← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

وبَيَّن خطورتَه على المجتمع، وقَدْ جاء في كتاب اللَّه من التَّحذير والتَّهديد من التعامل بالربا، وأنَّ مَنْ يفعل ذلك فإنه يَأْذن بحربٍ من اللَّه ورسوله، وبيَّن الرسول ﷺ أنه لا مُحَاباةَ في دين اللَّه، ولذلك قال: "إنَّ أوَّل ربا أضعه إنَّما هو ربا العباس" (١)، والعباس هو عمُّ رسول اللَّه ﷺ ، فبدأ الرسول ﷺ بأقرب الناس إليه، وهو عمه، ونجد أن رسول اللَّه ﷺ عندما تكلم عن السرقة في قصة المخزومية التي كانت تَسْتعير الحلي فأخفتها؛ أي: سرقتها، قال الرسول ﷺ : "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" (٢)، وهي ابنة رسول اللَّه ﷺ ، ولها من المكانة العظيمة عنده ما لها، وحاشاها أن تسرق، ولكن الرسول ﷺ أراد أن يبين أن هذا هو دين اللَّه، ودين اللَّه لا يختلف الناس فيه في المعاملة، فهو حقٌّ وعدلٌ، واللَّه تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨]. هَذِهِ هي أحكامُ الشَّريعة الإسلامية، وهي الَّتي يحتاج المسلمون إلى تطبيقها في كلِّ مكانٍ، لا في بلدٍ واحدٍ، أَوْ في بعض البلاد، والبلاد التي تُطبَّق شريعة اللَّه فيها من الرخاء والأمن والاستقرار ما فيها، وهذا كله بفضل اللَّه ، وبفضل تطبيق هذه الشريعة الإسلامية. إذًا، رسول اللَّه ﷺ قد وضع لنا أسسًا وقواعدَ حتى نسير عليها في تعاملنا فيما بيننا، وفيما ينظم علاقاتنا مع ربنا ، كذلك بَيَّن الرسولُ ﷺ حُرْمةَ الدين، وحُرْمةَ عِرْضِ المسلم، وأنَّه لا يجوز للمسلم أن يتكلَّم بحقِّ أخيه المسلم بغير حقٍّ.

стр. 4272

* قوله: (وَإِنَّمَا اتَّفَقُوا عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ هِيَ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا مِنْ فِعْلِهِ ﷺ ). كَمَا جاء في حديث جابرٍ الطويل وغيره، فإنه وصف لنا حَجَّة رسول اللَّه ﷺ (١). * قوله: (وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ إِقَامَةَ الحَجِّ هِيَ لِلسُّلْطَانِ الأَعْظَمِ). هذا هو الأصل، وله أن ينيبَ مَنْ يشاء. * قوله: (أَوْ لِمَنْ يُقِيمُهُ السُّلْطَانُ الأَعْظَمُ لِذَلِكَ، وَأَنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَهُ؛ بَرًّا كَانَ السُّلْطَانُ، أَوْ فَاجِرًا، أَوْ مُبْتَدِعًا) (٢). وهذه قاعدة جديدة من قواعد الإسلام، وأن الإسلام إنما جاء بجمع الكلمة، ومعلومٌ الحالة التي كان عليها العرب في الجاهلية، كانت كلمتُهُم متفرقةً، لا يَلْتقون عند كلمةٍ، ولا يَجْمعهم حدٌّ؛ ولذلك ذكر اللَّه : ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣]، أما المسلمون فإن كلمتهم واحدة، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] كما قال اللَّه تعالى. ويقول الرسول ﷺ : "مَثَل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد" (٣).

стр. 4273

ويقول ﷺ : "إنما المُسْلم للمُسْلم كالبنيان يشدُّ بعضه بعضًا" (١). وَاللَّهُ تَعالَى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. إذًا، بهذا يَتَميَّز المسلمون بعضهم عن بعضٍ، فالمَيْزة التي يرتفع بها بعضهم عن بعض إنما هي تقوى اللَّه وطاعته، هذا هو المنهج السوي الذي وَضَعه الإسلام، فَالإسلَام يجمع كلمةَ المسلمين، واللَّهُ تَعالَى يُحذِّرنا من الخلاف والتنازع: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]، ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٥]، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]. * قوله: (وَأَنَّ السُّنَّةَ فِي ذَلِكَ أَنْ يَأْتِيَ المَسْجِدَ بِعَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ مَعَ النَّاسِ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، خَطَبَ النَّاسَ -كَمَا قُلْنَا- وَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْر (٢)، وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ أَذَانِ المُؤَذِّن بِعَرَفَةَ لِلظَّهْرِ وَالعَصْرِ؛ فَقَالَ مَالِكٌ: يَخْطُبُ الإِمَامُ حَتَّى يَمْضِيَ صَدْرٌ مِنْ خُطْبَتِهِ أَوْ بَعْضُهَا) (٣). يعني: جزءًا كبيرًا منها. * قوله: (ثُمَّ يُؤَذِّنُ المُؤَذِّنُ وَهُوَ يَخْطُبُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٤): يُؤَذِّنُ

стр. 4274

إِذَا أَخَذَ الإِمَامُ فِي الخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): إِذَا صَعِدَ الإِمَامُ المِنْبَرَ أَمَرَ المُؤَذِّنَ بِالأَذَانِ، فَأَذَّنَ كَالحَالِ فِي الجُمُعَةِ، فَإِذَا فَرَغَ المُؤَذِّنُ، قَامَ الإِمَامُ يَخْطُبُ، ثُمَّ يَنْزِلُ وَيُقِيمُ المُؤَذِّنُ الصَّلَاةَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ (٢) تَشْبِيهًا بِالجُمُعَةِ، وَقَدْ حَكَى ابْنُ نَافِعِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: الأَذَانُ بِعَرَفَةَ بَعْدَ جُلُوسِ الإِمَامِ لِلْخُطْبَةِ) (٣). والأقرب من هذا كله أن المؤذِّن إنما يؤذن بعد فراغ الإمام من الخطبة. * قوله: (وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا زَاغَتِ الشَّمْسُ، أَمَرَ بِالقَصْوَاءِ، فَرُحِّلَتْ لَهُ، وَأَتَى بَطْنَ الوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى العَصْرَ). هذا نصٌّ جاء في حديث جابر ﵁، وقَدْ حكى لنا وصفًا دقيقًا للمنسك الذي كان عليه رسول اللَّه ﷺ ، وأنه عندما جاء خطب الناس، ثم بعد ذلك قام المؤذدن فأذن، ثم أقام، قال: "قُمْ يا بلال فأَذِّنْ"، ثمَّ أمر بإقامة الصلاة، فَصلَّى بالناس الظهر، ثمَّ أُقيمَت العصر فصلَّى (٤)، وهذا

стр. 4275

مذهب أحمد، ومَعَه جماعةٌ، وهو الذي يلتقي مع الأحاديث (١). فَيَنْبغي أن نقفَ عنده، وأن نُقدِّمه، لَكن لَو حصلَ غير ذلك، فهو جائز ولا يؤثر، لكن الأَوْلَى أن يكون بعد الفراغ من الخطبة كما في حَدِيثِ جَابِرٍ (٢). * قوله: (وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَاحَ إِلَى المَوْقِفِ") (٣). ومراد المؤلف أن الرسول ﷺ لم يتطوع بينهما، فهل الإنسان في مثل هذه الحالة يتطوع؟ كذلك سيأتي في مزدلفة أن الرسول ﷺ جمع بين المغرب والعشاء جمعَ تَأْخِيرٍ (٤). * قوله: (وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يُجْمَعُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ بِأَذَانَيْنِ وَإِقَامَتَيْنِ، أَوْ بِأَذَانِ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ؛ فَقَالَ مَالِكٌ (٥): يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَذَانَيْنِ وإِقَامَتَيْنِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٦)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٧)، وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ،

стр. 4276

وَجَمَاعَةٌ: يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ) (١). وهذا هو مذهب أحمد (٢)، وهو مذهب جمهور العلماء (٣)، وهو الذي جاء في حديث جابرٍ وغيره. * قوله: (وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِثْلُ قَوْلِهِمْ (٤)، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِإِقَامَتَيْنِ) (٥). والمعروف في مذهب أحمد أنه يجمع بينهما بأذانٍ واحدٍ وإقامتين، مثل الجمهور (٦). * قوله: (وَالحُجَّةُ لِلشَّافِعِيِّ حَدِيثُ جَابِرٍ الطَّوِيلُ).

стр. 4277

يعني: حُجَّة الشافعي وجمهور العلماء حديثُ جَابِرٍ فيه الذي وصف حَجَّة رسول اللَّه ﷺ (١). * قوله: (فِي صِفَةِ حَجِّهِ ﵊ وَفِيهِ "أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَاِقَامَتَيْنِ" (٢)، كَمَا قُلْنَا، وَقَوْلُ مَالِكٍ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) (٣). وَهَذا موقوفٌ على ابن مسعودٍ، ولكن الأَوْلَى أن نأخذ بما رفع إلى رسول اللَّه ﷺ ، وَهُوَ الذي جاء في حديث جابرٍ الطَّويل، وأن الأصلَ أن تنفرد كلُّ صلاة بأذانٍ وإقامةٍ، لكن هنا جمع بينهما، وفِعْلُ الرَّسول ﷺ قد جاء بيانًا لقوله ﷺ : "خُذُوا عنِّي مَناسكَكم" (٤)، وهَذَا هو منسك رَسُول اللَّه ﷺ ، فيَنْبغي أن نفعلَه. * قوله: (وَحُجَّتُهُ أَنَّ الأَصْلَ هُوَ أَنْ تُفْرَدَ كُلُّ صَلَاةٍ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ العُلَمَاءِ أَنَّ الإِمَامَ لَوْ لَمْ يَخْطُبْ يَوْمَ عَرَفَةَ قَبْلَ الظُّهْرِ أَنَّ صَلَاتَهُ جَائِزَة بِخِلَافِ الجُمُعَةِ) (٥). ومراد المؤلف أنه لو لم يخطب للصلاة، يعني: فأذَّن للصلاة، فَصلَّى الظهر، ثم أقيمت الصلاة؛ أي: صلاة الظهر، ثم بعد ذلك أقيم لصلاة العصر فصلاها، فهذا جائز، لكنه خلاف سُنَّة رسول اللَّه ﷺ ؛

стр. 4278

لأن الحكمةَ من ذلك أن هذه الخطبة إنما هي دروسٌ ومواعظُ، وفيها رسمٌ للطَّريق السوي الذي ينبغي أَنْ يسيرَ عليه الحجاج في أدَاء مَنَاسكهم. * قوله: (وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا أَنَّ القِرَاءَةَ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ سِرًّا (١)، وَأَنَّهَا مَقْصُورَةٌ إِذَا كَانَ الإِمَامُ مُسَافِرًا (٢)، وَاخْتَلَفُوا إِذَا كَانَ الإِمَامُ مَكِّيًّا، هَلْ يَقْصُرُ بِمِنًى الصَّلَاةَ يَوْمَ التَّرْوِبَةِ، وَبِعَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَبِالمُزْدَلِفَةِ لَيْلَةَ النَّحْرِ إِنْ كَانَ مِنْ أَحَدِ هَذِهِ المَوَاضِعِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ (٣)، وَالأَوْزَاعِيُّ، وَجَمَاعَةٌ (٤): سُنَّةُ هَذِهِ المَوَاضِعِ التَّقْصِيرُ سَوَاءً أَكَانَ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْصُرَ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ المَوَاضِعِ) (٥).

стр. 4279

وَهذِهِ مَسْأَلةٌ ذَكرنَاهَا (١). * قوله: (وَحُجَّةُ مَالِكٍ أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ أَنَّ أَحَدًا أَتَمَّ الصَّلَاةَ مَعَهُ ﷺ ، أَعْنِي: بَعْدَ سَلَامِهِ مِنْهَا. وَحُجَّةُ الفَرِيقِ الثَّانِي البَقَاءُ عَلَى الأَصْلِ المَعْرُوفِ أَنَّ القَصْرَ لَا يَجُوزُ إِلَّا لِلْمُسَافِرِ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى التَّخْصِيصِ. وَاخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي وُجُوبِ الجُمُعَةِ بِعَرَفَةَ وَمِنًى، فَقَالَ مَالِكٌ (٢): لَا تَجِبُ الجُمُعَةُ بِعَرَفَةَ وَلَا بِمِنًى إِلَّا (٣) أَيَّامَ الحَجِّ، لَا لِأَهْلِ مَكَّةَ، وَلَا لِغَيْرِهِمْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الإِمَامُ مِنْ أَهْلِ عَرَفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٤) مِثْلَ

стр. 4280

ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ يَشْتَرِطُ فِي وُجُوبِ الجُمُعَةِ أَنْ يَكُونَ هُنَالِكَ مِنْ أَهْلِ عَرَفَةَ أَرْبَعُونَ رَجُلًا عَلَى مَذْهَبِهِ فِي اشْتِرَاطِ هَذَا العَدَدِ فِي الجُمُعَةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): إِذَا كَانَ أَمِيرُ الحَجِّ مِمَّنْ لَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ بِمِنًى وَلَا بِعَرَفَةَ، صَلَّى بِهِمْ فِيهَا الجُمُعَةَ إِذَا صَادَفَهَا. وَقَالَ أَحْمَدُ (٢): إِذَا كَانَ وَالِي مَكَّةَ يَجْمَعُ بِهِمْ. وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ) (٣). أَيْ: إذا تَوفَّرتْ شُرُوطُ الجُمُعة، يؤدُّون الجُمُعة، وَكَذلك الحال بالنِّسبة لعَرفَة. * قوله: (وَأَمَّا شُرُوطُهُ، فَهُوَ الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ بَعْدَ الصَّلَاةِ).

стр. 4281

نأتي إلى الأفعال التي يفعلها الحاج في يوم عرفة، وَعَلى هذه الساحة العظيمة، وهذه الأرض المنبسطة التي جعلها اللَّه مشعرًا من مشاعر الإسلام، وجعل الحج الأكبر فيها، فالمسلمون الذين جاؤوا لأداء هذا النسك إنما يجتمعون كلهم على صعيد عرفة، فانظر إلى هذه الأجناس المختلفة، وهذه الألوان، لو أن الانسان أنفق مالًا كثيرًا، وبذل ذوب قلبه، وغاية جهده، وضرب الأرض شرقًا وغربًا، لَمَا استطاع أن يظفرَ بهذا العدد، وقَدْ جاؤوا راغبين مقبلين؛ لأنهم أَجَابوا دعاء اللَّه؛ دعاء إبراهيم ﵇: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾ [الحج: ٢٧]، فَنَجد أن أرض عرفات تموج بهذا الجمع الغفير من المؤمنين، وكُلُّهمْ جاؤوا طاعةً للَّه ، جاؤوا تَارِكِين وراءهم كُلَّ ما يَشْغلهم من هَذِهِ الحياة الدنيا، فَمَا أوقفتهم تجارةٌ، ولا بنون، ولا زوجاتٌ، ولا آباءٌ، ولا إخوانٌ، ولا أصدقاءٌ، كل ذلك نَسَوه أو تَناسَوه، وجاؤوا إلى هذا المكان مطيعين لربهم، منيبين إليه، وفي هذا المقام تُسْكب العبرات، وتسيل الدموع على الوجنات؛ لذلك نجد أن رسول اللَّه ﷺ يقول: "خَيْر الدُّعاء دعاء عرفة، وأفضل ما قلتُهُ أنا والنبيُّون من قبلي: لا إله إلا اللَّه وَحْده لا شريكَ له، له المُلْك، وله الحمد، وهو على كلِّ شيءٍ قدير" (١). إنَّ اللَّه تعالى في ذلك الموقف العظيم يباهي بذاك الجمع الكبير العظيم ملائكته، فيقول: "انظُرُوا إلى عبَادي، أَتَوْنِي شعثًا غبرًا، أشْهدكُمْ أني قد غفرت لهم" (٢)، فلا بدَّ أن نستغلَّ ذلكم الموقف، وأن نتَّجه فيه

стр. 4282

إلى اللَّه بقلوب صادقة، ونخلع عنَّا كل الأسباب التي وتُبَاعد بيننا وبين اللَّه، وأن نزيل كل واسطةٍ تقف في طريقنا مما يوصلنا إلى اللَّه ، وأن نسأل اللَّه في هذا الموقف الجليل ما نحن بأَمَسِّ الحاجة إليه، فيجب أن نحرص كل الحرص على ألا نضيع ساعةً أو دقائقَ أو لحظاتٍ فيما لا ينفع، فَلَا يَنْبغي أن نشغل أنفسنا بالقيل والقال، ولا بالأَحَاديث التي نضيع بها أوقاتنا، ونُمْضيها، فليس الوقتُ في هذا المقام وقتَ تسليةٍ، ينبغي أن نتفرغ لذلك كما فعل رسولنا ﷺ ، فبعد أن فرغ من صلاته، ركب على ناقته، وذهب إلى الصخرات قرب القبلة، ودعا اللَّه (١)، فلنكثر من الدعاء، ولنطرح بين يدي اللَّه ، ولنسلم أنفسنا له ، فإنَّ مقاليد الملك بيده ، ولنتوجه بقلوبنا إلى اللَّه ، ولنفوض أمورنا كلها إليه ، ونحن نعلم علم اليقين أنه لا ملجأ لنا، ولا مناص، ولا مفرَّ من اللَّه إلا إليه. هذه مواسمُ عظيمةٌ، ومواقفُ كريمةٌ، ربما لا تتكرر في حياة المسلم، ولا يكفي في هذا المقام أن تسيلَ دموعنا، وأن تتألم قلوبنا، وربما قد تذوب أفئدتنا شوقًا إلى الآخرة، وإلى ما يقربنا إلى اللَّه ، بل ينبغي أن نأخذ من ذلك درسًا أننا عندما نُنقِّي أنفسنا ونطهرها في هذا المقام، ونعود إلى اللَّه، ونتوب إليه توبةً نصوحًا، ينبغي أن نعقد العزم ألا نرجع إلى ما كنا نفعله إن كنا قد ارتكبنا سيئةً في حق اللَّه، أو أخطاءً في حقِّ خَلْقه، والرسول ﷺ في هذه المواقف قال: "إنَّ دمَاءَكم وأموَالكم وأعْرَاضكم حرائم علَيكم كحُرْمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكلم هذا، ألا فليبلغ الشاهد الغائب، اللهم هل بلغت" (٢). كان ﷺ يرفع سبَّابته إلى السماء، فيرد عليه أصحابه ﵃: نعم، اللَّهمَّ فاشهد، اللَّهمَّ فاشهد، نعم نشهد أن رسول اللَّه ﷺ قد أتمَّ اللَّه

стр. 4283

به الدين، وأتم به النعمة، وأن اللَّه رضي لنا هذا الإسلام دينًا، وأن الرسول ﷺ قَدْ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في اللَّه حق جهاده، ورسول اللَّه ﷺ يقول: "مَنْ حَجَّ فلم يرفث، ولم يَفْسق، رَجَع من ذُنُوبه كيوم وَلَدته أُمُّه" (١)، واللَّهُ تَعالَى يقول: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ﴾ [البقرة: ١٩٧]، إن كان هناك جدال، فينبغي أن يكون في الحق، وإن كان هناك كلام، فليكن في ذكر اللَّه عملًا بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾. * قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفِ العُلَمَاءُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَمَا صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ بِعَرَفَةَ، ارْتَفَعَ، فَوَقَفَ بِجِبَالِهَا دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَوَقَفَ مَعَهُ كُلُّ مَنْ حَضَرَ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ). والرسول ﷺ ركب بعيره، ووقف عليه، فيشرع الآن أن نجلس على السيارات، وإن فعلنا ذلك فذاك شيء طيب، وإن وقفنا دون أن نتأذى بذلك، فلا مانعَ، وَإن جلسنا، فلا مانعَ حتى لو كان الإنسان مستلقيًا أو متكئًا، فكل ذلك جائز، واللَّه لا ينظر إلى صورنا، وإنما ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا، وما يهمُّ في هذا الموقف أن يحسن القصد والعمل للَّه ، وأن يلحَّ في الدعاء. * قوله: (وَأَنَّهُ لَمَّا اسْتَيْقَنَ غُرُوبَهَا، وَبَانَ لَهُ ذَلِكَ، دَفَعَ مِنْهَا إِلَى المُزْدَلِفَةِ" (٢).

стр. 4284

ومن العلماء مَنْ يقول: إن الوقوف يبدأ من فجر يوم التاسع، وهذا قول عند الحنابلة (١)، ولكن القول المشهور الذي أجمع عليه العلماء (٢): أن الوقوف يبدأ من وقت الزوال (زوال يوم التاسع) إلى فجر اليوم العاشر، هذا هو وقت الوقوف بعرفة، فمَنْ وقف -كما جاء في الحديث- أيِّ ساعة من ليلٍ أو نهارٍ، فقَدْ أدرك الوقوف (٣)، وليست القضية قضية مرور، فعلينا أن نقف في هذه الأماكن الطيبة المباركة التي يباهي اللَّه بنا ملائكته، ولنتجه إلى اللَّه حتى نخرج بغنائمَ عَظيمَةٍ من هذا الموقف. * قوله: (وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ هَذَا هُوَ سُنَّةُ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ (٤)، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَأَفَاضَ مِنْهُ قَبْلَ الزَّوَالِ - أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِوُقُوفِهِ ذَلِكَ) (٥). وَهَذَا معروفٌ عند الحنابلة، لكنه قول ضعيف، وقول جمهور العلماء هو الذي ينبغي أن يحرص عليه المسلم، وأنه من وقت الزوال، ولا مانع أن يأتي الإنسان قبل الزوال، لكن لا ينبغي أن ينصرف، والوقوف

стр. 4285

المشروع الصحيح الذي نقتدي فيه برسول اللَّه ﷺ هو من بعد الزوال إلى غروب الشمس. * قوله: (وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَرْجِعْ، فَيَقِفْ بَعْدَ الزَّوَالِ، أَوْ يَقِفْ مِنْ لَيْلَتِهِ تِلْكَ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، فَقَدْ فَاتَهُ الحَجُّ) (١). فلو قدر أن إنسانًا وقف بعرفة قبل الغروب بدقائق، فَهو لا يَخْلو من واحدٍ من أمرين: إما أن يعود فيقف إلى الغروب، وهذا لا شيء عليه، وإما أن يستمرَّ في خروجه متجهًا إلى المزدلفة، ويكون قَدْ ترك واجبًا، فيلزمه دمٌ (٢)، وَعَلينا أن نستنَّ بسُنَّة رسول اللَّه ﷺ ، ولنقتدي بمنسكه الذي قال: "خُذُوا عنِّي مَنَاسككم" (٣)، أما أصحاب الأعذار، فَهَؤُلَاء مَعْذورون. * قوله: (وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ الدِّيلِيِّ). والصَّحيح أنه: يعمر. * قوله: (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الحَجُّ عَرَفَاتٌ، فَمَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ، فَقَدْ أَدْرَكَ"، وَهُوَ حَدِيثٌ انْفَرَدَ بِهِ هَذَا الرَّجُلُ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا أَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ) (٤). ليس معنى أنه مُجْمعٌ عليه أنه في "الصحيحين"، بل إنه مجمع على صحته، فهو حديث صحيح؛ ولذلك أخذ به العلماء، وأجمعوا على هذا الأمر.

стр. 4286

* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ، ثُمَّ دَفَعَ مِنْهَا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَقَالَ مَالِكٌ (١): عَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ قَبْلَ الفَجْرِ). هذا فيه تشبيهٌ، ولكن الصحيح أنه ليس عليه حجٌّ قابلٌ، وإنما هو مخيرٌ بين أمرين: إما أن يرجع ولا شيءَ عليه، وإمَّا أن يذبح كبشًا، وهناك شروطٌ معروفةٌ في الذبيحة. * قوله: (وَإِنْ دَفَعَ مِنْهَا قَبْلَ الإِمَامِ، وَبَعْدَ الغَيْبُوبَةِ، أَجْزَأَهُ (٢)، وَبِالجُمْلَةِ: فَشَرْطُ صِحَّةِ الوُقُوفِ عِنْدَهُ هُوَ أَنْ يَقِفَ لَيْلًا. وَقَالَ جُمْهُورُ العُلَمَاءِ: مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ، فَحَجُّهُ تَامٌّ، وِإنْ دَفَعَ قَبْلَ الغُرُوبِ

стр. 4287

إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الدَّمِ عَلَيْهِ (١)، وَعُمْدَةُ الجُمْهُورِ حَدِيثُ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ، وَهُوَ حَدِيث مُجْمَعٌ عَلَى صِحَّتِهِ). فالرسول ﷺ (٢) ما ترك جبلًا إلا وقد مرَّ به مع ما عندهم من نقصٍ في المال، ونقصٍ في الركب، وما يجدونه من عناءٍ ومشقةٍ، واللَّه يريد بنا اليسر، ولا يريد بنا العسر، وعندما فرض علينا هذه العبادات وغيرها لم يشق علينا، وإنما ليعلم المحسن من المسيء، والمطيع من غير المطيع: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]. فلنتسابق إلى جنات عدن، فإنها منازلنا الأولى، وَفيها المُخيَّم، هذه الأمَاكن التي يُمْكن أن يَتنَافس فيها المتنافسون، ويتسابق المتسابقون، ويسارعون إلى مغفرةٍ من ربِّهم، هذه الأماكن التي ينبغي أن يقدم المسلم

стр. 4288

فيها ذوب قلبه وفؤاده، ويُقْبل على اللَّه معرضًا عن كل ما سواه، هذه هي المواضع التي فيها التجارة التي لا يخسر مَنْ يقدم صفقة فيها، أليس اللَّه قال في شأن المجاهدين: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة: ١١١]، ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾ [مريم: ٦٣]. * قوله: (قَالَ: "أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بجَمْعٍ، فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ فَقَالَ: مَنْ صَلَّى هَذِهِ الصَّلَاةَ مَعَنَا، وَوَقَفَ هَذَا المَوْقِفَ حَتَّى نُفِيضَ (أَوْ أَفَاضَ) قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ عَرَفَاتٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ" (١)، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ المُرَادَ بِقَوْلِهِ فِي هَذَا الحَدِيثِ نَهَارًا أَنَّهُ بَعْدَ الزَّوَالِ) (٢). وليست قضية إجماع؛ لأنها غير مسلم بها، فَهي رواية الحنابلة، لكن نحن نقول: هذا هو القول الصحيح الذي تَلْتقي حوله الأدلة، فَلَك أن تأتي من بعد الفجر، لَكن القصد ألا تنصرف؛ لأنك لو انصرفتَ قبل الزوال، فأكثر العلماء يَرَون أنَّ حجَّك غير صحيحٍ، لكن لو حصل انصرافٌ بعد الزوال، فإنه يلزمك دمٌ، ويبقى الخلاف على الرواية في مذهب مالك، رحم اللَّه الجميع (٣). * قوله: (وَمَنِ اشْتَرَطَ اللَّيْلَ، احْتَجَّ بِوُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ ﷺ حِينَ غَرَبَتِ

стр. 4289

الشَّمْسُ (١)، لَكِنْ لِلْجُمْهُورِ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ وُقُوفَهُ بِعَرَفَةَ إِلَى المَغِيبِ قَدْ نَبَّأَ حَدِيثُ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ أَنَّهُ عَلَى جِهَةِ الأَفْضَلِ؛ إِذْ كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ ذَلِكَ، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ طُرُقٍ أَنَّهُ قَالَ: "عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ، وَالمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلَّا بَطْنَ مُحَسِّرٍ، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، وَفِجَاجُ مَكَّةَ مَنْحَرٌ وَمَبِيتٌ"). هَذَا الحديث سيعلق المؤلف عليه. * قوله: (عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ). وَهَذا جاء في "صحيح مسلم" (٢): "وَارْتَفعوا عن بطن عُرَنة"، هذا صحيح، لكن ليس في "صحيح مسلم" (٣). * قوله: (وَالمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ). وهذا الذي في "صحيح مسلم". * قوله: (إِلَّا بَطْنَ مُحَسِّرٍ). وهذا جاء من حديث جبير بن مطعم، وغيره (٤)، وهو صحيح، لكن ليس في "صحيح مسلم".

стр. 4290

* قوله: (مِنًى كلُّهَا مَنْحَرٌ، وَفِجَاجُ مَكَّةَ مَنْحَرٌ وَمَبِيتٌ" (١). فالأصل أن الإنسانَ ينحر هديه بمنًى، وله أن ينحره بمكة؛ لأن الرسول ﷺ بيَّن أن منًى كلها منحر. * قوله: (وَاخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِيمَنْ وَقَفَ مِنْ عَرَفَةَ بِعُرَنَةَ، فَقِيلَ: حَجُّهُ تَامٌّ، وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ) (٢). وهذا قولٌ ضعَّفه العُلَماء، وَجَماهيرُ العلماء يَرَون أن حَجَّه لم يصح؛ لأنه لم يقف بعَرَفة، والرسول ﷺ قال: "وَارْفَعوا عن بَطْن عُرَنة" (٣)، وحتى وإن جاء هذا عن الإمام مالكٍ، فلنتجنب ذلك؛ لأن مالكًا يَقُول بصحة حجِّه، وغيره يقول بأن حجه قد فسد. * قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٤): لَا حَجَّ لَهُ).

стр. 4291

قاله الشافعي، وأحمد (١) وجماهير العلماء (٢). * قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ أَبْطَلَ الحَجَّ: النَّهْيُ الوَارِدُ عَنْ ذَلِكَ فِي الحَدِيثِ، وَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يُبْطِلْهُ أَنَّ الأَصْلَ أَنَّ الوُقُوفَ بِكُلِّ عَرَفَةَ جَائِزٌ إِلَّا مَا قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ. قَالُوا: وَلَمْ يَأْتِ هَذَا الحَدِيثُ مِنْ وَجْهٍ تَلْزَمُ بِهِ الحُجَّةُ وَالخُرُوجُ عَنِ الأَصْلِ). بل الصحيح أنه جاء من طرقٍ متعددةٍ صحيحةٍ تلزم به الحجة، وليس كما قال المؤلف. وحديث: "وارفعوا عن بطن عرنة" (٣) قد صح، وإذا صح الحديث، فيجب الأخذ به، وهذا هو منهج الأئمة بما فيهم مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد. * قوله: (فَهَذَا هُوَ القَوْلُ فِي السُّنَنِ الَّتِي فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَمَّا الفِعْلُ الَّذِي يَلِي الوُقُوفَ بِعَرَفَةَ مِنْ أَفْعَالِ الحَجِّ، فَهُوَ النُّهُوضُ إِلَى المُزْدَلِفَةِ بَعْدَ غَيْبَةِ الشَّمْسِ، وَمَا يُفْعَلُ بِهَا، فَلْنَقُلْ فِيهِ). وعندما نقف في عَرَفات، ونرى الجمع الغفير، ينبغي أن نتذكر المحشر، لنتذكر أننا غدًا سنُعْرض بين يدي اللَّه : ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِ نْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾ [الحاقة: ١٨]، وأنَّ الناس يُعْرضون في ذلك اليوم حفاةً

стр. 4292

عراةً غرلًا، وأن كل إنسان سيُسْأل عمَّا قدم؛ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشر: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٣٠]، واللَّه تعالى لا يظلم أحدًا: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، وكل ما يفعله الإنسان في هذه الحياة، فإنه لا يخفى على اللَّه ، وقَدْ يخفي أحدنا أعماله عن أعين الناس؛ لأنهم سيُنْكرون فعلَه، لكنه إذا خلا بنفسه إن كان صائمًا وشرب، فالمُطَّلع عليه إنما هو اللَّه : ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩]، فينبغي علينا أن نمسح تلك الأُمور التي سجلت بصحائفنا لنُبيِّضها، وأن نعود كما ولدتنا أمهاتنا، هذه فرصة لا يَنْبغي أَنْ تضيع. [القَوْلُ فِي أَفْعَالِ المُزْدَلِفَةِ] قلنا سابقًا: إن هذا الجمع الغفير للناس والاجتماع في هذا المكان يذكرنا باجتماع كل الخلق يوم القيامة عندما يحشر اللَّه الناس. ولننظر إلى سبب اجتماع الناس في هذا المكان، وما الذي يجمعهم جميعًا؟ بل ما الذي يجمعنا الآن في هذه الحلقة، وفي هذا المسجد الكبير العظيم؟ أليس الذي يجمعنا: هو عبادة اللَّه ؟! إذن؛ هناك رباط وثيق يربط بيننا؛ وهذا الرباط: هو الإسلام. وما أحسن قول القائل (١): أبي الإسلام لا أب لي سواه … إذا ما افتخروا بقيس أو تميم

стр. 4293

وقال اللَّه : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. فهذا هو الذي يجمع بيننا، وهو الذي جاء بالمسلمين من مشارق الأرض ومغاربها، من أمريكا، ومن أوروبا، ومن أقصى إفريقيا، ومن أواسطها، ومن آسيا، ومن كل جزء في هذه الدنيا إلى هذه الأماكن، والتقوا جميعًا على طاعة اللَّه . فينبغي أن يكون تفرقنا أيضًا على طاعة اللَّه ، وينبغي أن تتفرق أجسامنا وتبقى قلوبنا متصلة؛ كما كان السلف الصالح ﵃، ويأتي في مقدمة ذلك أصحاب رسول اللَّه ﷺ . * قوله: (وَالقَوْلُ الجُمْلِيُّ أَيْضًا فِي هَذَا المَوْضِعِ). يقصد المؤلف ﵀ بـ (القول الجملي): القول المجمل. * قوله: (يَنْحَصِرُ فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِهِ، وَفِي صِفَتِهِ، وَفِي وَقْتِهِ؛ فَأَمَّا كَوْنُ هَذَا الفِعْلِ مِنْ أَرْكانِ الحَجِّ، فَالأَصْلُ فِيهِ). نحن نعيش -بحمد اللَّه- في ذِكر اللَّه ؛ منذ أن نلف الإزار على صدورنا، ونطرح الرداء على أكتافنا، ونغطي به بقية البدن؛ من بطن، وصدر، وظهر؛ فننتقل من طاعة إلى طاعة، ومن ذكر إلى ذكر. فإننا نقول: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك" (١)؛ حيث نستمر نكرر هذه الكلمات. وفي عرفات نردد أيضًا قول: "لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له" (٢). وقبل ذلك ونحن على الصفا، وعلى المروة أيضًا.

стр. 4294

وعندما نقطع هذه التلبية نستبدلها بذكر اللَّه أيضًا؛ حيث نقول عند رمي كل جمرة: "اللَّه أكبر" (١). . . وهكذا نستمر في طاعة اللَّه فعلًا وقولًا وعملًا. فعلينا أن نأخذ الدروس العظيمة من هذا، وأن نكرر هذا الذكر؛ فربما تكون فرصة العمر؛ فلا يدري أحدنا هل يعيش إلى قابل أو لا؟ وقد قال اللَّه : ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]. فالحياة والموت بيد اللَّه . وقد قال اللَّه أيضًا: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. كل واحد منا سيموت مهما طال أجله، ومهما امتدت به هذا الحياة فإنه حتمًا سيموت؛ لكن أحسننا: "من طال عمره، وحسن عمله"؛ كما قال النبي ﷺ في الحديث (٢)، وإنما الأعمال بالخواتيم (٣)؛ فلتكن أعمالنا دائمًا طيبة، وفي طاعة اللَّه حتى نختم بذلك أعمالنا؛ لأنه قد تهاجمنا المنية (٤). وما أجمل أن يكون الإنسان في هذا الحج فهو به في طاعة اللَّه ؛ لأن الحج جهاد. ودليل ذلك: ما جاء في الحديث أن أم المؤمنين عائشة ﵂ لما

стр. 4295

سَألت رسول اللَّه ﷺ : هل على النساء من جهاد؟ قال: "جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة" (١). فالحج جهاد؛ فأنت تجاهد نفسك وتلزمها هذه الطاعة، لا لأجل أحد من الخلق؛ وإنما استجابة لدعوة اللَّه . فقد أمرنا بذكره في قوله : ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]. * قوله: (قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]). بداية هذه الآية: هي كما قال اللَّه : ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٨، ١٩٩]. فحن نذكر اللَّه ؛ فقد هيأ لنا الوقوف بعرفات، وجمعنا على محبته، على هذا الصعيد الطيب، ووفقنا أيضًا بأن أتم علينا هذا الوقوف، ويسر لنا أن نصل إلى هذا الجمع. * قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ بَاتَ بِالمُزْدَلِفَةِ لَيْلَةَ النَّحْرِ، وَجَمَعَ فِيهَا بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ مَعَ الإِمَامِ، وَوَقَفَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ إِلَى الإِسْفَارِ بَعْدَ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ: أَنَّ حَجَّهُ تَامٌّ) (٢).

стр. 4296

نعلم: أن رسول اللَّه ﷺ توقف بعد خروجه مفيضًا إلى المزدلفة، وأنه ﷺ عندما انصرف من عرفات كانت الشمس قد غربت (١). ونعلم أيضًا: أن دخول وقت المغرب إنما يبدأ بعد غروب الشمس (٢)؛ فإذا غربت الشمس فهذه هي بداية صلاة المغرب. ومع ذلك نرى أن رسول اللَّه ﷺ سار بسكينة، وكان يحض الناس على ذلك؛ فيقول: "أيها الناس، عليكم السكينة! " (٣). فهذا هو قول رسول اللَّه ﷺ والذي هو أسوتنا وقدوتنا، والذي يجب أن تكون أعمالنا على وقق منهجه ﷺ ؛ امتثالًا لأمر اللَّه ؛ حيث قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١]. ثم وصل رسول اللَّه ﷺ إلى المزدلفة، والمزدلفة (٤): تُسمَّى أيضًا بالمشعر الحرام، وهي المقر الثاني، أو المشعر الثاني من أعمال الحج؛ فالحاج يبدأ بعرفات، ثم بعد ذلك يحث رحله إلى المزدلفة أو المشعر

стр. 4297

الحرام أو جمع؛ فكل هذه الأسماء الثلاثة: تطلق على مكان واحد. ولما وصل رسول اللَّه ﷺ إليها صلى بالناس صلاة المغرب، وبعد أن فرغ حط الناس رحالهم (١)؛ أي: أنزلوا ما على رحالهم (٢)، ونعلم أن الرحال في ذلك الوقت إنما كانت الإبل والجمال، ولم يكن يوجد شيء مما يسره اللَّه لنا الآن من سيارات وقاطرات - ثم صلى بهم رسول اللَّه ﷺ صلاة العشاء (٣). وقد جمع رسول اللَّه ﷺ بمن معه من المسلمين بين المغرب والعشاء جمع تأخير (٤). ونعلم أن صلاة المغرب لا تقصر، وكذلك صلاة الفجر (٥)، إنما الصلوات الذي تقصر هي صلاة العشاء، وكذلك صلاتي الظهر والعصر (٦).

стр. 4298

ثم بعد ذلك بات رسول اللَّه ﷺ (١)، وليس ذلك المبيت شرطًا؛ فلو قضى إنسان ليلته في ذكر اللَّه وفيما ينفع؛ فإنه بذلك لم يقع في مخالفة. لكن الأولى -والحاج في عبادة تلو عبادة- ينبغي أن يجلس وينام؛ حتى يقوى على القيام مبكرًا؛ ليصلي صلاة الفجر في أول وقتها في ذلك الموضع من المزدلفة كما هو المشروع. وقد اختلف العلماء في المفاضلة بين صلاة الفجر لغلس -يعني: لظلمة-، أو يسفر بها؟ (٢). ولا شك أن رسول اللَّه ﷺ صلى صلاة الفجر في عموم الأحوال بغلس (٣)؛

стр. 4299

أي: بظلمة (١)، وأسفر (٢) بها أيضًا كذلك (٣). لكن كان آخر الأمرين من حال رسول اللَّه ﷺ هو التغليس بها؛ كما جاء في الحديث (٤). أما في المشعر الحرام هنا: فينبغي المبادرة بصلاة الفجر في أول وقتها (٥). فإذا ما صلى الناس صلاة الصبح جلسوا حتى وقت الإسفار، فإذا ما أسفر الجو جدًّا وبان النور وأصبح الإنسان يرى ما أمامه وما خلفه وما عن يمينه وما عن يساره - فحينئذٍ ينطلقون متجهين إلى منى، وهي التي يقيم فيها الحجاج أكثر مدة إقامتهم.

стр. 4300

ويشرع أيضًا كذلك الوقوف عند المشعر الحرام؛ وذلك لأن اللَّه قال في الآية الكريمة: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]. فقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ يعني: إثمًا. وقد مر بنا -في تفسير الجناح-: أنه كان من المسلمين من تحرج من الطواف بين الصفا والمروة، يوم أن كان يوجد بها صنم؛ فأنزل اللَّه : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]. فقوله تعالى: ﴿أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ يعني: ألا يطوف بهما (١). وبخصوص قوله هنا: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾: فقد فهم البعض منه (٢): أنه لا تقام أسواق، ولا تحصل هناك تجارة، ولا نحو ذلك؛ فبين اللَّه أن هذا الموسم وإن كان القصد منه العبادة، لكن ليس هناك ما يمنع من البيع والشراء وتبادل هذه الأمور؟ فأنزل هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. وقد قال اللَّه عن صلاة الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة: ١٠].

стр. 4301

فقوله : ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾؛ يعني: خرجتم منها -فالإفاضة: هي الانتقال-، واتجهتم إلى المزدلفة فينبغي أن تكونوا كما قال اللَّه : ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾. ومعنى ذلك: أي: اذكروه اللَّه ؛ فهو الذي هدانا فجعلنا مسلمين، وهذه نعمة عظيمة؛ بل هي أعظم نعمة على الإطلاق؛ فينبغي أن يرفع المسلم بها رأسه، وأن يمد بها صوته فيسأل اللَّه أن يختم له بصالح الأعمال. فنعمة الهداية للإسلام لا تفوقها نعمة قط. وإذا دخل المسلم الجنة فإنه يرى أنه لا سعادة بعد سعادته بدخولها؛ فتعقبها سعادة أعظم؛ وهي النظر إلى وجه اللَّه ، كما قال : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. وقوله : ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾؛ أي: للقيام بهذه المناسك؛ فهو الذي هدانا إلى معرفة هذه المناسك، وهو الذي أرشدنا إليها، وهو الذي وفقنا للوصول إلى هذه الأماكن الطاهرة، وهو الذي سيوفقنا بإذنه ومشيئته إلى أن نتم هذه المناسك براحة وطمأنينة وخشوع وذل واستسلام للَّه . فينبغي أن تكون أعمالنا كلها على وَفق أعمال رسول اللَّه ﷺ ، وأعمال أصحابه الكرام، والسابقين من هذه الأمة. وينبغي أن نكون مخلصين على مدار هذا النسك العظيم حتى نظفر (١) بخيري الدنيا والآخرة؛ فنعود إلى أوطاننا بتجارة لن تبور، فهذا هو المكسب، وهذه هي السعادة. ولنحذر كل الحذر من الرياء أو التباهي بالحج أو بالعمرة! فبعض

стр. 4302

الناس لما يرجع لبلده، يكتب على دكانه: الحاج فلان! يتفاخر بذلك ويتباهى بأنه حج! فهذا مما لا ينبغي؛ بل ينبغي أن نشكر اللَّه ، ولا نفتخر بأعمالنا؛ فإن الافتخار بها نوع من الرياء. فالواجب منا إذا عملنا عملًا: أن نخلص فيه لوجه اللَّه ، ولا نطلب الجزاء عليه إلا منه، ولا نسأل المغفرة إلا منه ، ولا نطلب التوبة إلا منه . ونحن نرى أن اللَّه ندما يمتن علينا بنعمة من النعم العظيمة يذكرنا بالتوبة والاستغفار؛ فهاهو يقول في هذه الآية الكريمة: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ [البقرة: ١٩٨، ١٩٩]. فالمسلم مهما قام به من أعمال، ومهما أحسن فيها صنعًا، ومهما أتبع النوافل بالنوافل والطاعات بالطاعات - فلن يصل إلى مُدٍّ مما فعله رسول اللَّه ﷺ ، ولا إلى معشاره، مع أن رسول اللَّه ﷺ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ كما قال اللَّه : ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]؛ ومع ذلك كان النبي ﷺ يقوم الليل يصلي؛ كما جاء في الحديث: فقيل له: يا رسول اللَّه، أليس اللَّه قد غفر لك ما تقدم من ذنبك، وما تأخر؟ فيقول: "أفلا أكون عبدًا شكورًا" (١). فكأن النبي ﷺ يريد أن يقول: إذا كان اللَّه قد غفر لي، وجعلني خاتم الأنبياء والمرسلين، وجعل أمتي أفضل الأمم جميعًا، وجعلني صاحب الحوض المورود، وصاحب الشهادة للأمة؛ أفلا أشكر اللَّه على هذا النعيم، وعلى هذا الفضل العظيم، وعلى هذا الجزاء الكبير؟! والشكر يأتي عن طريق هذه العبادة وهي قيام الليل التي يظهر فيها الخضوع والذل.

стр. 4303

وقد كان ﷺ أسعد ما يكون بإطلاق وصف العبودية على نفسه؛ لذلك نجد أن اللَّه ذكر هذا الوصف في موضع الثناء عليه ﷺ ؛ حيث قال : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]. ففي هذه المعجزة الخارقة للعادات التي كانت معروفة؟ يُسري (١) اللَّه بنبيه ﷺ من مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى ثم يعرج به إلى السماء. وقوله سبحانه: ﴿سُبْحَانَ﴾؛ أي: تنزه تعالى وتقدس. وقوله سبحانه: ﴿بِعَبْدِهِ﴾؛ أي: بنبيه محمد ﷺ . ولذلك كان ﷺ يقول: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابنَ مريم"، يعني: عيسى ابن مريم "إنما أنا عبد" فقير؛ "فقولوا: عبد اللَّه ورسوله" (٢). فينبغي: أن ننزل رسول اللَّه ﷺ المنزلة التى تليق به، وأن نحبه أكثر من أن نحب آباءنا وأبناءنا؛ بل وأنفسنا أيضًا. فقد جاء في الحديث: أن عمر ﵁ قال لرسول اللَّه ﷺ : واللَّه إنك لأحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي! فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا يا عمر"، فقال عمر: واللَّه الآن إنك لأحب إليَّ من نفسي! فقال رسول اللَّه ﷺ : "الآن يا عمر" (٣) (٤).

стр. 4304

وهذا لعظيم حقه علينا، فبه هدانا اللَّه من الضلالة، وبه فتح اللَّه قلوبًا غلفًا، وأعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وهو الذي سلك بنا طريق الرشاد، وأخذ بأيدينا إلى طريق النجاة طريق الجنة؛ والتي أعدها اللَّه لعباده المؤمنين. فهذه بعض الدروس المستفادة من أداء الحج، فلا ينبغي أن نفرط فيها. نقول: فلا ينبغي بعد أن نرجع لبلادنا بعد أن وفقنا اللَّه وهيأ لنا أداء هذا النسك أن نرجع مفتخرين مباهين؛ فيقول الواحد: أنا أديت الحج! كلا؛ بل ينبغي أن يقول بدل ذلك: الحمد للَّه الذي وفقني لأداء هذه النسك، وأن أسأل اللَّه أن يجعلني من المقبولين، وأن يرفعني به درجات عليا عنده في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى اللَّه بقلب سليم. * قوله: (وَأَنَّ ذَلِكَ الصِّفَةُ الَّتِي فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَاخْتَلَفُوا: هَلِ الوُقُوفُ بِهَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَالمَبِيتُ بِهَا مَنْ سُنَنِ الحَجِّ؟ أَوْ مِنْ فُرُوضِهِ؟). اختلف العلماء في المبيت بالمزدلفة (١):

стр. 4305

فبعضهم يقول: إنه ركن (١). واستدلوا على ذلك بما يلي: أولًا: من القرآن: قول اللَّه : ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ﴾ [البقرة: ١٩٨]. وجه الاستدلال: هذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب. ثانيًا: من السُّنة: حديث ابن مضرس؛ والذي بين فيه لرسول اللَّه ﷺ أنه ما ترك جبلًا إلا وقف عثده، وأنه مر بعرفة. . . إلى آخره، وفيه يقول النبي ﷺ : "من وقف معنا، وصلى صلاتنا هذه، وكان قد وقف من قبل بعرفات ليلًا أو نهارًا فقد تمَّ حجه" (٢).

стр. 4306

لكن من العلماء: من رأي أن المبيت بالمزدلفة واجب، وليس بركن (١). واستدلوا على ذلك بما يلي: قالوا: لأنه على القول بأنه ركن يعتبر حجُّ من لم يمر بها ولم يبت بها فاسدًا، مع أن هناك من العلماء من يقول: إن حجه سليم (٢). ونحن نقول: خير الأُمور الوسط، والذي تدل عليه الأحاديث: أنه واجب، ومن تركه: جبره بذلك. لكن رسول اللَّه ﷺ رخص لأصحاب الأعذار كالنساء، والعجزة، والسقاة في عدم المبيت (٣). فنرى الآن رجال الشرطة، وأصحاب المستشفيات الذي يقومون بخدمة الناس، كرجال الهلال الأحمر، ورجال الإطفاء، وغير ذلك؛ فهؤلاء جميعًا: أصحاب أعذار. وذلك لأنهم يقيمون على خدمة المسلمين، وتهيئة الجو المناسب لهم؛ فمثل هؤلاء يعذرون. لكن لو بات الإنسان إلى نصف الليل فهذا ليس عليه شيء، لكن الأولى والأحسن والأفضل اتباع سنة رسول اللَّه ﷺ بأن يبيت بها مطمئنًّا، ثم يستيقظ، ويصلي الفجر، ثم يدعو اللَّه عند المشعر الحرام؛ وإلا فكل مزدلفة مشعر، ثم إذا أسفر ينطلق مفيضا إلى منى. * قوله: (فَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ (٤): هُوَ مِنْ

стр. 4307

فُرُوضِ الحَجِّ، وَمَنْ فَاتَهُ، كَانَ عَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ، وَالهَدْيُ). قصدهم بالفرض هنا: الركن؛ لا الواجب المعروف. * قوله: (وَفُقَهَاءُ الأَمْصَارِ يَرَوْنَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فُرُوضِ الحَجِّ، وَأَنَّ مَنْ فَاتَهُ الوُقُوفُ بِالمُزْدَلِفَةِ، وَالمَبِيتُ بِهَا، فَعَلَيْهِ دَمٌ) (١). هذا القول في الحقيقة هو الألطف والأرأف، وهو الذي فيه مراعاة لأحوال الحجاج، وأما قولهم: عليه دم؛ فإن الأدلة لا تؤيد هذا القول! * قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ) (٢): إِنْ دَفَعَ مِنْهَا إِلَى بَعْدِ نِصْفِ اللَّيْلِ الأَوَّلِ وَلَمْ يُصَلِّ بِهَا، فَعَلَيْهِ دَمٌ).

стр. 4308

يرى الحنابلة (١): أنَّ له أنْ ينصرف بعد نصف الليل، ولا دم عليه. فنحن نعلم أن رسول اللَّه ﷺ رخص لبعض الناس في ذلك (٢)، ومن هنا أخذ بعض العلماء أنه -بعد أن يمضي نصف الليل- لا مانع من الانصراف. لكن الأولى: أن يبقى؛ خروجًا من الخلاف. * قوله: (وَعُمْدَةُ الجُمْهُور: مَا صَحَّ عَنْهُ: "أَنَّهُ ﷺ قَدَّمَ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ لَيْلًا؛ فَلَمْ يُشَاهِدُوا مَعَهُ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِهَا") (٣). المراد من قوله: "ضعفة أهله": النساء، وابن عباس ﵄، وأم سلمة ﵂؛ فقد ذهبت، ورمت، وطافت؛ وهذا كله واضح. ورخص رسول اللَّه ﷺ أيضًا للعباس بن عبد المطلب ﵁ (٤)، وهو كما نعلم عم رسول اللَّه ﷺ ؛ وذلك لأنه كان القائم على سقاية الحجاج، وهو لا يأخذ منهم شيئًا مقابل ذلك؛ بل كانوا يرون في ذلك شرفًا عظيمًا بأن يقدموا للحجاج ذلك. والآن نرى في وقتنا الحاضر هذا بحمد اللَّه : الدولة قد يسَّرت كل شيء للحجاج، من الخدمات التي تصل إلى الإنسان، في كل مكان، ونسأل اللَّه أن يثيب كل من قدم عملًا للإسلام في أيِّ مكان. * قوله: (وَعُمْدَةُ الفَرِيقِ الأَوَّلِ (٥): قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ

стр. 4309

المُضَرِّسٍ وَهُوَ حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ: "مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ"؛ يَعْنِي: صَلَاةَ الصُّبْحِ بِجَمْعٍ، "وَكَانَ قَدْ أَتَى قَبْلَ ذَلِكَ عَرَفَاتٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ (١) " (٢)). سبق أن قلنا: إنه ليس قصد المؤلف ﵀ بقوله: "وهو حديث متفق على صحته" أن الحديث في "الصحيحين"؛ لكن مراده أن العلماء اتفقوا على أنه حديث صحيح، وهذا يكفي. * قوله: (وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]). سبق أن بيَّنا أن الحاج يظل طول حجه في ذكر للَّه ، فالمسلم منذ أن يلبس الإحرام -الإزار والرداء- وهو في ذكر اللَّه ؛ في تهليل، وفي تسبيح، وفي تكبير، وفي قراءة للقرآن، وفي دعاء؛ فلا ينبغي للمسلم: أن ينفك عن ذلك؛ لأن الدعاء هو العبادة؛ كما جاء في الحديث (٣)، فلو أخلص العبد فيه؛ فإنه بذلك ينال أجرًا عظيمًا. * قوله: (وَمِنْ حُجَّةِ الفَرِيقِ الأَوَّلِ: أَنَّ المُسْلِمِينَ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى تَرْكِ الأَخْذِ بِجَمِيعِ مَا فِي هَذَا الحَدِيثِ). الزعم بأن المسلمين قد أجمعوا على ترك الأخذ بجميع ما في هذا الحديث - أمر غير مسلَّم؛ وذلك من وجهين: الوجه الأول: هذا الحديث اشتمل على الوقوف بعرفة، وهو أمر

стр. 4310

متعين، وتشهد له الأحاديث الأُخرى؛ كالحديث الذي قال فيه النبي ﷺ : "الحج عرفة" (١). الوجه الثاني: وأما الوقوف بالمزدلفة؛ فقد وقف رسول اللَّه ﷺ بها، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم" (٢)، وفي لفظ: "خذوا" (٣). * قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِالمُزْدَلِفَةِ لَيْلًا، وَدَفَعَ مِنْهَا إِلَى قَبْلِ الصُّبْحِ، أَنَّ حَجَّهُ تَامٌّ (٤) "). نعم هذا قول أكثر العلماء (٥): أنه لو بات أكثر الليل فإن ذلك يكفيه.
следующие страницы →