← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

وَمثلُهُ أَحْمَد (١). * قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ شَرَطَ الطَّهَارَةَ فِي الطَّوَافِ: قَوْلُهُ ﷺ لِلْحَائِضِ، وَهِيَ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ: "اصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الحَاجُّ غَيْرَ أَلَّا تَطُوفِي بِالبَيْتِ") (٢). وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ وغيره، وكان الأَوْلَى أن يرد المؤلف حديث عائشة المتفق عليه عندما قال لها الرسول ﷺ وقد حاضت: "افْعَلي ما يفعل الحاجُّ غير ألَّا تطوفي بالبيت" (٣)، وحديث أسماء والحديث الآخر: "الطواف بالبيت صلاة إلا أن اللَّه أباح الكلام فيه" (٤). والصلاةُ لا تجوز بغير طهارة؛ سواء كان الحدث حدثًا أصغر أو أكبر؛ لأنَّ الرَّسولَ ﷺ يقول: "لَا يَقْبل اللَّه صَلاةً بغَير طهورٍ، ولَا صَدقةً من غُلُولٍ" (٥). ويَقُولُ ﷺ : "لَا يَقْبل اللَّه صلاةَ أَحدكُمْ إذا أحدَثَ حتَّى يَتوضَّأ" (٦). ويقول اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ

стр. 4237

كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]. * قوله: (وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ يَحْتَجُّونَ أَيْضًا بِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: "الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلَاةٌ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَحَلَّ فِيهِ النُّطْقَ، فَلَا يُنْطَقُ إِلَّا بِخَيْرٍ") (١). المؤلِّف لَمْ يعرض المسألة كما ينبغي، فالذين قالوا: إنه لا يصح أن يطوف بغير طهارةٍ؛ سواء كانت هذه الطهارة من حدث أصغر أو أكبر، أو غير ذَلكَ، ولا بُدَّ أن يَكُونَ الطائفُ متطهرًا، استدلُّوا بحديث عائشة: "فَافْعَلي ما يَفْعل الحائض" (٢)، وبالحديث الآخر: "اصْنَعي ما يصنع الحاج" (٣)، وبحديث: "الطَّواف بالبيت صلاة إلا أن اللَّه أباح الكلام فيه" (٤). أمَّا الذين أجازوا ذلك، وهو أبو حنيفة، وهو رأيٌ لبعض المحققين من العلماء (٥)، يَقُولون: نَحْن عندما نُوَازن بين الطَّواف بالبيت، وبين الصلاة، نجد فرقًا كبيرًا شاسعًا، فالطواف يُتكلَّم فيه، ويشرب الإنسان فيه، ويأكل، وليس فيه ركوعٌ ولا سجودٌ ولا قيامٌ؛ لأنه يجوز للإنسان أن يطوف وهو راكعٌ، ويجوز للإنسان أن يطوف في حالة عجزه وهو محمولٌ،

стр. 4238

كَذَلك ليس فيه جلوسٌ للتشهُّد، إذًا هناك فروقٌ كبيرةٌ، وهذه الفروق تجعل تشبيهه بالصلاة غير قويٍّ من هذا الجانب. الجانب الآخر: أنهم قالوا: الصحيح أن هذا الحديث موقوف على عبد اللَّه بن عباس (١)، وقد أُجِيبَ عن هذا، حتى وإن وقف عليه أن يكون رأيًا لصحابيٍّ، فأجابوا بأن هناك مَنْ خالفه، أما حديث: "افعلي ما يفعل الحاج" أو: "اصنعي ما يصنع الحاج" (٢)، فقالوا: ليس المقصود بذلك الطهارة من الحدث، وإنما المقصود بذَلكَ هو الحفاظ على المسجد حتى لا يُلوَّث (٣)، ومهما يكن من أمرٍ، فلا يَنْبغي للمسلم وهو قادرٌ أن يطوف إلا وهو على طهارةٍ، أما في حالة الضرورات حينئذٍ يُسْتفتى العلماء في وقتها. * قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ أَجَازَ الطَّوَافَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ إِجْمَاعُ العُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ مِنْ غَيْرِ طَهَارَةٍ) (٤). أجمع العلماء على الجواز مع أن بعضهم يرى كراهة ذلك، ومن العلماء مَنْ يرى أن السعي ينبغي أن يكون على طهارةٍ، لكنها ليست شرطًا كما الحال بالنسبة للطواف (٥). * قوله: (وَأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ عِبَادَةٍ يُشْتَرَطُ فِيهَا الطُّهْرُ مِنَ الحَيْضِ مِنْ شَرْطِهَا الطُّهْرُ مِنَ الحَدَثِ. أَصْلُهُ الصَّوْمُ).

стр. 4239

والمُؤلِّف يريد أن يقول: ليس كلُّ عبادة يشترط فيها الطهارة من الحيض يُشْترط لها الطهارة من الحدث؛ كالصوم، فالرسول ﷺ قال في الحيض: "تَقْضي الصَّوم، ولا تقضي الصَّلاة" (١)، أما لو قُدِّر أن إنسانًا أحدث حدثًا أكْبَر، وقام وعليه جنابةٌ، وأَدْرَكه الفجر، فإنَّ صيامَه يعتبر صحيحًا، لكنه في هذه الحالة يلزمه أن يتطهَّر لأجل الصلاة (٢). قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (القَوْلُ فِي أَعْدَادِهِ وَأَحْكَامِهِ وَأَمَّا أَعْدَادُهُ، فَإِنَّ العُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ ثَلَاثَةٌ: طَوَافُ القُدُومِ عَلَى مَكَّةَ، وَطَوَافُ الإِفَاضَةِ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ العَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَطَوَافُ الوَدَاعِ). الطَّواف أنواعٌ ثلاثةٌ: أوَّلها: طواف القدوم، وهذا ليس واجبًا. الثَّانِي: طواف الإفاضة، وهذا ركنٌ من أركان الحج، لا يَجُوز الحج بدونه بإجماع العلماء. الثالث: طواف الوداع، وطواف الوداع مختلفٌ فيه بين العلماء، وَسَيأتي الكلام عن ذلك كلِّه.

стр. 4240

* قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الوَاجِبَ مِنْهَا الَّذِي يَفُوتُ الحَجُّ بِفَوَاتِهِ هُوَ طَوَافُ الإِفَاضَةِ (١)، وَأَنَّهُ المَعْنِيُّ (٢) بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩]). ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾، هَذا فعلٌ مضارعٌ، لكنه اقترن بلام الأمر، ومن صِيَغِ الأمر المضارع إذا اقترنت به لام الأمر، فهذا يدلُّ على وجوب طواف الإفاضة إلى جانب أن الرسول ﷺ فَعَل ذلك، وجاء إجماع الأمة عليه، ويَكُون يوم النحر أي: يوم العاشر، وللإنسان أن يُؤخِّره، فلو أن إنسانًا أخَّره وطاف مع طواف الوداع، لكفى طواف الواحد عنهما، لَكن بشَرط أن ينوي طواف الإفاضة، أو أن ينوي إدخال طواف القدوم ضده (٣)، لكن لو أنك نويت طواف الوداع، وأدخلت فيه طواف الزيارة أو طواف الإفاضة (٤)، لم يصحَّ ذلك؛ لأن هذا ركن، وهذا واجب، أو سُنَّة عند البعض (٥). * قوله: (وَأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ عَنْهُ دَمٌ). لأنَّه ركنٌ من أركان الحج، ولو قُدِّر أن إنسانًا فاته طواف الإفاضة، فعليه أن يعود ويطوف ولو حتى بعد زمنٍ قليلٍ.

стр. 4241

* قوله: (وَجُمْهُورُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ طَوَافُ القُدُومِ عَلَى مَكَّةَ عَنْ طَوَافِ الإِفَاضَةِ إِذَا نَسِيَ طَوَافَ الإِفَاضَةِ؛ لِكَوْنِهِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ) (١). مراد المؤلف: لَوْ جاء قادمًا إلى مكة، فهذا لا يكفيه عن طواف الإفاضة. * قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ: إِنَّ طَوَافَ القُدُومِ يُجْزِئُ عَنْ طَوَافِ الإِفَاضَةِ) (٢).

стр. 4242

والمُؤلِّف لا يقصد طوافَ القدوم الَّذي يأتيه من بلده، وإنَّما الذي يأتيه من منًى قادمًا على مكة. * قوله: (كَأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ الوَاجِبَ إِنَّمَا هُوَ طَوَافٌ وَاحِدٌ. وَجُمْهُورُ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ طَوَافَ الوَدَاعِ يُجْزِئُ عَنْ طَوَافِ الإِفَاضَةِ) (١). وهَذِهِ مسألةٌ مهمةٌ؛ لأنه ربما يظنُّ البعض أن طوافَ الوداع يكفي عن طواف الإفاضة، ولا بدَّ أولًا أن نعرفَ ما هو طواف الإفاضة، وما هو طواف الوداع، فطَوافُ الإفَاضة هو ركن من أركان الحج، والرُّكن لا يَسْقط سهوًا ولا عمدًا، وأنه لا بدَّ من الإتيان به، وأنه لا يمكن أن يقوم غيره مقامه. وطواف الإفاضة يُسمَّى طواف الزيارة، وسُمِّي طواف الإفاضة؛ لأنك تفيض من منًى إلى مكة، وسُمِّي طواف الزيارة؛ لأنك تزور مكة في هذا المقام قادمًا من منى، أما طواف الوداع الذي بَيَّن الرسول ﷺ أنه يكون

стр. 4243

آخر عهد المسلم بالبيت الطاهر (١)، وأنه واجبٌ على القول الصحيح (٢)، وفرقٌ بين الركن والواجب، فلو أن إنسانًا ترك واجبًا، جَبَره بِدَمٍ، لكن لو تركَ ركنًا، فإنَّ الدَّم لا يُغْنيه في هذا المقام، ومن هنا نُنوِّع هذه المسألةَ على أنواعٍ ثلاثة: فلو أن إنسانًا أخَّر طوافَ الإفاضة إلى ما بعد يوم النحر إلى اليوم الذي يُغَادر فيه مكةَ، فإن جاء قاصدًا طوافَ الإفاضة، وكان آخر عهده بالبيت، فإنَّ ذلك يكفيه عن طواف الوداع حتى ولو لم ينوِ طواف الوداع معه؛ لأن القصدَ أن يكون آخر عهدك بالبيت إنما هو طواف الوداع، فيكون داخلًا فيه، وهذا جائز، لكن أن تأتي وتنوي طواف القدوم كما يفعله بعض الناس، ويغفل عن طواف الإفاضة، فهذا لا يجزئ. * قوله: (إِنْ لَمْ يَكُنْ طَافَ طَوَافَ الإِفَاضَةِ؛ لِأَنَّهُ طَوَافٌ بِالبَيْتِ مَعْمُولٌ فِي وَقْتِ طَوَافِ الوُجُوبِ الَّذِي هُوَ طَوَافُ الإِفَاضَةِ) (٣). ومُرَاد المؤلف أنه أخَّر طواف الإفاضة، فبعد أن يطوف طواف الإفاضة، سيكون هذا آخر عهده بالبيت، فلا مانعَ أن يصلي فريضةً؛ فإنَّ الرسول ﷺ طاف وصلى صلاة الفجر. * قوله: (بِخِلَافِ طَوَافِ القُدُومِ الَّذِي هُوَ قَبْلَ وَقْتِ طَوَافِ الإِفَاضَةِ. وَأَجْمَعُوا فِيمَا حَكَاهُ أَبُو عُمَرَ ابْنِ عَبْدِ البَرِّ أَنَّ طَوَافَ القُدُومِ وَالوَدَاعِ مِنْ سُنَّةِ الحَاجِّ إِلَّا لِخَائِفٍ فَوَاتَ الحَجِّ) (٤).

стр. 4244

وَالمُؤلِّف إنَّما يتكلم عن مذهب مَالِكٍ ﵀، فَطَوافُ القدوم سُنَّة، ومَنْ يقدم مكة معتمرًا، فيطوف، فإنه يُغْنيه عن طواف القدوم، أما طواف الوَدَاع فهو واجبٌ (١). * قوله: (فَإِنَّهُ يُجْزِئُ عَنْهُ طَوَافُ الإِفَاضَةِ). فلو أنَّ إنسَانًا جاء في وقتٍ متأخرٍ، ويخشى لو أنه عرج على البيت العتيق، فَطَاف بالبيت، ربما يَفُوته الوقوف بعرفة، والوقوف بعرفة على القول الصحيح يبدأ من زَوَال شمس اليوم التاسع إلى فجر ليلة العاشر، يعني: ليلة النَّحر (٢)، فإنَّ هذا لا يضرُّ، ويكفي عنه -كما ذكر المؤلف- طواف الإفاضة. * قوله: (وَاسْتَحَبَّ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ لِمَنْ عَرَضَ لَهُ هَذَا أَنْ يَرْمُلَ فِي الأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ مِنْ طَوَافِ الإِفَاضَةِ) (٣). والرَّمل في الحقيقة لا يكون في طواف الإفاضة، وإنما يكون في طواف القدوم؛ لأن هذا فعل الرسول ﷺ ، وفعل الصحابة، وفعل المسلمين. * قوله: (عَلَى سُنَّةِ طَوَافِ القُدُومِ مِنَ الرَّمَلِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ المَكِّيَّ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا طَوَافُ الإِفَاضَةِ) (٤)؛ لأنَّ المكيَّ ليس عليه إلا طواف الإفاضة؛ لأنه أحرم بالحج.

стр. 4245

* قوله: (كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى المُعْتَمِرِ إِلَّا طَوَافُ القُدُومِ (١)، وَأَجْمَعُوا أَنَّ مَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ أَنَّ عَلَيْهِ طَوَافَيْنِ: طَوَافًا لِلْعُمْرَةِ لِحِلِّهِ مِنْهَا، وَطَوَافًا لِلْحَجِّ يَوْمَ النَّحْرِ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ المَشْهُورِ (٢)). أما القارن وكذلك المفرد، فعليهما طوافٌ واحدٌ. * قوله: (وَأَمَّا المُفْرِدُ لِلْحَجِّ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا طَوَافٌ وَاحِدٌ -كَمَا قُلْنَا- يَوْمَ النَّحْرِ، وَاخْتَلَفُوا فِي القَارِنِ). فيه خلافٌ، ولكن الأَوْلَى أنه كالمفرد، يكفيه طوافٌ واحدٌ. * قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (٣)، وَالشَّافِعِيُّ (٤)،. . . . . . .

стр. 4246

وَأَحْمَدُ (١)، وَأَبُو ثَوْرٍ (٢): يُجْزِئُ القَارِنَ طَوَافٌ وَاحِدٌ، وَسَعْيٌ وَاحِدٌ). وَهَذا هو الذي دلَّت عليه الأدلة؛ لأنَّ الطوافَ الأولَ بالنسبة للتمتع إنما هو للعمرة، والعمرة إنما هي ركنٌ مستقلٌّ عن الحج. * قوله: (وَهُوَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (٣) وَجَابِرٍ (٤)، وَعُمْدَتُهُمْ حَدِيثُ عَائِشَةَ المُتَقَدِّمِ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٥)، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: عَلَى القَارِنِ طَوَافَانِ وَسَعْيَانِ) (٦). أمَّا بالنسبة للسعي، فَهو في حقِّ القارن والمفرد واجبٌ إنْ لم يكن قد سعى عندما قدم إلى مكة، فإن كان قَدْ سعى، فيَكْفيه ذلك، وإذا أفاض يكتفي

стр. 4247

بطواف الإفاضة ولا سعي عليه، أما المتمتع فيجب عليه أن يطوفَ ويَسْعى. * قوله: (وَرَوَوْا هَذَا عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ؛ لِأَنَّهُمَا نُسُكَانِ، مِنْ شَرْطِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا انْفَرَدَ طَوَافُهُ وَسَعْيُهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الأَمْرُ كَذَلِكَ إِذَا اجْتَمَعَا، فَهَذَا هُوَ القَوْلُ فِي وُجُوبِ هَذَا الفِعْلِ وَصِفَتِهِ وَشُرُوطِهِ وَعَدَدِهِ وَوَقْتِهِ وَصِفَتِهِ، وَالَّذِي يَتْلُو هَذَا الفِعْلَ مِنْ أَفْعَالِ الحَجِّ، أَعْنِي: طَوَافَ القُدُومِ -هُوَ السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ-، وَهُوَ الفِعْلُ الثَّالِثُ لِلْإِحْرَامِ، فَلْنَقُلْ فِيهِ). إذًا، النسك الثاني بعد أن يفرغ الحاج وكذلك المعتمر من طوافه: الصلاة ركعتين عند المقام، ثم يعود إلى الحجر فيستلمه إن أمكنَ، وإن لم يتمكن فَلْيُشِرْ إليه، ثم بعد ذلك يتجه إلى موضع السعي، يتجه إلى الصفا كما فعل رسول اللَّه ﷺ ، فإنه اتجه إلى ذاك المكان، وقرأ قول اللَّه : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، وقال ﷺ : "نَبْدأ بما بدَأ اللَّه به" (١)، والذي بدأ اللَّه به إنما هو الصفا، ويَحْسن بالمسلمِ أن يصعد على جبل الصفا، وهو معروفٌ، وليس ذلك جُزءًا من السعي، لكن الأفضل أن يصعد عليه؛ لأنَّ مكانَ السعي له بدايةٌ محددةٌ، وقدوتنا رسول اللَّه ﷺ ، وقَدْ أُمِرْنا بأن نقتدي به، وقد اتَّجه نحو البيت حتى رَأَى الكعبةَ، ولمَّا رَآها رفَع يديه ﷺ ، وكَبَّر ثلاثًا، أي قال: اللَّه أكبر، ثلاث مرات، ثم إنه ﷺ قال ذلك الدعاء المشهور: "لَا إلَه إلَّا اللَّه وَحْده لا شريك له، له الملك، وله الحَمد، وهو علَى كل شيءٍ قدير، لا إله إلا اللَّه وحده، أنجزَ وَعْده، ونَصر عَبْده، وَهَزم الأحزاب بعده" (٢)، يقول ذلك مرةً

стр. 4248

ثم يتوقف، فيختار ما يشاء من الدُّعاء الذي يُقرِّبه إلى اللَّه ، ثمَّ بعد ذلك يبدأ في سَعْيه. قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (القَوْلُ فِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ وَالقَوْلُ فِي السَّعْيِ وَحُكْمِهِ، وَفِي صِفَتِهِ، وَفِي شُرُوطِهِ، وَفِي تَرْتِيبِهِ القَوْلُ فِي حُكْمِهِ: أَمَّا حُكْمُهُ، فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢): هُوَ وَاجِبٌ). ومُرَاد المؤلف بالواجب هنا: الركن؛ لأنَّ ظاهرَ كلامه وتعليقه كون الحاج إذا لم يسعَ، لا يتمُّ حجُّه دليلٌ على أنه ركنٌ، وهذا القول قال به المالكية والشافعية، وهي أيضًا الرواية المشهورة عن الإمام أحمد بن حنبل (٣).

стр. 4249

إذًا، جُمْهورُ العلماء يَرَون أن السَّعيَ ركنٌ كما أن الطواف ركنٌ، ونعني بالطَّواف طوَاف الإفاضة. * قوله: (وَإِنْ لَمْ يَسْعَ كَانَ عَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ (١)، وَإِسْحَاقُ (٢). وَقَالَ الكُوفِيُّون: هُوَ سُنَّةٌ (٣)، وَإِذَا رَجَعَ إِلَى بِلَادِهِ، وَلَمْ يَسْعَ، كَانَ عَلَيْهِ دَمٌ (٤). وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ تَطَوُّعٌ، وَلَا شَيْءَ عَلَى تَارِكِهِ) (٥). أمَّا الذين قالوا بأنه واجبٌ، أو ركنٌ، استدلُّوا بما جاء عن عائشة ﵂ في رواياتٍ متعددةٍ في "الصحيحين"، وَمنها أنها قالت: "واللَّه، لا أتمَّ اللَّه حج امرئ، ولا عمرته لم يطف بينهما" (٦)، يعني: لم يسعَ بين الصَّفا والمروة.

стр. 4250

وفي حديثٍ آخَرَ: "إنَّ اللَّهَ كَتبَ عَلَيكم السَّعي فَاسْعوا" (١)، وَهَذا الحَديثُ فيه كَلامٌ (٢)، لكنه بتتبُّع طُرُقه صالحٌ للاحتجاج به (٣)، أمَّا حديث عائشة فهو في "الصَّحيحَين"، وبعض ألفاظه في مسلم، وبعض ألفاظه في غيره (٤)، وفيه: أنها أقسمت أنه "لا أتم اللَّه حج مَنْ لم يسعَ بين الصفا والمروة"، فهذه حجة الذين قالوا بأنه ركنٌ. ثمَّ إنه ينبغي علينا أن نحرص كُلَّ الحرص ألا نفرط في أمرٍ من الأُمور، وأن كل مسألة نجد فيها خلافًا، فينبغي أن نأخذ بما هو الأحوط لنا في ديننا؛ لأن الرسول ﷺ يقول: "دع ما يَريبك إلى ما لا يَريبك" (٥)، وَنَحن نجد أنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَدْ سعى وقال: "خُذُوا عني مَنَاسككم" (٦). * قوله: (فَعُمْدَةُ مَنْ أَوْجَبَهُ مَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسْعَى وَيَقُولُ: "اسْعَوْا؛ فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ"، رَوَى هَذَا الحَدِيثَ الشَّافِعِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُؤَمِّلِ).

стр. 4251

رواه الشافعي (١)، وأحمد (٢)، والحاكم وصححه (٣)، وقلنا: هو صحيح بتتبع طرقه (٤). * قوله: (وَأَيْضًا، فَإِنَّ الأَصْلَ أَنَّ أَفْعَالَهُ ﵊ فِي هَذِهِ العِبَادَةِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الوُجُوبِ إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ الدَّلِيلُ مِنْ سَمَاعٍ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ عِنْدَ أَصْحَابِ القِيَاسِ). وأَفْعَالُهُ ﷺ محمولةٌ على الوجوب؛ لأنها أيدت بالقول، والرسول ﷺ قال: "خذوا"، وهذا أمرٌ، والأمر يقتضي الوجوب، وطالما لم يدلَّ دليلٌ آخر على عدم وجوبه، فينبغي أن يبقى واجبًا. * قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يُوجِبْهُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]). فلَا حَرَج عليه، لكن هذه الآية لها مناسبةٌ، وهي أن بعضَ المسلمين تحرَّج من السعي بين الصفا والمروة؛ لأنه كَانَ يوجد بهما صَنَمان، واحد على الصفا، وآخر على المروة، فكانوا يتذكرون هذين الصنمين، فوجدوا في ذلك حرجًا، فأنزل اللَّه : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]؛ أي: ألا

стр. 4252

يطوف بهما؛ ولذلك نَجد أنَّ اللَّهَ قال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، إذًا، هُمَا شَعيرَتان من شعائر اللَّه، وإذا كانتا كذلك، فَهُما نسكٌ من المَنَاسك، وعبادةٌ من العبَادَات، فيَنْبغي أن نُحَافظَ عليها، وقَدْ جَاء عملُ رَسُول اللَّه ﷺ بيانًا لذَلكَ، وما ورَد عن عائشة ﵂، وما جاء عن الرسول ﷺ : "إنَّ اللَّهَ كتبَ عَليكم السَّعي، فَاسْعُوا" (١). * قوله: (قَالُوا: إِنَّ مَعْنَاهُ ﴿أَلَّا يَطُوفَ﴾، وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَكَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، مَعْنَاهُ أَيْ: لِئَلَّا تَضِلُّوا). فاللَّه يقول: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾؛ أي: يُبيِّن لنا؛ لئلَّا نضل، يُبيِّن اللَّه لنا طريقَ السعادة وطريقَ النجاة، إذًا هناك لام التعليل محذوفة أي: مقدرة (لئلا تضلوا). * قوله: (وَضَعَّفُوا حَدِيثَ ابْنِ المُؤَمِّلِ (٢). وَقَالَتْ عَائِشَةُ: الآيَةُ عَلَى ظَاهِرِهَا، وَإِنَّمَا نَزَلَتْ فِي الأَنْصَارِ). وهذا الكتاب لا يستوعب الأدلَّة، وقَدْ أشرنا إلى شيءٍ منها. * قوله: (تَحَرَّجُوا أَنْ يَسْعَوْا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ عَلَى مَا كَانُوا يَسْعَوْنَ عَلَيْهِ فِي الجَاهِلِيَّةِ) (٣). فَكَانوا يعرفون أن هذا المكان تُقَام فيه الأصنام، فوجدوا حرجًا في أن يطوفوا فيه، فَبيَّن اللَّهُ لهم بأنَّ ذلك وقت قد ولَّى وأدبر، وأنه قد جاء الحقُّ، وزهق الباطل، وأن الباطل كان زهوقًا، واللَّه قد مسح الجاهلية، وأزَال معالمها وأبطلها، وأقام مَقَامها هذه الشريعة الإسلامية الخالدة الباقية التي لا تفنى لكثرة ما ينفق منها، ولا تبلى بتعدُّد ما يُؤْخذ

стр. 4253

منها، شريعة اللَّه الخالدة المستقيمة التي قد حَوَتْ جميع ما يحتاج إليه الناس في هذه الحياة الدُّنيا، وما يوصلهم إلى جَنَّةٍ عَرْضها السماوات والأرض، لمَنْ سلك طريق هذه الشريعة، واستجاب لقول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤]. * قوله: (لِأَنَّهُ كَانَ مَوْضِعَ ذَبَائِحِ المُشْرِكِينَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَسْعَوْنَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ تَعْظِيمًا لِبَعْضِ الأَصْنَامِ، فَسَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُبِيحَةً لَهُمْ، وإِنَّمَا صَارَ الجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهَا مِنْ أَفْعَالِ الحَجِّ؛ لِأَنَّهَا صِفَةُ فِعْلِهِ ﷺ ، تَوَاتَرَتْ بِذَلِكَ الآثَارُ، أَعْنِي: وَصْلَ السَّعْيِ بِالطَّوَافِ (١). القَوْلُ فِي صِفَتِهِ، وَأَمَّا صِفَتُهُ فَإِنَّ جُمْهُورَ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ مِنْ سُنَّةِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ أَنْ يَنْحَدِرَ الرَّاقِي عَلَى الصَّفَا بَعْدَ الفَرَاغِ مِنَ الدُّعَاءِ). والإنسان عندما يصعد على حجرٍ، ثم ينزل فيمشي، فإذا جاء إلى المكان الذي كان واديًا، أسرع فيه، ثم يمشي، ثم يصعد على المروة، فَيَقول كما قال على الصفا، وهو ما أشرنا إليه، ثم ينزل ماشيًا، فإذا ما جاء إلى ذلك المكان الذي بين العَلَمين أسرع، وإنما يفعل هذه الأفعال تعبُّدًا للَّه بها (٢)، ونحن مأمورون بأن نستجيب لأوامر اللَّه، وأن نستجيب أيضًا لأوامر رسول اللَّه ﷺ ، وأن نَتَجنَّب ما جاء النهي عنه في كتاب اللَّه ، وفي سُنَّة رسوله ﷺ ، وأدلُّ دليلٍ على هذا ما جاء عن عمر ﵁ عندما وقف عند الحجر الأسود، وكيف كَانَ حال عمر في الجاهلية، وعمر بن الخطاب في الإسلام الرجل العظيم الذي إذا سلك طريقًا، سلكَ الشيطانُ طريقًا آخر غير طريقه، كان عمر ﵁ يقول للحجر:

стр. 4254

"إني لأعلم أنك حجرٌ لا تنفع ولا تضر، ولولا أنِّي رأيتُ رسول اللَّه ﷺ يُقبِّلك، ما قبَّلتك" (١)، وَيَقف خلف رسول اللَّه ﷺ وهو يُقبِّل الحجر ودموعه ﷺ تَذْرف وتسيل من عينيه، وهو كذلك يبكي وراءه (٢)، إنَّ ذلك دليل رقَّة القلب والخشوع والاستجابة والإخلاص الذي استقرَّ في هذه القلوب، فأنار لها طريق الخير والرشاد. وهَذَا يُذكِّرنا بقصة أُمِّ إسماعيل (٣) عندما أتَى بها إبراهيم أبو الأنبياء، فَوَضعها في هذا المكان القحل الذي لا ماء فيه، ولا مرعى، ولا إنس، ليسَ معهما إلا سقاءٌ فيه ماءٌ، وجرابٌ فيه شيء من التمر، ثم يرجع ويتركهما في هذا المكان الموحش، ثم إنَّ هاجر تسير خلف إبراهيم تسأله: لمَنْ تتركنا؟ فلا يرد عليها ثلاث مرات، ثم تسير وراءه، فلما لم يردَّ عليها في بعض الروايات قالت: اللَّه أَمَرك بذلك؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يضيعنا. . لا يُضيِّعنا ما دام هذا بأمرٍ من اللَّه ، وبتوجيهٍ منه، وهو الذي هداك إلى هذا الطريق، وأرشدك أن تحملنا، وتأتي بنا، فتضعنا في هذا المكان، وهذا ما حصل حقًّا؛ لأن اللَّه تَعالَى لا يضيع أولياءه، ولا يغفل عنهم : ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨]، ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]، ثم تعود المرأة وتظل تشرب من هذا الماء، وتأكل من هذه التمرات، وتُرْضع ولدها من ثديها، وتمضي الأيام وهي ليست بكَثِيرةٍ، وينتهي الماء، وكذلك التمر، فماذا تفعل بعدما أصبحت ترى ابنها يَتَلوَّى؛ لأن ثَدْيها قد جفَّ، فلا يوجد فيه لبنٌ كي ترضعه، هذه الأم التي نسيت نفسها، لا يهمها أن تموت إنما تفكر في حالة هذا الطفل الرضيع الذي أصبح يتلوَّى ويضربها من شدة الجوع، فما كان منها وهي

стр. 4255

الأم العطوف الحنون إلا أن انطلقت إلى أقرب موضعٍ لها وهو الصفا، فصعدت عليه، فلم تجد أحدًا يسعفها في هذا المقام بشيءٍ، ثمَّ نزلت من هذا المكان، فإذا مَا مرَّت ببطن الوادي الذي هو مكان السعي الآن، أسرعت؛ لأنها عندما تنزل لا ترى ابنها فلذة كبدها، فَتُسْرع، ثمَّ تذهب إلى المروة، وتفعل وتتحسس، وتمضي الأشواط السبعة حتى إذا كانت في آخر شوطٍ منها وهي على المروة، سمعت صوتًا، فأخذت تخاطب نفسها وتقول: صه وصه، كأنها تقول لنفسها: اسكتي، وإذا به جبريل ﵇، يَنْزل فيضرب بعقبه أو بجناحه الأرض، فيخرج ماء زمزم، فتأتي إليه، فيَنْشرح صَدْرها، ويَطْمئن فؤادها، وتعود إليها البهجة، وأَخذتْ تجمع هذا الماء خشية أن ينتهي، ثم يُبشِّىرها بأن اللَّه لن يضيعهما في هذا المقام، وأن هذا الابن سيكون مع والده يبنيان بيت اللَّه في هذا المقام، وتمضي الأيام، ويبدأ هذا الطفل الرضيع يشب عن الطوق، ويكبر شيئًا فشيئًا، وتأتي جماعةٌ من قبيلة جرهم، فَيَرون الطيورَ تُحلِّق حول الماء، فاستغربوا ذلك؛ لأنَّ هذه أرضٌ مقفرةٌ، ليس فيها نباتٌ، ولا ماءٌ، فكيفَ تُحلِّق هذه الطُّيور في هذا المكان؟ فما كان منهم إلا أن جاء بعضهم ليتأكد، فَوَجدوا الماء، فنزلوا عندها، وتمرُّ الأيام، ويَكْبر إسماعيل ﵇، ويتزوج من هذه القبيلة، ويأتي والدُهُ بعد فترة بعد أن تزوج ولا يجده في مكانه، ويسأل عنه، ويجد امرأته فيسألها عن حالهما، فتقول: نحن في كربٍ، وفي شدةٍ، وفي ضيقٍ، ثم يحملها رسالةً لتبلغها زوجها، فيأتي إسماعيل من الصيد، فيسألها: أجاء أحدٌ؟ فقالت: جاء رجلٌ وَصْفه كذا وكذا، قال: وهل أبلغكِ شيئًا أو حمَّلكِ أمانةً؟ قالت: نعم، فذكرت أنه سألها عن حالتهم، فذكرت له، فقالت: أوصاني بأن أقول لك: غَيِّر عتبة بابك، فقال: أنتِ عتبة بابي، فطلَّقها، ثم تزوَّج أُخرى وبعد فترةٍ من الزمن يعود ولا يجد ابنه، وَيَجد تلكم المرأة الطيبة الصالحة، فيسألها عن حَالِهِما، فتقول: نحن في خيرٍ، وفي نعمةٍ، وفي سعادةٍ، وتصف له من الأوصاف الكثيرة، فيسألها: وما طعامكما؟ قالت: الماء واللحم؟ لأنه لا يوجد نبت في هذا المكان، إنما هي طيورٌ تُصَاد؛ حيوان أو ماء يُشْرب، فذكرت لَه

стр. 4256

ذَلكَ، فأوصاها، قال: إذا جاء زوجكِ فقولي كذا، وأمريه أن يُمْسك عتبةَ بابه، ثمَّ بعد ذلك يجيء بعد فترةٍ، ويجده يَبْري له نبلًا للصيد، فيخبره بأن اللَّه قد أمرهما ببناء هذا البيت، فيقول له: أطع ربك، واللَّه تعالى يقول: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾ [البقرة: ١٢٧]. * قوله: (فَيَمْشِي عَلَى جِبِلَّتِهِ حَتَّى يَبْلُغَ بَطْنَ المَسِيلِ، فَيَرْمُلُ فِيهِ حَتَّى يَقْطَعَهُ إِلَى مَا يَلِي المَرْوَةَ). فبَعْد أن يذكر الدعاء، يستقبل البيت، ويرفع يديه، ويكبر ثلاثًا، ثم يقول: "لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وَهُوَ على كل شيءٍ قدير، لا إله إلا اللَّه وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده"، ثم بعد ذلك يدعو (١)، وعليه أن يختار لنفسه الدعاء النافع؛ إنْ كان قد حَصَلتْ منك هفواتٌ أو تقصيرٌ في جنب اللَّه، فيَسْأل اللَّه الهدايةَ والتوبةَ النصوحَ، وأن يعقد العزمَ، ثم بعد ذلك ينزل، فإذا ما جاء بين العلمين، وهو المكان الذي كانت تُسْرع فيه هاجر أم إسماعيل، فعليه أن يسرع اقتداءً برسول اللَّه ﷺ ، فإنه كان يُسْرع في هذا المقام حيث جاء في أحد الأحاديث ما نصُّهُ: "أن إزاره كان يدور" (٢)، يعني: من شدة سرعة رسول اللَّه ﷺ ، لكنه يسرع إن وجد مكانًا، أما مع كثرة الزحام واختلاط الناس إن لم يستطع فلا يفعل. * قوله: (فَيَرْمُلُ فِيهِ حَتَّى يَقْطَعَهُ إِلَى مَا يَلِي المَرْوَةَ). فإذَا جاء إلى المروة، صعد عليها، وقال كما قال على الصفا،

стр. 4257

ومشى كما مشى، ذهابه من الصفا إلى المروة، وهذا شوطٌ، ومن المروة إلى الصفا شوطٌ آخر، وهكذا يبدأ بالصفا، وينتهي بالمروة. * قوله: (فَإِذَا قَطَعَ ذَلِكَ وَجَاوَزَهُ، مَشَى عَلَى سَجِيَّتِهِ حَتَّى يَأْتِيَ المَرْوَةَ، فَيَرْقَى عَلَيْهَا حَتَّى يَبْدُوَ لَهُ البَيْتُ). فعليه أن يمشي مِشْيَته المعتادة، فإن كان من الذين يسرعون طويلًا فَلْيسرع، وإن كان من الذين يمشون برفقٍ، فليفعل. * قوله: (ثُمَّ يَقُولُ عَلَيْهَا نَحْوًا مِمَّا قَالَهُ مِنَ الدُّعَاءِ وَالتَّكْبِيرِ عَلَى الصَّفَا، وَإِنْ وَقَفَ أَسْفَلَ المَرْوَةِ، أَجْزَأَهُ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ (١)، ثُمَّ يَنْزِلُ عَنِ المَرْوَةِ). ومراد المؤلف أن الصعودَ على الصفا والمروة ليس شرطًا، لكن الأَوْلَى والأفضل أن يصعد كما فعل رسول اللَّه ﷺ ، وهذه حَسَناتٌ تتوارد على المسلم، وتأتيه تَتْرى، فلماذا لا يغتنم الفرصة ويختطفها ليجدها مسجلةً له في يوم لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون عندما يقول اللَّه تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧]، واللَّه تعالى لا يظلم أحدًا: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]. * قوله: (فَيَمْشِي عَلَى سَجِيَّتِهِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى بَطْنِ المَسِيلِ، فَإِذَا انْتَهَى إِلَيْهِ، رَمَلَ حَتَّى يَقْطَعَهُ إِلَى الجَانِبِ الَّذِي يَلِي الصَّفَا). وهُمْ يريدون بالسعي الإسراعَ في الطواف، بمَعْنى أنه يرمل، ولا مانع؛ لأن حقيقة القصد هنا يختلف هناك، فالرَّمَل هناك إنما هو مقاربة الخطى مع الإسراع، لكن القصد هنا الجري يعني: الإسراع؛ ولذلك فإن

стр. 4258

الرسول ﷺ كان يسرع، حتى في وصفه: "أنه يدور بإزاره حتى رأوا بعض ساقه" (١). * قوله: (يَفْعَلُ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، يَبْدَأُ فِي كُلِّ ذَلِكَ بِالصَّفَا، وَيَخْتِمُ بِالمَرْوَةِ). وَهَاجر ﵍ أيضًا قَدْ فَعَلتْ ذلك سبع مرات، إذًا هذه عبادةٌ شَرَعها اللَّه ليبتلينا، وعلينا أن نَسْتَجيبَ ونقومَ بهذه العبادة، فَإِنْ فَعَلنا، فَاللَّهُ سيُثيبُنَا على ذلك، وَإنْ شَكَرنا سَيَزيدنا : ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]. * قوله: (فَإِنْ بَدَأَ بِالمَرْوَةِ قَبْلَ الصَّفَا، أُلْغِيَ ذَلِكَ الشَّوْطُ) (٢). فلو أن إنسانًا أخطأ، فبدأ بالمروة، لا يُحْسب له هذا الشوط، إنما الذي يُحْسب له الذي بدأه من الصفا، كما لو أن إنسانًا طاف الشوط الأول معكسًا بمعنى أنه بدل أن يجعل الكعبة عن يساره، جعلها عن يمينه، كذلك لا يجوز، أو أن إنسانًا طاف حول الكعبة ولم يستوعب الحجر الذي نبَّهنا عليه، لم يجز ذلك. * قوله: (لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ، نَبْدَأُ بِالصَّفَا" (٣)، يُرِيدُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، وَقَالَ عَطَاءٌ: إِنْ جَهِلَ، فَبَدَأَ بِالمَرْوَةِ، أَجْزَأَ عَنْهُ) (٤). والصَّحيح أنه لا يجزئ، ولا يُعْذر في هذا المقام.

стр. 4259

* قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي وَقْتِ السَّعْيِ قَوْلٌ مَحْدُودٌ؛ فَإِنَّهُ مَوْضِعُ دُعَاءٍ) (١). ومُرَاد المؤلف أنه ليس له دعاء مخصوص، وقد جاء في مواضع: "ربَّنا آتنا في الدنيا حسنةً" (٢) بين الركنين، وجاء: "اللَّهمَّ أنتَ السلام، ومنك السلام، حيِّنا ربنا بالسَّلام" (٣)، أول ما يبدأ،، لَكن الغالبَ أنه لا يوجد دعاءٌ مخصوصٌ، وإنَّما يختار لنفسه الدعاء الذي يحتاج إليه في هذا المقَام، وليتخيَّر من الأدعية، وَلْيكثر من ذِكْرِ اللَّه، ومن طلب الهداية والاستقامة على دين اللَّه، وليسأل اللَّه أن يعفو عنه؛ ولذلك قالت عائشة ﵂ لرسول اللَّه ﷺ : لَوْ عَلِمْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، مَا كُنْتُ أَسْأَلُ رَبِّي وَأَدْعُو بِهِ؟ قال: "قُولِي: اللَّهمَّ إنَّك عفوٌّ تحبُّ العفوَ فَاعْف عنِّي" (٤). ولا بدَّ من الإخلاص، وصدق النيَّة، والإقبال على اللَّه حتى يظفر بخيري الدُّنيا والآخرة، وَيَكُون قَدْ رجع بتجارةٍ لن تبور؛ ولذلك يقول اللَّه في عُمَّار بيته: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ

стр. 4260

وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)﴾ [النور: ٣٦، ٣٧]، وَلذَا كَانَت النتيجة ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾ [النور: ٣٨]. * قوله: (وَثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ "أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ كَانَ إِذَا وَقَفَ عَلَى الصَّفَا يُكَبِّرُ ثَلَاثًا، وَيَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (١). فأنت حينما تقول: لا إله إلا اللَّه؛ أي: لا معبود بحقٍّ إلا اللَّه، "لا إله" تنفي عبادة أي معبود إلا اللَّه، وهذه هي التي من أجلها أَرْسَل اللَّه الرسلَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]. ويَقُولُ تَعالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. ويَقُولُ تَعالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]. إنَّها السعادة، إنه الفوز والظفر بخَيْري الدنيا والآخرة، أن تَلْقى اللَّه تعالى وأنت على عقيدة صحيحة، أعظم شيءٍ في هذه الحياة أن نصلح عقائدنا، وأن تكون عقيدتُنَا على منهج كتاب اللَّه ، وعلى سُنَّة رسول اللَّه ﷺ ، يقول اللَّه : ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥]. ولمَّا جَاءَ رجلٌ إلى رسول اللَّه ﷺ : قال: يا رسول اللَّه، أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فنزل قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٢٦]، فاللَّه يغضب إنْ تركتَ سؤاله، أما الإنسان فإنه يملُّ منك، واللَّه تعالى يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ

стр. 4261

لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]، ولنتحين المواضع التي يُسْتجاب فيها الدعاء، عند السجود مثلًا، فأَقْرَب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد (١)، وعندما يبقى ثلث الليل الآخر، فإن اللَّه ينزل كل لَيْلةٍ نزولًا يليق بجلالِهِ وعظمتِهِ، فيقول: هل من سَائِلٍ فأُعْطيه؟ هل من مُسْتَغْفرٍ فأغفر له؟ هل من تَائِبٍ فأتوب عليه؟ (٢)، يَقُول اللَّه : ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٣٨]. وقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٥]، والإنسان قَدْ تحصل منه خطايا، وقَدْ تحصل منه ذنوبٌ، وقد يَقْترف أمورًا في جنب اللَّه؛ ولذلك قَدْ فتح لنا أبواب التوبة: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]، والرسول ﵊ يقول: "لَوْ لَمْ تُذْنبوا، لَذَهب اللَّه بكُمْ، وَلَجاء بقومٍ يُذْنبون ثمَّ يَسْتغفرون، فيغفر اللَّه لهم" (٣)، لكن ليس معنى ذلك أننا نُوَاصل الذُّنوبَ، فَالإنسَانُ لا يضمن نفسه، قد يذنب فيتوب، فيتوب اللَّه عليه، فربما يعود إلى ذنبه، فتأتيه المنية فلا يجد فرصةً. * قوله: (يَصْنَعُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَيَدْعُو وَيَصْنَعُ عَلَى المَرْوَةِ مِثْلَ ذَلِكَ) (٤).

стр. 4262

وَبِهَذَا يَنْتهي كلام المؤلف عن صفتِهِ. * قوله: (القَوْلُ فِي شُرُوطِهِ: وَأَمَّا شُرُوطُهُ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ الطَّهَارَةَ مِنَ الحَيْضِ كَالطَّوَافِ سَوَاءٌ (١)، لِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: "افْعَلِي كُلَّ مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَلَّا تَطُوفِي بِالبَيْتِ"). هذا الذي ذكره المؤلف غير مُسلَّمٍ في الحقيقة؛ لأنه فرق بين الطواف وبين السعي، فالطواف لا خلاف أن الطهارة شرطٌ فيه، ولكنهم اختلفوا في الحدث الأصغر، هل يُشْترط أو لا؟ وكذلك أيضًا اختلفوا في الحائض إذا كانت هناك حالة ضرورة، هل تعتصب بثوبٍ وتطوف؟ هل العلة لأجل الطهارة أو لأجل ألَّا يُلوَّث المسجد؟ أمَّا بالنِّسبة للسعي، فلا شك أن الأَوْلَى والأكمل ألَّا يسعى الإنسان إلا وهو على طهارةٍ، لكن لو فعل ذلك، فهذا جائزٌ، وليسَ فيه شيءٌ، وأمَّا هَذِهِ الزِّيادة، فهي لَيْست في حديث عائشة في "الصحيحين": "افْعَلِي ما يفعل الحاجُّ غير ألَّا تَطوفِي بالبَيْت" (٢)، وَفيها كلامٌ للعُلَماء (٣). ثمَّ إنَّ السعيَ مختلفٌ فيه بين العلماء، فبَعْضُ العلماء يرى أنه ركنٌ كالطواف، وبناءً عليه لو تركه الإنسان، فَسد حجُّهُ، وبعضهم يرى أنه واجب، وعلى قول مَنْ يرى أنه واجبٌ كأبي حنيفة يَجْبره دمٌ، وهناك قول:

стр. 4263

إنه سُنَّة، وهذا قول ضعيف، لَكن القولين القويين: الركنية والوجوب (١). * قوله: (وَلَا تَسْعَيْ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ"، انْفَرَدَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ، دُونَ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ هَذَا الحَدِيثُ) (٢). لكن رواية "الصحيحين": "افْعَلِي ما يفعل الحاج غير ألَّا تَطُوفِي بالبيت" (٣)، وفي حديث أسماء: "اصْنَعي ما يصنع الحاج إلا أن تطوفي بالبيت"، وهو في "صحيح مسلم" (٤). * قوله: (وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ الطَّهَارَةَ لَيْسَتْ مِنْ شُرُوطِهِ إِلَّا الحَسَنَ، فَإِنَّهُ شَبَّهَهُ بِالطَّوَافِ) (٥). وَبِهَذَا ينتهي الكلام عن شُرُوطه. * قوله: (القَوْلُ فِي تَرْتِيبِهِ: وَأَمَّا تَرْتِيبُهُ، فَإِنَّ جُمْهُورَ العُلَمَاءِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ السَّعْيَ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الطَّوَافِ، وَأَنَّ مَنْ سَعَى قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالبَيْتِ، يَرْجِعُ فَيَطُوفُ وَإِنْ خَرَجَ عَنْ مَكَّةَ) (٦). فَلَوْ أن إنسانًا سعى قبل أن يطوف، وفرقٌ بين السعي للعمرة وبين

стр. 4264

السعي للحج، وقد جاء عن الرسول ﷺ أن رجلًا سأله: سعيتُ قبل أن أطوف؟ قال: "لا حرج" (١)، لكن هذا قد ورد في الحج، وليس معنى هذا أننا نتمسك به، فلا بدَّ أن نتجنَّب الخلاف، أما بالنسبة للعمرة فلا ينبغي بأيِّ حَالٍ من الأحوال أن يُقدَّم السَّعي على الطواف، وَإنْ فعل فإنه يُلْغى السعي، وَعَليه أن يَسْعى بعد الطواف. * قوله: (فَإِنْ جَهِلَ ذَلِكَ حَتَّى أَصَابَ النِّسَاءَ فِي العُمْرَةِ أَوْ فِي الحَجِّ، كَانَ عَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ وَالهَدْيُ، أَوْ عُمْرَةٌ أُخْرَى (٢). وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (٣). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤): إِذَا خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ، وَعَلَيْهِ دَمٌ، فَهَذَا هُوَ القَوْلُ فِي حُكْمِ السَّعْيِ وَصِفَتِهِ وَشُرُوطِهِ المَشْهُورَةِ وَتَرْتِيبِهِ).

стр. 4265

فمَنْ يقول: عليه دمٌ، يرى أنه واجب، وهناك مَنْ يرى أنه ليس عليه شيء؛ لأنه يراه سُنَّة، وَجُمْهور العلماء يرون أنه ركنٌ، ولذلك يجب أدَاؤه كالحال بالنسبة لطواف الإفاضة. انتهى المؤلف من الكلام على السعي، وسينتقل إلى الحديث عن يوم التروية. [الخُرُوجُ إِلَى عَرَفَةَ] وهو في الحقيقة الخروج إلى منى؛ لأن منى قبل عرفات، ولعله خطأٌ. قال المصنف ﵀ رحمةً واسعةً: (وَأَمَّا الفِعْلُ الَّذِي يَلِي هَذَا الفِعْلَ لِلْحَاجِّ، فَهوَ الخُرُوجُ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ إِلَى مِنًى). فبَعْد الفراغ من النُّسُك الأول وهو العمرة، يَأْتِي الخُرُوجُ إلى منًى. * قوله: (وَالمَبِيتُ بِهَا لَيْلَةَ عَرَفَةَ). وسُمِّيتْ منًى؛ لكثرة ما يُسَال فيها من الدماء، لكن المبيت في منى ليلة التاسع ليست واجبةً، وإنما هي سُنَّة باتفاق العلماء جميعًا (١)، بل إن الخروج إلى منًى، وأداء الصلوات الخمسة فيها، والمبيت فيها، كل ذلك سُنَّة فَعلَها رسول اللَّه ﷺ (٢)، وَفَعلها الصحابة مِنْ بعده، فلو أن إنسانًا خرج إلى عرفات مباشرةً لما فاته واجبٌ من واجبات الحج، وإنما يكون تَرَك سُنَّةً من السنن، والأَوْلَى بالمسلم وهو يؤدي هذَا المنسكَ العظيم،

стр. 4266

الركنَ الخامس من أركان الإسلام ألا يفرط في أيِّ فضيلةٍ تجمع له الحسنات، فإنه بأَمسِّ الحاجة إليها. * قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الإِمَامَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ الظُّهْرَ وَالعَصْرَ وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ بِهَا مَقْصُورَةً). يصلي الإمام أو مَنْ يُنيبُهُ الإمام. * قوله: (إِلَّا أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ هَذَا الفِعْلَ ليْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الحَجِّ لِمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ الوَقْتُ) (١). ومُرَاد المؤلف أنَّ الخروجَ إلى منًى، والبقاء فيها، والمبيت ليلة التاسع ليس من شروط الحج، ولا من واجباته، وإنما هو من سنن الحج التي إِنْ فعلها أثيب عليها، وَإِنْ ترَكها فلا إثمَ عليه، لكنه ترك أمرًا فاضلًا، هو ليس شرطًا في صحة الحج في حقِّ مَنْ ضاق عليه وقتٌ، ومن لم يضق عليه الوقت. * قوله: (ثُمَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، مَشَى الإِمَامُ مَعَ النَّاسِ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ وَوَقَفُوا بِهَا). وانتقلَ المُؤلِّف إلى الحديث عن يوم عرفة، وكان الأَوْلَى به أن يُشير إلى نمرة؛ لأن الرسول ﷺ عندما خرج من منًى متجهًا إلى عرفات إنما ضُربَت له قبة بنَمرة، ونَمرة قريبة من عرفة، بل هي ملاصقةٌ لها، وهناك من العلماء مَنْ يرى أنها من عرفة، والرسول ﷺ ضُربَت له القبة، ومكث بها حتى زالت الشمس (٢).

стр. 4267

ويقال: إن نمرة يجد الإنسانُ فيها راحةً في بقائه بها، إذًا الرسول ﷺ فَعَل ذلك، لكن هل هذا نسك أو غير نسك؟ العُلَماءُ مُخْتلفون فيه، والظاهرُ أنَّ هذا نسكٌ؛ لأنَّ الرَّسول ﷺ أقَام بها هذه الفترة، وليس شرطًا أن يبقى بها الإنسان، فلو بقي في عرفة، كفاه ذلك ولا حاجة، لكن الرسول ﷺ ضُربَت له القبة؛ أي: الخيمة، وأقام فيها، وأقام المسلمون، فلما زالت الشمس رَكبَ ناقته القصواء، وذهب إلى عرفات. * قوله: (الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ: وَالقَوْلُ فِي هَذَا الفِعْلِ يَنْحَصِرُ فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِهِ. . .). وَالحجُّ إنَّما يبدأ فعلًا من عرفات؛ أي: أفعال الحج، لكن سبق ذلك نيَّة الدخول في النُّسُك، وهذه النية إنما هي ركنٌ في الحج، وَهي كذلك ركنٌ في العمرة، وليس معنى هذا أنَّ لبس الإحرام إنما هو الدخول في النسك (١)؛ لأنَّ الدخولَ في النُّسُك هو أن تلبس الإزار والرداء، وأن تنوي بقلبك أيْ: تَقْصد الحج أو العمرة، وأن تتلفَّظ بذلك استحبابًا، فتقول: لبيك حجًّا، لكن أفعال الحاج وأعماله إنما تبدأ بالوقوف بعرفة. والوقوفُ بعرفة ركنٌ من أركان الحج، ومتى فاته الإنسان يكون قد فاته الحج، فلا يمكن تعويضه، ولا يمكن الرجوع إليه بعد وقته، فوقتُهُ محددٌ بالإجماع من وقت زَوَال شمس اليوم التاسع إلى طلوع فجر ليلة يوم النحر، وَهناك مِنَ العلماء مَنْ يرى أن الوقتَ يطلع من بعد طلوع الفجر (٢)، لَكن المُجْمع عليه هو من وَقْت الزوال إلى وقت طلوع الفجر

стр. 4268

من ليلة يوم النحر؛ أي: ليلة العاشر (١)، هَذا هو وقته، والوقوف في هذا الوقت حتى ولو مارًّا أو حتى نائمًا واقفًا على أي حالة يعد وقوفًا (٢)، لكن لو بقي الإنسان بنمرة، ومنها انطلق إلى المزدلفة، لا يكون قد وقف بعرفة، وفاته الحجُّ، فلننتبه حتى لا نضيع أعمالنا، ولا نكون كالتي نقضت غَزْلها. * قوله: (. . . وَفِي صِفَتِهِ، وَفِي شُرُوطِهِ، أَمَّا حُكْمُ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الحَجِّ) (٣).

стр. 4269

وَالرُّكن لا يسقط سهوًا، ولا عمدًا، فلو أن إنسانًا جهل حدود عرفة، لا يُعْذر بجهله، ولو أنه أخطأ فلا ينفعه، لكن لو أخطأ المسلمون جميعًا، فالصورة هنا تختلف، كما لو ظنوا أنه اليوم التاسع فتبين أنه العاشر، أو تبين أنه الثامن إلى آخره، هذه مسألة أُخرى. * قوله: (وَأَنَّ مَنْ فَاتَهُ فَعَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ). "حجٌّ قابلٌ"، يعني: في سنة قابلة؛ لأنه هنا لم يَسْتفد من حجِّه، والرسول ﷺ يقول: "الحَجُّ عَرفَة" (١). * قوله: (وَالهَدْيُ فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ، لِقَوْلِهِ ﵊: "الحَجُّ عَرَفَةُ"). وقَالَ الرَّسُولُ ﷺ : "عَرفةُ كلُّها موقف، وارفعوا عن بطن عرنة" (٢). * قوله: (وَأَمَّا صِفَتُهُ: فَهُوَ أَنْ يَصِلَ الإِمَامُ إِلَى عَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ خَطَبَ النَّاسَ). فالرسول ﷺ عندما زالت الشمس، ركبط ناقته، وذَهب إلى عرفات، ولمَّا وصل إلى المسجد، خطب الناس (٣). * قوله: (ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الظُّهْرِ). إذًا، الرسول ﷺ صلى بالناس صلاة الظهر والعصر جمعًا يعني:

стр. 4270

جمعَ تَقْديمٍ، وكان ذلك في وقت الظهر، وكان ذَلكَ أيضًا في يوم جُمُعة. وقَالَ العلماء: لا تُصلَّى الجُمُعة هناك بالنسبة للحجاج؛ لأنَّ الرَّسُولَ ﷺ خَطَب أولًا، ثمَّ بعد ذلك أذَّن المؤذن، فأُقيمَت الصلَاة، فصلَّى بالناس صلاة الظهر، ثمَّ أُقيمَت الصلاة، فصلى بالناس صلاة العصر، وهذه مسألةٌ سيأتي الخلاف فيها، متى يُؤذَّن لهذه الصلاة؟ هل يكون أثناء الخطبة، أو بعد الفراغ منها؟ * قوله: (ثُمَّ وَقَفَ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ) (١). والمُؤلِّف هنا قد اختصرَ، فَالإمَامُ يَخْطب الناس، وَفِي هذه الخطبة يُبيِّن لهم مَناسك الحجِّ؛ لأنَّ الناس أو غالبهم أو السواد الأعظم إنما يحتاجون إلى معرفة مناسك الحج؛ اقتداءً برَسُولِ اللَّه ﷺ ، يُبيِّن الخطيب لهم ما يَحْتاجون إليه من مناسكِهِ، حكمَ الوقوف بعرفة، أين يقف المسلمون، هل هو في كل مكانٍ؟ ما هي الأدعية التي يَنْبغي أن يفعلوها؟ ونحن نجد أن رسول اللَّه ﷺ قد أُوتِيَ جوامع الكلم كما جاء في الأحاديث الصحيحة: "أُعْطيت خمسًا لم يُعْطهنَّ أحد من قبلي. . . " (٢)، وذكر منها أنه أُعْطي جوامع الكلم، يأتي بالكلام القليل الذي يحمل المعاني العظيمة بمعنى أنه يضع أسسًا وقواعد؛ ولذلك رأينا أن رسول اللَّه ﷺ وضع أسسًا وقواعدَ من قواعد الإسلام، ومما تكلم عنه الرسول ﷺ في ذلك الموقف العظيم: الربا، وحذَّر منه الرسول ﷺ ،

стр. 4271

وبَيَّن خطورتَه على المجتمع، وقَدْ جاء في كتاب اللَّه من التَّحذير والتَّهديد من التعامل بالربا، وأنَّ مَنْ يفعل ذلك فإنه يَأْذن بحربٍ من اللَّه ورسوله، وبيَّن الرسول ﷺ أنه لا مُحَاباةَ في دين اللَّه، ولذلك قال: "إنَّ أوَّل ربا أضعه إنَّما هو ربا العباس" (١)، والعباس هو عمُّ رسول اللَّه ﷺ ، فبدأ الرسول ﷺ بأقرب الناس إليه، وهو عمه، ونجد أن رسول اللَّه ﷺ عندما تكلم عن السرقة في قصة المخزومية التي كانت تَسْتعير الحلي فأخفتها؛ أي: سرقتها، قال الرسول ﷺ : "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" (٢)، وهي ابنة رسول اللَّه ﷺ ، ولها من المكانة العظيمة عنده ما لها، وحاشاها أن تسرق، ولكن الرسول ﷺ أراد أن يبين أن هذا هو دين اللَّه، ودين اللَّه لا يختلف الناس فيه في المعاملة، فهو حقٌّ وعدلٌ، واللَّه تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨]. هَذِهِ هي أحكامُ الشَّريعة الإسلامية، وهي الَّتي يحتاج المسلمون إلى تطبيقها في كلِّ مكانٍ، لا في بلدٍ واحدٍ، أَوْ في بعض البلاد، والبلاد التي تُطبَّق شريعة اللَّه فيها من الرخاء والأمن والاستقرار ما فيها، وهذا كله بفضل اللَّه ، وبفضل تطبيق هذه الشريعة الإسلامية. إذًا، رسول اللَّه ﷺ قد وضع لنا أسسًا وقواعدَ حتى نسير عليها في تعاملنا فيما بيننا، وفيما ينظم علاقاتنا مع ربنا ، كذلك بَيَّن الرسولُ ﷺ حُرْمةَ الدين، وحُرْمةَ عِرْضِ المسلم، وأنَّه لا يجوز للمسلم أن يتكلَّم بحقِّ أخيه المسلم بغير حقٍّ.

стр. 4272

* قوله: (وَإِنَّمَا اتَّفَقُوا عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ هِيَ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا مِنْ فِعْلِهِ ﷺ ). كَمَا جاء في حديث جابرٍ الطويل وغيره، فإنه وصف لنا حَجَّة رسول اللَّه ﷺ (١). * قوله: (وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ إِقَامَةَ الحَجِّ هِيَ لِلسُّلْطَانِ الأَعْظَمِ). هذا هو الأصل، وله أن ينيبَ مَنْ يشاء. * قوله: (أَوْ لِمَنْ يُقِيمُهُ السُّلْطَانُ الأَعْظَمُ لِذَلِكَ، وَأَنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَهُ؛ بَرًّا كَانَ السُّلْطَانُ، أَوْ فَاجِرًا، أَوْ مُبْتَدِعًا) (٢). وهذه قاعدة جديدة من قواعد الإسلام، وأن الإسلام إنما جاء بجمع الكلمة، ومعلومٌ الحالة التي كان عليها العرب في الجاهلية، كانت كلمتُهُم متفرقةً، لا يَلْتقون عند كلمةٍ، ولا يَجْمعهم حدٌّ؛ ولذلك ذكر اللَّه : ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣]، أما المسلمون فإن كلمتهم واحدة، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] كما قال اللَّه تعالى. ويقول الرسول ﷺ : "مَثَل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد" (٣).

стр. 4273

ويقول ﷺ : "إنما المُسْلم للمُسْلم كالبنيان يشدُّ بعضه بعضًا" (١). وَاللَّهُ تَعالَى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. إذًا، بهذا يَتَميَّز المسلمون بعضهم عن بعضٍ، فالمَيْزة التي يرتفع بها بعضهم عن بعض إنما هي تقوى اللَّه وطاعته، هذا هو المنهج السوي الذي وَضَعه الإسلام، فَالإسلَام يجمع كلمةَ المسلمين، واللَّهُ تَعالَى يُحذِّرنا من الخلاف والتنازع: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]، ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٥]، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]. * قوله: (وَأَنَّ السُّنَّةَ فِي ذَلِكَ أَنْ يَأْتِيَ المَسْجِدَ بِعَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ مَعَ النَّاسِ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، خَطَبَ النَّاسَ -كَمَا قُلْنَا- وَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْر (٢)، وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ أَذَانِ المُؤَذِّن بِعَرَفَةَ لِلظَّهْرِ وَالعَصْرِ؛ فَقَالَ مَالِكٌ: يَخْطُبُ الإِمَامُ حَتَّى يَمْضِيَ صَدْرٌ مِنْ خُطْبَتِهِ أَوْ بَعْضُهَا) (٣). يعني: جزءًا كبيرًا منها. * قوله: (ثُمَّ يُؤَذِّنُ المُؤَذِّنُ وَهُوَ يَخْطُبُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٤): يُؤَذِّنُ

стр. 4274

إِذَا أَخَذَ الإِمَامُ فِي الخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): إِذَا صَعِدَ الإِمَامُ المِنْبَرَ أَمَرَ المُؤَذِّنَ بِالأَذَانِ، فَأَذَّنَ كَالحَالِ فِي الجُمُعَةِ، فَإِذَا فَرَغَ المُؤَذِّنُ، قَامَ الإِمَامُ يَخْطُبُ، ثُمَّ يَنْزِلُ وَيُقِيمُ المُؤَذِّنُ الصَّلَاةَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ (٢) تَشْبِيهًا بِالجُمُعَةِ، وَقَدْ حَكَى ابْنُ نَافِعِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: الأَذَانُ بِعَرَفَةَ بَعْدَ جُلُوسِ الإِمَامِ لِلْخُطْبَةِ) (٣). والأقرب من هذا كله أن المؤذِّن إنما يؤذن بعد فراغ الإمام من الخطبة. * قوله: (وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا زَاغَتِ الشَّمْسُ، أَمَرَ بِالقَصْوَاءِ، فَرُحِّلَتْ لَهُ، وَأَتَى بَطْنَ الوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى العَصْرَ). هذا نصٌّ جاء في حديث جابر ﵁، وقَدْ حكى لنا وصفًا دقيقًا للمنسك الذي كان عليه رسول اللَّه ﷺ ، وأنه عندما جاء خطب الناس، ثم بعد ذلك قام المؤذدن فأذن، ثم أقام، قال: "قُمْ يا بلال فأَذِّنْ"، ثمَّ أمر بإقامة الصلاة، فَصلَّى بالناس الظهر، ثمَّ أُقيمَت العصر فصلَّى (٤)، وهذا

стр. 4275

مذهب أحمد، ومَعَه جماعةٌ، وهو الذي يلتقي مع الأحاديث (١). فَيَنْبغي أن نقفَ عنده، وأن نُقدِّمه، لَكن لَو حصلَ غير ذلك، فهو جائز ولا يؤثر، لكن الأَوْلَى أن يكون بعد الفراغ من الخطبة كما في حَدِيثِ جَابِرٍ (٢). * قوله: (وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَاحَ إِلَى المَوْقِفِ") (٣). ومراد المؤلف أن الرسول ﷺ لم يتطوع بينهما، فهل الإنسان في مثل هذه الحالة يتطوع؟ كذلك سيأتي في مزدلفة أن الرسول ﷺ جمع بين المغرب والعشاء جمعَ تَأْخِيرٍ (٤). * قوله: (وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يُجْمَعُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ بِأَذَانَيْنِ وَإِقَامَتَيْنِ، أَوْ بِأَذَانِ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ؛ فَقَالَ مَالِكٌ (٥): يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَذَانَيْنِ وإِقَامَتَيْنِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٦)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٧)، وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ،
следующие страницы →