Полный текст (10 175 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.
стр. 4411
فَمَنْ قَاسَهُ عَلَى الْهَدْيِ أَوْجَبَ فِيهِ شُرُوطَ الْهَدْيِ مِنَ الذَّبْحِ فِي الْمَكَانِ الْمَخْصُوصِ بِهِ، وَفِي مَسَاكِينِ الْحَرَمِ. وَإِنْ كَانَ مَالِكٌ يَرَى أَنَّ الْهَدْيَ يَجُوزُ إِطْعَامُهُ لِغَيْرِ مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، وَالَّذِي يَجْمَعُ النُّسُكَ وَالْهَدْيَ هُوَ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِمَا مَنْفَعَةُ الْمَسَاكِينِ الْمُجَاوِرِينَ لِبَيْتِ اللَّهِ، وَالْمُخَالِفُ يَقُولُ: إِنَّ الشَّرْعَ لَمَّا فَرَّقَ بَيْنَ اسْمِهِمَا، فَسَمَّى أَحَدَهُمَا: نُسُكًا، وَسَمَّى الْآخَرَ: هَدْيًا، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُمَا مُخْتَلِفًا، وَأَمَّا الْوَقْتُ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْكَفَّارَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بَعْدَ إِمَاطَةِ الْأَذَى، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَدْخُلَهُ الْخِلَافُ قِيَاسًا عَلَى كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ. فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي كَفَّارَةِ إِمَاطَةِ الْأَذَى).
بعضهم قاس دم النسك على الهدي، فأوجب فيه شروط الهدي.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي حَلْقِ الرَّأْسِ هَلْ هُوَ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ؟ أَوْ هُوَ مِمَّا يُتَحَلَّلُ بِهِ مِنْهُ؟ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْجُمْهُورِ فِي أَنَّهُ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ، وَأَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ، لِمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اللَّهُمَّ، ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ! " قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "اللَّهُمَّ، ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ! " قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "اللَّهُمَّ، ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ! " قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَالْمُقَصِّرِينَ" (١) . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ لَا يَحْلِقْنَ، وَأَنَّ سَنَتَهُنَّ التَّقْصِيرُ) (٢) .
كان عادة أكثر العرب اتخاذ الشعر على الرؤوس وتوفيرها وتزييتها، وكان التَّسْميت والحَلْقُ فيهم قليلًا، وكانوا يرون ذلك نَوعًا من الشهرة، الحواشي
(١) أخرجه البخاري(١٧٢٧) ، ومسلم(١٣٠١) .(٢) يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (١/ ٢٩٢)؛ حيث قال: "وأجمعوا أن النساء لا يحلقن وأن سنتهن التقصير".стр. 4412
وكان يشق عليهم الحلق، فمالوا إلى القصِّ والتقصير، فلما أمر ﷺ من لا هَدْي معه بالإحلال في الحديث الذي تقدم ذكره، وجدوا من ذلك في أنفسهم، فقالوا: كيف نحل وقد سمينا الحج؟ وإنما الحلق بعد أن يبلغ الهدي محِلَّه، واستبطأهم في ذلك، وقال لهم: "افعلوا ما آمركم به"، وقال: "لولا أني لبدت رأسي وسقت معي الهدي لأحللت وحلقت"، فلما أحلوا كان منهم من حلق ومنهم من قصر، ولم يحلق لما يجد في نفسه منه، فمن أجل ذلك سمح لهم بالدعاء بالرحمة والمغفرة، وقصر بالآخرين إلى أن استعطف عليهم وسئل في أمرهم فعمهم بالدعاء بعد.
(وَاخْتَلَفُوا: هَلْ هُوَ نُسُكٌ يجِبُ عَلَى الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ أَوْ لَا؟، فَقَالَ مَالِكٌ (١) : الْحِلَاقُ نُسُكٌ لِلْحَاجِّ وَلِلْمُعْتَمِرِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ، وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَأُحْصِرَ بِعَدُوٍّ أَوْ مَرَضٍ أَوْ بِعُذْرٍ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ إِلَّا فِي الْمُحْصَرِ بِعَدُوٍّ؛ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ (٢) قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ حِلَاقٌ وَلَا تَقْصِيرٌ، وَبِالْجُمْلَةِ فَمَنْ جَعَلَ الْحِلَاقَ أَوِ التَّقْصِيرَ نُسُكًا أَوْجَبَ فِي تَرْكِهِ الدَّمَ، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ مِنَ النُّسُكِ لَمْ يُوجِبْ فِيهِ شَيْئًا).
عند أبي حنيفة: لا يحلق المحصر إذا أحصر في الحل، أما إذا أحصر في الحرم يحلِقُ. الحواشي
(١) هذا إجماع إلا ما استثناه أبو حنيفة مما ذكره المؤلف؛ ينظر: "الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (١/ ٢٩٢)؛ حيث قال: "والحلاق نسك يجب على الحاج والمعتمر وهو أفضل من التقصير، ويجب على كُلِّ من فاته الحج أو أحصر بعدو أو مرض، وعليه جماعة الفقهاء إلا في المُحصَر بعدد. قال مالك: لا يجوز لأحد أن يحلق رأسه ولا ينحر قبل الفجر إلى آخره، وهذا لا خلاف فيه".(٢) يُنظر: "المبسوط" للسرخسي (٤/ ٧٢)؛ حيث قال: "عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما اللَّه تعالى إنما لا يحلق المحصر إذا أحصر في الحل، أما إذا أحصر في الحرم يحلق؛ لأن الحلق عندهما مؤقت بالحرم، ورسول اللَّه ﷺ إنما كان محصَرًا بالحديبية، وبعض الحديبية من الحرم على ما روي أن مضارب رسول اللَّه ﷺ كانت في الحل، ومصلاه في الحرم فإنما حلق في الحرم، وبه نقول".стр. 4413
[الْقَوْلُ فِي كَفَّارَةِ الْمُتَمَتِّعِ]
قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وَأَمَّا كفَّارَةُ الْمُتَمَتِّع الَّتِي نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهَا فِي قَوْلِهِ -سُبْحَانَهُ-: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] الْآيَةَ، فَإنَّهُ لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِهَا (١) ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْمُتَمَتِّعِ مَنْ هُوَ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْخِلَافِ).
من أهل بعمرة في أشهر الحج، وقدم مكة ففرغ منها، فأقام بها فحجَّ في نفس العام فهو متمتع، وعليه الهديُ إذا وَجَد، وإلا فالصيام.
* قوله: (وَالْقَوْلُ فِي هَذِهِ الْكَفَّارَةِ أَيْضًا يَرْجِعُ إِلَى تِلْكَ الْأَجْنَاسِ بِعَيْنِهَا عَلَى مَنْ تَجِبُ؟ وَمَا الْوَاجِبُ فِيهَا؟ وَمَتَى تَجِبُ؟ وَلِمَنْ تَجِبُ؟ وَفِي أَيِّ مَكَانٍ تَجِبُ؟ فَأَمَّا عَلَى مَنْ تَجِبُ فَعَلَى الْمُتَمَتِّعِ بِاتِّفَاقٍ (٢) ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي الْمُتَمَتِّعِ مَنْ هُوَ).
سبق شيء من ذلك.
* قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْوَاجِبِ فَإِنَّ الْجُمْهُورَ مِنَ الْعُلَمَاءِ (٣) عَلَى أَنَّ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ هُوَ شَاةٌ، وَاحْتَجَّ مَالِكٌ فِي أَنَّ اسْمَ الْهَدْيِ قَدْ يَنْطَلِقُ عَلَى الشَّاةِ بِقَوْلِهِ -تَعَالَى- فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وَمَعْلُومٌ بِالْإِجْمَاعِ أَنَّهُ قَدْ يجِبُ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ الحواشي
(١) يُنظر: "الإجماع" لابن المنذر (ص: ٥٦)؛ حيث قال: "وأجمعوا على أن من أهَلَّ بعمرة في أشهر الحج من أهل الآفاق، وقدم مكة ففرغ منها، فأقام بها فحج من عامه أنه متمتع، وعليه الهديُ إذا وجد، وإلا فالصيام".(٢) سبق نقل الإجماع عليه.(٣) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ٢٦٧)؛ حيث قال: "وعليه جمهور أهل العلم وعليه تدور فتوى فقهاء الأمصار بالعراق والحجاز فيما استيسر من الهدي".стр. 4414
شَاةٌ (١) ، وَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ (٢) إِلَى أَنَّ اسْمَ الْهَدْى لَا يَنْطَلِقُ إِلَّا عَلَى الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، وَأَنَّ مَعْنَى قَوْله -تَعَالَى-: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ أَيْ: بَقَرَةٌ أَدْوَنُ مِنْ بَقَرَةٍ، وَبَدَنَةٌ أَدْوَنُ مِنْ بَدَنَةٍ).
وهذا القول من ابن عمر ﵁ خالفه فقهاء البلاد والأمصار.
* قوله: (وَأَجْمَعُوا أَنَّ هَذِهِ الْكَفَّارَةَ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يجِدِ الْهَدْيَ فَعَلَيْهِ الصِّيَامُ (٣) ، وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الزَّمَانِ الَّذِي يَنْتَقِلُ بِانْقِضَائِهِ فَرْضُهُ مِنَ الْهَدْيِ إِلَى الصِّيَامِ، فَقَالَ مَالِكٌ (٤) : إِذَا شَرَعَ فِي الصَّوْمِ فَقَدِ انْتَقَلَ وَاجِبُهُ إِلَى الصَّوْمِ، وَإِنْ وَجَدَ الْهَدْيَ فِي أَثْنَاءِ الصَّوْمِ. وَقَالَ أبُو حَنِيفَةَ (٥) : إِنْ وَجَدَ الْهَدْيَ فِي صَوْمِ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ لَزِمَهُ، وَإِنْ الحواشي
(١) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ٢٦٧)؛ حيث قال: "قال مالك: وذلك أحب ما سمعت إلي في ذلك لأن اللَّه ﵎ يقول في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]، فمما يحكم به في الهدي شاة وقد سماها اللَّه هديًا، وذلك الذي لا اختلاف فيه عندنا، وكيف يشك أحد في ذلك وكل شيء لا يبلغ أن يحكم فيه ببعير أو بقرة، فالحكم فيه شاة وما لا يبلغ أن يحكم فيه بشاة فهو كفارة من صيام أو إطعام مساكين، قال أبو عمر: قد أحسن مالك في احتجاجه هذا وأتى بما لا مزيد لأحد فيه وجها حسنا في معناه".(٢) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ٢٦٧)؛ حيث قال: "وكان ابن عمر يقول: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة ١٩٦] بدنة دون بدنة، وبقرة دون بقرة، وقد روي عن عائشة مثل ذلك".(٣) يُنظر: "الإجماع" لابن المنذر (ص: ٥٦)؛ حيث قال: "وعليه الهديُ إذا وجد، وإلا فالصيام".(٤) يُنظر: "الإشراف" للقاضي عبد الوهاب المالكي (١/ ٤٦٤)؛ حيث قال: "إذا شرع المتمتع في الصوم بعد عدم الهدي ثم وجده، مضى على صومه، ولم يلزمه إخراجه".(٥) يُنظر: "المحيط البرهاني في الفقه النعماني" لابن مازه (٢/ ٤٦٩)؛ حيث قال: "ولو =стр. 4415
وَجَدَهُ فِي صَوْمِ السَّبْعَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ نَظِيرُ مَسْأَلَةِ مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْمَاءُ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مُتَيَمِّمٌ. وَسَبَبُ الْخِلَافِ هُوَ هَلْ مَا هُوَ شَرْطٌ فِي ابْتِدَاءِ الْعِبَادَةِ هُوَ شَرْطٌ فِي اسْتِمْرَارِهَا؟ وَإِنَّمَا فَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَالسَّبْعَةِ؛ لِأَنَّ ثَلَاثَةَ الْأَيَّامِ هِيَ عِنْدَهُ بَدَلٌ مِنَ الْهَدْيِ، وَالسَّبْعَةُ لَيْسَتْ بِبَدَلٍ).
يقول أبو حنيفة ﵀: لو قدر على الهدي في خلال الصوم الثلاث أو بعدها قبل يوم النحر لزمه الهدي، وسقط حكمه؛ لأنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل؛ لأن المقصود هو التَّحَلُّل، ولم يحصل فسقط حكم البدل، كالمقيم إذا وجد الماء قبل الفراغِ من الصلاةِ، ولو وجد الهدي بعدما حلق قبل أن يصوم السبعة، فلا هدي عليه؛ لأن المقصود قد حصل بالحلق، وهو التحلل فيسقط حكم البدل.
* قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا صَامَ ثَلَاثَةَ الْأَيَّامَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَلِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ أَنَّهُ قَدْ أَتَى بِهَا فِي مَحِلِّهَا (١) ؛ لِقَوْلِهِ -سُبْحَانَهُ-: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْعَشْرَ الْأَوَلِ مِنْ أَيَّامِ الْحَجِّ) (٢) .
هذا يكفيه حتى يرجع فيُكمل العشرة كاملة.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ صَامَهَا فِي أَيَّامِ عَمَلِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يُهِلَّ الحواشي
(١) هذا مفهوم نصوص الفقهاء، ولم أر مَن نصَّ على هذا الإجماع.(٢) هذا كسابقه.стр. 4416
بِالْحَجِّ، أَوْ صَامَهَا فِي أَيَّامِ مِنًى؛ فَأَجَازَ مَالِكٌ (١) صِيَامَهَا فِي أَيَّامِ مِنًى، وَمَنْعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ (٢) ، وَقَالَ: إِذَا فَاتَتْهُ الْأَيَّامُ الْأُولَى وَجَبَ الْهَدْيُ فِي ذِمَّتِهِ، وَمَنَعَهُ مَالِكٌ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي عَمَلِ الْحَجِّ، وَأَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ).
منع أبو حنيفة لأنه لا يعتبر هذه الأيام من أيام الحج، بخلاف وجهة نظر مالك.
* قوله: (وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ يَنْطَلِقُ اسْمُ الْحَجِّ عَلَى هَذِهِ الْأَيَّامِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا أَمْ لَا؟ وَإِنِ انْطَلَقَ فَهَلْ مِنْ شَرْطِ الْكَفَّارَةِ أَلَّا تُجْزِئَ إِلَّا بَعْدَ وُقُوعِ مُوجِبِهَا؟ فَمَنْ قَالَ: لَا تُجْزِي كَفَّارَةٌ إِلَّا بَعْدَ وُقُوعِ مُوجِبِهَا، قَالَ: لَا يُجْزِي الصَّوْمُ إِلَّا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْحَجِّ، وَمَنْ قَاسَهَا عَلَى كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ قَالَ: يُجْزِي).
هذا هو ما ذكرناه من سبب الخلاف، فبعضُهم لا يَعتبِرُ هذه الأيام داخلة في أيام الحج.
* قوله: (وَاتَّفَقُوا أَنَّهُ إِذَا صَامَ السَّبْعَةَ الْأَيَّامَ فِي أَهْلِهِ أَجْزَأَهُ، وَاخْتَلَفُوا إِذَا صَامَهَا فِي الطَّرِيقِ؛ فَقَالَ مَالِكٌ (٣) : يُجْزِي الصَّوْمُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٤) : لَا يُجْزِي). الحواشي
(١) يُنظر: "الرسالة" للقيرواني (ص: ٧٧)؛ حيث قال: "فمن قرن أو تمتع من غير أهل مكة فعليه هدي يذبحه أو ينحره بمنًى إن أوقفه بعرفة، وإن لم يوقفه بعرفة فلينحر بمكة بالمروة بعد أن يدخل به من الحل، فإن لم يجد هديًا فصيام ثلاثة أيام في الحج -يعني من وقت يحرم إلى يوم عرفة-، فإن فاته ذلك صام أيام منى وسبعة إذا رجع".(٢) يُنظر: "التجريد" للقدوري (٤/ ١٧٥٨)؛ حيث قال: "ولأن يوم السادس لا يسن الخروج إلى منى فيما يليه، فلم يستحب فيه ابتداء الصوم الثلاثة؛ أصله: ما قبله".(٣) يُنظر: "الإشراف" للقاضي عبد الوهاب (١/ ٤٦٥)؛ حيث قال: "يصوم السبعة إذا رجع إلى أهله، فإن صامها في الطريق أجزأه خلافًا للشافعي في أحد قوليه، لقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾، فوجب تعلقه بأول الرجوعين؛ لأن إضمار الرجوع إلى الحج أولى لأنه منطوق به، ولأنه قد فرغ من أفعال الحج كما لو رجع إلى أهله".(٤) يُنظر: "بحر المذهب" للروياني (٣/ ٤٠٦)؛ حيث قال: "واحتجوا بأن كل من لزمه =стр. 4417
لأنَّ الشافعيَّ لا يراه قد رجع إلى بلده، وقد اشترط اللَّه الركوع.
* قوله: (وَسَبَبُ الْخِلَافِ الِاحْتِمَالُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَإِنَّ اسْمَ الرَّاجِعِ يَنْطَلِقُ عَلَى مَنْ فَرَغَ مِنَ الرُّجُوعِ، وَعَلَى مَنْ هُوَ فِي الرُّجُوعِ نَفْسِهِ. فَهَذِهِ هِيَ الْكَفَّارَةُ الَّتِي ثَبَتَتْ بِالسَّمْعِ، وَهِيَ مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا).
نعم، اسم الرجع ينطلق على منتهى الرجوع، وعلى من هو في طريق الرجوع.
* قوله: (وَلَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ بَعْدَ أَنْ شَرَعَ فِيهِ إِمَّا بِفَوْتِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكانِهِ، وَإِمَّا مِنْ قِبَلِ غَلَطِهِ فِي الزَّمَانِ، أَوْ مِنْ قِبَلِ جَهْلِهِ أَوْ نِسْيَانِهِ، أَوْ إِتْيَانِهِ فِي الْحَجِّ فِعْلًا مُفْسِدًا لَهُ، فَإِنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ إِذَا كَانَ حَجًّا وَاجِبًا. وَهَلْ عَلَيْهِ هَدْيٌ مَعَ الْقَضَاءِ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا
الحواشي
(١) = صوم، وله أن يؤديه إذا رجع إلى وطنه، له أن يؤديه قبل ذلك لقضاء رمضان، وهذا غلط لما روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال في المتمتع: "من كان معه هدي فليهده، ومن لم يكن معه هدي فليصم ثلاثة أيام في الحجِّ وسبعة إذا رجع إلى أهله". وهذا نص صريح، فإذا قلنا بالقول الصحيح، فالمراد بالوطن: موضع العزم على الاستيطان فيه سواء كان البلد الذي خرج منه، أو غيره حتى لو أقام بمكة كانت وطنه وصامها فيها، فعلى هذا وقت جواز فعلها حصوله في موضع الاستيطان، ولو صام قبل ذلك لم يجهزه لأنه لا يجوز أداء العبادة البدنية قبل دخول وقتها ولو أخَّر صيامها مع القدرة عن هذا الوقت كان مسيئًا وأجزأته، وإذا قلنا بقول "الإملاء" على اختيار أبي إسحاق يصومها إذا خرج من مكة، فإن صام قبله لا يجوز، ولو أخَّرها حتى رجع إلى أهلهِ كان مسيئًا وأجزأته. هكذا قال "الحاوي"، وقال سائر أصحابنا: أجزأته، وهل الأفضل له التأخير إلى الرجوع إلى أهله أم التقديم على ذلك؟ قولان؛ أحدهما: الأفضل له التقديم لأن تعجيل العبادة في أول وقتها أفضل عند القدرة. والثاني: التأخير أفضل.стр. 4418
فَهَلْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ أَمْ لَا؟ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ كلِّهِ، لَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ الْهَدْيَ؟ لِكَوْنِ النُّقْصَانِ الدَّاخِلِ عَلَيْهِ مُشْعِرًا بِوُجُوبِ الْهَدْيِ، وَشَذَّ قَوْمٌ فَقَالُوا: لَا هَدْيَ أَصْلًا، وَلَا قَضَاءَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي حَجٍّ وَاجِبٍ. وَمِمَّا يَخُصُّ الْحَجَّ الْفَاسِدَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ دُونَ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ أَنَّهُ يَمْضِي فِيهِ الْمُفْسِدُ لَهُ، وَلَا يَقْطَعُهُ، وَعَلَيْهِ دَمٌ. وَشَذَّ قَوْمٌ فَقَالُوا: هُوَ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ. وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ ظَاهِرُ قَوْله -تَعَالَى-: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فَالْجُمْهُورُ عَمَّمُوا، وَالْمُخَالِفُونَ خَصَّصُوا قِيَاسًا عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ إِذَا وَرَدَتْ عَلَيْهَا الْمُفْسِدَاتُ).
شرع في الحج ثم فاته بسبب جهله بالتوقيت أو العدد ونحو ذلك، فعليه القضاء قضاءً واجبًا، ولكن هل عليه هدي؟
هذا هو محلُّ الخلاف.
والجمهور أنَّ عليه هدي.
* قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُفْسِدَ لِلْحَجِّ إِمَّا مِنَ الْأَفْعَالِ الْمَأْمُورِ بِهَا فَتَرْكُ الْأَرْكانِ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ -عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِيمَا هُوَ رُكْنٌ مِمَّا لَيْسَ بِرُكْنٍ-، وَأَمَّا مِنَ التُّرُوكِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا؛ فَالْجِمَاعُ وَإِنْ كَانُوا اخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي إِذَا وَقَعَ فِيهِ الْجِمَاعُ كَانَ مُفْسِدًا لِلْحَجِّ).
هذه هي أنواع مفسدات الحج، أفعال وتروك.
[الْقَوْلُ فِي كَفَّارَةِ الْجِمَاعِ فِي الْحَجِّ]
قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (فَأَمَّا إِجْمَاعُهُمْ عَلَى إِفْسَادِ الْجِمَاعِ لِلْحَجِّ فَقَوْلُهُ -سُبْحَانَهُ-: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا
стр. 4419
جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ وَطِئَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَقَدْ أَفْسَدَ حَجَّهُ (١) ، وَكَذَلِكَ مَنْ وَطِئَ مِنَ الْمُعْتَمِرِينَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ وَيَسْعَى (٢) ).
جماع النساء يفسخ الإحرام ويفسد الحج ما لم يقدم المعتمر مكة، ولم يأت وقت الوقوف بعرفة للحاج.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي فَسَادِ الْحَجِّ بِالْوَطْءِ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَقَبْلَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَبَعْدَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ، وَقَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ الَّذِي هُوَ الْوَاجِبُ، فَقَالَ مَالِكٌ (٣) : مَنْ وَطِئَ قَبْلَ رَمْي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَقَدْ فَسَدَ حَجُّهُ، وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ وَالْقَضَاءُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٤) . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٥) ، الحواشي
(١) يُنظر: "الإجماع" لابن المنذر (ص: ٥٢)؛ حيث قال: "وأجمعوا على أن من جامع عامدًا في حجه قبل وقوفه بعرفه أن عليه حجَّ قابل والهدي".(٢) يُنظر: "مراتب الإجماع" لابن حزم (ص: ٤٢)؛ حيث قال: "واتفقوا أن جماع النساء في فروجهن ذاكرًا لحجه يفسخ الإحرام ويفسد الحج، ما لم يقدم المعتمر مكة ولم يأتِ وقت الوقوف بعرفة للحاج، ثم اختلفوا فيه أيفسد بعد ذلك ما لم يتم جميع الحج وجميع العمرة أم لا".(٣) يُنظر: "الجامع لمسائل المدونة" لأبي بكر الصقلي (٥/ ٥٥٦)؛ حيث قال: "وتلخيص ما في غير المدونة من الاختلاف في ذلك: أنه إن وطئ قبلهما فسد حجُّه، وقيل: لا يفسد، وإن وطئ بعدهما فلا شيء عليه بإجماع، وإن وطئ بعد أحدهما وقبل الآخر فثلاثة أقوال: قيل: يفسد حجه، وقيل: عليه عمرة وهدي، وقيل: إنما عليه هدي".(٤) يُنظر: "الأم" للشافعي (٢/ ٢٣٩)؛ حيث قال: "وإذا أهَلَّ الرجل بحج أو بحج وعمرة ثم أصاب أهله فيما بينه وبين أن يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات ويطوف بالبيت، وإن لم يرم جمرة العقبة بعد عرفة فهو مفسد، والذي يفسد الحج الذي يوجب الحد من أن يغيِّب الحشفة، لا يفسد الحج شيء غير ذلك".(٥) "البناية شرح الهداية" لبدر الدين العيني (٤/ ٣٥٢)؛ حيث قال: "ومن جامع بعد الوقوف بعرفة لم يفسد حجه، وعليه بدنة، خلافًا للشافعي ﵀ فيما إذا جامع قبل الرمي".стр. 4420
وَالثَّوْرِيُّ (١) : عَلَيْهِ الْهَدْيُ بَدَنَةً، وَحَجُّهُ تَامٌّ. وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ هَذَا عَنْ مَالِكٍ (٢) . وَقَالَ مَالِكٌ (٣) : مَنْ وَطِئَ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَقَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، فَحَجُّهُ تَامٌّ. وَبِقَوْلِ مَالِكٍ فِي أَنَّ الْوَطْءَ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَيَلْزَمُهُ عِنْدَهُمُ الْهَدْيُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: مَنْ وَطِئَ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ فَسَدَ حَجُّهُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ (٤) ).
مالكٌ: ذهب إلى أن من وقع بأهله بعد الوقوف بعرفة وقبل رمي جَمرةِ العقبة فقد فسد حَجُّه، وهو قول الأوزاعي والشافعي وأبي حنيفة، وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري إذا وطئ بعد الوقوف بعرفة فعليه بدنة وحجه تام، وقال مالك: يجزئ الواطئ شاة كسائر الهدايا، وقال الشافعي: لا يجزئ الواطئ إلا بدنة أو سبع من الغنم، وقال مالك: الذي يفسد الحج والعمرة التقاء الختانين وإن لم يكن ماء دافق، قال: ولو قبَّل امرأته ولم يكن من ذلك ماء دافق لم تكن عليه في القبلة إلا الهدي.
* قوله: (وَسَبَبُ الْخِلَافِ أَنَّ لِلْحَجِّ تَحَلُّلًا يُشْبِهُ السَّلَامَ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ التَّحَلُّلُ الْأَكْبَرُ وَهُوَ الْإِفَاضَةُ، وَتَحَلُّلًا أَصْغَرَ. وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي إِبَاحَةِ الْجِمَاعِ تَحَلُّلَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا؟ وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ التَّحَلُّلَ الْأَصْغَرَ الَّذِي هُوَ رَمْيُ الْجَمْرَةِ يَوْمَ النَّحْرِ أَنَّهُ يَحِلُّ بِهِ الْحَاجُّ مِنْ كُلِّ شَيْءِ الحواشي
(١) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ٢٥٩)؛ حيث قال: "وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: إذا وطئ بعد الوقوف بعرفة فعليه بدنة وحجه تام".(٢) يُنظر: "التهذيب في اختصار المدونة" للبراذعي (١/ ٥٤٩)؛ حيث قال: "ومن جامع يوم النحر بعدما رمى جمرة العقبة قبل أن يحلق فحجه تام وعليه هدي وعمرة".(٣) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ٢٦٥)؛ حيث قال: "قال أبو عمر: كان مالك ﵀ قد سمع الاختلاف في ذلك وهو ثلاثة أقوال؛ أحدها: قول مالك هذا: من وطئ بعد الجمرة قبل الإفاضة فعليه عمرة وهدي، وهو قول عكرمة، وبه قال ربيعة، وفيه رواية عن ابن عباس، وإليه ذهب أحمد بن حنبل فيما ذكر عنه الأثرم".(٤) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ٢٦٥)؛ حيث قال: "والثالث: أن حجه فاسد وعليه حجة قابل والهدي، وهو قول ابن عمر".стр. 4421
حَرُمَ عَلَيْهِ بِالْحَجِّ إِلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ وَالصَّيْدَ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ. وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ (١) أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ، وَقِيلَ عَنْهُ: إِلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ وَالصَّيْدَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] أَنَّهُ التَّحَلُّلُ الْأَكْبَرُ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُعْتَمِرَ يَحِلُّ مِنْ عُمْرَتِهِ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَلَقَ وَلَا قَصَّرَ؛ لِثُبُوتِ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ إِلَّا خِلَافًا شَاذًّا. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يَحِلُّ بِالطَّوَافِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَحِلُّ إِلَّا بَعْدَ الْحِلَاقِ، وَإِنْ جَامَعَ قَبْلَهُ فَسَدَتْ عُمْرَتُهُ).
من رمى جمرة العقبة يوم النحر، فقد حل له لبس الثياب وحلق الشعر وإزالة الشعث، وتقليم الأظافر، وإلقاء التفث، وهو ممنوع من الطيب والنساء، والصيد حتى يفيض، فإن تطيب فلا كفارة عليه، وإن صاد فعليه الجزاء، وإن وطئ فحجه تام، ويهدي ويعتمر، فإذا طاف طواف الإفاضة، فقد حَلّ له جميع ما حرم بالإحرام عليه.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ الْجِمَاعِ الَّذِي يُفْسِدُ الْحَجَّ وَفِي مُقَدِّمَاتِهِ؛ فَالْجُمْهُورُ (٢) عَلَى أَنَّ الْتِقَاءَ الْخِتَانَيْنِ يُفْسِدُ الْحَجَّ، وَيَحْتَمِلُ مَنْ يَشْتَرِطُ فِي وُجُوبِ الطُّهْرِ الْإِنْزَالَ مَعَ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ أَنْ يَشْتَرِطَهُ فِي الْحَجِّ، وَاخْتَلَفُوا فِي إِنْزَالِ الْمَاءِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣) : الحواشي
(١) "التفريع في فقه الإمام مالك" لابن الجَلَّاب (١/ ٢٣٣)؛ حيث قال: "ومن رمى جمرة العقبة يوم النحر، فقد حل له لبس الثياب وحلق الشعر وإزالة الشعث، وتقليم الأظافر، وإلقاء التفث، وهو ممنوع من الطيب والنساء، والصيد حتى يفيض، فإن تطيَّب فلا كفارة عليه، وإن صاد فعليه الجزاء، وإن وطئ فحجُّه تام، ويهدي ويعتمر، فإذا طاف طواف الإفاضة، فقد حَلَّ له جميع ما حرم بالإحرام عليه".(٢) في نسبة هذا إلى الجمهور بإطلاقٍ نظر.(٣) يُنظر: "شرح مختصر الطحاوي" للجصاص (٢/ ٥٥٣)؛ حيث قال: " (وإذا قبَّل امرأته، =стр. 4422
لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ إِلَّا الْإِنْزَالُ فِي الْفَرْجِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١) : مَا يُوجِبُ الْحَدَّ يُفْسِدُ الْحَجَّ. وَقَالَ مَالِكٌ: الْإِنْزَالُ نَفْسُهُ يُفْسِدُ الْحَجَّ، وَكَذَلِكَ مُقَدِّمَاتُهُ مِنَ الْمُبَاشَرَةِ وَالْقُبْلَةِ. وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ فِيمَنْ جَامَعَ دُونَ الْفَرَجِ أَنْ يُهْدِيَ).
الصواب: أنَّ الذي يُفسد الحجَّ هو الذي يوجب الحد بأن يُغيِّب الحَشَفة.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ وَطِئَ مِرَارًا، فَقَالَ مَالِكٌ (٢) : لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا هَدْيٌ وَاحِدٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣) : إِنْ كرَّرَ الْوَطْءَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ كَانَ عَلَيْهِ هَدْيٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ كَرَّرَهُ فِي مَجَالِسَ كَانَ عَلَيْهِ لِكُلِّ وَطْءٍ هَدْيٌ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ (٤) : يُجْزِيهِ هَدْيٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ كَرَّرَ الْوَطْءَ مَا لَمْ يُهْدِ لِوَطْئِهِ الْأَوَّلِ. وَعَنِ الشَّافِعِيِّ ثَلَاثَةُ الْأَقْوَالُ (٥) ، إِلَّا أَنَّ الْأَشْهَرَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ). الحواشي
(١) يُنظر: "الأم" للشافعي (٢/ ٢٣٩)؛ حيث قال: "والذي يفسد الحج الذي يوجب الحد من أن يغيب الحشفة، لا يفسد الحج شيء غير ذلك".(٢) يُنظر: "عيون المسائل" للقاضي عبد الوهاب المالكي (ص: ٢٧١)؛ حيث قال: "إذا وطئ مرارًا، لم يلزمه إِلَّا هدي واحد، سواء كفر عن الأوَّل قبل الثَّاني أم لا".(٣) يُنظر: "التجريد" للقدوري (٤/ ١٩٨٩)؛ حيث قال: "قال أصحابنا: إذا وطئ ثم وطئ: فعليه في الثاني شاة".(٤) يُنظر: "شرح مختصر الطحاوي" للجصاص (٢/ ٥٥٢)؛ حيث قال: " (ومن جامع في حجة مرارًا قبل وقوفه بعرفة، فإن كان ذلك في موطن واحد: فعليه دم واحد، وإن كان في مواطن كثيرة: فعليه لكل موطن دم. وقال محمد: عليه دم واحد ما لم يهدِ، فإن أهدى، ثم جامع: فعليه دم آخر) ".(٥) يُنظر: "التنبيه في الفقه الشافعي" للشيرازي (ص: ٧٣)؛ حيث قال: "وإن تكرر منه الجماع ولم يكفر عن الأول كفاه عنهما كفارة واحدة في أحد الأقوال، وتلزمه بدنة في القول الثاني، وشاة في القول الثالث".стр. 4423
أي: كرَّر الجماع، وقول أبي حنيفة وجيه، لو كرر الوطء في مجلس فعليه هدي واحد، وفي مجالس تعدد الهدي بتعدُّد المجالس.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ وَطِئَ نَاسِيًا، فَسَوَّى مَالِكٌ (١) فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالنِّسْيَانِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ (٢) : لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ).
لم يُفرِّق مالك بين أن يتعمَّد الجماع أو أن يُجامع ناسيًا، وهذا مُخالفٌ لعموم الأدلة في رفع النسيان عن الأُمَّة.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ هَدْيٌ؟ فَقَالَ مَالِكٌ (٣) : إِنْ طَاوَعَتْهُ فَعَلَيْهَا هَدْيٌ، وَإِنْ أَكْرَهَهَا فَعَلَيْهِ هَدْيَانِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٤) : لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا هَدْيٌ وَاحِدٌ، كَقَوْلِهِ فِي الْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ. وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ (٥) عَلَى أَنَّهُمَا إِذَا حَجَّا مِنْ قَابِلٍ تَفَرَّقَا، -أَعْنِي: الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ-، وَقِيلَ: الحواشي
(١) يُنظر: "شرح الرسالة" للقاضي عبد الوهاب (٢/ ٢١٦)؛ حيث قال: "وإذا وَطِئ ناسيًا فسد حجَّه".(٢) يُنظر: "المجموع شرح المهذب" (٧/ ٣٤٣)؛ حيث قال: "إذا وطئ ناسيًا أو جاهلًا فقد ذكرنا أن الأصح عندنا أنه لا يفسد نسكه ولا كفارة".(٣) يُنظر: "الجامع لمسائل المدونة" لأبي بكر الصقلي (٥/ ٦٥١)؛ حيث قال: "قال مالك: وإن أكره نساءه وهنَّ محرمات فوطئهن أحجَّهن وكفَّر عن كل واحدة منهن كفَّارة وإن بِنَّ مِنه ونكحن غيره، وأما إنْ طاوعنه فذلك عليهن دونه".(٤) يُنظر: "الأم" للشافعي (٢/ ٢٤٠)؛ حيث قال: "ولو وطئ نساء كان واحدًا من قبل أنه أفسده مرة إلا أنهن إن كن محرمات فقد أفسد عليهن، وعليه أن يحجهن كلهن ثم ينحر عن كل واحدة منهن بدنة لأن إحرام كل واحدة منهن غير إحرام الأُخرى، وما تلذذ به من امرأته دون ما وصفت من شيء من أمر الدنيا فشاة تجزيه فيه، وإذا لم يجد المفسد بدنة ذبح بقرة، وإن لم يجد بقرة ذبح سبعًا من الغنم، وإذا كان معسرًا عن هذا كله قومت البدنة له دراهم بمكة والدراهم طعامًا ثم أطعم، وإن كان معسرًا عن الطعام صام عن كل مد يومًا، وهكذا كل ما وجب عليه فأعسر به مما لم يأت فيه نفسه نص".(٥) فهمه المؤلف من استقراء كلام ابن عبد البر في "الاستذكار" (٤/ ٢٦١).стр. 4424
لَا يَفْتَرِقَانِ. وَالْقَوْلُ بِأَنْ لَا يَفْتَرِقَا مَرْوِيٌّ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ (١) ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢) . وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ مِنْ أَيْنَ يَفْتَرِقَانِ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣) : يَفْتَرِقَانِ مِنْ حَيْثُ أَفْسَدَا الْحَجَّ، وَقَالَ مَالِكٌ (٤) : يَفْتَرِقَانِ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَا أَحْرَمَا قَبْلَ الْمِيقَاتِ. فَمَنْ آخَذَهُمَا بِالِافْتِرَاقِ فَسَدًّا لِلذَّرِيعَةِ وَعُقُوبَةً، وَمَنْ لَمْ يُؤَاخِذْهُمَا بِهِ فَجَرْيًا عَلَى الْأَصْلِ، وَأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ حُكْمٌ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَّا بِسَمَاعٍ).
عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأبو هريرة سئلوا: عن رجل أصاب أهله وهو محرم بالحج؟ فقالوا: "ينفذان يمضيان لوَجْههما حتى يقْضِيَا حجهما. ثم، عليهما حج قابل والهدي"، قال: وقال علي بن أبي طالب: "وإذا أهلا بالحج من عام قابل تفرقا حتى يقضيا حجهما" (٥) .
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الْهَدْيِ الْوَاجِبِ فِي الْجِمَاعِ مَا هُوَ؟ قَالَ الحواشي
(١) أخرج مالك في "الموطأ" (١/ ٣٨١): أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأبا هريرة سُئلوا عن رجل أصاب أهله وهو محرم بالحج؟ فقالوا: "ينفذان يمضيان لوجههما حتى يقضيا حجهما. ثم عليهما حج قابل والهدي"، قال: وقال علي بن أبي طالب: "وإذا أهلَّا بالحج من عام قابل تفرقا حتى يقضيا حجهما".(٢) "شرح مختصر الطحاوي" للجصاص (٢/ ٥٥٠)؛ حيث قال: "ولا يفترقان؛ لأن الفرقة ليست بنسك في الابتداء قبل الجماع".(٣) يُنظر: "المهذب" للشيرازي (١/ ٣٩٣)؛ حيث قال: "وهل يجب عليهما أن يفترقا في موضع الوطء؟ فيه وجهان؛ أحدهما: يجب لما روي عن عمر وعلي وابن عباس ﵃ أنهم قالوا: يفترقان. ولأن اجتماعهما في ذلك الوقت يدعو إلى الوطء فمنع منه. والثاني: أنه لا يجب وهو الظاهر النص كما لا يجب في سائر الطريق، ويجب عليه بدنة".(٤) يُنظر: "البيان والتحصيل" (١٧/ ٦٢٣)؛ حيث قال: "ما ذهب إليه مالك من أنهما إذا أحرما بالحج من عام قابل تفرقا حتى يقضيا حجهما فلم يجتمعا في منزل".(٥) أخرجه مالك في "الموطأ" (٣/ ٥٥٩).стр. 4425
مَالِكٌ (١) ، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢) : هُوَ شَاةٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣) : لَا تُجْزِئُهُ إِلَّا بَدَنَةٌ. وَإِنْ لَمْ يَجِدْ قُوِّمَتِ الْبَدَنَةُ دَرَاهِمَ، وَقُوِّمَتِ الدَّرَاهِمُ طَعَامًا. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، قَالَ: وَالْإِطْعَامُ وَالْهَدْيُ لَا يُجْزِي إِلَّا بِمَكَّةَ أَوْ بِمِنًى، وَالصَّوْمُ حَيْثُ شَاءَ. وَقَالَ مَالِكٌ (٤) : كُلُّ نَقْصٍ دَخَلَ الْإِحْرَامَ مِنْ وَطْءٍ، أَوْ حَلْقِ شَعْرٍ، أَوْ إِحْصَارٍ - فَإِنَّ صَاحِبَهُ إِنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ، وَلَا يَدْخُلُ الْإِطْعَامُ فِيهِ. فَمَالِكٌ شَبَّهَ الدَّمَ اللَّازِمَ هَا هُنَا بِدَمِ الْمُتَمَتِّعِ، وَالشَّافِعِيُّ شَبَّهُهُ بِالدَّمِ الْوَاجِبِ فِي الْفِدْيَةِ. وَالْإِطْعَامُ عِنْدَ مَالِكٍ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي كَفَّارَةِ الصَّيْدِ وَكَفَّارَةِ إِزَالَةِ الْأَذَى. وَالشَّافِعِيُّ يَرَى أَنَّ الصِّيَامَ وَالْإِطْعَامَ قَدْ وَقَعَا بَدَلَ الدَّمِ فِي مَوْضِعَيْنِ، وَلَمْ يَقَعْ بَدَلَهُمَا إِلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ. فَقِيَاسُ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ عَلَى الْمَنْطُوقِ بِهِ فِي الْإِطْعَامِ أَوْلَى، فَهَذَا مَا يَخُصُّ الْفَسَادَ بِالْجِمَاعِ).
ما هو الهدي الذي يجب على من جامع زوجته في الحج؟
فقال بعضهم: شاة، وقال آخرون: بدنة.
وعلى من لم يجد صيام ثلاثة أيام في الحجِّ وسبعة بعد الحج. الحواشي
(١) يجب بدنة عند مالك، يُنظر: "عيون المسائل" للقاضي عبد الوهاب المالكي (ص: ٢٧١)؛ حيث قال: "دم الفساد بدنة، وبه قال الشَّافعيُّ. وقال أبو حيفة: شاة".(٢) يُنظر: "التجريد" للقدوري (٤/ ١٩٨٠)، حيث قال: "قال أصحابنا: إذا جامع امرأته قبل الوقوف بعرفة، فسد حجه، وعليه شاة".(٣) يُنظر: "الأم" للشافعي (٢/ ٢٣٩)؛ حيث قال: "وإذا أفسد رجل الحج مضى في حجه كما كان يمضي فيه لو لم يفسده، فإذا كان قابل حج وأهدى بدنة تجزي عنهما معًا".(٤) "التهذيب في اختصار المدونة" للبراذعي (١/ ٥٤٩)، حيث قال: "ومن جامع يوم النحر بعدما رمى جمرة العقبة قبل أن يحلق فحجه تام وعليه هدي وعمرة، ينحر الهدي فيها وهديه بدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة من الغنم، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع بعد ذلك، إن شاء فرق بينهن أو جمع؛ لأنه إنما يصومها بعد أيام منى إذا قضى عمرته".стр. 4426
[الْقَوْلُ فِي فَوَاتِ الْحَجِّ]
قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وَأَمَّا الْفَسَادُ بِفَوَاتِ الْوَقْتِ، وَهُوَ أَنْ يَفُوتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا أَنَّ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ إِحْرَامِهِ إِلَّا بِالطَّوَافِ بِالبَيْتِ وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ (١) . أَعْنِي: أَنَّهُ يَحِلُّ وَلَا بُدَّ بِعُمْرَةٍ، وَأَنَّ عَلَيْهِ حَجَّ قَابِلٍ).
لم يختلفوا في هذا، واتفقوا على من لم يَبِت بها ليلة النحر دم، وأنه لا يسقط الدم عنه وقوفه بها ولا مروره عليها.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا هَلْ عَلَيْهِ هَدْيٌ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ (٢) ، وَالشَّافِعِيُّ (٣) ، وَأَحْمَدُ (٤) ، وَالثَّوْرِيُّ (٥) ، وَأَبُو ثَوْرٍ: عَلَيْهِ الْهَدْيُ. وَعُمْدَتُهُمْ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّ مَنْ حَبَسَهُ مَرَضٌ حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ أَنَّ عَلَيْهِ الْهَدْيَ. وَقَالَ الحواشي
(١) يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (١/ ٢٧٥)؛ حيث قال: "ولم يختلفوا فيه ولا في أن على من لم يبت بها ليلة النحر دم، وأنه لا يسقط الدم عنه وقوفه بها ولا مروره عليها".(٢) يُنظر: "المدونة" (١/ ٤٢٢)؛ حيث فيها: "وإن فاته أن يقف بعرفة قبل طلوع الفجر فقد فاته الحج، فعليه الحج قابلًا وكذلك الهدي".(٣) يُنظر: "التنبيه في الفقه الشافعي" للشيرازي (ص: ٨٠)؛ حيث قال: "ومن فاته الوقوف بعرفة حتى طلع الفجر يوم النحر فقد فاته الحج، ويتحلل بأفعال عمرة وهو الطواف والسعي والحلق، وعليه الفضاء ودم التمتع في الحال وقيل يجب الدم في القضاء".(٤) يُنظر: "الجامع لعلوم الإمام أحمد - الفقه" (٨/ ٩٧)؛ حيث فيه: "ما يترتب على فوات الوقوف بعرفة، قال إسحاق بن منصور: قُلْتُ: مَنْ فاته الحجُّ؟ قال: يحل بعمرةٍ، وإن كان معه هديٌ نحرَه، ويحجُّ منْ قابلٍ، وعليه الهديُ، وإذا كان أهل بحجٍّ وعمرةٍ؛ فعليه قضاؤُهما وهَديٌ واحدٌ يجزئهِ".(٥) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ٢٦٣)؛ حيث قال: "وهو قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور".стр. 4427
أَبُو حَنِيفَةَ (١) : يَتَحَلَّلُ بِعُمْرَةٍ، وَيَحُجُّ مِنْ قَابَلٍ، وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ. وَحُجَّةُ الْكُوفِيِّينَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْهَدْيِ إِنَّمَا هُوَ بَدَلٌ مِنَ الْقَضَاءِ، فَإِذَا كَانَ الْقَضَاءُ فَلَا هَدْيَ إِلَّا مَا خَصَّصَهُ الْإِجْمَاعُ).
قال الجمهور: لو فاته أن يقف بعرفة قبل طلوع الفجر فقد فاته الحجُّ؛ وبالتالي عليه الحج في العام القادم، وعليه الهَدْي أيضًا.
* قوله: (وَاخْتَلَفَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، فِيمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَكَانَ قَارِنًا، هَلْ يَقْضِي حَجًّا مُفْرَدًا؟ أَوْ مَقْرُونًا بِعُمْرَةٍ؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ (٢) ، وَالشَّافِعِيُّ (٣) ، إِلَى أَنَّهُ يَقْضِي قَارِنًا؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَقْضِي مِثْلَ الَّذِي عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤) : لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا الْإِفْرَادُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ طَافَ لِعُمْرَتِهِ، الحواشي
(١) يُنظر: "المحيط البرهاني في الفقه النعماني" للبراذعي (٢/ ٤٧٣)؛ حيث قال: "الفائت الحج من فاته الوقوف بعرفة، ووقت الوقوف بعرفة من حين تزول الشمس من يوم عرفة إلى أن يطلع الفجر من يوم النحر على ما مرَّ، إذا لم يقف في شيء من هذا الوقت، فقد فاته الحج، وعليه أن يتحلل بأفعال العمرة عندنا، يطوف ويسعى ويحلق، قال ﵇: "فائت الحج يحل بالعمرة"، ولا دم عليه عندنا، بخلاف المحصر؛ لأن الدم في حق المحصر إنما يجب للتحلل، وفائت الحج يتحلل بأفعال العمرة، فلا حاجة له إلى الدم، هذا إذا كان فائت الحج مفردًا بالحج".(٢) يُنظر: "التهذيب في اختصار المدونة" للبراذعي (١/ ٥٩١)؛ حيث قال: "ومن أفرد الحج ففاته فلا يقضي قارنًا وليقض مفردًا".(٣) "المجموع شرح المهذب" للشيرازي (٨/ ٢٨٩)؛ حيث قال: "قال أصحابنا: وعليه القضاء قارنا ويلزمه ثلاثة دماء: دم للفوات، ودم للقران الفائت، ودم ثالث للقران الذي أتى به في القضاء، فإن قضاهما مفردًا أجزأه عن النُّسُكَينِ".(٤) يُنظر: "المحيط البرهاني في الفقه النعماني" للبراذعي (٢/ ٤٧٣)؛ حيث قال: "الفائت الحج من فاته الوقوف بعرفة، ووقت الوقوف بعرفة من حين تزول الشمس من يوم عرفة إلى أن يطلع الفجر من يوم النحر على ما مرَّ، إذا لم يقف في شيء من هذا الوقت، فقد فاته الحج، وعليه أن يتحلل بأفعال العمرة عندنا، يطوف ويسعى ويحلق، قال ﵇: "فائت الحج يحل بالعمرة"، ولا دم عليه عندنا، بخلاف المحصر؛ لأن الدم في حق المحصر إنما يجب للتحلل، وفائت الحج يتحلل بأفعال =стр. 4428
فَلَيْسَ يَقْضِي إِلَّا مَا فَاتَهُ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ (١) عَلَى أَنَّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ أَنَّهُ لَا يُقِيمُ عَلَى إِحْرَامِهِ ذَلِكَ إِلَى عَامٍ آخَرَ، وَهَذَا هُوَ الِاخْتِيَارُ عِنْدَ مَالِكٍ، إِلَّا أَنَّهُ أَجَازَ ذَلِكَ؛ لِيَسْقُطَ عَنْهُ الْهَدْيُ، وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ. وَأَصْلُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافُهُمْ فِيمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ مُحْرِمًا لَمْ يُجِزْ لِلَّذِي فَاتَهُ الْحَجُّ أَنْ يَبْقَى مُحْرِمًا إِلَى عَامٍ آخَرَ، وَمَنْ أَجَازَ الْإِحْرَامَ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَجِّ أَجَازَ لَهُ الْبَقَاءَ مُحْرِمًا).
هل يستمر الإحرام في غير أيام الحج؟
لو قلنا بذلك لقلنا بقول الشافعي في هذه المسألة.
* قوله: (قَالَ الْقَاضِي: فَقَدْ قُلْنَا فِي الْكَفَّارَاتِ الْوَاجِبَةِ بِالنَّصِّ فِي الْحَجِّ، وَفِي صِفَةِ الْقَضَاءِ فِي الْحَجِّ الْفَائِتِ وَالْفَاسِدِ، وَفِي صِفَةِ إِحْلَالِ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ. وَقُلْنَا قَبْلَ ذَلِكَ فِي الْكَفَّارَاتِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، وَمَا أَلْحَقَ الْفُقَهَاءُ بِذَلِكَ فِي كَفَّارَةِ الْمُفْسِدِ حَجَّهُ. وَبَقِيَ أَنْ نَقُولَ فِي الْكَفَّارَاتِ الَّتِي اخْتَلَفُوا فِيهَا فِي تَرْكِ نُسُكٍ مِنْهَا مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ مِمَّا لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِ).
ينقلك المؤلف إلى أحكام أُخرى. الحواشي
(١) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ٢٦٢)؛ حيث قال: "لا أعلم خلافًا بين العلماء قديمًا ولا حديثًا أن من فاته الحج بفوت عرفة لا يكون يخرج من إحرامه إلا بالطواف والسعي بين الصفا والمروة إذا لم يَحُلْ بينه وبين ذلك حائل يمنعه من عَمَلِ العمرة".стр. 4429
[الْقَوْلُ فِي الْكَفَّارَاتِ الْمَسْكُوتِ عَنْهَا في الحج]
قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (الْقَوْلُ فِي الْكَفَّارَاتِ الْمَسْكُوتِ عَنْهَا. فَنَقُولُ: إِنَّ الْجُمْهُورَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ النُّسُكَ ضَرْبَانِ: نَسُكٌّ هُوَ سُنَّةٌ مُوَكَّدَةٌ، وَنَسُكٌّ هُوَ مُرَغَّبٌ فِيهِ. فَالَّذِي هُوَ سُنَّةٌ يَجِبُ عَلَى تَارِكِهِ الدَّمُ، لِأنَّهُ حَجٌّ نَاقِصٌ أَصْلُهُ الْمُتَمَتِّعُ وَالْقَارِنُ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ فَاتَهُ مِنْ نُسُكِهِ شَيْءٌ فَعَلَيْهِ دَمٌ) (١) .
روي عن ابن عباس بلفظين: "من ترك"، والآخر: "من نسي".
* قوله: (وَأَمَّا الَّذِي هُوَ نَفْلٌ فَلَمْ يَرَوْا فِيهِ دَمًا، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا اخْتِلَافًا كَثِيرًا فِي تَرْكِ نُسُكِ نُسُكٍ هَلْ فِيهِ دَمٌ؟ أَمْ لَا؟ وَذَلِكَ لِاخْتِلَافِهِمْ فِيهِ هَلْ هُوَ سُنَّةٌ؟ أَوْ نَفْلٌ؟ وَأَمَّا مَا كَانَ فَرْضًا فَلَا خِلَافَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَا يُجْبَرَ بِالدَّمِ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُونَ فِي الْفِعْلِ الْوَاحِدِ نَفْسِهِ مِنْ قِبَلِ اخْتِلَافِهِمْ هَلْ هُوَ فَرْضٌ؟ أَمْ لَا؟ وَأَمَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ دَمًا إِلَّا حَيْثُ وَرَدَ النَّصُّ؛ لِتَرْكِهِمُ الْقِيَاسَ، وَبِخَاصَّةٍ فِي الْعِبَادَاتِ. وَكَذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَا كَانَ مِنَ التُّرُوكِ مَسْنُونًا، فَفُعِلَ - فَفِيهِ فِدْيَةُ الْأَذَى، وَمَا كَانَ مُرَغَّبًا فِيهِ فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ).
الذي هو سُنَّة اتفقوا على أنَّ على تاركه الدم، وبعض الأفعال يقوم خلافهم فيها على خلاف آخر، فيختلفون في فعل معين هل فيه الدم أم لا؟ بِناءً على اختلافهم هل هو سُنَّة أو فرض؟!
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي تَرْكِ فِعْلٍ، لِاخْتِلَافِهِمْ هَلْ هُوَ سُنَّةٌ؟ أَمْ لَا؟ الحواشي
(١) أخرج مالك في: "الموطأ" (١/ ٤١٩): عن عبد اللَّه بن عباس قال: "من نَسِي من نُسكِهِ شيئا، أو تركه فليهرق دمًا". قال أيوب: "لا أدري قال: ترك أو نسي".стр. 4430
وَأَهْلُ الظَّاهِرِ لَا يُوجِبُونَ الْفِدْيَةَ إِلَّا فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ. وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْمَشْهُورَ مِنِ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي تَرْكِ نُسُكِ نُسُكٍ، أَعْنِي: فِي وُجُوبِ الدَّمِ، أَوْ لَا وُجُوبِهِ مِنْ أَوَّلِ الْمَنَاسِكِ إِلَى آخِرِهَا، وَكَذَلِكَ فِي فِعْلِ مَحْظُورٍ مَحْظُورٍ).
أهل الظاهر يقفون لظاهر النصِّ دون قياس أو بُعد نظر، وهذا له تأثيرٌ كبيرٌ على غالب أحكامهم.
* قوله: (فَأَوَّلُ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْمَنَاسِكِ مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتِ فَلَمْ يُحْرِمْ هَلْ عَلَيْهِ دَمٌ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: لَا دَمَ عَلَيْهِ (١) . وَقَالَ قَوْمٌ: عَلَيْهِ الدَّمُ وَإِنْ رَجَعَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْمُبَارَكِ (٢) ، وَرُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ. وَقَالَ قَوْمٌ: إِنْ رَجَعَ إِلَيْهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (٣) ، الحواشي
(١) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ٤١)؛ حيث قال: "لا شيء على من ترك الميقات هذا قول عطاء والنخعي".(٢) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ٤١)؛ حيث قال: "وهو قول أبي حنيفة وعبد اللَّه بن المبارك".(٣) يُنظر: "الأم" للشافعي (٢/ ١٥١)؛ حيث قال: "عن طاوس قال: قال "ولم يسم عمرو القائل إلا أنا نراه ابن عباس" الرجل يُهِلُّ من أهله ومن بعدما يجاوز أين شاء، ولا يجاوز الميقات إلا محرِمًا، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء أنه رأى ابن عباس يَرُدُّ من جاوز الميقات غير محرم. (قال الشافعي): وبهذا نأخذ، وإذا أهل الرجل بالحج أو العمرة من دون ميقاته ثم رجع إلى ميقاته فهو محرم في رجوعه ذلك، فإن قال قائل: فكيف أمرته بالرجوع وقد ألزمته إحرامًا قد ابتدأه من دون ميقاته؟ أقلت ذلك اتباعًا لابن عباس أم خبرًا من غيره أو قياسا؟ قلت: هو وإن كان اتباعًا لابن عباس ففيه أنه في معنى السُّنَّةِ، فإن قال: فاذكر السنة التي هو في معناها، قلت: أرأيت إذ وقت رسول اللَّه ﷺ المواقيت لمن أراد حجًّا أو عمرة، أليس المريد لهما مأمورًا أن يكون محرمًا من الميقات لا يحل إلا بإتيان البيت والطواف والعمل معه؟ قال: بلى. قلت: افتراه مأذونًا له قبل بلوغ الميقات أن يكون غير محرم؟ قال: بلى. قلت: أفتراه أن يكون مأذونًا له أن يكون بعض سفره حلالًا وبعضه حرامًا؟ قال: نعم. قلت أفرأيت إذا جاوز الميقات فأحرم أو لم يحرم =стр. 4431
وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ (١) ، وَمَشْهُورُ قَوْلِ الثَّوْرِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢) : إِنْ رَجَعَ مُلَبِّيًا فَلَا دَمَ، وَإِنْ رَجَعَ غَيْرَ مُلَبٍّ كَانَ عَلَيْهِ الدَّمُ. وَقَالَ قَوْمٌ (٣) : هُوَ فَرْضٌ، وَلَا يَجْبُرُهُ بِالدَّمِ).
جاوز أحدهم الميقات الذي يُحرم منه أهل بلده، ولكنَّه لم يُحرم، وأوسط هذه الأقوال قوله الشافعي ﵀: إن رجع فليس عليه دم، وإلا كان عليه الدم.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ غَسَلَ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ (٤) ، فَقَالَ مَالِكٌ (٥) ، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٦) : يَفْتَدِي. وَقَالَ [الثَّوْرِيُّ] وَغَيْرُهُ (٧) : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَرَأَى الحواشي
(١) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ٤١)؛ حيث قال: "وقال الشافعي والأوزاعي وأبو يوسف ومحمد: إذا رجع إلى الميقات فقد سقط عنه الدَّمُ لَبَّى أو لم يُلبِّ".(٢) يُنظر: "شرح مختصر الطحاوي" للجصاص (٢/ ٥١٦)؛ حيث قال: "ومن مر بميقات من هذه المواقيت، فجاوزه غير محرم، ثم رجع إلى وقتِ غيره، فأحرم منه قبل أن يقف بعرفة: سقط عنه الدم".(٣) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ٤١)؛ حيث قال: "وقول آخر: أنه لا بدَّ له أن يرجع إلى الميقات فإن لم يرجع حتى قضى حجه فلا حج له، هذا قول سعيد بن جبير".(٤) الخِطْمي: بالكسر ويُفتح، نباتٌ ينفع الأمراض الصدرية ويُغسل به الرأسُ. "التعريفات الفقهية" (ص: ٨٨).(٥) يُنظر: "المدونة" (١/ ٤١٣)؛ حيث فيها: "قلت لابن القاسم: أرأيت من غسل رأسه بالخطمي وهو محرم أعليه الفدية في قول مالك؟ قال: نعم، قلت: فأي الفدية شاء؟ قال: نعم".(٦) يُنظر: "التجريد" للقدوري (٤/ ١٨٣١)؛ حيث قال: "قال أبو حنيفة: إذا غسل المحرم رأسه بالخطمي: فعليه الفدية".(٧) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ١٠)؛ حيث قال: "وقال أبو ثور لا شيء عليه =стр. 4432
مَالِكٌ أَنَّ فِي الْحَمَّامِ الْفِدْيَةَ، وَأَبَاحَهُ الْأَكْثَرُونَ (١) . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ طَرِيقٍ ثَابِتٍ دُخُولُهُ (٢) . وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَفْتَدِي مَنْ لَبِسَ مِنَ الْمُحْرِمِينَ مَا نُهِيَ عَنْ لِبَاسِهِ. وَاخْتَلَفُوا إِذَا لَبِسَ السَّرَاوِيلَ؛ لِعَدَمِ الْإِزَارِ هَلْ يَفْتَدِي؟ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ (٣) ، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٤) : يَفْتَدِي. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ (٥) ، وَأَحْمَدُ (٦) ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَجِدُ الحواشي
(١) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ١١)؛ حيث قال: "وكان الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي وأحمد وإسحاق وداود لا يرون بدخول المحرم بأسًا، وروي عن ابن عباس من وجه ثابت أنه كان يدخل الحمام وهو محرم".(٢) أخرج الشافعي (ص: ٣٦٥): عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ دَخَلَ حَمَّامًا وَهُوَ بِالْجُحْفَةِ وَهوَ مُحْرِمٌ وَقَالَ: "مَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِأَوْسَاخِنَا شَيْئًا".(٣) يُنظر: "المدونة" (١/ ٤٦٢)؛ حيث قال: "إذا احتاج الرجل المحرم إلى لبس الثياب فلبس خفين وقلنسوة وقميصًا وسراويل وما أشبه هذا من الثياب؟ قال: إن كانت حاجته إلى هذه الثياب جميعًا في فور واحد ثم لبسها واحدًا بعد واحد وكانت حاجته إليها قبل أن يلبسها احتاج إلى الخفين لضرورة، والقميص لضرورة، والقلنسوة لضرورة، وما أشبه هذا لضرورة، فلبسها في فور واحد فإنما عليه في هذه الثياب كلها كفارة واحدة، قال: فإن كانت حاجته إلى الخفين فلبس الخفين، ثم احتاج بعد ذلك إلى القميص فلبس القميص، فعليه للبس القميص كفارة أُخرى لأن حاجته إلى القميص إنما كانت بعدما وجبت عليه الكفارة في الخفين، وعلى هذا فقس جميع أمر اللباس".(٤) يُنظر: "التجريد" للقدوري (٤/ ١٧٧٩)؛ حيث قال: "قال أصحابنا: إذا لم يجد المحرم إزازا، وأمكنه فَتْق السراويل وأن يتزر به: وجب فتقه، ولم يجُزْ لبسه كما هو، وإن كان إذا فتق لم يستر عورته: لبسه كما هو، وافتدى".(٥) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ١٦)؛ حيث قال: "وقال عطاء بن أبي رباح والشافعي والثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وداود إذا لم يجد المحرم إزار لبس السراويل ولا شيء عليه".(٦) يُنظر: "مختصر الخرقي" (ص: ٥٥)؛ حيث قال: "فإن لم يجد الإزار لبس السراويل وإن لم يجد النعلين لبس الخفين ولا يقطعهما ولا فداء عليه".стр. 4433
إِزَارًا، وَعُمْدَةُ مَنْ مَنَعَ: النَّهْيُ الْمُطْلَقُ، وَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يَرَ فِيهِ فِدْيَةً: حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْإِزَارَ، وَالْخُفُّ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ" (١) ).
بهذا يحتج أحمد أنها لا تقطع؛ لظاهر إباحة لبسهما في هذا الحديث كذلك، والكافة تجعل الأحاديث المتقدمة مفسرةً لهذا الإجمال، وأن لباسهما بعد قطعهما كما تقدم، وأن الزيادة التي حفظ ابن عمر من ذاك تحكم على حديث ابن عباس، وجابر، وذكر الجِعرانة، وقد اختلف فيها الحجازيون والعراقيون، أولئك يكسرون العَين ويشدِّدون الراء، وهؤلاء يُخَفِّفونهما.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ لَبِسَ الْخُفَّيْنِ مَقْطُوعَيْنِ مَعَ وُجُودِ النَّعْلَيْنِ فَقَالَ مَالِكٌ (٢) : عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣) : لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ. وَالْقَوْلَانِ الحواشي
(١) أخرجه مسلم(١١٧٨) .(٢) يُنظر: "المدونة" (١/ ٤٦٤)؛ حيث فيها: "قلت: أرأيت المحرم إذا لم يجد النعلين ووجد الخفين فقطعهما من أسفل الكعبين؟ قال: قال مالك: لا شيء عليه، قلت: فإن كان يجد النعلين واحتاج إلى لبس الخفين لضرورة بقدميه وقطعهما من أسفل الكعبين؟ قال: قال مالك: يلبسهما ويفتدي، قلت: لم جعل عليه في هذا إذا كان بقدميه ضرورة الفدية، وترك أن يجعل على الذي لا يجد فيه نعليه الفدية؟ قال: لأن هذا كان إنما يلبس الخفين لضرورة فإنما هذا يشبه الدواء، والذي لا يجد النعلين ليس بمتداوٍ وقد جاء في ذلك الأثر".(٣) يُنظر: "بدائع الصنائع" (٢/ ١٨٦)؛ حيث قال: "وبيان هذه الجملة إذا لبس المخيط: من قميص، أو جبة، أو سراويل، أو عمامة، أو قلنسوة أو خفين، أو جوربين من غير عذر وضرورة يومًا كاملًا. فعليه الدم لا يجوز غيره؛ لأن لبس أحد هذه الأشياء يومًا كاملا ارتفاق كامل فيوجب كفارة كاملة وهي: الدم لا يجوز غيره؛ لأنه فعله من غير ضرورة، وإن لبس أقل من يوم لا دم عليه وعليه الصدقة، وكان أبو حنيفة يقول أولًا: إن لبس أكثر اليوم فعليه دم. وكذا روي عن أبي يوسف ثم رجع وقال: لا دم عليه حتى يلبس يومًا كاملًا، وروي عن محمد أنه إذا لبس أقل من يوم يحكم =стр. 4434
عَنِ الشَّافِعِيِّ) (١) .
ويفصل في ذلك قوله ﷺ : "وَالْخُفُّ لِمَنْ لَمْ يجِدِ النَّعْلَيْنِ".
(وَاخْتَلَفُوا فِي لُبْسِ الْمَرْأَةِ الْقُفَّازَيْنِ هَلْ فِيهِ فِدْيَةٌ؟ أَمْ لَا؟ وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْ هَذِهِ الأَحْكَامِ فِي بَابِ الْإِحْرَامِ. وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ تَرَكَ التَّلْبِيَةَ: هَلْ عَلَيْهِ دَمٌ؟ أَمْ لَا؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ).
تقدَّم ذلك.
* قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ نَسِيَ الطَّوَافَ، أَوْ نَسِيَ شَوْطًا مِنْ أَشْوَاطِهِ، أَنَّهُ يُعِيدُهُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ (٢) . وَاخْتَلَفُوا إِذَا بَلَغَ إِلَى أَهْلِهِ، فَقَالَ قَوْمٌ الحواشي
(١) "العزيز شرح الوجيز" للرافعي (٣/ ٤٦٢)؛ حيث قال: "إذا لم يجد النعلين لبس المكعب أو قطع الخُفَّ أَسْفَلَ مِنَ الكَعْب ولبسه، وهل يجوز لبس الخف المقطوع والمكعب مع وجود النعلين؟ فيه وجَهان؛ أحدهما: نعم؛ لشبهه بالنَّعْلِ ألا ترى أنه لا يجوز المَسْحُ عَلَيْهِ. وأصحهما: لا؛ لأن الإذن في الخَبَرِ بقيد شرط: أن لا يجد النَّعْلَيْنِ، وعلى هذا لو لبس الخف المقطوع لفقد النعلين ثم وجد النعلين نزع الخف، فلو لم يفعل افتدى، وإذا جاز لبس الخف المقطوع لم يضر استتار ظهر القدم مما بقي منه لحاجة الاستمساك، كما لا يضر استتاره بشراك النعل. فإن قلت: ما معنى عدم وجدان الإزار والنَّعْلِ. قلنا: المراد منه أن لا يقدر على تحصيله، إما لفقده في ذلك المَوْضِع، أو لعدم بذل المَالِك إيَّاه، أو لعجزه عن الثَّمَنِ إن باعه أو للأجرة إن أجَّره ولو بيع بغبن أو نسيئةٍ لم يلزمه شِرَاؤُه، ولو أعير منه وجب قبوله، ولو وهب لم يجب، ذكر هذه الصورة القاضي ابْنُ كِجٍّ وقد كتبنا نظائرها في المَاءِ للطَّهَارَةِ والثوب لستر العورة وباللَّه التوفيق".(٢) يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (١/ ٢٦٧)؛ حيث قال: "ومن نسي شيئًا من طوافه أو شك فيه فذكره في سعيه بين الصفا والمروة، فإنه يقطع سعيه ويتم طوافه على ما يستيقن ويركع [ركعتي الطواف] ثم يبتدئ، وهذا ما لا خلاف فيه أنه يبني. وليس عمل السعي وإن طال يوجب ابتداء الطواف".стр. 4435
مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ (١) : يُجْزِيهِ الدَّمُ، وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ يُعِيدُ، وَيَجْبُرُ مَا نَقَصَهُ، وَلَا يُجْزِيهِ الدَّمُ. وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الدَّمِ عَلَى مَنْ تَرَكَ الرَّمَلَ (٢) فِي الثَّلَاثَةِ الْأَشْوَاطِ، وَبِالْوُجُوبِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ. وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ. وَالْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا مَبْنَاهُ عَلَى أَنَّهُ هَلْ سُنَّةٌ؟ أَمْ لَا؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ. وَتَقْبِيلُ الْحَجَرِ أَوْ تَقْبِيلُ يَدِهِ بَعْدَ وَضْعِهَا عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَصِلِ الْحَجَرَ عِنْدَ كُلِّ مَنْ لَمْ يُوجِبِ الدَّمَ قِيَاسًا عَلَى الْمُتَمَتِّعِ إِذَا تَرَكهُ: فِيهِ دَمٌ).
لو نسي الطواف يُعيده إذا كان بمكة، فإذا سافر إلى أهله؟ يجزيه الدم كما قال أبو حنيفة.
* قوله: (وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ نَسِيَ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ هَلْ عَلَيْهِ دَمٌ؟ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ دَمٌ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: يَرْكَعُهُمَا مَا دَامَ فِي الْحَرَمِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَرْكَعُهُمَا حَيْثُ شَاءَ، وَالَّذِينَ قَالُوا فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ: إِنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ، اخْتَلَفُوا فِيمَنْ تَرَكَهُ، وَلَمْ تَتَمَكَّنْ لَهُ الْعَوْدَةُ إِلَيْهِ هَلْ عَلَيْهِ دَمٌ؟ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا فَيَعُودَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ: عَلَيْهِ دَمٌ إِنْ لَمْ يَعُدْ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ عِنْدَهُمْ مَا لَمْ يَبْلُغِ الْمَوَاقِيتَ).
اختلفوا في طواف الوداع نفس اختلافهم في المسألة السابقة، وقول مالك أنه ليس عليه شيء إلا أن يكون قريبًا، والصواب: أن عليه الدم كما قال أبو حنيفة. الحواشي
(١) يُنظر: "الدر المختار" (٢/ ٥١٨)؛ حيث قال: " (فإن أخَّره عنها)؛ أي: أيام النحر ولياليها منها، (كره) تحريمًا (ووجب دم) لترك الواجب، وهذا عند الإمكان، فلو طهرت الحائض إن قدر أربعة أشواط ولم تفعل لزم دم وإلا لا".(٢) الرَّمَل: هو المشي خببًا يشتد فيه دون الهرولة، وهيئته: أن يحرك الماشي منكبيه لشدة الحركة في مشيه. "الاستذكار" (٤/ ١٩٢).стр. 4436
* قوله: (وَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يَرَهُ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً: سُقُوطُهُ عَنِ الْمَكِّيِّ وَالْحَائِضِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُدْخِلِ الْحِجْرَ فِي الطَّوَافِ أَعَادَ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مَكَّةَ، فَإِنْ خَرَجَ فَعَلَيْهِ دَمٌ).
لأنه سبق القول في السنَّة وأنَّ تاركها عليه دم.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا هَلْ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الطَّوَافِ الْمَشْيُ فِيهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ مِنْ شَرْطِهِ كَالْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنْ عَجَزَ كَانَ كَصَلَاةِ الْقَاعِدِ، ويُعِيدُ عِنْدَهُ أَبَدًا، إِلَّا إِذَا رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ دَمًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الرُّكُوبُ فِي الطَّوَافِ جَائِزٌ؛ "لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ بِالْبَيْتِ رَاكِبًا مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ، وَلَكِنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَسْتَشْرِفَ النَّاسُ إِلَيْهِ". وَمَنْ لَمْ يَرَ السَّعْيَ وَاجِبًا فَعَلَيْهِ فِيهِ دَمٌ إِذَا انْصَرَفَ إِلَى بَلَدِهِ. وَمَنْ رَآهُ تَطَوُّعًا لَمْ يُوجِبْ فِيهِ شَيْئًا).
عن أم سلمة زوج النبي ﷺ ، أنها قالت: "اشتكيت، فذَكَرْتُ ذلك لرسول اللَّه ﷺ ، فقال: "طوفي مِنْ وراء الناس وأنت راكِبَةٌ"، قالت: فطفت ورسول اللَّه ﷺ يصلي إلى جانب البيت، ويقرأ: بـ ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) ﴾ (١) .
* قوله: (وَقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلَافَهُمْ أَيْضًا فِيمَنْ قَدَّمَ السَّعْيَ عَلَى الطَّوَافِ، هَلْ فِيهِ دَمٌ إِذَا لَمْ يَعُدْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَكَّةَ؟ أَمْ لَيْسَ فِيهِ دَمٌ؟ وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الدَّمِ عَلَى مَنْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: إِنْ عَادَ، فَدَفَعَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ: عَلَيْهِ الدَّمُ رَجَعَ أَوْ لَمْ يَرْجِعْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ وَقَفَ مِنْ الحواشي
(١) أخرجه مالك في "الموطأ" (١/ ٣٧٠).стр. 4437
عَرَفَةَ بِعُرَنَةَ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا حَجَّ لَهُ، وَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ دَمٌ. وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ: هَلِ النَّهْيُ عَنِ الْوُقُوفِ بِهَا مِنْ بَابِ الْحَظْرِ؟ أَوْ مِنْ بَابِ الْكَرَاهِيَةِ؟ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ أَفْعَالِ الْحَجِّ إِلَى انْقِضَائِهَا كَثِيرًا مِنِ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَا فِي تَرْكِهِ دَمٌ، وَمَا لَيْسَ فِيهِ دَمٌ، وَإِنْ كَانَ التَّرْتِيبُ يَقْتَضِي ذِكرَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَالْأَسْهَلُ ذِكْرُهُ هُنَالِكَ).
تقدَّمت هذه المسائل، فلا حاجة للوقوف عليها مرة أُخرى.
* قوله: (قَالَ الْقَاضِي: فَقَدْ قُلْنَا فِي وُجُوبِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ، وَعَلَى مَنْ تَجِبُ؟ وَشُرُوطِ وُجُوبِهَا، وَمَتَى تَجِبُ؟ وَهِيَ الَّتِي تَجْرِي مَجْرَى الْمُقَدِّمَاتِ لِمَعْرِفَةِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ. وَقُلْنَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي زَمَان هَذِهِ الْعِبَادَةِ، وَمَكَانِهَا، وَمَحْظُورَاتِهَا، وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَيْضًا مِنَ الْأَفْعَالِ فِي مَكَانٍ مَكَانٍ مِنْ أَمَاكِنِهَا، وَزَمَانِ زَمَانِ مِنْ أَزْمِنَتِهَا الْجُزْئِيَّةِ إِلَى انْقِضَاءِ زَمَانِهَا. ثُمَّ قُلْنَا فِي أَحْكَامِ التَّحَلُّلِ الْوَاقِعِ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ، وَمَا يَقْبَلُ مِنْ ذَلِكَ الْإِصْلَاحَ بِالْكَفَّارَاتِ، وَمَا لَا يَقْبَلُ الْإِصْلَاحَ بَلْ يُوجِبُ الْإِعَادَةَ. وَقُلْنَا أَيْضًا فِي حُكْمِ الْإِعَادَةِ بِحَسَبِ مُوجِبَاتِهَا. وَفِي هَذَا الْبَابِ يَدْخُلُ مَنْ شَرَعَ فِيهَا، فَأُحْصرَ بِمَرَضٍ أَوْ عَدُوِّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَالَّذِي بَقِيَ مِنْ أَفْعَالِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ هُوَ الْقَوْلُ فِي الْهَدْيِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْعِبَادَاتِ هُوَ جُزْءٌ مِنْ هَذِهِ الْعِبَادَةِ، وَهُوَ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُفْرَدَ بِالنَّظَرِ فَلْنَقُلْ فِيهِ).
ينتقل هنا إلى أحكام أُخرى.
[الْقَوْلُ فِي الْهَدْيِ]
قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (فَنَقُولُ: إِنَّ النَّظَرَ فِي الْهَدْيِ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْرِفَةِ وُجُوبِهِ، وَعَلَى مَعْرِفَةِ جِنْسِهِ، وَعَلَى مَعْرِفَةِ سِنِّهِ، وَكَيْفِيَّةِ
стр. 4438
سَوْقِهِ، وَمِنْ أَيْنَ يُسَاقُ؟ وَإِلَى أَيْنَ يَنْتَهِي بِسَوْقِهِ؟ وَهُوَ مَوْضِعُ نَحْرِهِ، وَحُكْمُ لَحْمِهِ بَعْدَ النَّحْرِ، فَنَقُولُ: إِنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْهَدْيَ الْمَسُوقَ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ مِنْهُ وَاجِبٌ، وَمِنْهُ تَطَوُّعٌ (١) ؛ فَالْوَاجِبُ مِنْهُ مَا هُوَ وَاجِبٌ بِالنَّذْرِ، وَمِنْهُ مَا هُوَ وَاجِبٌ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ، وَمِنْهُ مَا هُوَ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ كَفَّارَةٌ).
الواجب من الهدي قسمان:
أحدهما: وجب بالنذر في ذِمَّته.
والثاني: وجب بغيره؛ كدم التَّمتع، والقران، والدماء الواجبة بترك واجب، أو فعل محظور.
* قوله: (فَأَمَّا مَا هُوَ وَاجِبٌ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ فَهُوَ هَدْيُ الْمُتَمَتِّعِ بِاتِّفَاقٍ وَهَدْيُ الْقَارِنِ بِاخْتِلَافٍ، وَأَمَّا الَّذِي هُوَ كَفَّارَةٌ فَهَدْيُ الْقَضَاءِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَشْتَرِطُ فِيهِ الْهَدْيَ، وَهَدْيُ كَفَّارَةِ الصَّيْدِ، وَهَدْيُ إِلْقَاءِ الْأَذَى وَالتَّفَثِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْهَدْيِ الَّذِي قَاسَهُ الْفُقَهَاءُ فِي الْإِخْلَالِ بِنُسُكٍ نُسُكٍ مِنْهَا عَلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَأَمَّا جِنْسُ الْهَدْيِ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ مُتَّفِقُونَ (٢) عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْهَدْيُ إِلَّا مِنَ الْأَزْوَاج الثَّمَانِيَةِ الَّتِي نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهَا، وَأَنَّ الْأَفْضَلَ فِي الْهَدَايَا هِيَ الْإِبِلُ، ثُمَّ الْبَقَرُ، ثُمَّ الْغَنَمُ، ثُمَّ الْمَعْزُ. وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الضَّحَايَا). الحواشي
(١) لعل هذا يُفهم من قول ابن القطان في "الإقناع في مسائل الإجماع" (١/ ٢٨٨): "واتفقوا أن الهدي إلى مكة حسن، وأجمعوا أن هدي القران واجب".(٢) يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (١/ ٢٨٨)؛ حيث قال: "ولم يختلفوا في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ أنه شاة إلا ما رُوِي عن ابن عمر من أنه بدنة دون بدنة، وبقرة دون بقرة. ولا خلاف أن البدن في الهدايا أفضل من البقر والغنم، وإنما الخلاف في الضحايا.
وإجازة هدي ذكور الإبل مجتمع عليه عند الفقهاء. وإجماع أنه يجزئ (النشء) فما فوقه، وأنه لا يكون [إلا من الأزواج] الثمانية".стр. 4439
لا يُسنُّ الهدي إلا من بهيمة الأنعام؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾.
وأفضله الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، لما روى أبو هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح، فكأنما قرَّب بدَنَة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرَّب بقَرةً، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرَّب كبشًا أقرنَ، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرَّبَ دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بَيضَة".
* قوله: (وَأَمَّا الْأَسْنَانُ فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا أَنَّ الثَّنِيَّ فَمَا فَوْقَهُ يُجْزِي مِنْهَا، وَأَنَّهُ لَا يُجْزِي الْجَذَعُ مِنَ الْمَعْزِ فِي الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا (١) ؛ لِقَوْلِهِ ﵊ لِأَبِي بُرْدَةَ: "تُجْزِي عَنْكَ، وَلَا تجْزِي عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ") (٢) .
ما لزم من الدماء، لا يجزئ إلا الجذع من الضأن والثَّنِي من غيره، هذا في غير جزاء الصيد، فأما جزاء الصيد، فمنه جَفرة وعناق وجَدْي وصحيح ومعيب، وأما في غرِه، مثل هدي المتعة وغيره، فلا يجزئ إلا الجذع من الضأن، وهو الذي له ستة أشهر، والثَّنِيُّ من غيره، وثني المعز ما له سَنَة، وثَنِيُّ البقر ما له سنتان، وثَنِيُّ الإبل ما له خمس سنين.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الْجَذَعِ مِنَ الضَّأْنِ، فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ بِجَوَازِهِ فِي الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ (٣) يَقُولُ: لَا يُجْزِي الحواشي
(١) يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (١/ ٢٨٩)؛ حيث قال: "وأجمعوا أن الجذع من الإبل والبقر والغنم لا يجزئ في الهدايا ولا في الضحايا إلا الأوزاعي فإنه قال: يجزئ فيها".(٢) أخرجه أحمد(٢٢٨٨٦) ، وقال الأرناؤوط: "صحيح لغيره".(٣) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٥/ ٢١٨)؛ حيث قال: "المعروف من مذهب ابن عمر أنه كان لا يضحي إلا بالثني من الضأن والمعز والإبل والبقر في الهدايا والضحايا".стр. 4440
فِي الْهَدَايَا إِلَّا الثَّنِيُّ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْأَغْلَى ثَمَنًا مِنَ الْهَدَايَا أَفْضَلُ. وَكَانَ الزُّبَيْرُ يَقُولُ لِبَنِيهِ: يَا بَنِيَّ، لَا يُهْدِيَنَّ أَحَدُكُمْ لِلَّهِ مِنَ الْهَدْيِ شَيْئًا يَسْتَحْيِي أَنْ يُهْدِيَهُ لِكَرِيمِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ أَكْرَمُ الْكُرَمَاءِ وَأَحَقُّ مَنِ اخْتِيرَ لَهُ (١) ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الرِّقَاب، وَقَدْ قِيلَ لَهُ: أَيُّهَا أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: "أَغْلَاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا" (٢) . وَلَيْسَ فِي عَدَدِ الْهَدْيِ حَدٌّ مَعْلُومٌ، وَكانَ هَدْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِئَةً (٣) ).
قال ابن عمر: لا يجزئ إلا الثني من كل شيء. وقال عطاء، والأوزاعي: يجزئ الجذع من الكل، إلا المعز.
* قوله: (وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ سَوْقِ الْهَدْيِ فَهُوَ التَّقْلِيدُ وَالْإِشْعَارُ بِأَنَّهُ هَدْيٌ؛ "لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَلَمَّا كَانَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ الْهَدْيَ، وَأَشْعَرَهُ، وَأَحْرَمَ" (٤) ، وَإِذَا كَانَ الْهَدْيُ مِنَ الْإِبِلِ وَالبَقَرِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يُقَلَّدُ نَعْلًا أَوْ نَعْلَيْنِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النِّعَالَ. وَاخْتَلَفُوا فِي تَقْلِيدِ الْغَنَمِ، فَقَالَ مَالِكٌ (٥) ، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٦) : لَا تُقَلَّدُ الْغَنَمُ. الحواشي
(١) أخرج مالك في "الموطأ" (١/ ٣٨٠): عن هشام بن عروة، عن أبيه أنه كان يقول لبنيه: "يا بني لا يهدين أحدكم من البدن شيئًا يستحيي أن يهديه لكريمه، فإن اللَّه أكرم الكرماء، وأحق من اختير له".(٢) أخرجه البخاري(٢٥١٨) ، ومسلم(٨٤) .(٣) أخرجه عبد الرزاق(١٤٧٠٥) ، وفيه: "فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِىُّ ﷺ مِئَةً".(٤) أخرج البخاري(١٦٩٤) عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ قَالَا: "خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ زَمَنَ الحُدَيْبيَةِ مِنَ المَدِينَةِ فِي بضْعَ عَشْرَةَ مِئَةً مِنْ أَصْحَابهِ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي الحُلَيْفَةِ، قَلَّدَ النَّبِيُّ ﷺ الهَدْيَ، وَأَشْعَرَ وَأَحْرَمَ بِالعُمْرَةِ".(٥) يُنظر: "المدونة" (١/ ٤٥٤)؛ حيث فيها: "قلت: أرأيت جزاء الصيد وما كان من الهدي عن جماع وهدي ما نقص من حجه أيشعره ويقلده؟ قال: نعم إلا الغنم، قال: وهذا قول مالك".(٦) يُنظر: "التجريد" للقدوري (٤/ ٢١٨٦)؛ حيث قال: "قال أصحابنا: تقليد الغنم ليس بسنة".стр. 4441
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١) ، وَأَحْمَدُ (٢) ، وَأَبُو ثَوْرٍ (٣) ، وَدَاوُدُ: تُقَلَّدُ؛ لِحَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَهْدَى إِلَى الْبَيْتِ مَرَّةً غَنَمًا، فَقَلَّدَهُ") (٤) .
يسن تقليد الهدي، وهو أن يجعل في أعناقها النعال، وآذان القرب، وعراها، أو علاقة إداوة.
وسواء كانت إبلًا، أو بقرًا، أو غنمًا.
وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يسن تقليد الغنم؛ لأنه لو كان سُنَّة لنقل كما نقل في الإبل.
وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور وداود: تُقلَّد.
واستدلوا بحديث عائشة قالت: "كنت أفتِلُ القَلائدَ للنَّبِي ﷺ فيقلد الغنم، ويقيم في أهله حلالًا". وفي لفظ: "كنت أفتل قلائد الغنم للنبي ﷺ "، رواه البخاري. ولأنه هَدْي، فيُسنُّ تقليدُه كالإبل، ولأنه إذا سَنَّ تقليد الإبل مع إمكان تعريفها بالإشعار، فالغنم، أولى، وليس التساوي في النقل شرطًا لصحَّة الحديث، ولأنه كان يهدي الإبل أكثر، فكثر نقله. الحواشي
(١) يُنظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (٤/ ٣٧٣)؛ حيث قال: "فأما الغنم تراجع فيقلدها في أعناقها بنعل، أو قطعة من شن ولا يشعرها؛ لأنها تضعف عن احتماله".(٢) يُنظر: "مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه" (٥/ ٢٢٩١)؛ حيث قال: "قلت: يقلد الشاة؟ قال: إن النبي ﷺ أهدى مرة غنمًا فقلدها. قال إسحاق: سنة مسنونة تقليد الغنم عن النبي ﷺ ومن بعده".(٣) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ٢٤٥)؛ حيث قال: "وهو قول أبي ثور وأحمد وإسحاق وداود".(٤) أخرجه ابن ماجه(٣٠٩٦) : عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "أَهْدَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّةً غَنَمًا إِلَى الْبَيْتِ فَقَلَّدَهَا".стр. 4442
* قوله: (وَاسْتَحَبُّوا تَوْجِيهَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ فِي حِينِ تَقْلِيدِهِ، وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ الْإِشْعَارَ مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ (١) ؛ لِمَا رَوَاهُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَهْدَى هَدْيًا مِنَ الْمَدِينَةِ قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، قَلَّدَهُ قَبْلَ أَنْ يُشْعِرَهُ، وَذَلِكَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مُوَجَّهٌ لِلْقِبْلَةِ (٢) ، يُقَلِّدُهُ بِنَعْلَيْنِ، وَيُشْعِرُهُ مِنَ الشِّقِّ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ يُسَاقُ مَعَهُ حَتَّى يُوقِفَ بِهِ مَعَ النَّاسِ بِعَرَفَةَ، ثُمَّ يَدْفَعُ بِهِ مَعَهُمْ إِذَا دَفَعُوا، وَإِذَا قَدِمَ مِنًى غَدَاةَ النَّحْرِ نَحَرَهُ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ، وَكَانَ هُوَ يَنْحَرُ هَدْيَهُ بِيَدِهِ يَصُفُّهُنَّ قِيَامًا، ويُوَجِّهُهُنَّ لِلْقِبْلَةِ، ثُمَّ يَأْكُلُ وَيُطْعِمُ، وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ (٣) ، وَأَحْمَدُ (٤) ، وَأَبُو ثَوْرٍ (٥) ، الْإِشْعَارَ مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ دَعَا بِبَدَنَةٍ فَأَشْعَرَهَا مِنْ صَفْحَةِ سَنَامِهِا الْأَيْمَنِ، ثُمَّ سَلَتَ الدَّمَ عَنْهَا، وَقَلَّدَهَا بِنَعْلَيْنِ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ. فَلَمَّا الحواشي
(١) يُنظر: "المدونة" (١/ ٤٥٦)؛ حيث فيها: "والإشعار في الجانب الأيسر".(٢) أخرج مالك في "الموطأ" (١/ ٣٧٩): عن عبد اللَّه بن عمر أنه كان: "إذا أهدى هدْيًا من المدينة، قلَّده وأشعره بذي الحليفة، يقلده قبل أن يشعره، وذلك في مكان واحد، وهو موجه للقبلة. يقلده بنعلين، ويشعره من الشق الأيسر، ثم يساق معه حتى يوقف به مع الناس بعرفة، ثم يدفع به معهم إذا دفعوا، فإذا قدم مِنًى غداة النحر نحره قبل أن يحلق أو يقصر، وكان هو ينحر هديه بيده، يصفهن قيامًا، ويوجههن إلى القبلة. ثم يأكل ويطعم".(٣) يُنظر: "الأم" للشافعي (٢/ ٢٣٧)؛ حيث قال: "والاختيار في الهدي أن يتركه صاحبه مستقبل القبلة، ثم يقلده نعلين، ثم يشعره في الشق الأيمن".(٤) يُنظر: "الجامع لعلوم الإمام أحمد - الفقه" (٨/ ٢٨٣)؛ حيث فيها: "موضع إشعار الهدي، قال إسحاق بن منصور: قُلْتُ: مِنْ أينَ يُشعرُ البُدْنَ؟ قال: صفحةُ سَنامِهِ الأيمنِ؛ حديثُ أبي حسان، عنْ ابن عباس ﵄ قال إسحاق: كما قال. "مسائل الكوسج"(١٥٤٨) . قال ابن هانئ: سمعت أبا عبد اللَّه قال: من أين أشعرت البدنة أجزأك، لحديث ابن عمر. "مسائل ابن هانئ"(٧٩٩) ".(٥) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ٢٤٧)؛ حيث قال: "وممن استحب الإشعار في الجانب الأيمن الشافعي وأبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبو ثور".стр. 4443
اسْتَوَتْ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهلَّ بِالْحَجِّ") (١) .
يُسنُّ إشعار الإبل والبقر، وهو أن يَشقَّ صفْحة سَنَامها الأيمن حتى يدْمِيَها، في قول عامة أهل العلم.
لما روت عائشة ﵂ قالت: "فَتَلْتُ قلائدَ هَدْي النبيِّ ﷺ ثم أشْعَرَها وقلَّدها".
وقد فعله الصحابة، فيجب تقديمه.
ولأنه إيلام لغرض صحيح فجاز؛ كالكي، والوسم، والفصد، والحجامة.
والغرض: أن لا تختلط بغيرها، وأن يتوقاها اللص، ولا يحصل ذلك بالتقليد؛ لأنه يحتمل أن ينحل ويذهب.
(وَأَمَّا مِنْ أَيْنَ يُسَاقُ الْهَدْيُ؟ فَإِنَّ مَالِكًا (٢) يَرَى أَنَّ مِنْ سُنَّتِهِ أَنْ يُسَاقَ مِنَ الْحِلِّ، وَلِذَلِكَ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ مَنِ اشْتَرَى الْهَدْيَ بِمَكَّةَ، وَلَمْ يُدْخِلْهُ مِنَ الْحِلِّ - أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَقِفَهُ بِعَرَفَةَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ الْبَدَلُ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ أَدْخَلَهُ مِنَ الْحِلِّ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَقِفَهُ بِعَرَفَةَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ (٣) ، وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ) (٤) .
وقف الهدي بعرفة عند مالك وأصحابه لمن اشترى الهدي بمكة ولم الحواشي
(١) أخرجه أبو داود(١٧٥٢) ، وقال الأرناؤوط: "إسناده صحيح".(٢) يُنظر: "التهذيب في اختصار المدونة" للبراذعي (١/ ٥٠٣)؛ حيث قال: "ويقلد هدي تأخير الحلاق، ويشعره ويقف به بعرفة مع هدي تمتعه، فإن لم يقف به بعرفة مع هدي تمتعه لم يجزه إن اشتراه من الحرم، إلا أن يخرجه إلى الحل فيسوقه منه إلى مكة، ويصير منحه بمكة".(٣) أخرج مالك في "الموطأ" (١/ ٣٧٩): أن عبد اللَّه بن عمر كان يقول: الهدي ما قلد، وأشعر، ووقف به بعرفة".(٤) لم أقف عليه.стр. 4444
يدخله من الحل واجب؛ لا يجزئ عندهم غير ذلك، أخذًا من قول ابن عمر ﵁: "الهدي ما قُلِّد وأشْعِرَ ووقف به على عَرفة".
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١) ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ (٢) : وُقُوفُ الْهَدْيِ بِعَرَفَةَ سُنَّةٌ، وَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ لَمْ يَقِفْهُ، كَانَ دَاخِلًا مِنَ الْحِلِّ أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣) : لَيْسَ تَوْقِيفُ الْهَدْيِ بِعَرَفَةَ مِنَ السُّنَّةِ).
الشافعيُّ يقول: "إن شئت فعرِّف وإن شئت فلا تُعرِّف"، فعنده وقف الهدي بعرفة سنة لمن شاء إذا لم يسقه من الحل.
* قوله: (وَحُجَّةُ مَالِكٍ فِي إِدْخَالِ الْهَدْيِ مِنَ الْحِلِّ إِلَى الْحَرَمِ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَذَلِكَ فَعَلَ، وَقَالَ: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ") (٤) . الحواشي
(١) يُنظر: "البيان في مذهب الإمام الشافعي" (٤/ ٤٢٩)؛ حيث قال: " [مسألة لا يشترط خروج الهدي إلى عرفة]: ليس من شرط الهدي إيقافه بعرفات، وروي: أن ابن عمر كان لا يرى الهدي إلا ما عرف به، ووقف مع الناس، ولا يدفع به حتى يدفع الناس. وقال سعيد بن جبير: البدن والبقر لا يصلح ما لم يعرف. وقال مالك: (أحب للقارن أن يسوق هديه من حيث يحرم، فإن ابتاعه دون ذلك مما يلي مكة فلا بأس بذلك بعد أن يقفه بعرفات). وقال في هدي المجامع: (إن لم يكن ساقه، فليشتره بمكة، ثم ليخرجه إلى الحل وليسُقْهُ منه إلى مكة، ولينحره بها). دليلنا: ما روي عن عائشة: أنها قالت: (إن شئت فعرف، وإن شئت فلا تعرف)، ولأنه لا يشترط أن يطاف به، فلم يشترط أن يقف به بعرفة".(٢) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ٢٤٨)؛ حيث قال: "وبه قال الشافعي والثوري وأبو حنيفة وأبو ثور".(٣) يُنظر: "الدر المختار وحاشية ابن عابدين" (٢/ ٦١٤)؛ حيث قال: " (ولا يجب تعريفه) بل يندب في دم الشكر، (قوله: ولا يجب تعريفه)؛ أي: الذهاب به إلى عرفات أو تشهيره بالتقليد ح عن البحر، (قوله: بل يندب)؛ أي: التعريف بمعنييه ح، لكن الشاة لا يندب تقليدها. وفي اللباب: ويسن تقليد بدن الشكر دون بدن الجبر، وحسن الذهاب بهدي الشكر إلى عرفة. اهـ. فعبر في الأول بالبدن ليخرج الشاة، وفي الثاني بالهدي ليدخلها فيه. وأفاد أيضًا أن الأول سنة والثانى مندوب".(٤) أخرجه البيهقي(٩٥٢٤) .стр. 4445
وجه استدلاله: أنَّ الهدي إذا وجب باتفاق فواجب أن لا يُجزئ إلا بمثل ذلك أو سنة توجب غير ذلك، والفعل منه ﷺ عند المالكيين على الوجوب في مثل هذا.
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: التَّعْرِيفُ سُنَّة مِثْلُ التَّقْلِيدِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ التَّعْرِيفُ بِسُنَّةٍ، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؛ لِأَنَّ مَسْكَنَهُ كَانَ خَارِجَ الْحَرَمِ. وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ (١) التَّخْيِيرُ فِي تَعْرِيفِ الْهَدْيِ أَوْ لَا تَعْرِيفِهِ).
وأبو حنيفة يقول: ليس بسُنَّة؛ لأن رسول اللَّه ﷺ إنما ساق الهدي من الحل؛ لأن مسكنه كان خارج الحَرمِ.
* قوله: (وَأَمَّا مَحِلُّهُ فَهُوَ الْبَيْتُ الْعَتِيقُ، كَمَا قَالَ -تَعَالَى-: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]، وَقَالَ: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]).
لأن هذا ذبح يتعلَّق بالإحرام، فلم يجز في غير الحرم.
* قوله: (وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْكَعْبَةَ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ فِيهَا ذَبْحٌ، وَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ (٢) ، وَأَنَّ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]- أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ النَّحْرَ بِمَكَّةَ إِحْسَانًا مِنْهُ لِمَسَاكِينِهِمْ وَفُقَرَائِهِمْ). الحواشي
(١) لم أقف إلا على ما أخرجه ابن أبي شيبة(١٤٩٧٩) : عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، قَالَ: "أَرْسَلَ إِلَى عَائِشَةَ فَسَأَلَهَا أَيُعَرَّفُ بِالْبَدَنَةِ؟ قَالَ: فَقَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَقَالَ أَيُشْعَرُ؟ قَالَ: فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتَ إِنَّمَا أُشْعِرَتْ لِيُعْلَمَ أَنَّهَا بَدَنَةً".(٢) يُنظر: "الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (١/ ٢٩٨)؛ حيث قال: "وأجمع العلماء على أن الكعبة هي البيت الحرام، وهي البيت العتيق، لا يجوز لأحد فيه ذبح ولا نحر، وكذلك المسجد الحرام".стр. 4446
أجمع العلماء على أن الكعبة هي البيت الحرام، وهي البيت العتيق، لا يجوز لأحد فيه ذبح ولا نحر، وكذلك المسجد الحرام.
* قوله: (وَكَانَ مَالِكٌ (١) يَقُولُ: إِنَّمَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] مَكَّةُ، وَكَانَ لَا يُجِيزُ لِمَنْ نَحَرَ هَدْيَهُ فِي الْحَرَمِ إِلَّا أَنْ يَنْحَرَهُ بِمَكَّةَ).
مذهب الإمام مالك بن أنس ﵀ أنه لا يصح لمن نحر هديًا في الحرم أن ينحره في غير مكة.
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢) ، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٣) : إِنْ نَحَرَهُ فِي غَيْرِ مَكَّةَ مِنَ الْحَرَمِ أَجْزَأَهُ).
خلافًا لمذهب مالك ﵀.
* قوله: (وَقَالَ الطَّبَرِيُّ (٤) : يَجُوزُ نَحْرُ الْهَدْيِ حَيْثُ شَاءَ الْمُهْدِي الحواشي
(١) يُنظر: "الجامع لمسائل المدونة" لأبي بكر الصقلي (٥/ ٧٢٣)؛ حيث قال: "ويرسل من الحل إلى مكة ولنحر ولتصدق به فيها، وإنما قلنا: إن اختار المثل أن يكون هدْيًا لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ ".(٢) يُنظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (٤/ ٢٢٩)؛ حيث قال: "وقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وإذا كان هكذا لم يَخْلُ حالها من أربعة أقسام: إما أن ينحرها في الحرم ويفرقها في الحرم، أو ينحرها في الحل ويفرقها في الحل، أو ينحرها في الحل ويفرقها في الحرم. والقسم الرابع: وهو أن ينحرها من الحل ويفرق لحمها من الحرم".(٣) الاختيار لتعليل المختار (١/ ١٧٣)؛ حيث قال: " (ولا يذبح الجميع إلا في الحرم) قال تعالى في جزاء الصيد: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ وفي دم الإحصار: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولأن الهدي ما عرف قربة إلا في مكان معلوم وهو الحرم. قال ﵊: "مِنًى كلها منْحر، وفجاج مكة كلها منحر".(٤) يُنظر: "تفسير الطبري" (٨/ ٧٠٥)؛ حيث قال: "والصواب من القول في ذلك عندنا: أن قاتل الصيد إذا جزاه بمثله من النعم، فإنما يجزيه بنظيره في خلق، وقدره في جسمه من أقرب الأشياء به شبهًا من الأنعام، فإذ جزاه بالإطعام قومه قيمته بموضعه =стр. 4447
إِلَّا هَدْيَ الْقِرَانِ وَجَزَاءَ الصَّيْدِ فَإِنَّهُمَا لَا يُنْحَرَان إِلَّا بِالْحَرَمِ. وَبِالْجُمْلَةِ فَالنَّحْرُ بِمِنًى إِجْمَاعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَفِي الْعُمْرَةِ بِمَكَّةَ، إِلَّا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ نَحْرِ الْمُحْصَرِ. وَعِنْدَ مَالِكٍ: إِنْ نَحَرَ لِلْحَجِّ بِمَكَّةَ، وَالْعُمْرَةِ بِمِنًى - أَجْزَأَهُ).
يرى الإمام الطبري ﵀ أنه يجوز نحر الهدي حيث شاء المهدي إلا هدي القران وجزاء الصيد فإنه لا ينحره إلا في الحرم.
* قوله: (وَحُجَّةُ مَالِكٍ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النَّحْرُ بِالْحَرَمِ إِلَّا بِمَكَّةَ قَوْلُهُ ﷺ : "وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ وَطُرُقِهَا مَنْحَرٌ" (١) . وَاسْتَثْنَى مَالِكٌ مِنْ ذَلِكَ هَدْيَ الْفِدْيَةِ، فَأَجَازَ ذَبْحَهُ بِغَيْرِ مَكَّةَ).
* قوله: (وَأَمَّا مَتَى يُنْحَرُ فَإِنَّ مَالِكًا (٢) قَالَ: إِنْ ذَبَحَ هَدْيَ التَّمَتُّعِ أَوِ التَّطَوُّعِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ لَمْ يُجْزِهِ. وَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ (٣) فِي التَّطَوُّعِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٤) : يَجُوزُ فِي كِلَيْهِمَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ). الحواشي
(١) أخرج أبو داود(١٩٣٧) : عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَابرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ، وَكُلُّ الْمُزْدَلِفَةِ مَوْقِفٌ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ"، قال الألباني: "حسن صحيح".(٢) يُنظر: "الجامع لمسائل المدونة" لأبي بكر الصقلي (٥/ ٥٧٨)؛ حيث قال: "ولا يُنحر حتى تذهب أيام منى وتحل العمرة".(٣) يُنظر: "التجريد" للقدوري (٤/ ١٧٣٧)؛ حيث قال: "فإن قيل: النبي ﷺ كان مُفردًا، والهدي تطوع، فلا يجوز ذبحه قبل يوم النحر. قلنا: هذا تطوع، لا تأثير له في المنع من التحلل بالاتفاق".(٤) يُنظر: "الأم" للشافعي (٢/ ٢٣٨)؛ حيث قال: "وإذا ساق المتمتع الهدي معه أو =стр. 4448
قال مالك: إذا نحر هديَ التمتُّع أو الهدي التطوع قبل يوم النحر لم يجزه.
وقال أبو حنيفة في الهدي التمتع كقول مالك، وخالفه في التطوع فجوزه قبل يوم النحر.
وقال الشافعي: يُجزئ نحر الجميع قبل يوم النحر.
* قوله: (وَلَا خِلَافَ عِنْدِ الْجُمْهُورِ (١) أَنَّ مَا عُدِلَ مِنَ الْهَدْيِ بِالصِّيَامِ أَنَّهُ يَجُوزُ حَيْثُ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِي ذَلِكَ لَا لِأَهْلِ الْحَرَمِ، وَلَا لِأَهْلِ مَكَّةَ).
ما عُدِل به الهدي من الصيام والصدقة فإنَّه يكون بغير مكة حيثُ أحبَّ صاحبه أن يفعله فَعَله، فلا خلاف في الصيام أن يصوم حيث شاء؛ لأنه لا منفعة في ذلك لأهل الحرم ولا لأهل مكة.
* قوله: (وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الصَّدَقَةِ الْمَعْدُولَةِ عَنِ الْهَدْيِ، فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ (٢) عَلَى أَنَّهَا لِمَسَاكِينِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ الَّذِي هُوَ لَهُمْ. وَقَالَ مَالِكٌ (٣) : الْإِطْعَامُ كَالصِّيَامِ يَجُوزُ بِغَيْرِ مَكَّةَ). الحواشي
(١) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ٢٧٢)؛ حيث قال: "لا خلاف في الصيام أن يصوم حيث شاء لأنه لا منفعة في ذلك لأهل الحرم ولا لأهل مكة".(٢) يُنظر: "الاستذكار" (٤/ ٢٧٢)؛ حيث قال: "وأما الصدقة فلا تكون عند الشافعي والكوفيين إذا كانت بدلًا من جزاء الصيد إلا بمكة لأهلها حيث يكون النحر، ومعلوم أن النحر في العمرة بمكة وفي الحج بمنًى وهما جميعًا حرم فالحرم كله منحر عندهم".(٣) يُنظر: "موطأ مالك" (١/ ٤١٨): "قال مالك في فدية الأذى: إن الأمر فيه أن أحدًا لا يفتدي حتى يفعل ما يوجب عليه الفدية، وإن الكفارة إنما تكون بعد وجوبها على صاحبها، وأنه يضع فديته حيث ما شاء، النسك، أو الصيام، أو الصدقة بمكة، أو بغيرها من البلاد".стр. 4449
أما الصدقة، فلا تكون إذا كانت بدلًا من جزاء الصيد إلا بمكة لأهلها حيث يكون النحر، ومعلوم أن النحر في العمرة بمكة وفي الحج، بمِنًى وهما جميعًا حرم، فالحرم كله مَنْحَر عندهم.
وقوله مالك هذا مذكور في موطئه: أن الإطعام كالصيام يجوز بغير مكة.
* قوله: (وَأَمَّا صِفَةُ النَّحْرِ، فَالْجُمْهُورُ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ مُسْتَحَبَّةٌ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا زَكاةٌ، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَحَبَّ مَعَ التَّسْمِيَةِ التَّكْبِيرَ) (١) .
يقول عند نحره: (بسم اللَّه، واللَّه أكبر) لقول اللَّه : ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾، فمن أهل العلم من يستحب التكبير مع التسمية، وعساه أن يكون امتثل قوله اللَّه : ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾.
ومثهم: من كان يقوله التسمية تُجزي ولا يزيد على "بسم اللَّه"، وأحب إليَّ أن يقوله: "بسم اللَّه، اللَّه أكبر".
* قوله: (وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُهْدِي أَنْ يَلِيَ نَحْرَ هَدْيِهِ بِيَدِهِ، وَإِنِ اسْتَخْلَفَ جَازَ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي هَدْيِهِ. وَمِنْ سُنَّتِهَا: أَنْ تُنْحَرَ قِيَامًا؛ لِقَوْلِهِ : ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦]. وَقَدْ تُكُلِّمَ فِي صِفَةِ النَّحْرِ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ).
ويستحب للمهدي أن يتولى نحر الهدي بنفسه؛ لأن النبي ﷺ نحر هَدْيه بيده، وروي عن غَرَفَة بن الحارث الكندي، قال: "شهدت رسول اللَّه ﷺ في حجة الوداع، وأتي بالبدن، فقال: ادع لي أبا الحسن. الحواشي
(١) يُنظر: "المغني" لابن قدامة (٩/ ٤٥٦)؛ حيث قال: "ويقول عند الذبح: بسم اللَّه، واللَّه أكبر. وإن نسي فلا يضره. ثبت أن النبي ﷺ كان إذا ذبح قال: "بسم اللَّه، واللَّه أكبر" وفي حديث أنس: "وسمَّى وكبَّر". وكذلك كان يقول ابن عمر. وبه يقول أصحاب الرأي، ولا نعلم في استحباب هذا خلافًا، ولا في أن التسمية مجزئة".стр. 4450
فدعي له علي، فقال له: خذ بأسفل الحربة. وأخذ رسول اللَّه ﷺ بأعلاها، ثم طعنا بها البدن".
وإنما فعلا ذلك؛ لأن النبي ﷺ أشرك عَلِيًّا في بُدنه.
وقال جابر: "نحر رسول اللَّه ﷺ ثلاثا وستين بَدنَةً بيده، ثم أعطى علِيًّا فنحر ما غبر".
وروي أن النبي ﷺ نحر خمس بَدناتٍ، ثم قال: "من شاء اقتطع".
فإن لم يذبح بيده، فالمستَحَبُّ أن يشهد ذبحها؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال لفاطمة: "احضُرِي أضْحِيَّتَكِ يغفر لك بأول قطرة من دَمِها".
ويستحب أن يتولى تفريق اللحم بنفسه؛ لأنه أحوط وأقل للضرر على المساكين، وإن خلى بينه وبين المساكين جاز، لقوله ﷺ : "من شاء اقتطع".
* قوله: (وَأَمَّا مَا يَجُوزُ لِصَاحِبِ الْهَدْيِ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهِ وَبِلَحْمِهِ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ مَسَائِلَ مَشْهُورَةً، أَحَدُهَا: هَلْ يَجُوزُ لَهُ رُكُوبُ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ أَوِ التَّطَوُّعِ؟ فَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ (١) إِلَى أَنَّ رُكُوبَهُ جَائِزٌ مِنْ ضَرُورَةٍ وَمِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَبَعْضُهُمْ أَوْجَبَ ذَلِكَ، وَكَرِهَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ (٢) رُكُوبَهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ). الحواشي
(١) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٤/ ٢٤٠)؛ حيث قال: "مذهب أهل الظاهر إلى أن ركوبه جائز من ضرورة وغير ضرورة".(٢) مذهب الأحناف، يُنظر: "البناية شرح الهداية" للعيني (٤/ ٤٩٢)، حيث قال: " (ومن ساق بدنة فاضطر إلى ركوبها ركبها، وإن استغنى عن ذلك لم يركبها) ".
ومذهب المالكيَّة، يُنظر: "مواهب الجليل" للحطاب (٣/ ١٩٤)، حيث قال: " (وندب عدم ركوبها بلا عذر) ش: قال سند: وهو مقيد بشرط سلامتها، فإن تلفت بركوبه ضمنها قال: ولا يركبها بيحمل ولا يحمل عليها متاعا، وإنما يفعل من ذلك ما دعت الحاجة إليه، وقال ابن عبد السلام: ركوب الهدي لضرورة جائز، ولغير ضرورة المشهور كراهته، والقول الثاني: جوازه ما لم يكن ركوبا فادحًا". =следующие страницы →