Полный текст (10 175 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.
стр. 4376
وقال آخرون: يصوم مكان كل نصف صاع يومًا.
وقال آخرون: يصوم مكان كل صاع يومًا.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي قَتْلِ الصَّيْدِ خَطَأً هَلْ فِيهِ جَزَاءٌ؟ أَمْ لَا؟ فَالْجُمْهُورُ (١) عَلَى أَنَّ فِيهِ الْجَزَاءَ. وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ (٢) : لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ).
لا فرق عند الجمهور بين الخطأ والعمد في قتل الصيد في وجوب الجزاء، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد. قال الزهري: على المتعمد بالكتاب، وعلى المخطئ بالسُّنَّةِ.
وأدلتهم:
١ - قول جابر: "جعل رسول اللَّه ﷺ في الضبع يصيده المحرم كبشًا".
٢ - وقال ﵇: "في بيضِ النَّعام يصيبه المحرم: ثمنه"، ولم يُفرِّق.
٣ - ولأنه ضمان إتلاف فاستوى عمده وخطؤه كمال الآدمي.
والقول الثاني: لا كفارة في الخطأ. وهو قول ابن المنذر، وداود الظاهري -رحمهما اللَّه-؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾. فدليل خطابه، أنه لا جزاء على الخاطئ؛ لأن الأصل براءة ذِمَّتِه، فلا الحواشي
(١) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ٣٧٨)؛ حيث قال: "قال جمهور العلماء وجماعة الفقهاء أهل الفتوى بالأمصار منهم مالك والليث والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهما: قتل الصيد عمدًا أو خطأ سواء".(٢) يُنظر: "المحلى" لابن حزم (٥/ ٢٣٤)؛ حيث قال: "ومن تصيد صيدًا فقتله وهو محرم بعمرة أو بقران أو بحجَّة تمتع ما بين أول إحرامه إلى دخول وقت رمي جمرة العقبة، أو قتله محرم، أو محل في الحرم-: فإن فعل ذلك عامدًا لقتله غير ذاكر لإحرامه أو لأنه في الحرم، أو غير عامد لقتله -سواء كان ذاكرًا لإحرامه أو لم يكن-: فلا شيء عليه، لا كفارة ولا إثم؛ وذلك الصيد جيفة لا يحل أكله، فإن قتله عامدًا لقتله ذاكرًا لإحرامه، أو لأنه في الحرم فهو عاص للَّه تعالى، وحجه باطل وعمرته كذلك، وعليه ما نذكر بعد هذا إن شاء اللَّه ".стр. 4377
يشغلها إلا بدليل، ولأنه محظور للإحرام لا يفسده، فيجب التفريق بين خَطَئه وعمده، كاللُّبس والطيب.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الْجَمَاعَةِ يَشْتَرِكُونَ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ، فَقَالَ مَالِكٌ (١) : إِذَا قَتَلَ جَمَاعَة مُحْرِمُونَ صَيْدًا فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَزَاءٌ كَامِلٌ. وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَجَمَاعَةٌ (٢) . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣) : عَلَيْهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ. وَفَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤) بَيْنَ الْمُحْرِمِينَ يَقْتُلُونَ الصَّيْدَ، وَبَيْنَ الْمُحِلِّينَ يَقْتُلُونَهُ فِي الْحَرَمِ، فَقَالَ: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُحْرِمِينَ جَزَاءٌ، وَعَلَى الْمُحِلِّينَ جَزَاءٌ وَاحِدٌ).
لو اشترك جماعة في قتل صيد، فهل عليهم جزاء واحد؟
القول الأول، أن الواجب جزاء واحد: قول الشافعي، والصحيح عن أحمد.
وأدلتهم:
١ - قول اللَّه تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾.
٢ - والجماعة قد قتلوا صَيْدًا، فيلزمهم مثله، والزائد خارج عن المثل، فلا يجب، ومتى ثبت اتخاذ الجزاء في الهدي، وجب اتخاذه في الصيام؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]. الحواشي
(١) "التفريع في فقه الإمام مالك" لابن الجَلَّاب المالكي (١/ ٢٠٧)؛ حيث قال: "وإذا قتل جماعة صيدًا فعلى كل واحد منهم جزاء كامل".(٢) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ١٢٦)؛ حيث قال: "وبه قال الثوري والحسن بن حي وهو قول الحسن البصري والشعبي والنخعي ورواية عن عطاء".(٣) يُنظر: "الأم" للشافعي (٢/ ٢٢٧)؛ حيث قال: "وإذا أصاب المحرمان أو الجماعة صيدا فعليهم كلهم جزاء واحد".(٤) "التجريد" للقدوري (٤/ ٢٠٩٩)؛ حيث قال: "قال أصحابنا: إذا اشترك محرمان أو أكثر في قتل صيد، فعلى كل واحد منهم الجزاء".стр. 4378
٣ - والاتفاق حاصل أنه معدول بالقيمة، إما قيمة المتلف، وإما قيمة مثله، فإيجاب الزائد على عدل القيمة خلاف النص.
٤ - ولأنه جزاء عن مقتول يختلف باختلافه، فكان واحدًا، كالدية، أو كما لو كان القاتل واحدًا، أو بدل المحل، فاتحدت باتحاده الدية، وكفارة الآدمي لنا فيها منع، ولا يتبعض في أبعاضه، ولا يختلف باختلافه، فلا يتبعض على الجماعة، بخلاف مسألتنا.
والقول الثاني، على كل واحد جزاء: وبه قال أبو حنيفة ومالك؛ لأنها كفارة قتل يدخلها الصوم، أشبهت كفارة قتل الآدمي.
والثالث، -وهي رواية عن أحمد- إن كان صومًا صام كل واحد صومًا تامًّا، وإن كان غير ذلك فجزاء واحد، وإن كان أحدهما: هدي، والآخر: صوم، فعلى المهدي بحصته، وعلى الآخر صوم تام؛ لأن الجزاء ليس بكفارة، وإنما هو بدل، بدليل أن اللَّه تعالى عطف عليه الكفارة، فقال اللَّه تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]. والصوم كفارة، ككفارة قتل الآدمي.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَكُونُ أَحَدُ الْحَكَمَيْنِ قَاتِلَ الصَّيْدِ؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا).
اختلفوا في قاتل الصيد هل يكون أحد الحكمين أم لا؟
فعند أصحاب مالك لا يجوز أن يكون القاتل أحدهما.
واستدل مالك:
١ - بقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وذلك يقتضي أن يكونا غير المحكوم عليه.
٢ - ولأن الجزاء بدل المتلف فوجب أن لا يكون الرجوع فيه إلى أمانة المتلف، أصله تقويم المتلفات.
стр. 4379
وقال الشافعي: يجوز ذلك.
واختلف أصحاب أبي حنيفة على القولين:
فقال بعضهم: يجوز، وقال بعضهم: لا يجوز.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعِ الْإِطْعَامِ فَقَالَ مَالِكٌ (١) : فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَ فِيهِ الصَّيْدَ إِنْ كَانَ ثَمَّ طَعَامٌ، وَإِلَّا فَفِي أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ إِلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢) : حَيْثُمَا أَطْعَمَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣) : لَا يُطْعِمُ إِلَّا مَسَاكِينَ مَكَّةَ).
اختلفوا في موضع الإطعام.
فمذهب مالك: أن الإطعام في الموضع الذي أصاب فيه الصيد إن كان ثم طعام وإلا في أقرب المواضع إليه حيث الطعام.
وقال أبو حنيفة: يطعم إن شاء في الحرم وإن شاء في غيره.
وقال الشافعي: لا يطعم إلا مساكين مكة كما لا ينحر الهدي إلا بمكة. الحواشي
(١) يُنظر: "المدونة" (١/ ٤٤٢)؛ حيث فيها: "قلت: أرأيت إن أراد أن يحكم عليه بالطعام في جزاء الصيد أو بالصيام؟ قال: قال مالك: يحكم عليه في جزاء الصيد في الموضع الذي أصاب فيه الصيد، قال: فقيل له: فإن حكم عليه في الموضع الذي أصاب فيه الصيد بالطعام فأراد أن يطعم في غير ذلك المكان؟ قال مالك: لا أرى ذلك، وقال: يحكم عليه بالطعام بالمدينة ويطعمه بمصر إنكارًا لمن يفعل ذلك، يريد بقوله: إن هذا ليس يجزئه إذا فعل هذا، وأما الصيام في جزاء الصيد فحيثما شاء من البلاد والنسك كذلك".(٢) "المحيط البرهاني في الفقه النعماني" لابن مازه (٢/ ٤٥٥)؛ حيث قال: "فإن قتله حلال، فعليه جزاؤه؛ لأنه أتلف محلًّا أمنًا ويجوز فيه الإطعام".(٣) يُنظر: "المهذب" للشيرازي (١/ ٤٠١)؛ حيث قال: "يدفع جزاء صيد مكة إلى مساكين مكة".стр. 4380
* قوله: (وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا قَتَلَ الصَّيْدَ أَنَّ عَلَيْهِ الْجَزَاءَ؛ لِلنَّصِّ فِي ذَلِكَ) (١) .
أجمع أهل العلم على وجوبه؛ لأنَّ اللَّه نصَّ عليه بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَلَالِ يَقْتُلُ الصَّيْدَ فِي الْحَرَمِ، فَقَالَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ (٢) : عَلَيْهِ الْجَزَاءُ. وَقَالَ دَاوُدُ وَأَصْحَابُهُ (٣) : لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ).
اتفق الفقهاء أن على من قتل صيدًا وهو حلال في الحرم الجزاء كما لو قتله مُحْرِمٌ.
وشذَّت فرقة وهم الظاهرية، فقالوا: لا جزاء على من قتل في الحرم شيئًا من الصيد إلا أن يكون محرمًا.
* قوله: (وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْمُسْلِمُونَ فِي تَحْرِيمِ قَتْلِ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ) (٤) . الحواشي
(١) يُنظر: "الإجماع" لابن المنذر (ص: ٥٣)؛ حيث قال: "وأجمعوا على أن المحرم إذا قتل صيدًا عامدًا لقتله ذاكرًا لإحرامه أن عليه الجزاء".(٢) يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع" (١/ ٢٩٦)، حيث قال: "والحلال يرمي الحرم فيه إجماع واختلاف، فالإجماع أن فيه الجزاء، واختلاف في التخيير في الهدي أو غيره".(٣) يُنظر: "المحلى" لابن حزم (٥/ ٢٦٣)؛ حيث قال: "والجزاء واجب كما ذكرنا سواء فيما أصيب في حرم مكة، أو في حرم المدينة أصابه حلال، أو محرم؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] الآية".(٤) يُنظر: "مراتب الإجماع" لابن حزم (ص: ٤٤)؛ حيث قال: "واتفقوا على أنه لا يحل للمحرم أن يتصيد فيقتل شيئًا مما يؤكل من الصيد البري في الحرم ولا ما دام محرمًا".стр. 4381
لا خلاف بين العلماء من السلف والخلف في تحريم الصيد بمكَّة من سائر الحرم وأنه حرم آمن كما قال اللَّه : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾.
وقال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾، وقال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه حرَّم مكةَ ولم يُحرِّمها الناس".
وقال ﵊: "إن إبراهيم حرم مكة".
وهذا معناه: أنه دعى في تحريمها فكان سبب ذلك فأضيف إليه على ما تعرفه العرب من كلامها.
* قوله: (وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْكَفَّارَةِ وَذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ -سُبْحَانَهُ-: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧]. وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ" (١) ، وَجُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأمْصَارِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا قَتَلَ الصَّيْدَ وَأَكَلَهُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ (٢) . وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ (٣) وَطَائِفَةٍ أَنَّ فِيهِ كَفَارَّتَيْنِ).
اختلفوا في المحرم يقتل الصيد ثم يأكل منه:
فقال الجمهور: ليس عليه إلا كفارة واحدة.
وقال عطاء: في قتله كفارتين.
* قوله: (فَهَذِهِ هِيَ مَشْهُورَاتُ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ).
هذه هي عادة المؤلف، يذكر المسائل المشهورة التي يُبنى عليها ما سواها من المسائل. الحواشي
(١) أخرجه البخاري(٤٣١٣) .(٢) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ١٤٣)؛ حيث قال: "هذا مذاهب علماء الأمصار وجمهور العلماء".(٣) أخرج عبد الرزاق(٨٣٦٢) : عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: "إِنْ ذَبَحَهُ ثُمَّ أَكَلَهُ فَكَفَّارَتَانِ".стр. 4382
* قوله: (وَأَمَّا الْأَسْبَابُ الَّتِي دَعَتْهُمْ إِلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ فَنَحْنُ نُشِيرُ إِلَى طَرَفٍ مِنْهَا فَنَقُولُ: أَمَّا مَنِ اشْتَرَطَ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ أَنْ يَكُونَ القَتْلُ عَمْدًا فَحُجَّتُهُ أَنَّ اشْتِرَاطَ ذَلِكَ نَصٌّ فِي الْآيَةِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعَمْدَ هُوَ المُوجِبُ لِلْعِقَابِ، وَالْكَفَّارَاتِ عِقَابٌ مَا).
نصٌّ في الآية؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾.
فدليل خطابه، أنه لا جزاء على الخاطئ؛ لأن الأصل براءة ذمته، فلا يشغلها إلا بدليل. قالوا كذلك: أنَّ قتل الصيد هو مجرد محظور من محظورات الإحرام فلا يفسد الإحرام؛ وعليه فيجب التفريق بين خطئه وعمده؛ كاللبس والطيب.
* قوله: (وَأَمَّا مَنْ أَوْجَبَ الْجَزَاءَ مَعَ النِّسْيَانِ فَلَا حُجَّةَ لَهُ، إِلَّا أَنْ يُشَبِّهَ الجَزَاءَ عِنْدَ إِتْلَافِ الصَّيْدِ بِإِتْلَافِ الْأَمْوَالِ؛ فَإِنَّ الْأَمْوَالَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ تُضَمَّنُ خَطَأً وَنَسِيَانًا. لَكِنْ يُعَارِضُ هَذَا الْقِيَاسَ اشْتِرَاطُ الْعَمْدِ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ، فَقَدْ أَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْ هَذَا -أَيِ الْعَمْدِ- إِنَّمَا اشْتَرَطَ؛ لِمَكَان تَعَلُّقِ الْعِقَابِ الْمَنْصوصِ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥]. وَذَلِكَ لَا مَعْنَى لَهُ؛ لِأَنَّ الْوَبَالَ الْمَذُوقَ هُوَ فِي الْغَرَامَةِ، فَسَوَاءٌ قَتَلَهُ مُخْطِئًا أَوْ مُتَعَمِّدًا قَدْ ذَاقَ الْوَبَالَ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ النَّاسِيَ غَيْرُ مُعَاقَبٍ. وَأَكْثَرُ مَا تَلْزَمُ هَذِهِ الْحُجَّةُ لِمَنْ كَانَ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ الْكَفَّارَاتِ لَا تَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ، فَإِنَّهُ لَا دَلِيلَ لِمَنْ أَثْبَتَهَا عَلَى النَّاسِي إِلَّا الْقِيَاسُ).
استدلَّ الذين أوجبوا الجزاء في الخطأ، بما يلي:
١ - قول جابر: "جعل رسول اللَّه ﷺ في الضبع يصيده المحرم كبشًا".
٢ - وقال ﵊ "في بيض النعام يصيبه المحرم: ثمنه"، ولم يُفرِّق.
стр. 4383
٣ - وقالوا: لأنَّه ضمانُ إتلاف فاستوى عمدُه وخطؤه كمال الآدمي.
* قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْمِثْلِ: هَلْ هُوَ الشَّبِيهُ؟ أَوِ الْمِثْلُ فِي الْقِيمَةِ؟ فَإِنَّ سَبَبَ الِاخْتِلَافِ أَنَّ الْمِثْلَ يُقَالُ عَلَى الَّذِي هُوَ مِثْلٌ، وَعَلَى الَّذِي هُوَ مِثْلٌ فِي الْقِيمَةِ، لَكِنَّ حُجَّةَ مَنْ رَأَى أَنَّ الشَّبِيهَ أَقْوَى مِنْ جِهَةِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ أَنَّ انْطِلَاقَ لَفْظِ الْمِثْلِ عَلَى الشَّبِيهِ فِي لِسَان الْعَرَبِ أَظْهَرُ، وَأَظْهَرُ مِنْهُ عَلَى الْمِثْلِ فِي الْقِيمَةِ، لَكِنْ لِمَنْ حَمَلَ هَا هُنَا الْمِثْلَ عَلَى الْقِيمَةِ دَلَائِلُ حَرَّكتْهُ إِلَى اعْتِقَادِ ذَلِكَ، أَحَدُهَا أَنَّ الْمِثْلَ الَّذِي هُوَ الْعَدْلُ هُوَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ).
ذكرنا اختلاف القائلين بتخيير قاتل الصيد من المحرمين بين الأشياء الثلاثة في صفة اللازم له من التكفير بالإطعام والصوم إذا اختار الكفارة بأحدهما دون الهدي:
وأنَّ بعضهم قال: إذا اختار التكفيرَ بذلك فإنَّ الواجب عليه أن يُقوِّم الِمثْل من النِّعم طعامًا، ثم يصوم مكان كُلِّ مُدٍّ يومًا.
وقال آخرون: بل الواجب عليه إذا أراد التكفير بالإطعام أو الصوم، أن يُقوِّم الصيد المقتول طعامًا، ثم يتصدق بالطعام إن اختار الصَّدَقَة، وإن اخْتارَ الصَّومَ صام.
* قوله: (وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمِثْلَ إِذَا حُمِلَ هَا هُنَا عَلَى التَّعْدِيلِ كَانَ عَامًّا فِي جَمِيعِ الصَّيْدِ، فَإِنَّ مِنَ الصَّيْدِ مَا لَا يُلْقَى لَهُ شَبِيهٌ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمِثْلَ فِيمَا لَا يُوجَدُ لَهُ شَبِيهٌ هُوَ التَّعْدِيلُ، وَلَيْسَ يُوجَدُ لِلْحَيَوَانِ الْمَصِيدِ فِي الْحَقِيقَةِ شَبِيهٌ إِلَّا مِنْ جِنْسِهِ، وَقَدْ نَصَّ أَنَّ الْمِثْلَ الْوَاجِبَ فِيهِ هُوَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ فِي التَّعْدِيلِ وَالْقِيمَةِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْحُكْمَ فِي الشَّبِيهِ قَدْ فُرغِ مِنْهُ. فَأَمَّا الْحُكْمُ بِالتَّعْدِيلِ فَهُوَ شَيْءٌ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ، وَلِذَلِكَ هُوَ كُلُّ وَقْتٍ يَحْتَاجُ إِلَى الْحَكَمَيْنِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِمَا.
стр. 4384
وَعَلَى هَذَا، يَأْتِي التَّقْدِيرُ فِي الْآيَةِ بِمُشَابِهٍ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ، أَوْ عَدْلُ الْقِيمَةِ طَعَامًا، أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا. وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ هَلِ الْمُقَدَّرُ هُوَ الصَّيْدُ؟ أَوْ مِثْلُهُ مِنَ النَّعَمِ إِذَا قُدِّرَ بِالطَّعَامِ؟ فَمَنْ قَالَ: الْمُقَدَّرُ هُوَ الصَّيْدُ - قَالَ: لِأَنَّهُ الَّذِي لَمَّا لَمْ يُوجَدْ مِثْلُهُ رَجَعَ إِلَى تَقْدِيرِهِ بِالطَّعَامِ. وَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُقَدَّرَ هُوَ الْوَاجِبُ مِنَ النَّعَمِ - قَالَ: لِأَنَّ الشَّيْءَ إِنَّمَا تُقَدَّرُ قِيمَتُهُ إِذَا عُدِمَ بِتَقْدِيرِ مِثْلِهِ، أَعْنِي: شَبِيهَةُ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّ الْآيَةَ عَلَى التَّخْيِيرِ - فَإِنَّهُ الْتَفَتَ إِلَى حَرْفِ (أَوْ)؛ إِذْ كَانَ مُقْتَضَاهَا فِي لِسَانِ الْعَرَبِ التَّخْيِيرَ. وَأَمَّا مَنْ نَظَرَ إِلَى تَرْتِيبِ الْكَفَّارَاتِ فِي ذَلِكَ فَشَبَهُهَا فِي الْكَفَّارَاتِ الَّتِي فِيهَا التَّرْتِيبُ بِاتِّفَاقٍ، وَهِيَ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ).
اختلفوا في معنى قوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾، وسبب الاختلاف، هو اختلافهم في: (أو).
فقال بعضهم: القاتل مخير في أي ذلك شاء فعل، وأنه بأيِّها كفَّر فقد أدَّى الواجب عليه، وإنما ذلك إعلامٌ من اللَّه تعالى لعباده أنَّ قاتل ذلك كما وصف لن يخرج حكمه من إحدى الخلال الثلاثة.
وقال آخرون: للقاتل صيدًا عمدًا وهو محرم الخيار بين إحدى الكفارات الثلاث، وهي الجزاء بمثله من النعم، والطعام، والصوم.
* قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي هَلْ يُسْتَأْنَفُ الْحُكْمُ فِي الصَّيْدِ الْوَاحِدِ الَّذِي قَدْ وَقَعَ الْحُكْمُ فِيهِ مِنَ الصَّحَابَةِ - فَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ هُوَ هَلِ الْحُكْمُ شَرْعِيٌّ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى؟ أَمْ هَذَا مَعْقُولُ الْمَعْنَى؟ فَمَنْ قَالَ: هُوَ مَعْقُولُ الْمَعْنَى - قَالَ: مَا قَدْ حُكِمَ فِيهِ فَلَيْسَ يُوجَدُ شَيْءٌ أَشْبَهُ بِهِ مِنْهُ، مِثْلُ النَّعَامَةِ فَإِنَّهُ لَا يُوجَدُ أَشْبَهُ بِهَا مِنَ الْبَدَنَةِ، فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَةِ الْحُكْمِ. وَمَنْ قَالَ: هُوَ عِبَادَةٌ، قَالَ: يُعَادُ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ).
стр. 4385
الصيد الواحد الذي وقع الحكم فيه من الصحابة، وهل الحكم معقول المعنى أو هو مجرَّد تعبُّد؟
هذا سبب اختلافهم.
* قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْجَمَاعَةِ يَشْتَرِكُونَ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ الْوَاحِدِ فَسَبَبُهُ هَلِ الْجَزَاءُ مُوجِبُهُ هُوَ التَّعَدِّي فَقَطْ؟ أَوِ التَّعَدِّي عَلَى جُمْلَةِ الصَّيْدِ؟ فَمَنْ قَالَ: التَّعَدِّي فَقَطْ - أَوْجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْجَمَاعَةِ الْقَاتِلَةِ لِلصَّيْدِ جَزَاءً. وَمَنْ قَالَ: التَّعَدِّي عَلَى جُمْلَةِ الصَّيْدِ - قَالَ: عَلَيْهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ).
هل موجب الجزاء هو الصيد نفسُه أم الشخص المُتعدِّي؟!
* قوله: (وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ شَبِيهَةٌ بِالْقِصَاصِ فِي النِّصَابِ فِي السَّرِقَةِ، وَفِي الْقِصاصِ فِي الْأَعْضَاءِ، وَفِي الْأَنْفُسِ. وَسَتَأْتِي فِي مَوَاضِعِهَا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ).
وهذا من سرعة بديهة المؤلف، وقدرته على إلحاق النظير بالنظير.
* قوله: (وَتَفْرِيقُ أَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ الْمُحْرِمِينَ وَبَيْنَ غَيْرِ الْمُحْرِمِينَ الْقَاتِلِينَ فِي الْحَرَمِ عَلَى جِهَةِ التَّغْلِيظِ عَلَى الْمُحْرِمِينَ، وَمَنْ أَوْجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْجَمَاعَةِ جَزَاءً فَإِنَّمَا نَظَرَ إِلَى سَدِّ الذَّرَائِعِ، فَإِنَّهُ لَوْ سَقَطَ عَنْهُمُ الْجَزَاءُ جُمْلَةً لَكَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِيدَ فِي الْحَرَمِ صَادَ فِي جَمَاعَةٍ. وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّ الْجَزَاءَ هُوَ كَفَّارَةٌ لِلْإِثمِ، فَيُشْبِهُ أَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ إِثْمُ قَتْلِ الصَّيْدِ بِالِاشْتِرَاكِ فِيهِ، فَيَجِبُ أَلَّا يَتَبَعَّضَ الْجَزَاءُ، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ).
لو أسقط جزاء الصيد عن الجماعة لاتفق الجماعة واصطادوا؛ هربًا من الجزاء.
стр. 4386
* قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي هَلْ يَكُونُ أَحَدُ الْحَكَمَيْنِ قَاتِلَ الصَّيْدِ فَالسَّبَبُ فِيهِ مُعَارَضَةُ مَفْهُومِ الظَّاهِرِ؛ لِمَفْهُومِ الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ فِي الشَّرْعِ. وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطُوا فِي الْحَكَمَيْنِ إِلَّا الْعَدَالَةَ، فَيَجِبُ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا أَنْ يَجُوزَ الْحُكْمُ مِمَّنْ يُوجَدُ فِيهِ هَذَا الشَّرْطُ، سَوَاءٌ أَكَانَ قَاتِلَ الصَّيْدِ أَوْ غَيْرَ قَاتِلٍ. وَأَمَّا مَفْهُومُ الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ فِي الشَّرْعِ فَهُوَ أَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ حَاكِمًا عَلَى نَفْسِهِ).
المحكوم عليه لا يكون حاكمًا على نفسه؛ خوفًا من الجَوْر في الحكم لحقِّ نفسه.
* قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْمَوْضِعِ فَسَبَبُهُ الْإِطْلَاقُ، أَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ مَوْضِعٌ. فَمَنْ شَبَّهَهُ بِالزَّكَاةِ فِي أَنَّهُ حَقٌّ لِلْمَسَاكِينِ فَقَالَ: لَا يُنْقَلُ مِنْ مَوْضِعِهِ. وَأَمَّا مَنْ رَأَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ الرِّفْقُ بِمَسَاكِينِ مَكَّةَ قَالَ: لَا يُطْعِمُ إِلَّا مَسَاكِينَ مَكَّةَ. وَمَنِ اعْتَمَدَ ظَاهِرَ الْإِطْلَاقِ قَالَ: يُطْعِمُ حَيْثُ شَاءَ).
كلُّ العلماء يدورون مع علة الدليل، ليصلوا إلى اتباع النبيِّ ﷺ وتنفيذ أوامر اللَّه .
* قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْحَلَالِ يَقْتُلُ الصَّيْدَ فِي الْحَرَمِ هَلْ عَلَيْهِ كفَّارَةٌ؟ أَمْ لَا؟ فَسَبَبُهُ: هَلْ يُقَاسُ فِي الْكَفَّارَاتِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالْقِيَاسِ؟ وَهَلِ الْقِيَاسُ أَصْلٌ مَنْ أُصُولِ الشَّرْعِ عِنْدَ الَّذِينَ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ؟ فَأَهْلُ الظَّاهِرِ يَنْفُونَ قِيَاسَ قَتْلِ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ عَلَى الْمُحْرِمِ لِمَنْعِهِمُ الْقِيَاسَ فِي الشَّرْعِ. وَيَحِقُّ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَمْنَعَهُ لِمَنْعِهِ الْقِيَاسَ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي تَعَلُّقِ الِاسْمِ بِهِ؛ لِقَوْلِهِ : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾
стр. 4387
[العنكبوت: ٦٧]. وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ" (١) ).
أي: جعلها حرامًا.
(وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِيمَنْ قَتَلَهُ، ثُمَّ أَكَلَهُ: هَلْ عَلَيْهِ جَزَاءٌ وَاحِدٌ؟ أَمْ جَزَاءَان؟ فَسَبَبُهُ هَلْ أَكَلُهُ تَعَدٍّ ثَانٍ عَلَيْهِ سِوَى تَعَدِّي الْقَتْلِ؟ أَمْ لَا؟ وَإِنْ كَانَ تَعَدِّيًا عَلَيْهِ فَهَلْ هُوَ مُسَاوٍ لِلتَّعَدِّي الْأَوَّلِ؟ أَمْ لَا؟ وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِنْ أَكَلَ أَثِمَ).
لا خلاف أنه يأثم في المرة الثانية إثمًا يُعادل المرة الأُولى وربما زاد بإصراره، ولكن هل عليه جزاء لُكُلِّ مرة أم هو واحد؟!
* قوله: (وَلَمَّا كَانَ النَّظَرُ فِي كَفَّارَةِ الْجَزَاءِ يَشْتَمِلُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ: مَعْرِفَةِ الْوَاجِبِ فِي ذَلِكَ، وَمَعْرِفَةِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ، وَمَعْرِفَةِ الْفِعْلِ الَّذِي لِأَجْلِهِ يَجِبُ، وَمَعْرِفَةِ مَحَلِّ الْوُجُوبِ. وَكَانَ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي أَكْثَرِ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ، وَبَقِيَ مِنْ ذَلِكَ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: اخْتِلَافٌ فِي بَعْضِ الْوَاجِبَاتِ مِنَ الْأَمْثَالِ فِي بَعْضِ الْمَصِيدَاتِ. وَالثَّانِي: مَا هُوَ صَيْدٌ مِمَّا لَيْسَ بِصَيْدٍ. يَجِبُ أَنْ يُنْظَرَ فِيمَا بَقِيَ عَلَيْنَا مِنْ ذَلِكَ).
هذا من حسن ترتيب المؤلف.
* قوله: (فَمِنْ أُصُولِ هَذَا الْبَابِ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: "أَنَّهُ قَضَى فِي الضَّبُع بِكَبْشٍ، وَفِي الْغَزَالِ بِعَنْزٍ، وَفِي الْأَرْنَبِ بِعِنَاقٍ، وَفِي الْيَرْبُوعِ بِجَفْرَةٍ" (٢) ). الحواشي
(١) أخرجه ابن ماجه(٣١٠٩) ، وقال الأرناؤوط: "هذا إسناد حسن".(٢) أخرج مالك في "الموطأ" (١/ ٤١٤) عن أبي الزبير، أن عمر بن الخطاب "قضى في الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة".стр. 4388
الْيَرْبُوع: هو الفأر الوحشي، والجفرة: من أولاد المعز ما بلغ أربعة أشهر، وقيل: منه ومن الضأن أيضًا.
(وَالْيَرْبُوعُ (١) : دُوَيْبةٌ لَهَا أَرْبَعُ قَوَائِمَ وَذَنَبٌ، تَجْتَرُّ كَمَا تَجْتَرُّ الشَّاةُ، وَهِيَ مِنْ ذَوَاتِ الْكُرُوشِ، وَالْعَنْزُ (٢) عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الْمَعْزِ مَا قَدْ وُلِدَ أَوْ وُلِدَ مِثْلُهُ. وَالْجَفْرَةُ (٣) ، وَالْعِنَاقُ (٤) مِنَ الْمَعْزِ، فَالْجَفْرَةُ مَا أَكَلَ وَاسْتَغْنَى عَنِ الرِّضَاعِ، وَالْعِنَاقُ قِيلَ: فَوْقَ الْجَفْرَةِ، وَقِيلَ: دُونَهَا. وَخَالَفَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ فِي الْأَرْنَبِ وَالْيَرْبُوعِ (٥) : لَا يُقَوَّمَان إِلَّا بِمَا يَجُوزُ هَدْيًا وَأُضْحِيَةً، وَذَلِكَ الْجَذْعُ فَمَا فَوْقَهُ مِنَ الضَّأْنِ، وَالثَّنِيُّ فَمَا فَوْقَهُ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ. وَحُجَّةُ مَالِكٍ قَوْله -تَعَالَى-: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]). الحواشي
(١) يُنظر: "العين" للخليل (٢/ ٣٤٢)؛ حيث قال: "يَرْبُوع: دُوَيْبةٌ فوقَ الجُرَذ، الذكر والأنثى فيه سواء".(٢) يُنظر: "العين" للخليل (١/ ٣٥٦)؛ حيث قال: "العَنْزُ: الأُنثى من المَعَز ومن الأوعال والظِّباء. والعَنْزُ: ضربٌ من السمك، يقال له: عَنْزُ الماءِ".(٣) يُنظر: "العين" للخليل (٦/ ١١٠)؛ حيث قال: "الجفرة من أولاد الشَّاءِ ما قد استجفَرَ؛ أي: صار له بطنٌ وسَعَةٌ جَوفٍ وأقبل على الأكل".(٤) يُنظر: "العين" للخليل (١/ ١٦٩)؛ حيث قال: "العَناقُ: الأُنْثَى من أولاد المعز".(٥) "شرح الزرقاني على مختصر خليل" (٢/ ٥٦٦)؛ حيث قال: " (و) في (ضب وأرنب ويربوع وجميع الطير)؛ أي: طير الحل والحرم ولو بمكة غير حمام الحرم ويمامه، لأنه قدمهما وغير ما لحق بهط، ولو قال: وسائر لكان أنسب لأنه بمعنى باقي، وقد يرد بمعنى جميع (القيمة) حين الإتلاف (طعامًا) أو عدل الطعام صيامًا في الضب والأرنب ونحوهما من الدواب التي لا مثل لها يجزي ضحية، ويجوز أن يعوضها بهدي فما اقتضاه ظاهره من تعين القيمة طعامًا فيهما غير مراد، وأما في الطير غير حمام الحرم وما ألحق به فيتعين فيه القيمة طعامًا، فإن لم يقدر عليها أو لم يجدها فعالها صيامًا، وهذا التفصيل هو الصواب خلافًا لما يوهمه بعض الشراح، وعلم من المصنف حكم أربعة أقسام حمام الحرم، ويمامه، والمحلق بهما، الثاني: طير غير ذلك، الثالث: دواب لها مثل يجزي ضحية أو هديًا الرابع دواب لا مثل لها يجزي ضحية ولا هديًا كما أشار له بقوله وضب إلخ".стр. 4389
عند مالك: في الضب والأرنب واليربوع وجميع طير الحل والحرم القيمة.
* قوله: (وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ مَنْ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ هَدْيًا أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ أَقَلُّ مِنَ الْجَذَعِ فَمَا فَوْقَهُ مِنَ الضَّأْنِ، وَالثَّنِيِّ (١) مَا سِوَاهُ. وَفِي صِغَارِ الصَّيْدِ عِنْدَ مَالِكٍ (٢) مِثْلُ مَا فِي كبَارِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣) : يُفْدَى صِغَارُ الصَّيْدِ بِالْمِثْلِ مِنْ صِغَارِ النَّعَمِ، وَكِبَارُ الصَّيْدِ بِالْكِبَارِ مِنْهَا. وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ (٤) . وَحُجَّتُهُ أَنَّهَا حَقِيقَةُ الْمِثْلِ، فَعِنْدَهُ فِي النَّعَامَةِ الْكَبِيرَةِ بَدَنَةٌ، وَفِي الصَّغِيرَةِ فَصِيلٌ. وَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَصْلِهِ فِي الْقِيمَةِ) (٥) .
إذا ذبح في غير الحرم يجب عليه قِيمَتُه؛ لأن الإراقة تُعتَبَر فيه الحواشي
(١) يُنظر: "معجم لغة الفقهاء" (ص: ١٥٥)؛ حيث قال: "الثني: كل ما سقطت ثنيته من الحيوان، ج ثناء وثنيان، وهي ثنية ج ثنيات".(٢) يُنظر: "الجامع لمسائل المدونة" للصقلي (٥/ ٧٢٩)؛ حيث قال: "وفي صغار الصيد مثل ما في كِبارِهِ، خلافًا للشافعي في قوله: إن في النعامة الكبيرة بدنة، وفي الصغيرة فَصيلًا، وفي حمار الوحش بقرة، وفي سخْلِه عجلًا".(٣) يُنظر: "البيان في مذهب الإمام الشافعي" للعمراني (٤/ ٢٣٥)؛ حيث قال: "ويجب في صغار ما له مثل من النعم صغير مثله من النَّعَم".(٤) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ٣٧٤)؛ حيث قال: "وهو معنى ما روي عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود ﵃ في تأويل قول اللَّه : ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ ".(٥) "تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق" للزيلعي (٢/ ٦٥)؛ حيث قال: "وفيما إذا ذبح في غير الحرم يجب عليه قيمته؛ لأن الإراقة تعتبر فيه لما ذكرنا ويخرج عن العهدة بالتصدق لا غير، ولا يجوز في الهدايا إلا ما يجوز في الضحايا؛ لأن مطلق اسم الهدي ينصرف إليه، وهو المذكور في قوله تعالى ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] كما انصرف إليه هدي المتعة والقران المذكور في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وأوجب محمد والشافعي صغار النعم؛ لأن الصحابة أوجبوا جفرة وعناقًا قلنا: يجوز ذلك على سبيل الإطعام كالمذبوح في غير الحرم، وهو تأويل ما روي عنهم".стр. 4390
ويتصدَّق، وأوجب الشافعي صغارَ النَّعَم؛ لأن الصحابة أوجبوا جفرة وعَناقًا.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي حَمَامِ مَكَّةَ وَغَيْرِهَا فَقَالَ مَالِكٌ (١) : فِي حَمَامِ مَكَّةَ شَاةٌ، وَفِي حَمَامِ الْحِلِّ حُكُومَةٌ. وَاخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ (٢) فِي حَمَامِ الْحَرَمِ غَيْرِ مَكَّةَ، فَقَالَ مَرَّةً: شَاةٌ كَحَمَامِ مَكَّةَ، وَمَرَّةً قَالَ: حُكُومَةٌ كحَمَامِ الْحِلِّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣) : فِي كُلِّ حَمَامٍ شَاةٌ، وَفِي حَمَامِ سِوَى الْحَرَمِ قِيمَتُهُ. وَقَالَ دَاوُدُ (٤) : كُلُّ شَيْءٍ لَا مِثْلَ لَهُ فِي الصَّيْدِ فَلَا جَزَاءَ فِيهَا إِلَّا الْحَمَامُ فَإِنَّ فِيهِ شَاةً، وَلعَلَّهُ ظَنَّ ذَلِكَ إِجْمَاعًا، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ (٥) . وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الطَّيْرِ شَاةٌ) (٦) . الحواشي
(١) يُنظر: "المدونة" (١/ ٤٥٠)، حيث فيها: "فما قول مالك في حمام الحرم يصيده المحرم؟ قال مالك: لم أزل أسمع أن في حمام مكة شاة شاة، قال مالك: وحمام الحرم بمنزلة حمام مكة فيها شاة شاة".(٢) يُنظر: "المدونة" (١/ ٤٥٠)؛ حيث فيها: "قلت: فما قول مالك في غير حمام مكة إذا أصابه المحرم؟ قال: حكومة، ولا يشبه حمام مكة ولا حمام الحرم. قال: وكان مالك يكره للمحرم أن يذبح الحمام إذا أحرم الوحشي وغير الوحشي؛ لأن أصل الحمام عنده طير يطير".(٣) يُنظر: "الأم" للشافعي (٢/ ٢١٦)، حيث قال: " (قال الشافعي): وقد ذهب ذاهب إلى أن في حمام مكة شاة، وما سواه من حمام غير حمام مكة وغيره من الطائر قيمته".(٤) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ١٤٦)، حيث قال: "وشذت فرقة منهم داود بن علي فقالوا: لا جزاء على من قتل في الحرم شيئًا من الصيد إلا أن يكون محرِمًا".(٥) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ١٤٦)؛ حيث قال: "وقد روي عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن عمر في حمام الحرم شاة في كل واحدة منها، ولم يخصوا محرِمًا من حلال ولا مخالف لهم من الصحابة، وقد يوجد لداود سلف من التابعين".(٦) أخرج ابن أبى شيبة(٨٢٨١) : عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: "فِي كُلِّ طَيْرٍ حَمَامَةٍ فَصَاعِدًا شَاةٌ شَاة، قَمَرِيٍّ أُوْ دُبْسِيٍّ، وَالْحَجَلَةِ، وَالْقَطَاةِ، وَالْحُبَارَى، يَعْنِي الْعُصْفُورَ وَالْكَرَوَانَ، =стр. 4391
وهذا يدلُّ على أنَّ أهل الظاهر قد يُخالفون الأمَّة في القياس، إلا أنَّ عندهم حرصٌ على الأثر، والعمل بأقوال الصحابة.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي بَيْضِ النَّعَامَةِ، فَقَالَ مَالِكٌ (١) : أَرَى فِي بَيْضِ النَّعَامَةِ عُشْرُ ثَمَنِ الْبَدَنَةِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢) عَلَى أَصْلِهِ فِي الْقِيمَةِ، وَوَافَقَهُ الشَّافِعِيُّ (٣) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ (٤) . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٥) : إِنْ كَانَ فِيهَا فَرْخٌ مَيِّتٌ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ، أَعْنِي: جَزَاءَ النَّعَامَةِ. وَاشْتَرَطَ أَبُو ثَوْرٍ (٦) فِي ذَلِكَ أَنْ يَخْرُجَ حَيًّا ثُمَّ يَمُوتُ. الحواشي
(١) يُنظر: "الجامع لمسائل المدونة" للصقلي (٥/ ٧١٢)؛ حيث قال: "وفي بيض النَّعَامة عُشر ثمن البَدَنة".(٢) يُنظر: "بداية المبتدي" للمرغيناني (ص: ٥٣)؛ حيث قال: "ومن كسر بيض نعامة فعليه قيمته".(٣) يُنظر: "الأم" للشافعي (٢/ ٢٠٩)؛ حيث قال: "وفي بيض النعام قيمته؛ لأنه حيث يصاب من قبل أنه خارج مما له مثل من النعم، وداخل فيما له قيمة من الطير مثل الجرادة وغيرها قياسًا على الجرادة فإن فيها قيمتها".(٤) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ٣٨٣)؛ حيث قال: "وقال أبو ثور فى بيض النعامة مثل قول أبي حنيفة".(٥) يُنظر: "مختصحر القدوري" (ص: ٧٣)؛ حيث قال: "ومن كسر بيضَ صيدٍ فعليه قيمته، فإن خرج من البيض فرخ فعليه قيمته كاملة، ومن كسر بيض صيد فعليه قيمته، فإن خرج من البيض فرخ ميت فعليه قيمته حيًّا".(٦) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ٣٨٣)؛ حيث قال: "وقال أبو ثور في بيض النعامة مثل قول أبي حنيفة وقال: إن كسر بيضة كان فيها فرخ فإن كان حيًّا ثم مات، فإن كان من بيض النعام ففيه بدنة، وإن كان من بيض الحمام ففيه شاة، وإن كان من غير ذلك ففيه ثمنه إن كان له ثمن، قال: وفيها قول آخر إن كان من الحمام فداه بجدي صغير أو جمل صغير، وذلك أنهم قالوا في الحمام شاة فلما كان فرخًا كان فيه من الشاء الصغير إذا كان صغيرًا، وإذا كان كبيرًا كان فيه شاة كبيرة، وكان في فرخ النعامة فصيل صغير".стр. 4392
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ (١) أَنَّهُ قَضَى فِي بَيْضِ النَّعَامَةِ بِأَنْ يُرْسِلَ الْفَحْلُ عَلَى الْإِبِلِ، فَإِذَا تَبَيَّنَ لِقَاحُهَا سَمَّيْتَ مَا أَصَبْتَ مِنَ الْبَيْضِ. فَقُلْتُ: وَهَذَا هَدْيٌ. ثُمَّ لَيْسَ عَلَيْكَ ضَمَانُ مَا فَسَدَ مِنَ الْحَمْلِ. وَقَالَ عَطَاءٌ (٢) : مَنْ كَانَتْ لَهُ إِبِل فَالْقَوْلُ قَوْلُ عَلِيٍّ، وَإِلَّا فِي كُلِّ بَيْضَةٍ دِرْهَمَانِ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ كَعْبِ بن عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﵊: "فِي بَيْضِ النَّعَامَةِ يُصِيبُهُ الْمُحْرِمِ ثَمَنُهُ" (٣) مِنْ وَجْهٍ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ (٤) . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ فِيهِ الْقِيمَةَ (٥) ، وَقَالَ: وَفِيهِ أَثَرٌ ضَعِيفٌ).
وما ورد في القيمة فيما يتعلَّق ببيض النعام ضعيف، لا يقوى للاحتجاج.
* قوله: (وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْجَرَادَ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ يَجِبُ عَلَى الحواشي
(١) أخرج عبد الرزاق(٨٣٠٠) : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "قَضَى عَلِيٌّ فِي بَيْضِ النَّعَامِ يُصِيبُهُ الْمُحْرِمُ، تُرْسِلُ الْفَحْلَ عَلَى إِبِلِكَ، فَإِذَا تَبَيَّنَ لِقَاحُهَا سُميتْ عَدَدَ مَا أَصَبْتَ مِنَ الْبَيْضِ"، فَقُلْتُ: هَذَا هَدْيٌ، ثُمَّ لَيْسَ عَلَيْكَ ضَمَانُ مَا فَسَدَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَعَجِبَ مُعَاوِيَةُ مِنْ قَضَاءِ عَلِيٍّ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهَلْ يَعْجَبُ مُعَاوِيَةُ مِنْ عَجَبٍ، مَا هُوَ إِلَّا مَا بِيعَ بِهِ الْبَيْضُ فِي السُّوقِ، يُتَصَدَّقُ بِهِ".(٢) أخرج البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (٢/ ١٠٧): عَنْ عَطَاءٍ، أَنَّهُ قَالَ: "إِنْ أَصَبْتَ بِيضَ نَعَامَةٍ وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ غُرِّمْتَهَا تُعَظِّمُ بِذَلِكَ حُرُمَاتِ اللَّهِ".(٣) وجدتُه عن عكرمة عن كعب في "مصنف عبد الرزاق"(٨٣٠٢) : عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ كَعْبِ ابْنِ عُجْرَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِي بَيْضِ النَّعَامِ يُصِيبُهُ الْمُحْرِمُ بِثَمَنِهِ".(٤) يُنظر: "الأحكام الوسطى" لابن الخراط (٢/ ٣٣١)؛ حيث قال: "وعن حسين بن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن عباس، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن كعب بن عجرة عن النبي ﷺ أنه قضى في بيض نعام أصابها محرم بقدر ثمنه". أبو المهزم وحسين ضعيفان، وأبو المهزم أكثر".(٥) أخرج ابن أبي شيبة(١٥٢٠٨) : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "فِي بَيْضِ النَّعَامِ قِيمَتُهُ".стр. 4393
الْمُحْرِمِ فِيهِ الْجَزَاءُ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَاجِبِ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ عُمَرُ (١) ﵁: قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (٢) . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ (٣) : تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ).
هذا القول مشهور في كتب الأحناف، وهو ينظرون في هذا إلى المعنى أكثر من غيره.
(وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٤) : فِي الْجَرَادِ قِيمَتُهُ. وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ (٥) إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ مَا تَصَدَّقَ بِهِ مِنْ حَفْنَةِ طَعَامٍ أَوْ تَمْرَةٍ فَهُوَ لَهُ قِيمَةٌ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (٦) أَنَّ فِيهَا تَمْرَةً مِتْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ رَبِيعَةُ (٧) : فِيهَا صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ، وَهُوَ شَاذٌّ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ فِيهَا شُوَيْهَةً، وَهُوَ أَيْضًا شَاذٌّ).
شويهة: تصغير شاة، والجمع شياه بالهاء. الحواشي
(١) أخرجه مالك في "الموطأ" (١/ ٤١٦): عن زيد بن أسلم، أن رجلًا جاء إلى عمر بن الخطاب، فقال: يا أمير المؤمنين. إني أصبت جرادات بسوطي وأنا محرم. فقال له عمر: "أطعم قبضة من طعام".(٢) يُنظر: "الذخيرة" للقرافي (٣/ ٣٣٧)؛ حيث قال: "قال ابن القاسم في الجراد قبضة من طعام".(٣) يُنظر: "مختصر القدوري" (ص: ٧٣)؛ حيث قال: "ومن قتل جَرادَةً تصَدَّقَ بما شاء وتمرة خير من جرادة".(٤) يُنظر: "الأم" للشافعي (٢/ ٢١٨)؛ حيث قال: قول عمر: "درهمان خير من مئة جرادة، يدل على أنه لا يرى في الجراد إلا قيمته".(٥) لم أقف عليه.(٦) أخرجه عبد الرزاق(٨٢٥٠) : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "أَدْنَى مَا يُصِيبُهُ الْمُحْرِمُ الْجَرَادُ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَهَا جَزَاءٌ، وَفِيهَا تَمْرَةٌ".(٧) "المسالك في شرح موطأ مالك" لابن العربي (٤/ ٤٦٥)؛ حيث قال: "وقال رَبيعَة: في الجرادة صاعٌ من تمرٍ، وهو أهون الصَّيدِ، وأكثر العلماء على أنَّه عليه في الجرادة تمرةٌ، وقول رَبيعة لا يُلْتَفت إليه بوجهٍ؛ لأنَّه لم يَعْرِف الآثار الواردة في ذلك".стр. 4394
* قوله: (فَهَذِهِ هِيَ مَشْهُورَاتُ مَا اتَّفَقُوا عَلَى الْجَزَاءِ فِيهِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا هُوَ الْجَزَاءُ فِيهِ. وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِيمَا هُوَ صَيْدٌ مِمَّا لَيْسَ بِصَيْدٍ، وَفِيمَا هُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ مِمَّا لَيْسَ مِنْهُ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ صَيْدَ الْبَرِّ مُحَرَّمٌ عَلَى الْمُحْرِمِ إِلَّا الْخَمْسَ الْفَوَاسِقَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهَا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَلْحَقُ بِهَا مِمَّا لَيْسَ يَلْحَقُ. وَكَذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ صَيْدَ الْبَحْرِ حَلَالًا كُلَّهُ لِلْمُحْرِمِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا هُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ مِمَّا لَيْسَ مِنْهُ. وَهَذَا كُلُّهُ لِقَوْلِهِ -تَعَالَى-: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]).
هذه مقدِّمة بين يدي الأحكام التالية.
* قوله: (وَنَحْنُ نَذْكُرُ مَشْهُورَ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ مِنْ هَذَيْنِ الْجِنْسَيْنِ، وَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ - فَنَقُولُ: ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ جُنَاحٌ فِي قَتْلِهِنَّ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ") (١) .
وفيه دليل على أن المحرم إذا قتلهن لم يلزمه الفداء في شيء منهن، وكل دابة لم تحرم بالحرم لم تحرم على المحرم بحال، ويدخل في معناهن: الحيات والهوام، ذوات السموم والضرر، ويدخل في معنى الكلب العقور: الذئاب، والنُّمور والأسد الضارية.
* قوله: (وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْقَوْلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَجُمْهُورُهُمْ عَلَى الْقَوْلِ بِإِبَاحَةِ قَتْلِ مَا تَضَمَّنَهُ، لِكَوْنِهِ لَيْسَ بِصَيْدٍ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمُ اشْتَرَطَ فِي ذَلِكَ أَوْصَافًا مَا).
أجمع العلماء على القول بجملة الحديث، إلا أنهم اختلفوا في الحواشي
(١) أخرجه البخاري(١٨٢٨) ، ومسلم(١١٩٨) .стр. 4395
تفصيلها، فقال بظاهر حديث ابن عمر وحفصة: مالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: ولم يَعْن بالكلب العقور الكلاب الإنسية، وإنما عنى بذلك كل سبع يعقر، كذلك فسره مالك وابن عُيينة وأهل اللغة. وقال الخليل: كل سبع عقور كلب.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا هَلْ هَذَا بَابٌ مِنَ الْخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ، أَوْ مِنْ بَابِ الْخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ الْعَامُّ. وَالَّذِينَ قَالُوا: هُوَ مِنْ بَابِ الْخَاصِّ أُرِيدَ الْعَامُّ - اخْتَلَفُوا فِي أَيِّ عَامٍّ أُرِيدَ بِذَلِكَ، فَقَالَ مَالِكٌ (١) : الْكَلْبُ الْعَقُورُ الْوَارِدُ فِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى كُلِّ سَبُعٍ عَادٍ، وَأَنَّ مَا لَيْسَ بِعَادٍ مِنَ السِّبَاعِ فَلَيْسَ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُهُ. وَلَمْ يَرَ قَتْلَ صِغَارِهَا الَّتِي لَا تَعْدُو، وَلَا مَا كَانَ مِنْهَا أَيْضًا لَا يَعْدُو. وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي قَتْلِ الْحَيَّةِ وَالْأَفْعَى وَالْأَسْوَدِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تُقْتَلُ الْأَفْعَى وَالْأَسْوَدُ") (٢) .
والمعنى في جواز قتل من ذكر؛ لأنهن مما لا يؤكل، وكل ما لا يؤكل ولا هو متولد من مأكول فقتله جائز للمحرم ولا فدية عليه.
* قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ (٣) : لَا أَرَى قَتْلَ الْوَزَغِ، وَالْأَخْبَارَ بِقَتْلِهَا الحواشي
(١) "شرح الرسالة" للقاضي عبد الوهاب (٢/ ٢٠٣)؛ حيث قال: "عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ سئل ما يقتل المحرم؟ قال له: الحية، والعقرب، والفويسقة، ويرمى الغراب ولا يقتله، والكلب العقور، والحدأة والسبع العادي. وهذا نص في قتل كل سبع".(٢) أخرج أحمد(١١٧٥٥) : عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ: الْأَفْعَى، وَالْعَقْرَبَ، وَالْحِدَاءَ، وَالْكَلْبَ الْعَقُورَ، وَالْفُويسِقَةَ"، قُلْتُ: مَا الْفُوَيْسِقَةُ؟ قَالَ: "الْفَأْرَةُ"، قُلْتُ: وَمَا شَأنُ الْفَأْرَةِ؟ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَيْقَظَ، وَقَدْ أَخَذَتِ الْفَتِيلَةَ، فَصَعِدَتْ بِهَا إِلَى السَّقْفِ لِتُحَرِّقَ عَلَيْهِ.(٣) "التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب" (٣/ ٩٩)؛ حيث قال: "وهل يقتل الوزغ؟ قال مالك: لا بأس بقتل الحلال الوزغ في الحرم. مالك: ولو تركت لكثرت وغلبت. الباجي: فجعل مالك ﵀ أذاها في كثرتها؛ لأن لها أذى بإفساد ما تدخل فيه. =стр. 4396
مُتَوَاتِرَةً، لَكِنْ مُطْلَقًا لَا فِي الْحَرَمِ، وَلِذَلِكَ تَوَقَّفَ فِيهَا مَالِكٌ فِي الْحَرَمِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١) : لَا يُقْتَلُ مِنَ الْكِلَابِ الْعَقُورَةِ إِلَّا الْكَلْبُ الْإِنْسِيُّ وَالذِّئْبُ. وَشَذَّتْ طَائِفَةٌ (٢) فَقَالَتْ: لَا يُقْتَلُ إِلَّا الْغُرَابُ الْأَبْقَعُ).
شذت فرقة من أهل الحديث فقالوا: لا يقتل المحرم إلا الغراب الأبقع خاصة.
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣) : كُلُّ مُحَرَّمِ الْأَكْلِ فَهُوَ مَعْنِيٌّ فِي الحواشي
(١) "تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق" للزيلعي (٢/ ٦٦)؛ حيث قال: " (ولا شيء بقتل غراب وحدأة وذئب وحية وعقرب وفارة وكلب عقور بعوض، ونمل وبرغوث وقراد وسلحفاة) لما روي "أنه ﵊ أمر بقتل خمس فواسق في الحل والحرم: الغراب، والحِدَأة، والعقرب، والفارة، والكلب العقور" متفق عليه، والمراد بالكلب العقور: الذئب أو ثبت جواز قتله بدلالة النص؛ لأنه مثل الخمس في الابتداء بالأذى، والمراد بالغراب الأبقع: الذي يأكل الجيف أو يخلط، وأما العقعق: فلا يحل قتله للمحرم وإن قتله فعليه الجزاء؛ لأنه لا يُسمَّى غرابًا عرفًا ولا يبتدئ بالأذى، وعن أبي حنيفة أن الكلب العقور وغير العقور والمستأنس منه والمتوحش سواء، والفارة الأهلية والبرية سواء".(٢) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ١٥٨)؛ حيث قال: "وشذت فرقة أُخرى فقالت: لا يقتل من الغربان إلا الغراب الأبقع، واحتجوا بما حدثنا محمد بن إبراهيم، قال: حدثني محمد بن معاوية، قال: حدثني أحمد بن شعيب، قال: أخبرنا عمر بن علي، قال: حدثني يحيى، قال: حدثني شعبة، قال: حدثني قتادة، عن سعيد بن المسيب عن عائشة عن النبي ﷺ قال: "خمس يَقتُلهن المحرم: الحيَّةُ، والفأرةُ، والحِدأةُ، والغراب والأبقع، والكلب العقور، قال أبو عمر: الأبقع من الغربان الذي في ظهره وبطنه بياض وكذلك الكلب الأبقع أيضًا، وأما الأدرع: فهو الأسود، والغراب الأعصم: هو الأبيض الرجلين، وكذلك الوعل الأعصم عصمته بياض في رجليه".(٣) يُنظر: "الأم" للشافعي (٢/ ٢٢٩)؛ حيث قال: "وما لا يؤكل لحمه من الصيد صنفان: =стр. 4397
الْخَمْسِ. وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ إِنَّمَا حُرِّمَ عَلَى الْمُحْرِمِ مَا أُحِلَّ لِلْحَلَالِ، وَأَنَّ الْمُبَاحَةَ الْأَكْلُ لَا يَجُوزُ قَتْلُهَا بِإِجْمَاعٍ؛ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَيْدِ الْبَهَائِمِ (١) . وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ (٢) فَلَمْ يَفْهَمْ مِنِ اسْمِ الْكَلْبِ الْإِنْسِيَّ فَقَطْ، بَلْ مِنْ مَعْنَاهُ كُلُّ ذِئْبٍ وَحْشِيٍّ).
هذا المذهب ظاهر من استقراء كتب الأحناف، وهذا يدل على ذكاء المؤلف.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الزُّنْبُورِ (٣) فَبَعْضُهُمْ شَبَّهَهُ بِالْعَقْرَبِ (٤) ، الحواشي
(١) أخرج البخاري(٥٥١٤) : عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَغُلَامٌ مِنْ بَنِي يَحْيَى رَابِطٌ دَجَاجَةً يَرْمِيهَا، فَمَشَى إِلَيْهَا ابْنُ عُمَرَ حَتَّى حَلَّهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ بِهَا وَبالْغُلَام مَعَهُ فَقَالَ: ازْجُرُوا غُلَامَكُمْ عَنْ أَنْ يَصْبِرَ هَذَا الطَّيْرَ لِلْقَتْلِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ "نَهَى أَنْ تُصْبَرَ بَهِيمَةٌ أَوْ غَيْرُهَا لِلْقَتْلِ".(٢) يُنظر: "النهر الفائق شرح كنز الدقائق" (٢/ ١٣٩)؛ حيث قال: " (وذئب) بالهمز والجمع ذهب وذئاب، قيل: اشتقاقه من ذهبت الريح إذا جاءت من كل وجه؛ لما أخرجه الدارقطني عن ابن عمر قال: "أمر رسول اللَّه ﷺ بقتل الذئب والفأرة والحدأة والغراب" ورواه ابن أبي شيبة مقتصرًا على الذئب؛ لأنه يبتدئ بالأذى غالبًا، والغالب كالمتحقق وأن له الطحاوي منها. وعلى هذا فلا حاجة لما قيل المراد من الذئاب الكلب في الحديث أو أنه ألحق بالكلب دلالة بجامع الابتداء بالأذى".(٣) الزُّنْبُورُ: طائرٌ يَلْسَعُ. والجميعُ: زَنابير. انظر: "العين" للخليل (٧/ ٤٠٠).(٤) الأحناف، يُنظر: "البحر الرائق شرح كنز الدقائق" لابن نجيم المصري (٣/ ٣٦)؛ حيث قال: "ثم اعلم أن الكلام إنما هو في وجوب الجزاء بقتله، وأما حل القتل فما لا يؤذي لا يحل قتله فالكلب الأهلي إذا لم يكن مؤذيًا لا يحِلُّ قتله؛ لأن الأمر بقتل الكلاب نسخ فقيد القتل بوجوب الإيذاء. وأما البعوض، وما كان مثله من هوام =стр. 4398
وَبَعْضُهُمْ رَأَى أَنَّهُ أَضْعَفُ نِكَايَةً مِنَ الْعَقْرَبِ. وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهَا تَتَضَمَّنُ أَنْوَاعًا مِنَ الْفَسَادِ، فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ مِنْ بَاب الْخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ الْعَامُّ أَلْحَقَ بِوَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْهَا مَا يُشْبِهُهُ إِنْ كَانَ لَهُ شَبَةٌ، وَمَنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ قَصَرَ النَّهْيَ عَلَى الْمَنْطُوقِ بِهِ. وَشَذَّتْ طَائِفَةٌ فَقَالَتْ: لَا يُقْتَلُ إِلَّا الْغُرَابُ الْأَبْقَعُ (١) . فَخَصَّصَتْ عُمُومَ الِاسْمِ الْوَارِدِ فِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: "خَمْسٌ يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ، فَذَكَرَ فِيهِنَّ: الْغُرَابَ الْأَبْقَعَ" (٢) . وَشَذَّ النَّخَعِيُّ (٣) فَمَنَعَ الْمُحْرِمَ قَتْلَ الصَّيْدِ إِلَّا الْفَأْرَةَ).
واختلفوا في الزنبور؛ فشبهه بعضهم بالحية والعقرب، فإن عرض لإنسان فدفعه عن نفسه لم يكن عليه فيه شيء. الحواشي
(٨٤٢) .(١) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ١٥٨)؛ حيث قال: "وشذت فرقة أُخرى، فقالت: لا يقتل من الغربان إلا الغراب الأبقع".(٢) سبق تخريجه.(٣) لم أقف عليه.стр. 4399
* قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِيمَا هُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ مِمَّا لَيْسَ هُوَ مِنْهُ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ السَّمَكَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ (١) ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَا السَّمَكَ، وَذَلِكَ بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ مَا كَانَ مِنْهُ يَحْتَاجُ إِلَى ذَكَاةٍ فَلَيْسَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ، وَأَكْثَرُ ذَلِكَ مَا كَانَ مُحْرِمًا. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ مَنْ يُحِلُّ جَمِيعَ مَا فِي الْبَحْرِ فِي أَنَّ صَيْدَهُ حَلَالٌ (٢) ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِيمَا كَانَ مِنَ الْحَيَوَانِ يَعِيشُ فِي الْبِرِّ وَفِي الْمَاءِ بِأَيِّ الْحُكْمَيْنِ يُلْحَقُ؟ وَقِيَاسُ قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يُلْحَقُ بِالَّذِي عَيْشُهُ فِيهِ غَالِبًا، وَهُوَ حَيْثُ يُولَدُ. وَالْجُمْهُورُ (٣) ) عَلَى أَنَّ طَيْرَ الْمَاءِ مَحْكُومٌ لَهُ بِحُكْمِ حَيَوَانِ الْبَرِّ. وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ (٤) أَنَّهُ قَالَ فِي طَيْرِ الْمَاءِ: حَيْثُ يَكُونُ أَغْلَبُ عَيْشِهِ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِهِ).
اختلفوا فيما عدا السمك، على ما ذكر المؤلف، وأخذ الجمهور بالقول بأن طير الماء حكمه حكم حيوان البر.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي نَبَاتِ الْحَرَمِ هَلْ فِيهِ جَزَاءٌ؟ أَمْ لَا؟ فَقَالَ الحواشي
(١) يُنظر: "مراتب الإجماع" لابن حزم (ص: ٤٤)؛ حيث قال: "وأجمعوا أن له أن يتصيد في البحر ما شاء من سمكه".(٢) يُنظر: "مراتب الإجماع" لابن حزم (ص: ١٤٨)؛ حيث قال: "واتفقوا أن السمك المتصيد من البحر والأنهار والبرك والعيون إذا صيد حيًّا وذبح وتولى ذلك منه مسلم بالغ عاقل ليس سكران: أن أكله حلال".(٣) يُنظر: "المغني" لابن قدامة (٣/ ٣١٦)؛ حيث قال: "فأما طير الماء، كالبط ونحوه، فهو من صيد البر، في قول عامة أهل العلم. وفيه الجزاء. وحكي عن عطاء أنه قال: حيث يكون أكثر، فهو صيده. وقول عامة أهل العلم أولى؛ لأنه يَبِيض في البَرِّ، ويفرخ فيه، فكان من صيد البر، كسائر طيره، وإنما إقامته في البحر لطلب الرزق، والمعيشة منه، كالصياد. فإن كان جنس من الحيوان، نوع منه في البحر ونوع في البر، كالسلحفاة، فلكل نوع حكم نفسه، كالبقر، منها الوحشي محرم، والأهلي مباح".(٤) أخرجه عبد الرزاق(٨٤٢٢) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: وَسَأَلْتُ عَطَاءً عَنِ ابْنِ الْمَاءِ أَصَيْدُ بِرٍّ هُوَ أَمْ صَيْدُ بَحْرٍ؟ وَعَنْ أَشْبَاهِهِ قَالَ: "حَيْثُ يَكُونُ أَكْثَرُ فَهُوَ صَيْدُهُ".стр. 4400
مَالِكٌ (١) : لَا جَزَاءَ فِيهِ، وَإِنَّمَا فِيهِ الْإِثْمُ فَقَطْ، لِلنَّهْيِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢) : فِيهِ الْجَزَاءُ، فِي الدَّوْحَةِ بَقَرَةٌ، وَفِيمَا دُونَهَا شَاةٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣) : كُلُّ مَا كَانَ مِنْ غَرْسِ الْإِنْسَانِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ، وَكُلُّ مَا كَانَ نَابِتًا بِطَبْعِهِ فَفِيهِ قِيمَةٌ).
ولو احتيج إلى شيء من نبات الحرم للدواء جاز قطعه على الأصح.
* قوله: (وَسَبَبُ الْخِلَافِ: هَلْ يُقَاسُ النَّبَاتُ فِي هَذَا عَلَى الْحَيَوَانِ؛ لِاجْتِمَاعِهِمَا فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ ﵊: "لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا" (٤) ).
فيه دلالة لمن يقول بتحريم جميع نبات الحرم من الشجر والكلأ سواء الشوك المؤذي وغيره.
* قوله: (فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي مَشْهُورِ مَسَائِلِ هَذَا الْجِنْسِ، فَلْنَقُلْ فِي حُكْمِ الْحَالِقِ رَأْسَهُ قَبْلَ مَحَلِّ الْحَلْقِ).
نقلَنا المؤلف إلى نوع آخر من المسائل. الحواشي
(١) يُنظر: "الجامع لمسائل المدونة" لأبي بكر الصِّقلي (٥/ ٦٨٧)؛ حيث قال: "يحرم قطع ما ينبت بنفسه من نبات الحرم، ولا جزاء فيه".(٢) يُنظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (٤/ ٣١٣)؛ حيث قال: " (قال الشافعي) ﵁: وفي الشجرة الصغيرة شاء وفي الكبيرة بقرة، وذكروا هذا عن ابن الزبير وعطاء".(٣) يُنظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (٢/ ٢١٠)؛ حيث قال: "نبات الحرم لا يخلو إما أن يكون مما لا ينبته الناس عادة، وإما أن يكون مما ينبته الناس عادة، فإن كان مما لا ينبته الناس عادة إذا نبت بنفسه وهو رطب فهو محظور القطع والقلع على المحرم والحلال جميعًا، نحو الحشيش الرطب والشجر الرطب إلا ما فيه ضرورة وهو الإذخر، فإن قلعه إنسان أو قطعه فعليه قيمته للَّه تعالى سواء كان محرمًا أو حلالًا بعد أن كان مخاطبًا بالشرائع".(٤) أخرجه البخاري(١٣٤٩) .стр. 4401
[الْقَوْلُ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى وَحُكْمُ الْحَالِقِ رَأْسَهُ قَبْلَ مَحَلِّ الْحَلْقِ]
قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وَأَمَّا فِدْيَةُ الْأَذَى فَمُجْمَعٌ أَيْضًا عَلَيْهَا (١) )، لِوُرُودِ الْكِتَابِ بِذَلِكَ وَالسُّنَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ -تَعَالَى-: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَحَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ الثَّابِتُ "أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحْرِمًا، فَآذَاهُ الْقَمْلُ فِي رَأْسِهِ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: "صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّام، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ مُدَّيْنِ لِكُلِّ إِنْسَانٍ، أَوِ انْسُكْ بِشَاةٍ، أَيَّ ذَلِكَ فَعَلَتَ أَجْزَأَ عَنْكَ") (٢) .
أهل العلم لم يختلفوا في المُحرم بالحج والعمرة، مِمَّنْ لم يحصر أنَّه إذا أصابه أذى في رأسه، أو أصابهُ مَرَضٌ أنَّه يحلقَ، وأنَّ عليه الفدية.
* قوله: (وَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى مَنْ تَجِبُ الْفِدْيَةُ، وَعَلَى مَنْ لَا تَجِبُ. وَإِذَا وَجَبَتْ فَمَا هِيَ الْفِدْيَةُ الْوَاجِبَةُ؟ وَفِي أَيِّ شَيْءٍ تجِبُ الْفِدْيَةُ؟ وَلِمَنْ تَجِبُ، وَمَتَى تَجِبُ، وَأَيْنَ تَجِبُ؟ فَأَمَّا عَلَى مَنْ تَجِبُ الْفِدْيَةُ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مَنْ أَمَاطَ الأَذَى مِنْ الحواشي
(١) يُنظر: "شرح صحيح البخاري" لابن بطال (٤/ ٣٧١)؛ حيث قال: "لم يختلف أهل العلم في المحرم بالحج والعمرة مِمَّنْ لم يحصر أنه إذا أصابه أذى في رأسه، أو أصابهُ مرض أنه يحلقَ وأن عليه الفدية المذكورة في الآية التى تليها، وأن القصد بها إلى المحصرين لا يمنع أن يدخل فيها من سواهم من المحرمين غير المحصرين".(٢) أخرجه مالك (١/ ٤١٧)، وأحمد(١٨١٠٦) ، وقال الأرناؤوط: "إسناده صحيح على شرط الشيخين".стр. 4402
ضَرُورَةٍ لِوُرُودِ النَّصِّ بِذَلِكَ (١) ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَمَاطَهُ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَقَالَ مَالِكٌ (٢) : عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهَا).
عند مالك: أنَّ الضرورةَ تُؤثِّر في رفع الإثم فقط، ولا تُؤثِّر في سقوط الفدية.
(وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣) ، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٤) : إِنْ حَلَقَ دُونَ ضَرُورَةٍ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ دَمٌ فَقَطْ).
دون الضرورة، بأن احتاج إلى الحلق احتياجًا غير ضروري.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا هَلْ مِنْ شَرْطِ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ بِإِمَاطَةِ الْأَذَى أَنْ يَكُونَ مُتَعَمِّدًا؟ أَوِ النَّاسِي فِي ذَلِكَ وَالْمُتَعَمَّدُ سَوَاءٌ؟ فَقَالَ مَالِكٌ (٥) : الْعَامِدُ فِي ذَلِكَ وَالنَّاسِي وَاحِدٌ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ (٦) . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ (٧) ، وَأَهْلُ الحواشي
(١) سبق نقل الإجماع.(٢) يُنظر: "مواهب الجليل" للحطاب (٣/ ١٤٣)؛ حيث قال: "وتؤثِّر الضرورة في رفع الإثم فقط لا في سقوط الفدية".(٣) يُنظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (٤/ ١٠٤)؛ حيث قال: "قال الشافعي ﵁: وإن احتاج إلى حلق رأسه فحلقه فعليه فدية".(٤) يُنظر: "شرح مختصر الطحاوي" للجصاص (٢/ ٥٦١)؛ حيث قال: "وإذا حلق رأسه من غير ضرورة: فعليه دم لا يجزئه غيره".(٥) يُنظر: "شرح الزرقاني على مختصر خليل" (٢/ ٤٧١)؛ حيث قال: "وحلق أو قصر وظاهره أنه لا فرق بين وقوع ذلك منه في هذه المسألة وفيما بعدها عمدًا أو سهوًا، وأنه لا يقضي النسك في العمد (وافتدى لحلقه) إن كان قد تحلل به أولًا ولا بد من حلقه ثانيًا؛ لأن حلقه لم يصادف محلًّا".(٦) يُنظر: "التمهيد" لابن عبد البر (٢/ ٢٤٠)؛ حيث قال: "وهو قول أبي حنيفة والثوري والليث".(٧) يُنظر: "بحر المذهب" للروياني (٣/ ٤٥٣)؛ حيث قال: "وقوله: (عامدًا) راجع إلى الطيب لا إلى الحِلاق، فإن في الحلاق يستوي العمد والخطأ".стр. 4403
الظَّاهِرِ (١) : لَا فِدْيَةَ عَلَى النَّاسِي).
أخذ الظاهريَّة بعموم الأدلَّة في حقِّ الناسي.
* قوله: (فَمَنِ اشْتَرَطَ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ الضَّرُورَةَ فَدَلِيلُهُ النَّصُّ، وَمَنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الْمُضْطَرِّ فَحُجَّتُهُ أَنَّهُ إِذَا وَجَبَتْ عَلَى الْمُضْطَرِّ فَهِيَ عَلَى غَيْرِ الْمُضْطَرِّ أَوْجَبُ، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْعَامِدِ وَالنَّاسِي فَلِتَفْرِيقِ الشَّرْعِ فِي ذَلِكَ بَيْنَهُمَا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَلعُمُومِ قَوْله -تَعَالَى-: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وَلِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵊: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ" (٢) . وَمَنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا فَقِيَاسًا عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي لَمْ يُفَرِّقِ الشَّرْعُ فِيهَا بَيْنَ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ).
وقد تجاوز اللَّه لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، وهذا هو من ذلك الخَطأِ الذي تجاوز اللَّه العباد عنه.
* قوله: (وَأَمَّا مَا يَجِبُ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا ثَلَاثُ خِصَالٍ عَلَى التَّخْيِيرِ: الصِّيَامُ، وَالْإِطْعَامُ، وَالنُّسُكُ؛ لِقَوْلِهِ -تَعَالَى-: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْإِطْعَامَ هُوَ لِسِتَّةِ مَسَاكِينَ، وَأَنَّ النُّسُكَ أَقَلَّهُ شَاةٌ. وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ، وَعِكْرِمَةَ وَنَافِعٍ - أَنَّهُمْ قَالُوا: الْإِطْعَامُ لِعَشَرَةِ مَسَاكِينَ، وَالصِّيَامُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ) (٣) . الحواشي
(١) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ٣٨٥)؛ حيث قال: "وقال إسحاق وداود: لا فدية عليهم في شيء من ذلك إن صنعه ناسيًا".(٢) أخرجه ابن ماجه(٢٠٤٥) ، وقال الأرناؤوط: حديث صحيح.(٣) يُنظر: "مراتب الإجماع" لابن حزم (ص: ٤٤)؛ حيث قال: "وأجمعوا على أن من =стр. 4404
من حلق رأسه كله لعلة به فإن عليه فدية طعام لا يتجاوز عشرة مساكين، ولا يتجاوز صاعًا كل واحد ان لم يجد نسكًا، وتجزئه شاة أو صيام لا يكون أقل من ثلاثة أيام لمن لم يجد هديًا ولا طعامًا، ولا أكثر من عشرة أيام، فإن صامها متتابعة أجزأته باتفاق.
* قوله: (وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ الثَّابِتُ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: الصِّيَامُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ. فَقِيَاسًا عَلَى صِيَامِ التَّمَتُّعِ وَتَسْوِيَةِ الصِّيَامِ مَعَ الْإِطْعَامِ، وَلمَا وَرَدَ أَيْضًا فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ فِي قَوْلِه -سُبْحَانَهُ-: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]).
إن أصاب ما عدل شاة فصاعدًا أقيمت الشاة طعامًا، ثم جعل مكان كل مد يومًا يصومه.
* قوله: (وَأَمَّا كَمْ يُطْعِمُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مِنَ الْمَسَاكِينِ السِّتَّةِ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا النَّصُّ فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، لِاخْتِلَافِ الْآثَارِ فِي الْإِطْعَامِ فِي الْكَفَّارَاتِ، فَقَالَ مَالِكٌ (١) ، وَالشَّافِعِيُّ (٢) ، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٣) وَأَصْحَابُهُمُ: الْإِطْعَامُ فِي ذَلِكَ مُدَّانِ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ لِكُلِّ مِسْكِينٍ). الحواشي
(١) يُنظر: "المدونة" (١/ ٤٦٤)؛ حيث فيها: "قلت: أرأيت الطعام في فدية الأذى كم يكون عند مالك؟ قال: لستة مساكين مدين مدين لكل مسكين".(٢) يُنظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (٤/ ٢٣١)؛ حيث قال: "وهو إطعام ثلاثة آصع ستة مساكين، لكل مسكين مدان، وهو أعلى الإطعام المنصوص عليه في الكفارات، وقد سماها الشافعي في الإملاء فدية تعبد".(٣) يُنظر: "الحجة على أهل المدينة" للشيباني (٢/ ٣٦٦)؛ حيث قال: "جعل رسول اللَّه ﷺ في الفدية مدين مدين لكل مسكين".стр. 4405
إطعام ثلاثة آصع ستة مساكين، لكل مسكين مدان، وهو أعلى الإطعام المنصوص عليه في الكفارات.
* قوله: (وَرُويَ عَنِ الثَّوْرِيِّ (١) أَنَّهُ قَالَ: "مِنَ الْبُرِّ نِصْفُ صَاِعٍ، وَمِنَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ صَاعٌ". وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلُهُ (٢) ، وَهُوَ أصْلُهُ فِي الْكَفَّارَاتِ).
جعل أبو حنيفة في قولٍ آخر النصف من البر يعدل الصاع من التمر والشعير.
* قوله: (وَأَمَّا مَا تَجِبُ فِيهِ الْفِدْيَةُ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ لِضَرُورَةِ مَرَضٍ أَوْ حَيَوَانِ يُؤْذِيهِ فِي رَأْسِهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (٣) : الْمَرَضُ أَنْ يَكُونَ بِرَأْسِهِ قُرُوحٌ، وَالْأَذَى: الْقَمْلُ وَغَيْط. وَقَالَ عَطَاءٌ (٤) : الْمَرَضُ الصُّدَاعُ، وَالْأَذَى: الْقَمْلُ وَغَيْرُهُ).
والأولى حمله على عموم أَذَى الرَّأس، من قُمَّل وصداع وغير ذلك.
* قوله: (وَالْجُمْهُورُ (٥) عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا مُنِعَهُ الْمُحْرِمُ مِنْ لِبَاسِ الحواشي
(١) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ٣٨٥)؛ حيث قال: "وروي عن الثوري أنه قال في الفدية من البر: نصف صاع، ومن التمر والشعير والزبيب صاع".(٢) لم أقف عليه في كتب الأحناف، ولكن ذكره ابن عبد البر فقال في "الاستذكار" (٤/ ٣٨٥)، حيث قال: "وروي عن أبي حنيفة أيضًا مثله جعل نصفًا من بر يعدل صاعًا من تمر وشعير وهو أصله في الكفارات".(٣) أخرج ابن جرير في "تفسيره" (٣/ ٣٨٠): عن ابن عباس، قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] فمن اشتد مرضه، أو آذاه رأسه وهو محرم، فعليه صيام، أو إطعام، أو نسك، ولا يحلق رأسه حتى يقدم فديته قبل ذلك".(٤) أخرج ابن جرير في "تفسيره" (٣/ ٣٧٨): عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: ما أذى من رأسه؟ قال: "القمل وغيره، والصدع، وما كان في رأسه".(٥) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ٣٩٠)؛ حيث قال: "قال مالك فيمن أراد أن يلبس شيئًا من الثياب التي لا ينبغي له أن يلبسها وهو محرم أو يقصر شعره أو يمس طيبًا من غير ضرورة ليسارة مؤنة الفدية عليه قال: لا ينبغي لأحد أن يفعل ذلك =стр. 4406
الثِّيَابِ الْمَخِيطَةِ وَحَلْقِ الرَّأْسِ وَقَصِّ الْأَظْفَارِ، أَنَّهُ إِذَا اسْتَبَاحَهُ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، أَيْ: دَمٌ عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ، أَوْ إِطْعَامٌ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الضَّرَرِ وَغَيْرِهِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَكَذَلِكَ اسْتِعْمَالُ الطِّيبِ. وَقَالَ قَوْمٌ (١) : ليْسَ فِي قَصِّ الْأَظْفَارِ شَيْءٌ. وَقَالَ قَوْمٌ: فِيهِ دَمٌ (٢) . وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ (٣) أَنَّ مَنْعَ الْمُحْرِمِ قَصَّ الْأَظْفَارِ إِجْمَاعٌ).
أجمع أهل العلم على تحريم أن يأخذ الحرم من أظفاره.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَخَذَ بَعْضَ أَظْفَارِهِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٤) وَأَبُو الحواشي
(١) يُنظر: "التهذيب في اختصار المدونة" للبراذعي (١/ ٦٠٧)؛ حيث قال: "وإن قلَّم محرم أظفار حلال فلا بأس به، ولا ينبغي لمحرم أن يقلم أظفاره، فإن فعل ناسيًا أو جاهلًا افتدى، وإن قلمت له بأمره فعليه الفدية، وإن كان مكرهًا أو نائمًا فالفدية على الفاعل به ذلك من حلال أو حرام، وإن قلم ظفرًا واحدًا لإماطة أذى افتدى، وإن لم يمط [به] عنه أذى أطعم شيئًا من طعام، فإن انكسر ظفره فليقلمه ولا شيء عليه، وإن أصابت أصابعه قروح فاحتاج أن يداويها ولم يصل إلى ذلك إلا بقص أظفاره افتدى كفدية من أماط الشعر من الأذى".(٢) "شرح مختصر الطحاوي" للجصاص (٢/ ٥٦٣)؛ حيث قال: " (وإن قص أظافره كلها: فعليه دم، كذلك إن قص أظافر يد أو رجل: فعليه جم)؛ وذلك لأنه قد أزال التَّفَث عن عضو، إذ الجميع من جنس واحد، فلا يجب في الكل إلا ما يجب في العضو، ألا ترى أنه لو لبس قميصًا وسراويل وخفين وعمامة، لم يجب عليه إلا دم واحد. (فإن قص خمسة أظافير من يدين أو رجلين، ففي قول أبي حنيفة وأبي يوسف عليه صدقة، وقال محمد: عليه دم)، لأبي حنيفة: أن المبتغى بقص الأظفار النفع والزينة جميعًا، وإنما حصل له النفع فيما قص من البدن دون الزينة، فلا يبلغ به دمًا. ومحمد اعتبر العدد".(٣) يُنظر: "الإجماع" لابن المنذر (ص: ٥٢)؛ حيث قال: "وأجمعوا على أن المحرم ممنوع من أخذ أظفاره".(٤) يُنظر: "الأم" للشافعي (٢/ ٢٢٦)؛ حيث قال: " (قال الشافعي) ﵀: وليس للمحرم أن يقطع شيئًا من شعره ولا شيئًا من أظفاره، وإن انكسر ظفر من أظفاره فبقي متعلقًا =стр. 4407
ثَوْرٍ: إِنْ أَخَذَ وَاحِدًا أَطْعَمَ مِسْكِينًا وَاحِدًا، وَإِنْ أَخَذَ ظُفْرَيْنِ أَطْعَمَ مِسْكِينَيْنِ، وَإِنْ أَخَذَ ثَلَاثًا فَعَلَيْهِ دَمٌ فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ (١) : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ حَتَّى يَقُصَّهَا كُلَّهَا. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ ابْنُ حَزْمٍ (٢) : يَقُصُّ الْمُحْرِمُ أَظْفَارَهُ وَشَارِبَهُ. وَهُوَ شُذُوذٌ، وَعِنْدَهُ أَنْ لَا فِدْيَةَ إِلَّا مِنْ حَلْقِ الرَّأْسِ فَقَطْ لِلْعُذْرِ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ). الحواشي
(١) يُنظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (٢/ ١٩٤)؛ حيث قال: "وأما قلم الظفر فنقول: لا يجوز للمحرم قلم أظفاره لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، وقلم الأظفار من قضاء التفث، رتب اللَّه تعالى قضاء التفث على الذبح؛ لأنه ذكره بكلمة موضوعة للترتيب مع التراخي بقوله : ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، فلا يجوز الذبح؛ ولأنه ارتفاق بمرافق المقيمين، والمحرم ممنوع عن ذلك؛ ولأنه نوع نبات استفاد الأمن بسبب الإحرام فيحرم التعرض له كالنوع الآخر، وهو النبات الذي استفاد الأمن بسبب الحرم، فإن قلم أظافير يد أو رجل من غير عذر وضرورة فعليه دم؛ لأنه ارتفاق كامل فتكاملت الجناية فتجب كفارة كاملة. وإن قلم أقل من يد أو رجل فعليه صدقة لكل ظفر نصف صاع وهذا قول أصحابنا الثلاثة".(٢) يُنظر: "المحلى" لابن حزم (٥/ ٢٧٨)؛ حيث قال: "وجائز للمحرم دخول الحمام، والتدلك، وغسل رأسه بالطين، والخطمي، والاكتحال، والتسويك، والنظر في المرآة، وشم الريحان، وغسل ثيابه، وقص أظفاره وشاربه، ونتف إبطه، والتنور، ولا حرج في شيء من ذلك، ولا شيء عليه فيه؛ لأنه لم يأتِ في منعه من كل ما ذكرنا قرآن، ولا سنة، ومدعي الإجماع في شيء من ذلك كاذب على جميع الأمة، قائل ما لا علم به، ومن أوجب في ذلك غرامة فقد أوجب شرعًا في الدِّين لم يأذن به اللَّه -تعالى-".стр. 4408
جائز للمحرم عند ابن حزم أن يدخل الحمام، وشم الريحان، وغسل ثيابه، وقص أظفاره وشاربه، ونتف إبطه، ولا شيء عليه؛ لأنه لم يأت في المنع نصٌّ.
* قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى مَنْعِ حَلْقِ الرَّأْسِ (١) ، وَاخْتَلَفُوا فِي حَلْقِ الشَّعْرِ مِنْ سَائِرِ الْجَسَدِ، فَالْجُمْهُورُ (٢) عَلَى أَنَّ فِيهِ الْفِدْيَةَ (٣) . وَقَالَ دَاوُدُ (٤) : لَا فِدْيَةَ فِيهِ).
لو أزال أيَّ شعر من جسده فلا شيء عليه عند داود الظاهري.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ نَتَفَ مَنْ رَأَسَهُ الشَّعْرَةَ وَالشَّعْرَتَيْنِ أَوْ مِنْ لَحْمِهِ، فَقَالَ مَالِكٌ (٥) : لَيْسَ عَلَى مَنْ نَتَفَ الشِّعْرَ الْيَسِيرَ شَيْءٌ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَمَاطَ بِهِ أَذًى فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ. وَقَالَ الْحَسَنُ (٦) : فِي الشَّعْرَةِ مُدٌّ، وَفِي الحواشي
(١) يُنظر: "الإجماع" لابن المنذر (ص: ٥٢)؛ حيث قال: "وأجمعوا على أن المحرم ممنوع من: حلق رأسه، وجزِّه، وإتلافه بجزه، أو نورة، وغير ذلك".(٢) يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (١/ ٢٦١)؛ حيث قال: "ولا خلاف بينهم أنه لا يجوز للمحرم أخذ شيء من شعر جسده وشعر رأسه من غير ضرورة ما دام محرمًا".(٣) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ٣٨٥)؛ حيث قال: "وجمهور العلماء يُوجِبون الفدية على المحرم إذا حلق شعر جسده أو اطّلى أو حلق موضع المحاجم، وبعضهم يجعل عليه في ذلك كله دمًا ولا يجيز إلا في الضرورة".(٤) يُنظر: "التمهيد" لابن عبد البر (٢/ ٢٤٠)؛ حيث قال: "وقال داود: لا شيء عليه في حلق شعر جسده".(٥) يُنظر: "المدونة" (١/ ٤٤١)؛ حيث فيها: "قلت: أرأيت لو أن رجلًا حرامًا أخذ من شاربه ما يجب عليه في قول مالك؟ قال: قال مالك: من نتف شعرة أو شعرات يسيرة فأرى عليه أن يطعم شيئًا من طعام ناسيًا كان أو جاهلًا، وإن نتف من شعره ما أماط به عنه الأذى فعليه الفدية".(٦) أخرج ابن حزم في "المحلى بالآثار" (٥/ ٢٣٣): عن حفص بن غياث عن هشام بن حسان عن الحسن، وعطاء قالا جميعًا: "في ثلاث شعرات للمحرم: دم، الناسي والعامد سواء".стр. 4409
الشَّعْرَتَيْنِ مُدَّانِ، وَفِي الثَّلَاثَةِ دَمٌ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (١) ، وَأَبُو ثَوْرٍ (٢) . وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ (٣) صَاحِبُ مَالِكٍ: فِيمَا قَلَّ مِنَ الشَّعْرِ إِطْعَامٌ، وَفِيمَا كَثُرَ فِدْيَةٌ).
هذا خلاف في كثير الشعر وكثيره، وهي اجتهادات لا نصَّ فيها.
* قوله: (فَمَنْ فَهِمَ مِنْ مَنْعِ الْمُحْرِمِ حَلْقَ الشَّعْرِ أَنَّهُ عِبَادَةٌ سَوَّى بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَمَنْ فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ مَنْعَ النَّظَافَةِ وَالزَّيْنِ وَالِاسْتِرَاحَةِ الَّتِي فِي حَلْقِهِ فَرَّقَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ؛ لِأنَّ الْقَلِيلَ لَيْسَ فِي إِزَالَتِهِ زَوَالُ أَذًى).
هل الحكم للنظافة أو هو حكم تعبُّديٌّ؟
وعلى حسب النظر أو التعليل اختلف الحكم.
* قوله: (أَمَّا مَوْضِعُ الْفِدْيَةِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ مَالِكٌ (٤) : يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ أَيْنَ شَاءَ، بِمَكَّةَ وَبِغَيْرِهَا، وَإِنْ شَاءَ بِبَلَدِهِ. وَسَوَاءٌ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ ذَبْحُ النُّسُكِ وَالْإِطْعَامُ وَالصِّيَامُ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ (٥) . وَالَّذِي عِنْدَ الحواشي
(١) يُنظر: "الأم" للشافعي (٢/ ٢٢٦)؛ حيث قال: "والفدية في الشعرة مد بمُدِّ النبي ﷺ من حنطة يتصدق به على مسكين وفي الاثنتين مدان على مسكينين وفي الثلاث فصاعدًا دم ولا يجاوز بشيء من الشعر وإن كثر دم".(٢) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ١٦٠)؛ حيث قال: "وقال الشافعي إذا قطع المحرم من رأسه أو جسده ثلاث شعرات أو نتفهن فعليه فدية، وان نتف شعرة فعليه مد، وإن نتف شعرتين فمدان، وبه قال أبو ثور".(٣) يُنظر: "الكافي في فقه أهل المدينة" لابن عبد البر (١/ ٣٨٩)؛ حيث قال: "وقال عبد الملك: … ، ومن نتف شعرة أو شعرتين لم يكن عليه شيء، ولو أطعم شيئًا ولو قبضة من طعام كان حسنًا وكل شيء خفيف من هذا الباب ففيه صدقة وليس فيه دم ولو قلم ظفرا واحدًا أو بعض ظفر أطعم مسكينًا واحدًا".(٤) يُنظر: "المدونة" (١/ ٤٤٢)؛ حيث فيها: "قلت: أرأيت الطعام في الأذى والصيام أيكون بغير مكة؟ قال: نعم حيث شاء من البلدان".(٥) يُنظر: "التمهيد" لابن عبد البر (٢/ ٢٤٠)؛ حيث قال: "فقال مالك يفعل ذلك أين شاء =стр. 4410
مَالِكٍ هَاهُنَا هُوَ نُسُكٌ وَلَيْسَ بِهَدْيٍ، فَإِنَّ الْهَدْيَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَكَّةَ أَوْ بِمِنًى. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١) ، وَالشَّافِعِيُّ (٢) : الدَّمُ وَالْإِطْعَامُ لَا يُجْزِيَانِ إِلَّا بِمَكَّةَ، وَالصَّوْمُ حَيْثُ شَاءَ. وَقَالَ [ابْنُ عَبَّاسٍ:] (٣) مَا كَانَ مِنْ دَمِهِ فَبِمَكَّةَ، وَمَا كَانَ مِنْ إِطْعَامٍ وَصِيَامٍ فَحَيْثُ شَاءَ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلُهُ. وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (٤) أَنَّ دَمَ الْإِطْعَامِ لَا يُجْزِئُ إِلَّا لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ).
اختلفوا في أي موضع تكون الفدية، بعضهم بحث عن إغناء مساكين الحرم، وبعضهم لن يقصر الأمر على مساكين الحرم، وجوَّز الفدية ولو في بلده.
* قوله: (وَسَبَبُ الْخِلَافِ اسْتِعْمَالُ قِيَاسِ دَمِ النُّسُكِ عَلَى الْهَدْيِ؛ الحواشي
(١) "المبسوط" للشيباني (٢/ ٤٣٣)؛ حيث قال: "إلا النسك فإنه لا يجزي إلا بمكة وإذا فعله غير مضطر فعليه دم لا يجزيه غيره".(٢) يُنظر: "الأم" للشافعي (٢/ ٢٠٢)؛ حيث قال: " (قال الشافعي): قال اللَّه تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] (قال الشافعي): فلما كان كل ما أريد به هدي من ملك ابن آدم هديًا كانت الأنعام كلها وكل ما أهدى فهو بمكة واللَّه أعلم، ولو خفي عن أحد أن هذا هكذا ما انبغى -واللَّه أعلم- أن يخفى عليه إذا كان الصيد إذا جزى بشيء من النعم لا يجزئ فيه إلا أن يجزئ بمكة، فعلم أن مكة أعظم أرض اللَّه تعالى حرمة وأولاه أن تنزه عن الدماء لولا ما عقلنا من حكم اللَّه في أنه للمساكين الحاضرين بمكة، فإذا عقلنا هذا عن اللَّه فكان جزاء الصيد بطعام لم يجز -واللَّه أعلم- إلا بمكة".(٣) لم أر هذا عن ابن عباس، ويؤكِّدُ ذلك قول ابن عبد البر في الاستذكار (٤/ ٣٨٩) -وهو مصدر المؤلف-: "وقال عطاء: ما كان من دم فبمكة وما كان من إطعام أو صيام فحيث شاء".(٤) يُنظر: "الأم" للشافعي (٢/ ٢٠٢)؛ حيث قال: "لولا ما عقلنا من حكم اللَّه في أنه للمساكين الحاضرين بمكة، فإذا عقلنا هذا عن اللَّه فكان جزاء الصيد بطعام لم يجز -واللَّه أعلم- إلا بمكة".стр. 4411
فَمَنْ قَاسَهُ عَلَى الْهَدْيِ أَوْجَبَ فِيهِ شُرُوطَ الْهَدْيِ مِنَ الذَّبْحِ فِي الْمَكَانِ الْمَخْصُوصِ بِهِ، وَفِي مَسَاكِينِ الْحَرَمِ. وَإِنْ كَانَ مَالِكٌ يَرَى أَنَّ الْهَدْيَ يَجُوزُ إِطْعَامُهُ لِغَيْرِ مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، وَالَّذِي يَجْمَعُ النُّسُكَ وَالْهَدْيَ هُوَ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِمَا مَنْفَعَةُ الْمَسَاكِينِ الْمُجَاوِرِينَ لِبَيْتِ اللَّهِ، وَالْمُخَالِفُ يَقُولُ: إِنَّ الشَّرْعَ لَمَّا فَرَّقَ بَيْنَ اسْمِهِمَا، فَسَمَّى أَحَدَهُمَا: نُسُكًا، وَسَمَّى الْآخَرَ: هَدْيًا، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُمَا مُخْتَلِفًا، وَأَمَّا الْوَقْتُ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْكَفَّارَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بَعْدَ إِمَاطَةِ الْأَذَى، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَدْخُلَهُ الْخِلَافُ قِيَاسًا عَلَى كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ. فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي كَفَّارَةِ إِمَاطَةِ الْأَذَى).
بعضهم قاس دم النسك على الهدي، فأوجب فيه شروط الهدي.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي حَلْقِ الرَّأْسِ هَلْ هُوَ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ؟ أَوْ هُوَ مِمَّا يُتَحَلَّلُ بِهِ مِنْهُ؟ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْجُمْهُورِ فِي أَنَّهُ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ، وَأَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ، لِمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اللَّهُمَّ، ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ! " قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "اللَّهُمَّ، ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ! " قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "اللَّهُمَّ، ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ! " قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَالْمُقَصِّرِينَ" (١) . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ لَا يَحْلِقْنَ، وَأَنَّ سَنَتَهُنَّ التَّقْصِيرُ) (٢) .
كان عادة أكثر العرب اتخاذ الشعر على الرؤوس وتوفيرها وتزييتها، وكان التَّسْميت والحَلْقُ فيهم قليلًا، وكانوا يرون ذلك نَوعًا من الشهرة، الحواشي
(١) أخرجه البخاري(١٧٢٧) ، ومسلم(١٣٠١) .(٢) يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (١/ ٢٩٢)؛ حيث قال: "وأجمعوا أن النساء لا يحلقن وأن سنتهن التقصير".стр. 4412
وكان يشق عليهم الحلق، فمالوا إلى القصِّ والتقصير، فلما أمر ﷺ من لا هَدْي معه بالإحلال في الحديث الذي تقدم ذكره، وجدوا من ذلك في أنفسهم، فقالوا: كيف نحل وقد سمينا الحج؟ وإنما الحلق بعد أن يبلغ الهدي محِلَّه، واستبطأهم في ذلك، وقال لهم: "افعلوا ما آمركم به"، وقال: "لولا أني لبدت رأسي وسقت معي الهدي لأحللت وحلقت"، فلما أحلوا كان منهم من حلق ومنهم من قصر، ولم يحلق لما يجد في نفسه منه، فمن أجل ذلك سمح لهم بالدعاء بالرحمة والمغفرة، وقصر بالآخرين إلى أن استعطف عليهم وسئل في أمرهم فعمهم بالدعاء بعد.
(وَاخْتَلَفُوا: هَلْ هُوَ نُسُكٌ يجِبُ عَلَى الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ أَوْ لَا؟، فَقَالَ مَالِكٌ (١) : الْحِلَاقُ نُسُكٌ لِلْحَاجِّ وَلِلْمُعْتَمِرِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ، وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَأُحْصِرَ بِعَدُوٍّ أَوْ مَرَضٍ أَوْ بِعُذْرٍ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ إِلَّا فِي الْمُحْصَرِ بِعَدُوٍّ؛ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ (٢) قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ حِلَاقٌ وَلَا تَقْصِيرٌ، وَبِالْجُمْلَةِ فَمَنْ جَعَلَ الْحِلَاقَ أَوِ التَّقْصِيرَ نُسُكًا أَوْجَبَ فِي تَرْكِهِ الدَّمَ، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ مِنَ النُّسُكِ لَمْ يُوجِبْ فِيهِ شَيْئًا).
عند أبي حنيفة: لا يحلق المحصر إذا أحصر في الحل، أما إذا أحصر في الحرم يحلِقُ. الحواشي
(١) هذا إجماع إلا ما استثناه أبو حنيفة مما ذكره المؤلف؛ ينظر: "الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (١/ ٢٩٢)؛ حيث قال: "والحلاق نسك يجب على الحاج والمعتمر وهو أفضل من التقصير، ويجب على كُلِّ من فاته الحج أو أحصر بعدو أو مرض، وعليه جماعة الفقهاء إلا في المُحصَر بعدد. قال مالك: لا يجوز لأحد أن يحلق رأسه ولا ينحر قبل الفجر إلى آخره، وهذا لا خلاف فيه".(٢) يُنظر: "المبسوط" للسرخسي (٤/ ٧٢)؛ حيث قال: "عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما اللَّه تعالى إنما لا يحلق المحصر إذا أحصر في الحل، أما إذا أحصر في الحرم يحلق؛ لأن الحلق عندهما مؤقت بالحرم، ورسول اللَّه ﷺ إنما كان محصَرًا بالحديبية، وبعض الحديبية من الحرم على ما روي أن مضارب رسول اللَّه ﷺ كانت في الحل، ومصلاه في الحرم فإنما حلق في الحرم، وبه نقول".стр. 4413
[الْقَوْلُ فِي كَفَّارَةِ الْمُتَمَتِّعِ]
قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وَأَمَّا كفَّارَةُ الْمُتَمَتِّع الَّتِي نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهَا فِي قَوْلِهِ -سُبْحَانَهُ-: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] الْآيَةَ، فَإنَّهُ لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِهَا (١) ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْمُتَمَتِّعِ مَنْ هُوَ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْخِلَافِ).
من أهل بعمرة في أشهر الحج، وقدم مكة ففرغ منها، فأقام بها فحجَّ في نفس العام فهو متمتع، وعليه الهديُ إذا وَجَد، وإلا فالصيام.
* قوله: (وَالْقَوْلُ فِي هَذِهِ الْكَفَّارَةِ أَيْضًا يَرْجِعُ إِلَى تِلْكَ الْأَجْنَاسِ بِعَيْنِهَا عَلَى مَنْ تَجِبُ؟ وَمَا الْوَاجِبُ فِيهَا؟ وَمَتَى تَجِبُ؟ وَلِمَنْ تَجِبُ؟ وَفِي أَيِّ مَكَانٍ تَجِبُ؟ فَأَمَّا عَلَى مَنْ تَجِبُ فَعَلَى الْمُتَمَتِّعِ بِاتِّفَاقٍ (٢) ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي الْمُتَمَتِّعِ مَنْ هُوَ).
سبق شيء من ذلك.
* قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْوَاجِبِ فَإِنَّ الْجُمْهُورَ مِنَ الْعُلَمَاءِ (٣) عَلَى أَنَّ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ هُوَ شَاةٌ، وَاحْتَجَّ مَالِكٌ فِي أَنَّ اسْمَ الْهَدْيِ قَدْ يَنْطَلِقُ عَلَى الشَّاةِ بِقَوْلِهِ -تَعَالَى- فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وَمَعْلُومٌ بِالْإِجْمَاعِ أَنَّهُ قَدْ يجِبُ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ الحواشي
(١) يُنظر: "الإجماع" لابن المنذر (ص: ٥٦)؛ حيث قال: "وأجمعوا على أن من أهَلَّ بعمرة في أشهر الحج من أهل الآفاق، وقدم مكة ففرغ منها، فأقام بها فحج من عامه أنه متمتع، وعليه الهديُ إذا وجد، وإلا فالصيام".(٢) سبق نقل الإجماع عليه.(٣) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ٢٦٧)؛ حيث قال: "وعليه جمهور أهل العلم وعليه تدور فتوى فقهاء الأمصار بالعراق والحجاز فيما استيسر من الهدي".стр. 4414
شَاةٌ (١) ، وَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ (٢) إِلَى أَنَّ اسْمَ الْهَدْى لَا يَنْطَلِقُ إِلَّا عَلَى الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، وَأَنَّ مَعْنَى قَوْله -تَعَالَى-: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ أَيْ: بَقَرَةٌ أَدْوَنُ مِنْ بَقَرَةٍ، وَبَدَنَةٌ أَدْوَنُ مِنْ بَدَنَةٍ).
وهذا القول من ابن عمر ﵁ خالفه فقهاء البلاد والأمصار.
* قوله: (وَأَجْمَعُوا أَنَّ هَذِهِ الْكَفَّارَةَ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يجِدِ الْهَدْيَ فَعَلَيْهِ الصِّيَامُ (٣) ، وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الزَّمَانِ الَّذِي يَنْتَقِلُ بِانْقِضَائِهِ فَرْضُهُ مِنَ الْهَدْيِ إِلَى الصِّيَامِ، فَقَالَ مَالِكٌ (٤) : إِذَا شَرَعَ فِي الصَّوْمِ فَقَدِ انْتَقَلَ وَاجِبُهُ إِلَى الصَّوْمِ، وَإِنْ وَجَدَ الْهَدْيَ فِي أَثْنَاءِ الصَّوْمِ. وَقَالَ أبُو حَنِيفَةَ (٥) : إِنْ وَجَدَ الْهَدْيَ فِي صَوْمِ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ لَزِمَهُ، وَإِنْ الحواشي
(١) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ٢٦٧)؛ حيث قال: "قال مالك: وذلك أحب ما سمعت إلي في ذلك لأن اللَّه ﵎ يقول في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]، فمما يحكم به في الهدي شاة وقد سماها اللَّه هديًا، وذلك الذي لا اختلاف فيه عندنا، وكيف يشك أحد في ذلك وكل شيء لا يبلغ أن يحكم فيه ببعير أو بقرة، فالحكم فيه شاة وما لا يبلغ أن يحكم فيه بشاة فهو كفارة من صيام أو إطعام مساكين، قال أبو عمر: قد أحسن مالك في احتجاجه هذا وأتى بما لا مزيد لأحد فيه وجها حسنا في معناه".(٢) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ٢٦٧)؛ حيث قال: "وكان ابن عمر يقول: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة ١٩٦] بدنة دون بدنة، وبقرة دون بقرة، وقد روي عن عائشة مثل ذلك".(٣) يُنظر: "الإجماع" لابن المنذر (ص: ٥٦)؛ حيث قال: "وعليه الهديُ إذا وجد، وإلا فالصيام".(٤) يُنظر: "الإشراف" للقاضي عبد الوهاب المالكي (١/ ٤٦٤)؛ حيث قال: "إذا شرع المتمتع في الصوم بعد عدم الهدي ثم وجده، مضى على صومه، ولم يلزمه إخراجه".(٥) يُنظر: "المحيط البرهاني في الفقه النعماني" لابن مازه (٢/ ٤٦٩)؛ حيث قال: "ولو =стр. 4415
وَجَدَهُ فِي صَوْمِ السَّبْعَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ نَظِيرُ مَسْأَلَةِ مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْمَاءُ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مُتَيَمِّمٌ. وَسَبَبُ الْخِلَافِ هُوَ هَلْ مَا هُوَ شَرْطٌ فِي ابْتِدَاءِ الْعِبَادَةِ هُوَ شَرْطٌ فِي اسْتِمْرَارِهَا؟ وَإِنَّمَا فَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَالسَّبْعَةِ؛ لِأَنَّ ثَلَاثَةَ الْأَيَّامِ هِيَ عِنْدَهُ بَدَلٌ مِنَ الْهَدْيِ، وَالسَّبْعَةُ لَيْسَتْ بِبَدَلٍ).
يقول أبو حنيفة ﵀: لو قدر على الهدي في خلال الصوم الثلاث أو بعدها قبل يوم النحر لزمه الهدي، وسقط حكمه؛ لأنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل؛ لأن المقصود هو التَّحَلُّل، ولم يحصل فسقط حكم البدل، كالمقيم إذا وجد الماء قبل الفراغِ من الصلاةِ، ولو وجد الهدي بعدما حلق قبل أن يصوم السبعة، فلا هدي عليه؛ لأن المقصود قد حصل بالحلق، وهو التحلل فيسقط حكم البدل.
* قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا صَامَ ثَلَاثَةَ الْأَيَّامَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَلِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ أَنَّهُ قَدْ أَتَى بِهَا فِي مَحِلِّهَا (١) ؛ لِقَوْلِهِ -سُبْحَانَهُ-: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْعَشْرَ الْأَوَلِ مِنْ أَيَّامِ الْحَجِّ) (٢) .
هذا يكفيه حتى يرجع فيُكمل العشرة كاملة.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ صَامَهَا فِي أَيَّامِ عَمَلِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يُهِلَّ الحواشي
(١) هذا مفهوم نصوص الفقهاء، ولم أر مَن نصَّ على هذا الإجماع.(٢) هذا كسابقه.следующие страницы →