أَوْ يَرْمِيَ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ كَانَ قَارِنًا، فَعَلَيْهِ دَمَانِ. وَقَالَ زُفَرُ (١): عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ دِمَاءٍ: دَمُ القِرَانِ، وَدَمَان لِلْحَلْقِ قَبْلَ النَّحْرِ، وَقَبْلَ الرَّمْيِ).
قول الإمام أبي حنيفة والإمام هذا زُفَر من باب التشديد! ودين اللَّه يسر؛ كما قال رسول اللَّه ﷺ في الحديث، "ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه" (٢).
فهذا رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا حرج"، فينبغي أن نقول نحن كذلك.
* قوله: (وَأَجْمَعُوا (٣) عَلَى أَنَّ مَنْ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ).
نقول باختصار: من قدم واحدًا من هذه الأُمور، أو بعضها على بعض: فلا شيء عليه، وهذا هو الصواب -إن شاء اللَّه تعالى-.
* قوله: (لِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ
стр. 4342
يَقُولُ: مَنْ قَدَّمَ مِنْ حَجِّهِ شَيْئًا أَوْ أَخَّرَ، فَلْيُهْرِقْ دَمًا) (١).
قال: "من ترك نسكًا فعليه دم".
* قوله: (وَأَنَّهُ مَنْ قَدَّمَ الإِفَاضَةَ قَبْلَ الرَّمْيِ وَالحَلْقِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إِعَادَةُ الطَّوَافِ (٢). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣) وَمَنْ تَابَعَهُ: لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ. وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: إِذَا طَافَ لِلْإِفَاضَةِ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ العَقَبَةِ، ثُمَّ وَاقَعَ أَهْلَهُ، أَرَاقَ دَمًا) (٤).
عاد المؤلف ﵀ إلى مسألة: بِمَ يحصل التحلل الثاني؟
ونحن نعلم أن التحلل يحصل بواحد من أمرين: برمي جمرة العقبة، والحلق أو التقصير.
стр. 4343
وبعضهم يقول: يكتفى برمي جمرة العقبة فقط.
لكن الأحوط أن يجمع بينهما.
أما التحلل الثاني -والذي به تحل مجامعة النساء- فهو فريضة.
* قوله: (وَاتَّفَقُوا: عَلَى أَنَّ جُمْلَةَ مَا يَرْمِيهِ الحَاجُّ سَبْعُونَ حَصَاةً).
هذا إذا لم يتعجل؛ فإن تعجل: فتسعة وأربعون حصاة، وهي: سبع في اليوم الأول، وإحدى وعشرون في اليوم الثاني؛ فيكون مجموعهما ثمانية وعشرين حصاة، ثم واحد وعشرون؛ فيكون المجموع النهائي تسعة وأربعين حصاة.
* قوله: (مِنْهَا: فِي يَوْمِ النَّحْرِ: جَمْرَةُ العَقَبَةِ بِسَبْعٍ، وَأَنَّ رَمْيَ هَذِهِ الجَمْرَةِ مِنْ حَيْثُ تَيَسَّرَ مِنَ العَقَبَةِ مِنْ أَسْفَلِهَا، أَوْ مِنْ أَعْلَاهَا، أَوْ مِنْ وَسَطِهَا).
كل ذلك سبق بفضل اللَّه .
* قوله: (كُلُّ ذَلِكَ وَاسعٌ).
فهذا عمر بن الخطاب ﵁ وهو من أحرص الناس- رفع ورماها من أعلاها (١).
* قوله: (وَالمَوْضِعُ المُخْتَارُ مِنْهَا بَطْنُ الوَادِي؛ لِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ).
هذا الحديث متفق عليه (٢).
стр. 4344
* قوله: ("أَنَّهُ اسْتَبْطَنَ الوَادِيَ، ثُمَّ قَالَ: مِنْ هَاهُنَا، وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، رَأَيْتُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ يَرْمِي").
يقصد ابن مسعود ﵁ بقوله: "الذي أنزلت عليه سورة البقرة" رسول اللَّه ﷺ (١).
* قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يُعِيدُ الرَّمْيَ إِذَا لَمْ تَقَعِ الحَصَاةُ فِي العَقَبَةِ) (٢).
وذلك لأن القصد أن تقع الحَصَاةُ في موضعها الصحيح؛ فبعض الناس يرى مكانًا وقف فيه الشيخ الفلاني، فيأتي متحمسًا ومندفعًا ويرمي فيه!
نقول: هذا مشعر من مشاعر الحج، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر اللَّه " (٣).
فما شرع رمي الجمار إلا لإقامة ذكر اللَّه ، ثم للاقتداء برسول اللَّه ﷺ ، ثم الاستجابة لأمر اللَّه تعالى.
* قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يُعِيدُ الرَّمْيَ إِذَا لَمْ تَقَعِ الْحَصَاةُ فِي الْعَقَبَةِ) ((٤).
стр. 4345
لا يجزئه الرَّمي إلا أن يقَعَ الحَصى في المَرْمى، فإن وَقَع دُونه، لم يُجزئه. في قولهم جميعًا؛ لأنه مأمور بالرَّمي ولم يرْم.
* قوله: (وَأَنَّهُ يَرْمِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ثَلَاثَ جِمَارٍ بِوَاحِدٍ وَعِشْرِينَ حَصَاةً، كُلُّ جَمْرَةٍ مِنْهَا بِسَبْعٍ) (١).
جملةُ ما يَرْمي به الحاج سبعون حصاة، سبعة منها يَرْمِيها يوم النَّحر، بعد طلوع الشمس.
وسائرها في أيام التشريق الثلاثة، بعد زوال الشمس، كل يوم إحدى وعشرين حصاة، لثلاث جمرات.
* قوله: (وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَرْمِيَ مِنْهَا يَوْمَيْنِ وَيَنْفِرَ فِي الثَّالِثِ؛ لِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]).
في ليلة الثاني عشَر: يَبِيتُ الحجاج في مِنًى، وعرفتم أن البَيتُوتَةَ في مِنًى واجبة، وأنه لا يجوز التهاون بها، وفي اليوم الثاني عشر نَرمِي الجَمرِات كما رمَيْناهَا في الحادي عشر، ثم من أراد أن يتعَجَّلَ فلينْصَرِفْ من مِنًى ومن أراد أن يتأخَّرِ فليبْقَ؛ لأن اللَّه خير، فقال: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ وأيهما أفضل؟ التأخير أفضل؛ لأن اللَّه أثْنى على المتأخرين فقال: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾، ولأن النبيَّ ﷺ تأخر، والتأسِّي به خَيرٌ، ولأن في التأخر زيادة عَملٍ صالح كالبَيتُوتَةِ ورَمي الجمرات.
* قوله: (وَقَدْرُهَا عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ فِي مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ (٢)؛ لِمَا
وصَفْنَا في جمرة العقبة، ثم يتقدم عنها إلى موضعٍ لا يُصيبُهُ الحَصَي، فيقف طويلًا يدعو اللَّه تعالى، رافعًا يديه، ثم يتقدَّم إلى الوسطى فيَجْعَلها عن يَمينِهِ، ويستقبل القِبلَةَ، ويرمِيها بسبعِ حَصياتٍ، ويفعل من الوقوف والدعاء كما فَعَل في الأُولى، ثم يرْمِي جمرةَ العقبةِ بسبعِ حَصياتٍ، ويستبطن الوادي، ويستقبل القبلة، ولا يقف عندها.
* قوله: (وَأَجْمَعوا عَلَى أَنَّ مِنْ سُنَّةِ رَمْي الْجِمَارِ الثَّلَاثِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَ الزَّوَالِ (١)، وَاخْتَلَفَوا إِذَا رَمَاهَا قَبْلَ الزَّوَالِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَقَالَ جُمْهُور الْعُلَمَاءِ (٢): مَنْ رَمَاهَا قَبْلَ الزَّوَالِ أَعَادَ
стр. 4348
رَمْيَهَا بَعْدَ الزَّوَالِ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ أَنَّهُ قَالَ: رَمْيُ الْجِمَارِ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى غُرُوبِهَا) (١).
السنة أنه لا يرمي في أيام التشريق إلا بعد الزوال، فإن رمى قبل الزوال فهل يُعيد؟
القول الأول، قال أبو حنيفَةَ ومالك والشافعي وأحمد: إنه لو رمى قبل الزوال أعاد.
إلا أن الأحناف رخَّصوا في الرمي يوم النفر قبل الزوال، ولا ينفر إلا بعد الزوال (٢).
القول الثاني: يرمي قبل الزوال، وينفِرُ قبْلَه.
والصواب هو قول الجمهور لما يلي:
١ - أن النبي ﷺ إنما رمى بعد الزوال؛ لقول عائشة: "يرمي الجمرة إذا زالت الشمس" (٣).
٢ - وقول جابر، في صفة حج النبي ﷺ : "رأيت رسولَ اللَّه ﷺ يرْمِي الجَمرةَ ضُحى يومَ النَّحر، ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس" (٤).
وأي وقت رَمَى بعد الزوال أجزأه، إلا أن المستَحَبَّ المبادرةُ إليها حين الزوال.
стр. 4349
وقال ابن عباس: "إن رسول اللَّه ﷺ كان يرمي الجِمارَ إذا زالت الشمس، قدر ما إذا فرَغَ من رَمْيه صلَّى الظُّهر" (١).
* قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَرْمِ الْجِمَارَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِهَا أَنَّهُ لَا يَرْمِيهَا بَعْدُ (٢)، وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَاجِبِ مِنَ الْكَفَّارَةِ).
من ترك الرمي من غير عذر، تجب عليه الكفارة، فإن ترك أقلَّ من جَمرة، فما الحكم؟
* قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (٣): إِنَّ مَنْ تَرَكَ رَمْيَ الْجِمَارِ كُلِّهَا، أَوْ بَعْضِهَا، أَوْ وَاحِدَةٍ مِنْهَا، فَعَلَيْهِ دَمٌ).
مذهب مالك: أن في كل حصاة دمًا؛ لأن ابن عباس، قال: "من تَرَكَ شيئًا من مناسكِهِ فعليهِ دَمٌ".
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤): إِنْ تَرَكَ كُلَّهَا كَانَ عَلَيْهِ دَمٌ، وإِنْ تَرَكَ جَمْرَةً وَاحِدَةً فَصَاعِدًا كَانَ عَلَيْهِ لِكُلِّ جَمْرَةٍ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ
стр. 4350
حِنْطَةً، إِلَى أَنْ يَبْلُغَ دَمًا بِتَرْكِ الْجَمِيعِ، إِلَّا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَعَلَيْهِ دَمٌ).
قال أبو حنيفة: إن ترك جَمرَة العقبةِ أو الجمار كلها فعليه دَمٌ، وإن ترك غير ذلك فعليه في كل حصاة نصف صاع، إلى أن يبلغ دمًا.
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١): عَلَيْهِ فِي الْحَصَاةِ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ، وَفِي حَصَاتَيْنِ مُدَّانِ، وَفِي ثَلَاثٍ دَمٌ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: فِي الرَّابِعَةِ الدَّمُ).
مذهب الشافعي: في الثلاثة دم، وفيما دون ذلك، في كل حصاة مُدٌّ.
* قوله: (وَرَخَّصَتْ طَائِفَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي الْحَصَاةِ الْوَاحِدَةِ، وَلَمْ يَرَوْا فِيهَا شَيْئًا، وَالْحُجَّةُ لَهُمْ حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّتِهِ، فَبَعْضُنَا يَقُولُ: رَمَيْتُ بِسَبْعٍ، وَبَعْضُنَا يَقُولُ: رَمَيْتُ بِسِتٍّ، فَلَمْ يَعِبْ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ") (٢).
стр. 4351
* قوله: (وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ (١): لَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ).
والظاهر أيضًا عن أحمد (٢) أنه لا شيء عليه، في حصاة، ولا في حصاتين.
* قوله: (وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ لَيْسَتْ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ (مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ): هِيَ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ) (٣).
ليس من أركان الحج رمي جمرة العقبة؛ لأنه مُجَرَّدُ نُسُك بمِنًى، وليس وجوبه كوجوب الأركان؛ كالمَبيتِ والحِلاق، بل هو رمي جمار كسائر الجمار، ونُسكٌ يفعله الحاجُّ في غير مكَّة بعد الإحرام، ولا يتعلَّق فواتُ الحجِّ بفواته بالضبط كالمبيت بمزدلفة.
* قوله: (فَهَذِهِ هِيَ جُمْلَةُ أَفْعَالِ الْحَجِّ مِنْ حِينِ الْإِحْرَامِ إِلَى أَنْ يُحِلَّ، وَالتَّحَلُّلُ تَحَلُّلَانِ: تَحَلُّل أَكْبَرُ، وَهُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ، وَتَحَلُّلٌ أَصْغَرُ، وَهُوَ رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَسَنَذْكُرُ مَا فِي هَذَا مِنَ الِاختِلَافِ).
سيأتي شرح ذلك إن شاء اللَّه.
* قوله: (فَنَقُولُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَهوَ السَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي حُكْمِ الْمُحْصَرِ بِمَرَضٍ أَوْ بِعَدُوٍّ، فَأَوَّلُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هَلِ الْمُحْصَرُ هَاهُنَا هُوَ الْمُحْصَرُ بِالْعَدُوِّ؟ أَوِ الْمُحْصَرُ بِالْمَرَضِ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: الْمُحْصَرُ هَاهُنَا هُوَ الْمُحْصَرُ بِالْعَدُوِّ، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْمُحْصَرُ بِالْمَرَضِ).
اختلف أهل التأويل في الإحصار الذي جعل اللَّه على من ابتُلِي به في حَجِّه، وعُمرته ما استَيْسَرَ من الهدْي.
* قوله: (فَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُحْصَرَ هَاهُنَا هُوَ الْمُحْصَرُ بِالْعَدُوِّ فَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ -تَعَالَى-: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قَالُوا: فَلَوْ كَانَ الْمُحْصَرُ بِمَرَضٍ لَمَا كَانَ لِذِكْرِ الْمَرَضِ بَعْدَ ذَلِكَ فَائِدَةٌ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ -سُبْحَانَهُ-: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَهَذِهِ حُجَّةٌ ظَاهِرَةٌ).
قالوا: معنى قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، فإن حَبَسَكُم عَدَوٌّ عن الوصول إلى البيتِ، أو حابس قاهر من بَنِي آدَم.
قالوا: فأما العِللُ العارِضة في الأبدان كالمرض، والجراح، وما أشبهها، فإن ذلك غيرُ داخل في قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾، وعِلَّةُ من قال هذه المقالة -أعني: من قال: إن هذه الآية نزلت في حصر المشركين رسول اللَّه ﷺ وأصحابه عن البيت-، فأمر اللَّه نَبِيَّه ومن معه بنحْرِ هَداياهم والإحلال.
قالوا: فإنما أنزل اللَّه هذه الآية في حصر العدو، فلا يجوز أن يصرف حكمها إلى غير المعنى الذي نزلت فيه.
* قوله: (وَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْآيَةَ إِنَّمَا وَرَدَتْ فِي الْمُحْصَرِ بِالْمَرَضِ فَإِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ الْمُحْصَرَ هُوَ مَنْ أُحْصِرَ، وَلَا يُقَالُ: أُحْصِرَ فِي الْعَدُوِّ،
стр. 4354
وإنَّمَا يُقَالُ: حَصَرَهُ الْعَدُوُّ، وَأَحْصَرَهُ الْمَرَضُ. قَالُوا: وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمَرَضَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَرَضَ صِنْفَانِ: صِنْفٌ مُحْصِرٌ، وَصِنْفٌ غَيْرُ مُحْصِرٍ. وَقَالُوا: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، مَعْنَاهُ مِنَ الْمَرَضِ).
علة من قال بهذه المقالة أن الإحصار معناه في كلام العرب: مَنْع العِلَّة من المَرض، وأشباهه غير القَهر، والغلبة من قاهر أو غالب إلا غلبة عِلَّة من مرض، أو لَدْغ، أو جِراحة، أو ذَهاب نَفقة، أو كسْر راحلة.
فأما منع العدو، وحبس حابس في سِجْن، وغلبة غالب حائل بينَ المُحْرِمِ والوصول إلى البيت من سُلطانِ، أو إنسان قاهرٌ مانع، فإن ذلك إنما تسميه العرب حصرًا لا إحصارًا. قالوا: ومما يدل على ذلك قول اللَّه -جل ثناؤه-: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨] يعني به: حاصرًا، أي: حابسًا. قالوا: ولو كان حبسُ القاهِرِ الغالبِ من غير العِلَلِ التي وصفنا يُسمَّى إحصارًا لوجب أن يقال: قد أحصر العدو. قالوا: وفي اجتماع لغات العرب على "حوصِرَ العَدو" و"العدو محاصر"، دون "أحصر العدو" و"هم محصرون"، و"أحصر الرجل" بالعِلَّةِ من المَرض والخوف أكبر الدَّلالَةِ على أن اللَّه -جل ثناؤه- إنما عنى بقوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] بمرض، أو خوف، أو علة مانعة. قالوا: وإنما جعلنا حبس العدو ومنعه المحرم من الوصول إلى البيت بمعنى حصر المَرَضِ قِياسًا على ما جعل اللَّه -جل ثناؤه- من ذلك للمريض الذي منعه المَرضُ من الوصولِ إلى البَيتِ، لا بِدَلالةِ ظاهِرِ قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] إذ كان حبس العَدُوِّ والسلطان، والقاهر علة مانِعة، نظيرة العلة المانعة من المرض والكسر.
* قوله: (وَأَمَّا الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ فَقَالُوا عَكْسَ هَذَا، وَهُوَ أَنَّ "أَفْعَلَ" أَبَدًا و"فَعَلَ" فِي الشَّيءِ الْوَاحِدِ إِنَّمَا يَأْتِي لِمَعْنِيَينَ: أَمَّا "فَعَلَ" فَإِذَا أَوْقَعَ بِغَيْرِهِ فِعْلًا مِنَ الْأَفْعَالِ، وَأَمَّا "أَفْعَلَ" فَإِذَا عَرَّضَهُ لِوُقُوعِ ذَلِكَ الْفِعْلِ بِهِ. يُقَالُ: قَتَلَهُ إِذَا فَعَلَ بِهِ فِعْلَ الْقَتْلِ. وَأَقْتَلَهُ إِذَا عَرَّضَهُ لِلْقَتْلِ. وَإِذَا كَانَ هَذَا
وَأَبِي حَنِيفَةَ) (١).
من تأوله بمعنى: فإن أحصركم خوفُ عدو، أو مرض، أو عِلَّة عن الوصول إلى البيت؛ أي: صيركم خوفكم، أو مرضكم تحصرون أنفْسَكُم، فتَحْبِسُونها عن النفوذ لما أوجبتموه على أنفسكم من عمل الحج، والعمرة. فلذا قيل: "أحصرتم" لما أسقط ذكر الخَوفِ والمرض، يقال منه: أحصَرَني خَوفي من فلان عن لقائك، ومرَضِي عن فلان، يراد به: جعلني أحبس نَفْسي عن ذلِكَ. فأما إذا كان الحابس الرجل والإنسان، قيل: حصرني فلان عن لقائك، بمعنى حبسني عنه. فلو كان معنى الآية ما ظنه المتأول من قولِهِ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] فإن حبَسَكُم حابِسٌ من العدُوِّ عن الوصول إلى البيت، لوجب أن يكون: فإن حصرتم. ومما يبين صحة ما ذكروا من أنَّ المراد بها إحصار غير العدو، وأنه إنما يراد بها الخوف من العدو، قوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والأمن إنما يكون بزوال الخوف.
وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الإحصار الذي عنى اللَّه في هذه الآية هو الخوف الذي يكون بزواله الأمْن.
وإذا كان ذلك كذلك، لم يكن حبس الحابس الذي ليس مع حبسه خوف على النفس من حَبسِهِ داخلًا في حكم الآية بظاهرها المتلو، وإن
стр. 4357
كان قد يلحق حكمه عندنا بحكمِهِ من وجه القياس من أجل أن حبس من لا خوف على النفس من حبسه كالسلطان غير المخوفة عقوبته، والوالد، وزوج المرأة، إن كان منهم أو من بعضهم حبس، ومنع عن الشُّخوصِ لعمَلِ الحج، أو الوصول إلى البيت بعد إيجاب الممنوع الإحرام، غير داخل في ظاهر قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] لما وصفنا من أن معناه: فإن أحصركم خوف عدو، بدلالة قوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقد بيَّن الخَبر الذي ذكرنا آنفًا عن ابن عباس أنه قال: الحَصرُ: حصرُ العَدُوِّ. وإذ كان ذلك التفسير أولى بالآية، وكان ذلك منْعًا من الوصول إلى البيت، فكل مانع عرض للمحرم فصده عن الوصول إلى البيت، فهو له نظير في الحكم.
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: بَلِ الْمُحْصَرُ هَاهُنَا الْمَمْنُوعُ مِنَ الْحَجِّ بِأَيِّ نَوْعٍ امْتَنَعَ؛ إِمَّا بِمَرَضٍ، أَوْ بِعَدُوٍّ، أَوْ بِخَطَأٍ فِي الْعَدَدِ، أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ).
قال بعضهم: هو كل مانِعٍ، أو حابس منع المحرم، وحبسَهُ عن العمل الذي فرضه اللَّه عليه في إحرامه ووصوله إلى البيتِ الحرَامِ.
* قوله: (وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُحْصَرَ عَنِ الْحَجِّ ضَرْبَانِ: إِمَّا مُحْصَرٌ بِمَرَضٍ، وَإِمَّا مَحْصَرٌ بِعَدُوٍّ. فَأَمَّا الْمُحْصَرُ بِالْعَدُوِّ فَاتَّفَقَ الْجُمْهُورُ (١) عَلَى أَنَّهُ يَحِلُّ مِنْ عُمْرَتِهِ أَوْ حَجِّهِ حَيْثُ أُحْصِرَ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ (٢): لَا يَتَحَلَّلُ إِلَّا فِي يَوْمِ النَّحْرِ).
العلماء قد اتفقوا على أن المحرم الذي قد حصره العدو، فمُنع
стр. 4358
الوصول إلى البيت، ولم يجد أيَّ طريقٍ آمنٍ يمرُّ من خلاله، فله حينئذٍ أن يتحلَّل.
والدليل:
١ - أنه قد نص اللَّه تعالى عليه بقوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
٢ - وثبت أن النبي ﷺ أمر أصحابه يوم حُصِرُوا في الحديبية أن ينحروا، ويحْلِقوا، ويحلوا (١).
* قوله: (وَالَّذِينَ قَالُوا: يَتَحَلَّلُ حَيْثُ أُحْصِرَ. اخْتَلَفُوا فِي إيجَابِ الْهَدْيِ عَلَيْهِ، وَفِي مَوْضِعِ نَحْرِهِ إِذَا قِيلَ بِوُجُوبِهِ، وَفي إِعَادَةِ مَا حُصِرَ عَنْهُ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ؛ فَذَهَبَ مَالِكٌ (٢) إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ هَدْيٌ، وَأَنَّهُ إِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ نَحَرَهُ حَيْثُ حَلَّ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ (٣) إِلَى الجَابِ الْهَدْيِ
стр. 4359
عَلَيْهِ، وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ (١). وَاشْتَرَطَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢) ذَبْحَهُ فِي الْحَرَمِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): حَيْثُمَا حَلَّ).
إذا قدر المحصر على الهدي، فليس له الحل قبل ذبحه، فإن كان معه هَدْي قد ساقه أجزأه، وإن لم يكن معه لزمه شِراؤه إن أمكنه، ويُجزئه أدْنى الهَدْي، وهو شاة، أو سُبع بدنة؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
* قوله: (وَأَمَّا الْإِعَادَةُ فَإِنَّ مَالِكًا (٤) يَرَى أنْ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ. وَقَالَ
стр. 4360
قَوْمٌ: عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ (١) إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ عَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ، وَإِنْ كَانَ قَارِنًا فَعَلَيْهِ حَجٌّ وَعُمْرَتَانِ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا قَضَى عُمْرَتَهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ تَقْصِيرٌ، وَاخْتَارَ أَبُو يُوسُفَ تَقْصِيرَهُ) (٢)).
قال مالك ومن تَبِعَهُ: كانت قضاء عن العمرة الأولى وعُدَّتْ عمرة الحديبية في العمر؛ لثبوت الأجر فيها لا لأنها كَمُلَت، وهذا الخلاف مبني على الاختلاف في وجوب القضاء على من اعتمر فصد عن البيت.
فقال الجمهور: يجب عليه الهدي ولا قضاء عليه.
وعن أبي حنيفة عكسه.
(وَعُمْدَةُ مَالِكٍ فِي أَنْ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ، فَنَحَرُوا الْهَدْيَ، وَحَلَّقُوا رُؤوسَهُمْ، وَحَلُّوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ الْهَدْيُ" (٣). ثُمَّ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَا مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ أَنْ يَقْضِيَ شَيْئًا، وَلَا أَنْ يَعُودَ لِشَيْءٍ).
فحجة الجمهور: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾
(وَعُمْدَةُ مَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اعْتَمَرَ فِي
стр. 4361
الْعَامِ الْمُقْبِلِ مِنْ عَامِ الْحُدَيْبِيَةَ قَضَاءً لِتِلْكَ الْعُمْرَةِ" (١). وَلِذَلِكَ قِيلَ لَهَا: عُمْرَةُ الْقَضَاءِ. وإجْمَاعُهُمْ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمُحْصَرَ بِمَرَضٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ) (٢).
حُجَّة من أوجبها ما وقع للصحابة فإنهم نحروا الهَدْي حيث صُدُّوا واعتمروا من قابل وساقوا الهدي وقد روى أبو داود من طريق أبي حاضِر قال: اعتمرت فأحصرت فنحرت الهدي وتحللت ثم رجعت العام المقبل فقال لي ابن عباس: "ابذلِ الهَدْى فإن النَّبي ﷺ أمر أصحابه بذلك".
وحجة من لم يوجِبْها أن تَحَللهم بالحصر لم يتوقف على نحر الهَدْي بل أمر من معه هَدْي أن ينحَرَهُ، ومن ليس معه هدي أن يحلِقَ، واستدل الكل بظاهر أحاديث من أوجبهما.
وحجة أبي حَنِيفة: أن العُمرَةَ تَلزمُ بالشُّروع، فإذا أحصِرَ جاز له تأخيرُها، فإذا زال الحصرُ أتى بها ولا يلْزَمْ مِنَ التَّحلل بين الإحرامَيْنِ سقوطُ القضاءِ.
قال ابن إسحاق (٣): خرج النبي ﷺ في ذِي القَعدَةِ مثل الشهر الذي صُدَّ فيه المشركون معتمرًا عُمرةَ القَضاء مكان عمرته التي صدوه عنها.
وكذلك ذكروا: أنه ﷺ خرج إلى عُمرةِ القضاء في ذي القَعدةِ.
مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، وَإِنَّمَا ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ مَنْ أُحْصِرَ عَنِ الْحَجِّ أَنَّ عَلَيْهِ حَجًّا وَعُمْرَةً، لِأَنَّ الْمُحْصَرَ قَدْ فَسَخَ الْحَجَّ فِي عُمْرَةٍ، وَلَمْ يُتِمَّ وَاحِدًا مِنْهُمَا. فَهَذَا هُوَ حُكْمُ الْمُحْصَرِ بِعَدُوٍّ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ).
وهذا -واللَّه أعلم- في من كان حَصرُهُ خاصًّا، وأما الحصر العام فلا ينبغي أن يقوله أحد؛ لأن ذلك يفضي إلى تعذر الحِلِّ، لتعذُّرِ وصول الهدي إلى مَحِلِّه، ولأن النبي ﷺ وأصحابه نحروا هداياهم في الحديبية، وهي من الحل.
قال البخاري: قال مالك وغيره: إن النبي ﷺ وأصحابه حَلَقُوا، وحلوا من كل شيء، قبل الطواف، وقبل أن يصل الهدي إلى البيت. ولم يذكر أن النبي ﷺ أمر أحدًا أن يقضي شيئًا، ولا أن يعودوا له.
وروي أن النبيَّ ﷺ نَحْرَ هدْيَهُ عند الشجرة التي كانت تحتَها بَيعَةُ الرُّضوان، وهي من الحِل باتفاق أهل السِّيرَةِ والنَّقْلِ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، ولأنه موضعُ حِلِّه، فكان موضع نحرِهِ، كالحرَمِ، وسائر الهدايا يجوز للمُحْصَرِ نحرها في موضع تحلُّلِه، فإن قيل: فقد قالَ اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وقال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]، ولأنه ذبْحٌ يتعلَّقُ بالإحرام، فلم يَجُزْ في غيرِ الحرم، كدَمِ الطِّيب واللباس. قلنا: الآية في حقِّ غيرِ المُحْصَرِ، ولا يمكن قياس المحَصر عليه؛ لأن تحلل المُحصر في الحل، وتحلل غيرُه في الحرم، فكل منهما ينْحَرُ في موضِعِ تحَلُّله. وقيل في قوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ أي: حتى يذبَحَ، وذبْحُهُ في حقِّ المُحصَرِ في موضع حِلِّه، اقتداءً بالنَّبِيِّ ﷺ .
* قوله: (وَأَمَّا الْمُحْصَرُ بِمَرَضٍ فَإِنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ (١) وَأَهْلَ
стр. 4364
الْحِجَازِ أَنَّهُ لَا يُحِلُّهُ إِلَّا الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْيُ مَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَأَنَّهُ بِالْجُمْلَةِ يَتَحَلَّلُ بِعُمْرَةٍ؛ لِأَنَّهُ إِذَا فَاتَهُ الْحَجُّ بِطُولِ مَرَضِهِ انْقَلَبَ عُمْرَةً، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ (١)، وَعَائِشَةَ (٢)، وَابْنِ عَبَّاسٍ) (٣).
من يتعذر عليه الوصول إلى البيتِ بغيرِ حَصْرِ العدُوِّ، من مرض، أو عَرَجٍ، أو ذَهابِ نفَقَةٍ، ونحوه، أنه لا يجوز له التحلل بذلك.
وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد في مشهور مذهبه.
* قوله: (وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْعِرَاقِ، فَقَالُوا: يَحِلُّ مَكَانَهُ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُحْصَرِ بِعَدُوٍّ، أَعْنِي: أَنْ يُرْسِلَ هَدْيَهُ، وَيُقَدِّرَ يَوْمَ نَحْرِهِ، وَيَحِلَّ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ. وَبِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ) (٤).
هذا مذهب الأحناف (٥).
стр. 4365
* قوله: (وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرو الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ كَسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ حِجَّةٌ أُخْرَى" (١). وَبِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْمُحْصَرَ بِعَدُوٍّ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ إِحْلَالِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ (٢)).
لأن النبي ﷺ قال: "مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ حِجَّةٌ أُخْرَى".
ولأنه محصر يدخل في عُمومِ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
يحققه: أن لفْظَ الإحصار إنما هو للمَرَضِ ونحوه، يقال: أحصره المرض إحصارًا، فهو محصرٌ، وحصرَهُ العَدُوُّ، حصرًا، فهو محصور، فيكون اللفظ صريحًا في محل النزاع، وحصر العَدو مقيس عليه. ولأنه مصدود عن البيت، أشبه من صده عدو.
ووجه الأولى أنه لا يستفيد بالإحلال الانتقال من حاله، ولا التخلص من الأذى الذي به، بخلاف حصر العدو، ولأن النبي ﷺ دخل على ضُباعَة بنتِ الزُّبَيرِ، فقالت: إني أريد الحج، وأنا شاكية. فقال: "حجِّي، واشْتَرِطي أن مَحِلِّي حيث حَبَسْتَنِي".
فلو كان المرض يبيح الحل، ما احتاجت إلى شرط، وحديثهم متروك الظاهر، فإن مجرد الكَسْر والعرج لا يصير به حلالًا، فإن حملوه على أنه يبيح التحلل، حملناه على ما إذا اشترط الحل بذلك، على أن في حديثهم كلامًا، فإنه يرويه ابن عباس، ومذهبه خلافه.
стр. 4366
فإن قلنا: يتحلل. فحكمه حكم من أحصر بعَدُوٍّ على ما مضى. وإن قلنا: لا يتحلل. فإنه يقيم على إحرامه، ويبعث ما معه من الهدي ليذبح بمكة، وليس له نحره في مكانه؛ لأنه لم يتحَلَّل. فإن فاته الحج، تحلل بعُمرة، كغير المريض.
* قوله: (وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُحْصَرَ بِمَرَضٍ عَلَيْهِ الْهَدْيُ (١)، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ (٢): لَا هَدْيَ عَلَيْهِ اعْتِمَادًا عَلَى ظَاهِرِ هَذَا الْمُحْصَرِ، وَعَلَى أَنَّ الْآيَةَ الْوَارِدَةَ فِي الْمُحْصَرِ هُوَ حَصْرُ الْعَدُوِّ).
ذهب الجمهور إلى وُجوب الهَدْي، وهو ظاهر الأحاديث الثابِتَةِ عنه ﷺ أنه فعل ذلك في الحُدَيبِيَةِ.
واستدلوا بالحديثِ الذي جاء عن سالمٍ، قال: كان ابن عمر ﵄ يقول: "أليس حَسْبُكم سنَّة رسولِ اللَّه ﷺ ؟ إن حبس أحدكم عن الحج، طاف بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم حل من كل شيء، حتى يحج عامًا قابِلًا، فيهدي أو يصوم إن لم يجِدْ هَدْيًا" (٣).
لأنَّ قوله: "فيهدي"، فيه دليلٌ على وُجوب الهدي على المحصر، ولكن الإحصار الذي وقع في عهد النَّبِيِّ ﷺ إِنَّمَا وقع في العمرة فقاس العلماء الحج على ذلك، وهو من الإلحاق بنفي الفارِقِ.
* قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى إِيجَابِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ) (٤).
وجوب القضاء على المُحصر بمرض.
стр. 4367
* قوله: (وَكُلُّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ بِخَطَأٍ مِنَ الْعَدَدِ فِي الْأَيَّامِ، أَوْ بِخَفَاءِ الْهِلَالِ عَلَيْهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْذَارِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُحْصَرِ بِمَرَضٍ عِنْدَ مَالِكٍ) (١).
لو فاته الوقوف بغير عدو كمرض أو خطا عدد، أو حُبس بحق لم يحل إن شاء التحلل إلا بفعل عمرة بلا إحرام.
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢): مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ بِعُذْرٍ غَيْرَ الْمَرَضِ يَحِلُّ بِعُمْرَةٍ، وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ إِعَادَةُ الْحَجِّ).
إذا فاته الحج فإنه يتحلل بعمل العُمرة، عند أبي حنيفة.
* قوله: (وَالْمَكِّيُّ الْمُحْصَرُ بِمَرَضٍ عِنْدَ مَالِكٍ (٣) كَغَيْرِ الْمَكِّيِّ يَحِلُّ بِعُمْرَةٍ، وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ وَإِعَادَةُ الْحَجِّ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ (٤): لَا بُدَّ أَنْ يَقِفَ
أَبُو حَنِيفَةَ (١) إِلَى أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقِيمَةِ -أَعْنِي: قِيمَةَ الصَّيْدِ-، وَبَيْنَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا الْمِثْلَ).
معنى قول الجمهور بالمثلية: جزاء ما كان دابة من الصيد نظيره من النعم. هذا قول أكثر أهل العلم؛ منهم الشافعي، وأحمد.
وقال أبو حنيفة: الواجب القيمة ويجوز فيها المثل؛ لأن الصيد ليس بمثلي.
والصواب: قول الجمهور؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، وجعل النبي ﷺ في الضبع كبشًا.
стр. 4372
* قوله: (وَمِنْهَا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي اسْتِئْنَافِ الْحُكْمِ عَلَى قَاتِلِ الصَّيْدِ فِيمَا حَكَمَ فِيهِ السَّلَفُ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِثْلُ حُكْمِهِمْ أَنَّ مَنْ قَتَلَ نَعَامَةً فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ تَشْبِيهًا بِهَا، وَمَنْ قَتَلَ غَزَالًا فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَمَنْ قَتَلَ بَقَرَةً وَحْشِيَّةً فَعَلَيْهِ إِنْسِيَّةٌ. فَقَالَ مَالِكٌ: يَسْتَأْنِفُ فِي كُلِّ مَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ الْحُكْمَ بِهِ (١). وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): إِن اجْتَزَأَ بِحُكْمِ الصَّحَابَةِ مِمَّا حَكَمُوا فِيهِ جَازَ).
قال أبو حنيفة ومالك: يستأنف الحكم فيه؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾.
ولكن النبي ﷺ يقول: "أصحابي كالنجوم، بأيِّهِمُ اقتَدَيتُم اهتَدَيتُمْ"، وقال: "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر، وعمر".
والصحابة أقرب إلى الصواب، وأبصر بالعلم، فكان حكمهم حُجَّة
стр. 4373
على غيرهم، كالعالم مع العامي، والذي بلغنا قضاؤهم في الضبُعِ كبشٌ. قضى به عمر، وعلي، وجابر، وابن عباس.
وعن جابر ﵁، أن النبي ﷺ : "جعل في الضبُعِ يَصِيدُها المُحرِمُ كبشًا".
* قوله: (وَمِنْهَا هَلِ الْآيَةُ عَلَى التَّخْيِيرِ؟ أَوْ عَلَى التَّرْتِيبِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ (١): هِيَ عَلَى التَّخْيِيرِ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢)، يُرِيدُ أَنَّ الْحَكَمَيْنِ يُخَيِّرَانِ الَّذِي عَلَيْهِ الْجَزَاءُ. وَقَالَ زُفْرُ (٣): هِيَ عَلَى التَّرْتِيبِ).
اختلفوا في معنى قوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾.
فقال أبو حنيفة، ومالك: معنى ذلك أن القاتل وهو مُحرِم صيدًا عمدًا، لا يخلو من وجوب بعض هذه الأشياء الثلاثة التي ذكر اللَّه تعالى من مثل المقتول هديًا بالغ الكعبة، أو طعام مسكين كفارة لما فعل، أو عدل ذلك صيامًا؛ لأنه مخير في أي ذلك شاء فعل، وأنه بأيها كان كفَّر فقد أدى الواجب عليه، وإنما ذلك إعلام من اللَّه تعالى عباده أنَّ قاتل ذلك كما وصف لن يخرج حكمه من إحدى الخلال الثلاثة.
قالوا: فحكمه إن كان على المثل قادرًا أن يحكم عليه بمثل المقتول
стр. 4374
من النعم، لا يجزيه غير ذلك ما دام للمثل واجدًا. قالوا: فإن لم يكن له واجدًا، أو لم يكن للمقتول مثل من النعم، فكفارته حينئذ إطعام مساكين.
وقال زفر: معنى ذلك: أن للقاتل صيدًا عمدًا وهو محرم الخيار بين إحدى الكفارات الثلاث، وهي الجزاء بمثله من النَّعَم، والطعام، والصوم.
قالوا: وإنما تأويل قوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾، فعليه أن يجزي بمِثلِهِ من النَّعَم، أو يكفر بإطعام مساكين أو بعدل الطعام من الصيام.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُقَوَّمُ الصَّيْدُ أَوِ الْمِثْلُ إِذَا اخْتَارَ الْإِطْعَامَ إِنْ وَجَبَ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ، فَيَشْتَرِي بِقِيمَتِهِ طَعَامًا؟ فَقَالَ مَالِكٌ (١): يُقَوَّمُ الصَّيْدُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢): يُقَوَّمُ الْمِثْلُ).
اختلف القائلون بتخيير قاتل الصيد من المحرمين بين الأشياء الثلاثة
стр. 4375
في صفة اللازم له من التكفير بالإطعام والصوم إذا اختار الكفارة بأحدهما دون الهدي:
فقال بعضهم: إذا اختار التكفير بذلك فإن الواجب عليه أن يقوم المثل من النَّعَم طعامًا، ثم يصوم مكان كل مد يومًا.
وقال آخرون: بل الواجب عليه إذا أراد التكفير بالإطعام أو الصوم، أن يُقوِّم الصيد المقتول طعامًا، ثم يتصدق بالطعام إن اختار الصدقة، وإن اختار الصوم صام.
* قوله: (وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي تَقْدِيرِ الصِّيَامِ بِالطَّعَامِ بِالْجُمْلَةِ، وَإِنْ كَانُوا اخْتَلَفُوا فِي التَّفْصِيلِ، فَقَالَ مَالِكٌ (١): يَصُومُ لِكُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وَهُوَ الَّذِي يُطْعِمُ عِنْدَهُمْ كُلَّ مِسْكِينٍ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَهْلُ الْحِجَازِ (٢). وَقَالَ أَهْلُ الْكُوفَةِ (٣): يَصُومُ لِكُلِّ مُدَّيْنِ يَوْمًا، وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي يُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ عِنْدَهُمْ).
ثم اختلفوا أيضًا في الصوم:
فقال بعضهم: يصوم لكل مُدٍّ يومًا.
стр. 4376
وقال آخرون: يصوم مكان كل نصف صاع يومًا.
وقال آخرون: يصوم مكان كل صاع يومًا.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي قَتْلِ الصَّيْدِ خَطَأً هَلْ فِيهِ جَزَاءٌ؟ أَمْ لَا؟ فَالْجُمْهُورُ (١) عَلَى أَنَّ فِيهِ الْجَزَاءَ. وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ (٢): لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ).
لا فرق عند الجمهور بين الخطأ والعمد في قتل الصيد في وجوب الجزاء، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد. قال الزهري: على المتعمد بالكتاب، وعلى المخطئ بالسُّنَّةِ.
وأدلتهم:
١ - قول جابر: "جعل رسول اللَّه ﷺ في الضبع يصيده المحرم كبشًا".
٢ - وقال ﵇: "في بيضِ النَّعام يصيبه المحرم: ثمنه"، ولم يُفرِّق.
٣ - ولأنه ضمان إتلاف فاستوى عمده وخطؤه كمال الآدمي.
والقول الثاني: لا كفارة في الخطأ. وهو قول ابن المنذر، وداود الظاهري -رحمهما اللَّه-؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾. فدليل خطابه، أنه لا جزاء على الخاطئ؛ لأن الأصل براءة ذِمَّتِه، فلا
стр. 4377
يشغلها إلا بدليل، ولأنه محظور للإحرام لا يفسده، فيجب التفريق بين خَطَئه وعمده، كاللُّبس والطيب.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الْجَمَاعَةِ يَشْتَرِكُونَ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ، فَقَالَ مَالِكٌ (١): إِذَا قَتَلَ جَمَاعَة مُحْرِمُونَ صَيْدًا فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَزَاءٌ كَامِلٌ. وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَجَمَاعَةٌ (٢). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): عَلَيْهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ. وَفَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤) بَيْنَ الْمُحْرِمِينَ يَقْتُلُونَ الصَّيْدَ، وَبَيْنَ الْمُحِلِّينَ يَقْتُلُونَهُ فِي الْحَرَمِ، فَقَالَ: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُحْرِمِينَ جَزَاءٌ، وَعَلَى الْمُحِلِّينَ جَزَاءٌ وَاحِدٌ).
لو اشترك جماعة في قتل صيد، فهل عليهم جزاء واحد؟
القول الأول، أن الواجب جزاء واحد: قول الشافعي، والصحيح عن أحمد.
وأدلتهم:
١ - قول اللَّه تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾.
٢ - والجماعة قد قتلوا صَيْدًا، فيلزمهم مثله، والزائد خارج عن المثل، فلا يجب، ومتى ثبت اتخاذ الجزاء في الهدي، وجب اتخاذه في الصيام؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥].
стр. 4378
٣ - والاتفاق حاصل أنه معدول بالقيمة، إما قيمة المتلف، وإما قيمة مثله، فإيجاب الزائد على عدل القيمة خلاف النص.
٤ - ولأنه جزاء عن مقتول يختلف باختلافه، فكان واحدًا، كالدية، أو كما لو كان القاتل واحدًا، أو بدل المحل، فاتحدت باتحاده الدية، وكفارة الآدمي لنا فيها منع، ولا يتبعض في أبعاضه، ولا يختلف باختلافه، فلا يتبعض على الجماعة، بخلاف مسألتنا.
والقول الثاني، على كل واحد جزاء: وبه قال أبو حنيفة ومالك؛ لأنها كفارة قتل يدخلها الصوم، أشبهت كفارة قتل الآدمي.
والثالث، -وهي رواية عن أحمد- إن كان صومًا صام كل واحد صومًا تامًّا، وإن كان غير ذلك فجزاء واحد، وإن كان أحدهما: هدي، والآخر: صوم، فعلى المهدي بحصته، وعلى الآخر صوم تام؛ لأن الجزاء ليس بكفارة، وإنما هو بدل، بدليل أن اللَّه تعالى عطف عليه الكفارة، فقال اللَّه تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]. والصوم كفارة، ككفارة قتل الآدمي.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَكُونُ أَحَدُ الْحَكَمَيْنِ قَاتِلَ الصَّيْدِ؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا).
اختلفوا في قاتل الصيد هل يكون أحد الحكمين أم لا؟
فعند أصحاب مالك لا يجوز أن يكون القاتل أحدهما.
واستدل مالك:
١ - بقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وذلك يقتضي أن يكونا غير المحكوم عليه.
٢ - ولأن الجزاء بدل المتلف فوجب أن لا يكون الرجوع فيه إلى أمانة المتلف، أصله تقويم المتلفات.
стр. 4379
وقال الشافعي: يجوز ذلك.
واختلف أصحاب أبي حنيفة على القولين:
فقال بعضهم: يجوز، وقال بعضهم: لا يجوز.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعِ الْإِطْعَامِ فَقَالَ مَالِكٌ (١): فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَ فِيهِ الصَّيْدَ إِنْ كَانَ ثَمَّ طَعَامٌ، وَإِلَّا فَفِي أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ إِلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢): حَيْثُمَا أَطْعَمَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): لَا يُطْعِمُ إِلَّا مَسَاكِينَ مَكَّةَ).
اختلفوا في موضع الإطعام.
فمذهب مالك: أن الإطعام في الموضع الذي أصاب فيه الصيد إن كان ثم طعام وإلا في أقرب المواضع إليه حيث الطعام.
وقال أبو حنيفة: يطعم إن شاء في الحرم وإن شاء في غيره.
وقال الشافعي: لا يطعم إلا مساكين مكة كما لا ينحر الهدي إلا بمكة.
стр. 4380
* قوله: (وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا قَتَلَ الصَّيْدَ أَنَّ عَلَيْهِ الْجَزَاءَ؛ لِلنَّصِّ فِي ذَلِكَ) (١).
أجمع أهل العلم على وجوبه؛ لأنَّ اللَّه نصَّ عليه بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَلَالِ يَقْتُلُ الصَّيْدَ فِي الْحَرَمِ، فَقَالَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ (٢): عَلَيْهِ الْجَزَاءُ. وَقَالَ دَاوُدُ وَأَصْحَابُهُ (٣): لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ).
اتفق الفقهاء أن على من قتل صيدًا وهو حلال في الحرم الجزاء كما لو قتله مُحْرِمٌ.
وشذَّت فرقة وهم الظاهرية، فقالوا: لا جزاء على من قتل في الحرم شيئًا من الصيد إلا أن يكون محرمًا.
* قوله: (وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْمُسْلِمُونَ فِي تَحْرِيمِ قَتْلِ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ) (٤).