← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

قال العلماء: أهلَّ بالحج من حيث الفعل؛ لأنَّ أفعال القارن كأفعال المفرد عندما يصل إلى مكة يطوف، وله أن يسعى، وله أن يؤخر سعي الحج، فالتقيا في العمل من هذه الناحية. ومنهم من قال: "أحرم الرسول ﷺ بالحج أولًا فأتاه جبريل وقال له: يا محمد! صلِّ في هذا الوادي، وقل: حجًّا وعمرة، أو حجة في عمرة، فجمع بينهم الرسول ﷺ "، وبذلك يمكن الجمع بين النصوص جميعًا. والرَّاجح: أنَّ الرسول ﷺ حجَّ قارنًا. فاختار مالك والشافعي الإفراد. * قوله: (وَاعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ" (١)، وَرَوَاهُ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ، قَالَ أَبُو عُمَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَرُوِيَ الْإِفْرَادُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ طُرُقٍ شَتَّى مُتَوَاتِرَةٍ صِحَاحٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ (٢) وَعَائِشَةَ (٣)، وَجَابِر). حديث جابر بن عبد اللَّه خرَّجه الإمام مسلم في صحيحه (٤)، وهو أطول حديث جاء في الحج وقد اشتمل على أهمِّ مناسك الحج، وبيَّن لنا المناسك التي سار عليها رسول اللَّه ﷺ ابتداءً من دخوله في النسك، حتى نهاية الحج، ولكنه أتى به هنا مجملًا.

стр. 4167

* قوله: (وَالَّذِينَ رَأَوْا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مُتَمَتِّعًا احْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابِ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي عَامِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، وَأَهْدَى، وَسَاقَ الْهَدْيَ مَعَهُ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ" وَهُوَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ) (١). وهذا حديث متفق عليه (٢)، وأحيانًا يطلق على القِران أنه تمتع فهنا سمّى القران تمتعًا بدليل: أنَّ كل واحد منهما يذبح هديه، فقالوا: يجوز على القارن اسم المتمتع لشبهه به، لكونه أدَّى عمرة وحجًّا في وقت واحد. * قوله: (وَاخْتُلِفَ عَنْ عَائِشَةَ فِي التَّمَتُّعِ وَالْإِفْرَادِ (٣). وَاعْتَمَدَ مَنْ رَأَى أَنَّهُ ﵊ كَانَ قَارِنًا أَحَادِيثَ كَثِيرَةً، مِنْهَا: حَدِيثُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ بِوَادِي الْعَقِيقِ: "أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي، فَقَالَ: أَهِلَّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَة فِي حَجَّةٍ" خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ (٤).

стр. 4168

وَحَدِيثُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: "شَهِدْتُ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَعُثْمَانَ يَنْهَى عَنِ الْمُتْعَةِ، وَأَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَلِيٌّ أَهَلَّ بِهِمَا: لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، وَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَدَعَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقَوْلِ أَحَدٍ" خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ (١)). عثمان ﵁ هو الخليفة الثاني، وعليٌّ ﵁ هو الخليفة الرابع، والرسول ﷺ قال: "أقضاكم علي" (٢). فعثمان كان ينهى عن المتعة فلما سمع علي ذلك حجَّ متمتعًا لعلمه أن النبي ﷺ لم ينهَ عنها، بل يرى بعضهم: وجوبها، ولعلمه أنها سنة عنه. * قوله: (وَحَدِيثُ أَنَسٍ خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجَّةً" (٣). وَحَدِيثُ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ العُمْرَةِ، ثمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا" (٤) وَاحْتَجُّوا، فَقَالُوا: وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ ﷺ هَدْيٌ، وَيَبْعُدُ أَنْ يَأْمُرَ بِالْقِرَانِ مَنْ مَعَهُ هَدْيٌ، وَيَكُونَ مَعَهُ هَدْيٌ وَلَا يَكُونَ قَارِنًا. وَحَدِيثُ مَالِكٍ أَيْضًا عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابن عُمَرَ عَنْ حَفْصَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنِّي قَلَّدْتُ هَدْيِي، وَلَبَّدْتُ رَأْسِي، فَلَا أُحِلُّ حَتَّى

стр. 4169

أَنْحَرَ هَدْيِي" (١). وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا أَشُكُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ قَارِنًا، وَالتَّمَتُّعُ أَحَبُّ إِلَيَّ (٢). وَاحْتَجَّ فِي اخْتِيَارِهِ بِقَوْلِهِ ﵊: "لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ، وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً" (٣). وَاحْتَجَّ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى مَنْ رَأَى أَنَّ الْإِفْرَادَ الْأَفْضَلُ أَنَّ التَّمَتُّعَ وَالْقِرَانَ رُخْصَةٌ، وَلِذَلِكَ وَجَبَ فِيهِمَا الدَّمُ. وَإِذْ قُلْنَا فِي وُجُوبِ هَذَا النُّسُكِ، وَعَلَى مَنْ يَجِبُ، وَمَا شُرُوطُ وُجُوبِهِ، وَمَتَى يَجِبُ، وَفِي أَيِّ وَقْتٍ يَجِبُ، وَمِنْ أَيِّ مَكَانٍ يَجِبُ - قُلْنَا بَعْدَ ذَلِكَ فِيمَا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ بِمَا هُوَ مُحْرِمٌ، ثُمَّ قُلْنَا أَيْضًا فِي أَنْوَاعِ هَذَا النُّسُكِ، يَجِبُ أَنْ نَقُولَ فِي أَوَّلِ أَفْعَالِ الْحَاجِّ أَوِ الْمُعْتَمِرِ، وَهُوَ الْإِحْرَامُ). وهذا ما قد سبق بيانه من اختلاف الفقهاء في أفضلية أحدِ هذه الأنواع، بسبب اختلاف الأحاديث الواردة فيه عن النبي ﷺ ، ولكل فريق متمَسكه ودليله.

стр. 4170

قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (القَوْلُ فِي الإِحْرَامِ وَاتَّفَقَ جُمْهُورُ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الغُسْلَ لِلْإِهْلَالِ سُنَّةٌ (١)، وَأَنَّهُ مِنْ أَفْعَالِ المُحْرِمِ حَتَّى قَالَ ابْنُ نَوَّارٍ (٢): إِنَّ هَذَا الغُسْلَ لِلْإِهْلَالِ عِنْدَ مَالِكٍ أَوْكَدُ مِنْ غُسْلِ الجُمُعَةِ). وهذا الغسل قد ثبت عن الرسول ﷺ ، فإنه تجرَّد في ذي الحليفة

стр. 4171

واغتسل (١)، ولما نفستْ أسماء بنت عُمَيس بمحمد بن أبي بكر، أرسلت إلى رسول اللَّه ﷺ : كيف أصنع؟ فقال: "اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي (٢) بِثَوْبٍ، وَأَحْرِمِي" (٣)، فالاغتسال مسنونٌ بقول النبي ﷺ وفعله، لكنه ليس بواجب (٤)، فلو أن إنسانًا ذهب ولم يغتسل لا يُعتبر مقصرًا، ولا إثم عليه، لكن الأَوْلَى في حقه أن يغتسلَ، ولا يشترط أن يكون الغسل من الميقات. * قوله: (وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: هُوَ وَاجِبٌ) (٥). أمَّا أهل الظاهر، فَدليلُهُم ليس بالقويِّ، وهم يرون أيضًا أنَّ غسلَ الجُمُعة واجب (٦)، وقد مر بنا ذلك (٧)، والصَّحيح أنَّ الاغتسال للإحرام ليس بِوَاجِبٍ، وإنَّما هو سنةٌ (٨).

стр. 4172

* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١)، وَالثَّوْرِيُّ: يُجْزِئُ مِنْهُ الوُضُوءُ) (٢). فلَوْ لم يغتسل، أجزأه الوضوء، وهذا عند عامة العلماء. * قوله: (وَحُجَّةُ أَهْلِ الظَّاهِرِ مُرْسَلُ مَالِكٍ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ أَنَّهَا وَلَدَتْ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ بِالبَيْدَاءِ) (٣). و"البيداء": هو مكان بذي الحليفة (٤)، وهو الذي ورد في حديث جابر في "صحيح مسلم" (٥). * قوله: (فَذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ). وفي رِوَايةٍ أُخرى (٦): أنها أرسلت إلى رسول اللَّه ﷺ ، وهذا المرسل الذي ذكر المؤلف وَصَله غيرُ مَالِكٍ (٧)، إذًا، هو حديث متصل، وحجة في

стр. 4173

هذا المقام (١). * قوله: (فَقَالَ: "مُرْهَا، فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لْتُهِلَّ"، وَالأَمْرُ عِنْدَهُمْ عَلَى الوُجُوبِ). والقَصْدُ بالإهلال (٢) هنا إنَّما هو التلبية. * قوله: (وَعُمْدَةُ الجُمْهُورِ أَنَّ الأَصْلَ هُوَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ حَتَّى يَثْبُتَ الوُجُوبُ بِأَمْرٍ لَا مَدْفَعَ فِيهِ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَغْتَسِلُ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلدُخُولِهِ مَكَّةَ، وَلوُقُوفِهِ عَشِيَّةَ يَوْمِ عَرَفَةَ (٣)، وَمَالِكٌ يَرَى هَذِهِ الِاغْتِسَالَاتِ الثَّلاثَ مِنْ أَفْعَالِ المُحْرِمِ) (٤). فلَيْس الغُسْلُ واجبًا عندهم؛ لعَدم وُرُود نصٍّ صريحٍ يوجبه.

стр. 4174

* قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الإِحْرَامَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِنِيَّةٍ). والنِّيَّة أَمْرها عظيمٌ، وبها يُميَّزُ بين العادة والعبادة، وبين العبادة الواجبة وغير الواجبة، ولذلك نجد أن الإمام البخاري -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- قد افتتح "صحيحه" بالحديث المتفق عليه: "إنَّما الأعْمَال بالنيَّات، وإنما لكل امرئٍ نوى" (١)، فالدخول في النُّسُك ليس بكلمة: "لبيك اللهم لبيك"، وإنما أن تنوي بقَلْبك الدخول في ذلك النسك (٢)، لكن في هذا المقام، وفي هذه الشعيرة تتلفَّظ فتَقُول: إن كنت معتمرًا: "لبيك عمرة"، وإِنْ كنت مفردًا: "لبيك حجًّا"، وإن كنت متمتعًا: "لبيك عمرة"، ولك أن تكون متمتعًا بها إلى الحج، وَإِنْ كنتَ قارنًا تقول: "لبيك حجًّا وعمرة"، وَإنْ كان في صلاة فريضة، فيَحْسن أن يكون ذلك بعده، لكن هل يحتاج إلى أن ينشئ صلاة جديدة؟ ليس هناك دليل صريح على ذلك (٣)، وإنما

стр. 4175

ثبت أن الرسول ﷺ أحرم بعد صلاةٍ (١). * قوله: (وَاخْتَلَفُوا: هَلْ تُجْزِئُ النِّيَّةَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ التَّلْبِيَةِ). نَعَمْ، تُجْزئ، وهَذَا هو القول الصحيح، ومُرَاد المؤلف، فلو أن إنسانًا نوى الدخول في النسك بقلبه، ولم ينطق بلسانه فيقول: "لبيك حجًّا"، صحَّ ذلك، لكنه أخذ بالمفضول وترك الأفضل، والأَوْلَى التلفُّظ بالنسك اقتداءً برسول اللَّه ﷺ وبأصحابه الكرام (٢)، أما غير الحج فليس للمسلم أن يتلفظ، فإذا جاء المسلمُ مريدًا الصلاة أو الصيام، فإنَّه لا ينطق

стр. 4176

بذلك، بل يَنْوي في قلبه، ولو أن إنسانًا نطق بلسانه وهو يعتقد في قلبه خلاف ذلك، فإن ذلك لا ينفعه (١). * قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (٢) وَالشَّافِعِيُّ (٣): تُجْزِئُ النِّيَّةُ مِنْ غَيْرِ التَّلْبِيَةِ).

стр. 4177

وأحمد كذلك (١)، وقولهم هو الحقُّ في هذه المسألة، فلو اقتصر على النيَّة وترك التلبية، صَحَّ حجُّه، لكنه ترك الأَوْلَى. * قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢): التَّلْبِيَةُ فِي الحَجِّ كَالتَّكْبِيرَةِ فِي الإِحْرَامِ بِالصَّلَاةِ إِلَّا أَنَّهُ يُجْزِئُ عِنْدَهُ كُلُّ لَفْظٍ يَقُومُ مَقَامَ التَّلْبِيَةِ، كَمَا يُجْزِئُ عِنْدَهُ فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ كُلُّ لَفْظٍ يَقُومُ مَقَامَ التَّكْبِيرِ، وَهُوَ كُلُّ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّعْظِيمِ). فَالتَّلبية عنده بمثَابة تَكْبيرة الإحرام في الصلاة، وتَكْبيرةُ الإحرام ركنٌ، فَهُوَ يَقيس عليها، لكن أبا حنيفة يتوسَّع في هذا الأمر، فلا يَشْترط أن تقول: "لبَّيك اللهم لبَّيك"، ولو قلت: اللَّه أكبر، أو لبيك وسعديك، أو سبحان ربي العظيم، أو نحو ذلك من الألفاظ التي بها ذِكْرٌ، فإنَّ ذَلكَ يجزئ كالحال في تكبيرة الإحرام، فإنَّه عند الحنفية لو قال الإنسان: اللَّه أكبر، واللَّه العزيز، اللَّه العزيز والقوي، لجاز ذلك (٣)، لكن الأَوْلَى هو

стр. 4178

الأخذ بمذهب جمهور العلماء، وهو أن الإنسان يُلبِّي، وأنه لو نسي التلبية، فإنَّ ذَلكَ لا يؤثر على حجه؛ لأن النيَّة هي الأساس في هذا العمل. * قوله: (وَاتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ لَفْظَ تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ") (١). ونجد أن جابر بن عبد اللَّه ﵁ ذكر أنه عندما استوى رسول اللَّه ﷺ ، عندما استقل راحلته، فكان على البيداء، أهلَّ بكلمة التوحيد، ثم فسر لنا كلمة التوحيد، فقال: "لبَّيك اللهم لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إنَّ الحمد والنعمة والملك لك لا شريك لك" (٢). هَذِهِ كلمة التوحيد؛ لأنَّها جَمعَتْ أنواع التوحيد الثلاثة، ففيها إشارةٌ إلى توحيد الربوبية، وفيها إشارةٌ إلى توحيد العبودية، وفيها دلالة على توحيد الأسماء والصفات (٣).

стр. 4179

وكلمة "لبيك" (١)، معناها: إجابة؛ أي: إجابة بعد إجابة، وهي كما يَقُول علماء اللغة: من ألب بالمكان أي: أقام به، فكأنَّ المسلمَ عندما يقول: "لبَّيك اللهم لبَّيك"، كأنه يقول: يا ربِّ، قد أَجبتُ دعوتك وأنا مقيمٌ على طاعتك، مجيبٌ لندائك: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾ [الحج: ٢٧]، قَدْ أسلمت نفسي لك، ووَجَّهت وجهي إليك، وفَوَّضت أمري إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك. * قوله: (وَهِيَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ أَصَحُّ سَنَدًا (٢)، وَاخْتَلَفُوا فِي هَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ بِهَذَا اللَّفْظِ؟ أَمْ لَا؟). هل نقتصر على اللفظ الذي مرَّ بنا، أو نزيد كما جاء في بعض الآثار عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : "لبيك وسعديك، والرغباء إليك" (٣)؟ إِنْ زدنَاه، فذَلكَ دعاءٌ حسنٌ. * قوله: (فَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: هِيَ وَاجِبَةٌ بِهَذَا اللَّفْظِ) (٤).

стр. 4180

ودَعْوى الوُجُوب هذه غير مُسلَّمٍ بها؛ لأنه جاء في حديث جابر الطويل الذي وصف لنا حجة رسول اللَّه ﷺ قال: "فمنَّا من أهلَّ بالتلبية، ومنا من أهلَّ بالتكبير" (١)، فلا مانعَ أن يكبر الإنسان اللَّه، وأن يذكر اللَّه ، وأن يحمده، لكن الأَوْلَى هو هذه التلبية. * قوله: (وَلَا خِلَافَ عِنْدَ الجُمْهُورِ فِي اسْتِحْبَابِ هَذَا اللَّفْظِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَقُوا فِي الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ أَوْ فِي تَبْدِيلِهِ (٢)، وَأَوْجَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ) (٣). ولَا شكَّ أن رَفْعَ الصوت بها إنما هو شيءٌ عظيمٌ، وربما يقول قائل: ألم يقل الرسول ﷺ للصحابة لما كبروا ورفعوا أصواتهم بالتكبير:

стр. 4181

"ارْبَعُوا (١) على أنفسكم، فإنَّكمْ لا تدعون أصمَّ، ولا غائبًا، إنَّما تدعون سميعًا بصيرًا، إنَّ الذي تدعون أقرب إلى أَحدكُمْ من عُنُق راحلته" (٢)؛ ولذلك جاء قول اللَّه : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، لكن الحديث إنَّما هو في التكبير عمومًا، أما بالنسبة للتلبية فإنه قد جَاءَ في ذلك الحديث الصحيح الذي قال فيه الرسول ﷺ : "أتاني جبريل. . وأمَره أن يأمر أصحابه بأن يرفعوا أصواتهم بالتلبية" (٣)، فلَا شكَّ أنَّ رَفْعَ الصوت بالتلبية مطلوبٌ، وكان الصحابة ﵃ من شدة رفعهم لأصواتهم إذا بلغوا الروح، كانت تُبَحُّ أصواتهم (٤). * قوله: (وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الجُمْهُورِ) (٥).

стр. 4182

بَلْ مستحبٌّ عن الأئمة الأربعة، وعند غيرهم (١). * قوله: (لِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي وَمَنْ مَعِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ وَبِالإِهْلَالِ") (٢). وَهَذا الحديثُ روَاه مالكٌ في "الموطإ"، وغَيره. * قوله: (وَأَجْمَعَ أَهْلُ العِلْمِ عَلَى أَنَّ تَلْبِيَةَ المَرْأَةِ فِيمَا حَكَاهُ أَبُو عُمَرَ هُوَ أَنْ تُسْمِعَ نَفْسَهَا بِالقَوْلِ) (٣). وليس القصد من ذلك هو كون صَوْتها عورةً (٤)، ولكن المرأة موضع

стр. 4183

فتنة، فكما تُنْهى عن الخروج والتزيُّن بالأسواق والتعطُّر (١)، فكذلك منهية عن أن ترفع صوتها؛ لأنه مولد الفتنة، ولذلك تلبي بصوتٍ منخفضٍ تُسْمع نفسها، كَمَا ذكر المؤلف، أو تسمع مَنْ معها من المُلَاصقات لها، السائرات معها. * قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَرْفَعُ المُحْرِمُ صَوْتَهُ فِي مَسَاجِدِ الجَمَاعَةِ، بَلْ يَكْفِيهِ أَنْ يُسْمِعَ مَنْ يَلِيهِ إِلَّا فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ مِنًى، فَإِنَّهُ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فِيهِمَا) (٢). وَهَذا التعليل إنَّما ذكر عن بعض السلف (٣)، لكن الذي ورد هو الإطلاق، وهو أن الإنسانَ يرفع صوتَه في كلِّ مكانٍ.

стр. 4184

* قوله: (وَاسْتَحَبَّ الجُمْهُورُ رَفْعَ الصَّوْتِ عِنْدَ الْتِقَاءِ الرِّفَاقِ) (١). فعندما يرى المسلم مجموعةً من المسلمين يُلبُّون، فينبغي أن يُبَادلهم التَّلبية. * قوله: (وَعِنْدَ الإِطْلَالِ عَلَى شَرَفٍ مِنَ الأَرْضِ) (٢). أَيْ: يُلبِّي عندما يهبط في وادٍ، في منخفضٍ، وعندما يرتفع على مكانٍ. * قوله: (وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يَبْلُغُونَ الرَّوْحَاءَ حَتَّى تُبَحَّ حُلُوقُهُمْ) (٣).

стр. 4185

و"الرَّوْحاءُ": مكان معروف على الطريق الذي بين مكة وجدَّة (١). * قوله: (وَكَانَ مَالِكٌ لَا يَرَى التَّلْبِيَةَ مِنْ أَرْكَانِ الحَجِّ، وَيَرَى عَلَى تَارِكهَا دَمًا، وَكَانَ غَيْرُهُ يَرَاهَا مِنْ أَرْكَانِهِ) (٢). أما جمهور العلماء فلا يرون أن فيها دمًا (٣). * قوله: (وَحُجَّةُ مَنْ رَآهَا وَاجِبَةً أَنَّ أَفْعَالَهُ ﷺ إِذَا أَتَتْ بَيَانًا لِوَاجِبٍ أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى الوُجُوبِ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ) (٤).

стр. 4186

لَكن جَابرًا بَيَّنَ أنَّ منهم مَنْ كان يُلبِّي، ومنهم مَنْ كان يُكبِّر (١). * قوله: (لِقَوْلِهِ ﵊: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" (٢)). وَهَذا الحديث عمدةٌ في أحكام الحجِّ، والرسول ﷺ حرص كلَّ الحرص أن يحج معه عددٌ كبيرٌ من المسلمين، فحج وكان معه عدد غفير من المؤمنين، وحرص الصحابة ﵃ على أن يأخذوا عن رسول اللَّه ﷺ في كل أمرٍ من الأمور. * قوله: (وَبِهَذَا يَحْتَجُّ مَنْ أَوْجَبَ لَفْظَهُ فِيهَا فَقَطْ، وَمَنْ لَمْ يَرَ وُجُوبَ لَفْظِهِ، فَاعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: "أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "، فَذَكَرَ التَّلْبِيَة الَّتِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: "وَالنَّاسُ يَزِيدُونَ عَلَى ذَلِكَ: لَبَّيْكَ ذَا المَعَارجِ، وَنَحْوَهُ مِنَ الكَلَامِ، وَالنَّبِيُّ يَسْمَعُ وَلَا يَقُولُ شَيْئًا" (٣)، وَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَزِيدُ فِي التَّلْبِيَةِ (٤)، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ (٥)، وَعَنْ

стр. 4187

أَنَسٍ (١) وَغَيْرِهِ (٢)، وَاسْتَحَبَّ العُلَمَاءُ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ المُحْرِمِ بِالتَّلْبِيَةِ بِأَثَرِ صَلَاةٍ يُصَلِّيهَا) (٣). ومُرَاد المؤلف هنا ابتداؤه بالتلبية بعد أن يدخل في النُّسُك، ومن العلماء مَنْ يرى أن الدُّخولَ في النسك ينبغي أن يكون بعد صلاة، وهذا أمرٌ ليس محلَّ خِلَافٍ عندهم إِنْ كانت هناك فريضة، لَكن هل له أن يُنْشئ صلاةً ليدخل في النُّسُك بعدها؟ لا يوجد نصٌّ صريح في هذه المسألة، لكن هل يلبي بعد الدُّخُول في النسك مباشرةً أو بعد أن يصعد على راحلتِهِ؟ هذه كلُّها أقوالٌ وَرَدتْ عن العلماء، فمنهم مَنْ ذكر أن الرسول ﷺ أهلَّ عندما استوت الراحلة كما ورد في حديث عبد اللَّه بن عمر المتفق عليه أنه سمعه عندما استوى على راحلته، ومنهم مَنْ قال: عقب فريضة، ومنهم مَنْ ذكر أنه أهلَّ لما صعد على البيداء كما في حديث جابر، وابن عباس (٤). * قوله: (فَكَانَ مَالِكٌ يَسْتَحِبُّ ذَلِكَ بِأَثَرِ نَافِلَةٍ (٥)؛ لِمَا رُوِيَ مِنْ مُرْسَلِهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ ذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ أَهَلَّ") (٦).

стр. 4188

ولَا نزاعَ في استحبابها بعد الفريضة، لكن هل ينشئ صلاةً؟ هذَا الَّذي اختلَف فيه العلماء، فَبَعْضهم قال: يفعل ذَلكَ، وبَعْضهم قَالَ: ليس فيه نصٌّ (١). * قوله: (وَاخْتَلَفَتِ الآثَارُ فِي المَوْضِعِ الَّذِي أَحْرَمَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ). ومرادُ المؤلف الموضعُ الذي أهلَّ منه رسول اللَّه ﷺ بالتلبية. * قوله: (. . . بِحَجَّتِهِ مِنْ أَقْطَارِ ذِي الحُلَيْفَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ (٢): مِنْ مَسْجِدِ ذِي الحُلَيْفَةِ بَعْدَ أَنْ صَلَّى فِيهِ) (٣). يَعْني أنَّه لبَّى ﷺ بعد أن صلَّى بمسجد ذي الحُلَيفة، كَمَا في "سنن النسائي" (٤)، وغيره (٥).

стр. 4189

* قوله: (وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا أَحْرَمَ حِينَ أَطَلَّ عَلَى البَيْدَاءِ) (١). كَمَا جَاء في حَديث جَابِرٍ الذي في "صحيح مسلم" (٢). * قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّمَا أَهَلَّ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ) (٣). كَمَا جاء في حديث عبد اللَّه بن عمر المتفق عليه (٤). * قوله: (وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: كُلٌّ حَدَّثَ عَنْ أَوَّلِ إِهْلَالِهِ ﵊، بَلْ عَنْ أَوَّلِ إِهْلَالٍ سَمِعَهُ) (٥).

стр. 4190

وابن عباس أرَاد أن يجمع بين هذه الأقوال الثلاثة، وأنه ليس هناك تعارض بينها، فالذي سمع تلبية الرسول ﷺ بعد الدخول في النسك لم يسمع تلبيتَه بعد أن عَلَا واستقر وثبت على راحلته، ومنهم مَنْ سمع ذلك عندما علا على البيداء. * قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ يَأْتُونَ مُتَسَابِقِينَ). وَالرَّسُولُ ﷺ حجَّ معه جمعٌ غفيرٌ من المؤمنين، وربما لَمْ يسمع تلبيتَه إلا مَنْ كان قريبًا منه، فالَّذي كان قريبًا منه، فَسَمعها في أوَّل الأمر، ذكر ذلك، ثمَّ ذكرها غَيره، وهكذا، ونقول: لو أنه لبَّى بعد الدخول في النسك مباشرة، فذلك مشروع، ولو أخَّره قليلًا فمشروع أيضًا، ولو أخَّره حتى يسير بسيارته، فذلك جائزٌ. * قوله: (فَعَلَى هَذَا، لَا يَكُونُ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ، وَيَكُونُ الإِهْلَالُ إِثْرَ الصَّلَاةِ). أَيْ: يَأْتُون مسرعين ليأخذوا عن رسول اللَّه ﷺ مناسكهم. * قوله: (وَأَجْمَعَ فُقَهَاءُ الأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ المَكِّيَّ لَا يَلْزَمُهُ الإِهْلَالُ حَتَّى إِذَا خَرَجَ إِلَى مِنًى؛ لِيَتَّصِلَ لَهُ عَمَلُ الحَجِّ) (١). وَمُرَادُ المؤلِّف أنه يُهِلُّ كغيره يوم التَّروية (٢)، فلا يَلْزمه الإهلال من

стр. 4191

أوَّل الشهر، كَمَا هو رَأي البعض (١)، وإنَّما المكي، أَيْ: الذي يسكن مكَّة، أَو المقيم فيها، أو الَّذي جَاء واستقرَّ فيها قبل الحج، فإنَّ هذا يهلُّ في اليوم الثامن، ومن العلماء مَنْ يرى أنه يهلُّ بالحج من أول الشهر حتى يناله شيءٌ من الشعث (٢)، وكذلك المشقَّة التي تلحق الأفقي (٣) الذي يأْتِي من مكانٍ بعيدٍ (٤)، لكن الصَّواب أنه يهلُّ كغيره في اليوم الثامن (٥). * قوله: (وَعُمْدَتُهُمْ: "مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: رَأَيْتُكَ تَفْعَلُ هُنَا أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا يَفْعَلُهَا، فَذَكَرَ مِنْهَا: وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الهِلَالَ، وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ إِلَى يَوْم التَّرْوِيَةِ! فَأَجَابَهُ ابْنُ عُمَرَ: أَمَّا الإِهْلَالُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ" (٦)).

стр. 4192

وَكَانَ المُؤْمنون يقتدون به، ولم يَرِدْ فرقٌ بين المكِّيِّ وغيره، وَهَذا حديث متفقٌ عليه (١). * قوله: (يُرِيدُ حَتَّى يَتَّصِلَ لَهُ عَمَلُ الحَجِّ). بمَعْنى أنه لو أَحْرَم في أول الشهر، أو في اليوم الثاني، أو في الثالث، أو حتى في السابع، لا يكون هناك اتصالٌ، فإذا أحرم في اليوم الثامن، فإنَّه يَكُون قد دَخَل في النُّسك، فيذهب إلى منًى ضحًى، فيصلي فيها الظهرَ والعصرَ والمغربَ والعشاءَ والفجرَ في اليوم الثاني، وبعد الشمس يذهب إلى عرفة. * قوله: (وَرَوَى مَالِكٌ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ كَانَ يَأْمُرُ أَهْلَ مَكَّةَ أَنْ يُهِلُّوا إِذَا رَأَوا الهِلَالَ (٢)، وَلَا خِلَافَ عِنْدَهُمْ أَنَّ المَكِّيَّ لَا يُهِلُّ إِلَّا مِنْ جَوْفِ مَكَّةَ إِذَا كَانَ حَاجًّا) (٣). ومراد المؤلف أن المكِّيَّ إنَّما يُحْرم كما جاء في الحديث: "حتَّى أهل مكة من مكة" (٤)، وهُمْ بذلك سيجمعون بين الحل والحرم؛ لأنهم سيَذْهبون إلى عرفات، وعرفات خارج الحرم (٥)، أما المعتمر المكيُّ إذا

стр. 4193

أراد أن يعتمر، فلا بدَّ أن يخرج خارج الحرم من التنعيم أو غيره. * قوله: (وَأَمَّا إِذَا كَانَ مُعْتَمِرًا، فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الحِلِّ، ثُمَّ يُحْرِمَ مِنْهُ، لِيَجْمَعَ بَيْنَ الحِلِّ وَالحَرَمِ، كَمَا يَجْمَعُ الحَاجُّ، أَعْنِي أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ إِلَى عَرَفَةَ وَهُوَ حِلٌّ، وَبِالجُمْلَةِ، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا سُنَّةُ المُعْتَمِرِ (١). وَاخْتَلَفُوا إِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَقَالَ قَوْمٌ: يَجْزِيهِ، وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَابْنُ القَاسِمِ (٣). وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَجْزِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَشْهَبَ) (٤).

стр. 4194

فلَوْ أن إنسانًا اعتمر من مكة، وطاف وسعى، فإنَّ من العلماء مَنْ أوجب عليه دمًا؛ لأنه قصر في النسك، وكان عليه أن يخرج ليجمع بين الحلِّ والحَرم، ومنهم مَنْ لم يوجب عليه (١). * قوله: (وَأَمَّا مَتَى يَقْطَعُ المُحْرِمُ التَّلْبِيَةَ). وهُنَاك مَوْضعان يقطع فِيهِما المُحْرم التلبيةَ، ولعلَّ المؤلفَ هنا يريد مَنْ أحرمَ بعُمْرةٍ، وَسَيأتِي مَرَّةً أُخرى: متَى يقطع الحاجُّ التلبية؟ هَلْ هي في عرفات كَمَا هو مذهب مالك، أو عند رَمْي أول حصى عند رمي الجمرة الأُولى كما هو مذهب جمهور العلماء؟ (٢)، لَكن الكَلام هنا بالنسبة لمَنْ حجَّ متمتعًا، والصحيح أنه يقطع التلبية إذا أراد الشروع بالطواف. * قوله: (فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَرَوَى مَالِكٌ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ كَانَ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ). وَالمؤلِّف قَد انتقل إلى حال الحاج، فلَمْ ينظر إلى التمتُّع فقط، وإنما نظر إلى ما يجمع الأنساك الثلاثة، أَيْ: إذا أحرم بالحج؛ سواء كان مفردًا

стр. 4195

أو قارنًا أو متمتعًا (١). * قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ الأَمْرُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَهْلُ العِلْمِ بِبَلَدِنَا) (٢). يعني: الزهري. * قوله: (وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: كَانَتِ الأَئِمَّةُ (أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ) يَقْطَعُونَ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَائِشَةَ (٣). وَقَالَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ وَأَهْلُ الحَدِيثِ (أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَبُو عُبَيْدٍ وَالطَّبَرِيُّ وَالحَسَنُ بْنُ حُيَيٍّ): إِنَّ المُحْرِمَ لَا يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ حَتَّى يَرْمِيَ جَمْرَةَ العَقَبَةِ) (٤).

стр. 4196

يَعْني: عندما يريد أن يرمي جمرة العقبة، أما بعد الرمي، فهَذَا هو قول ابن حَزْمٍ الظَّاهري (١)، وهو القول الظاهر الذي تَشْهد له الأدلَّة، ومهما نقل الإمام مالكٌ وغيره عن الصَّحابة، فنَحْن في هذا المقام نأخُذُ عن رَسُول اللَّه ﷺ ، نَعَمْ نأخُذُ بأَقْوَال الصَّحابة، ونجلها ما لم يرد نصٌّ عن رسول اللَّه ﷺ . وقَدْ جاء في حديث الفضل بن عباس الذي لم يورد المؤلف روايته، وهو حديث متفق عليه أن رسول اللَّه ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة

стр. 4197

العقبة (١)؛ أي: حتى بدأ برَمْي جَمْرَة العقبة، فإن الحاجَّ لا يزال يُلبِّي ويستمر بالذِّكر حتى يكون يوم النحر، وَيَصل إلى منًى، فإذا أخذ معه الحَصَيات السبع، وأراد أن يَرْمي جمرة العقبة، فإنه يتوقَّف عن التلبية، هذا هو المقطع الذي يقطع فيه الحاج تلبيته، أمَّا قبل ذلك، فلا دليل، ونحن نأخذ بما ثبت عن الرسول ﷺ ، وقد أمرنا بقوله: "خذوا عني مناسككم" (٢). * قوله: (لِمَا ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ (٣)، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا مَتَى يَقْطَعُهَا، فَقَالَ قَوْمٌ: إِذَا رَمَاهَا بِأَسْرِهَا) (٤). لَمْ يَزلْ يلبِّي حتى رمى جمرة العقبة حتى مطلع الفجر؛ لأنه سينتقل إلى ذِكْرٍ آخَر. إذن نقول: وَهَذا هو رأي جمهور العلماء، وهُوَ عندما يصل إلى جمرة العقبة، فإذَا ما رَفَع يده حِينَئذٍ يتوقَّف عن التلبية، ويقول: اللَّه أكبر! وقال قومٌ: إذا رَمَاها بأثرها، وهذا نقل عن ابن حزم (٥)، ويحتاج إلى دَلِيلٍ، وهو فَهِمَ ذلك من النَّصِّ. * قوله: (لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَنَّهُ لَبَّى حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ، وَقَطَعَ التَّلْبِيَةَ فِي آخِرِ حَصَاةٍ) (٦).

стр. 4198

والحديث المتفق عليه (١) هو أنه لا يزال يلبي حتى رمى جمرة العقبة؛ أي: عند رميها. * قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ يَقْطَعُهَا فِي أَوَّلِ جَمْرَةٍ يُلْقِيهَا) (٢). وَهَذا هُوَ رأي الأكثر، وَهُوَ الأَقْرَب والأَوْلَى. * قوله: (رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ (٣). وَرُوِيَ فِي وَقْتِ قَطْعِ التَّلْبِيَةِ أَقَاوِيلُ غَيْرُ هَذِهِ) (٤). وهذا من الأُمور اليسيرة التي لا يَنْبغى أن تشوش على الحاج، ولا أن يشغل ذهنه فيها، فإذا جاء إلى جمرة العقبة وهو يلبي، فإنه يتوقف، ففي كل حصاةٍ يلبى: اللَّه أكبر، اقتداءً بسنة الرسول ﷺ (٥). * قوله: (إِلَّا أَنَّ القَوْلَيْنِ هَذَيْنِ هُمَا المَشْهُورَانِ، وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ قَطْعِ التَّلْبِيَةِ بِالْعُمْرَةِ، فَقَالَ مَالِكٌ: يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إِذَا انْتَهَى إِلَى

стр. 4199

الحَرَمِ (١)، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): إِذَا افْتَتَحَ الطَّوَافَ). وهُوَ قَوْل أحمد أيضًا (٤)، وهذا هو الأَوْلَى، إلا أن مالكًا ربما علل أنه سيكون في ذِكْرٍ؛ لأنه عندما يصل إلى المسجد الحرام يسمِّي ويصلي على الرسول ﷺ ، وكذلك يقول: "اللَّهمَّ افتح لي أبوابَ رَحْمتك" (٥)، وهُنَاك من العلماء مَنْ يرى دعاءً عند دخول المسجد (٦)، والصحيح أن قطعَ التلبية عند بدء الطواف كما هو الحال عند رمي الجمرة.

стр. 4200

* قوله: (وَسَلَفُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ (١)، وَعُرْوَةُ) (٢). يعني: عروة بن الزبير. * قوله: (وَعُمْدَة الشَّافِعِيِّ أَنَّ التَّلْبِيَةَ مَعْنَاهَا إِجَابَةٌ إِلَى الطَّوَافِ بِالبَيْتِ، فَلَا تَنْقَطِعُ حَتَّى يَشْرَعَ فِي العَمَلِ، وَسَبَبُ الخِلَافِ مُعَارَضَةُ القِيَاسِ لِفِعْلِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ) (٣). وَقَد انتهى المؤلف من هذه المسألة، وسينتقل إلى غيرها. * قوله: (وَجُمْهُورُ العُلَمَاءِ -كَمَا قُلْنَا- مُتَّفِقُونَ عَلَى إِدْخَالِ المُحْرِمِ الحَجَّ عَلَى العُمْرَةِ) (٤).

стр. 4201

بمَعْنى: أَنْ تكونَ قارنًا، فهَلْ لك أن تدخل عليها الحج؟ يقولون: هذا جائز ومتفق عليه؛ لأنَّ إدخال الأَكْبَر على الأصغر غير مَمْنوع، وعائشة قَدْ فَعلَتْ ذلك عندما حاضت؛ لأنَّ الرَّسُول ﷺ أمَرها أن تُهِلَّ إلَّا بالحج، فكانت قارنةً (١). * قوله: (وَيَخْتَلِفُونَ فِي إِدْخَالِ العُمْرَةِ عَلَى الحَجِّ) (٢). وَقَد اختلفوا؛ لأن في ذلك إدخالًا للأصغر على الأكْبَر، فالأَكْبَر هو الحجُّ، وكونك تضيف العُمْرة إليه، فإنَّك قَدْ أدخلت الأصغر على الأَكْبَر، والحنابلة يَرَون أنَّ ذلك لا يجوز (٣)، وَفيه خلافٌ في المَذْهب (٤)، لكن

стр. 4202

الصحيح أن الرَّسولَ ﷺ جَاء عنه ما يدلُّ علَى جواز ذلك؛ لأنه جَاء في حديث عائشة المتفق عليه أنها قالت: "حججنا مع رسول اللَّه ﷺ " (١)، وفي روايةٍ: "خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ ، فمنَّا مَنْ أهلَّ بحجٍّ، ومنَّا مَنْ أهلَّ بعمرةٍ، ومنَّا مَنْ أهلَّ بحجِّ وعمرةٍ، وأهلَّ رسول اللَّه ﷺ بالحج" (٢). وَمن العُلَماء مَنْ قال: أهلَّ بالحج فعلًا لا حكمًا؛ لأن فعلَه كفِعْلِ المفرد، وإلَّا فهو قارنٌ (٣)، ومنهم مَنْ قال: إنه أهلَّ بالحج أولًا، ثم أتاه جبريل، فَقَال له: "صَلِّ في هَذَا الوادي، وقُلْ: عمرة في حجَّة، أو عمرة وحجَّة" (٤)، فأدخل العمرة على الحج. * قوله: (وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَا يَدْخُلُ حَجٌّ عَلَى عُمْرَةٍ، وَلَا عُمْرَةٌ عَلَى حَجٍّ) (٥). وهذا قولٌ ضعيفٌ.

стр. 4203

* قوله: (كَمَا لَا تَدْخُلُ صَلَاةٌ عَلَى صَلَاةٍ، فَهَذِهِ هِيَ أَفْعَالُ المُحْرِمِ بِمَا هُوَ مُحْرِمٌ، وَهُوَ أَوَّلُ أَفْعَالِ الحَجِّ، وَأَمَّا الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَ هَذَا، فَهُوَ الطَّوَافُ عِنْدَ دُخُولِ مَكَّةَ، فَلْنَقُلْ فِي الطَّوَافِ). لَكن الأَوْلَى أن نقتدي برسول اللَّه ﷺ ، فلَوْ أنه أحرم بالحجِّ، أو أحرم بالحجِّ والعمرة، فالأَوْلَى في حقه أنه إذا وصل إلى مكَّة يفسخ الحج إلى عمرةٍ، فيطوف بالبيت العتيق، ويَسْعى بين الصفا والمروة، ويحلق أو يقصر؛ لأن الرسول ﷺ أمر أصحابَه بذلك (١)، ولو بقي على حجِّه، فَهَذا أمر جائز، وليس فيه شيءٌ، ولا يظن البعض أن الإنسان إذا حج مفردًا أو قارنًا أن حجَّه يلحقه نقصٌّ (٢). [القَوْلُ فِي الطَّوَافِ بِالبَيْتِ] قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وَالكَلَامُ فِي الطَّوَافِ، فِي صِفَتِهِ، وَشُرُوطِهِ، وَحُكْمِهِ فِي الوُجُوبِ أَوِ النَّدْبِ، وَفِي أَعْدَادِهِ القول في الصفة وَالجُمْهُورُ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ صِفَةَ كُلِّ طَوَافٍ؛ وَاجِبًا كَانَ أَوْ غَيْرَ وَاجِبٍ أَنْ يَبْتَدِئَ مِنَ الحَجَرِ الأَسْوَدِ) (٣).

стр. 4204

وهذا لا خلاف فيه؛ سواء كان هذا الطواف في حجٍّ أو في عُمْرةٍ، وسواء كان الحج مفردًا، أو كان متمتعًا، أو قارنًا، فَهَذا لا يختلف في أيِّ شيءٍ، وإنما يأتي الفرق في طواف القدوم. * قوله: (فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يُقَبِّلَهُ، قَبَّلَهُ، أَوْ يَلْمِسَهُ بِيَدِهِ وَيُقَبِّلَهَا إِنْ أَمْكَنَهُ). وَمُرَاد المُؤلِّف هنا أن الإنسانَ إذا دخَل، فإنَّه يقطع التلبية، وأول عملٍ يَقُوم به أن يذهب صوبَ الحجر الأسود إنْ تمكَّن، لكن في مثل هذا الوقت يجد صعوبةً، ثم بعد ذلك يمسحه بيده، فَإِنْ لَمْ يستطع التقبيلَ، ولا المسحَ واستلمه، فإنَّه يُشير إليه بيده اليمنى (١)، وهَلْ يُشير إليه، وَهُوَ سائرٌ في طريقه؟ لا، الأَوْلَى أن يتجه نحو الركن الذي فيه الحجر الأسود الذي يقَع في الجهة الشرقية، يَعْني: في الرُّكن الشرقيِّ الجنوبيِّ، ويبدأ عمل الطائف، فإنَّه يَسْتلم الحجر، ثمَّ يجعل البيت عن يساره، ثم يبدأ بعد ذلك في الطواف، وهو لا يستلم من الأركان إلا ركنين (الركن اليماني (٢)، والركن الذي فيه الحجر الأسود)، لكن إذَا لَمْ يستطع أن يستلم الركن اليماني، فلَا يُشير إليه، وقَدْ يسأل سائلٌ فيَقُول: ألم يستلم مُعَاويةُ ﵁ الأركان الأربعة عندما جاء إلى مكة؟ نقول: نعم، حدث منه ذلك (٣)،

стр. 4205

وَلَكن عَبْد اللَّه بن عباس اعترض علَيه في هذا المقام (١)، فسأله مُعَاوية: لماذا؟ قال: أليس اللَّه تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، قال: بلَى. قال: ورسول اللَّه لَمْ يستلم إلا الركنين، قال: صدقت؛ لأن معاوية علل وقال: ليس من البيت شيء مهجور (٢)، وعلل العلماء عدم استلام الركنين الباقيين (الشمالي والغربي)، فقالوا: السبب في ذلك أنهما خارجان من البيت؛ لأن قريشًا لمَّا أعادت بناء الكعبة، نقصت النفقة، وقد أخذوا على أنفسهم ألا ينفقَ على بناء البيت إلا من مالٍ حلالٍ، أما أيُّ مالٍ فيه شكٌّ أو فيه ريبةٌ، فاجتنبوه، فنقصت بهم النفقة، فَتَركوا تلكم المساحة الموجودة في الجهة الشمالية، وَهُوَ الذي يُسمِّية الناس بحجر إسماعيل، وهذه التَّسمية لا أَصْلَ لهَا؛ لأنَّ هذا وُجِدَ بعد إسماعيل. * قوله: (ثُمَّ يَجْعَلَ البَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ). يجعل البيتَ عن يده اليسرى، ثم يبدأ من هذا المكان حتى ينتهي إليه في كل مرة. * قوله: (وَيَمْضِي عَلَى يَمِينِهِ، فَيَطُوفَ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ، يَرْمُلُ فِي الثَّلاثَةِ الأَشْوَاطِ الأُوَلِ) (٣).
следующие страницы →