أجمع العلماء على أن الكعبة هي البيت الحرام، وهي البيت العتيق، لا يجوز لأحد فيه ذبح ولا نحر، وكذلك المسجد الحرام.
* قوله: (وَكَانَ مَالِكٌ (١) يَقُولُ: إِنَّمَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] مَكَّةُ، وَكَانَ لَا يُجِيزُ لِمَنْ نَحَرَ هَدْيَهُ فِي الْحَرَمِ إِلَّا أَنْ يَنْحَرَهُ بِمَكَّةَ).
مذهب الإمام مالك بن أنس ﵀ أنه لا يصح لمن نحر هديًا في الحرم أن ينحره في غير مكة.
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٣): إِنْ نَحَرَهُ فِي غَيْرِ مَكَّةَ مِنَ الْحَرَمِ أَجْزَأَهُ).
خلافًا لمذهب مالك ﵀.
* قوله: (وَقَالَ الطَّبَرِيُّ (٤): يَجُوزُ نَحْرُ الْهَدْيِ حَيْثُ شَاءَ الْمُهْدِي
قال مالك: إذا نحر هديَ التمتُّع أو الهدي التطوع قبل يوم النحر لم يجزه.
وقال أبو حنيفة في الهدي التمتع كقول مالك، وخالفه في التطوع فجوزه قبل يوم النحر.
وقال الشافعي: يُجزئ نحر الجميع قبل يوم النحر.
* قوله: (وَلَا خِلَافَ عِنْدِ الْجُمْهُورِ (١) أَنَّ مَا عُدِلَ مِنَ الْهَدْيِ بِالصِّيَامِ أَنَّهُ يَجُوزُ حَيْثُ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِي ذَلِكَ لَا لِأَهْلِ الْحَرَمِ، وَلَا لِأَهْلِ مَكَّةَ).
ما عُدِل به الهدي من الصيام والصدقة فإنَّه يكون بغير مكة حيثُ أحبَّ صاحبه أن يفعله فَعَله، فلا خلاف في الصيام أن يصوم حيث شاء؛ لأنه لا منفعة في ذلك لأهل الحرم ولا لأهل مكة.
* قوله: (وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الصَّدَقَةِ الْمَعْدُولَةِ عَنِ الْهَدْيِ، فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ (٢) عَلَى أَنَّهَا لِمَسَاكِينِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ الَّذِي هُوَ لَهُمْ. وَقَالَ مَالِكٌ (٣): الْإِطْعَامُ كَالصِّيَامِ يَجُوزُ بِغَيْرِ مَكَّةَ).
стр. 4449
أما الصدقة، فلا تكون إذا كانت بدلًا من جزاء الصيد إلا بمكة لأهلها حيث يكون النحر، ومعلوم أن النحر في العمرة بمكة وفي الحج، بمِنًى وهما جميعًا حرم، فالحرم كله مَنْحَر عندهم.
وقوله مالك هذا مذكور في موطئه: أن الإطعام كالصيام يجوز بغير مكة.
* قوله: (وَأَمَّا صِفَةُ النَّحْرِ، فَالْجُمْهُورُ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ مُسْتَحَبَّةٌ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا زَكاةٌ، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَحَبَّ مَعَ التَّسْمِيَةِ التَّكْبِيرَ) (١).
يقول عند نحره: (بسم اللَّه، واللَّه أكبر) لقول اللَّه : ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾، فمن أهل العلم من يستحب التكبير مع التسمية، وعساه أن يكون امتثل قوله اللَّه : ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾.
ومثهم: من كان يقوله التسمية تُجزي ولا يزيد على "بسم اللَّه"، وأحب إليَّ أن يقوله: "بسم اللَّه، اللَّه أكبر".
* قوله: (وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُهْدِي أَنْ يَلِيَ نَحْرَ هَدْيِهِ بِيَدِهِ، وَإِنِ اسْتَخْلَفَ جَازَ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي هَدْيِهِ. وَمِنْ سُنَّتِهَا: أَنْ تُنْحَرَ قِيَامًا؛ لِقَوْلِهِ : ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦]. وَقَدْ تُكُلِّمَ فِي صِفَةِ النَّحْرِ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ).
ويستحب للمهدي أن يتولى نحر الهدي بنفسه؛ لأن النبي ﷺ نحر هَدْيه بيده، وروي عن غَرَفَة بن الحارث الكندي، قال: "شهدت رسول اللَّه ﷺ في حجة الوداع، وأتي بالبدن، فقال: ادع لي أبا الحسن.
стр. 4450
فدعي له علي، فقال له: خذ بأسفل الحربة. وأخذ رسول اللَّه ﷺ بأعلاها، ثم طعنا بها البدن".
وإنما فعلا ذلك؛ لأن النبي ﷺ أشرك عَلِيًّا في بُدنه.
وقال جابر: "نحر رسول اللَّه ﷺ ثلاثا وستين بَدنَةً بيده، ثم أعطى علِيًّا فنحر ما غبر".
وروي أن النبي ﷺ نحر خمس بَدناتٍ، ثم قال: "من شاء اقتطع".
فإن لم يذبح بيده، فالمستَحَبُّ أن يشهد ذبحها؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال لفاطمة: "احضُرِي أضْحِيَّتَكِ يغفر لك بأول قطرة من دَمِها".
ويستحب أن يتولى تفريق اللحم بنفسه؛ لأنه أحوط وأقل للضرر على المساكين، وإن خلى بينه وبين المساكين جاز، لقوله ﷺ : "من شاء اقتطع".
* قوله: (وَأَمَّا مَا يَجُوزُ لِصَاحِبِ الْهَدْيِ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهِ وَبِلَحْمِهِ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ مَسَائِلَ مَشْهُورَةً، أَحَدُهَا: هَلْ يَجُوزُ لَهُ رُكُوبُ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ أَوِ التَّطَوُّعِ؟ فَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ (١) إِلَى أَنَّ رُكُوبَهُ جَائِزٌ مِنْ ضَرُورَةٍ وَمِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَبَعْضُهُمْ أَوْجَبَ ذَلِكَ، وَكَرِهَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ (٢) رُكُوبَهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ).
стр. 4451
له ركوبه عند الحاجة، على وجه لا يضر به، ولا يركبه إلا عند الضرورة؛ "لأن رسول اللَّه ﷺ قال: اركبها بالمعروف إذا أُلْجِئتَ إليها، حتى تجد ظَهْرًا". ولأنه تعلق بها حق المساكين، فلم يجز ركوبها من غير ضرورة، كملكهم.
فأما مع عدم الحاجة، فلا يجوز، وقيل: يجوز؛ لما روى أبو هريرة، وأنس، أن رسول اللَّه ﷺ رأى رجلًا يسوق بدنَةً، فقال: "اركبها". فقال: يا رسول اللَّه، إنها بدنة. فقال: "اركبها، ويلك". في الثانية أو في الثالثة.
* قوله: (وَالْحُجَّةُ لِلْجُمْهُورِ مَا خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ جَابِرٍ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ رُكُوبِ الْهَدْيِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا" (١). وَمِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِمَا قُصِدَ بِهِ الْقُرْبَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَنْعُهُ مَفْهُومٌ مِنَ الشَّرِيعَةِ).
يقول: (اركبها بالمعروف إذا لم تجد ظَهْرًا): فأباح ﵇ ركوبها في حال الضرورة، فثبت أن حكم الهدى أن يرُكَبَ للضرورة.
* قوله: (وَحُجَّةُ أَهْلِ الظَّاهِرِ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: "ارْكَبْهَا"! فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا هَدْيٌ! فَقَالَ: "ارْكَبْهَا. . . وَيْلَكَ" فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ (٢)).
هذا القول يدل منه ﷺ على أنَّ ركوب البدنَةِ عند الحاجة إليه
стр. 4452
والضرورة فيه مباح، وإطلاقه الإذن له في ركوبها من غير شرط قرنه به، يدل على أنه لا يلزمه في ذلك غُرم، لما نقصها إن جَهَدها السير، وإلحاقه الوعيد بصاحب البدنة في تركه الركوب يؤكد هذا المعنى إذا كان لعلة، إنما امتنع من ركوبها شفقًا من إثم أو غرم فيها، فكان ظاهر الخبر أن لسائقها ركوبها على كل حال، إلا أن جابرًا روى فى هذه القصة أن النبي ﷺ قال: "اركبها بمعروف تجد ظهرًا"، فدل أنها إنما يباح ركوبها مع الحاجة والضرورة فيها.
* قوله: (وَأَجْمَعُوا أَنَّ هَدْيَ التَّطَوُّعِ إِذَا بَلَغَ مَحِلَّهُ أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهُ صَاحِبُهُ كَسَائِرِ النَّاسِ) (١).
هدي التطوع، وهو ما أوجبه بالتعيين ابتداء، من غير أن يكون عن واجب في ذمته، وما نحره تطوعًا من غير أن يوجبه، فيستحب أن يأكل منه؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾.
وأقل أحوال الأمر الاستحباب.
ولأن النبي ﷺ أكل من بُدْنِهِ.
وقال جابر: كنا لا نأكل من بُدْنِنا فوق ثلاث فرخص لنا النبي ﷺ فقال: "كُلُوا وتَزَوَّدُوا"؛ فأكلنا وتزودنا.
وإن لم يأكل فلا بأس؛ فإن النبي ﷺ لما نحر البدنات الخمس قال: "من شاء اقتَطَعَ"، ولم يأكل منهن شيئًا.
والمستحب، أن يأكل اليسير منها، كما فعل النبى ﷺ ، وله الأكل كثيرًا والتزوُّد، كما جاء في حديث جابر.
وتُجزئه الصدقة باليسير منها، كما فى الأضحية، فإنَّ أكلها ضمن المشروع للصدقة منها، كما في الأضحية.
стр. 4453
* قوله: (وَأَنَّهُ إِذَا عَطِبَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَلَمْ يَأْكُل مِنْهُ) (١).
من ساق هديًا واجبًا، فعطب دون محله، صنع به ما شاء، وعليه مكانه، الواجب من الهدي قسمان؛ أحدهما: وجب بالنذر في ذمته. والثاني: وجب بغيره، كدم التمتع، والقران، والدماء الواجبة بترك واجب، أو فعل محظور.
وجميع ذلك ضربان:
أحدهما: أن يسوقه ينوي به الواجب الذي عليه، من غير أن يُعَيِّنَه بالقول، فهذا لا يزول ملكه عنه إلا بذبحه، ودفعه إلى أهله، وله التصرف فيه بما شاء من بيع، وهبة، وأكل، وغير ذلك؛ لأنه لم يتعلَّق حق غيره به، وله نماؤه، دان عطب تلف من ماله، وإن تعيَّب لم يجزئه ذَبْحه، وعليه الهدي الذي كان واجبًا، فإن وجوبه في الذمة، فلا يبرأ منه إلا بإيصاله إلى مستحقه، بمنزلة من عليه دَينٌ فحمَلَهُ إلى مستحِقِّهِ، يقصد دفعه إليه فتلف قبل أن يوصله إليه.
الضرب الثاني، أن يعين الواجب عليه بالقول، فيقول: هذا الواجب علي.
فإنه يتعين الوجوب فيه من غير أن تبرأ الذمة منه؛ لأنه لو أوجب هديًا ولا هدي عليه لتعين، فإذا كان واجبًا فعينه فكذلك، إلا أنه مضمون عليه، فإن عطب، أو سرق، أو ضل، أو نحو ذلك، لم يجزه، وعاد الوجوب إلى ذمته، كما لو كان لرجل عليه دين، فاشترى به منه مكيلًا، فتلف قبل قبضه، انفسخ البيع، وعاد الدين إلى ذمته، ولأن ذمته لم تبرأ من الواجب بتعيينه، وإنما تعلق الوجوب بمحل آخر، فصار كالدين يضمنه
стр. 4454
ضامن، أو يرهن به رهنًا، فإنه يتعلَّق الحق بالضامن والرهن مع بقائه في ذمة المَدِينِ، فمتى تعذر استيفاؤه من الضامن، أو تلف الرهن، بقي الحق في الذمة بحاله. وهذا كله لا نعلم فيه مخالفًا.
* قوله: (وَزَادَ دَاوُدُ: وَلَا يُطْعِمُ مِنْهُ شَيْئًا أَهْلَ رُفْقَتِهِ؛ لِمَا ثَبَتَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ بِالْهَدْيِ مَعَ نَاجِيَةَ الْأَسْلَمِيِّ وَقَالَ لَهُ: إِنْ عَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ فَانْحَرْهُ، ثُمَّ اصْبُغْ نَعْلَيْهِ فِي دَمِهِ، وَخَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ" (١). وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا الْحَدِيثُ، فَزَادَ فِيهِ: "وَلَا تَأْكُلْ مِنْهُ أَنْتَ، وَلَا أَهْلُ رُفْقَتِكَ" (٢). وَقَالَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ دَاوُدُ وَأَبُو ثَوْرٍ (٣)).
قوله: "ولا أهل رفقتك": لا يوجد هذا اللفظ إلا في حديث ابن عباس، وأكثر الفقهاء على خلافه، ومن جهة النظر: فإنَّ أهل رفقته وغيرهم في ذلك سواء بدليل قوله في حديث ناجية الأسلمي: "خلِّ بينها وبين الناس فيأكلونها" لم يخصَّ أهلَ رُفْقتِه مِنْ غيرهم.
ولا أعلم أحدًا قال بهذه الزيادة إلا أبا ثور وداود، قالا: لا يأكل منها هو ولا أحد من أهل رفقته.
ومن قال بهذا قال: هي زيادة حافظ يجِبُ العمَلُ بها، وكأنه جعل أهل رُفقَتِهِ في حُكْمِه لما ندب إليه الرفيق من مواساة رفيقه فزاده، وإلا فالقول ما قاله الجمهور؛ لظاهر حديث ناجية خلِّ بينها وبين الناس وهذا على عمومه.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي ما يَجِبُ عَلَى مَنْ أَكَلَ مِنْهُ، فَقَالَ
стр. 4455
مَالِكٌ (١): إِنْ أَكَلَ مِنْهُ وَجَبَ عَلَيْهِ بَدَلُهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٣)، وَالثَّوْرِيُّ (٤)، وَأَحْمَدُ (٥)، وَابْنُ حَبِيبٍ (٦)، مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ: عَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَكَلَ، أَوْ أَمَرَ بِأَكْلِهِ طَعَامًا يَتَصَدَّقُ بِهِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ).
هذا الكلام فيما يطمئن الآكل من الهدي الذي لا يجب له أن يأكل منه، اختلف فيه:
فكان مالك يقول: إن أكل منه أبدله كله.
стр. 4456
وقال الثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، وأبو ثور، وأحمد: إن أكل مما لا يجب أن يأكل منه فعليه ثمن ما أكل طعامًا يتصدق به.
وعن ابن المسيب وجماعة من التابعين مثل ذلك، إلا أنهم ليس عندهم تفسير ما يغرم ما أكل أو أتلف.
* قوله: (وَمَا عَطِبَ فِي الْحَرَمِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ مَكَّةَ فَهَلْ بَلَغَ مَحِلَّهُ؟ أَمْ لَا؟ فِيهِ الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ هَلِ الْمَحِلُّ هُوَ مَكَّةُ أَوِ الْحَرَمُ؟ وَأَمَّا الْهَدْيُ الْوَاجِبُ إِذَا عَطِبَ قَبْلَ مَحِلِّهِ فَإِنَّ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ بَدَلَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ لَهُ بَيْعَ لَحْمِهِ، وَأَنْ يَسْتَعِينَ بِهِ فِي الْبَدَلِ، وَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ).
هذا مبني على الخلاف السابق، أعني: في المسألة السابقة.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَكْلِ مِنَ الْهَدْيِ الْوَاجِب إِذَا بَلَغَ مَحِلَّهُ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١): لَا يُؤْكَلُ مِنَ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ كُلِّهِ، وَلَحْمُهُ كُلُّهُ لِلْمَسَاكِينِ، وَكَذَلِكَ جِلُّهُ إِنْ كَانَ مُجَلَّلًا، وَالنَّعْلُ الَّذِي قُلِّدَ بِهِ. وَقَالَ مَالِكٌ (٢): يُؤْكَلُ مِنْ كُلِّ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ إِلَّا جَزَاءَ الصَّيْدِ، وَنَذْرَ الْمَسَاكِينِ، وَفِدْيَةَ الْأَذَى. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣): لَا يُؤْكَلُ مِنَ الْهَدْيِ
стр. 4457
الْوَاجِبِ إِلَّا هَدْيَ الْمُتْعَةِ، وَهَدْيَ الْقِرَانِ، وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيِّ تَشْبِيهُ جَمِيعِ أَصْنَافِ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ بِالْكَفَّارَةِ، وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ فَلِأَنَّهُ يَظْهَرُ فِي الْهَدْيِ مَعْنَيَان؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عِبَادَة مُبْتَدَأَةٌ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَفَّارَةٌ. وَأَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ فِي بَعْضِهَا أَظْهَرُ؛ فَمَنْ غَلَّبَ شَبَهَهُ بِالْعِبَادَةِ عَلَى شَبَهِهِ بِالْكَفَّارَةِ فِي نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْهَدْيِ كَهَدْيِ الْقِرَانِ وَهَدْيِ التَّمَتُّعِ، وَبِخَاصَّةٍ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ التَّمَتُّعَ وَالْقِرَانَ أَفْضَلُ، لَمْ يَشْتَرِطْ أَنْ لَا يَأْكُلَ؛ لِأَنَّ هَذَا الْهَدْيَ عِنْدَهُ هُوَ فَضِيلَةٌ لَا كَفَّارَةٌ تَدْفَعُ الْعُقوبَةَ. وَمَنْ غَلَّبَ شَبَهَهُ بِالْكَفَّارَةِ قَالَ: لَا يَأْكُلُهُ؛ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ صَاحِبُ الْكَفَّارَةِ مِنَ الْكَفَّارَةِ. وَلَمَّا كَانَ هَدْيُ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَفِدْيَةُ الْأَذَى ظَاهِرٌ مِنْ أَمْرِهِمَا أَنَّهُمَا كَفَّارَةٌ لَمْ يَخْتَلِفْ هَؤُلَاءِ الْفُقَهَاءُ فِي أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ مِنْهَا).
اختلفوا فيمن أكل من الهدي الواجب أو أكل من الهدي التطوع قبل أن يبلغ محله؟
فكان مالك والأوزاعي والشافعي يقولون في الهدي التطوع يعطب قبل محله: أنَّ على صاحبه أن يُخلِّي بينه وبين الناس يأكُلونه ولا يأمر أحدًا يأكل منه فقيرًا ولا غنيًّا يتصدَّق ولا يطعم وحسبه والتخلية بينه وبين الناس.
وكذلك قال أبو حنيفة: إلا أنَّه قال: يتصدَّق به أفضل من أن يَتركه للسباع فتأكُلَه.
* قوله: (قَالَ الْقَاضِي: فَقَدْ قُلْنَا فِي حُكْمِ الْهَدْيِ، وَفِي جِنْسِهِ، وَفِي سِنِّهِ، وَكَيْفِيَّةِ سَوْقِهِ، وَشُرُوطِ صِحَّتِهِ مِنَ الزَّمَان وَالْمَكَانِ، وَصِفَةِ نَحْرِهِ، وَحُكْمِ الانْتِفَاعِ بِهِ. وَذَلِكَ مَا قَصَدْنَاهُ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ، وَبِتَمَامِ القَوْلِ فِي هَذَا بِحَسَبِ تَرْتِيبنَا تَمَّ القَوْلُ فِي هَذَا الْكِتَابِ بِحَسَبِ غَرَضِنَا، وَلِلَّهِ الشُّكْرُ وَالْحَمْدُ كَثِيرًا عَلَى مَا وَفَّقَ وَهَدَى وَمَنَّ بِهِ مِنَ التَّمَامِ
شُرُوطِ الحَرْبِ. وَالخَامِسُ: مَعْرِفَةُ العَدَدِ الَّذِينَ لَا يَجُوزُ الفِرَارُ عَنْهُمْ. وَالسَّادِسُ: هَلْ تَجُوزُ المُهَادَنَةُ؟ وَالسَّابعُ: لِمَاذَا يُحَارَبُونَ؟).
(الفَصْلُ الأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِ هَذِهِ الوَظِيفَةِ
فَأَمَّا حُكْمُ هَذِهِ الوَظِيفَةِ، فَأَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهَا فَرْضٌ عَلَى الكِفَايَةِ (١)، لَا فَرْضُ عَيْنٍ) (٢).
معنى كونه "فرض كفاية": "إذا قام به بعض المسلمين، سقط الإثم عن باقيهم" (٣)، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢]، وقول: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥].
стр. 4461
* قوله: (إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الحَسَنِ، فَإِنَّهُ قَالَ: إِنَّهَا تَطَوُّعٌ (١)، وَإِنَّمَا صَارَ الجُمْهُورُ لِكَوْنِهِ فَرْضًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١٦]، وَأَمَّا كَوْنُهُ فَرْضًا عَلَى الكِفَايَةِ، أَعْنِي: إِذَا قَامَ بِهِ البَعْضُ سَقَطَ عَنِ البَعْضِ، فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ الآيَةَ [التوبة: ١٢٢]، وَقَوْلِهِ: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥]).
جَاءَ المؤلف بمحلِّ الاستشهاد، أو بجزءٍ منه، والآية هي: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥]، وأنَّ رسولَ اللَّه ﷺ لَمْ يذهب إلى الجهاد في كل موقف، وإنما بقي ﷺ ومعه نفرٌ من أصحابه في المدينة.
وحصل ذلك أيضًا في زمن الخلفاء الراشدين، وفيمن بعدهم من الأئمة.
* قوله: (وَلَمْ يَخْرُجْ قَطُّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْغَزْوِ إِلَّا وَتَرَكَ بَعْضَ النَّاسِ، فَإِذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ، اقْتَضَى ذَلِكَ كَوْنَ هَذِهِ الوَظِيفَةِ فَرْضًا عَلَى الكِفَايَةِ، وَأَمَّا عَلَى مَنْ يَجِبُ. . .).
سيتكلَّم المؤلف عن شروط الجهاد، وهي شروط سبعة يذكرها العلماء وإن اختلفوا في تفصيلها؛ لكنها موضع اتِّفاق بينهم.
* قوله: (فَهُمُ الرِّجَالُ الأَحْرَارُ).
الجهاد له شروط سبعة ذَكَرها العلماء في كُتُبهم، وأولها الإسلام، ثم
стр. 4462
البلوغ، والعقل، وهذه شروطٌ يَذْكرها العلماء عامة في فروع هذه الشريعة، وقد تكلَّمنا عن ذلك في الصلاة والزكاة والحج.
فالإسلام والبلوغ والعقل والذكورية والحرية والقدرة على الجهاد، وأن يكون صحيحًا، هذه شروطه، وسنفصل القول في كلِّ واحدٍ منها، ثم آخرها وجوب النفقة، فهذه شروط سبعة: "الإسلام والبلوغ والعقل والحرية والذكورية والقدرة على النفقة والصحة" بأن يكون قادرًا على الجهاد، ليس أعمى، وليس به مرض يمنعه، ولا يكون أعرج عرجًا يمنعه.
فالمؤلف لم يذكر الشروط الثلاثة الأُولى، ولعله اكتفاءً بما مرَّ، وإنما ينبغي أن يذكرها؛ لأن المقام يتطلب ذلك، فأوَّل هذه الشروط:
١ - الإسلام: ومعلومٌ أنَّ أي عمل لا يمكن أن يُقْبل ما لم يصحبه الإسلام؛ لأن اللَّه يقول في شأن الكافرين: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣].
ويقول أيضًا: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٥٤].
فَالإسلام ضدُّه الكفر، والكافر لا يقبل اللَّه منه صرفًا، ولا عدلًا، والجهاد إنما هو طاعةٌ للَّه ، وقربةٌ إليه، فهو عمل صالح، والعمل الصالح لا يقبل إلا مع الإسلام، ولذلك نجد أن اللَّه عندما يذكر الأعمال، يربطها بالإيمان، وهذا الإيمان هو العقيدة التي كثيرًا ما نتكلم عنها، وننوِّه بشأنها، ونبيِّن أهميتها، وهي التي بيَّنها اللَّه في كتابه العزيز في قوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
وقال في الآية الأُخرى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩].
وحديث جبريل المشهور عندما جاء إلى رسول اللَّه ﷺ في صورة رجلٍ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر. . . إلى آخره، فسأله عن
стр. 4463
الإيمان؟ فقال: "أن تؤمن باللَّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" (١).
ولهَذَا، نجد أن الكتاب العزيز عندما يتحدَّث عن الأعمال، نجد أنه يقرنها بالإيمان، فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
وقال أيضًا: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾ [النساء: ١٢٤].
ويَقُولُ في قصة مؤمن آل فرعون: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠)﴾ [غافر: ٤٠].
فَهَذا العمل الصالح لا بد أن يكون قد بُنِيَ على أساس قاعدة متينة هي أصل هذا الدِّين ولُبه، وهي هذه العقيدة الإسلامية، فالكافر لا يقبل منه هذا العمل (٢)؛ لأن عملَه مردودٌ؛ إذ لا أساس يُبنى عليه، فالكافر يُجَازى على تركه الفروع (٣)، كما أنه أيضًا يُجَازى على الأصل الأعظم، ألا وهو ترك الإيمان باللَّه ، وبرسوله ﷺ .
٢ - البلوغ؛ أي: يشترط في المجاهد أن يكون بالغًا، ولذلك نجد
стр. 4464
أن رسول اللَّه ﷺ ردَّ عبد اللَّه بن عمر وعُمُره أربعة عشر عامًا (١)، ورد البراء بن عازب وكان ذلك يوم أُحُد (٢)، وفيه من تحدث على أن ذلك في بدر.
فالبلوغ مطلوب، ولذلك نجد أن رسول اللَّه ﷺ يقول: "رفع القلم عن ثلات: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يبلغ. . . " (٣)، فهذا دليل من الناحية النقلية، فيشترط في المجاهد أن يكون بالغًا؛ أي: يجب ذلك في تَعيُّن الوجوب، أو حتى في حالة فرض الكفاية، أما الصبي فَكَما ورد في الحديث، ولأن الصبي لا يُطِيقُ مثل هذه الأمور؛ لمَا فيه من الضعف، ولذلك لا يكون الجهاد مطلوبًا في حقه.
٣ - العقل: لأن المجنون غير مكلَّف، ولذلك ذكره من ضمن الثلاثة الذين رُفِعَ عنهم القلم: ". . . وعن المجنون حتى يفيق" (٤)؛ أي: حتى يرجع إلى عقله، هؤلاء ثلاثة لم يعرض لهم المؤلف، ولعل عذره في ذلك أنه تكرر، لكن المقام يقتضي أن ننبِّه إلى ذلك.
* قوله: (الرِّجَالُ الأَحْرَارُ).
أوَّل شَرْطٍ هو: (الرجال)، فيخرج به النساء، ولذلك لما سألت عائشة ﵂ رسول اللَّه ﷺ : هل على النساء من جهادٍ؟ رد عليها
стр. 4465
رسول اللَّه ﷺ قائلًا: "عَليهنَّ جهادٌ لا قتال فيه؛ الحج والعمرة" (١)، فجهاد المرأة إنَّما هو في الحج والعمرة، ولأن الجهاد أيضًا يُطْلب فيه القوة والشجاعة، والمرأة معروفة بضَعْفها وبِخَوَرها، ولذلك لا تتوفر فيها هذه الشروط إلى جانب كون هذه المرأة عورة، لكن لا مانع أن يُقدِّم النساء خدمات للمجاهدين في معالجة الجرحى، وفي جلب الماء، فهذا أمر طيب قد حصل شيء منه في زمن رسول اللَّه ﷺ (٢)، لَكن أن تجاهد المرأة بأن تحمل السيف أو نحوه، فهذا غير مطلوبٍ منها.
إذًا، من شُرُوط الجهاد: أن يكون مسلمًا بالغًا عاقلًا ذكرًا.
وكذلك الحرية، والحرُّ يقابله المملوك، وهذا شرط موضع اتفاق عند العلماء (٣): أن يكون المجاهد حرًّا، ودليل ذلك: أن رسول اللَّه ﷺ عندما
стр. 4466
كان يبايع المسلمين، كان يبايع الحر على الإسلام والجهاد في سبيل اللَّه، وكان يبايع العبيد على الإسلام فقط (١)، فدل ذلك على التفريق بينهما، وهذا دليل نقلي.
وأما من الناحية العقلية: فإن العبد منافعه مملوكة لسيده، والجهاد غالبًا يحتاج إلى سفر، فبسَفَره تتعطل مصالح سيده، ولذلك لا يكون الجهاد واجبًا في حقه.
* قوله: (البَالِغُونَ الَّذِينَ يَجِدُونَ بِمَا يَغْزُونَ).
فينبغي أن يجد الشيء الذي يغزو به، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، فيُشْترط في الجهاد: وجود النفقة، أما لو كانت الدولة تدفع النفقات، فتكون النفقة بذلك قد تَحقَّقت.
* قَالَ: (الأَصِحَّاءُ لَا المَرْضَى).
كَذَلك أيضًا يُشْترط في المجاهد أن يكون صحيحًا، لا أعمى، فالأعمى لا يستطيع أن يجاهد؛ لأنه لا يعرف، والأعرج مستثنًى من ذلك في قوله اللَّه : ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾، لكن هنا ينبغي أن نقف وقفات بالنسبة للأعمى، فلا خلاف فيه؛ ولكن لو كان الإنسان يبصر بعضَ الإبصار بمعنى أنه ضعيف البصر، ولا يؤثر عليه، فإنه يجاهد؛ لأنه لا يشترط في المجاهد أن يكون حادَّ البصر.
وأمَّا بالنسبة للأعرج، فليسَ على إطلاقه، وإنَّما المقصود بالأعرج
стр. 4467
الَّذي لا جهاد عليه، وهو الذي يشق عليه العرج، ولا يستطيع أن يمشي مشيًا معتادًا، أما الأعرج الَّذي لا يستطيع أن يجاري الصحاحَ في جريهم وسباقهم، فهذا لا يؤثر، المهم أنه يثبت، وأن يستطيع القتال.
وأما المريض، فالمراد به هنا الذي تلحقه مشقةٌ وضررٌ بالجهاد، أما المرض اليسير من أَلَمٍ في الجسم، أو من صداعٍ يسيرٍ، ونحو ذلك، فهذا لا يمنع المسلم من الجهاد، وإنَّما عليه أن يجاهد في هذه الحالة.
إذًا، الذي لا يجاهد هو الأعمى الذي لا يرى، وَكَذلك الأعرج الذي أثَّر فيه هذا العرج، والمريض الذي تلحقه مشقة وألم وشدة فيما لو جاء في هذا الموقف.
* قوله: (وَلَا الزَّمْنَى) (١).
وهُوَ الذي أصابه مرض مزمن أقعده على الفراش، فهذا لا يجاهد، وهو داخلٌ ضمن المرضى، بل هذا يأتي في مُقدِّمتهم، وهذا تيسيرٌ من اللَّه ، فهذا الجهاد أمرُهُ عظيمٌ، ولذلك جاء في الحديث الصحيح أن رسول اللَّه ﷺ قال: "انتدب اللَّه لمَنْ جاهد في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي إيمانًا بي، وتصديقًا برُسُلي؛ فإني أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلًا ما نال من أجرٍ، أو غنيمةٍ، أو أدخله الجنة".
ثمَّ يقول رَسُولُ اللَّه ﷺ بعد ذلك: "ولَوْلَا أن أشقَّ على أُمَّتي لما قعدت خلف سرية -أي: لما تخلفتُ عن معركةٍ واحدةٍ- ولوددت أن أقاتل فأقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل" (٢).
إن الرسول اللَّه ﷺ يتمنى الجهاد في سبيل اللَّه، وأن يقتل في هذا الجهاد، ثم تُعَاد إليه حياته، ثمِ يُقْتل، ثم يقاتل، ثم يقتل مرةً أُخرى، واللَّه تعالى يقول: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ
стр. 4468
يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
ولَا شكَّ أن من أجلِّ القُرُبات التي يتقرَّب بها المسلم إلى ربه إذا حانت له الفرصة أن يجاهد في سبيل اللَّه ؛ لأنه في هذا الموقف يبيع أعز وأغلى ما عنده، ألا وهي حياته، يبيعها في سبيل اللَّه ابتغاء مرضات اللَّه؛ لينال جنةً عرضها السماوات والأرض أعدها اللَّه للمجاهدين في سبيله.
* قوله: (وَذَلِكَ لَا خِلَافَ فِيهِ)
أي: أن هذه الشروط لا خلافَ فيها، وقد أوردنا أدلتها؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]، وليس معنى هذا أن يستدلَّ بها بعض الجهال على سقوط التكاليف، ففي أمر الصلاة لا تسقط عن الأعمى ولو صلاة الجماعة، ولا على الأعرج، ولا حتى المريض الذي عجز أن يصلي قائمًا "فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب"، وإذا لم يستطع ذلك يشير بإصبعه، فإن لم يستطع فلو بطرفه، فَهَذا الكلامُ في أمر الجهاد، وهذه الشريعة ليس فيها مشقةٌ على عباد اللَّه.
* قوله: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧]، وَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة: ٩١]).
الجهاد غَالبًا يحتاج إلى سَفَرٍ، فيحتاج الإنسان إلى دابة، أو حافلة تنقله، فإنْ تيسرت له هذه، تعيَّن عليه الجهاد، وكان ممن دخلوا في حكم المجاهدين؛ لأن هذا أمر مطلوب، كما في الآية: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ [التوبة: ٩٢].
* قوله: (وَأَمَّا كَوْنُ هَذِهِ الفَرِيضَةِ تَخْتَصُّ بِالأَحْرَارِ، فَلَا أَعْلَمُ فِيهَا
стр. 4469
خِلَافًا، وَعَامَّةُ الفُقَهَاءِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ هَذِهِ الفَرِيضَةِ إِذْنُ الأَبَوَيْنِ فِيهَا) (١).
الأبوان لا يخلوان من حالين:
١ - إما أن يكون والدا هذا المجاهد مسلمين أو غير مسلمين، أو أن يكون أحدهما: مسلمًا، والآخر: غير مسلم، فمَنْ كان له أبوان مسلمان، أو كان أحدهما: مسلمًا، والآخر: غير مسلم؛ فلا ينبغي للمسلم أن يجاهد إلا بعد إذنهما، وقد وردت في ذلك عدة أحاديث، منها: قصة الرجل الذي جَاءَ إلى رسول اللَّه ﷺ ، وَطَلب منه أن يجاهد، فسأله فقال: "ألك أبوان؟ "، فقال: نعم. قال: "ففيهما فجاهد" (٢).
وفي قصة الرجل الذي قدم من اليمن إلى رسول اللَّه ﷺ ليجاهد
стр. 4470
معه، فذكر له أن له أمًّا، فسأله: أخذت رأيها؟ فقال: لا. قال: "إن الجنة تحت أقدام الأمهات" (١).
وفي قصة الآخر الذي جاء أيضًا ليجاهدَ مع رسول اللَّه ﷺ ، فسأل الرسول ﷺ : "هل له أبوان؟ "، فذكر أن له أبوين، وأنه تركهما يبكيان، فأمره أن يعود إليهما فيضحكهما كما أبكَاهما (٢).
يسأل سائلٌ: هذا جهاد في سبيل اللَّه، وطاعة للَّه ، ودفاع عن هذه الشريعة، ودفاع عن هذا الدِّين، ودفاع عن بيضة هذا الإسلام، وعن هذه العقيدة الإسلامية، فكيف يأخذ الإنسان رأي والديه في طاعة اللَّه ؟
الجواب: لأن برَّ الوالدين فرض عين، والجهاد إنما هو فرض كفاية، أما عندما يتعيَّن الجهاد على المسلم، ففي هذه الحالة لا يُشْترط أن يأخذ رأي والديه، كما لو الْتحَم الصفان، وصرخ به أحد والديه، أو جاء العدو فطوَّق بلاد المسلمين؛ فإنه في هذه الحالة لا يأخذ رأي أَحَدٍ.
لَكن يَبْقى سؤالٌ وهُوَ: لو أن الوالدين أو أحدَهما أَذِنَ لابنه بالجهاد، ثم رجع عن قوله، فهل يلزمه؟
فسَّر العلماء القول في ذلك، فقالوا: إن كان ذلك قبل أن ينضم إلى المعركة وقبل السفر، فلهما ذلك، وإن كان بعد اشتراكه في القتال فلا. . هذا فيما يتعلَّق بالوالدين المسلمين، فلا بد من أَخْذ رأيهما، وأحاديث رسول اللَّه ﷺ صريحة في ذلك.
стр. 4471
٢ - أمَّا الحالة الثانية: وهي أنا يكون الوالدان أو أحدهما كافرًا، ويمنع ابنه من الجهاد في سبيل اللَّه، فهل يأخذ رأيه؟
الجواب: عامة العلماء لا يرون ذلك؛ أي: لا يأخذ رأي الوالد الكافر؛ أبًا كان أو أمًّا (١).
وَنقل عن الثوريِّ أنه قال: "يأخذ رأيهما"؛ لأنَّ الأحاديثَ عامة في ذلك (٢)، ولم يخص الرسول ﷺ ذلك بالمسلم دون غيره، ولكن الكلام كله كان في حق المسلمين، ورأي الجمهور هو الصواب في ذلك إن شاء اللَّه تعالى.
* قوله: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ فَرْضَ عَيْنٍ، مِثْلَ أَلَّا يَكُونَ هُنَالِكَ مَنْ يَقُومُ بِالفَرْضِ إِلَّا بِقِيَامِ الجَمِيعِ بِهِ).
يَعْني: إذا تعيَّن الجهاد علَيه في الحالات الثلاث التي مرَّت بنا، مثلًا إذا استنفر الإمام المسلمين، أو طوَّقهم العدو، أو التقى الصفان؛ أي: التقى الزحفان، في واحدةٍ من هذه الحالات لا يُسْتَأذن أحدٌ في أمر الجهاد.
стр. 4472
* قوله: (وَالأَصْلُ فِي هَذَا مَا ثَبَتَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنِّي أُرِيدُ الجِهَادَ، قَالَ: "أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ "، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ" (١)).
برُّ الوالدين جهاد؛ لأن الابن الصالح التقي الذي يعرف قيمة الوالدين، ويَلْتزم بما جَاء في كتاب اللَّه ، وبما جاء عَنْ رسول اللَّه ﷺ من أقوالٍ وَوَصايا، يجد أن أمر الوالدين ليس أمرًا سهلًا، فالعناية بأمرهما وخدمتهما والقيام على شؤونهما وبرهما هذا يتطلب من الإنسان وقتًا كثيرًا، فالقيام بشُؤُونهما ليس أمرًا سهلًا، وقصة أويس القرني الذي لم يلحق برسول اللَّه ﷺ ، وبقي في الصحراء مع أُمِّه، يأتي رسولُ اللَّه ﷺ نجدًا ويوصي عمرَ بن الخطاب إنْ ظفر بأويس أن يسأله أن يدعو اللَّهَ له، وعمر بن الخطاب من المبشرين بالجنة، وينزل القرآن مؤيدًا لرأيه، ومع ذلك يوصيه رسولُ اللَّه ﷺ إن الْتقَى بأويس القرني أن يطلب منه أن يدعو له؛ لأن ذلك قَضَى حياتَه، وأفنى عُمُره في خدمة أمه، فرضي اللَّه عنه، ويتحيَّن عمر ﵁ الفرصَ، وفي كل موسمٍ من مواسم الحج يسأل عن هذا الرجل الذي يقدم من اليمن، فيرشد إليه، فيطلب منه أن يدعو له، ويسأله أن ينضم إليه، فيعتذر فيعود إلى أمه كما كان (٢).
стр. 4473
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي إِذْنِ الأَبَوَيْنِ المُشْرِكَيْنِ، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي إِذْنِ الغَرِيمِ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ) (١).
أَيْ: لَوْ أنَّ إنسانًا عليه دَينٌ، هل له أن يجاهدَ؟ هناك فرقٌ بين الجهاد والحج، فالحج جهاد؛ لأنه طاعة للَّه ، وهو شبيه بالجهاد؛ لأن الإنسان ربما يقطع الفيافي (٢) والقطار (٣)، ويقضي فترةً طويلةً من عُمُره يجمع المال ليحصل على دابة ليسافر، فالسفر إنَّما هو نوعٌ من الجهاد.
стр. 4474
وَمَع ذلك، رأينا في الحج أن الإنسان إنْ كان عليه دَين، فليس له أن يحج حتى وإنْ أذن له غيره؛ فالسبب في ذلك أن الدَّين متعين على الإنسان، والحج لا يجب إلا بالاستطاعة، كما أمر اللَّه : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، والذي عليه دَين يجب عليه أن يوفي هذا الدَّين، وهو في هذه الحال غير مستطيع للحج، فلا يلزمه الحج؛ لأنه مدين، لكن الجهاد يختلف عنه، فمن كان عليه دَين، فإن أذن له غريمه؛ فإنه يُسَافر للجهاد.
واختلفوا في الحجِّ، فلو جَعَل كفيلًا يقوم على هذا الدَّين؛ فله أن يجاهد (١)، أما لو كان عنده مال يستطيع أن يسدد به هذا الدَّين لو كان هذا الدَّين لم يحل بعد؛ فلَه أن يسافر مجاهدًا في سبيل اللَّه.
فَاختَلفت الصُّور هنا، فنجد أن الدَّين يمنع من الجهاد إذا لم يأذن الغريم؛ لأنَّ الدَّين أمره عظيم، ولو لم يرد فيه إلا حديث رسول اللَّه ﷺ وهو: بينما كان رسول اللَّه ﷺ يخطب أصحابه ذات يوم، فيبيِّن لهم ﷺ أن أفضل الأعمال الإيمان باللَّه ، ثم الجهاد، ثم يقوم رجل فيقول: يا رسول اللَّه، أيكفِّر اللَّه عني خطاياي إن قاتلتُ في سبيل اللَّه؟ فيقول له رسول اللَّه ﷺ : "نعم، إن قاتلتَ صابرًا محتسبًا"؛ أي: صابرًا على القتال، محتسبًا ذلك في سبيل اللَّه، ثم يكرِّر عليه السؤال فيقول: "كيف قلت؟ "، فيقول: أرأيت يا رسول اللَّه لو أنِّي قَاتَلتُ في سبيل اللَّه، أيكفِّر اللَّه عني خطاياي؟ فيقول له رسول اللَّه ﷺ : "نعم، إن قاتلت صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر إلا الدَّين" (٢).
стр. 4475
والشاهد في قوله: "إلا الدَّين"، ففي بعض الروايات: "أَخْبَرني بذَلكَ جِبْريل" (١)، أو "سَارَّنِي به جبريل" (٢)، أو "ذكرَ ذَلكَ لي جبريل آنفًا"؛ أي: نزل عليه جبريل، فبيَّن له خطورة الدَّين.
ومن هنا نجد مكانة الشهداء ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩]، ومع ذلك نجد أن الشهيد يُغْفر له كل شيء إلا الدَّين، فَشَهيد البحر يرضي اللَّه غريمه؛ أي: يعطي غريمه حتى يرضى فيعفو عنه، فَهَذا يدل على خطورة الدَّين، ولذلك كان رسول اللَّه ﷺ إذا جيء بجنازة، وذكر أن عليها دينًا، قال: "صلوا على صاحبكم"، فقال أحد الصحابة: عليَّ يا رسول اللَّه، فصلى عليه (٣).
* قوله: (لِقَوْلِهِ ﵊ وَقَدْ سَأَلَهُ الرَّجُلُ: "أَيُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي خَطَايَايَ إِنْ مُتُّ صَابِرًا مُحْتَسِبًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، إِلَّا الدَّيْنَ، كَذَلِكَ قَالَ لِي جِبْرِيلُ آنِفًا"، وَالجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ (٤)، وَبِخَاصَّةٍ إِذَا تَخَلَّفَ وَفَاءٌ مِنْ دَيْنِهِ).
"الغَرِيمُ" (٥): صَاحب الحقِّ الذي له دَينٌ على آخر.
стр. 4476
جَاء في بعض الرِّوايات مطولًا أن الرَّسول ﷺ كان يعظ أصحابه، فيبيِّن لهم أن أفضَل الأعمال الإيمان باللَّه، ثم الجهاد في سبيل اللَّه ، ثمَّ يقوم هذا الرجل لمَّا سمع من رسول اللَّه ﷺ من عظيم الجهاد وأهميته ومكانته العالية في الإسلام، أيكفِّر اللَّه عني خطاياي إن متُّ في سبيل اللَّه صابرًا كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، ولا يجاهد إلا إنسان ذو صبر، وذو شكيمة وشجاعة وقوة، يجمع بين قوة الإيمان والجلد والصبر على طاعة اللَّه .
"صابرًا محتسبًا"، أَيْ: يحتسب ذلك في سبيل اللَّه، وفي مرضاة اللَّه، فيقول له الرسول ﷺ : "نعم، إن قاتلتَ صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر إلا الدَّين"، فإن كان عليك دَين فلا، لكن إن كان عليه دَين ولا سداد ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، فإنه يجاهد، أو كان هناك إنسان يتكفل بسداده، أو كان عنده مال يسدد له منه، أو أذن له هذا الغريم الدائن صاحب الحق؛ فإنه يجاهد.
قال المصنف ﵀:
(الفَصْلُ الثَّانِي فِي مَعْرِفَةِ الَّذِينَ يُحَارَبُونَ
فَأَمَّا الَّذِينَ يُحَارَبُونَ، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُمْ جَمِيعُ المُشْرِكينَ (١)؛ لِقَوْلِهِ
стр. 4477
تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]).
مَنْ هُمُ الذين يُحارَبون؟ هل يُحارَب كل كافرٍ أو صنفٍ من أصناف الكفار؟
الكفار أصناف، فمنهم أهل الكتاب (يهود ونصارى)، وكذلك أيضًا المجوس الذين لهم شبهة كتاب، وهناك الصابئة (١)، وهناك عبدة النار، وعبدة الأوثان وعبدة الأصنام. . . أصناف كثيرة، وكلهم يدخلون تحت كلمة الكفر أو الشرك باللَّه .
قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩].
стр. 4478
وقال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وهذا عامٌّ في كل كافرٍ.
* قوله: (إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الحَبَشَةِ بِالحَرْبِ، وَلَا التُّرْكُ) (١).
لماذا استثني الحبشة والأتراك؟ (٢)، الحبشة هم سكان الحبشة، والأتراك هم الذين يقيمون في تركيا أو الذين خلفهم، وتركيا -بحمد اللَّه- بلاد مسلمة، ونسأل اللَّه أن يمنَّ عليهم.
يَقُولُ الإمامُ مالكٌ ﵀: لا يبتدئ الحبشة ولا الأتراك، ولكن نجد أن ابن عبد البر (٣) عندما سرد هؤلاء، خالف إمامه في هذه المسألة، وهو مذهب بقية الأئمة، فلا فرق بين كافرٍ وكافرٍ.
* قوله: (لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: "ذَرُوا الحَبَشَةَ مَا وَذَرَتْكُمْ").
هذا الحديث أورَده الإمامُ مالكٌ في "الموطإ"، ورواه أيضًا أبو داود
стр. 4479
بإسنادٍ حسنٍ (١) بلفظٍ قريبٍ من هذا: "دَعُوا الحبَشَة ما وَدَعوكم، واتركوا الترك ما تَرَكوكم"، وأوضح ذلك: "دَعُوا الحَبَشة ما وَدَعوكم"، فهذا دَليلٌ نسميه (المعتل المثال)، وهذا قليل ما يأتي ماضيًا، فإنه يأتي في صورة المضارع (يدع) (٢) بمعنى: يترك، و"دع" بمعنى "اترك".
"دَعُوا الحَبشَة ما وَدَعُوكُمْ"، يعني: اتركوا الحبشة ما تركوكم، أَيْ: إذا غفلوا عنكم، فاغفلوا عنهم، "واتركوا الترك ما تركوكم"، فهذا حديث حسن جاء في روايات أُخرى أو بألفاظ أُخرى: "اتركوا الحبشة ما تركوكم، فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة" (٣)، هذا الحديث جاء مطولًا، والكعبة فيها كنز لا يستخرجه إلا ذو السويقتين من الحبشة، و"السويقتين" (٤) تثنية "ساق"، فإذا صَغَّرناه قلنا: "سويق"، ومن المعلوم في علم التصريف الذي من أجزائه التصغير أنك إذا صَغَّرت المؤنثَ الخالي من التاء، فإنك تلحق به التاء، فتقول: "يد"، تصغيرها " يدي"، ثم تلحقها بالتاء فتقول: "يدية"، و"عين عيين عيينة"، وأيضًا "ساق سويقة"، فهنا ذو السويقتين، ولقبوا "ذو السويقتين" بهذا؛ لما عرف في سيقانهم من النحافة، فهذا هو الذي يستخرج كنزَ الكعبة.
وَجَاء أيضًا في "الصحيحين" أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يخرب
стр. 4480
الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة" (١)، وهذا في آخر الزمان كما ذكر العلماء ذلك، وهذا بين الركن والمقام، "ولن يستحلَّ البيت إلا أهله" (٢)، هذا يأتي في آخر الزمان، وأُولَئك الذين ضلَّت أقدامهم، وَجَروا خلف أوهامهم، ووقعوا فيما وقعوا فيه، ولذلك يقول رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ يرد اللَّه به خيرًا، يفقهه في الدِّين" (٣).
ولهذا، نجد أن الفقهاء ﵃، علماء هذا الدِّين، وسلفنا الصالح ومنهم الأئمة الأربعة ما اقتصروا على آيات القرآن والأحاديث، بل أفنوا أعمَارهم، وأمضوا أوقاتهم يَسْتخرجون الأحكامَ من كتاب اللَّه ، ومن سُنَّة رسول اللَّه ﷺ .
ولهذا، في قصة أبي حنيفة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، لماذا تحول من علم الكلام إلى علم الفقه؟ (٤) لعدة أسباب، منها:
١ - وجد الخوض قد صدر في ذلك المقام، مع أن أبا حنيفة ﵀ كان له باعٌ في هذا المقام، وكان يذهب من الكوفة إلى البصرة كل عام لينازل (٥) فرق المعتزلة، ويدافع عن عقيدة التوحيد، ثم نجده بعد ذلك تحول إلى علم الفقه.
٢ - أنه وجد أن الصحابة ﵃ ما كانوا يكثرون الخوض في علم الكلام، فتحول إلى الفقه.
стр. 4481
٣ - سبب آخر يذكره العلماء: أن امرأةً جاءت فوقفت عند باب المسجد في الكوفة لتسأل عن مسألة، فوجدت حماد بن أبي سليمان في حلقة يدرس، وأبو حنيفة في حلقة أُخرى، وأبو حنيفة قد وَهَبَه اللَّه قوةً في البيان وبلاغهًّ، وهذه إنما تأخذ بالألبَاب، وتؤثر في النفوس، فهذه المرأة اتَّجهت إلى هؤلاء، فسألتهم، فلم يجيبوها، ثم تحوَّلت إلى حماد فسألته فأجابها، فنقدت أولئك القوم (١).
لكن الحقيقة أن أبا حنيفة عرض العلوم بين يديه، وأنه لو اشتغل بتدريس الصبيان الصغار، فماذا يحصل في علم الحديث؟ ربما يجرح، ويظل هذا الجرح يتناقله الناس جيلًا بعد جيل، وكلام العُلَماء في قضية الفقهاء الذين يعرفون بـ "مرجئة الفقهاء"، وفي المسألة التي دارت بين ابنه حماد وبين الإمام مالك، وأن ابنه وضح للإمام مالك -رحمهما اللَّه جميعًا- وجهة أبي حنيفة، وأن مالكًا ابتسم في ذلك كالراضي. . . (٢).
стр. 4482
إذًا، الفقهُ أمرُهُ مطلوبٌ، ولا يأتي إنسان ويقول: آخُذُ الفقهَ من الكتاب والسُّنَّة، وهذا الذي يأخذ الحكم من الكتاب والسُّنة هو مَنْ وَهَبه اللَّه باعًا واسعًا، وَرَسختْ قدمُهُ في العلم، ودرس الكتاب والسُّنة، وعرف -كما قال الإمام الشافعي- الناسخَ والمنسوخَ، والمطلقَ والمقيدَ، وكان عنده حظ من ذلك، وقد أتْنى رسول اللَّه ﷺ على الصحابة ﵃، وبيَّن فضلهم ومكانتهم وغزير علمهم، فقال: "لَوْ أنفقَ أحدُكُم مثل أُحُد ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم، ولا نصيفه"، كما بَيَّن رسول اللَّه ﷺ (١).
فالفقه في دين اللَّه مطلوب، سواء كان ذلك في فقه العقيدة، أو الفقه الذي نعرفه بالفروع، فهذا مطلوب من المسلم أن يتفقه فيه، وألا يأتي الإنسان فيتسرع في أمورٍ، إذ إنه يحفظ حديثًا أو آيةً فيقول بأنه عرف العلم، فيفتي ويتكلَّم؛ إنما يجب على المسلم ألا يتكلَّم إلا عن علمٍ وبيِّنةٍ فـ "مَنْ يرد اللَّه به خيرًا، يفقهه في الدِّين" (٢).
* قوله: (وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ صِحَّةِ هَذَا الأَثَرِ، فَلَمْ يَعْتَرِفْ بِذَلِكَ، لَكِنْ قَالَ: لَمْ يَزَلِ النَّاسُ يَتَحَامَوْنَ غَزْوَهُمْ) (٣).
الحديث الذي أوردت روايته هو حديث حسن في "سنن أبي داود"،
стр. 4483
وربما في غيره (١)، وأيضًا قوله: "اتركوا الترك ما تركوكم، واتركوا الحبشة ما تركوكم" (٢). وإلى آخر الحديث الذي أوردت، هذا حديث حسن، وأما قوله ﷺ : "يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة"، فهو في "الصحيحين" (٣).
قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
(الفَصْلُ الثَّالِثُ فِي مَعْرِفَةِ مَا يَجُوزُ مِنَ النِّكَايَةِ (٤) بِالعَدُوِّ
وَأَمَّا مَا يَجُوزُ مِنَ النِّكَايَةِ بِالعَدُوِّ، فَإِنَّ النِّكَايَةَ لَا تَخْلُو أَنْ تَكُونَ فِي الأَمْوَالِ، أَوْ فِي النُّفُوسِ، أَوْ فِي الرِّقَابِ، أَعْنِي: الاسْتِعْبَادَ وَالتَّمَلُّكَ).
العدوُّ أحيانًا يعاقب عن طريق المال، فقد يحرق ماله، ويستولى عليه، ويكون عن طريق الاستعباد وَهُوَ الاسترقاق الذي نعرفه، وقد تُفْرض عليه الجزية، وقَدْ يؤخذ منه الفدية، وَهذه كلُّها حصلت في الإسلام.
* قوله: (فَأَمَّا النِّكَايَةُ الَّتِي هِيَ الاسْتِعْبَادُ (٥)):
قصد بالاستعباد أن يكون عبدًا؛ أي: يُسْترق ويملك إذا أسر،
стр. 4484
فالحربي يُفْعل به عدة أُمور، منها: الاسترقاق الذي يتكلم عنه المؤلف في الاستعباد، لكننا نرَى أن الإسلامَ حضَّ على إعتاق الرقاب، ورغَّب فيها، وبَيَّن فضلها، وأن من كانت عنده جاريةٌ فأدَّبها، وأحسن تأديبها، ثم علمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها، فله أجره من الثواب (١).
* قوله: (فَهِيَ جَائِرةٌ بِطَرِيقِ الإِجْمَاعِ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ المُشْرِكِينَ) (٢).
لا خلاف بين العلماء في الاسترقاق، لكن هل هذا على إطلاقه؟
هناك نوعٌ ممن يستولي عليهم المسلمون ليس أمامهم إلا الاسترقاق؛ كالصبيان والنساء؛ لأن الرسولَ ﷺ نَهَى عن قَتْل النساء والصبيان (٣)، وَفِي قصة غزوة بني المصطلق أن الرسول ﷺ غار على بني المصطلق وهم
стр. 4485
غارون أي: غافلون، فقتل مقاتليهم، وسبى ذراريهم (١)؛ أي: نساءهم وأطفالهم.
* قوله: (أَعْنِي: ذُكْرَانَهُمْ وَإِنَاثَهُمْ).
قصد أن الاستعبادَ لا يخص الرجال دون النساء، ولا الأطفال دون الكبار، ولا الكبار دون الصغار، فإنه يشمل كل هؤلاء، فهناك النساء والأطفال، وهناك الرجال من أهل الكتاب، وهناك النساء من أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، أو مَنْ له شبهة كتاب وهم المجوس، وهناك عبدة الأوثان على اختلاف أنواعهم، فهؤلاء أنواع ثلاثة.
* قوله: (وَشُيُوخَهُمْ وَصِبْيَانَهُمْ؛ صِغَارَهُمْ وَكِبَارَهُمْ إِلَّا الرُّهْبَانَ، فَإِنَّ قَوْمًا رَأَوْا أَنْ يُتْرَكُوا، وَلَا يُؤْسَرُوا) (٢).
"الرهبان": وهم العُبَّاد الذين جلَسوا في الصوامع، وهو مكان العبادة، وانقطعوا للعبادة، وهي عبادة خاطئة؛ لأن واجبَهم أن يدخلوا