← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

لكن من العلماء: من رأي أن المبيت بالمزدلفة واجب، وليس بركن (١). واستدلوا على ذلك بما يلي: قالوا: لأنه على القول بأنه ركن يعتبر حجُّ من لم يمر بها ولم يبت بها فاسدًا، مع أن هناك من العلماء من يقول: إن حجه سليم (٢). ونحن نقول: خير الأُمور الوسط، والذي تدل عليه الأحاديث: أنه واجب، ومن تركه: جبره بذلك. لكن رسول اللَّه ﷺ رخص لأصحاب الأعذار كالنساء، والعجزة، والسقاة في عدم المبيت (٣). فنرى الآن رجال الشرطة، وأصحاب المستشفيات الذي يقومون بخدمة الناس، كرجال الهلال الأحمر، ورجال الإطفاء، وغير ذلك؛ فهؤلاء جميعًا: أصحاب أعذار. وذلك لأنهم يقيمون على خدمة المسلمين، وتهيئة الجو المناسب لهم؛ فمثل هؤلاء يعذرون. لكن لو بات الإنسان إلى نصف الليل فهذا ليس عليه شيء، لكن الأولى والأحسن والأفضل اتباع سنة رسول اللَّه ﷺ بأن يبيت بها مطمئنًّا، ثم يستيقظ، ويصلي الفجر، ثم يدعو اللَّه عند المشعر الحرام؛ وإلا فكل مزدلفة مشعر، ثم إذا أسفر ينطلق مفيضا إلى منى. * قوله: (فَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ (٤): هُوَ مِنْ

стр. 4307

فُرُوضِ الحَجِّ، وَمَنْ فَاتَهُ، كَانَ عَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ، وَالهَدْيُ). قصدهم بالفرض هنا: الركن؛ لا الواجب المعروف. * قوله: (وَفُقَهَاءُ الأَمْصَارِ يَرَوْنَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فُرُوضِ الحَجِّ، وَأَنَّ مَنْ فَاتَهُ الوُقُوفُ بِالمُزْدَلِفَةِ، وَالمَبِيتُ بِهَا، فَعَلَيْهِ دَمٌ) (١). هذا القول في الحقيقة هو الألطف والأرأف، وهو الذي فيه مراعاة لأحوال الحجاج، وأما قولهم: عليه دم؛ فإن الأدلة لا تؤيد هذا القول! * قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ) (٢): إِنْ دَفَعَ مِنْهَا إِلَى بَعْدِ نِصْفِ اللَّيْلِ الأَوَّلِ وَلَمْ يُصَلِّ بِهَا، فَعَلَيْهِ دَمٌ).

стр. 4308

يرى الحنابلة (١): أنَّ له أنْ ينصرف بعد نصف الليل، ولا دم عليه. فنحن نعلم أن رسول اللَّه ﷺ رخص لبعض الناس في ذلك (٢)، ومن هنا أخذ بعض العلماء أنه -بعد أن يمضي نصف الليل- لا مانع من الانصراف. لكن الأولى: أن يبقى؛ خروجًا من الخلاف. * قوله: (وَعُمْدَةُ الجُمْهُور: مَا صَحَّ عَنْهُ: "أَنَّهُ ﷺ قَدَّمَ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ لَيْلًا؛ فَلَمْ يُشَاهِدُوا مَعَهُ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِهَا") (٣). المراد من قوله: "ضعفة أهله": النساء، وابن عباس ﵄، وأم سلمة ﵂؛ فقد ذهبت، ورمت، وطافت؛ وهذا كله واضح. ورخص رسول اللَّه ﷺ أيضًا للعباس بن عبد المطلب ﵁ (٤)، وهو كما نعلم عم رسول اللَّه ﷺ ؛ وذلك لأنه كان القائم على سقاية الحجاج، وهو لا يأخذ منهم شيئًا مقابل ذلك؛ بل كانوا يرون في ذلك شرفًا عظيمًا بأن يقدموا للحجاج ذلك. والآن نرى في وقتنا الحاضر هذا بحمد اللَّه : الدولة قد يسَّرت كل شيء للحجاج، من الخدمات التي تصل إلى الإنسان، في كل مكان، ونسأل اللَّه أن يثيب كل من قدم عملًا للإسلام في أيِّ مكان. * قوله: (وَعُمْدَةُ الفَرِيقِ الأَوَّلِ (٥): قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ

стр. 4309

المُضَرِّسٍ وَهُوَ حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ: "مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ"؛ يَعْنِي: صَلَاةَ الصُّبْحِ بِجَمْعٍ، "وَكَانَ قَدْ أَتَى قَبْلَ ذَلِكَ عَرَفَاتٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ (١) " (٢)). سبق أن قلنا: إنه ليس قصد المؤلف ﵀ بقوله: "وهو حديث متفق على صحته" أن الحديث في "الصحيحين"؛ لكن مراده أن العلماء اتفقوا على أنه حديث صحيح، وهذا يكفي. * قوله: (وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]). سبق أن بيَّنا أن الحاج يظل طول حجه في ذكر للَّه ، فالمسلم منذ أن يلبس الإحرام -الإزار والرداء- وهو في ذكر اللَّه ؛ في تهليل، وفي تسبيح، وفي تكبير، وفي قراءة للقرآن، وفي دعاء؛ فلا ينبغي للمسلم: أن ينفك عن ذلك؛ لأن الدعاء هو العبادة؛ كما جاء في الحديث (٣)، فلو أخلص العبد فيه؛ فإنه بذلك ينال أجرًا عظيمًا. * قوله: (وَمِنْ حُجَّةِ الفَرِيقِ الأَوَّلِ: أَنَّ المُسْلِمِينَ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى تَرْكِ الأَخْذِ بِجَمِيعِ مَا فِي هَذَا الحَدِيثِ). الزعم بأن المسلمين قد أجمعوا على ترك الأخذ بجميع ما في هذا الحديث - أمر غير مسلَّم؛ وذلك من وجهين: الوجه الأول: هذا الحديث اشتمل على الوقوف بعرفة، وهو أمر

стр. 4310

متعين، وتشهد له الأحاديث الأُخرى؛ كالحديث الذي قال فيه النبي ﷺ : "الحج عرفة" (١). الوجه الثاني: وأما الوقوف بالمزدلفة؛ فقد وقف رسول اللَّه ﷺ بها، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم" (٢)، وفي لفظ: "خذوا" (٣). * قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِالمُزْدَلِفَةِ لَيْلًا، وَدَفَعَ مِنْهَا إِلَى قَبْلِ الصُّبْحِ، أَنَّ حَجَّهُ تَامٌّ (٤) "). نعم هذا قول أكثر العلماء (٥): أنه لو بات أكثر الليل فإن ذلك يكفيه.

стр. 4311

وكذلك الحال بالنسبة للمبيت بمنى -كما سيأتي-، وإن كان المبيت بمنى أخف من المبيت بالمزدلفة؛ لأنه ما قال أحد من العلماء بأن المبيت بها ركن (١)، وإنما منهم من قال بأنه واجب (٢)، ومنهم من قال بأنه سنة (٣). * قوله: (وَكَذَلِكَ: مَنْ بَاتَ فِيهَا، وَنَامَ عَنِ الصلَاةِ، وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا (٤) عَلَى أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ بِالمُزْدَلِفَةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ أَنَّ حَجَّهُ تَامٌّ، وَفِي ذَلِكَ أَيْضًا مَا يُضْعِفُ احْتِجَاجَهُمْ بِظَاهِرِ الآيَةِ). مراد المؤلف ﵀ بذلك: أن مجرد الوقوف بالمزدلفة -وإن لم يذكر الإنسان فيه ربه ، أو حتى لو نام عن الصلاة فإن هذا يكفيه، ويكون حَجُّهُ تَامًّا، وهو بذلك يكون قد وقف بها، ولكن من فعل هذا يفوِّت على نفسه الثواب والفضل، والمسلم حريص على أن يجني ثمار هذا الموقف.

стр. 4312

* قوله: (وَالمُزْدَلِفَةُ وَجَمْعٌ: هُمَا اسْمَانِ لِهَذَا المَوْضِعِ). يعني: يقال لها: المزدلفة، ويقال لها أيضًا: جَمْع، ويقال لها أيضًا: المشعر الحرام. * قوله: (وَسُنَّةُ الحَجِّ فِيهَا كَمَا قُلْنَا: أَنْ يَبِيتَ النَّاسُ بِهَا، وَيَجْمَعُوا بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ فِي أَوَّلِ وَقْتِ العِشَاءِ، وَيُغَلِّسُوا بِالصُّبْحِ فِيهَا). إن علة الجمع بين المغرب والعشاء في أول وقت العشاء: أن ينام الناس ويرتاحوا، ويقوموا مبكرين لأداء صلاة الصبح، ثم يتفرغوا بعد ذلك لدعاء اللَّه وذكره عند المشعر الحرام؛ استجابة منهم لقوله : ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾. [القَوْلُ فِي رَمْيِ الجِمَارِ] المؤلف ﵀ قفز؛ فلم يبين لنا غير قوله : ﴿. . . فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٨، ١٩٩]. فهناك إفاضة أُخرى من المزدلفة إلى عرفة، وهي في مكان يعرف بوادي محسِّر (١). ولما وصل رسول اللَّه ﷺ ومن معه، إلى هذا الوادي حض المسلمين على الإسراع (٢)، وقد اختلف العلماء في سبب ذلك على أقوال؟

стр. 4313

القول الأول (١): أن الوادي كان رقيقًا. ونحن نعلم أنه عندما يكون المكان رمليًّا فإن الإنسان يشد على الدواب، بل حتى السيارات تحتاج أيضًا إلى سرعة حتى لا تتوقف وتتعطل في الرمال. القول الثاني (٢): من العلماء من قال: بل إن السبب في ذلك أن هذا الوادي هو الذي عذب اللَّه فيه أصحاب الفيل، وهم الذين أرادوا هدم الكعبة وحمل حجارتها -كما هو معلوم-؛ وقد قال اللَّه عن عذابهم: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ [الفيل: ٣ - ٥]؛ قالوا: فهذا موضع العذاب، والمسلم ينبغي إذا مر بمثل هذه الأماكن أن يسرع؛ كما جاء في الحديث الأمر بذلك أيضًا عند المرور ببلاد ثمود؛ فالإنسان المسلم لا يدخلها إلا باكيًا (٣)؛ يعني: من خشية اللَّه لأن هؤلاء أقوام قد عذبهم اللَّه . فالإنسان يأخذ الدرس من هذه المواقف؛ فلا ينبغي أن يكون في هذه الأماكن ضاحكًا أو مستهزئًا، لا يخاف من اللَّه ، مغترًّا بأن اللَّه رؤوف رحيم!

стр. 4314

فبعض الناس نسمعه يقول: اللَّه رؤوف رحيم، ويستقر هذا في قلبه؟ فنقول له: لكن لا يعني هذا أنك لا تخاف منه! بل لا تنسى أنه شديد العقاب أيضًا. وقد جمع اللَّه بين الأمرين في قوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾ [غافر: ٣]. فمردُّ الأُمور ومصيرها إلى اللَّه ؛ فينبغي أن يكون سير المسلم، في خطين متوازيين بين الخوف وبين الرجاء، فلا يغلب الخوف فيضعف جانب الرجاء، ولا الرجاءَ فيتساهل في الخوف فيقع في الذنوب! فعلى المسلم دائمًا أن يُحسن، ولا ييأس من رحمة اللَّه فقد قال : ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦)﴾ [الحجر: ٥٦]. قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وَأَمَّا الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَهَا، فَهُوَ رَمْيُ الجِمَارِ). إذا ما انتهى الإنسان مما سبق فعليه أن يصل بعد ذلك إلى منى، وقد سميت منى بذلك لكثرة ما يمنى فيها من الدماء؛ أي: يسفك فيها من الدماء (١). لكن هذه الدماء التي تسفك وتُسال هنا إنما هي طاعة للَّه ، وقربة إليه، وهي من أحب الأعمال إلى اللَّه ؛ كما جاء في الحديث: "ما من عمل أحب إلى اللَّه : من أن يسفك المسلم فيه دمًا من الدماء المباحة" (٢).

стр. 4315

فالتقرب إلى اللَّه تعالى بهذه الدماء هو من أجَلِّ القربات. ولو أن إنسانًا ذبح كبشًا، يتقرب به إلى غير اللَّه لَكَفر بذلك. ونعلم قصة الذين قالوا للرجل: "قرِّب ولو ذبابة؟ " (١) ونتيجة ذلك! فلنحذر أن نقع في أمر من هذه الأُمور المحرمة؛ فنجد أحدهم يتوسل بالولي فلان! أو بالبدوي أو الرفاعي أو غير هؤلاء! نقول: ليس في هذه الدنيا إلا رب واحد؛ وهو اللَّه الرحمن الرحيم؛ كما قال : ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]. فاللَّه قيوم السموات والأرض، وهو كما قال عنه نفسه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]. وقبلك أيها المؤمن -كما جاء في الحديث-: "بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلبهما كيف يشاء" (٢).

стр. 4316

فلنحذر غضب اللَّه ، ولنقبل عليه بقلوب خاشعة، ذليلة، مستسلمة، مستكينة لقضاء اللَّه ، ولنكن كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. فقوله تعالى: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يعني: يرفعهم اللَّه درجات في الجنة، ويضاعف لهم الحسنات، ويكفر أيضًا عنهم ذنوبهم وسيئاتهم. وقوله تعالى: ﴿وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ يعني: في هذه الدنيا، وسعادة ونجاة في الآخرة. فلنحرص كل الحرص ألا نضيع أوقاتنا فيما يغضب اللَّه ، وكثير منا قد لاح الشيب بعارضيه! فينبغي أن نخشى اللَّه ، فقد مدح اللَّه من يخشاه بقوله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩]. وقال في حق عباده المؤمنين أيضًا: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ [آل عمران: ١٧٣، ١٧٤]. * قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ المُسْلِمِينَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ "وَقَفَ بِالمَشْعَرِ الحَرَامِ (وَهِيَ المُزْدَلِفَةُ) بَعْدَمَا صَلَّى الفَجْرَ، ثُمَّ دَفَعَ مِنْهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى مِنًى (١)، وَأَنَّهُ فِي هَذَا اليَوْمِ (وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ) رَمَى

стр. 4317

جَمْرَةَ العَقَبَةِ مِنْ بَعْدِ طُلُوعِ الشَّمْسِ" (١)). المسلم إذا وصل إلى منى فإن أول عمل يقوم به هو رمي جمرة العقبة المعروفة، وسميت جمرة العقبة (٢) بهذا الاسم لوجود عقبة فيها وهي جبل. وقد كان هذا المكان موضع ازدحام، ويتأثر المسلمون به، وربما سقط بعض الناس فيه، وقد تذهب أنفس أيضًا؛ فلأجل مَنْع ذلك قام القائمون على أمر هذه الدولة -جزاهم اللَّه خيرًا- على تهيئة الأمر، وصار الرمي من بطن الوادي، ومن أعلى. وكان عمر ﵁ (٣) قد رمى كذلك من الأعلى؛ فكانت سُنَّة. ولكن الأفضل (٤) أن تكون مكة عن يسار الرامي، ومنى عن يمينه؛

стр. 4318

فيكون ذلك من بطن الوادي؛ فإن هذا هو الأفضل (١)، لكن لو رمي من أي مكان تيسر له فلا حرج. ورمي جمرة العقبة يكون بسبع حصيات كحصى الخذف (٢)؛ يعني أن تكون الحصاة أكبر من الحِمِّص -وكلنا نعرف الحمص- وأصغر من البندق -ونحن نعرف البندق أيضًا-؛ يعني: أن تكون الحصاة بينهما. وينبغي أن تكون الحصيات معتدلات. وينبغي أن تكون: من الحجارة؛ فلا يأخذ خشبة ويرمي بها! أو قطعة قماش، أو غير ذلك من الأمور! ولو وجد قطعة من بلاط مثلًا وفيها حصى، أو قطعة من إسفنج وفيها حصى فلا حرج من أن يعتد بذلك في الرمي. وينبغي أن يكون مقر هذه الحصيات هو الحوض؛ فلو ضرب الشخص بحصاة وخرجت إلى الخارج فلا تعتبر هذه واحدة. ولا ينبغي لك أن تأخذها وتلقيها بيدك؛ بل ترمي بها اقتداء برسول اللَّه ﷺ ؛ فإنه كما في الحديث: "كان يرفع يده؛ حتى يُرى بياض إبطيه -يعني: إبطه الأيمن- وهو يرمي" (٣). وكان رسول اللَّه ﷺ يلبي حين يأتي عند جمرة العقبة.

стр. 4319

وكان يكبِّر كلما رمى حصاة؛ قائلًا: "اللَّه أكبر" (١). ورمي جمرة العقبة يكون في اليوم الأول من أيام العيد؛ وهو يوم النحر. ثم بعد ذلك ينحر الحاج إن كان متمتعًا أو قارنًا، ثم يحلق شعره أو يقصره. ثم في ضحى ذلك اليوم يفيض إلى مكة؛ أي: ينزل، فيطوف طواف الإفاضة، والذي هو ركن من أركان الحج، ولا يسقط بتركه سهوًا ولا عمدًا. وفي اليوم الثاني يبدأ الحاج الرمي من بعد الزوال؛ فيرمي الجمرات الثلاث. ولا يبدأ من العقبة؛ بل يبدأ من الصورة التي تلي مسجد الخيم، فيرميها بسمبع حصيات -وهي التي وصفنا سابقًا-. ثم يتأخر قليلًا، ويقف فترة؛ فيدع اللَّه ، ويسأله الهداية. ثم بعد ذلك ينتقل إلى الجمرة الوسطى؛ فيرميها أيضًا بسبع حصيات. ثم بعد ذلك يذهب إلى جمرة العقبة، فيرميها. وكذلك الأمر بالنسبة لليوم الثالث فيرمي على هذا النسق، بعد الزوال؛ فإن لم يتمكن فله أن يرمي بعد العصر، فإن لم يستطع فله أن يرمي في الليل أيضًا. وقد خالف بعض العلماء في (٢) جواز الرمي في الليل، وقالوا: بل يؤخره إلى اليوم الثاني، ولا يرمي بالليل. نقول: لا يوجد هناك دليل صريح على المنع.

стр. 4320

وينبغي أن نحذر من أن نرمي قبل الزوال، -وإن خالف الحنفية في ذلك (١) -؛ فالرسول ﷺ رمى في وقت معين (٢)، وقد قال ﷺ لأمته: "خذوا عني مناسككم" (٣). وقال النبى ﷺ أيضًا: "إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، ورمي الجمار؛ لإقامة ذكر اللَّه ﷺ " (٤). وقوله: "إنما جعل الطواف بالبيت"، يعني: بالبيت العتيق، وهو الكعبة. وقوله: "الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة"؛ أي: السعي بين الصفا والمروة. وقوله: "لإقامة ذكر اللَّه ": فهذه المشاعر طُلب منا أن نقوم بها؛ لنقيم ذكر اللَّه ، ولنحافظ عليه. وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يزال لسانك رطبًا بذكر اللَّه" (٥). فلو أردت أن تكون دائمًا على الطاعة فلتعود لسانك ذكر اللَّه ، وأكثر من ذلك، وكرره. ونضرب لذلك مثالا فنقول: قال اللَّه : ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا

стр. 4321

إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣]؛ فإذا لم يتعجل الإنسان فلا مانع من أن يتأخر، ويبقى لليوم الثالث عشر من شهر ذي الحجة؛ لأنه يكون في ذكر اللَّه وطاعته. أما لو أنه قد غربت عليه شمس اليوم الثاني من أيام التشريق -والذي هو ثالث أيام العيد، وهو اليوم الثاني عشر من شهر ذي الحجة- فإنه يلزمه أن يبيت في اليوم الثاني. وكل مناسك الحج -كما قلنا سابقًا- تشتمل على ذكر اللَّه ؛ من التهليل والتكبير، وغير ذلك. وقوله تعالى: ﴿لِمَنِ أتَقَى﴾ مهو هي دعوة لأن نحقق التقوى، وكلنا نريد ذلك. * قوله: (وَأَجْمَعَ المُسْلِمُونَ (١) أَنَّ مَنْ رَمَاهَا فِي هَذَا اليَوْمِ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ -أَعْنِي: بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى زَوَالِهَا- فَقَدْ رَمَاهَا فِي وَقْتِهَا). ننبه إلى أن المبيت في منى مطلوب. والعلماء مختلفون فيه: - فمنهم (٢) من يرى أنه واجب.

стр. 4322

- ومنهم (١) من يرى أنه سنة. والذين يرون أنه واجب دليلهم أقوى؛ وذلك لأن رسول اللَّه ﷺ بات بها، وقال ﵊: "لتأخذوا عني مناسككم" (٢). ومن لم يبت بمنى أصلًا فإن عليه دمًا، أما لو بات بها ليلة وترك ليلة فهذا يقدم أيَّ شيء للَّه ، واللَّه يغفر له إن شاء. لكن قد يسأل سائل فيقول: قد امتلأت منى فأين أبيت؟ نقول: إذا انتهت منى فيبقى امتدادها؛ فقف في المكان الذي تصل إليه، وابقَ، ولا تكون مخالفًا بذلك. وللحاج أن ينتقل، وأن يجلس أيضًا فترة من الليل؛ حتى يخرج من الخلاف في هذه المسألة. فهذه أُمور ميسرة للحاج وللَّه الحمد، وليست شديدة، فلو بقي من جهة وادي محسر، أو من جهة مكة فلا حرج. لكن لا يقول الإنسان: واللَّه منى زحمة لن أذهب لهناك! ويجلس

стр. 4323

عند المكيفات، ويرتاح بمكة، أو الطائف، أو في قرية من القرى، ثم يأتي بعد ذلك لرمي الجمرات! نقول: القضية ليست مجرد نسك يؤدى فقط؛ بل القضية عبادة ينبغي أن تؤدى كما أداها رسول اللَّه ﷺ أيضًا؛ ولذلك نرى أن من العلماء مَن قال: من أهل مكة؛ حتى يلحقهم ما يلحق المسافر من المشقة، ومن الشعث. ولذلك قال رسول اللَّه ﷺ عن هذا الأشعث: "رب أشعث أغبر لو تمنَّى على اللَّه لأبره" (١). فالعبرة عند اللَّه ليس بمقياس الدنيا؛ بل إنه ينظر إلى قلوبنا، وقد قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]؛ فقد نجد إنسانًا عنده من المال الشيء الكثير، ومن الصحة، ومن السلطة، وغيرها؛ لكنه لا يمشي في طاعة اللَّه تعالى، ونجد إنسانًا ضعيف البنية، فقيرًا، قد يحقره الناس إذا رأوه؛ لكنه كما قال رسول اللَّه ﷺ : "رب أشعث أغبر لو تمنَّى على اللَّه تعالى لأبرَّه" (٢)، يعني: لو طلب من اللَّه شيئًا، وأقسم على اللَّه تعالى لَبَرَّ اللَّه قسمه؛ لأنه وقف حياته في طاعة اللَّه وفي مرضاة اللَّه . * قوله: (وَأَجْمَعُوا (٣) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَرْمِ يَوْمَ النَّحْرِ، مِنَ الجَمَرَاتِ غَيْرَهَا). نعم، لم يرم ﷺ يوم النحر غيرها، وهذا هو المطلوب منا. والمطلوب منا في هذا اليوم أربعة أعمال -وليس عملًا واحدًا-؛ وهي:

стр. 4324

العمل الأول: رمي جمرة العقبة الأُولى. العمل الثاني: الهدي؛ يعني: ذبح الهدي، وذلك في حق من وجب عليه. العمل الثالث: كذلك الحلق للشعر، أو التقصير. العمل الرابع: كذلك أيضًا طواف الإفاضة. وللحاج أن يؤخر هذه الأشياء؛ وذلك لأن رسول اللَّه ﷺ ما سُئل عن شيء في الحج؟ إلا قال: "افعل ولا حرج" (١). وهذا من تيسير اللَّه على هذه الأمة، وللَّه الحمد. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ (٢): لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ لِأَحَدٍ أَنْ يَرْمِيَ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ، فَإِنْ رَمَاهَا قَبْلَ الفَجْرِ أَعَادَهَا). نقول: قد ثبت في الحديث: "أن أم المؤمنين أم سلمة زوجة رسول اللَّه ﷺ رمت، ثم عادت فصلت" (٣)، لكن هل هذا خاص بالضعفة -يعني: العاجزين الذين تلحقهم مضرة-.

стр. 4325

نقول: بل ثبت هذا من حيث الأصل؛ ولذا قال بعض العلماء بالجواز (١)، لكن الأولى والأفضل -على القول بالجواز- هو أن ترمي بعد طلوع الشمس. * قوله: (وَبِهِ قَالَ: أَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَسُفْيَانُ (٣)، وَأَحْمَدُ). الإمام أحمد قال ذلك في رواية (٤)، لكن المشهور عن الإمام أحمد أنه يجوز (٥). * قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ المُسْتَحَبُّ هُوَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ).

стр. 4326

هذا قول الإمام الشافعي (١)، والإمام أحمد في الرواية الأُخرى، وهي الرواية المشهورة (٢). فللحاج أن يرمي جمرة العقبة قبل طلوع الفجر، بناءً على هذا القول، لكنه يكون بذلك: قد ترك الأفضل. ولسنا بحاجة لأنْ نقع في الخلاف؛ بل علينا أن نتجنب كل موضع فيه اختلاف؛ فالحج صفقة العمر -كما يقولون-. فالإنسان عندما يغامر في قضية تجارة، فربما يكسب فيها ربحًا عظيمًا؛ فيقول: هذه صفقة العمر؛ فالحج كذلك بل فوق ذلك؛ فهو صفقة العمر التي لا تنتهي، لكونه يتعلَّق بمصير العبد في الدنيا وفي الآخرة أيضًا؛ فلا ينبغي التساهل فيه، واللَّه أعلم. * قوله: (فَحُجَّةُ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ: فِعْلُهُ ﷺ مَعَ قَوْلِهِ: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" (٣)، وَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدَّمَ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ، وَقَالَ: "لَا تَرْمُوا الجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ" (٤)، وَعُمْدَةُ مَنْ جَوَّزَ رَمْيَهَا قَبْلَ الفَجْرِ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ. . خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ). بالفعل رواه أبو داود وغيره، وهو حديث صحيح (٥).

стр. 4327

* قوله: (وَهُوَ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ "أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأُمِّ سَلَمَةَ يَوْمَ النَّحْرِ، فَرَمَتِ الجَمْرَةَ قَبْلَ الفَجْرِ، وَمَضَتْ، فَأَفَاضَتْ، وَكَانَ ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي يَكُونُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَهَا". وَحَدِيثُ أَسْمَاءَ: "أَنَّهَا رَمَتِ الجَمْرَةَ بِلَيْلٍ، وَقَالَتْ: إِنَّا كُنَّا نَصْنَعُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ "). هذا الحديث أيضًا صح عنه؛ فقد جاء بسند صحيح عند بعض أصحاب السنن، وفي غيرها (١). إذن؛ فقد ثبت هذا الأمر، وذاك أيضًا، فلا نتعمق في الإنكار على المخالف. * قوله: (وَأَجْمَعَ العُلَمَاءُ (٢): أَنَّ الوَقْتَ المُسْتَحَبَّ لِرَمْيِ جَمْرَةِ العَقَبَةِ هُوَ مِنْ لَدُنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى وَقْتِ الزَّوَالِ، وَأَنَّهُ إِنْ رَمَاهَا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، أَجْزَأَ عَنْهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (٣)؛ إِلَّا مَالِكًا،

стр. 4328

فَإِنَّهُ قَالَ: أَسْتَحِبُّ لَهُ أَنْ يُرِيقَ دَمًا) (١). هذا القول للإمام مالك ليس عليه دليل في حقيقة الأمر! ونحن نرى الآن كثرة المسلمين، والزحام، ونرى الناس يتجمعون في مثل هذه الأوقات، وكذلك وقت الزوال؛ فالذي يتأخر بالنسبة للأيام يجد سعة من الوقت، وقس على هذا. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا: فِيمَنْ لَمْ يَرْمِهَا حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، فَرَمَاهَا مِنَ اللَّيْلِ، أَوْ مِنَ الغَدِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ دَمٌ (٢). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣): إِنْ رَمَى مِنَ اللَّيْلِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَخَّرَهَا إِلَى الغَدِ فَعَلَيْهِ دَمٌ).

стр. 4329

وكذلك الإمام أحمد (١) يقول بهذا، وهذا هو الصحيح. فلو أخرَّها إلى الليل، أو حتى رماها من الغد فلا شيء عليه. ونحن نعلم أن هذه الشريعة بنيت على أُصول؛ منها: رفع الحرج، والتيسير على الناس (٢)؛ وهذا من التيسير على الناس ولا سيما في هذه المواقف؛ فلا تخفى الآن كثرة الحجاج، وتواردهم، وازدحامهم في هذه المواقف؛ فينبغي أن نأخذ بما جاء في هذه الشريعة من تيسير. ولا نعني بهذا أن نأخذ بالتيسير في كل أمر من الأمور؛ حتى تلك التي لا نجد فيها مشقة؛ بل نأخذ بالتيسير عند الضرورة، وعند الحاجة، واللَّه أعلم. * قوله: (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ (٣) وَالشَّافِعِيُّ (٤): لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِنْ أَخَّرَهَا إِلَى اللَّيْلِ، أَوْ إِلَى الغَدِ). وهذا القول -إن شاء اللَّه هو الصواب، وهو الأرجح، وهو الذي يلتقي مع روح الشريعة الإسلامية.

стр. 4330

* قوله: (وَحُجَّتُهُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ لِرُعَاةِ الإِبِلِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ (١)، أَعْنِي: أَنْ يَرْمُوا لَيْلًا). نحن نعلم أن الرعاة وكذلك السقاة قد رُخص لهم في ذلك؛ وذلك لأن السقاة يخدمون الحجاج، والرعاة يقومون على رعاية الإبل، فلم تكن وقتها سيارات، وليست السيارات بحاجة لذلك. لكن لو وجدن نظائر لهؤلاء هم بحاجة للتيسير عنهم؛ فلا حرج في عدم مبيتهم في منى أو المزدلفة. وهؤلاء -كما قلنا- أمثال الذين يقومون على خدمة الحجاج، ويتابعون أمرهم؛ كبعض العاملين في الأوقاف، وفي الشرطة، وفي النجدة، وفي الهلال الأحمر، والكشافة، وغير ذلك. * قوله: (وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ السَّائِلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، رَمَيْتُ بَعْدَمَا أَمْسَيْتُ؟ قَالَ لَهُ: "لَا حَرَجَ" (٢)). هذا يدل على سماحة هذه الشريعة ويسرها، وأنها بُنيت على التخفيف؛ فكثيرًا ما يذكر اللَّه حكمًا ثم يتبعه بقوله : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]. وبقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقال اللَّه : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وقال اللَّه : ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦].

стр. 4331

وهذا من رحمة اللَّه بنا. * قوله: (وَعُمْدَةُ مَالِكٍ: أَنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ المُتَّفَق عَلَيْهِ الَّذِي رَمَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ السُّنَّةُ، وَمَنْ خَالَفَ سُنَّةً مِنْ سُنَنِ الحَجِّ، فَعَلَيْهِ دَمٌ؛ عَلَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَخَذَ بِهِ الجُمْهُورُ). مراده بأثر عبد اللَّه بن عباس ﵄ هذا هو قوله: "من ترك نسكًا فعليه دم"، وفي رواية: "أنه يريق دمًا" (١). يعني: يذبح. وهو أثر موقوف على ابن عباس ﵄؛ أي: هو قول له، وأما الحديث المرفوع إلى رسول اللَّه ﷺ في ذلك فضعيف (٢). فدليل هذه المسألة إذن هذا القول لهذا الصحابي؛ فهل نأخذ به؟ نقول: نعم، نأخذ به؛ لأننا ما وجدنا مَن خالفه من الصحابة ﵃، والصحابي لا يُقْدِم على قول مثل هذه الأقوال إلا وهو متأكد منه، فهذا القول لابن عباس ﵄ قد أخذ به العلماء، وقضوا به في كثير من مسائل الحج؛ فالذي لا يبيت بمنى عليه دم بالاستناد لهذا الأثر، وكذلك الذي يترك المبيت بالمزدلفة. . . وهكذا. فكثيرة هي الأحكام التي جعل العلماء أصلها وقاعدتها هذا الأثر.

стр. 4332

* قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ (١): وَمَعْنَى الرُّخْصَةِ لِلرُّعَاةِ: إِنَّمَا ذَلِكَ إِذَا مَضَى يَوْمُ النَّحْرِ، وَرَمَوْا جَمْرَةَ العَقَبَةِ، ثُمَّ كَانَ اليَوْمُ الثَّالِثُ؛ وَهُوَ أَوَّلُ أَيَّامِ النَّفْرِ). ينبغي أن نحمل العام من النصوص على عمومه، ونحمل المقيد منها على التقييد. الحقيقة: أن ما جاء هنا هو عام، أما الرعاة فلهم حكم خاص بهم؛ لقيامهم على خدمة إبل الحجاج من الأكل والرعي، لكن إن توفر للإبل طعامها الذي تأكله، وهي في مكانها فينتهي الأمر، ولا تبقى الرخصة للرعاة؛ فالرخصة مقيدة بالضرورة والحاجة فقط. * قوله: (فَرَخَّصَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَرْمُوا فِي ذَلِكَ اليَوْمِ لَهُ وَللْيَوْمِ الَّذِي بَعْدَهُ؛ فَإِنْ نَفَرُوا (٢)، فَقَدْ فَرَغُوا، وَإِنْ أَقَامُوا إِلَى الغَدِ، رَمَوْا مَعَ النَّاسِ يَوْمَ النَّفْرِ الأَخِيرِ، وَنَفَرُوا، وَمَعْنَى الرُّخْصَةِ لِلرُّعَاةِ عِنْدَ جَمَاعَةِ العُلَمَاءِ (٣): هُوَ جَمْعُ يَوْمَيْنِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ؛ إِلَّا أَنَّ مَالِكًا إِنَّمَا يُجْمَعُ عِنْدَهُ مَا وَجَبَ؛ مِثْلُ أَنْ يَجْمَعَ فِي الثَّالِثِ فَيَرْمِي عَنِ الثَّانِي

стр. 4333

وَالثَّالِثِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْضَى عِنْدَهُ إِلَّا مَا وَجَبَ. وَرَخَّصَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَمَاءِ (١) فِي جَمْعِ يَوْمَيْنِ فِي يَوْمٍ؛ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي أُضِيفَ إِلَى غَيْرِهِ أَوْ تَأَخَّرَ، وَلَمْ يُشَبِّهُوهُ بِالقَضَاءِ). الأكثر في ذلك أن يتأخر؛ فالإنسان إذا لم يرمِ يوم الحادي عشر مثلًا من شهر ذي الحجة فيؤخره إلى اليوم الثالث عشر؛ لكن لا ينبغي أن نتساهل في ذلك، وأن نفتي به عند عدم الحاجة؛ فلو وقع ذلك الأمر من إنسان لحاجة فذاك شأن، أما أن يتخذ هذا التأخير قاعدة وسنة فذاك شأن آخر ولا ينبغي.

стр. 4334

* قوله: (وَثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَمَى فِي حَجَّتِهِ الجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ نَحَرَ بُدْنَهُ). نحن نعلم أن رسول اللَّه ﷺ نحر ثلاثًا وستين (١). وبعد ذلك ترك ما نذر منها -أي: ما بقي- لعلي بن أبي طالب ﵁ فأتم نحره. ونعلم أن رسول اللَّه ﷺ أخذ من كل جزور دُفَعًا، فطُبِخت، فشرب من مَرَقِها، وأكل منها (٢)، فيستحب للإنسان أن يأكل من ذبيحته، أما إذا لم يأكل أو لم يتيسر له ذلك فليس عليه شيء. أما كيفية تقسيم الهدي فنقول: حالها كحال الأضحية: يأكل الثلث، ويهدي الثلث، ويتصدق بالثلث. وإن تركها كلها ولم يأخذ منها شيئًا لنفسه فذلك شيء طيب؛ فالهدي شبيه بالأضاحي. وينبغي للمسلم أن يتقي اللَّه في اختيار الهدي، كالحال في الأضحية (٣)؛ فلا يختار: - المريضة البيِّن مرضها.

стр. 4335

- ولا العوراء البيِّن عورها. - ولا العرجاء البيِّن عرجها. - ولا الضعيفة الهزيلة. وإنما هذا موضع ينبغي أن يختار فيه الطيب؛ وذلك لأن النبي ﷺ قال: "إن اللَّه تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا" (١). فالحاج يقدم هذا العمل للَّه ، ويريد جزاءه، وسينال عليه أضعافًا مضاعفة من الأجر؛ فليكن ما يقدمه من الهدي مناسبًا، ليس فيه عيب ولا نقص. فالإنسان إذا أراد أن يهدي إلى كبير من الناس؛ فإنه سيختار له أحسن ما يليق به! وهنا الحاج يقدم هذا الهدي إلى مالك السموات والأرض ، المهيمن على كل شيء، فكان لا بدَّ أن يختار ما يناسب المقام، وهو بذلك أيضًا ينفذ قول رسول اللَّه ﷺ ويلتزم بما أمره به. * قوله: (ثُمَّ حَلَقَ رَأْسَهُ، ثُمَّ طَافَ طَوَافَ الإِفَاضَةِ). لا شك أن الحلق أفضل في هذا المقام؛ وذلك لما يلي: - لأن الإنسان قد أدَّى عمرته. - ولأن رسول اللَّه ﷺ : دعا للمحلقين ثلاثًا، وللمقصرين مرة واحدة؛ كما جاء في الحديث (٢). ونحن -كما قلنا مرارًا- نحاول أن نكسب أعلى الدرجات، لتتضاعف حسناتنا وتزداد، لشدة حاجتنا لذلك.

стр. 4336

* قوله: (وَأَجْمَعَ العُلَمَاءُ (١) عَلَى أَنَّ هَذَا سُنَّةُ الحَجِّ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ قَدَّمَ مِنْ هَذِهِ مَا أَخَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ بِالعَكْسِ؟). يعني: هذه الأُمور الأربعة لو قدم الحاج فيها أو أخَّر؛ وذلك كأن يحلق مثلًا قبل أن يرمي، أو يرمي مثلًا قبل أن ينحر، أو يطوف مثلًا قبل أن يحلق، وهكذا، فهل عليه من شيء؟ الجواب: لا؛ فإن رسول اللَّه ﷺ قال لما سُئل عن ذلك: "افعل ولا حرج" (٢). * قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (٣): مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ العَقَبَةِ، فَعَلَيْهِ الفِدْيَةُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٤)، وَأَحْمَدُ (٥)، وَدَاوُدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) (٦).

стр. 4337

هذا القول الأخير لهؤلاء الأئمة: هو الصحيح، وهو الذي تؤيده أحاديث رسول اللَّه ﷺ . * قوله: (وَعُمْدَتُهُمْ: مَا رَوَاهُ مَالِكٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ). بل هو من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ (١). * قوله: (أَنَّهُ قَالَ: "وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلنَّاسِ بِمِنًى، وَالنَّاسُ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ؟ فَقَالَ ﵊: "انْحَرْ وَلَا حَرَجَ"، ثُمَّ جَاءَهُ آخَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ فَقَالَ ﵊: "ارْمِ وَلَا حَرَجَ"، قَالَ: فَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ، عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ أَوْ أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: "افْعَلْ وَلَا حَرَجَ" (٢)). الرسول ﷺ يقف هذا الموقف، وهو كما نعلم قد قطع الفيافي (٣)، وجاء من أماكن بعيدة، وتحمل المشاق، ومع ذلك نجده ﷺ يقف بصدر رحب، وبنفس مطمئنة، يبين للناس ما يحتاجون إليه من الأحكام والعلم؛ فهو بذلك يطبق قول اللَّه : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وهو ﷺ القائل: "ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه" (٤).

стр. 4338

فقد فتح رسول اللَّه ﷺ صدره للناس يومئذ، وبيَّن لهم ما يحتاجون إليه من مناسكهم -كما هو حاله في كل موقف- فقال هنا لكل سائل: "افعل ولا حرج" (١). وهذا دليل على سماحة هذه الشريعة، وعلى يسر هذه الشريعة الخالدة، والتي جعل اللَّه فيها حياة الناس وسعادتهم. إن أولئك الذين يتهمون هذه الشريعة الإسلامية بالتشدد، وبتهمون ما فيها بالقسوة والغلظة أيضًا. . . إلخ، نقول: لو نُقل لأولئك الإسلام - كما جاء في كتاب اللَّه طريًّا، وفي سنة رسوله ﷺ ، ونقلت لهم أفعال رسول اللَّه ﷺ ، وما في هذا الدِّين العظيم من السماحة، ومن اليسر، ومن المحبة، ومن الألفة، ومن إرادة الخير للناس جميعًا -ولو أردنا أن نتكلم في هذا لطال المقام-؛ لأقبل الناس جميعًا عليه؛ كما أقبلوا عليه في زمن رسول اللَّه ﷺ ، وفي زمن الصحابة ﵃. فالصحابة ﵃ فتحوا البلاد بالقرآن (٢) قبل أن يفتحوها بالسيف، فكانوا قبل أن يقاتلوا الناس يعرضون عليهم هدي القرآن، وكان الناس يرونهم على هذا المنهج القويم، حتى كان الواحد منهم كأنه قرآن يمشي على الأرض (٣)، فلما رآهم الناس مطبقين لتعاليم الإسلام تطبيقًا عظيمًا

стр. 4339

دقيقًا أقبل الناس أفواجًا على هذا الدِّين الإسلامي؛ وذلك لأن الإسلام إنما يغزو القلوب بطبيعته وقوته. لكن مصيبة بعض المسلمين الآن أنهم لم يطبقوا الإسلام بحق، فنجد أن أكثر بلاد المسلمين اليوم لا تطبق شريعة اللَّه التي فيها العدل، وفيها اليسر، وفيها الخير للناس جميعًا. ففرق بين أن تحكم بحكم أنزله علام الغيوب وبين أن تحكم بأحكام متناقضة، تُقَر اليوم، وتُزال غدًا، وتُستبدل بغيرها! فنحن بحاجة إلى تطبيق الإسلام كما طبقه صحابة رسول اللَّه ﷺ ؛ ليعيد اللَّه لنا مجدنا الضائع. * قوله: (وَرَوَى هَذَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) (١). هذا موافق لأحاديث رسول اللَّه ﷺ ؛ ومنها: - قوله ﷺ : "إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين" (٢). - وما ورد في الحديث: "أنه ما خير رسول اللَّه ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا فتراه أبعد الناس عنه" (٣). - وقوله ﷺ : "بشروا ولا تنفروا" (٤). فهذا هو منهج الإسلام الذي طبقه رسول اللَّه ﷺ ، والصحابة، وعمل به المسلمون.

стр. 4340

* قوله: (وَعُمْدَةُ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَكَمَ عَلَى مَنْ حَلَقَ قَبْلَ مَحَلِّهِ مِنْ ضَرُورَةٍ بِالفِدْيَةِ؛ فَكَيْفَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ؟). هذا -في حقيقة الأمر- قياس مع الفارق! والمؤلف ﵀ يُشير هنا إلى حديث كعب بن عجرة ﵁: لما رآه رسول اللَّه ﷺ في حالته وقد تناثر من رأسه وعلى وجهه وعلى بقية جسمه هوام كالقمل؛ فقال: "ما علمت -أو: ظننت- أن الوجع قد بلغ بك ما بلغ! " ثم أمره ﷺ أن يحلق شعره، وأن يقدم فدية مقابل ذلك، فيجبر ذلك بدم، وإذا لم يجد فإنه يصوم ثلاثة أيام، أو يطعم ستة مساكين، يختار واحدًا منها (١). * قوله: (مَعَ أَنَّ الحَدِيثَ لَمْ يُذْكرْ فِيهِ حَلْقُ الرَّأْسِ قَبْلَ رَمْيِ الجِمَارِ). نقول: بل جاء في الأحاديث ما يخالف ما زعمه المؤلف ﵀، وهو ما كان من غير ضرورة. وورد في هذه المسألة أيضًا حديث عبد اللَّه بن عمر (٢) ﵄ المتفق عليه في "الصحيحين" (٣). * قوله: (وَعِنْدَ مَالِكٍ: أَنَّ مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤): إِنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ

стр. 4341

أَوْ يَرْمِيَ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ كَانَ قَارِنًا، فَعَلَيْهِ دَمَانِ. وَقَالَ زُفَرُ (١): عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ دِمَاءٍ: دَمُ القِرَانِ، وَدَمَان لِلْحَلْقِ قَبْلَ النَّحْرِ، وَقَبْلَ الرَّمْيِ). قول الإمام أبي حنيفة والإمام هذا زُفَر من باب التشديد! ودين اللَّه يسر؛ كما قال رسول اللَّه ﷺ في الحديث، "ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه" (٢). فهذا رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا حرج"، فينبغي أن نقول نحن كذلك. * قوله: (وَأَجْمَعُوا (٣) عَلَى أَنَّ مَنْ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ). نقول باختصار: من قدم واحدًا من هذه الأُمور، أو بعضها على بعض: فلا شيء عليه، وهذا هو الصواب -إن شاء اللَّه تعالى-. * قوله: (لِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ

стр. 4342

يَقُولُ: مَنْ قَدَّمَ مِنْ حَجِّهِ شَيْئًا أَوْ أَخَّرَ، فَلْيُهْرِقْ دَمًا) (١). قال: "من ترك نسكًا فعليه دم". * قوله: (وَأَنَّهُ مَنْ قَدَّمَ الإِفَاضَةَ قَبْلَ الرَّمْيِ وَالحَلْقِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إِعَادَةُ الطَّوَافِ (٢). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣) وَمَنْ تَابَعَهُ: لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ. وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: إِذَا طَافَ لِلْإِفَاضَةِ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ العَقَبَةِ، ثُمَّ وَاقَعَ أَهْلَهُ، أَرَاقَ دَمًا) (٤). عاد المؤلف ﵀ إلى مسألة: بِمَ يحصل التحلل الثاني؟ ونحن نعلم أن التحلل يحصل بواحد من أمرين: برمي جمرة العقبة، والحلق أو التقصير.

стр. 4343

وبعضهم يقول: يكتفى برمي جمرة العقبة فقط. لكن الأحوط أن يجمع بينهما. أما التحلل الثاني -والذي به تحل مجامعة النساء- فهو فريضة. * قوله: (وَاتَّفَقُوا: عَلَى أَنَّ جُمْلَةَ مَا يَرْمِيهِ الحَاجُّ سَبْعُونَ حَصَاةً). هذا إذا لم يتعجل؛ فإن تعجل: فتسعة وأربعون حصاة، وهي: سبع في اليوم الأول، وإحدى وعشرون في اليوم الثاني؛ فيكون مجموعهما ثمانية وعشرين حصاة، ثم واحد وعشرون؛ فيكون المجموع النهائي تسعة وأربعين حصاة. * قوله: (مِنْهَا: فِي يَوْمِ النَّحْرِ: جَمْرَةُ العَقَبَةِ بِسَبْعٍ، وَأَنَّ رَمْيَ هَذِهِ الجَمْرَةِ مِنْ حَيْثُ تَيَسَّرَ مِنَ العَقَبَةِ مِنْ أَسْفَلِهَا، أَوْ مِنْ أَعْلَاهَا، أَوْ مِنْ وَسَطِهَا). كل ذلك سبق بفضل اللَّه . * قوله: (كُلُّ ذَلِكَ وَاسعٌ). فهذا عمر بن الخطاب ﵁ وهو من أحرص الناس- رفع ورماها من أعلاها (١). * قوله: (وَالمَوْضِعُ المُخْتَارُ مِنْهَا بَطْنُ الوَادِي؛ لِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ). هذا الحديث متفق عليه (٢).

стр. 4344

* قوله: ("أَنَّهُ اسْتَبْطَنَ الوَادِيَ، ثُمَّ قَالَ: مِنْ هَاهُنَا، وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، رَأَيْتُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ يَرْمِي"). يقصد ابن مسعود ﵁ بقوله: "الذي أنزلت عليه سورة البقرة" رسول اللَّه ﷺ (١). * قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يُعِيدُ الرَّمْيَ إِذَا لَمْ تَقَعِ الحَصَاةُ فِي العَقَبَةِ) (٢). وذلك لأن القصد أن تقع الحَصَاةُ في موضعها الصحيح؛ فبعض الناس يرى مكانًا وقف فيه الشيخ الفلاني، فيأتي متحمسًا ومندفعًا ويرمي فيه! نقول: هذا مشعر من مشاعر الحج، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر اللَّه " (٣). فما شرع رمي الجمار إلا لإقامة ذكر اللَّه ، ثم للاقتداء برسول اللَّه ﷺ ، ثم الاستجابة لأمر اللَّه تعالى. * قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يُعِيدُ الرَّمْيَ إِذَا لَمْ تَقَعِ الْحَصَاةُ فِي الْعَقَبَةِ) ((٤).

стр. 4345

لا يجزئه الرَّمي إلا أن يقَعَ الحَصى في المَرْمى، فإن وَقَع دُونه، لم يُجزئه. في قولهم جميعًا؛ لأنه مأمور بالرَّمي ولم يرْم. * قوله: (وَأَنَّهُ يَرْمِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ثَلَاثَ جِمَارٍ بِوَاحِدٍ وَعِشْرِينَ حَصَاةً، كُلُّ جَمْرَةٍ مِنْهَا بِسَبْعٍ) (١). جملةُ ما يَرْمي به الحاج سبعون حصاة، سبعة منها يَرْمِيها يوم النَّحر، بعد طلوع الشمس. وسائرها في أيام التشريق الثلاثة، بعد زوال الشمس، كل يوم إحدى وعشرين حصاة، لثلاث جمرات. * قوله: (وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَرْمِيَ مِنْهَا يَوْمَيْنِ وَيَنْفِرَ فِي الثَّالِثِ؛ لِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]). في ليلة الثاني عشَر: يَبِيتُ الحجاج في مِنًى، وعرفتم أن البَيتُوتَةَ في مِنًى واجبة، وأنه لا يجوز التهاون بها، وفي اليوم الثاني عشر نَرمِي الجَمرِات كما رمَيْناهَا في الحادي عشر، ثم من أراد أن يتعَجَّلَ فلينْصَرِفْ من مِنًى ومن أراد أن يتأخَّرِ فليبْقَ؛ لأن اللَّه خير، فقال: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ وأيهما أفضل؟ التأخير أفضل؛ لأن اللَّه أثْنى على المتأخرين فقال: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾، ولأن النبيَّ ﷺ تأخر، والتأسِّي به خَيرٌ، ولأن في التأخر زيادة عَملٍ صالح كالبَيتُوتَةِ ورَمي الجمرات. * قوله: (وَقَدْرُهَا عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ فِي مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ (٢)؛ لِمَا
следующие страницы →