليه حين قالت: "حججنا مع رسول اللَّه ﷺ فمنَّا من أهلَّ بحج، ومنا من أهلَّ بعمرة متمتعًا، ومنا من أهلَّ بحج وعمرة، وأهلَّ رسول ﷺ بالحج".
لكن الأحاديث التي في الصحيحين وفي روايتها تثبت أن الرسول ﷺ كان قائلًا، فكيف نوفق بينها وبين قول عائشة في حديث صحيح: "وأهلَّ رسول اللَّه ﷺ بالحج"؟.
стр. 4166
قال العلماء: أهلَّ بالحج من حيث الفعل؛ لأنَّ أفعال القارن كأفعال المفرد عندما يصل إلى مكة يطوف، وله أن يسعى، وله أن يؤخر سعي الحج، فالتقيا في العمل من هذه الناحية.
ومنهم من قال: "أحرم الرسول ﷺ بالحج أولًا فأتاه جبريل وقال له: يا محمد! صلِّ في هذا الوادي، وقل: حجًّا وعمرة، أو حجة في عمرة، فجمع بينهم الرسول ﷺ "، وبذلك يمكن الجمع بين النصوص جميعًا.
والرَّاجح: أنَّ الرسول ﷺ حجَّ قارنًا.
فاختار مالك والشافعي الإفراد.
* قوله: (وَاعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ" (١)، وَرَوَاهُ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ، قَالَ أَبُو عُمَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَرُوِيَ الْإِفْرَادُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ طُرُقٍ شَتَّى مُتَوَاتِرَةٍ صِحَاحٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ (٢) وَعَائِشَةَ (٣)، وَجَابِر).
حديث جابر بن عبد اللَّه خرَّجه الإمام مسلم في صحيحه (٤)، وهو أطول حديث جاء في الحج وقد اشتمل على أهمِّ مناسك الحج، وبيَّن لنا المناسك التي سار عليها رسول اللَّه ﷺ ابتداءً من دخوله في النسك، حتى نهاية الحج، ولكنه أتى به هنا مجملًا.
стр. 4167
* قوله: (وَالَّذِينَ رَأَوْا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مُتَمَتِّعًا احْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابِ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي عَامِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، وَأَهْدَى، وَسَاقَ الْهَدْيَ مَعَهُ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ" وَهُوَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ) (١).
وهذا حديث متفق عليه (٢)، وأحيانًا يطلق على القِران أنه تمتع فهنا سمّى القران تمتعًا بدليل: أنَّ كل واحد منهما يذبح هديه، فقالوا: يجوز على القارن اسم المتمتع لشبهه به، لكونه أدَّى عمرة وحجًّا في وقت واحد.
* قوله: (وَاخْتُلِفَ عَنْ عَائِشَةَ فِي التَّمَتُّعِ وَالْإِفْرَادِ (٣). وَاعْتَمَدَ مَنْ رَأَى أَنَّهُ ﵊ كَانَ قَارِنًا أَحَادِيثَ كَثِيرَةً، مِنْهَا:
حَدِيثُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ بِوَادِي الْعَقِيقِ: "أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي، فَقَالَ: أَهِلَّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَة فِي حَجَّةٍ" خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ (٤).
стр. 4168
وَحَدِيثُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: "شَهِدْتُ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَعُثْمَانَ يَنْهَى عَنِ الْمُتْعَةِ، وَأَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَلِيٌّ أَهَلَّ بِهِمَا: لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، وَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَدَعَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقَوْلِ أَحَدٍ" خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ (١)).
عثمان ﵁ هو الخليفة الثاني، وعليٌّ ﵁ هو الخليفة الرابع، والرسول ﷺ قال: "أقضاكم علي" (٢).
فعثمان كان ينهى عن المتعة فلما سمع علي ذلك حجَّ متمتعًا لعلمه أن النبي ﷺ لم ينهَ عنها، بل يرى بعضهم: وجوبها، ولعلمه أنها سنة عنه.
* قوله: (وَحَدِيثُ أَنَسٍ خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجَّةً" (٣).
وَحَدِيثُ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ العُمْرَةِ، ثمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا" (٤)
وَاحْتَجُّوا، فَقَالُوا: وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ ﷺ هَدْيٌ، وَيَبْعُدُ أَنْ يَأْمُرَ بِالْقِرَانِ مَنْ مَعَهُ هَدْيٌ، وَيَكُونَ مَعَهُ هَدْيٌ وَلَا يَكُونَ قَارِنًا.
وَحَدِيثُ مَالِكٍ أَيْضًا عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابن عُمَرَ عَنْ حَفْصَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنِّي قَلَّدْتُ هَدْيِي، وَلَبَّدْتُ رَأْسِي، فَلَا أُحِلُّ حَتَّى