← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

بمَعْنى: أَنْ تكونَ قارنًا، فهَلْ لك أن تدخل عليها الحج؟ يقولون: هذا جائز ومتفق عليه؛ لأنَّ إدخال الأَكْبَر على الأصغر غير مَمْنوع، وعائشة قَدْ فَعلَتْ ذلك عندما حاضت؛ لأنَّ الرَّسُول ﷺ أمَرها أن تُهِلَّ إلَّا بالحج، فكانت قارنةً (١). * قوله: (وَيَخْتَلِفُونَ فِي إِدْخَالِ العُمْرَةِ عَلَى الحَجِّ) (٢). وَقَد اختلفوا؛ لأن في ذلك إدخالًا للأصغر على الأكْبَر، فالأَكْبَر هو الحجُّ، وكونك تضيف العُمْرة إليه، فإنَّك قَدْ أدخلت الأصغر على الأَكْبَر، والحنابلة يَرَون أنَّ ذلك لا يجوز (٣)، وَفيه خلافٌ في المَذْهب (٤)، لكن

стр. 4202

الصحيح أن الرَّسولَ ﷺ جَاء عنه ما يدلُّ علَى جواز ذلك؛ لأنه جَاء في حديث عائشة المتفق عليه أنها قالت: "حججنا مع رسول اللَّه ﷺ " (١)، وفي روايةٍ: "خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ ، فمنَّا مَنْ أهلَّ بحجٍّ، ومنَّا مَنْ أهلَّ بعمرةٍ، ومنَّا مَنْ أهلَّ بحجِّ وعمرةٍ، وأهلَّ رسول اللَّه ﷺ بالحج" (٢). وَمن العُلَماء مَنْ قال: أهلَّ بالحج فعلًا لا حكمًا؛ لأن فعلَه كفِعْلِ المفرد، وإلَّا فهو قارنٌ (٣)، ومنهم مَنْ قال: إنه أهلَّ بالحج أولًا، ثم أتاه جبريل، فَقَال له: "صَلِّ في هَذَا الوادي، وقُلْ: عمرة في حجَّة، أو عمرة وحجَّة" (٤)، فأدخل العمرة على الحج. * قوله: (وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَا يَدْخُلُ حَجٌّ عَلَى عُمْرَةٍ، وَلَا عُمْرَةٌ عَلَى حَجٍّ) (٥). وهذا قولٌ ضعيفٌ.

стр. 4203

* قوله: (كَمَا لَا تَدْخُلُ صَلَاةٌ عَلَى صَلَاةٍ، فَهَذِهِ هِيَ أَفْعَالُ المُحْرِمِ بِمَا هُوَ مُحْرِمٌ، وَهُوَ أَوَّلُ أَفْعَالِ الحَجِّ، وَأَمَّا الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَ هَذَا، فَهُوَ الطَّوَافُ عِنْدَ دُخُولِ مَكَّةَ، فَلْنَقُلْ فِي الطَّوَافِ). لَكن الأَوْلَى أن نقتدي برسول اللَّه ﷺ ، فلَوْ أنه أحرم بالحجِّ، أو أحرم بالحجِّ والعمرة، فالأَوْلَى في حقه أنه إذا وصل إلى مكَّة يفسخ الحج إلى عمرةٍ، فيطوف بالبيت العتيق، ويَسْعى بين الصفا والمروة، ويحلق أو يقصر؛ لأن الرسول ﷺ أمر أصحابَه بذلك (١)، ولو بقي على حجِّه، فَهَذا أمر جائز، وليس فيه شيءٌ، ولا يظن البعض أن الإنسان إذا حج مفردًا أو قارنًا أن حجَّه يلحقه نقصٌّ (٢). [القَوْلُ فِي الطَّوَافِ بِالبَيْتِ] قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وَالكَلَامُ فِي الطَّوَافِ، فِي صِفَتِهِ، وَشُرُوطِهِ، وَحُكْمِهِ فِي الوُجُوبِ أَوِ النَّدْبِ، وَفِي أَعْدَادِهِ القول في الصفة وَالجُمْهُورُ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ صِفَةَ كُلِّ طَوَافٍ؛ وَاجِبًا كَانَ أَوْ غَيْرَ وَاجِبٍ أَنْ يَبْتَدِئَ مِنَ الحَجَرِ الأَسْوَدِ) (٣).

стр. 4204

وهذا لا خلاف فيه؛ سواء كان هذا الطواف في حجٍّ أو في عُمْرةٍ، وسواء كان الحج مفردًا، أو كان متمتعًا، أو قارنًا، فَهَذا لا يختلف في أيِّ شيءٍ، وإنما يأتي الفرق في طواف القدوم. * قوله: (فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يُقَبِّلَهُ، قَبَّلَهُ، أَوْ يَلْمِسَهُ بِيَدِهِ وَيُقَبِّلَهَا إِنْ أَمْكَنَهُ). وَمُرَاد المُؤلِّف هنا أن الإنسانَ إذا دخَل، فإنَّه يقطع التلبية، وأول عملٍ يَقُوم به أن يذهب صوبَ الحجر الأسود إنْ تمكَّن، لكن في مثل هذا الوقت يجد صعوبةً، ثم بعد ذلك يمسحه بيده، فَإِنْ لَمْ يستطع التقبيلَ، ولا المسحَ واستلمه، فإنَّه يُشير إليه بيده اليمنى (١)، وهَلْ يُشير إليه، وَهُوَ سائرٌ في طريقه؟ لا، الأَوْلَى أن يتجه نحو الركن الذي فيه الحجر الأسود الذي يقَع في الجهة الشرقية، يَعْني: في الرُّكن الشرقيِّ الجنوبيِّ، ويبدأ عمل الطائف، فإنَّه يَسْتلم الحجر، ثمَّ يجعل البيت عن يساره، ثم يبدأ بعد ذلك في الطواف، وهو لا يستلم من الأركان إلا ركنين (الركن اليماني (٢)، والركن الذي فيه الحجر الأسود)، لكن إذَا لَمْ يستطع أن يستلم الركن اليماني، فلَا يُشير إليه، وقَدْ يسأل سائلٌ فيَقُول: ألم يستلم مُعَاويةُ ﵁ الأركان الأربعة عندما جاء إلى مكة؟ نقول: نعم، حدث منه ذلك (٣)،

стр. 4205

وَلَكن عَبْد اللَّه بن عباس اعترض علَيه في هذا المقام (١)، فسأله مُعَاوية: لماذا؟ قال: أليس اللَّه تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، قال: بلَى. قال: ورسول اللَّه لَمْ يستلم إلا الركنين، قال: صدقت؛ لأن معاوية علل وقال: ليس من البيت شيء مهجور (٢)، وعلل العلماء عدم استلام الركنين الباقيين (الشمالي والغربي)، فقالوا: السبب في ذلك أنهما خارجان من البيت؛ لأن قريشًا لمَّا أعادت بناء الكعبة، نقصت النفقة، وقد أخذوا على أنفسهم ألا ينفقَ على بناء البيت إلا من مالٍ حلالٍ، أما أيُّ مالٍ فيه شكٌّ أو فيه ريبةٌ، فاجتنبوه، فنقصت بهم النفقة، فَتَركوا تلكم المساحة الموجودة في الجهة الشمالية، وَهُوَ الذي يُسمِّية الناس بحجر إسماعيل، وهذه التَّسمية لا أَصْلَ لهَا؛ لأنَّ هذا وُجِدَ بعد إسماعيل. * قوله: (ثُمَّ يَجْعَلَ البَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ). يجعل البيتَ عن يده اليسرى، ثم يبدأ من هذا المكان حتى ينتهي إليه في كل مرة. * قوله: (وَيَمْضِي عَلَى يَمِينِهِ، فَيَطُوفَ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ، يَرْمُلُ فِي الثَّلاثَةِ الأَشْوَاطِ الأُوَلِ) (٣).

стр. 4206

وَالرَّمل (١) هُوَ أَنْ تمشي مسرعًا مقاربًا خُطَاك، ليس هو الجري كما يظن بعض الناس، ولا أن تمدد رجليك، لا، تمشي تقارب بين الخطى ومسرعًا، يعني: تحث نفسك، والرَّمَلُ له سببٌ؛ لأن رسول اللَّه ﷺ عندما قدم هو وأصحابه مكة، قال المشركون: يَقْدم عليكم أقوامٌ من أهل يثرب وَهَنتهم حمى يثرب (٢)، وكانت تشتهر بالحمى، والرسول ﷺ قَدْ دعا لهذه المدينة بالبركة، بأن يبارك اللَّه في مُدِّها وصاعها، وأن ينقل حماها إلى الجحفة فانتقل (٣). * قوله: (ثُمَّ يَمْشِيَ فِي الأَرْبَعَةِ، وَذَلِكَ فِي طَوَافِ القُدُومِ عَلَى مَكَّةَ). يَعْني: أنَّه يرمل في الأشواط الثلاثة الأُول، وإن قدر أنه نسي شوطًا، فلا ينتقل إلى الرابع، أو نسي شوطين فلا ينقلهما إلى ما بعدهما، فأي شوطٍ نسيه أو لم يفعله، فلا يَنْقله إلى غيره؛ لأنَّ الرَّمَل إنما هو خاصٌّ بالأشواط الثلاثة الأُول، فلَا ينتقل إلى غيره، وَذَلك في طواف القدوم على مكَّة. * قوله: (وَذَلِكَ لِلْحَاجِّ وَالمُعْتَمِرِ دُونَ المُتَمَتِّعِ) (٤).

стр. 4207

وذَلكَ للحاج الذي يأتي إلى الحج، وَهُوَ الذي يقصد به المفرد أو القارن، وَكَذَلك المتمتع في أداء عمرته عندما يأتي فإنه يبدأ بمناسك العمرة، أما بعد أن يُحْرم بالحج في اليوم الثاني، ويأتي ليطوف طواف الإفاضة، والذي أشَار اللَّه بقوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، فإنَّ ذلك الطواف ليس فيه رَملٌ. * قوله: (وَأَنَّهُ لَا رَمَلَ عَلَى النِّسَاءِ (١)، وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ اليَمَانِيَّ، وَهُوَ الَّذِي عَلَى قُطْرِ الرُّكْنِ الأَسْوَدِ)؛ لأنَّ النساء طولبن دائمًا بالسكينة والوقار، وأن تحافظ على عورتها في مِشْيَتِهَا، كَذَلك شرع استلام الركن اليماني، واليَمَانِيُّ نسبةً إلى اليمن؛ لأنَّه يقعُ في جهة اليمن، هذا يستلمه، فإنْ لَمْ يتمكَّن فلا يُشير إليه؛ كالحجر الأسود. * قوله: (لِثبوتِ هَذِهِ الصِّفَةِ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ ). كما جاء في حديث جابرٍ (٢)، وحديث عبد اللَّه بن عمر (٣)، وغيرهما (٤). * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الرَّمَلِ فِي الثَّلَاثَةِ الأَشْوَاطِ الأُوَلِ

стр. 4208

لِلْقَادِمِ، هَلْ هُوَ سُنَّةٌ أَوْ فَضِيلَةٌ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ سُنَّةٌ) (١). مُرَاد المؤلف أن يُفرِّق بين السُّنَّة والفضيلة ليبيِّن أن الفضيلة دودن السُّنَّة (٢)، فقال ابن عباس: هو سُنَّة. * قوله: (وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٣)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٤)، وَإِسْحَاقُ (٥)، وَأَحْمَدُ (٦)

стр. 4209

وَأَبُو ثَوْرٍ (١)). وَهَذا هو قول جماهير العلماء. * قوله: (وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ وَأَصحَابِهِ (٢)، وَالفَرْقُ بَيْنَ القَوْلَيْنِ أَنَّ مَنْ جَعَلَهُ سُنَّةً، أَوْجَبَ فِي تَرْكِهِ الدَّمَ) (٣). أما إيجاب الدم، فالأئمة الأربعة كلُّهم متفقون على أنه لا دمَ فيه؛ لأنه سُنَّة، والسُّنَّة هي التي يُثَاب فاعلها، ولا يُعَاقب تاركها، والدَّم إنَّما يجب على تَرْك واجب، وأمَّا الذين قالوا بوجوب الدم على مَنْ ترك الرمل، فإنهم نقلوا ذلك عن الحسن البصري، والثوري، وعن بعض العلماء (٤)،

стр. 4210

واستدلُّوا بأثر ابن عباس: "مَنْ ترك نسكًا، فعليه دم" (١)، أما الأئمة الأربعة وجماهير العلماء فيرون أنه لا دمَ في ذلك (٢). * قوله: (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ سُنَّةً، لَمْ يُوجِبْ فِي تَرْكِهِ شَيْئًا، وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يَرَ الرَّمَلَ سُنَّةً بِحَدِيثِ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ). وَهَذا الحديثُ أخرجه مسلم في "صحيحه" (٣)، وأخرجه غيره (٤) أيضًا. * قوله: ("قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: زَعَمَ قَوْمُكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ طَافَ بِالبَيْتِ، رَمَلَ، وَأَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ، فَقَالَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا. قَالَ: قُلْتُ: مَا صَدَقُوا، وَمَا كَذَبُوا؟ قَالَ: صَدَقُوا، رَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ طَافَ بِالبَيْتِ، وَكَذَبُوا، لَيْسَ بِسُنَّةٍ). "صَدَقُوا"؛ لأنه جَاء في هذا أثرٌ عن الرسول ﷺ بأنه رَمَل. وقوله: "كَذَبوا"؛ لأنه لا يكون سُنَّةً، لكن بعد أنْ فعله رسول اللَّه ﷺ والمُسْلمون معه أصبح سُنَّةً، نعم هذا الرمل سببه أنه لما قدم رَسُولُ اللَّه ﷺ وأصحابه من المدينة إلى مكة، كَانَت المدينة تَشْتهر بالحمَّى، وأنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ دَعَا بنَقْلها إلى الجُحْفة (٥)، فلمَّا قدم الرسول ومَنْ معه، جَلَس المُشْركون ناحية الحجر، فأَخَذوا يَنْظرون إلى المؤمنين، ويقولون: يقدم عليكم قومٌ أو أناسٌ وَهَنتهم حمى يثرب، فبلغ ذلك

стр. 4211

رسول اللَّه ﷺ عن طريق الوحي، فأمر أصحابه أن يرملوا في الأشواط الثلاثة الأُول، ولما رأوا ذلك من المسلمين، فقالوا: إننا وجدنا قومًا فيهم قوة (١)، وفي روايةٍ: إنهم كالغزلان (٢)، فأبطل اللَّه كَيْدَ المشركين، وفعل ذَلكَ رَسُولُ اللَّه ﷺ وأصحابه ردًّا لمقالتِهِ. * قوله: (إِنَّ قُرَيْشًا زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، قَالُوا: إِنَّ بِهِ وَبِأَصْحَابِهِ هَزْلًا، وَقَعَدُوا عَلَى قُعَيْقِعَانَ يَنْظُرُونَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وأَصْحَابِهِ). وَ"قُعَيْقعان": مكان مرتفع يقع في الجهة التي فيها الحجر، يَعْني: في الجهة الشمالية (٣). * قوله: (فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: ارْمُلُوا، أَرُوهُمْ أَنَّ بِكُمْ قُوَّةً، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْمُلُ مِنَ الحَجَرِ الأَسْوَدِ إِلَى اليَمَانِيِّ، فَإِذَا تَوَارَى عَنْهُمْ مَشَى" (٤)، وَحُجَّةُ الجُمْهُورِ حَدِيثُ جَابِرٍ) (٥).

стр. 4212

وَحَديثُ جَابِرٍ هو الحَديث الطَّويل الذي وصف لنا حَجَّة رسول اللَّه ﷺ . * قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَمَلَ فِي الثَّلَاثَةِ الأَشْوَاطِ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ وَمَشَى أَرْبَعًا. وَهُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ (١)، وَغَيْرِهِ (٢). قَالُوا: وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَى أَبِي الطُّفَيْلِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَمَلَ مِنَ الحَجَرِ الأَسْوَدِ إِلَى الحَجَرِ الأَسْوَدِ (٣)، وَذَلِكَ بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ الأُولَى (٤)، وَعَلَى أُصُولِ الظَّاهِرِيَّةِ يَجِبُ الرَّمَلُ؛ لِقَوْلِهِ: "خُذُوا عَني مَنَاسِكَكُمْ" (٥)، وَهُوَ قَوْلُهُمْ، أَوْ قَوْلُ بَعْضِهِمُ الآنَ فِيمَا أَظُنُّ (٦)، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا رَمَلَ). يُشِيرُ المؤلِّف إلى الخلَاف الذي وَقَع بين العلماء في الرمل، وَهُوَ: هَلْ ينتهى عند الركن اليماني أو عند الحجر الأسود؟ بمعنى أنه يَسْتوعب الشوط كلَّه؟

стр. 4213

* قوله: (عَلَى مَنْ أَحْرَمَ بِالحَجِّ مِنْ مَكَّةَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، وَهُمُ المُتَمَتِّعُونَ، لِأَنَّهُمْ قَدْ رَمَلُوا فِي حِينِ دُخُولِهِمْ حِينَ طَافُوا لِلْقُدُومِ) (١). فالَّذي يُحْرم من مكة؛ سوَاء كان من أهل مكة أو ممَّن كان متمتعًا، فليسَ عليه رمل. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي أَهْلِ مَكَّةَ، هَلْ عَلَيْهِمْ إِذَا حَجُّوا رَمَلٌ؟ أَمْ لَا؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢): كُلُّ طَوَافٍ قَبْلَ عَرَفَةَ مِمَّا يُوصَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّعْيِ، فَإِنَّهُ يُرْمَلُ فِيهِ، وَكَانَ مَالِكٌ يَسْتَحِبُّ ذَلِكَ (٣)، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَرَى عَلَيْهِمْ رَمَلًا (٤)). وَكَذلك أحمد لا يرى عليهم رملًا (٥)، وهذا هو رأي الأكثر (٦).

стр. 4214

* قوله: (إِذَا طَافُوا بِالبَيْتِ عَلَى مَا رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ (١)، وَسَبَبُ الخِلَافِ: هَلِ الرَّمَلُ كَانَ لِعِلَّةٍ؟ أَوْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ؟ وَهَلْ هُوَ مُخْتَصٌّ بِالمُسَافِرِ؟ أَمْ لَا؟). ولا شكَّ أن الرمل كان في أول الأمر لهذه العلة، ولذلك لما طرح عمر سؤالًا، وأجاب عنه: أنه توقف (٢)، كانت هناك علةٌ، وقد زالت العلَّة، فهل يبقى الحكم أو لا؟ نعم؛ لأن رسول اللَّه ﷺ فَعلَ ذلك في حَجَة الوداع (٣). * قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ ﵊ حِينَ رَمَلَ وَارِدًا عَلَى مَكَّةَ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنْ سُنَّةِ الطَّوَافِ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ الأَسْوَدِ وَاليَمَانِيِّ لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ (٤)، وَاخْتَلَفُوا هَلْ تُسْتَلَمُ الأَرْكَانُ كُلُّهَا؟ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ الجُمْهُورُ (٥) إِلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يُسْتَلَمُ الرُّكْنَانِ فَقَطْ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ).

стр. 4215

وَهنا مسألةٌ، وَهي أنَّ الذي ورد في حديث جابر وابن عمر وغيرهما من الأحاديث الصحيحة أنَّ الذي يُسْتلم إنما هو الركن الذي فيه الحجر، وكذلك الركن اليماني، أما الركنان الآخران الشمالي والغربي فلا يُسْتَلمان، وقد حصلت قضية في زمن معاوية ﵁، فإنه استلمهما وقال: "ليس من البيت شيء مهجور"، فأنكر ذلك عبد اللَّه بن عباس، وأورد قول اللَّه : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، ورسول اللَّه ﷺ لم يفعل ذلك، فقال معاوية ﵁: صدقتَ (١). وهذا هو شأن الصحابة ﵃، وشأن كل إنسانٍ يريد الوصول إلى الحق من أقرب طريقٍ، وأهدى سبيلٍ، فإنه إذا تبين له، ينزل عنده، ويسلم له ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ [النور: ٥١].

стр. 4216

﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]. * قوله: (فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يُسْتَلَمُ الرُّكْنَانِ فَقَطْ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَسْتَلِمُ إِلَّا الرُّكْنَيْنِ فَقَطْ). وحديث ابن عمر متفق عليه (١). * قوله: (وَاحْتَجَّ مَنْ رَأَى اسْتِلَامَ جَمِيعِهَا بِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: "كُنَّا نَرَى إِذَا طُفْنَا أَنْ نَسْتَلِمَ الأَرْكَانَ كُلَّهَا (٢)، وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ لَا يُحِبُّ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَيْنِ إِلَّا فِي الوِتْرِ مِنَ الأَشْوَاطِ" (٣)). لكن حديث جابر الطويل ليمس فيه إلا استلام الركنين (٤)، كحديث ابن عمر (٥) وغيره (٦).

стр. 4217

* قوله: (وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ تَقْبِيلَ الحَجَرِ الأَسْوَدِ خَاصَّةً مِنْ سُنَنِ الطَّوَافِ إِنْ قَدَرَ) (١). ولا شك؛ لأن رسول اللَّه ﷺ قَدْ فعل ذلك، وهو القائل: "خذوا عني مناسككم" (٢)، فالرسول ﷺ قبَّل الحجر الأسود (٣)، ومسحه بيده الشريفة (٤)، وَكَذلك استلم الركن اليماني (٥)، لكنه لا يقبل، ولا يُشَار إليه (٦) في حالة عدَم الوصول إلى استلامه، وقصة عمر ﵁ مشهورة في

стр. 4218

ذلك، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الحَجَرَ وَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ وَضَعَ شفَتَيْهِ عَلَيْهِ يَبْكِي طَوِيلًا، فَالتَفَتَ، فَإِذَا عُمَرُ يَبْكِي، فَقَالَ: "يَا عُمَرُ، هَاهُنَا تُسْكَبُ العَبَرَاتُ" (١). وهذه مواقفُ عظيمةٌ ينبغي أن يستفيد المسلم منها، وأن يَتَّعظ منها ليميل قلبه، ويَنْبغي أن يعاهدَ اللَّه ألَّا يعود لما قد كان بَدَر منه من أخطاءٍ أو تقصيرٍ في حق اللَّه . * قوله: (وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الدُّخُولِ إِلَيْهِ قَبَّلَ يَدَهُ). أي: يَسْتلمه إنْ لم يستطع تقبيله، ثم يُقبِّل يديه. * قوله: (وَذَلِكَ لِحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ) (٢). رواه مالكٌ وغيره (٣). * قوله: (أَنَّهُ قَالَ وَهوَ يَطُوفُ بِالبَيْتِ حِينَ بَلَغَ الحَجَرَ الأَسْوَدَ:

стр. 4219

"إِنَّمَا أَنْتَ حَجَرٌ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ، ثُمَّ قَبَّلَهُ"). فهَذا عُمَر بن الخطاب الذي عاش شطرًا من حياته في الجاهلية، وكان كغيره قَدْ وقع فيما وقِع فيه المشركون، وقصةُ إسلامِهِ معروفةٌ، وبعد إسلامه تغيَّر حالُهُ، فبعد أنْ كان عابدًا لصنمٍ، مطيعًا لغير اللَّه، راكعًا ساجدًا للأصنام والأوثان، أصبح عابدًا لربه، مخلصًا له حتى صار القرآن ينزل موافقًا لرأيه أحيانًا (١)، يقف عند الحجر الأسود، ويَقُول: "واللَّه، إنِّي لأَعْلَم أنَّك حَجز لا تنفع ولا تضرُّ، ولولا أنِّي رأيت رسول اللَّه ﷺ يُقبِّلك ما قبَّلتك". * قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مِنْ سُنَّةِ الطَّوَافِ: رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الطَّوَافِ) (٢). فبعد أن ينتهي المسلم من طوافه، يذهب إلى المكان المُعدِّ للصلاة بعد الطواف، والذي أشار اللَّه إليه ، بقوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، وهذا المكان قد اختُلِفَ فيه، هل هو مقام إبراهيم أو أن مقام إبراهيم كان بجوار البيت ثم أُخِّر لوجود الزحام أو غير ذلك (٣)؟ مهما يكن من أمرٍ، فهذا المكان يُصلَّى فيه، ولو لم يستطع

стр. 4220

الإنسان، فإنه يصلي في أي مكان في الحرم، فإن عمر ﵁ أخَّر ركعتي الطواف؛ أي: اللتين يصليهما عند المقام؛ لكونه طاف بعد الصبح (١)، وكان لا يرى التنفُّل بعد الصبح مطلقًا (٢)، وكذلك فعلمت أمُّ سلمة عندما استأذنت رسول اللَّه ﷺ في الخروج ولم تكن طافت بالبيت، فأَمَرها الرسول ﷺ أَنْ تطوف على بعيرها والناس يصلُّون الصبح، ففعلت ذلك، ولم تصلِّ حتى خرجت من الحرم (٣)، لَكن الأفضل أن يُصلِّيهما الإنسان في المكان المُعدِّ، فإن لم يستطع، فليس عليه حرجٌ أن يرجع، وليُصلِّ في أيِّ مكانٍ يستطيع، ولا يرمي بنفسه بالزحام، ولا في مضايقة المسلمين، وإلحاق الضرر بهم (٤). * قوله: (وَجُمْهُورُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا الطَّائِفُ عِنْدَ انْقِضَاءِ كُلِّ أُسْبُوعٍ إِنْ طَافَ أَكْثَرَ مِنْ أُسْبُوعٍ وَاحِدٍ) (٥).

стр. 4221

ويَقْصد بالأسبوع الأشواط السبع، فالأصل أن الإنسان إذا طاف أشواطًا سبعةً، يذهب فيصلي ركعتين خلف المقام، لكن قد يرى الإنسان أن يطوف أسباعًا يعني: يطوف سبعة أشواط يعقبها سبعة أشواط أُخرى، وهكذا، فهل له مثلًا لو أنه طاف سبعًا، أو ثلاثًا، أو أربعةً، يؤجل الصلاة، فيصلي على السبع ركعتين فركعتين، وعن الثلاثة ركعتين فركعتين، وهكذا، أو أنه كلما انتهى من السبع يتجه إلى المقام ويصلي ركعتين؟ العلماء مختلفون في ذلك (١)، ولا شكَّ أن الأفضلَ والأكملَ والأَوْلَى هو أنه بعد أن يفرغ من طوافه، يذهب فيصلي ركعتين؛ لأن هذا هو الذي فَعَله رسول اللَّه ﷺ . * قوله: (وَأَجَازَ بَعْضُ السَّلَفِ أَلَّا يُفَرّقَ بَيْنَ الأَسَابِيعِ، وَأَلَّا يَفْصِلَ بَيْنَهُمَا بِرُكُوعٍ، ثُمَّ يَرْكَعُ لِكُلِّ أُسْبُوعَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ الأَسَابِيعِ) (٢). هذا مرويٌّ عن عائشة، ومرويٌّ أيضًا عن المِسْوَر بن مخرمة، وعن عطاء من التابعين، وعن أحمد أي: رواية للإمام أحمد، وعن إسحاق بن راهويه، وقال به جمعٌ من العلماء (٣)، لكن أكثر العلماء من الأئمة وغيرهم يَرَون أن الأَوْلَى هو أنه يصلي كلما فرغ من طواف ركعتين.

стр. 4222

* قوله: (ثُمَّ تَرْكَعُ سِتَّ رَكَعَاتٍ. وَحُجَّةُ الجُمْهُورِ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ بِالبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" (١)). وَالآخَرون يقولون: لأنَّ الرسول ﷺ لَمْ يطف عدة مرات؛ ولذلك لم يفعل (٢)، لكننا نقول: هَذَا هو فعل الرسول ﷺ ، وقد قال: "خُذُوا عني مناسككم" (٣)، ولو كان ذلك أفضل، لبيَّنه الرسول ﷺ ؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (٤). * قوله: (وَحُجَّةُ مَنْ أَجَازَ الجَمْعَ أَنَّهُ قَالَ: المَقْصُودُ إِنَّمَا هُوَ

стр. 4223

رَكْعَتَانِ لِكُلِّ أُسْبُوعٍ، وَالطَّوَافُ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مَعْلُومٌ، وَلَا الرَّكْعَتَانِ المَسْنُونَتَانِ بَعْدَهُ، فَجَازَ الجَمْعُ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ لِأَكْثَرَ مِنْ أُسْبُوعَيْنِ، وَإِنَّمَا اسْتَحَبَّ مَنْ يَرَى أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَسَابِيعَ). فلَوْ أن إنسانًا فعل ذلك، لا يكون قد ارتكب منكرًا، لكنه ترك الأَوْلَى. * قوله: (لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ إِلَى الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ وِتْرٍ مِنْ طَوَافِهِ). أَيْ: بعد أن طاف مرةً واحدةً؛ لأن الوترَ أقله واحدٌ. * قوله: (وَمَنْ طَافَ أَسَابِيعَ غَيْرَ وِتْرٍ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا - لَمْ يَنْصَرِفْ عَنْ وِتْرٍ مِنْ طَوَافِهِ) (١). (القَوْلُ فِي شُرُوطِهِ وَأَمَّا شُرُوطُهُ، فَإِنَّ مِنْهَا حَدَّ مَوْضِعِهِ، وَجُمْهُورُ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الحِجْرَ مِنَ البَيْتِ). وهنا بيان وتحديد الموضع الذي يُطَاف حوله، وهناك بناءٌ على شكل قوسٍ، وبينه وبين الكعبة حجر إسماعيل مع أنه بُنِيَ بعد إسماعيل ﵇، وهذا الجزء الذي بني وتركت فتحة يمرُّ منها لا يجوز للمسلم أن يدخل من تلك الفتحة ويَطُوف، بَل الواجب عليه أن يطوفَ حول الكعبة، وبعد هذا البناء، كما أنه لا يَجُوز له أن يطوف على جدار الحجر، كذلك لا يجوز

стр. 4224

له أن يَطُوف على محيط الكعبة؛ لأن أكثرَ العلماء على أنه جزءٌ من الكعبة (١)، واللَّه تعالى يقول: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] (٢)، أي: بجميع البيت لا ببعضه (٣)، فالواجب على كلِّ طائفٍ أن يطوف حول البيت، وإن لم يفعل يكون قَدْ قصر في الطواف، فلا يصحُّ طوافه. * قوله: (وَأَنَّ مَنْ طَافَ بِالبَيْتِ، لَزِمَهُ إِدْخَالُ الحِجْرِ فِيهِ، وَأَنَّهُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ طَوَافِ الإِفَاضَةِ (٤). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ:

стр. 4225

هُوَ سُنَّةٌ (١)، وَحُجَّةُ الجُمْهُورِ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عَائِشَةَ). وَفِي الحقيقة هو واجبٌ وليس بسُنَّةٍ كَمَا نسب إلى أبي حنيفةَ، وَصَاحباه قَدْ خالفوه في هذا الأمر (٢)، وقصَّةُ ذلك معروفةٌ، فإن المشركين لما أرادوا بناء البيت ضاقت بهم النفقة، وهُمْ قَدْ وضعوا شرطًا في بناء هذا البيت: ألا يبنى إلا من مالٍ طيبٍ لم يخالطه حرامٌ، وليس فيه شبهةٌ، وليس فيه محرم، فوجدوا أن ما قد جمعوه من المال غير كافٍ لبناء البيت على قواعد إبراهيم ﵇، فاهتدَوا إلى أن يتركوا جُزءًا من البيت، ولقد

стр. 4226

كان ذلكم الذي اهتدوا إليه هو الطريق السوي؛ لأنه لا يمكن أن يُتْرك شيءٌ من جهة الحجر الأسود، ولو تُرِكَ من الجهَة الغربية لأمكنَ، لكن يصبح البيت مستطيلًا، والآن هو أقرب إلى الترجيح، فتركوا تلكم الجهة؛ لأن النفقة قَدْ ضاقت بهم، فلما جاء عبد اللَّه بن الزبير وقد استولى على مكة مدةً من الزمن، وصار هو الخليفة فيها، أعاد بناء البيت على قواعد إبراهيم ﵇، ثم أمر عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي بهَدْم ذلك، وإعادته على البناء الذي هو عليه الآن، وفي عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد فكَّر في إعادة بناء البيت على قواعد إبراهيم، فاستشار العلماء في ذلك، فأشاروا عليه ألا يتخذ البيت وسيلةً للتغير للبناء والهدم، فترك ذلك، وظل على حالته التي نراه عليه اليوم (١). * قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَوْلَا حَدَثَانُ قَوْمِكِ بِالكُفْرِ لَهَدَمْتُ الكَعْبَةَ، وَلَصَيَّرْتُهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ). وفي روايةٍ: "لولا قومك حديثو عهد بالكفر، لهدمت الكعبة ولجعلتها -أو: لأقمتها- على قواعد إبراهيم" (٢)، فالرسول ﷺ خَشِيَ أَنْ لو غيَّر في البيت والناس لا يَزَالون في أول إسلامهم أن يحصل أمرٌ أو شيءٌ في نفوس بعضهم، فَرَأى رسول اللَّه ﷺ ذلك، وجاء بعده أبو بكرٍ ﵁، ولم يفعل شيئًا، وعمر وعثمان وعلي كذلك، فانقرض عهد الخلفاء الراشدين

стр. 4227

الَّذين قال رَسُولُ اللَّه ﷺ فيهم: "عَلَيكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين، عَضُّوا علَيها بالنواجذ" (١). وفي حقِّ أبي بكرٍ وعمر ﵄: "اقتدوا باللَّذين من بعدي: أبى بكرٍ وعمر" (٢). وقال في شأن أبي بكرٍ: "سدُّوا عليَّ هذه الخوخة (٣) إلا خوخة أبي بكر" (٤). وقال: "لَوْ كُنْتُ متخذًا من البَشر خليلًا، لاتَّخذت أبا بَكْرٍ خليلًا" (٥).

стр. 4228

وللَّه في ذلك حكمة، فربما لو أنه ترك على الوضع الذي فكر في بنائه، وجُعِلَ بابٌ للدخول، وبابٌ للخروج، فكيف للملايين التي تدخله الآن؟ وكم سيَتَرتب من الضرر على الناس، وربما تُزْهق أرواحٌ، وتموت نفوسٌ! * قوله: (فَإِنَّهُمْ تَرَكُوا مِنْهَا سَبْعَةَ أَذْرُعٍ مِنَ الحِجْرِ، ضَاقَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ وَالخَشَبُ (١)) (٢). والمُشْركون يعترفون بأن هناك ربًّا واحدًا خالقًا رازقًا محييًا مميتًا، وهو ما يُعْرف بتوحيد الربوبية، لكنهم لمَّا جاؤوا إلى توحيد الأُلُوهية أَيْ: العبادة، خرجوا، فَجَعلوا وسطاءَ وشركاءَ يعبدونهم مع اللَّه ، فأفسدوا جميعَ أعمالهم في ذلك، فدخلوا ضمن قول اللَّه : ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]، وَاللَّهُ تَعالَى يَقُول لنبيه ﷺ : ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]. * قوله: (وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَانَ يَحْتَجُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، ثُمَّ يَقُولُ: "طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ وَرَاءِ الحِجْرِ" (٣)، وَحُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ ظَاهِرُ الآيَةِ (٤)،

стр. 4229

وَأَمَّا وَقْتُ جَوَازِهِ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، أَحَدُهَا: إِجَازَةُ الطَّوَافِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالعَصْرِ، وَمَنْعُهُ وَقْتَ الطُّلُوعِ وَالغُرُوبِ). أي: بعد طلوع الشمس وبعد غروبها، وهناك أوقاتٌ ينهى عن الصلاة فيها، ويقصد بذلك الصلوات غير الواجبة، أما الصلاة الواجبة فلو نام إنسانٌ عن صلاةٍ أو نَسيهَا، فإنَّ واجبه أن يؤديها في الوقت الذي استيقظ فيه، أو ذَكَرها فيه؛ لأنَّ الرَّسُولَ ﷺ يَقُول: "مَنْ نامَ عن صَلَاةٍ أو نَسيها، فليُصلِّها متى ذَكَرها، فإنه لا كفَّارة له إلا ذلك" (١)، لكن غير الواجبة هل تصلى بعد صلاة الصبح؟ والرَّسولُ ﷺ يَقُول: "لَا صلَاة بعد صلَاة الصُّبح حتى تطلع الشمس"، وبعد العصر: "لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس" (٢)، فهل تؤدى وقت طلوع الشمس أو وقت الزوال أو وقت الغروب؟ جاء في حديث عقبة بن عامر الذي أخرجه مسلم (٣)، وغيره (٤) قَالَ: "ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ". وقَدْ جَاءت أحاديثُ كثيرةٌ في ذلك، وجاء: "الطَّوافُ بالبيت صلاةٌ

стр. 4230

إلا أن اللَّهَ أباح الكلام فيه" (١)، فهل الخلافُ فِي أدَاء الطَّوَاف في الأوقات التي نُهِيَ عن الصلاة فيها يشمل الطواف أو لا؟ هذا الذي يريد أن يُشير إليه المؤلف. * قوله: (وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ (٢) وَأَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ (٣)، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (٤)، وَأَصْحَابُهُ، وَجَمَاعَةٌ (٥). وَالقَوْلُ الثَّانِي: كَرَاهِيَتُهُ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالعَصْرِ، وَمَنْعُهُ عِنْدَ الطُّلُوعِ وَالغُرُوبِ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ (٦)، وَمُجَاهِدٌ، وَجَمَاعَةٌ (٧). وَالقَوْلُ الثَّالِثُ: إِبَاحَةُ ذَلِكَ فِي

стр. 4231

هَذِهِ الأَوْقَاتِ كُلِّهَا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ) (١). وَجَماهير العلماء يذهبون إلى أنه للإنسان أن يطوف في أيِّ وقتٍ شاءَ؛ سواء كان ذلك في وقتِ نهيٍ أو في غير وقت نهيٍ (٢)، فلو وصل ودخل المسجد الحرام بعد صلاة الصبح، فإنه يطوف، وبعد العصر يطوف، ووقت الزوال، ووقت الغروب، ووقت طلوع الشمس؛ لأن الرسول ﷺ قال: "يا بني عبد مناف -أَوْ: يا بني عبد المطلب- لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت أي ساعة من ليلٍ أو نهارٍ"، والحديث قَدْ أخرجه الخمسة (٣)، وأحمد (٤)، وغيرهم (٥)، وهو حديثٌ صحيحٌ (٦)، وقد أطلق هذا الحديث أن للإنسان أن يطوفَ في أيِّ وَقْتٍ من هذه الأوقات، أما بالنسبة

стр. 4232

للصلوات، فقَدْ جَاءَت العلل في النَّهي عن الصلاة في تلك الأوقات (١). * قوله: (وَأُصُولُ أَدِلَّتِهِمْ رَاجِعَةٌ إِلَى مَنْعِ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الأَوْقَاتِ أَوْ إِبَاحَتِهَا). فالذين منعوا ذلك إنما ألحقوا الطواف بالصلاة، والذين أجازوا ذلك في أي وقتٍ، استدلوا بالحديث الذي مرَّ، وسيورده المؤلف. * قوله: (أَمَّا وَقْتُ الطُّلُوعِ، فَالآثارُ مُتَّفِقَةٌ عَلَى مَنْعِ الصَّلَاةِ فِيهَا. وَالطَّوَافُ هَلْ هُوَ مُلْحَقٌ بِالصَّلَاةِ؟ فِي ذَلِكَ الخِلَافُ، وَمِمَّا احْتَجَّتْ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ حَدِيثُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ: "يَا بَنِي عَبْدِ مُنَافٍ، أَوْ يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، إِنْ وَليتُمْ مِنْ هَذَا الأَمْرِ شَيْئًا، فَلَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا البَيْتِ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ"، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ) (٢). رواه الشافعي وأحمد وغيرهما، وهو حديثٌ بجمع طرقه صحيحٌ (٣). * قوله: (رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِسَنَدِهِ إِلَى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الطَّوَافِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مَعَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ مِنْ سُنَّتِهِ الطَّهَارَةَ). وهذه مسألة أُخرى، والطهارة نوعان: طهارة من الحدث، وطهارة من النجس، والطهارة من الحدث إما أن تكون طهارةً من الحدث الأصغر، وإما أن تكون طهارةً من الحدث الأكبر، واللَّه تعالى يقول: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]، وفي الآية الأُخرى:

стр. 4233

﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]. ولا شك أن ما في الآية إشارة إلى أنه تطهير البيت من النجاسة؛ سواء كانت النجاسة الحسية التي نعرفها، أو تطهير البيت -وقد طهر بحمد اللَّه- من الأصنام منذ زمن رسول اللَّه ﷺ عندما هدم الأصنام (١)، ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]. وقَد اختلف العلماء، هل يجوز طواف المحدث أو لا (٢)؟ نَقُولُ: لا يَنْبغي للمسلم أن يطوفَ إلا وهو على طَهَارةٍ؛ سواء كان ذلك الحدث حدثًا أصغر أو أَكْبَر، والرسول ﷺ قال: "الطَّوافُ بالبيت صلاةٌ إلَّا أنَّ اللَّه أباحَ الكلام فيه" (٣)، وَاختلفَ العُلَماء في هذا الحديث وقفًا ورفعًا (٤)، ولذلك جاء اختلافهم في قضية اشتراط الطهارة من عدَمه، والرَّسُول ﷺ قَدْ قال لعائشة ﵂ لما حاضت: "افعلي ما يفعل الحاج غير ألَّا تطوفي بالبيت" (٥)، وقال مثل ذلك

стр. 4234

لأسماء (١)، والأحاديث في ذلك متعددة. لكن، هَلْ هناك فرقٌ بين الحدث الأصغر والأكبر، أو هناك فرق بين الحائض والنفساء وبين غيرهما، وهل العلة في المنع من طواف الحائض هي الطهارة أو خشية أن تُلوِّث المسجد؟ هذه أقوال استرسل العلماء فيها، وتحدثوا عنها (٢). * قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (٣)، وَالشَّافِعِيُّ (٤): لَا يُجْزِئُ طَوَافٌ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ).

стр. 4235

وأحمد في المشهور عنه (١). * قوله: (لَا عَمْدًا، وَلَا سَهْوًا). فهُمْ لا يُفرِّقون بين العمد والسهو، والإكراه والسهو والجهل يعتبر في بعض الأحكام، لكنه لا يُعْتبر في بعضها، فمثلًا الأركان لا يُعْذر فيها الإنسان بجهلٍ ولا نسيانٍ، فلو أنَّ إنسانًا ترك ركنًا من أركان الصلاة ساهيًا، لا يسقط عنه، بَلْ يرتفع عنه الإثم، لكن مَنْ يترك ذلك متعمدًا، يأثم، وَيَجب عليه أن يأتي به، أمَّا النَّاسي أو السَّاهي فإنَّه يسقط عنه الإثم، ويَلْزمه الإتيان به، فَهَل الطهارة شرطٌ أو لا؟ مَنْ يرى أنها شرطٌ، يرى أن الطوافَ بدونها لا يصحُّ. * قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُجْزِئُ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ الإِعَادَةُ، وَعَلَيْهِ دَمٌ (٢). وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إِذَا طَافَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، أَجْزَأَهُ طَوَافُهُ إِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ، وَلَا يُجْزِئُهُ إِنْ كَانَ يَعْلَمُ (٣). وَالشَّافِعِيُّ يَشْتَرِطُ طَهَارَةَ ثَوْبِ الطَّائِفِ كَاشْتِرَاطِ ذَلِكَ لِلْمُصَلِّي) (٤).

стр. 4236

وَمثلُهُ أَحْمَد (١). * قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ شَرَطَ الطَّهَارَةَ فِي الطَّوَافِ: قَوْلُهُ ﷺ لِلْحَائِضِ، وَهِيَ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ: "اصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الحَاجُّ غَيْرَ أَلَّا تَطُوفِي بِالبَيْتِ") (٢). وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ وغيره، وكان الأَوْلَى أن يرد المؤلف حديث عائشة المتفق عليه عندما قال لها الرسول ﷺ وقد حاضت: "افْعَلي ما يفعل الحاجُّ غير ألَّا تطوفي بالبيت" (٣)، وحديث أسماء والحديث الآخر: "الطواف بالبيت صلاة إلا أن اللَّه أباح الكلام فيه" (٤). والصلاةُ لا تجوز بغير طهارة؛ سواء كان الحدث حدثًا أصغر أو أكبر؛ لأنَّ الرَّسولَ ﷺ يقول: "لَا يَقْبل اللَّه صَلاةً بغَير طهورٍ، ولَا صَدقةً من غُلُولٍ" (٥). ويَقُولُ ﷺ : "لَا يَقْبل اللَّه صلاةَ أَحدكُمْ إذا أحدَثَ حتَّى يَتوضَّأ" (٦). ويقول اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ

стр. 4237

كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]. * قوله: (وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ يَحْتَجُّونَ أَيْضًا بِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: "الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلَاةٌ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَحَلَّ فِيهِ النُّطْقَ، فَلَا يُنْطَقُ إِلَّا بِخَيْرٍ") (١). المؤلِّف لَمْ يعرض المسألة كما ينبغي، فالذين قالوا: إنه لا يصح أن يطوف بغير طهارةٍ؛ سواء كانت هذه الطهارة من حدث أصغر أو أكبر، أو غير ذَلكَ، ولا بُدَّ أن يَكُونَ الطائفُ متطهرًا، استدلُّوا بحديث عائشة: "فَافْعَلي ما يَفْعل الحائض" (٢)، وبالحديث الآخر: "اصْنَعي ما يصنع الحاج" (٣)، وبحديث: "الطَّواف بالبيت صلاة إلا أن اللَّه أباح الكلام فيه" (٤). أمَّا الذين أجازوا ذلك، وهو أبو حنيفة، وهو رأيٌ لبعض المحققين من العلماء (٥)، يَقُولون: نَحْن عندما نُوَازن بين الطَّواف بالبيت، وبين الصلاة، نجد فرقًا كبيرًا شاسعًا، فالطواف يُتكلَّم فيه، ويشرب الإنسان فيه، ويأكل، وليس فيه ركوعٌ ولا سجودٌ ولا قيامٌ؛ لأنه يجوز للإنسان أن يطوف وهو راكعٌ، ويجوز للإنسان أن يطوف في حالة عجزه وهو محمولٌ،

стр. 4238

كَذَلك ليس فيه جلوسٌ للتشهُّد، إذًا هناك فروقٌ كبيرةٌ، وهذه الفروق تجعل تشبيهه بالصلاة غير قويٍّ من هذا الجانب. الجانب الآخر: أنهم قالوا: الصحيح أن هذا الحديث موقوف على عبد اللَّه بن عباس (١)، وقد أُجِيبَ عن هذا، حتى وإن وقف عليه أن يكون رأيًا لصحابيٍّ، فأجابوا بأن هناك مَنْ خالفه، أما حديث: "افعلي ما يفعل الحاج" أو: "اصنعي ما يصنع الحاج" (٢)، فقالوا: ليس المقصود بذلك الطهارة من الحدث، وإنما المقصود بذَلكَ هو الحفاظ على المسجد حتى لا يُلوَّث (٣)، ومهما يكن من أمرٍ، فلا يَنْبغي للمسلم وهو قادرٌ أن يطوف إلا وهو على طهارةٍ، أما في حالة الضرورات حينئذٍ يُسْتفتى العلماء في وقتها. * قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ أَجَازَ الطَّوَافَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ إِجْمَاعُ العُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ مِنْ غَيْرِ طَهَارَةٍ) (٤). أجمع العلماء على الجواز مع أن بعضهم يرى كراهة ذلك، ومن العلماء مَنْ يرى أن السعي ينبغي أن يكون على طهارةٍ، لكنها ليست شرطًا كما الحال بالنسبة للطواف (٥). * قوله: (وَأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ عِبَادَةٍ يُشْتَرَطُ فِيهَا الطُّهْرُ مِنَ الحَيْضِ مِنْ شَرْطِهَا الطُّهْرُ مِنَ الحَدَثِ. أَصْلُهُ الصَّوْمُ).

стр. 4239

والمُؤلِّف يريد أن يقول: ليس كلُّ عبادة يشترط فيها الطهارة من الحيض يُشْترط لها الطهارة من الحدث؛ كالصوم، فالرسول ﷺ قال في الحيض: "تَقْضي الصَّوم، ولا تقضي الصَّلاة" (١)، أما لو قُدِّر أن إنسانًا أحدث حدثًا أكْبَر، وقام وعليه جنابةٌ، وأَدْرَكه الفجر، فإنَّ صيامَه يعتبر صحيحًا، لكنه في هذه الحالة يلزمه أن يتطهَّر لأجل الصلاة (٢). قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (القَوْلُ فِي أَعْدَادِهِ وَأَحْكَامِهِ وَأَمَّا أَعْدَادُهُ، فَإِنَّ العُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ ثَلَاثَةٌ: طَوَافُ القُدُومِ عَلَى مَكَّةَ، وَطَوَافُ الإِفَاضَةِ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ العَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَطَوَافُ الوَدَاعِ). الطَّواف أنواعٌ ثلاثةٌ: أوَّلها: طواف القدوم، وهذا ليس واجبًا. الثَّانِي: طواف الإفاضة، وهذا ركنٌ من أركان الحج، لا يَجُوز الحج بدونه بإجماع العلماء. الثالث: طواف الوداع، وطواف الوداع مختلفٌ فيه بين العلماء، وَسَيأتي الكلام عن ذلك كلِّه.

стр. 4240

* قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الوَاجِبَ مِنْهَا الَّذِي يَفُوتُ الحَجُّ بِفَوَاتِهِ هُوَ طَوَافُ الإِفَاضَةِ (١)، وَأَنَّهُ المَعْنِيُّ (٢) بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩]). ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾، هَذا فعلٌ مضارعٌ، لكنه اقترن بلام الأمر، ومن صِيَغِ الأمر المضارع إذا اقترنت به لام الأمر، فهذا يدلُّ على وجوب طواف الإفاضة إلى جانب أن الرسول ﷺ فَعَل ذلك، وجاء إجماع الأمة عليه، ويَكُون يوم النحر أي: يوم العاشر، وللإنسان أن يُؤخِّره، فلو أن إنسانًا أخَّره وطاف مع طواف الوداع، لكفى طواف الواحد عنهما، لَكن بشَرط أن ينوي طواف الإفاضة، أو أن ينوي إدخال طواف القدوم ضده (٣)، لكن لو أنك نويت طواف الوداع، وأدخلت فيه طواف الزيارة أو طواف الإفاضة (٤)، لم يصحَّ ذلك؛ لأن هذا ركن، وهذا واجب، أو سُنَّة عند البعض (٥). * قوله: (وَأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ عَنْهُ دَمٌ). لأنَّه ركنٌ من أركان الحج، ولو قُدِّر أن إنسانًا فاته طواف الإفاضة، فعليه أن يعود ويطوف ولو حتى بعد زمنٍ قليلٍ.
следующие страницы →