← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

فَمَنْ قَاسَهُ عَلَى الْهَدْيِ أَوْجَبَ فِيهِ شُرُوطَ الْهَدْيِ مِنَ الذَّبْحِ فِي الْمَكَانِ الْمَخْصُوصِ بِهِ، وَفِي مَسَاكِينِ الْحَرَمِ. وَإِنْ كَانَ مَالِكٌ يَرَى أَنَّ الْهَدْيَ يَجُوزُ إِطْعَامُهُ لِغَيْرِ مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، وَالَّذِي يَجْمَعُ النُّسُكَ وَالْهَدْيَ هُوَ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِمَا مَنْفَعَةُ الْمَسَاكِينِ الْمُجَاوِرِينَ لِبَيْتِ اللَّهِ، وَالْمُخَالِفُ يَقُولُ: إِنَّ الشَّرْعَ لَمَّا فَرَّقَ بَيْنَ اسْمِهِمَا، فَسَمَّى أَحَدَهُمَا: نُسُكًا، وَسَمَّى الْآخَرَ: هَدْيًا، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُمَا مُخْتَلِفًا، وَأَمَّا الْوَقْتُ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْكَفَّارَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بَعْدَ إِمَاطَةِ الْأَذَى، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَدْخُلَهُ الْخِلَافُ قِيَاسًا عَلَى كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ. فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي كَفَّارَةِ إِمَاطَةِ الْأَذَى). بعضهم قاس دم النسك على الهدي، فأوجب فيه شروط الهدي. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي حَلْقِ الرَّأْسِ هَلْ هُوَ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ؟ أَوْ هُوَ مِمَّا يُتَحَلَّلُ بِهِ مِنْهُ؟ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْجُمْهُورِ فِي أَنَّهُ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ، وَأَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ، لِمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اللَّهُمَّ، ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ! " قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "اللَّهُمَّ، ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ! " قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "اللَّهُمَّ، ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ! " قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَالْمُقَصِّرِينَ" (١). وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ لَا يَحْلِقْنَ، وَأَنَّ سَنَتَهُنَّ التَّقْصِيرُ) (٢). كان عادة أكثر العرب اتخاذ الشعر على الرؤوس وتوفيرها وتزييتها، وكان التَّسْميت والحَلْقُ فيهم قليلًا، وكانوا يرون ذلك نَوعًا من الشهرة،

стр. 4412

وكان يشق عليهم الحلق، فمالوا إلى القصِّ والتقصير، فلما أمر ﷺ من لا هَدْي معه بالإحلال في الحديث الذي تقدم ذكره، وجدوا من ذلك في أنفسهم، فقالوا: كيف نحل وقد سمينا الحج؟ وإنما الحلق بعد أن يبلغ الهدي محِلَّه، واستبطأهم في ذلك، وقال لهم: "افعلوا ما آمركم به"، وقال: "لولا أني لبدت رأسي وسقت معي الهدي لأحللت وحلقت"، فلما أحلوا كان منهم من حلق ومنهم من قصر، ولم يحلق لما يجد في نفسه منه، فمن أجل ذلك سمح لهم بالدعاء بالرحمة والمغفرة، وقصر بالآخرين إلى أن استعطف عليهم وسئل في أمرهم فعمهم بالدعاء بعد. (وَاخْتَلَفُوا: هَلْ هُوَ نُسُكٌ يجِبُ عَلَى الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ أَوْ لَا؟، فَقَالَ مَالِكٌ (١): الْحِلَاقُ نُسُكٌ لِلْحَاجِّ وَلِلْمُعْتَمِرِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ، وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَأُحْصِرَ بِعَدُوٍّ أَوْ مَرَضٍ أَوْ بِعُذْرٍ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ إِلَّا فِي الْمُحْصَرِ بِعَدُوٍّ؛ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ (٢) قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ حِلَاقٌ وَلَا تَقْصِيرٌ، وَبِالْجُمْلَةِ فَمَنْ جَعَلَ الْحِلَاقَ أَوِ التَّقْصِيرَ نُسُكًا أَوْجَبَ فِي تَرْكِهِ الدَّمَ، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ مِنَ النُّسُكِ لَمْ يُوجِبْ فِيهِ شَيْئًا). عند أبي حنيفة: لا يحلق المحصر إذا أحصر في الحل، أما إذا أحصر في الحرم يحلِقُ.

стр. 4413

[الْقَوْلُ فِي كَفَّارَةِ الْمُتَمَتِّعِ] قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وَأَمَّا كفَّارَةُ الْمُتَمَتِّع الَّتِي نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهَا فِي قَوْلِهِ -سُبْحَانَهُ-: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] الْآيَةَ، فَإنَّهُ لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِهَا (١)، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْمُتَمَتِّعِ مَنْ هُوَ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْخِلَافِ). من أهل بعمرة في أشهر الحج، وقدم مكة ففرغ منها، فأقام بها فحجَّ في نفس العام فهو متمتع، وعليه الهديُ إذا وَجَد، وإلا فالصيام. * قوله: (وَالْقَوْلُ فِي هَذِهِ الْكَفَّارَةِ أَيْضًا يَرْجِعُ إِلَى تِلْكَ الْأَجْنَاسِ بِعَيْنِهَا عَلَى مَنْ تَجِبُ؟ وَمَا الْوَاجِبُ فِيهَا؟ وَمَتَى تَجِبُ؟ وَلِمَنْ تَجِبُ؟ وَفِي أَيِّ مَكَانٍ تَجِبُ؟ فَأَمَّا عَلَى مَنْ تَجِبُ فَعَلَى الْمُتَمَتِّعِ بِاتِّفَاقٍ (٢)، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي الْمُتَمَتِّعِ مَنْ هُوَ). سبق شيء من ذلك. * قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْوَاجِبِ فَإِنَّ الْجُمْهُورَ مِنَ الْعُلَمَاءِ (٣) عَلَى أَنَّ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ هُوَ شَاةٌ، وَاحْتَجَّ مَالِكٌ فِي أَنَّ اسْمَ الْهَدْيِ قَدْ يَنْطَلِقُ عَلَى الشَّاةِ بِقَوْلِهِ -تَعَالَى- فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وَمَعْلُومٌ بِالْإِجْمَاعِ أَنَّهُ قَدْ يجِبُ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ

стр. 4414

شَاةٌ (١)، وَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ (٢) إِلَى أَنَّ اسْمَ الْهَدْى لَا يَنْطَلِقُ إِلَّا عَلَى الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، وَأَنَّ مَعْنَى قَوْله -تَعَالَى-: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ أَيْ: بَقَرَةٌ أَدْوَنُ مِنْ بَقَرَةٍ، وَبَدَنَةٌ أَدْوَنُ مِنْ بَدَنَةٍ). وهذا القول من ابن عمر ﵁ خالفه فقهاء البلاد والأمصار. * قوله: (وَأَجْمَعُوا أَنَّ هَذِهِ الْكَفَّارَةَ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يجِدِ الْهَدْيَ فَعَلَيْهِ الصِّيَامُ (٣)، وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الزَّمَانِ الَّذِي يَنْتَقِلُ بِانْقِضَائِهِ فَرْضُهُ مِنَ الْهَدْيِ إِلَى الصِّيَامِ، فَقَالَ مَالِكٌ (٤): إِذَا شَرَعَ فِي الصَّوْمِ فَقَدِ انْتَقَلَ وَاجِبُهُ إِلَى الصَّوْمِ، وَإِنْ وَجَدَ الْهَدْيَ فِي أَثْنَاءِ الصَّوْمِ. وَقَالَ أبُو حَنِيفَةَ (٥): إِنْ وَجَدَ الْهَدْيَ فِي صَوْمِ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ لَزِمَهُ، وَإِنْ

стр. 4415

وَجَدَهُ فِي صَوْمِ السَّبْعَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ نَظِيرُ مَسْأَلَةِ مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْمَاءُ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مُتَيَمِّمٌ. وَسَبَبُ الْخِلَافِ هُوَ هَلْ مَا هُوَ شَرْطٌ فِي ابْتِدَاءِ الْعِبَادَةِ هُوَ شَرْطٌ فِي اسْتِمْرَارِهَا؟ وَإِنَّمَا فَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَالسَّبْعَةِ؛ لِأَنَّ ثَلَاثَةَ الْأَيَّامِ هِيَ عِنْدَهُ بَدَلٌ مِنَ الْهَدْيِ، وَالسَّبْعَةُ لَيْسَتْ بِبَدَلٍ). يقول أبو حنيفة ﵀: لو قدر على الهدي في خلال الصوم الثلاث أو بعدها قبل يوم النحر لزمه الهدي، وسقط حكمه؛ لأنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل؛ لأن المقصود هو التَّحَلُّل، ولم يحصل فسقط حكم البدل، كالمقيم إذا وجد الماء قبل الفراغِ من الصلاةِ، ولو وجد الهدي بعدما حلق قبل أن يصوم السبعة، فلا هدي عليه؛ لأن المقصود قد حصل بالحلق، وهو التحلل فيسقط حكم البدل. * قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا صَامَ ثَلَاثَةَ الْأَيَّامَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَلِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ أَنَّهُ قَدْ أَتَى بِهَا فِي مَحِلِّهَا (١)؛ لِقَوْلِهِ -سُبْحَانَهُ-: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْعَشْرَ الْأَوَلِ مِنْ أَيَّامِ الْحَجِّ) (٢). هذا يكفيه حتى يرجع فيُكمل العشرة كاملة. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ صَامَهَا فِي أَيَّامِ عَمَلِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يُهِلَّ

стр. 4416

بِالْحَجِّ، أَوْ صَامَهَا فِي أَيَّامِ مِنًى؛ فَأَجَازَ مَالِكٌ (١) صِيَامَهَا فِي أَيَّامِ مِنًى، وَمَنْعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَقَالَ: إِذَا فَاتَتْهُ الْأَيَّامُ الْأُولَى وَجَبَ الْهَدْيُ فِي ذِمَّتِهِ، وَمَنَعَهُ مَالِكٌ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي عَمَلِ الْحَجِّ، وَأَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ). منع أبو حنيفة لأنه لا يعتبر هذه الأيام من أيام الحج، بخلاف وجهة نظر مالك. * قوله: (وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ يَنْطَلِقُ اسْمُ الْحَجِّ عَلَى هَذِهِ الْأَيَّامِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا أَمْ لَا؟ وَإِنِ انْطَلَقَ فَهَلْ مِنْ شَرْطِ الْكَفَّارَةِ أَلَّا تُجْزِئَ إِلَّا بَعْدَ وُقُوعِ مُوجِبِهَا؟ فَمَنْ قَالَ: لَا تُجْزِي كَفَّارَةٌ إِلَّا بَعْدَ وُقُوعِ مُوجِبِهَا، قَالَ: لَا يُجْزِي الصَّوْمُ إِلَّا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْحَجِّ، وَمَنْ قَاسَهَا عَلَى كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ قَالَ: يُجْزِي). هذا هو ما ذكرناه من سبب الخلاف، فبعضُهم لا يَعتبِرُ هذه الأيام داخلة في أيام الحج. * قوله: (وَاتَّفَقُوا أَنَّهُ إِذَا صَامَ السَّبْعَةَ الْأَيَّامَ فِي أَهْلِهِ أَجْزَأَهُ، وَاخْتَلَفُوا إِذَا صَامَهَا فِي الطَّرِيقِ؛ فَقَالَ مَالِكٌ (٣): يُجْزِي الصَّوْمُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٤): لَا يُجْزِي).

стр. 4417

لأنَّ الشافعيَّ لا يراه قد رجع إلى بلده، وقد اشترط اللَّه الركوع. * قوله: (وَسَبَبُ الْخِلَافِ الِاحْتِمَالُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَإِنَّ اسْمَ الرَّاجِعِ يَنْطَلِقُ عَلَى مَنْ فَرَغَ مِنَ الرُّجُوعِ، وَعَلَى مَنْ هُوَ فِي الرُّجُوعِ نَفْسِهِ. فَهَذِهِ هِيَ الْكَفَّارَةُ الَّتِي ثَبَتَتْ بِالسَّمْعِ، وَهِيَ مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا). نعم، اسم الرجع ينطلق على منتهى الرجوع، وعلى من هو في طريق الرجوع. * قوله: (وَلَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ بَعْدَ أَنْ شَرَعَ فِيهِ إِمَّا بِفَوْتِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكانِهِ، وَإِمَّا مِنْ قِبَلِ غَلَطِهِ فِي الزَّمَانِ، أَوْ مِنْ قِبَلِ جَهْلِهِ أَوْ نِسْيَانِهِ، أَوْ إِتْيَانِهِ فِي الْحَجِّ فِعْلًا مُفْسِدًا لَهُ، فَإِنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ إِذَا كَانَ حَجًّا وَاجِبًا. وَهَلْ عَلَيْهِ هَدْيٌ مَعَ الْقَضَاءِ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا

стр. 4418

فَهَلْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ أَمْ لَا؟ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ كلِّهِ، لَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ الْهَدْيَ؟ لِكَوْنِ النُّقْصَانِ الدَّاخِلِ عَلَيْهِ مُشْعِرًا بِوُجُوبِ الْهَدْيِ، وَشَذَّ قَوْمٌ فَقَالُوا: لَا هَدْيَ أَصْلًا، وَلَا قَضَاءَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي حَجٍّ وَاجِبٍ. وَمِمَّا يَخُصُّ الْحَجَّ الْفَاسِدَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ دُونَ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ أَنَّهُ يَمْضِي فِيهِ الْمُفْسِدُ لَهُ، وَلَا يَقْطَعُهُ، وَعَلَيْهِ دَمٌ. وَشَذَّ قَوْمٌ فَقَالُوا: هُوَ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ. وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ ظَاهِرُ قَوْله -تَعَالَى-: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فَالْجُمْهُورُ عَمَّمُوا، وَالْمُخَالِفُونَ خَصَّصُوا قِيَاسًا عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ إِذَا وَرَدَتْ عَلَيْهَا الْمُفْسِدَاتُ). شرع في الحج ثم فاته بسبب جهله بالتوقيت أو العدد ونحو ذلك، فعليه القضاء قضاءً واجبًا، ولكن هل عليه هدي؟ هذا هو محلُّ الخلاف. والجمهور أنَّ عليه هدي. * قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُفْسِدَ لِلْحَجِّ إِمَّا مِنَ الْأَفْعَالِ الْمَأْمُورِ بِهَا فَتَرْكُ الْأَرْكانِ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ -عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِيمَا هُوَ رُكْنٌ مِمَّا لَيْسَ بِرُكْنٍ-، وَأَمَّا مِنَ التُّرُوكِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا؛ فَالْجِمَاعُ وَإِنْ كَانُوا اخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي إِذَا وَقَعَ فِيهِ الْجِمَاعُ كَانَ مُفْسِدًا لِلْحَجِّ). هذه هي أنواع مفسدات الحج، أفعال وتروك. [الْقَوْلُ فِي كَفَّارَةِ الْجِمَاعِ فِي الْحَجِّ] قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (فَأَمَّا إِجْمَاعُهُمْ عَلَى إِفْسَادِ الْجِمَاعِ لِلْحَجِّ فَقَوْلُهُ -سُبْحَانَهُ-: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا

стр. 4419

جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ وَطِئَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَقَدْ أَفْسَدَ حَجَّهُ (١)، وَكَذَلِكَ مَنْ وَطِئَ مِنَ الْمُعْتَمِرِينَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ وَيَسْعَى (٢)). جماع النساء يفسخ الإحرام ويفسد الحج ما لم يقدم المعتمر مكة، ولم يأت وقت الوقوف بعرفة للحاج. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي فَسَادِ الْحَجِّ بِالْوَطْءِ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَقَبْلَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَبَعْدَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ، وَقَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ الَّذِي هُوَ الْوَاجِبُ، فَقَالَ مَالِكٌ (٣): مَنْ وَطِئَ قَبْلَ رَمْي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَقَدْ فَسَدَ حَجُّهُ، وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ وَالْقَضَاءُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٤). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٥)،

стр. 4420

وَالثَّوْرِيُّ (١): عَلَيْهِ الْهَدْيُ بَدَنَةً، وَحَجُّهُ تَامٌّ. وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ هَذَا عَنْ مَالِكٍ (٢). وَقَالَ مَالِكٌ (٣): مَنْ وَطِئَ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَقَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، فَحَجُّهُ تَامٌّ. وَبِقَوْلِ مَالِكٍ فِي أَنَّ الْوَطْءَ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَيَلْزَمُهُ عِنْدَهُمُ الْهَدْيُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: مَنْ وَطِئَ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ فَسَدَ حَجُّهُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ (٤)). مالكٌ: ذهب إلى أن من وقع بأهله بعد الوقوف بعرفة وقبل رمي جَمرةِ العقبة فقد فسد حَجُّه، وهو قول الأوزاعي والشافعي وأبي حنيفة، وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري إذا وطئ بعد الوقوف بعرفة فعليه بدنة وحجه تام، وقال مالك: يجزئ الواطئ شاة كسائر الهدايا، وقال الشافعي: لا يجزئ الواطئ إلا بدنة أو سبع من الغنم، وقال مالك: الذي يفسد الحج والعمرة التقاء الختانين وإن لم يكن ماء دافق، قال: ولو قبَّل امرأته ولم يكن من ذلك ماء دافق لم تكن عليه في القبلة إلا الهدي. * قوله: (وَسَبَبُ الْخِلَافِ أَنَّ لِلْحَجِّ تَحَلُّلًا يُشْبِهُ السَّلَامَ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ التَّحَلُّلُ الْأَكْبَرُ وَهُوَ الْإِفَاضَةُ، وَتَحَلُّلًا أَصْغَرَ. وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي إِبَاحَةِ الْجِمَاعِ تَحَلُّلَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا؟ وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ التَّحَلُّلَ الْأَصْغَرَ الَّذِي هُوَ رَمْيُ الْجَمْرَةِ يَوْمَ النَّحْرِ أَنَّهُ يَحِلُّ بِهِ الْحَاجُّ مِنْ كُلِّ شَيْءِ

стр. 4421

حَرُمَ عَلَيْهِ بِالْحَجِّ إِلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ وَالصَّيْدَ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ. وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ (١) أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ، وَقِيلَ عَنْهُ: إِلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ وَالصَّيْدَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] أَنَّهُ التَّحَلُّلُ الْأَكْبَرُ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُعْتَمِرَ يَحِلُّ مِنْ عُمْرَتِهِ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَلَقَ وَلَا قَصَّرَ؛ لِثُبُوتِ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ إِلَّا خِلَافًا شَاذًّا. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يَحِلُّ بِالطَّوَافِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَحِلُّ إِلَّا بَعْدَ الْحِلَاقِ، وَإِنْ جَامَعَ قَبْلَهُ فَسَدَتْ عُمْرَتُهُ). من رمى جمرة العقبة يوم النحر، فقد حل له لبس الثياب وحلق الشعر وإزالة الشعث، وتقليم الأظافر، وإلقاء التفث، وهو ممنوع من الطيب والنساء، والصيد حتى يفيض، فإن تطيب فلا كفارة عليه، وإن صاد فعليه الجزاء، وإن وطئ فحجه تام، ويهدي ويعتمر، فإذا طاف طواف الإفاضة، فقد حَلّ له جميع ما حرم بالإحرام عليه. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ الْجِمَاعِ الَّذِي يُفْسِدُ الْحَجَّ وَفِي مُقَدِّمَاتِهِ؛ فَالْجُمْهُورُ (٢) عَلَى أَنَّ الْتِقَاءَ الْخِتَانَيْنِ يُفْسِدُ الْحَجَّ، وَيَحْتَمِلُ مَنْ يَشْتَرِطُ فِي وُجُوبِ الطُّهْرِ الْإِنْزَالَ مَعَ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ أَنْ يَشْتَرِطَهُ فِي الْحَجِّ، وَاخْتَلَفُوا فِي إِنْزَالِ الْمَاءِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣):

стр. 4422

لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ إِلَّا الْإِنْزَالُ فِي الْفَرْجِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١): مَا يُوجِبُ الْحَدَّ يُفْسِدُ الْحَجَّ. وَقَالَ مَالِكٌ: الْإِنْزَالُ نَفْسُهُ يُفْسِدُ الْحَجَّ، وَكَذَلِكَ مُقَدِّمَاتُهُ مِنَ الْمُبَاشَرَةِ وَالْقُبْلَةِ. وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ فِيمَنْ جَامَعَ دُونَ الْفَرَجِ أَنْ يُهْدِيَ). الصواب: أنَّ الذي يُفسد الحجَّ هو الذي يوجب الحد بأن يُغيِّب الحَشَفة. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ وَطِئَ مِرَارًا، فَقَالَ مَالِكٌ (٢): لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا هَدْيٌ وَاحِدٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣): إِنْ كرَّرَ الْوَطْءَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ كَانَ عَلَيْهِ هَدْيٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ كَرَّرَهُ فِي مَجَالِسَ كَانَ عَلَيْهِ لِكُلِّ وَطْءٍ هَدْيٌ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ (٤): يُجْزِيهِ هَدْيٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ كَرَّرَ الْوَطْءَ مَا لَمْ يُهْدِ لِوَطْئِهِ الْأَوَّلِ. وَعَنِ الشَّافِعِيِّ ثَلَاثَةُ الْأَقْوَالُ (٥)، إِلَّا أَنَّ الْأَشْهَرَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ).

стр. 4423

أي: كرَّر الجماع، وقول أبي حنيفة وجيه، لو كرر الوطء في مجلس فعليه هدي واحد، وفي مجالس تعدد الهدي بتعدُّد المجالس. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ وَطِئَ نَاسِيًا، فَسَوَّى مَالِكٌ (١) فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالنِّسْيَانِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ (٢): لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ). لم يُفرِّق مالك بين أن يتعمَّد الجماع أو أن يُجامع ناسيًا، وهذا مُخالفٌ لعموم الأدلة في رفع النسيان عن الأُمَّة. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ هَدْيٌ؟ فَقَالَ مَالِكٌ (٣): إِنْ طَاوَعَتْهُ فَعَلَيْهَا هَدْيٌ، وَإِنْ أَكْرَهَهَا فَعَلَيْهِ هَدْيَانِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٤): لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا هَدْيٌ وَاحِدٌ، كَقَوْلِهِ فِي الْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ. وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ (٥) عَلَى أَنَّهُمَا إِذَا حَجَّا مِنْ قَابِلٍ تَفَرَّقَا، -أَعْنِي: الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ-، وَقِيلَ:

стр. 4424

لَا يَفْتَرِقَانِ. وَالْقَوْلُ بِأَنْ لَا يَفْتَرِقَا مَرْوِيٌّ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ (١)، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢). وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ مِنْ أَيْنَ يَفْتَرِقَانِ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): يَفْتَرِقَانِ مِنْ حَيْثُ أَفْسَدَا الْحَجَّ، وَقَالَ مَالِكٌ (٤): يَفْتَرِقَانِ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَا أَحْرَمَا قَبْلَ الْمِيقَاتِ. فَمَنْ آخَذَهُمَا بِالِافْتِرَاقِ فَسَدًّا لِلذَّرِيعَةِ وَعُقُوبَةً، وَمَنْ لَمْ يُؤَاخِذْهُمَا بِهِ فَجَرْيًا عَلَى الْأَصْلِ، وَأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ حُكْمٌ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَّا بِسَمَاعٍ). عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأبو هريرة سئلوا: عن رجل أصاب أهله وهو محرم بالحج؟ فقالوا: "ينفذان يمضيان لوَجْههما حتى يقْضِيَا حجهما. ثم، عليهما حج قابل والهدي"، قال: وقال علي بن أبي طالب: "وإذا أهلا بالحج من عام قابل تفرقا حتى يقضيا حجهما" (٥). * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الْهَدْيِ الْوَاجِبِ فِي الْجِمَاعِ مَا هُوَ؟ قَالَ

стр. 4425

مَالِكٌ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢): هُوَ شَاةٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): لَا تُجْزِئُهُ إِلَّا بَدَنَةٌ. وَإِنْ لَمْ يَجِدْ قُوِّمَتِ الْبَدَنَةُ دَرَاهِمَ، وَقُوِّمَتِ الدَّرَاهِمُ طَعَامًا. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، قَالَ: وَالْإِطْعَامُ وَالْهَدْيُ لَا يُجْزِي إِلَّا بِمَكَّةَ أَوْ بِمِنًى، وَالصَّوْمُ حَيْثُ شَاءَ. وَقَالَ مَالِكٌ (٤): كُلُّ نَقْصٍ دَخَلَ الْإِحْرَامَ مِنْ وَطْءٍ، أَوْ حَلْقِ شَعْرٍ، أَوْ إِحْصَارٍ - فَإِنَّ صَاحِبَهُ إِنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ، وَلَا يَدْخُلُ الْإِطْعَامُ فِيهِ. فَمَالِكٌ شَبَّهَ الدَّمَ اللَّازِمَ هَا هُنَا بِدَمِ الْمُتَمَتِّعِ، وَالشَّافِعِيُّ شَبَّهُهُ بِالدَّمِ الْوَاجِبِ فِي الْفِدْيَةِ. وَالْإِطْعَامُ عِنْدَ مَالِكٍ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي كَفَّارَةِ الصَّيْدِ وَكَفَّارَةِ إِزَالَةِ الْأَذَى. وَالشَّافِعِيُّ يَرَى أَنَّ الصِّيَامَ وَالْإِطْعَامَ قَدْ وَقَعَا بَدَلَ الدَّمِ فِي مَوْضِعَيْنِ، وَلَمْ يَقَعْ بَدَلَهُمَا إِلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ. فَقِيَاسُ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ عَلَى الْمَنْطُوقِ بِهِ فِي الْإِطْعَامِ أَوْلَى، فَهَذَا مَا يَخُصُّ الْفَسَادَ بِالْجِمَاعِ). ما هو الهدي الذي يجب على من جامع زوجته في الحج؟ فقال بعضهم: شاة، وقال آخرون: بدنة. وعلى من لم يجد صيام ثلاثة أيام في الحجِّ وسبعة بعد الحج.

стр. 4426

[الْقَوْلُ فِي فَوَاتِ الْحَجِّ] قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وَأَمَّا الْفَسَادُ بِفَوَاتِ الْوَقْتِ، وَهُوَ أَنْ يَفُوتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا أَنَّ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ إِحْرَامِهِ إِلَّا بِالطَّوَافِ بِالبَيْتِ وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ (١). أَعْنِي: أَنَّهُ يَحِلُّ وَلَا بُدَّ بِعُمْرَةٍ، وَأَنَّ عَلَيْهِ حَجَّ قَابِلٍ). لم يختلفوا في هذا، واتفقوا على من لم يَبِت بها ليلة النحر دم، وأنه لا يسقط الدم عنه وقوفه بها ولا مروره عليها. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا هَلْ عَلَيْهِ هَدْيٌ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣)، وَأَحْمَدُ (٤)، وَالثَّوْرِيُّ (٥)، وَأَبُو ثَوْرٍ: عَلَيْهِ الْهَدْيُ. وَعُمْدَتُهُمْ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّ مَنْ حَبَسَهُ مَرَضٌ حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ أَنَّ عَلَيْهِ الْهَدْيَ. وَقَالَ

стр. 4427

أَبُو حَنِيفَةَ (١): يَتَحَلَّلُ بِعُمْرَةٍ، وَيَحُجُّ مِنْ قَابَلٍ، وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ. وَحُجَّةُ الْكُوفِيِّينَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْهَدْيِ إِنَّمَا هُوَ بَدَلٌ مِنَ الْقَضَاءِ، فَإِذَا كَانَ الْقَضَاءُ فَلَا هَدْيَ إِلَّا مَا خَصَّصَهُ الْإِجْمَاعُ). قال الجمهور: لو فاته أن يقف بعرفة قبل طلوع الفجر فقد فاته الحجُّ؛ وبالتالي عليه الحج في العام القادم، وعليه الهَدْي أيضًا. * قوله: (وَاخْتَلَفَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، فِيمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَكَانَ قَارِنًا، هَلْ يَقْضِي حَجًّا مُفْرَدًا؟ أَوْ مَقْرُونًا بِعُمْرَةٍ؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣)، إِلَى أَنَّهُ يَقْضِي قَارِنًا؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَقْضِي مِثْلَ الَّذِي عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤): لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا الْإِفْرَادُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ طَافَ لِعُمْرَتِهِ،

стр. 4428

فَلَيْسَ يَقْضِي إِلَّا مَا فَاتَهُ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ (١) عَلَى أَنَّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ أَنَّهُ لَا يُقِيمُ عَلَى إِحْرَامِهِ ذَلِكَ إِلَى عَامٍ آخَرَ، وَهَذَا هُوَ الِاخْتِيَارُ عِنْدَ مَالِكٍ، إِلَّا أَنَّهُ أَجَازَ ذَلِكَ؛ لِيَسْقُطَ عَنْهُ الْهَدْيُ، وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ. وَأَصْلُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافُهُمْ فِيمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ مُحْرِمًا لَمْ يُجِزْ لِلَّذِي فَاتَهُ الْحَجُّ أَنْ يَبْقَى مُحْرِمًا إِلَى عَامٍ آخَرَ، وَمَنْ أَجَازَ الْإِحْرَامَ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَجِّ أَجَازَ لَهُ الْبَقَاءَ مُحْرِمًا). هل يستمر الإحرام في غير أيام الحج؟ لو قلنا بذلك لقلنا بقول الشافعي في هذه المسألة. * قوله: (قَالَ الْقَاضِي: فَقَدْ قُلْنَا فِي الْكَفَّارَاتِ الْوَاجِبَةِ بِالنَّصِّ فِي الْحَجِّ، وَفِي صِفَةِ الْقَضَاءِ فِي الْحَجِّ الْفَائِتِ وَالْفَاسِدِ، وَفِي صِفَةِ إِحْلَالِ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ. وَقُلْنَا قَبْلَ ذَلِكَ فِي الْكَفَّارَاتِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، وَمَا أَلْحَقَ الْفُقَهَاءُ بِذَلِكَ فِي كَفَّارَةِ الْمُفْسِدِ حَجَّهُ. وَبَقِيَ أَنْ نَقُولَ فِي الْكَفَّارَاتِ الَّتِي اخْتَلَفُوا فِيهَا فِي تَرْكِ نُسُكٍ مِنْهَا مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ مِمَّا لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِ). ينقلك المؤلف إلى أحكام أُخرى.

стр. 4429

[الْقَوْلُ فِي الْكَفَّارَاتِ الْمَسْكُوتِ عَنْهَا في الحج] قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (الْقَوْلُ فِي الْكَفَّارَاتِ الْمَسْكُوتِ عَنْهَا. فَنَقُولُ: إِنَّ الْجُمْهُورَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ النُّسُكَ ضَرْبَانِ: نَسُكٌّ هُوَ سُنَّةٌ مُوَكَّدَةٌ، وَنَسُكٌّ هُوَ مُرَغَّبٌ فِيهِ. فَالَّذِي هُوَ سُنَّةٌ يَجِبُ عَلَى تَارِكِهِ الدَّمُ، لِأنَّهُ حَجٌّ نَاقِصٌ أَصْلُهُ الْمُتَمَتِّعُ وَالْقَارِنُ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ فَاتَهُ مِنْ نُسُكِهِ شَيْءٌ فَعَلَيْهِ دَمٌ) (١). روي عن ابن عباس بلفظين: "من ترك"، والآخر: "من نسي". * قوله: (وَأَمَّا الَّذِي هُوَ نَفْلٌ فَلَمْ يَرَوْا فِيهِ دَمًا، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا اخْتِلَافًا كَثِيرًا فِي تَرْكِ نُسُكِ نُسُكٍ هَلْ فِيهِ دَمٌ؟ أَمْ لَا؟ وَذَلِكَ لِاخْتِلَافِهِمْ فِيهِ هَلْ هُوَ سُنَّةٌ؟ أَوْ نَفْلٌ؟ وَأَمَّا مَا كَانَ فَرْضًا فَلَا خِلَافَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَا يُجْبَرَ بِالدَّمِ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُونَ فِي الْفِعْلِ الْوَاحِدِ نَفْسِهِ مِنْ قِبَلِ اخْتِلَافِهِمْ هَلْ هُوَ فَرْضٌ؟ أَمْ لَا؟ وَأَمَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ دَمًا إِلَّا حَيْثُ وَرَدَ النَّصُّ؛ لِتَرْكِهِمُ الْقِيَاسَ، وَبِخَاصَّةٍ فِي الْعِبَادَاتِ. وَكَذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَا كَانَ مِنَ التُّرُوكِ مَسْنُونًا، فَفُعِلَ - فَفِيهِ فِدْيَةُ الْأَذَى، وَمَا كَانَ مُرَغَّبًا فِيهِ فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ). الذي هو سُنَّة اتفقوا على أنَّ على تاركه الدم، وبعض الأفعال يقوم خلافهم فيها على خلاف آخر، فيختلفون في فعل معين هل فيه الدم أم لا؟ بِناءً على اختلافهم هل هو سُنَّة أو فرض؟! * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي تَرْكِ فِعْلٍ، لِاخْتِلَافِهِمْ هَلْ هُوَ سُنَّةٌ؟ أَمْ لَا؟

стр. 4430

وَأَهْلُ الظَّاهِرِ لَا يُوجِبُونَ الْفِدْيَةَ إِلَّا فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ. وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْمَشْهُورَ مِنِ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي تَرْكِ نُسُكِ نُسُكٍ، أَعْنِي: فِي وُجُوبِ الدَّمِ، أَوْ لَا وُجُوبِهِ مِنْ أَوَّلِ الْمَنَاسِكِ إِلَى آخِرِهَا، وَكَذَلِكَ فِي فِعْلِ مَحْظُورٍ مَحْظُورٍ). أهل الظاهر يقفون لظاهر النصِّ دون قياس أو بُعد نظر، وهذا له تأثيرٌ كبيرٌ على غالب أحكامهم. * قوله: (فَأَوَّلُ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْمَنَاسِكِ مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتِ فَلَمْ يُحْرِمْ هَلْ عَلَيْهِ دَمٌ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: لَا دَمَ عَلَيْهِ (١). وَقَالَ قَوْمٌ: عَلَيْهِ الدَّمُ وَإِنْ رَجَعَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْمُبَارَكِ (٢)، وَرُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ. وَقَالَ قَوْمٌ: إِنْ رَجَعَ إِلَيْهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (٣)،

стр. 4431

وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ (١)، وَمَشْهُورُ قَوْلِ الثَّوْرِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢): إِنْ رَجَعَ مُلَبِّيًا فَلَا دَمَ، وَإِنْ رَجَعَ غَيْرَ مُلَبٍّ كَانَ عَلَيْهِ الدَّمُ. وَقَالَ قَوْمٌ (٣): هُوَ فَرْضٌ، وَلَا يَجْبُرُهُ بِالدَّمِ). جاوز أحدهم الميقات الذي يُحرم منه أهل بلده، ولكنَّه لم يُحرم، وأوسط هذه الأقوال قوله الشافعي ﵀: إن رجع فليس عليه دم، وإلا كان عليه الدم. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ غَسَلَ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ (٤)، فَقَالَ مَالِكٌ (٥)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٦): يَفْتَدِي. وَقَالَ [الثَّوْرِيُّ] وَغَيْرُهُ (٧): لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَرَأَى

стр. 4432

مَالِكٌ أَنَّ فِي الْحَمَّامِ الْفِدْيَةَ، وَأَبَاحَهُ الْأَكْثَرُونَ (١). وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ طَرِيقٍ ثَابِتٍ دُخُولُهُ (٢). وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَفْتَدِي مَنْ لَبِسَ مِنَ الْمُحْرِمِينَ مَا نُهِيَ عَنْ لِبَاسِهِ. وَاخْتَلَفُوا إِذَا لَبِسَ السَّرَاوِيلَ؛ لِعَدَمِ الْإِزَارِ هَلْ يَفْتَدِي؟ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ (٣)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٤): يَفْتَدِي. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ (٥)، وَأَحْمَدُ (٦)، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَجِدُ

стр. 4433

إِزَارًا، وَعُمْدَةُ مَنْ مَنَعَ: النَّهْيُ الْمُطْلَقُ، وَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يَرَ فِيهِ فِدْيَةً: حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْإِزَارَ، وَالْخُفُّ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ" (١)). بهذا يحتج أحمد أنها لا تقطع؛ لظاهر إباحة لبسهما في هذا الحديث كذلك، والكافة تجعل الأحاديث المتقدمة مفسرةً لهذا الإجمال، وأن لباسهما بعد قطعهما كما تقدم، وأن الزيادة التي حفظ ابن عمر من ذاك تحكم على حديث ابن عباس، وجابر، وذكر الجِعرانة، وقد اختلف فيها الحجازيون والعراقيون، أولئك يكسرون العَين ويشدِّدون الراء، وهؤلاء يُخَفِّفونهما. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ لَبِسَ الْخُفَّيْنِ مَقْطُوعَيْنِ مَعَ وُجُودِ النَّعْلَيْنِ فَقَالَ مَالِكٌ (٢): عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣): لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ. وَالْقَوْلَانِ

стр. 4434

عَنِ الشَّافِعِيِّ) (١). ويفصل في ذلك قوله ﷺ : "وَالْخُفُّ لِمَنْ لَمْ يجِدِ النَّعْلَيْنِ". (وَاخْتَلَفُوا فِي لُبْسِ الْمَرْأَةِ الْقُفَّازَيْنِ هَلْ فِيهِ فِدْيَةٌ؟ أَمْ لَا؟ وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْ هَذِهِ الأَحْكَامِ فِي بَابِ الْإِحْرَامِ. وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ تَرَكَ التَّلْبِيَةَ: هَلْ عَلَيْهِ دَمٌ؟ أَمْ لَا؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ). تقدَّم ذلك. * قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ نَسِيَ الطَّوَافَ، أَوْ نَسِيَ شَوْطًا مِنْ أَشْوَاطِهِ، أَنَّهُ يُعِيدُهُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ (٢). وَاخْتَلَفُوا إِذَا بَلَغَ إِلَى أَهْلِهِ، فَقَالَ قَوْمٌ

стр. 4435

مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ (١): يُجْزِيهِ الدَّمُ، وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ يُعِيدُ، وَيَجْبُرُ مَا نَقَصَهُ، وَلَا يُجْزِيهِ الدَّمُ. وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الدَّمِ عَلَى مَنْ تَرَكَ الرَّمَلَ (٢) فِي الثَّلَاثَةِ الْأَشْوَاطِ، وَبِالْوُجُوبِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ. وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ. وَالْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا مَبْنَاهُ عَلَى أَنَّهُ هَلْ سُنَّةٌ؟ أَمْ لَا؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ. وَتَقْبِيلُ الْحَجَرِ أَوْ تَقْبِيلُ يَدِهِ بَعْدَ وَضْعِهَا عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَصِلِ الْحَجَرَ عِنْدَ كُلِّ مَنْ لَمْ يُوجِبِ الدَّمَ قِيَاسًا عَلَى الْمُتَمَتِّعِ إِذَا تَرَكهُ: فِيهِ دَمٌ). لو نسي الطواف يُعيده إذا كان بمكة، فإذا سافر إلى أهله؟ يجزيه الدم كما قال أبو حنيفة. * قوله: (وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ نَسِيَ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ هَلْ عَلَيْهِ دَمٌ؟ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ دَمٌ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: يَرْكَعُهُمَا مَا دَامَ فِي الْحَرَمِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَرْكَعُهُمَا حَيْثُ شَاءَ، وَالَّذِينَ قَالُوا فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ: إِنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ، اخْتَلَفُوا فِيمَنْ تَرَكَهُ، وَلَمْ تَتَمَكَّنْ لَهُ الْعَوْدَةُ إِلَيْهِ هَلْ عَلَيْهِ دَمٌ؟ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا فَيَعُودَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ: عَلَيْهِ دَمٌ إِنْ لَمْ يَعُدْ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ عِنْدَهُمْ مَا لَمْ يَبْلُغِ الْمَوَاقِيتَ). اختلفوا في طواف الوداع نفس اختلافهم في المسألة السابقة، وقول مالك أنه ليس عليه شيء إلا أن يكون قريبًا، والصواب: أن عليه الدم كما قال أبو حنيفة.

стр. 4436

* قوله: (وَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يَرَهُ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً: سُقُوطُهُ عَنِ الْمَكِّيِّ وَالْحَائِضِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُدْخِلِ الْحِجْرَ فِي الطَّوَافِ أَعَادَ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مَكَّةَ، فَإِنْ خَرَجَ فَعَلَيْهِ دَمٌ). لأنه سبق القول في السنَّة وأنَّ تاركها عليه دم. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا هَلْ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الطَّوَافِ الْمَشْيُ فِيهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ مِنْ شَرْطِهِ كَالْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنْ عَجَزَ كَانَ كَصَلَاةِ الْقَاعِدِ، ويُعِيدُ عِنْدَهُ أَبَدًا، إِلَّا إِذَا رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ دَمًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الرُّكُوبُ فِي الطَّوَافِ جَائِزٌ؛ "لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ بِالْبَيْتِ رَاكِبًا مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ، وَلَكِنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَسْتَشْرِفَ النَّاسُ إِلَيْهِ". وَمَنْ لَمْ يَرَ السَّعْيَ وَاجِبًا فَعَلَيْهِ فِيهِ دَمٌ إِذَا انْصَرَفَ إِلَى بَلَدِهِ. وَمَنْ رَآهُ تَطَوُّعًا لَمْ يُوجِبْ فِيهِ شَيْئًا). عن أم سلمة زوج النبي ﷺ ، أنها قالت: "اشتكيت، فذَكَرْتُ ذلك لرسول اللَّه ﷺ ، فقال: "طوفي مِنْ وراء الناس وأنت راكِبَةٌ"، قالت: فطفت ورسول اللَّه ﷺ يصلي إلى جانب البيت، ويقرأ: بـ ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢)﴾ (١). * قوله: (وَقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلَافَهُمْ أَيْضًا فِيمَنْ قَدَّمَ السَّعْيَ عَلَى الطَّوَافِ، هَلْ فِيهِ دَمٌ إِذَا لَمْ يَعُدْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَكَّةَ؟ أَمْ لَيْسَ فِيهِ دَمٌ؟ وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الدَّمِ عَلَى مَنْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: إِنْ عَادَ، فَدَفَعَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ: عَلَيْهِ الدَّمُ رَجَعَ أَوْ لَمْ يَرْجِعْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ وَقَفَ مِنْ

стр. 4437

عَرَفَةَ بِعُرَنَةَ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا حَجَّ لَهُ، وَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ دَمٌ. وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ: هَلِ النَّهْيُ عَنِ الْوُقُوفِ بِهَا مِنْ بَابِ الْحَظْرِ؟ أَوْ مِنْ بَابِ الْكَرَاهِيَةِ؟ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ أَفْعَالِ الْحَجِّ إِلَى انْقِضَائِهَا كَثِيرًا مِنِ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَا فِي تَرْكِهِ دَمٌ، وَمَا لَيْسَ فِيهِ دَمٌ، وَإِنْ كَانَ التَّرْتِيبُ يَقْتَضِي ذِكرَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَالْأَسْهَلُ ذِكْرُهُ هُنَالِكَ). تقدَّمت هذه المسائل، فلا حاجة للوقوف عليها مرة أُخرى. * قوله: (قَالَ الْقَاضِي: فَقَدْ قُلْنَا فِي وُجُوبِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ، وَعَلَى مَنْ تَجِبُ؟ وَشُرُوطِ وُجُوبِهَا، وَمَتَى تَجِبُ؟ وَهِيَ الَّتِي تَجْرِي مَجْرَى الْمُقَدِّمَاتِ لِمَعْرِفَةِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ. وَقُلْنَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي زَمَان هَذِهِ الْعِبَادَةِ، وَمَكَانِهَا، وَمَحْظُورَاتِهَا، وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَيْضًا مِنَ الْأَفْعَالِ فِي مَكَانٍ مَكَانٍ مِنْ أَمَاكِنِهَا، وَزَمَانِ زَمَانِ مِنْ أَزْمِنَتِهَا الْجُزْئِيَّةِ إِلَى انْقِضَاءِ زَمَانِهَا. ثُمَّ قُلْنَا فِي أَحْكَامِ التَّحَلُّلِ الْوَاقِعِ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ، وَمَا يَقْبَلُ مِنْ ذَلِكَ الْإِصْلَاحَ بِالْكَفَّارَاتِ، وَمَا لَا يَقْبَلُ الْإِصْلَاحَ بَلْ يُوجِبُ الْإِعَادَةَ. وَقُلْنَا أَيْضًا فِي حُكْمِ الْإِعَادَةِ بِحَسَبِ مُوجِبَاتِهَا. وَفِي هَذَا الْبَابِ يَدْخُلُ مَنْ شَرَعَ فِيهَا، فَأُحْصرَ بِمَرَضٍ أَوْ عَدُوِّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَالَّذِي بَقِيَ مِنْ أَفْعَالِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ هُوَ الْقَوْلُ فِي الْهَدْيِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْعِبَادَاتِ هُوَ جُزْءٌ مِنْ هَذِهِ الْعِبَادَةِ، وَهُوَ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُفْرَدَ بِالنَّظَرِ فَلْنَقُلْ فِيهِ). ينتقل هنا إلى أحكام أُخرى. [الْقَوْلُ فِي الْهَدْيِ] قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (فَنَقُولُ: إِنَّ النَّظَرَ فِي الْهَدْيِ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْرِفَةِ وُجُوبِهِ، وَعَلَى مَعْرِفَةِ جِنْسِهِ، وَعَلَى مَعْرِفَةِ سِنِّهِ، وَكَيْفِيَّةِ

стр. 4438

سَوْقِهِ، وَمِنْ أَيْنَ يُسَاقُ؟ وَإِلَى أَيْنَ يَنْتَهِي بِسَوْقِهِ؟ وَهُوَ مَوْضِعُ نَحْرِهِ، وَحُكْمُ لَحْمِهِ بَعْدَ النَّحْرِ، فَنَقُولُ: إِنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْهَدْيَ الْمَسُوقَ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ مِنْهُ وَاجِبٌ، وَمِنْهُ تَطَوُّعٌ (١)؛ فَالْوَاجِبُ مِنْهُ مَا هُوَ وَاجِبٌ بِالنَّذْرِ، وَمِنْهُ مَا هُوَ وَاجِبٌ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ، وَمِنْهُ مَا هُوَ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ كَفَّارَةٌ). الواجب من الهدي قسمان: أحدهما: وجب بالنذر في ذِمَّته. والثاني: وجب بغيره؛ كدم التَّمتع، والقران، والدماء الواجبة بترك واجب، أو فعل محظور. * قوله: (فَأَمَّا مَا هُوَ وَاجِبٌ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ فَهُوَ هَدْيُ الْمُتَمَتِّعِ بِاتِّفَاقٍ وَهَدْيُ الْقَارِنِ بِاخْتِلَافٍ، وَأَمَّا الَّذِي هُوَ كَفَّارَةٌ فَهَدْيُ الْقَضَاءِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَشْتَرِطُ فِيهِ الْهَدْيَ، وَهَدْيُ كَفَّارَةِ الصَّيْدِ، وَهَدْيُ إِلْقَاءِ الْأَذَى وَالتَّفَثِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْهَدْيِ الَّذِي قَاسَهُ الْفُقَهَاءُ فِي الْإِخْلَالِ بِنُسُكٍ نُسُكٍ مِنْهَا عَلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَأَمَّا جِنْسُ الْهَدْيِ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ مُتَّفِقُونَ (٢) عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْهَدْيُ إِلَّا مِنَ الْأَزْوَاج الثَّمَانِيَةِ الَّتِي نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهَا، وَأَنَّ الْأَفْضَلَ فِي الْهَدَايَا هِيَ الْإِبِلُ، ثُمَّ الْبَقَرُ، ثُمَّ الْغَنَمُ، ثُمَّ الْمَعْزُ. وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الضَّحَايَا).

стр. 4439

لا يُسنُّ الهدي إلا من بهيمة الأنعام؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾. وأفضله الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، لما روى أبو هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح، فكأنما قرَّب بدَنَة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرَّب بقَرةً، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرَّب كبشًا أقرنَ، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرَّبَ دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بَيضَة". * قوله: (وَأَمَّا الْأَسْنَانُ فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا أَنَّ الثَّنِيَّ فَمَا فَوْقَهُ يُجْزِي مِنْهَا، وَأَنَّهُ لَا يُجْزِي الْجَذَعُ مِنَ الْمَعْزِ فِي الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا (١)؛ لِقَوْلِهِ ﵊ لِأَبِي بُرْدَةَ: "تُجْزِي عَنْكَ، وَلَا تجْزِي عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ") (٢). ما لزم من الدماء، لا يجزئ إلا الجذع من الضأن والثَّنِي من غيره، هذا في غير جزاء الصيد، فأما جزاء الصيد، فمنه جَفرة وعناق وجَدْي وصحيح ومعيب، وأما في غرِه، مثل هدي المتعة وغيره، فلا يجزئ إلا الجذع من الضأن، وهو الذي له ستة أشهر، والثَّنِيُّ من غيره، وثني المعز ما له سَنَة، وثَنِيُّ البقر ما له سنتان، وثَنِيُّ الإبل ما له خمس سنين. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الْجَذَعِ مِنَ الضَّأْنِ، فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ بِجَوَازِهِ فِي الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ (٣) يَقُولُ: لَا يُجْزِي

стр. 4440

فِي الْهَدَايَا إِلَّا الثَّنِيُّ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْأَغْلَى ثَمَنًا مِنَ الْهَدَايَا أَفْضَلُ. وَكَانَ الزُّبَيْرُ يَقُولُ لِبَنِيهِ: يَا بَنِيَّ، لَا يُهْدِيَنَّ أَحَدُكُمْ لِلَّهِ مِنَ الْهَدْيِ شَيْئًا يَسْتَحْيِي أَنْ يُهْدِيَهُ لِكَرِيمِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ أَكْرَمُ الْكُرَمَاءِ وَأَحَقُّ مَنِ اخْتِيرَ لَهُ (١)، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الرِّقَاب، وَقَدْ قِيلَ لَهُ: أَيُّهَا أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: "أَغْلَاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا" (٢). وَلَيْسَ فِي عَدَدِ الْهَدْيِ حَدٌّ مَعْلُومٌ، وَكانَ هَدْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِئَةً (٣)). قال ابن عمر: لا يجزئ إلا الثني من كل شيء. وقال عطاء، والأوزاعي: يجزئ الجذع من الكل، إلا المعز. * قوله: (وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ سَوْقِ الْهَدْيِ فَهُوَ التَّقْلِيدُ وَالْإِشْعَارُ بِأَنَّهُ هَدْيٌ؛ "لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَلَمَّا كَانَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ الْهَدْيَ، وَأَشْعَرَهُ، وَأَحْرَمَ" (٤)، وَإِذَا كَانَ الْهَدْيُ مِنَ الْإِبِلِ وَالبَقَرِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يُقَلَّدُ نَعْلًا أَوْ نَعْلَيْنِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النِّعَالَ. وَاخْتَلَفُوا فِي تَقْلِيدِ الْغَنَمِ، فَقَالَ مَالِكٌ (٥)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٦): لَا تُقَلَّدُ الْغَنَمُ.

стр. 4441

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١)، وَأَحْمَدُ (٢)، وَأَبُو ثَوْرٍ (٣)، وَدَاوُدُ: تُقَلَّدُ؛ لِحَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَهْدَى إِلَى الْبَيْتِ مَرَّةً غَنَمًا، فَقَلَّدَهُ") (٤). يسن تقليد الهدي، وهو أن يجعل في أعناقها النعال، وآذان القرب، وعراها، أو علاقة إداوة. وسواء كانت إبلًا، أو بقرًا، أو غنمًا. وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يسن تقليد الغنم؛ لأنه لو كان سُنَّة لنقل كما نقل في الإبل. وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور وداود: تُقلَّد. واستدلوا بحديث عائشة قالت: "كنت أفتِلُ القَلائدَ للنَّبِي ﷺ فيقلد الغنم، ويقيم في أهله حلالًا". وفي لفظ: "كنت أفتل قلائد الغنم للنبي ﷺ "، رواه البخاري. ولأنه هَدْي، فيُسنُّ تقليدُه كالإبل، ولأنه إذا سَنَّ تقليد الإبل مع إمكان تعريفها بالإشعار، فالغنم، أولى، وليس التساوي في النقل شرطًا لصحَّة الحديث، ولأنه كان يهدي الإبل أكثر، فكثر نقله.

стр. 4442

* قوله: (وَاسْتَحَبُّوا تَوْجِيهَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ فِي حِينِ تَقْلِيدِهِ، وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ الْإِشْعَارَ مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ (١)؛ لِمَا رَوَاهُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَهْدَى هَدْيًا مِنَ الْمَدِينَةِ قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، قَلَّدَهُ قَبْلَ أَنْ يُشْعِرَهُ، وَذَلِكَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مُوَجَّهٌ لِلْقِبْلَةِ (٢)، يُقَلِّدُهُ بِنَعْلَيْنِ، وَيُشْعِرُهُ مِنَ الشِّقِّ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ يُسَاقُ مَعَهُ حَتَّى يُوقِفَ بِهِ مَعَ النَّاسِ بِعَرَفَةَ، ثُمَّ يَدْفَعُ بِهِ مَعَهُمْ إِذَا دَفَعُوا، وَإِذَا قَدِمَ مِنًى غَدَاةَ النَّحْرِ نَحَرَهُ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ، وَكَانَ هُوَ يَنْحَرُ هَدْيَهُ بِيَدِهِ يَصُفُّهُنَّ قِيَامًا، ويُوَجِّهُهُنَّ لِلْقِبْلَةِ، ثُمَّ يَأْكُلُ وَيُطْعِمُ، وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ (٣)، وَأَحْمَدُ (٤)، وَأَبُو ثَوْرٍ (٥)، الْإِشْعَارَ مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ دَعَا بِبَدَنَةٍ فَأَشْعَرَهَا مِنْ صَفْحَةِ سَنَامِهِا الْأَيْمَنِ، ثُمَّ سَلَتَ الدَّمَ عَنْهَا، وَقَلَّدَهَا بِنَعْلَيْنِ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ. فَلَمَّا

стр. 4443

اسْتَوَتْ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهلَّ بِالْحَجِّ") (١). يُسنُّ إشعار الإبل والبقر، وهو أن يَشقَّ صفْحة سَنَامها الأيمن حتى يدْمِيَها، في قول عامة أهل العلم. لما روت عائشة ﵂ قالت: "فَتَلْتُ قلائدَ هَدْي النبيِّ ﷺ ثم أشْعَرَها وقلَّدها". وقد فعله الصحابة، فيجب تقديمه. ولأنه إيلام لغرض صحيح فجاز؛ كالكي، والوسم، والفصد، والحجامة. والغرض: أن لا تختلط بغيرها، وأن يتوقاها اللص، ولا يحصل ذلك بالتقليد؛ لأنه يحتمل أن ينحل ويذهب. (وَأَمَّا مِنْ أَيْنَ يُسَاقُ الْهَدْيُ؟ فَإِنَّ مَالِكًا (٢) يَرَى أَنَّ مِنْ سُنَّتِهِ أَنْ يُسَاقَ مِنَ الْحِلِّ، وَلِذَلِكَ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ مَنِ اشْتَرَى الْهَدْيَ بِمَكَّةَ، وَلَمْ يُدْخِلْهُ مِنَ الْحِلِّ - أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَقِفَهُ بِعَرَفَةَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ الْبَدَلُ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ أَدْخَلَهُ مِنَ الْحِلِّ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَقِفَهُ بِعَرَفَةَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ (٣)، وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ) (٤). وقف الهدي بعرفة عند مالك وأصحابه لمن اشترى الهدي بمكة ولم

стр. 4444

يدخله من الحل واجب؛ لا يجزئ عندهم غير ذلك، أخذًا من قول ابن عمر ﵁: "الهدي ما قُلِّد وأشْعِرَ ووقف به على عَرفة". * قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١)، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ (٢): وُقُوفُ الْهَدْيِ بِعَرَفَةَ سُنَّةٌ، وَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ لَمْ يَقِفْهُ، كَانَ دَاخِلًا مِنَ الْحِلِّ أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣): لَيْسَ تَوْقِيفُ الْهَدْيِ بِعَرَفَةَ مِنَ السُّنَّةِ). الشافعيُّ يقول: "إن شئت فعرِّف وإن شئت فلا تُعرِّف"، فعنده وقف الهدي بعرفة سنة لمن شاء إذا لم يسقه من الحل. * قوله: (وَحُجَّةُ مَالِكٍ فِي إِدْخَالِ الْهَدْيِ مِنَ الْحِلِّ إِلَى الْحَرَمِ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَذَلِكَ فَعَلَ، وَقَالَ: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ") (٤).

стр. 4445

وجه استدلاله: أنَّ الهدي إذا وجب باتفاق فواجب أن لا يُجزئ إلا بمثل ذلك أو سنة توجب غير ذلك، والفعل منه ﷺ عند المالكيين على الوجوب في مثل هذا. * قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: التَّعْرِيفُ سُنَّة مِثْلُ التَّقْلِيدِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ التَّعْرِيفُ بِسُنَّةٍ، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؛ لِأَنَّ مَسْكَنَهُ كَانَ خَارِجَ الْحَرَمِ. وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ (١) التَّخْيِيرُ فِي تَعْرِيفِ الْهَدْيِ أَوْ لَا تَعْرِيفِهِ). وأبو حنيفة يقول: ليس بسُنَّة؛ لأن رسول اللَّه ﷺ إنما ساق الهدي من الحل؛ لأن مسكنه كان خارج الحَرمِ. * قوله: (وَأَمَّا مَحِلُّهُ فَهُوَ الْبَيْتُ الْعَتِيقُ، كَمَا قَالَ -تَعَالَى-: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]، وَقَالَ: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]). لأن هذا ذبح يتعلَّق بالإحرام، فلم يجز في غير الحرم. * قوله: (وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْكَعْبَةَ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ فِيهَا ذَبْحٌ، وَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ (٢)، وَأَنَّ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]- أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ النَّحْرَ بِمَكَّةَ إِحْسَانًا مِنْهُ لِمَسَاكِينِهِمْ وَفُقَرَائِهِمْ).

стр. 4446

أجمع العلماء على أن الكعبة هي البيت الحرام، وهي البيت العتيق، لا يجوز لأحد فيه ذبح ولا نحر، وكذلك المسجد الحرام. * قوله: (وَكَانَ مَالِكٌ (١) يَقُولُ: إِنَّمَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] مَكَّةُ، وَكَانَ لَا يُجِيزُ لِمَنْ نَحَرَ هَدْيَهُ فِي الْحَرَمِ إِلَّا أَنْ يَنْحَرَهُ بِمَكَّةَ). مذهب الإمام مالك بن أنس ﵀ أنه لا يصح لمن نحر هديًا في الحرم أن ينحره في غير مكة. * قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٣): إِنْ نَحَرَهُ فِي غَيْرِ مَكَّةَ مِنَ الْحَرَمِ أَجْزَأَهُ). خلافًا لمذهب مالك ﵀. * قوله: (وَقَالَ الطَّبَرِيُّ (٤): يَجُوزُ نَحْرُ الْهَدْيِ حَيْثُ شَاءَ الْمُهْدِي

стр. 4447

إِلَّا هَدْيَ الْقِرَانِ وَجَزَاءَ الصَّيْدِ فَإِنَّهُمَا لَا يُنْحَرَان إِلَّا بِالْحَرَمِ. وَبِالْجُمْلَةِ فَالنَّحْرُ بِمِنًى إِجْمَاعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَفِي الْعُمْرَةِ بِمَكَّةَ، إِلَّا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ نَحْرِ الْمُحْصَرِ. وَعِنْدَ مَالِكٍ: إِنْ نَحَرَ لِلْحَجِّ بِمَكَّةَ، وَالْعُمْرَةِ بِمِنًى - أَجْزَأَهُ). يرى الإمام الطبري ﵀ أنه يجوز نحر الهدي حيث شاء المهدي إلا هدي القران وجزاء الصيد فإنه لا ينحره إلا في الحرم. * قوله: (وَحُجَّةُ مَالِكٍ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النَّحْرُ بِالْحَرَمِ إِلَّا بِمَكَّةَ قَوْلُهُ ﷺ : "وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ وَطُرُقِهَا مَنْحَرٌ" (١). وَاسْتَثْنَى مَالِكٌ مِنْ ذَلِكَ هَدْيَ الْفِدْيَةِ، فَأَجَازَ ذَبْحَهُ بِغَيْرِ مَكَّةَ). * قوله: (وَأَمَّا مَتَى يُنْحَرُ فَإِنَّ مَالِكًا (٢) قَالَ: إِنْ ذَبَحَ هَدْيَ التَّمَتُّعِ أَوِ التَّطَوُّعِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ لَمْ يُجْزِهِ. وَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ (٣) فِي التَّطَوُّعِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٤): يَجُوزُ فِي كِلَيْهِمَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ).

стр. 4448

قال مالك: إذا نحر هديَ التمتُّع أو الهدي التطوع قبل يوم النحر لم يجزه. وقال أبو حنيفة في الهدي التمتع كقول مالك، وخالفه في التطوع فجوزه قبل يوم النحر. وقال الشافعي: يُجزئ نحر الجميع قبل يوم النحر. * قوله: (وَلَا خِلَافَ عِنْدِ الْجُمْهُورِ (١) أَنَّ مَا عُدِلَ مِنَ الْهَدْيِ بِالصِّيَامِ أَنَّهُ يَجُوزُ حَيْثُ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِي ذَلِكَ لَا لِأَهْلِ الْحَرَمِ، وَلَا لِأَهْلِ مَكَّةَ). ما عُدِل به الهدي من الصيام والصدقة فإنَّه يكون بغير مكة حيثُ أحبَّ صاحبه أن يفعله فَعَله، فلا خلاف في الصيام أن يصوم حيث شاء؛ لأنه لا منفعة في ذلك لأهل الحرم ولا لأهل مكة. * قوله: (وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الصَّدَقَةِ الْمَعْدُولَةِ عَنِ الْهَدْيِ، فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ (٢) عَلَى أَنَّهَا لِمَسَاكِينِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ الَّذِي هُوَ لَهُمْ. وَقَالَ مَالِكٌ (٣): الْإِطْعَامُ كَالصِّيَامِ يَجُوزُ بِغَيْرِ مَكَّةَ).

стр. 4449

أما الصدقة، فلا تكون إذا كانت بدلًا من جزاء الصيد إلا بمكة لأهلها حيث يكون النحر، ومعلوم أن النحر في العمرة بمكة وفي الحج، بمِنًى وهما جميعًا حرم، فالحرم كله مَنْحَر عندهم. وقوله مالك هذا مذكور في موطئه: أن الإطعام كالصيام يجوز بغير مكة. * قوله: (وَأَمَّا صِفَةُ النَّحْرِ، فَالْجُمْهُورُ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ مُسْتَحَبَّةٌ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا زَكاةٌ، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَحَبَّ مَعَ التَّسْمِيَةِ التَّكْبِيرَ) (١). يقول عند نحره: (بسم اللَّه، واللَّه أكبر) لقول اللَّه : ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾، فمن أهل العلم من يستحب التكبير مع التسمية، وعساه أن يكون امتثل قوله اللَّه : ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾. ومثهم: من كان يقوله التسمية تُجزي ولا يزيد على "بسم اللَّه"، وأحب إليَّ أن يقوله: "بسم اللَّه، اللَّه أكبر". * قوله: (وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُهْدِي أَنْ يَلِيَ نَحْرَ هَدْيِهِ بِيَدِهِ، وَإِنِ اسْتَخْلَفَ جَازَ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي هَدْيِهِ. وَمِنْ سُنَّتِهَا: أَنْ تُنْحَرَ قِيَامًا؛ لِقَوْلِهِ : ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦]. وَقَدْ تُكُلِّمَ فِي صِفَةِ النَّحْرِ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ). ويستحب للمهدي أن يتولى نحر الهدي بنفسه؛ لأن النبي ﷺ نحر هَدْيه بيده، وروي عن غَرَفَة بن الحارث الكندي، قال: "شهدت رسول اللَّه ﷺ في حجة الوداع، وأتي بالبدن، فقال: ادع لي أبا الحسن.

стр. 4450

فدعي له علي، فقال له: خذ بأسفل الحربة. وأخذ رسول اللَّه ﷺ بأعلاها، ثم طعنا بها البدن". وإنما فعلا ذلك؛ لأن النبي ﷺ أشرك عَلِيًّا في بُدنه. وقال جابر: "نحر رسول اللَّه ﷺ ثلاثا وستين بَدنَةً بيده، ثم أعطى علِيًّا فنحر ما غبر". وروي أن النبي ﷺ نحر خمس بَدناتٍ، ثم قال: "من شاء اقتطع". فإن لم يذبح بيده، فالمستَحَبُّ أن يشهد ذبحها؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال لفاطمة: "احضُرِي أضْحِيَّتَكِ يغفر لك بأول قطرة من دَمِها". ويستحب أن يتولى تفريق اللحم بنفسه؛ لأنه أحوط وأقل للضرر على المساكين، وإن خلى بينه وبين المساكين جاز، لقوله ﷺ : "من شاء اقتطع". * قوله: (وَأَمَّا مَا يَجُوزُ لِصَاحِبِ الْهَدْيِ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهِ وَبِلَحْمِهِ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ مَسَائِلَ مَشْهُورَةً، أَحَدُهَا: هَلْ يَجُوزُ لَهُ رُكُوبُ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ أَوِ التَّطَوُّعِ؟ فَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ (١) إِلَى أَنَّ رُكُوبَهُ جَائِزٌ مِنْ ضَرُورَةٍ وَمِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَبَعْضُهُمْ أَوْجَبَ ذَلِكَ، وَكَرِهَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ (٢) رُكُوبَهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ).
следующие страницы →